- الأسرة المسلمة تساهم في زيادة الكثافة السكانية لأن العدد الكبير شرط من شروط الحضارة.
- للمسجد وبرامجه ومرافقه، وللمدرسة وأنشطتها دور فعال في تحقيق الانطلاق الحضاري.
- من وظائف الإعلام تصحيح أخطاء الحضارة المعاصرة، وإيجاد البدائل ذات العطاء الحضاري الإسلامي، وعرض الجهود الحضارية الإسلامية وإبراز روادها.
- تؤكد التربية الحضارية على استمرار التنسيق التربوي الإعلامي الحضاري.
- للمجتمع مساهماته في إقامة محاضن تربوية تدعم المشروع الحضاري، وإصدار اللوائح والنظم المتوافقة مع المشروع الحضاري.
- هناك ضوابط أساسية في تحقيق التربية الحضارية منها: مراعاة مكانة الحياة الدنيا في ميزان الإسلام، والتحذير من فتنة الأموال والثروات، والتركيز على أن العقيدة الإسلامية هي أساس البناء الحضاري.
ثانياً: التوصيات:
يظهر للباحثين من خلال معايشتهم لأبحاثهم ودراستهم لجوانبها المختلفة أن بعض الأمور لابد من بحثها بحثاً مستقلاً لتحقيق المزيد من الفائدة العلمية ولهذا يقترحون التوصيات، وهذا ما حصل فعلاً بالنسبة لهذا البحث، ولهذا أقدم توصيات البحث في الأمور التالية:
أولاً: يوصي الباحث بإنشاء مركز خاص ببحوث الحضارة في الجامعات، وفي وزارات التربية والتعليم في العالم الإسلامي.
ثانياً: يوصي الباحث بإقرار مادة بعنوان التربية الحضارية في الجامعات الإسلامية، وتكون مفردات هذه المادة مستقاة من فصول هذه الرسالة دراسة وتطبيقا.
ثالثاً: يقترح الباحث عدداً من الرسائل التي يمكن لطلاب الدراسات العليا البحث فيها وهي:
- دراسة أهداف التربية الحضارية لكل مرحلة من المراحل الدراسية وتطبيقاتها العلمية.
- دراسة أسس التربية الحضارية لكل مرحلة من المراحل الدراسية وتطبيقاتها العلمية.
- دراسة معايير التربية الحضارية لكل مرحلة من المراحل الدراسية وتطبيقاتها العلمية.
- دراسة ميادين التربية الحضارية لكل مرحلة من المراحل الدراسية، وتطبيقاتها العلمية.
- دراسة حول واقع التربية الحضارية في المراحل الدراسية وتطبيقاتها العملية.
- دراسة حول واقع التربية الحضارية في المراحل الجامعية وتطبيقاتها العملية.
- دراسة حول واقع التربية الحضارية في الكليات العلمية وتطبيقاتها العلمية.
- دراسة حول واقع التربية الحضارية في الكليات الأدبية وتطبيقاتها العملية.
- دراسة تحليلية وصفية للتربية الحضارية في العصور الإسلامية المزدهرة وتطبيقاتها العملية.
- دراسة تحليلية وصفية للتربية الحضارية من قصص الأنبياء والمرسلين.
- دراسة التربية الحضارية في سيرة الخلفاء الراشدين ﵃.
- دراسة التربية الحضارية من خلال القواعد الفقهية.
- دراسة التربية الحضارية بين أكثر الأمم تقدماً في المجالات الحضارية.
رابعاً: إعداد استبانة مشتقة من عبارات ضوابط ومعايير التربية الحضارية تتلاءم مع نوع العينة التي سيجري عليها تطبيق الاستبانة.
стр. 702
الاختلاط في التعليم – النشأة والآثار
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن عبدالله الأزرق
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز باحثات لدراسات المرأة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: تربية وتعليم
تصنيف فرعي: اختلاط وخلوة
خاتمة وفيها تلخيص النتائج:
يمكن أن نلخص نتائج البحث فيما يلي:
- لم ينشأ الاختلاط في الغرب عن دراسات صحيحة تثبت فوائده في التعليم.
- نشأ الاختلاط في العالم الغربي لأسباب دعت إليها ظروف المرأة وواقعها المزري، والذي منه تزمت رجال الكنيسة تجاهها مع سوء إدارتهم للصراع من جهة أخرى.
- كان من أهم دوافع إصرار الغربيين على اختلاط التعليم حركة المساواة النسوية، الناشئة بفعل ظروف وحيثيات المجتمعات الغربية.
- ساعد على استمرار الاختلاط في التعليم الغربي وتفاقمه، الواقع السياسي، أو الحقوقي الذي كان يخشى فقد ما يعده مكتسبات، بالإضافة إلى بعض الفرضيات الخاطئة التي سادت إذ ذاك، وكذلك بعض الدراسات القاصرة.
- لم يقر الغربيون الاختلاط بيسر وسهولة بل إثر معارك طاحنة تعاقبت جولاتها عبر عقود كثيرة.
- لا يزال الجدل بين الغربيين قائماً حول جدوى الاختلاط، وهل هو مصيدة أم لا.
- بدأت بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في الرجوع عن فرض الاختلاط، والجدال لا يزال محتدماً في دول أخرى.
- الاختلاط في التعليم ببلاد المسلمين يتعارض مع ما ينبغي أن تكون عليه سياسات التعليم وأهدافه.
- من أسباب إحداث الاختلاط في التعليم خدمة أهداف بعيدة عن الإسلام، بل معارضة له قد تنقضه.
- خلص الباحث إلى أن الاختلاط في التعليم بين البنين والبنات عائق عن التحصيل وفقا للنتائج المتكررة المتطابقة للدراسات الطبية والنفسية، وكذلك أفادت التجارب، والدراسات، والإحصاءات، والاستفتادات المتباينة.
- أشار البحث إلى أبرز الفروق الدماغية بين الجنسين المؤثرة على التعليم، وكذلك العضوية والنفسية.
- أشار البحث بين طياته إلى عدة آثار سلبية يعود بها الاختلاط على العملية التعليمية.
وقد تعرض البحث، لطرف من أهم العوامل التي ساهمت في إشاعة الاختلاط بالمجتمعات العربية والإسلامية، وعرض الإحصاءات والأرقام التي تبين الدرك السحيق الذي تردت فيه أخلاق المجتمعات الغربية جراء إشاعة الاختلاط في تعليمها، وأخيراً أشار البحث إلى سبيل الخروج من واقع الاختلاط المظلم.
هذا وفي الختام أدعو المختصين في المجالات الطبية والتربوية والاجتماعية ونحوها للاستفادة من البحوث التي أشير إليها ومن غيرها، ومن ثم إخراج ثمرتها وتوظيفها التوظيف الأمثل الذي يرضي ربهم أولاً، ويخدم العملية التعليمية وبخاصة في البلدان الإسلامية ثانياً، فإن المختص أقدر من غيره على التحرير والتنقيب والبحث في مجال اختصاصه.
стр. 703
المدارس الأجنبية في الخليج – واقعها وآثارها
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن أحمد البداح
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: تربية وتعليم
تصنيف فرعي: مدارس
الخاتمة:
١) النتائج:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
فبعد الانتهاء من هذا البحث – ولله الحمد والمنة – فقد اتضحت لي النتائج التالية:
١ - دولة البحرين دولة مسلمة وكان نظامها الاجتماعي والقضائي قائماً على الشريعة الإسلامية والالتزام بها حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.
٢ - بدأ التحول في المجتمع البحريني منذ ثلاثينات القرن المنصرم مع إلغاء القضاء الشرعي وتعطيل الحدود من قِبَل المحتل الأجنبي.
٣ - برز التحول في المجتمع البحريني في الخمسينات الميلادية مع رجوع المبتعثين والمبتعثات من الخارج الذين كانوا يحملون الفكر المتحرر من ضوابط الدين وحدود القيم.
٤ - غلبت الصبغة الغربية على المجتمع منذ منتصف الستينات الميلادية وحتى بداية الثمانينات مع بداية انطلاق الصحوة الإسلامية.
٥ - لا يجوز السماح بافتتاح المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية لما تمثله من خطر كبير على العقيدة واللغة والأخلاق والثقافة.
٦ - التعليم الأجنبي كان أول وأقوى عامل تغربي في المجتمع البحريني، إذ كانت المدرسة الأجنبية أول مؤسسة تعليمية نشأت في البحرين، كما أن المبتعثين إلى الخارج هم الذين تولوا أزمة الوزارات الحساسة في الدولة خاصة في مجالي التعليم والإعلام.
٧ - عوامل التغريب والإفساد في المجتمع البحريني – وهي ليست مختصة به بل تنسحب على غيره من المجتمعات الإسلامية – تتمثل في: (المدارس الأجنبية، الأندية المشبوهة، الجمعيات النسائية التغريبية، الكنائس، الصحافة العلمانية وكتابها النحرفون).
٨ - من خلال أدوات الدراسة (الاستبانة، المقابلة، الاستقراء) اتضح لي أن هناك تأثيراً سلبياً وخطيراً للتعليم الأجنبي على الجوانب اللغوية والاجتماعية والأخلاقية والثقافية والعقدية في المجتمع البحريني.
٩ - ثبت للباحث أن ما يوضع من ضوابط لتخفيف آثار التعليم الأجنبي ليس لها أي دور في ذلك، وإنما هي وسيلة لتسويقه وتمريره في المجتمعات الإسلامية.
١٠ - السماح بإنشاء المدارس الأجنبية مظهر من مظاهر التبعية والتقليد ونتيجة للهزيمة النفسية التي يعاني منها المسلمون في الوقت الحاضر.
١١ - التعليم الأجنبي غزو للأمة وأفرادها في دينهم وأخلاقهم ولغتهم وانتمائهم لأمتهم وبلادهم، والواجب الديني والمسؤولية الوطنية تقضي بمواجهته.
١٢ - تمارس الجمعيات النسائية التغريبية دوراً كبيراً في صرف المجتمع عن دينه وأخلاقه وهي ربيبة الاستعمار ووليدة المحل وتلقي الدعم المادي والمعنوي منه وتلتقي مع المدارس الأجنبية في ظروف النشأة واتحاد الهدف.
١٣ - تعتبر الأندية الأجنبية كالروتاري واللوينز أندية مشبوهة تعمل تحت ستار العمل الخيري لتحقيق أهدافها العالمية الرامية إلى إضعاف الولاء للدين والأمة والوطن ولها صلتها الوثيقة بالمدارس الأجنبية من جهة ارتباطها بالأجنبي وسعيها لتحقيق أهدافها.
١٤ - الكنائس في البحرين ليست دوراً للعبادة فحسب وإنما تؤدي أدواراً أخرى تتمثل في تثبيت النصرانية في المنطقة ورعاية شؤون النصارى والدعوة إلى دينها في أوساط المجتمع المسلم من خلال آليات وأساليب مختلفة.
١٥ - ثبت من خلال الدراسة أن الاحتلال البغيض يقف خلف كل انحراف وقع في المجتمع البحريني – في البداية – إما من جهة إيجاده أو السماح به أو دعمه وما مظاهر الانحراف الموجودة في المجتمع في الوقت الحالي إلا امتداد لتلك البدايات الأولى.
стр. 704
١٦ - إن كان الاحتلال العسكري قد خرج من البلاد فلا تزال أمريكا في ظل هيمنتها على العالم تمارس دور المحتل في السابق من خلال سفارتها التي تدعم كل توجه أو شخصية منحرفة تسعى إلى تغريب المجتمع ومسخ هويته.
١٧ - قام علماء السنة في البحرين بجهد مشكور في مقاومة المد التنصيري من خلال الكلمة والمكتبة والمدرسة وكان لهم الأثر الواضح في التخفيف من آثاره وتبعاته.
١٨ - قامت الجمعيات الإسلامية في البحرين على تفاوت بينها بمواجهة التنصير بحماية النشء من الجنسين من خلال وضع البرامج الثقافية والمراكز الاجتماعية والدورات التعليمية ونشر الكتاب الإسلامي، وحمل عبء دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.
١٩ - ثبت للباحث ضعف المؤسسة الرسمية في البحرين في ممارسة دور الرقابة على المدارس الأجنبية من جهة وعدم تقويم تجربتها على ضوء مخرجاتها ومعطياتها من جهة أخرى.
٢٠ - ثبت للباحث تهافت حجة السماح بالتعليم الأجنبي بدعوى وضع الرقابة عليه، لأن الرقابة – في الواقع – عاجزة عن الحد من أخطاره أو التخفيف من آثاره باعتباره مشكلة أصلاً.
٢١ - كان للمثقفين في البحرين موقف من التعليم الأجنبي يتضمن رفضه والتنديدي به وإقامة المؤسسات الثقافية المناوئة له في حين كان من المثقفين المتشبعين بالثقافة الغربية من أشاد بالتعليم الأجنبي باعتباره نافذة للاطلاع على حضارة الأجنبي والاستفادة منها.
٢٢ - يجد التعليم الأجنبي إقبالاً من أفراد المجتمع البحريني خاصة من الطبقات الثرية يدفعهم إلى هذا الرغبة في المستوى التعليمي الجيد لتلك المدارس واستخدامها للتقنية في التعليم، إضافة إلى قوة اللغة الأجنبية فيها وتهيئتها الطالب لسوق العمل مقابل ضعف التعليم الحكومي.
٢٣ - لعل من أبرز مساوئ المدرسة الأجنبية حصول الفصام النكد بين المثقفين والثقافة الإسلامية إذ أصبح حمل الثقافة الإسلامية خاصاً بالمتخصصين في العلوم الشرعية في حين أن كثيراً من المثقفين والذين يجدون الصدارة في الإعلام بوسائله المختلفة إنما يحملون ثقافة الأجنبي وفكره وهويته وعليه فهم جنوده – شعروا أو لم يشعروا – يعملون على تنفيذ فكره ونشر ثقافته في المجتمع.
٢٤ - انتشرت الصحوة الإسلامية في المجتمع البحريني في شرائحه وطبقاته كافة. بينما فلول العلمانية والشيوعية والبعثية والقومية منكفئة على نفسها منحصرة في زاوية ضيقة بعد أن لفظها المجتمع وألقاها ضمن زبالات الفكر القديم التي لم تعد تجد لها رواجاً في المجتمع المسلم.
٢٥ - كان لعلماء العالم الإسلامي في أنحائه كافة ... مصر والشام والعراق والجزيرة العربية والهند والباكستان وغيرها دور في التحذير من التعليم الأجنبي وبيان أخطاره وأثره السلبي على الناشئة في عقيدتهم وأخلاقهم وتصوراتهم.
٢) التوصيات:
وفي ختام هذه الدراسة أرى أنه من الضروري لمواجهة التعليم الأجنبي وأخطاره الأخذ بعدد من التوصيات والمتقرحات من أهمها ما يلي:
١ - أن يتنبه المهتمون بالشأن العام من العلماء والدعاة والتربويين وأصحاب القرار في العالم الإسلامي إلى خطورة التعليم الأجنبي وآثاره النكدة على الناشئة من الجنسين.
٢ - أن تقوم المؤسسات الإسلامية كالجامعات والجمعيات وغيرها بتبني مثل هذه الدراسات الميدانية وتوجيهها ودعمها مادياً ومعنوياً لما تمثله من خدمة للأمة في جوانب مهمة وحيوية.
٣ - أن تتنبه الدول الإسلامية وخاصة دول الخليج لخطورة بناء الكنائس وإنشاء المدارس الأجنبية على أراضيها لما تمثله من مساس بالقيم الإسلامية والقومية والوطنية.
стр. 705
٤ - تمكنت القوى التنصيرية من محاصرة الجزيرة العربية بالمواقع التنصيرية من خلال زرع الكنائس في الكويت والبحرين وعمان والإمارات وأخيراً قطر ومنح جنسية بعض تلك الدول للنصارى لتثبيت أقدامهم فيها مما يوجب التنبيه لهذا الواقع ودراسته ووضع الحلول له.
٥ - أن يتحمل ذوو اليسار والغنى في المجتمعات الإسلامية مسؤوليتهم تجاه أمتهم من خلال تبني المشروعات التعليمية للمراحل كافة – خاصة وأنها مشروعات ذات مردود اقتصادي جيد – وإسنادها إلى المتخصصين من الأمناء والأكفاء للإسهام في دفع عملية التعليم في المجتمع المسلم من جهة ولمواجهة التعليم الأجنبي من جهة أخرى.
٦ - أن تقوم المؤسسات الإسلامية المشتغلة بالعمل الخيري والإغاثي بالاهتمام بالمشروعات التعليمية من خلال التوسع في إنشائها وتقديم الدعم المادي والمعنوي للقائم منها.
٧ - ضرورة أن تهتم الحكومات الإسلامية والمسؤولون عن التعليم الديني به سواء في المجتمعات الإسلامية أو في مجتمعات الأقليات في الغرب وحمايته من التحجيم أو التقليص سواء في عدد مؤسساته أو في قوة مناهجه أو في توفير الفرص الوظيفية لخريجيه.
٨ - لابد من اتخاذ عدد من التدابير والإجراءات لمنع إنشاء المدارس الأجنبية والاستعاضة عنها بالمدارس الوطنية.
٩ - أن يتم إيقاف السماح ببناء الكنائس في البلاد الإسلامية ومراجعة ما سبق بناؤه من الكنائس حسب أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة أنها أخذت في التوسع والازدياد بشكل ملحوظ مع أدائها لدورها التنصيري والتضليلي.
١٠ - لابد من الكشف عن التيار التغريبي ومراميه في المجتمع المسلم وإيضاح خطره عليه في دينه وأخلاقه وإذا كانت النصرانية تبشر بالنصرانية فإن التيار التغريبي يبشر بالعلمانية في المجتمع المسلم ولهذا فهما وجهان لعملة واحدة.
١١ - على الحكومات والمؤسسات الإسلامية دعم مراكز دعوة غير المسلمين كمواجهة معاكسة للتيار التنصيري، إذ من الخلل البيِّن أن تترك المنظمات التنصيرية تجوب البلاد الإسلامية طولاً وعرضاً بينما يتم تحجيم العمل الإسلامي من خلال إغلاق مؤسساته والتضييق على موارده بدعوى مكافحة الإرهاب.
١٢ - أن تقوم الجمعيات الإسلامية بوضع خطط لعملها في مواجهة التنصير عامة والتعليم الأجنبي على وجه الخصوص ليكون عملها مؤسسياً وقائماً على نظرة شمولية بعيداً عن الارتجالية وردود الأفعال.
وإني أؤكد في ختام هذه الدراسة أنها ليست خاصة بالبحرين، بل هي دراسة من المدارس الأجنبية في أي قطر من أقطار العالم الإسلامي، خاصة في دول الخليج العربي نظراً لتشابه الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية ...
стр. 706
دور التربية الإسلامية في مواجهة التحديات الثقافية للعولمة
المؤلف/ المشرف: صلاح بن ردود الحارثي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة السوادي-جدة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٤هـ
تصنيف رئيس: تربية وتعليم
تصنيف فرعي: تحديات
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ثم الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين؛ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ... أما بعد:
فهذه خاتمة لدراسة – متواضعة حقاً- عن موضوع بالغ الأهمية، بل هو حديث الساعة، وهو ظاهرة العولمة، والتي كثر الحديث عنها في كل مجال, وبكل وسائل الإعلام, ووسائط الاتصال. وقد بدأ الباحث دراسته هذه على النحو التالي:
الفصل الأول: مفهوم العولمة:
في هذا الفصل استعرض الباحث عدداً من المباحث، منها:
١ - المقدمة ..
٢ - المبحث المتعلق بتعاريف العولمة لغة واصطلاحاً، ومترادفات العولمة اللغوية والاصطلاحية، وحاول الباحث تحرير معنى كل مصطلح لغوي أو فني، كما حاول الباحث التجسير بين المعاني اللغوية والاصطلاحية من أجل تجلية حقيقة هذا المفهوم. والذي يراه الباحث، أن العولمة مشروع حضاري غربي منحاز للأمركة، يهدف إلى توحيد الأنماط الحياتية في كل مجال بنمط واحد يتجه نحو الأخذ بالنموذج الذي يستطيع أن يفرض نفسه، والذي ظهر للباحث أنه يتمثل في النموذج الأمريكي.
٣ - أما المبحث الذي يليه فهو عن مرتكزات العولمة. وقد اختار الباحث أهم المرتكزات التي تمثل دعائم تقوم عليها ظاهرة العولمة، وهذه المرتكزات –كما يرى الباحث- توجد في الاقتصاد بوجهه الرأسمالي الليبرالي، وثانياً التقنية بشقيها الإعلامي أو المعلوماتي، وثالثاً الثقافة، حيث يتجسد فيها المحصلة النهائية لظاهرة العولمة، حيث تجلى للباحث بعد دراسة هذه المرتكزات الثلاث، أن الاقتصاد الرأسمالي هو المحرك الفعلي لظاهرة العولمة، ويقوده ملاك الشركات الكوكبية الذين يطمحون إلى فتح أسواق العالم، والوصول إلى كل مستهلك، وتسليع كل شيء.
كما خلص الباحث إلى أن التقنية بكل أشكالها ووسائطها هي الناقل والمجسد لفكر وواقع العولمة، عبر أساليب الإقناع تارة، أو الإغواء والتضليل تارة أخرى.
كما خلص الباحث إلى أن العولمة إنما تستهدف الثقافة؛ لأنه متى ما تم عولمة الثقافة وبث ثقافة العولمة، فقد تحقق بالفعل تجسيد الظاهرة وتحقيق طموحها الساعي إلى رؤية العالم يتجه نحو تقمص قيد ثقافي متجانس، يرمز لثقافة صناع العولمة.
٤ - أما المبحث الذي يليه فهو عن آليات العولمة. ففي هذا المبحث حاول الباحث أن يتعرف على القوى الفاعلة في ظاهرة العولمة، والمتمثلة في بعض المنظمات الدولية والشركات الكونية، والتي يرى الباحث أنها وراء ظاهرة العولمة، وأذرعها التي لا تلوى، فعن طريق هذه المنظمات – السياسية منها أو الاقتصادية أو الثقافية – يتم فرض منطق العولمة على كافة الدول، ومن لا يستجيب من هذه الدول، فإنه سوف يكون عرضة للمساءلة، بل وفرض الرسوم الجزائية، بمثل الحصار الاقتصادي والعزل السياسي .. أو غير ذلك من أساليب السيطرة التي تتمتع بها هذه القوى، والمتمثلة في منظمة التجارة العالمية، التي تمثل بيت الاقتصاد العالمي في ظاهرة العولمة، أو صندوق النقد الدولي، أو أصحاب الاستثمارات الأجنبية ملاك الشركات العملاقة.
الفصل الثاني: التحديات الثقافية للعولمة:
١ - مبحث: مفهوم الثقافة. في هذا المبحث تحدث الباحث عن بعض التعاريف اللغوية والاصطلاحية لمفهوم الثقافة قديماً وحديثاً، ولدى مختلف الشرائع الاجتماعية. وتوصل إلى أن الثقافة تعني التهذيب والتنميط.
стр. 707
كما حاول الباحث أن يصل إلى نتيجة أن ثقافة العولمة ما هي إلا اختراق للثقافات الأخرى عبر منافذ متعددة تؤدي في نهاية المطاف إلى تهميش وإقصاء كل صور الثقافات الأخرى – بل ربما سحقها وتدميرها – لمصلحة الثقافة الغالبة والمتجهة غالباً نحو الأمركة.
٢ - مبحث: الثقافة والتكنولوجيا في عصر العولمة. تحت هذا المبحث حاول الباحث إلقاء الضوء على الدور الكبير الذي لعبته التقنيات الحديثة، ومنها على وجه التحديد: وسائل الإعلام بعمومها، مضافاً إليها وسائط الاتصال – المعلوماتية – في ضخ الثقافة المرغوب فيها.
ولاحظ الباحث أن استحواذ الغرب – وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية – على هذه المنجزات؛ صناعة وإنتاجاً، استغل من أجل بث ثقافة الغرب، وبالذات ذات الصبغة الأمريكية، من أجل تجسيد واقع العولمة الثقافي عبر منافذ الإعلام ووسائط الاتصال.
ويقترح الباحث هنا أن تسارع الدول الإسلامية إلى إيجاد هياكل إعلامية متميزة ونافذة قوية، واستخدام كل وسائل ووسائط التقنية الحديثة ذات مضامين إعلامية ومعلوماتية إسلامية من أجل الوقوف في وجه التحديات الثقافية الوافدة.
كما لاحظ الباحث أن الانسحاب الإسلامي من الساحة الإعلامية يعطي مساحة للآخر ولثقافته الغربية أن تحتل وتشغل هذا الفراغ؛ لذلك يقترح الباحث بأن تملأ الساحة الإعلامية بمضامين إعلامية إسلامية وقائية ودعوية وتثقيفية، كما يقترح الباحث أن تقوم مؤسسات إعلام إسلامية ببث دعوة الإسلام وثقافة الإسلام ومميزات الإسلام إلى العالم الغربي والشرقي، وذلك بإنشاء قنوات إسلامية تستخدم لغات مختلفة، وبالذات منها اللغات الأوروبية وغيرها، حتى لا يكون الإعلام العربي في لغته كمن يخاطب نفسه، والآخر لا يعلم شيئاً عما يقول هذا.
٣ - مبحث: قنوات العولمة الثقافية. حاول الباحث معرفة السبل والطرق التي تتخذ باسم المؤتمرات والندوات، وتستظل تحت سقف بعض المنظمات العالمية الكبرى، والتي يتم خلالها رسم الصورة النظرية لظاهرة العولمة؛ لتتولى بعد ذلك آليات العولمة التي سبق الحديث عنها مهمة التنفيذ لما صدر عن هذه المؤتمرات التي تعقد تحت مسميات مختلفة الهدف، منها: اختراق الثقافات الخاصة، وفك الثوابت الراسخة، ومن ثم إعادة صياغة ذلك صياغة تخدم منطق العولمة الداعي إلى التوحد والتجانس والتسويق لكل شيء، من غير وجود حواجز شرعية أو أخلاقية أو حدود سياسية أو جغرافية، أو أنظمة جمركية ...
وهنا يقترح الباحث أن تعقد مؤتمرات إسلامية فاعلة ومؤثرة، لاسيما وأن العالم الإسلامي بأعداده الهائلة، وبإمكاناته الاقتصادية، وبموقعه الجغرافي، يستطيع أن يؤثر في مجريات الأحداث الدولية متى ما خلصت النوايا وصلح العمل. وأن تستغل هذه القنوات الثقافية من مؤتمرات ولقاءات وندوات عالمية من أجل إسماع الآخرين صوت الإسلام بجرأة وفاعلية، وعرض النموذج الإسلامي بشموله عرضاً يبرز محاسنه وخصائصه, ومدى حاجة البشرية إليه، وذلك من باب الإعذار والإنذار، امتثالاً لقول الحق جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
стр. 708
٤ - مبحث: اختزال بعض القيم الثقافية في عصر العولمة. في هذا المبحث حاول الباحث – وعلى قدر علمه ومدى استطاعته – كشف النقاب عن الجذور النفسية والعقدية الغربية، بحكم أن الغرب هو قائد ظاهرة العولمة، بل وصانع ثقافتها. وخلص الباحث إلى أن العولمة يشم من بعض تطبيقاتها الفكرية والعقدية إعلاء وتعظيم للعنصر الآري – الغربي – بحجة أن هذا العنصر محمل بجميع الفضائل والخصائص الصالحة لبني البشر. وهي دعوة عنصرية بغيضة غير مقبولة، لا من شرع ولا من عقل، بل إن الواقع يكشف حقيقة هذا التزييف والتضليل المخبوء تحت هذه الشعارات.
كما أن من صور الاختزالات التي تحدث في عصر العولمة هو اختزال مصادر المعرفة في الجانب المادي فقط. ولا شك أن لهذا الإجراء الاختزالي عواقب وخيمة، إذ أنه يمثل بالنسبة للمسلمين إلغاء لعالم الغيب بكل مكوناته. والغرب يفعل ذلك بحجة أن هذه الأمور الغيبية لم تثبت مخبرياً، أو لم تخرج مؤيدة بحكم الآلة. ولا شك أن في هذا ظلم، ليس للمسلمين فقط، بل لكل البشرية، حين تحرمها العولمة من مصادر أخرى للعلم، كالوحي المعصوم – من قرآن وسنة – الذي يربط الإنسان بخالقه, وما له وما عليه, وأين مآله عاجلاً وآجلاً، بناء على قربه أو بعده عن منهج الله المستقيم.
ومن صور الاختزال التي يمارسها الغرب ويحاول بثها عبر ظاهرة العولمة؛ هو الاختزال الديني بمعنى محاصرة الدين في ركن الشعائر التعبدية باسم العلمانية اللادينية، وهي دعوة كفرية هادمة لبنيان الدين، وتفريغ للدين من رسالته الداعية إلى بناء الحياة البشرية في ضوء الدين الإسلامي. ولا شك أن هذا الإجراء العلماني – والذي تتبناه العولمة – سيكون له آثار سلبية على الواقع السلوكي، بل وسيكون له آثار سلبية أخرى على نفسية الإنسان حين تتصادم تعاليم الدين مع الواقع الممارس، مما يسبب المزيد من القلق النفسي والتوتر العصبي الذي تعاني منه البشرية اليوم بسبب انفصال المثال عن التطبيق.
٥ - مبحث: المشترك الثقافي. حاول الباحث إلقاء الضوء على أن هناك عناصر ثقافية مشتركة بين بني البشر. وقد حاول الباحث إبراز رؤية الغرب لهذه المفاهيم. ومن أبرز العناصر في هذا المشترك الثقافي – حسب اختيار الباحث – هي:
١ - النظرة إلى الدين: حيث تحاول قوى العولمة العمل على إلغاء أي وجود للدين في حياة الإنسان وعولمة اللادين، عن طريق نشر العلمانية – التي تعني تفريغ الدين من مضمونه ومحاصرته في بعض الأماكن والمناسبات التعبدية – أو تضليل البشرية عن معرفة الدين الصحيح عن طريق تبني دعوة الإبراهيمية وتقديمها للناس على أنها النموذج الصحيح.
٢ - النظرة إلى الإنسان: وخلص الباحث إلى أن الغرب – قائد ظاهرة العولمة – ينظر إلى الإنسان أنه مخلوق في حالة صراع دائم مع الإله الذي خلقه، أو أنه مخلوق حيواني, شهواني, متمرد, ثائر, ومحطم لكل شرع, وخلق, وفضيلة.
٣ - الحرية: تمثل الحرية غاية العولمة، وهي تعني إطلاق سيل من الحريات أمام البشر دون ضوابط شرعية، أو التزامات أخلاقية، إلا ما تقتضيه المصلحة والمنفعة الاقتصادية. وهذا هو لب دعوة العولمة.
٦ - مبحث: الثقافة والهوية الخصوصية في عصر العولمة. تحت هذا المبحث حاول الباحث الحديث عن أهمية الهوية في الحفاظ على كينونة الأمة وتواجدها وإبراز ثقافتها. ومما خلص الباحث إليه، هو أن الهوية الإسلامية معرضة في عصر العولمة لمحاولات الاختراق والتذويب، وذلك عبر بعض المناشط التغريبية الثقافية المختلفة، خاصة في ظل عدم وجود خطوط دفاعية ثقافية إسلامية، سواء كانت إعلامية أو مؤسسات تربوية وتوعية جادة.
стр. 709
ويقترح الباحث أن تقوم التربية الإسلامية – وعبر كل مؤسساتها داخل المدرسة أو خارجها – بدورها المنوط بها من أجل حماية الهوية الإسلامية من التلاشي والانسحاق، وتعريف المسلمين بكل مستوياتهم بخطورة التبعية الثقافية للغرب، وتحصين المسلمين أفراداً وجماعات وعبر كل الوسائل والوسائط التثقيفية والتربوية ضد مخاطر العولمة، مع الأخذ في الاعتبار من إمكانية الاستفادة من بعض منجزات العولمة بما يخدم مصالح المسلمين، ويحقق نصرة الإسلام، ويقدم خيراً للإنسانية جمعاء.
الفصل الثالث: دور التربية الإسلامية في مواجهة تحديات العولمة الثقافية:
تضمن الحديث في هذا الفصل تسعة مباحث على النحو التالي:
١ - المبحث الأول: طبيعة البيئة المدرسية في عصر العولمة. في هذا المبحث حاول الباحث أن يوضح مدى التغيرات التي ستلحق ببعض المحاور المدرسية، ومن ذلك: (رسالة المدرسة، ودور المعلم والمناهج الدراسية، والإدارة ... )، محاولاً ربط ذلك كله بظاهرة العولمة من حيث الاعتماد على التقنية بشكل أكبر، وما له من تداعيات اجتماعية وأخلاقية ... ونوعية الخريج الذي لابد أن يمتلك مؤهلات مقبولة لدى أصحاب الشركات. والمنهج المدرسي من حيث مفرداته التي يجب أن تتسم بالتجانس والتقارب مع سائر المناهج العالمية، حتى تتمكن التربية والمدرسة في المساهمة بدور فعال في توحيد الآراء والأذواق، بما يخدم صناع العولمة.
٢ - المبحث الثاني: تفعيل دور الأسرة المسلمة. حاول الباحث هنا إبراز دور الأسرة المسلمة بالمفهوم الإسلامي، وضرورة الوعي بذلك؛ لحماية الأسرة من الاستلاب الفكري الغربي الوافد تحت ستار العولمة، والهادف إلى تفكيك عرى الأسرة، وتكوين أسر غريبة عن الثقافة والبيئة الإسلامية بقيمها, وعاداتها, وأنماط حياتها.
٣ - المبحث الثالث: الأخذ بمبدأ استمرارية التعليم. حاول الباحث إلقاء الضوء على هذا المبدأ في كونه مبدءاً تعليمياً, وتربوياً إسلامياً، وهو من ضروريات عصر العولمة المتسم بالانفجار المعلوماتي، مما يعني – حسب رأي الباحث – ضرورة أن تأخذ التربية بمهمة تفعيل هذا المبدأ؛ لتتواكب مع النظم التربوية الأخرى.
٤ - المبحث الرابع: الأخذ بمبدأ التعليم التعاوني. وقد حاول الباحث أن يبرز ضرورة أن يعتاد الطالب في ظل الأخذ بهذا المبدأ على البذل, والتضيحة, والإيثار؛ ليحتمي – بإذن الله- من مغبة الانفرادية والأنانية النفعية التي ترغب تربية العولمة في تكريسها في ذهن الطالب وسلوكه؛ ليخرج لا يفكر إلا في ذاته فقط.
٥ - المبحث الخامس: الأخذ بمبدأ التكافل الاجتماعي. حاول الباحث في هذا المبحث إلقاء الضوء على أهمية التراحم والتآخي بين المسلمين، والتكامل والتكافل، مما يساهم في حماية المجتمع المسلم من مغبة التكتلات الاقتصادية والسياسية ... التي تصنعها العولمة. ويوصي الباحث بضرورة السعي الإسلامي لإقامة تكتلات اقتصادية, وسياسية, وثقافية, وعسكرية إسلامية لفك الهيمنة الغربية، أو تخفيض الضغط الوافد من هذه التكتلات الغربية ضد المسلمين.
٦ - المبحث السادس: إعداد الطالب لسوق العمل. يهدف الباحث من وراء هذا المبحث أن تكون التربية الإسلامية في كل المؤسسات التربوية واعية بحاجة المجتمع ومتطلبات السوق، حتى يجد الخريج له فرصة عمل تحميه من مغبة البطالة.
٧ - المبحث السابع: ترشيد وسائل الإعلام. حاول الباحث في هذا المبحث إبراز أهمية الإعلام في عصر العولمة، وأنه من أذرعها التي لا تلوى ولا تلين، وخطورة أن ينسحب المسلمون من الساحة الإعلامية، لتصبح خلواً لأهل الباطل.
وخلص الباحث إلى ضرورة أن يكون الإعلام وسيلة توجيه وإرشاد وتوعية, بدلاً من أن يكون كما هو الحال عليه في كثير من القنوات التي أصبحت وسيلة ابتزاز وتضليل، بل وترويع، مما يعني ضرورة أن يكون هناك إعلام إسلامي فاعل, يحترم أذواق المتلقين وعقلياتهم، ويحافظ على ثقافة المسلمين، ويدافع عن قضاياهم بدلاً من أن يكون إعلاماً تابعاً مردداً لما يريده الغرب، والأمريكان منهم على وجه الخصوص.
٨ - المبحث الثامن: المحافظة على الهوية الإسلامية. حاول الباحث أن يلفت النظر إلى أن الهوية الإسلامية مستهدفة بالذوبان في عصر العولمة؛ لأنها تقف من العولمة موقف الناقد لها، ولما تقذفه ثقافة العولمة من سموم، تحدث ثقوباً وتشوهات في بناء الأمة المسلمة، مما يعني أن على التربية الإسلامية ضرورة الوعي بالمخاطر التي تحيط بالهوية الإسلامية في عصر العولمة.
٩ - المبحث التاسع: إبراز عالمية الإسلام. حاول الباحث أن يصل إلى أن على التربية الإسلامية واجب إبراز خصائص رسالة الإسلام، وأنه دين عالمي صالح لكل البشر ولكل زمان ومكان؛ لأنه إرادة الله. ومن رغب عن ذلك فهو من الخاسرين دنيا وآخرة؛ لأنه إنما يخسر النموذج الصحيح للإنسان الصالح.
стр. 710
دور القضاء السعودي في الإصلاح التربوي في المملكة العربية السعودية
المؤلف/ المشرف: صبحي بن يحيى الحارثي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز الملك فيصل - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: تربية وتعليم
تصنيف فرعي: دراسات إسلامية
الخاتمة
القضاء والتربية قطبان أساسيان يعول عليهما إصلاح أي مجتمع وصلاحه، ويؤمل منهما تحقق أمنه واستقراره، وتبنى على قوتهما آفاق رقيه وعلو شأنه، وتستمد من متانتهما روافد تقدمه وتحضره. بين هذين القطبين المهمين – القضاء من ناحية والتربية من ناحية أخرى – دارت رحا هذه العملية المعالجة العلمية التي لم تكتف بمعالجة أي منهما معالجة مستقلة، بل كان محور اهتمامها ومرتكزها هو الربط بين هذين القطبين من أجل استثمار إمكاناتهما في هدف أسمى تاقت له كل المجتمعات في قديمها، وازداد توقها له في حاضرها، وخصوصا في ظل ما يحاط بالمجتمعات كافة من مستجدات، وما فرضته من تحديات طالت آثارها السلبية ثوابت كل المجتمعات وهددت قيمها وأخلاقها، ذلك الهدف الأسمى هو الإصلاح التربوي. ولم لا والقضاء هو ميزان العدل الذي ما إن توفر في مجتمع تحقق له الأمن والأمان، وعمه الاستقرار، ونعم أفراده بالراحة النفسية، إذ حميت أموالهم وأنفسهم وأعراضهم وحفظت حقوقهم. كما أن التربية هي الوسيلة الأساسية لتشكيل الفرد تشكيلا جسميا ونفسيا ووجدانيا وفكريا وخلقيا، ومحاولة تزكية النفوس وتهذيبها وإصلاحها؛ لأن الفرد هو نواة المجتمع، وعندما تزكو نفوس الأفراد وتتهذب أخلاقهم وتنصلح سلوكياتهم، ينعم المجتمع بأمنه وأمانه، وتزدهر جنباته ويرتقي شأنه، ويسمو قدره. ولطالما كان الإنسان هو القاسم المشترك لاهتمام كلا القطبين، فإن ملتقاهما سيكون إذا عند الهدف الأسمى المنشود، ومع ذلك القدر المهم لهذين القطبين، فإن النقطة الجديرة بالإشارة في هذا الصدد أن هذه الدراسة لم تتجه لمعالجة القضاء على إطلاقه، بل جعلت مرتكزها على القضاء الشرعي المستمد قواعده وأسسه من الشريعة الإسلامية، كما لم تتجه لمعالجة التربية كمفهوم وفلسفة تؤمن بها كل المجتمعات، ودعوة ينادي بها كل دعاة الإصلاح، بل على التربية الإسلامية التي هي إحدى رسالات الدين الإسلامي، ذلك كله من أجل أن تكون هذه الدراسة موجهة لخدمة المجتمع الإسلامي من ناحية، بل ويطمح أن يكون فيما تقدمه من حقائق دعوة للتعريف بحقيقة القضاء الإسلامي ورسالته، وكيف أنه كفيل بالتصدي لنزعات الإجرام وطغيان المجرمين، وبإصلاح المجتمعات والعمل على تحقيق أمنها واستقرارها.
стр. 711
من هذا المنطلق جاءت فكرة هذه الدراسة، وتبلورت أهدافها. ورأى الباحث أن تكون في ستة فصول، يرسم أولها الإطار المنهجي الذي سيسير عليه في المعالجة، ثم تتضمن الفصول الأربعة التالية المعالجات التفصيلية لمحاور الدراسة ومناقشتها. وقد تناول أول هذه الفصول القضاء في الإسلام، وتضمن ستة مباحث فرعية تتناول التطور التاريخي للقضاء، واستقلال القضاء، ومشروعية القضاء، وحكمة القضاء وفضله وحكمه وأركانه وشروطه، ثم أنواع القضاء، وأخيرا الفرق بين القضاء وشبه القضاء والعلاقة بينهما. أما ثاني هذه الفصول الأربعة فناقش قضية الحكم والاجتهاد وطرق الطعن في الأحكام، واشتمل على ثلاثة مباحث فرعية. أما ثالث الفصول الأساسية الأربعة فتناول العلاقة بين القضاء والتربية، واشتمل على ثلاثة مباحث تناول أولها التربية من حيث مفهومها وأهدافها وأسسها وأهميتها ومصادرها ومؤسساتها، وتناول الثاني تطبيق العقوبات القضائية وتكوين الشخصية المسلمة، ثم تناول الثالث المسيرة التربوية في العهد السعودي الثالث. أما آخر الفصول الأربعة فركز على القضاء في الدولة الإسلامية الثالثة وأسسه ودوره في الإصلاح التربوي، واشتمل على خمسة مباحث، تناول أولها الوضع العام في الجزيرة العربية مع مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وتناول الثاني القضاء في الدولة السعودية الثالثة، وتناول الثالث قوة الحكم القضائي في المحاكم السعودية، وتناول الرابع دور القضاء السعودي في الإصلاح التربوي، أما آخره فتناول الأسس التطبيقية في القضاء السعودي.
بعد ذلك انتهت الدراسة بفصل ختامي يرصد الحقائق والنتائج الأساسية التي استطاع – بفضل الله وتوفيقه – استخلاصها من تلك المعالجات التفصيلية، وقد بلغت هذه النتائج نحو خمسين نتيجة، تقدم في مجملها المعلومات التي تتكفل بتحقيق أهداف الدراسة.
ثانيا: التوصيات.
في سياق ما تمخض عن الدراسة من نتائج وما استعرضته من مفاهيم وحقائق، يود الباحث أن يطرح عددا من التوصيات على النحو التالي:
التوصية الأولى:
ينبغي للدول العربية والإسلامية التي تتخذ من الإسلام دينا لها أن تفعل الحكم بما أنزل الله، وأن يكون القضاء الشرعي لديها نهجا ومنهجا مع عدم الفصل بين الشريعة الإسلامية والدين لأن تفعيل الحكم بما أنزل الله يعني القضاء على عبودية البشر التي تحرص على صياغة التشريع الوضعي وفق هواها ورغبتها وتحقيق مصالحها، وتفعيل الحكم الشرعي، يعني القضاء على جاهلية القرن الواحد والعشرين، عقيدة وفكرا ونظاما، وعلمانيته، وصهيونيته وغربيته.
ويعني تربية الإنسان الصالح الذي يحقق للإنسانية مثلها، وقيمها، وأخوتها، بعيدا عن التمييز العنصري، والتفاوت الطبقي، والاستعمار الدولي، والاضطهاد الفردي والطائفي، الاستغلال المادي، ويعني أيضا، تنمية الوازع الديني عند المعلم والمحامي، والطبيب، والمهندس، والمدير، والموظف، والعامل، ورب العمل، والتاجر، والأب، والأم، والطالب، والأخ، والجار.
وهو يعني قبل ذلك وبعده الرضا بدين الله الذي ارتضاه للعالم أجمع، والذي دونه لن يتحقق السلام العالمي ولا الأمن القضائي، والتربوي، والمعيشي، والاستقراري وجميع مناشط حياة الإنسان إلا بتطبيقه.
التوصية الثانية:
стр. 712
يتطلب من الدول العربية والإسلامية تحرير القضاء من العوائق المعرقلة لسير العدالة، والحرص على تطبيق نظام الحدود في الإسلام دون تعطيل أو اجتهاد في مشروعيته ووجوبه، مع بذل الجهد في حسن اختيار القضاة وتأهيلهم تأهيلا علميا، وتربويا، ونفسيا، وثقافيا، وتقنيا، ونظاميا، وقانونيا، وإعدادهم إعدادا متطورا حتى يستطيعوا تحمل عبء المسؤولية الملقاة عليهم مقابل عبء ضخامة حجم دور القضاء في إصلاح المجتمعات، وما يعوله عليهم الأفراد والجماعات والشعوب بأكملها، مع ضمان تحقيق مبدأ استقلالية القضاء عن أي تدخل أو نفوذ من جميع أطراف المسؤولين بقواهم ومراكزهم ومسؤولياتهم كافة، وتوفير الضمانات المادية والمعنوية كافة للقضاة حتى يستطيعوا تحقيق الحق وتطبيق مبدأ العدالة في الأحكام والمحاكم الشرعية دون خوف أو وجل.
التوصية الثالثة:
إن لب القضاء وأسباب وجوده وثمرة جهوده هو ما ينتج منه من أحكام عادلة تحقق الحق لصاحبه غير أن هذا الحق يتطلب الإسراع في البت فيه من قبل القاضي في ميعاد معقول ووقت معلوم؛ لأن سرعة الفصل في الدعاوى واجب عام تلتزم به المحاكم، ويحرص القاضي على إنهائه تحقيقا للمصلحة العامة والخاصة، ولا يعني أن سرعة البت في القضايا تحله كثرة المحاكم والتوسع في فتحها في أرجاء البلاد بقدر ما يحل هذه المعضلة في دول العالم العربي والإسلامي والمملكة العربية السعودية من ضمنها وجود عدد كاف من القضاة المؤهلين تأهيلا كافيا بأنواع العلوم والمعارف قديمها وحديثها التي تعين القاضي، وتسهل له مهمته في إنجاز ما لديه من القضايا، مع الأخذ في الحسبان حسن الاختيار لنوعية القضاة بأقصى درجة ممكنة ممن يتصفون بالأمانة والنزاهة والكفاءة وحسن السيرة وطيب السمعة؛ لأن حارس القضاء، وأمين العدل، وناصر المظلوم، وصمام أمان المجتمع بأكمله وطنا ومواطنا ودولة باعتباره رجل القضاء؛ فإنه يجب أن تتوفر فيه تلك الصفات مع جعل مفاهيم حقوق الإنسان جزءا جوهريا من التكوين المهني للمشتغلين بالقضاء ومتى تحقق هذا الطلب في المجتمع الشرعي، فسيكون هناك تراكم قضايا مع تراكم سنوات من المداعاة، وسوف يكون من نافلة الطلب في توسع درجات التقاضي؛ لأن التوسع لا يزيد الأمر إلا تعقيدا وتطويلا وزيادة في الممارسات غير الإنسانية من بذل الصرف على أبواب المحامين فضلا عن زيادة الإحن والحقد والبغضاء بين المتخاصمين، وقد يضيع الحق بسبب شهادات ملفقة ودعاوى مزورة، وقد يموت صاحب الحق قبل أن يأخذ حقه فيزيد الأمر سوءا وتعقيدا، وهنا ينصب اللوم على القضاء والقضاة من جراء الظلم والحرمان وضياع الحق بين المتخاصمين.
التوصية الرابعة:
стр. 713
إن فكرة الإصلاح هي الفكرة الأساسية والهدف الأول من أهداف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم؛ لأن الأنبياء مصلحون ويصلحون ما اعترى الناس من فساد وانحراف في المعتقدات والمفاهيم وما تغير في أحوالهم مما يخالف النواميس الربانية، ويتعارض مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وباعتبار أن دور الأنبياء قد اختتم مع بعثة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه. فقد أصبح الأمر الإصلاحي ملزما للأمة كلها، فهي مسؤولة عن إصلاح ذاتها وعليها أن تتولى شؤون أمرها فمن خلالها ينهض قوم من داخلها يتبنون عملية الإصلاح والتغيير وهم العلماء والقضاة والفقهاء، والمربون , ورجال الحسبة، وفيهم يظهر الإصلاح، ومنهم ينطلق في اتجاه فئات المجتمع عامة وعقول الشباب خاصة؛ لأنهم أكثر فئات المجتمع عرضة لوقوعهم تحت تأثير الأفكار المتطرفة والانبهار بزيف الحضارة الغربية، وحتى يتحقق لأولئك المصلحين هدفهم ويصلوا إلى بغيتهم فإنه يستلزم الأخذ بمبدأ الإصلاح ليس بالنصح والوعظ والإرشاد المباشر فقط بل لا بد من الأخذ بأسباب أخرى مرادفة لها تكون أكثر تنوعا وتأثيرا وقربا من عقولهم وتشويقا لنفوسهم، كالمحاورة العلمية والبرامج الإعلامية والبحوث السيكولوجية النفسية لما لها من دور فعال في تأليف القلوب وجمع الكلمة وتوحيد الصف، ومنها يتم الوصول للتوازن المعتدل ومواءمة الإصلاح بالتطور الحضاري. وهذا يتطلب تأهيلا عاليا لأولئك المصلحين وأهل الحسبة حتى يصبحوا في مستوى المسؤولية وعلى قدر حجم الحدث، علما بأن الإصلاح والتغيير لا يكون إلا من الداخل وعبر الحوار وبعيدا عن الفردية والاستبداد الفكري، وهذا مطلب للمواطنين على الدولة وللدولة على المواطنين يستحق احترام الطرفين.
التوصية الخامسة:
إن الاستقرار في الأحكام بالقدر الذي يحفظ للأحكام عدالتها وللدعاوى نزاهتها، وللحقوق وصولها إلى أهلها أمر مطلوب. ومن ثم؛ فإن تفعيل الحكم وتطبيقه وعدم المماطلة في تنفيذه أمر يستلزم الوجوب من الحاكم العادل؛ لأن مهمة الحاكم ومسؤوليته أمام الأحكام الشرعية أن يضع الشريعة موضع التنفيذ باعتبار أنها الضمان للسلام الاجتماعي ولحقوق الأفراد، ويجب من خلال سلطته إرغام المتداعين على الخضوع للشريعة باعتبار ذلك أحد الواجبات الدينية على الحاكم ومن شعائر الإسلام التي تتعلق بعنقه لأنها من حقوق العباد وهو مطالب بتحقيق الحق وبسط العدل ورد المظالم لأهلها، وفي ذبذبة الأحكام المكتملة لشروط القطعية وعدم وضعها موضع التطبيق والتنفيذ ضياع يؤدي إلى الظلم المحرم الذي حرمه الله على نفسه وجعله بين عباده محرما.
التوصية السادسة:
كثيرا ما يتم تبادل الخبرات والبرامج والخطط بين الدول بعضها بعضا وحتى على مستوى الأفراد والجماعات والأحزاب والمنظمات، فكل منهم يمد الآخر بما لديه من وسائل التميز في تطوره من خلال جودة خططه ونفع برامجه وتحقيق منافعه، وترتقي الأهمية في ذلك إذا كان الاقتباس يؤدي إلى الاستقرار الحياتي للمجتمع بأكمله ويستفيد أفراده في مجالات تصريف حياتهم كافة؛ وهذا ما يتمثل في نهج المملكة العربية السعودية في تطبيق الشريعة الإسلامية لديها وجعلها القاعدة الأساسية لبناء الدولة، وعليها يعتمد سير شؤون الحياة وربط كل صغيرة وكبيرة في البلاد بمضامين الشريعة سواء كانت قضائية أو تربوية أو خلافية، وإعطاء القضاء صلاحية الفصل في أمور العباد والبلاد كمنهج تأسست عليه المملكة، وسار عليه حكامها. ومن هذا المنطلق، فإن الدول التي تريد السلام وتسعى للاستقرار، وتنشد الأمن بجميع مناحيه عليها أن تحذو حذو المملكة العربية السعودية بتطبيق الشريعة الإسلامية في جميع شؤونها.
التوصية السابعة:
стр. 714
إن تطبيق العقوبة التعزيرية تهدف في المقام الأول إلى إصلاح ذلك المعزر وليست للانتقام أو للإذلال أو للتشهير من حيث المبدأ، ولذلك فإنه إذا كانت أخلاق المحكوم عليه، أو ماضيه، أو سنه، أو ظروفه الشخصية، أو الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة أو غير ذلك مما يبعث على القناعة لدى القضاة فإن توقيف تنفيذ الأحكام يأتي في موقع من الأهمية الأمر الذي يضفي على حاكم القضية، أو حكامها الرغبة في إيقاف تنفيذ الحكم على المحكوم عليه ما دام أنه لا يسقط أي حق خاص لصاحبه، وهو مبدأ تأخذ به المحاكم السعودية، ولعل المحاكم الأخرى في دول العالم العربي والإسلامي تحرص على تطبيقه، خصوصا أن دول العالم من خلال وزارة داخليتها تسعى جاهدة لإيجاد بدائل للسجون بعد أن اكتظت بنزلائها وتفاقمت مشكلاتها، وأصبحت مراتع للفساد أكثر منها أماكن للإصلاح في غياب البرامج التربوية التي تعدل سلوك الجاني وتعيده إلى حظيرة المجتمع ليكون عضوا صالحا ومفيدا. وهذا يتم عبر إيجاد مدارس تربوية داخل السجون، وتكثيف المواعظ الدينية عبر القضاة والعلماء ورجال الحسبة وعبر الأقلام العلمية والتربوية، وهذا يؤدي إلى الوسيلة المثلى لتحقيق التأهيل والإصلاح وهو أحد أهم أغراض العقوبة إن لم يكن أهمها.
التوصية الثامنة:
стр. 715
إن العناية بالأطفال والشباب تعد قضية أممية تشغل بال كل فرد وكل دولة وتشغل المجتمع العالمي بأكمله غير أن هذا الاهتمام في العالم العربي الذي تبلغ نسبته ٧٥% من عدد السكان يقابله ضعف في أنظمتها التربوية وعجز عن مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، وهو ما يحيق بمستقبل أطفال الأمة وشبابها، ويؤدي بهم إلى الفساد والانحراف، ويسوقهم للضياع والخطر دون تقديم حل للتوتر والتناقض بين العالمية والقومية، والتوتر بين مصلحة المجتمع ومصلحته الفردية، والتوتر بين التقاليد والأصالة والحداثة والمعاصرة والعولمة في الوقت الذي يظهر فيه وجه التناقض ما بين عجز في الخريجين وفائض فيهم، وما بين تسرب وتسيب لعدم وجود مقاعد في الجامعات يؤدي إلى الفوضى والبطالة والانحلال، وما بين نقص في الكوادر في موقع وزيادة في موقع آخر مع ضعف في المستوى الأكاديمي، وقلة في الموارد، تدن في الإنفاق على التعليم يقابله زيادة في أعداد الخريجين مع عدم ملاءمة تخصصاتهم للاحتياجات المتطورة للاقتصاد والمجتمع، ومع هزالة الموازنات التي توظف للبحث العلمي، وهو ما يدفع بكثير من العقول العربية للهجرة إلى بلدان أخرى بحثا عن تحقيق طموحاتهم العلمية والابتكارية، ويفقد البلاد علماءها وجل موهوبيها، علاوة على انتشار الأمية بنسبة كبيرة في صفوف الرجال والنساء بسبب عدم مواكبة ثقافة العولمة والتقنيات، وهو ما يجعل العرب على وجه الخصوص عرض لتأثيرات ثقافية وإعلامية وسياسية غربية لا تقل خطورة عن التأثيرات التي طبقت عليهم في عهود الاحتلال وزمن الحماية والوصاية والانتداب، وهو أمر قد ظهر بعض طلائعه وليس تحققه ببعيد باعتبار الأمة العربية مقسمة ومفتتة ومتآكلة في الداخل، ومن الخارج محاصرة ومسفهة ومهمشة، وتقع تحت الرقابة الدولية بعدها غير راشدة ومنتجة للعنف والإرهاب، بالإضافة إلى بث الفتنة داخل المجتمعات الأمر الذي أوغر صدور الشباب والحكام على بعضهم بعضا، وجعل الهوة تتسع يوميا بينهما حتى أصبح أكثر من ثلث دول العالم العربي يعيش تحت أجواء الحرب الأهلية، والثلثان الباقيان تحت الاستبداد الغربي. ولذلك فالحاجة تدعو إلى أن يعمل الدعاة والمفكرون والفقهاء والمربون يقودهم الحكام لبرنامج إصلاحي يتمثل فيه الصدق والحرص على مصلحة البلاد، وينطلق من العدل والمساواة برنامجا يعد أطفال الأمة وشبابها إعدادا علميا تربويا، وروحيا، وجسميا، وعقليا، وأخلاقيا، واجتماعيا، وسياسيا، وقبل ذلك وبعده برنامجا إسلاميا حتى يكون جيل قوة وبناء تعلو به راية الله في الأرض، وتسير في ركابه الملائكة ولا تستطيع قوة في الأرض إيقاف زحفه أو تضليله والكيد له، والنيل من دينه وقيمه وأصالته.
التوصية التاسعة:
إجراء رصد وتوثيق للمكاسب التربوية التي تحققت من جراء تطبيق الأحكام القضائية الشرعية على أرض الواقع، ومحاولة استثمار نتائجها بهدف التأسي بها في حل النزاعات.
التوصية العاشرة:
تفعيل آليات حل النزاعات القائمة بالطرق السليمة قبل رفعها للقضاء من أجل التخفيف على المحاكم والقضاة، ويفضل أن يشترك في تلك الآليات متخصصون من مجالات متعددة كالدراسات الاجتماعية والنفسية والقانونية والشرعية.
التوصية الحادية عشرة:
تشجيع الاستفادة من تقنيات المعلومات الحديثة والإنترنت في خدمة القضاء وإجراءات التقاضي، وخصوصا في التسجيل والتتبع للسوابق والأحكام القضائية المشابهة السابقة.
ثالثا: المقترحات:
وفضلا عن التوصيات السابقة، يود الباحث طرح عدة مقترحات أخرى يرى أن لها علاقة وثيقة – مباشرة أو غير مباشرة – بموضوع دراسته، وتتمثل أهم تلك المقترحات في التالي:
المقترح الأول:
стр. 716
إجراء دراسات ميدانية وتطبيقية على حالات كانت قد صدرت بحقها أحكام تعزيرية ثم خففت، ذلك للتثبت من آثارها التربوية الاجتماعية التي تعود على الفرد والمجتمع، وذلك من باب دعم هذا التوجه ورصد نتائجه.
المقترح الثاني:
تعميم تدريس مقرر أو أكثر ذي صبغة عامة غير تخصصية عن القضاء وأنواعه ووظائفه ودرجاته، وسبل وإجراءات التقاضي وضوابطه، بهدف إشاعة ثقافة عامة عن الدور الحيوي الذي ينهض به هذا المرفق في المجتمع. على أن يعمم تدريس هذا المقرر في المرحلة الجامعية الأولى لجميع التخصصات.
المقترح الثالث:
الاهتمام بدراسة الجوانب الشرعية للمستجدات الحديثة، وما يتصل بها من قضايا غير مسبوقة، ومن أمثلة ذلك قضايا أمن المعلومات، وأمن شبكات المعلومات، وقضايا التجسس والاختراق، وانتهاك الخصوصية، وجرائم سرقة الممتلكات المالية كأرصدة البنوك وحسابات الأفراد، وكذلك قضايا الملكية الفكرية للمعلومات الالكترونية، وإعداد برامج علمية لطلاب الدراسات القانونية والشرعية، وبرامج تثقيفية حول مثل هذه القضايا الحديثة وملابساتها.
المقترح الرابع:
إجراء دراسات اجتماعية ونفسية واقتصادية للتعرف على المكاسب التربوية التي يمكن أن تتحقق من جراء تطبيق الأحكام القضائية الشرعية
هذا وبالله التوفيق، ومنه السداد، وله الفضل والمنة.
стр. 717
معلم الفقه الإسلامي وطالب الفقه الشرعي (بحوث في مؤتمرات دعوية وعلمية)
المؤلف/ المشرف: عمر بن سليمان الأشقر
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار النفائس - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: تربية وتعليم
تصنيف فرعي: منهجية وموضوعية وأسس تفكير
معلم الفقه الإسلامي وطالب الفقه الشرعي (الواقع والطموح)
وهو الأخير في بحوث المؤتمرات في هذا الكتاب يتحدث عن معلم الفقه الإسلامي وطالب العلم الشرعي.
وقد حددت في طليعة البحث المراد بعلم الفقه، كما حددت المراد بالعالم وطلب العلم في الفقه الشرعي.
وألمحت سريعا بالقدر اللازم تحصيله من هذا العلم في الفقه والأصول، اللغة.
وعرضت في مبحث طويل الصفات التي يتصف بها عالم الفقه الشرعي.
وفي آخر هذا البحث تناولت اثنين من النقائض والعيوب عند المتأخرين من علماء الفقه، وهما التقليد والقول على الله بغير علم.
стр. 718
تفسير
стр. 719
آيات آل البيت في القرآن الكريم - الدلالات والهدايات
المؤلف/ المشرف: منصور بن حمد بن صالح العيدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الدرر السنية - الظهران ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: تفسير - منوعات
الخاتمة
بعد هذا التطواف الطويل أضع بين يدي القاريء النتائج التي توصلت إليها
١ - أن مفهوم آل البيت في القرآن الكريم صادق على كل مؤمني بني هاشم إضافة إلى أمهات المؤمنين – ﵅
٢ - أن الحديث عن آل البيت في القرآن الكريم لا يشكل الثلث كما تقول الشيعة بل أقل من ذلك بكثير جدا
٣ - أن أمهات المؤمنين هن أكثر آل البيت ذكرا في القرآن الكريم سواء في جانب الفضائل أو جانب الأحكام
٤ - لم يخص أحد من آل البيت بأحكام في القرآن غير أمهات المؤمنين – ﵅ –
٥ - لا يوجد دليل قرآني يدل على وجوب محبة آل البيت على جهة الاستقلال أما تبعا للنبي ﷺ فموجود
٦ - لا توجد فضيلة خاصة في آية من القرآن لعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ سوى في آية المباهلة وما عدا ذلك لا يصح قطعا
٧ - لا يوجد دليل قرآني على عصمة أحد من آل البيت أو على استحقاق أحد منهم للخلافة أو على أنهم مغفورو الذنوب
٨ - إن القرآن الكريم يثبت حق مالياً لأهل البيت يتمثل في جزء من خمس غنائم الجهاد والفيء فقط
٩ - القرآن الكريم يحث آل البيت على التحلي بأعلى درجات التقوى وعند ذلك يضاعف أجرهم
١٠ - قصر مفسرو الشيعة مصطلح أهل البيت على نفر يسير لا يتجاوز بضعة عشر نفسا
١١ - تناول كثير من مفسري الشيعة الآيات القرآنية بمقررات سابقة فطوعوها خدمة لعقائدهم
١٢ - لم يلحظ على مفسري الشيعة أي دقة في تخريج الأحاديث أو الحكم عليها
١٣ - هذا ما تيسر ذكره في هذه الخاتمة وفي ثنايا هذا البحث الكثير من المعلومات التفصيلية حول هذه القضايا وغيرها
أسأل الله أن يجعله نافعا مفيدا وخالصا لوجهه الكريم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 720
آيات الصفات عند السلف بين التأويل والتفويض من خلال تفسير الإمام الطبري
المؤلف/ المشرف: محمد خير محمد العيسى
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار البيارق - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: أسماء وصفات - تأويل وتفويض وتعطيل
الخاتمة: الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات وله المنة على عطاياه التي لا تعد ولا تحصى والشكر على ما أنعم به علي فأعانني على إتمام هذه الرسالة في موضوع من أدق الموضوعات وفي دراسة لآيات الصفات من خلال كتاب من كتب السلف رضوان الله عليهم وهو (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) ولعالم حافظ فقيه ورع تقي هو الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى – وقد تبين لي من خلال هذه الدراسة أن عقيدة التوحيد الإسلامية لا تدع مجالا لأي تصور بشري عن ذاته إذ يتعالى عن الكيف فعله فالله سبحانه ليس كمثله شيء ومن ثم لا مجال للتصور البشري لينشئ صورة عن ذات الله تعالى فكل التصورات البشرية إنما تنشأ في حدود المحيط الذي يستخلصه العقل البشري مما حوله من أشياء. فإذا كان الله ليس كمثله شيء توقف التصور البشري إطلاقاً عن إنشاء صورة معينة لذاته، ومتى توقف عن إنشاء صورة معينة لذاته العلية فإنه يتوقف تبعا لذلك عن تصور أن لأفعاله جميعها كيفيات ولم يبق أمامه إلا مجال تدبر آثار هذه الأفعال في الوجود من حوله وهذا هو مجاله) [في ظلال القرآن – سيد قطب ٣/ ٥٢٤ - ٥٢٥. بتصرف] الذي عليه أن يعمل عقله فيه. وقد توصلت من خلال هذه الدراسة إلى النتائج التالية:
١ - تبين لي من خلال دراستي التي قدمتها أن الإمام ابن جرير الطبري كان من السلف بحسب التعريف الذي قدمته مولدا ووفاة وهو من الأجيال التي شهد لها رسول الله ﷺ بالخيرية والفضل (أهل القرون الثلاثة).
٢ - تبين لي أن الحنابلة قد تعصبوا على محمد بن جرير الطبري لموقفه من الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وتصنيفه له بأنه من علماء الحديث وليس من الفقهاء في كتابه (اختلاف الفقهاء) مما حدا بهم إلى أن يشنوا حملة رهيبة ضده تزعمها أبو بكر بن أبي داوود السجستاني والذي لا يساويه لا في العلم أو الفضل ولا في التقوى كما بينت في بحثي.
٣ - تأثير هذه المحنة التي أوقد نارها الجهلة والمجسمة من الحنابلة على تفسيره مما أدى إلى أن يجاملهم ذلك الإمام بعض المجاملة فأدخل في تفسيره بعض كليمات كما ذكر بعض العلماء مثل المحدث محمد زاهد الكوثري، في كتابه السيف الصقيل ومقالاته.
٤ - أن الإمام الطبري كان مؤولا لآيات الصفات تارة ومفوضا تارة أخرى ولم يكن مجسما أو مثبتا إثباتا يقوده إلى التجسيم وقد نقلت من تفسيره ما يثبت هذه النتيجة.
٥ - أن السلف جميعاً كانوا يؤولون ما يحتاج إليه تأويل من آيات الصفات ويفوضون عندما لا تدعو حاجة للتأويل كما كانوا يفعلون ذلك في كل ما ورد من هذه الصفات في السنة المطهرة ولم يكن السلف متفقين في نظرتهم لهذه الصفات فابن عباس كان يؤول بعض الصفات وكذلك مجاهد ومقاتل والبخاري وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم. كما أن بعضهم كان يفوض كما روى ذلك الترمذي في سننه أنهم كانوا يمرونها كما جاءت دون الخوض فيها.
٦ - أن من أول في آيات الصفات كان مراده تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث وأنه في ذلك التأويل لم يكن مبتدعا ولا ضالاً بل هو على منهج من أول من السلف في آيات الصفات وليس لأحد أن يرمي أولئك الذين أولوا في آيات الصفات بما يوافق أصول الاعتقاد وتحتمله اللغة بالضلال والبدعة وليس لأحد أن يكفرهم كما يقع في بعض من لم تتسع دائرة معلوماته ولم يطلع اطلاعا تاماً أو شاملاً على أقوال أهل العلم حسب الإمكان، وهؤلاء أيضا لا شأن لهم إلا الخوض في لحوم علماء الأمة والطعن بأهل الحق.
٧ - أن الإمام الأشعري رحمه الله تعالى وهو من السلف الصالح كان إمام هدى ينافح عن القرآن والسنة ويذب عنهما، وأنه لم يخرج عما كان عليه السلف من التفويض والتأويل وليس كما يصفه البعض بل هو من أهل الحق الذين أوضحوا العقائد وردوا عنها بدع المتكلمين وزيغ أهل الفلسفة بما جلبوه من فكر اليونان وغيرهم.
٨ - أن علماء التفسير جميعاً قد أولوا في كثير من آيات الصفات لأن من النصوص القرآنية ما لا يمكن فيه إلا التأويل كما سبق وبينت
стр. 721
أسماء سور القرآن وفضائلها
المؤلف/ المشرف: منيرة محمد ناصر الدوسري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: قرآن - فضائله وخصائصه وآداب أهله
الخاتمة
الحمد لله الذي بفضله وعونه انتهيت من كتابة هذا البحث, أهم ما توصلت إليه من نتائج ألخصه فيما يلي:
أولاً: أثبت أن أسماء القرآن الشائعة والمشهورة هي (القرآن، الفرقان، الكتاب، التنزيل، الذكر) وأن بعض العلماء قد بالغوا في ذكر أسماء القرآن، وعدِّ ما ليس اسمًا اسمًا له، واعتمدوا على إطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور، ولا ريب أنهم خلطوا بين التسمية والوصف، وقد ميزت الأوصاف التي يدل عليها لفظ القرآن دلالة صريحة عن غيره.
ثانيًا: أنه يجوز أن يقال: سورة البقرة، أو سورة آل عمران ونحو ذلك ,إلى هذا ذهب جمهور العلماء واستدلوا بأحاديث وردت في فضائل بعض السور أضاف فيها رسول الله ﷺ لفظ (سورة) إلى اسم السورة.
ثالثًا: بينت أن أسماء السور لم تكتب في المصاحف القديمة بل كانت خالية من الشكل والنقط، ومن الفواتح والخواتم ومن التجزئة، ومع مرور الوقت ودخول العجم في الإسلام، اضطر المسلمون في عصر التابعين إلى إعجام المصحف وشكله وتجزئته للمحافظة على أداء القرآن كما رسمه المصحف.
رابعًا: تبين من هذه الدراسة أن أسماء سور القرآن التي عنونت في المصاحف هي توقيفية من النبي ﷺ حيث تواترت عنه تسميتها حتى دونت في المصاحف.
خامسًا: أوضحت أن لبعض سور القرآن أسماء توقيفية اجتهادية، فبعض هذه الأسماء إن ثبت عنه ﷺ فيهي توقيفية والتي لم تثبت عنه فهي اجتهادية من تسمية الصحابة أو التابعين أو من استنباط العلماء واجتهادهم.
سادسًا: رجحت أن سورة يونس هي السورة السابعة من سور السبع الطوال، وهو الذي رجحه بعض العلماء، والذي يتمشى مع العدد الإجمالي لسور القرآن وهو مائة وأربع وعشرة سورة.
سابعًا: تبين لي من خلال هذا المبحث كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي رويت في فضائل سور القرآن، ونسبت إلى رسول الله ﷺ وكان دوري في هذا المبحث دراستها وتوضيحها وتمييز الصحيح من أحاديث الفضائل والضعيف والموضوع.
ثامنًا: ظهر لي أيضًا أن هنالك علاقة بين السورة وبين اسمها وأنله ارتباط وثيق بمضمونها سواء كان اسمها هذا توقيفيًا أم اجتهاديًا، وهذا ما يعرف بوجه التسمية.
تاسعًا: قد تشترك بعض السور في حديث واحد، فيذكر الحديث فضل سور متعددة قد يكون بينها رابط، كأن تكون من المسبحات، أو المفتتحة بآلر، وقد تشترك في صفة واحدة كالزهراوين والمعوذتين وقد لا يكون بينها رابط.
وبعد هذه النتائج التي توصلت إليها .. فإني أرجو أن أكون قد قدمت بهذا البحث علمًا نافعًا، وقد بذلت قصارى جهدي فيه، فإن كنت قد أصبت فذلك من فضل الله تعالى وعظيم توفيقه، وإن كنت قد أخطأت، فذلك مني ومن الشيطان الرجيم، وأسأل الله العظيم أن يجعل عملي هذا خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفع به، وأن يرزقني حسن القبول، وأن يهيء لي من أمري رشدًا، إنه سميع قريب مجيب.
стр. 722
استدراكات ابن عطية في المحرر الوجيز على الطبري في جامع البيان، عرضا ودارسة
المؤلف/ المشرف: شايع بن عبده الأسمري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: وزارة التعليم العالي - المدينة المنورة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: استدركات وتعليق وتحشية
الخاتمة: أهم النتائج التي ظهرت لي من خلال هذا البحث
بعد هذه الجولة – التي أسأل الله أن يجعلها مباركة مقبولة – في هذا الموضوع (استدراكات ابن عطية في المحرر الوجيز على الطبري في جامع البيان – عرضاً ودراسة) ظهرت لي نتائج أدون أهمها في ما يلي:
١ - ظهر لي أن جامع البيان أهم مصدر اعتمد عليه ابن عطية في المحرر الوجيز، وهو يصرح بالنقل عنه غالباً.
٢ - اتفق ابن عطية مع الطبري في مواضع كثيرة مما نقل أو قال, أحسب أنها تزيد على المواضع التي أخذها عليه.
٣ - القاضي ابن عطية محقق ناقد نقل أقوالاً كثيرة في معاني الآيات, ونقد الضعيف منها ورده مهما كان قائله, ولهذا لم تكن استدراكاته على الطبري فحسب, بل على كثير من المفسرين والمعربين, حتى أنه تجرأ – عفا الله عنه – على رد بعض أقوال الصحابة والتابعين.
فمن سوى هؤلاء من باب أولى أن يرد عليه، مثل: مكي, والمهدوي, والفارسي, ومنذر بن سعيد.
٤ - هذه الاستدراكات التي أوردها أبو محمد على الإمام الطبري كان معظمها في مواطن تجد أن العلماء قد حصل بينهم الخلاف فيها.
٥ - وجدت أن طائفة من هذه الاستدراكات كانت استدراكاً على استدراك، وفوق كل ذي علم عليم.
٦ - ظهر لي أن طائفة من هذه الاستدراكات قد شارك القاضي ابن عطية غيره في إيرادها على الإمام الطبري.
٧ - تنوع موضوعات استدراكات ابن عطية، منها: ما هو في التفسير, ومنها: ما هو في اللغة العربية بفنونها المتنوعة, ومنها: ما هو في الفقه, ومنها: ما هو في العقيدة, ومنها: ما هو في الأثر والحديث, ومنها: ما هو في توجيه القراءات.
٨ - بعض هذه الاستدراكات تلمس فيه الاتجاه المذهبي في النحو, أو في الفقه, أو في العقيدة.
٩ - يتصرف القاضي ابن عطية – غالباً – في نقل كلام الإمام الطبري فيؤديه بالمعنى، مما قد يؤدي – أحياناً – إلى وجود فرق بين ما نسبه القاضي ابن عطية إلى الإمام الطبري وما قاله حقيقة.
١٠ - تبين لي أن بعض الاستدراكات التي أوردها القاضي ابن عطية كان سببها أنه لم يقرأ كل ما ذكره الإمام الطبري في المسألة, أو قرأه لكن أهمل الاعتداد به.
١١ - ترك أبو محمد ذكر الدليل والتعليل في طائفة من استدراكاته على الإمام الطبري، خصوصاً في الاستدراكات المتعلقة باللغة العربية، فهو يكتفي بقوله، مثلاً: فيه نظر ليس بصحيح، أو نحو هذا.
وفي نظري أن هذا يضعف من قوة الاستدراك، نعم، أبو محمد يخاطب علماء تكفيهم الإشارة عن تطويل العبارة, لكن كان الأولى به أن يبين عن حجته؛ إذ ذلك يجعل للاستدراك قوة وقيمة علمية؛ ولأن الخلاف في مسائل اللغة العربية ليس بضربة لازب، فلابد من ذكر الدليل كاملاً.
١٢ - لم أجد لبعض ما استدركه القاضي ابن عطية ذكراً في نسخ تفسير الإمام الطبري التي بين يدي.
١٣ - آثر القاضي ابن عطية، التلميح والإشارة بدل التصريح والإبانة، في طائفة من استدراكاته.
١٤ - ظهر لي أن القاضي ابن عطية كان يلتزم الأدب في الرد على الإمام الطبري – غالباً – فهو يبتعد عن عبارات التجريح التي هي أقرب إلى الشتم والسباب. نعم، القاضي ابن عطية قد يستخدم بعض العبارات القاسية التي تستعمل أحياناً في مجال الردود العلمية، كقوله: أخطأ, وهم, غلط, قوَّله ما لم يقل.
١٥ - طائفة من استدراكات ابن عطية انصبت على نقد الطبري في إدخاله تحت التراجم ما لا يدخل.
١٦ - طائفة من استدراكات القاضي ابن عطية كانت مبنية على فهمه لكلام الإمام الطبري الذي قد يخالفه غيره في هذا الفهم.
١٧ - بعض استدراكات القاضي ابن عطية كان سببها اختلافه مع الإمام الطبري في فهم كلام مفسر قد سبق زمانهما.
١٨ - بلغ عدد الاستدراكات أكثر من مائتي استدراك, تبين لي أن أكثرها وارد على الإمام الطبري, أو يترجح فيه جانب القاضي ابن عطية, ولم يترجح جانب على جانب في عدد يسير.
стр. 723
الإجماع في التفسير
المؤلف/ المشرف: محمد بن عبدالعزيز الخضيري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوطن - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: إجماع
الخاتمة
"نسأل الله الكريم حسنها"
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وبعد هذا التطواف الطويل، ألقي عصا المسير، مستخلصاً أهمَّ النتائج التي خلصت إليها فأقول:
ـ الإجماع يطلق في اللغة على معنيين: العزم، والاتفاق.
ـ أما في الاصطلاح فالإجماع: "هو اتفاق مجتهدي الأمة بعد وفاة الرسول ﷺ في عصر، على أي أمرٍ كان "وهذا من أجمع التعريفات.
ـ بينت أن الإجماع حق مقطوع به في دين الله، وأنه أصل عظيم من أصول الدين، ومصدر من مصادر الشريعة، ولذلك يتحتم على طالب الحق معرفته، لئلا يكون في عداد المشاقين لرسول الله ﷺ ، المتبعين غير سبيل المؤمنين، فيحق عليه الوعيد المذكور في قوله تعالى: ?وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً? [سورة النساء].
ـ وقد بينت أن مرتبة الإجماع تلي مرتبة الكتاب والسنة، وهذا هو مذهب السلف الصالح، خلافاًَ لبعض المتأخرين الذين يقدمون الإجماع في المرتبة على الكتاب والسنة، والتي نشأ عنها معارضة الكتاب والسنة بالإجماع المجهول.
ـ أما الإجماع القطعي ـ كالإجماع على المعلوم من الدين بالضرورة ـ فإن العلماء يقدمونه على النصوص، لأن واقع الأمر أنه تقديم للنصوص القطعية الثبوت والدلالة على النصوص الظنية الثبوت أو الدلالة، لا أنه تقديم للإجماع على النص.
ـ ثم ذكرت أهمَّ الفوائد التي ذكرها العلماء للإجماع، ومن ذلك:
١ـ الإجماع على المعلوم بالضرورة من الدين يُظْهر حجم الأمور التي اتفقت فيها الأمة، بحيث لا يستطيع أهلُ الزيغ والضلال إفسادَ دين المسلمين، وحال أهل الكتاب في اختلافهم في أصول دينهم أدلُّ على النعمة التي اختصت بها الأمة الإسلامية.
٢ـ العلم بالقضايا المجمع عليها من الأمة يعطي الثقة التامة بهذا الدين، ويؤلف قلوب المسلمين، ويسدُّ البابَ على من يقول: إن الأمة مختلفة في كل شيء، فكيف تجتمع؟
٣ـ إنه قد يخفي النص على بعض الناس، ويعلم الإجماع فيحتج به.
٤ـ إن السند الذي يقوم عليه الإجماع قد يكون ظنياً، فيرتفع بالإجماع عليه إلى مرتبة القطع.
٥ـ إن النصوص تحتمل التأويل والتخصيص والنسخ ونحو ذلك، والإجماع يرفع الاحتمال، ويقي المجتهد متاعب النظر والاستدلال.
٦ـ التشنيع على المخالفين بالجرأة على مخافة الإجماع، فيكون ذلك سبباً لزجر المخالف، وردعه عن التمادي في باطله.
ـ بينت في الحديث عن حجية الإجماع، إمكان وقوع الإجماع عادة، وإمكان العلم به، بعد تحققه من المجتهدين، وإن كان نقله نقلاً صحيحاً إلى من يحتج به.
ـ ثم ذكرت الأدلة على حجية الإجماع من الكتاب والسنة بعد أن قررت أن الدليل على ثبوت الإجماع إنما هو دليل الشرع لا العقل.
ـ وقد بينت أن هذه الأدلة قد دلت على أمرين مهمين:
الأول: إن العصمة ثابتة لمجموع الأمة، دون اشتراط عدد معين، فمتى ثبت الإجماع، وجب اتباعه، دون أن يكون من شرطه أن يبلغ المجمعون عدد التواتر.
الثاني: أن الإجماع حجةٌ ماضية في جميع العصور، وليس ذلك محصواً في عهد الصحابة دون غيرهم.
стр. 724
ـ وضحت أن الإجماع ينقسم باعتبار ذاته إلى إجماع صريح، وإجماع سكوتي، وباعتبار أهله ينقسم إلى إجماع عامة، كالإجماع على المعلوم بالضرورة من الدين ـ وإجماع خاصة، وباعتبار عصره ينقسم إلى إجماع الصحابة، وإجماع من بعدهم، وباعتبار نقله إلينا ينقسم إلى إجماع ينقل بطريق التواتر، وإجماع ينقل بطريق الآحاد، وباعتبار قوته ينقسم إلى إجماع قطعي، وإجماع ظني.
ثم فصلت القول في تقسيم الإجماع باعتبار ذاته:
مبيناً أن الإجماع الصريح: هو الذي أبدى فيه جميع المجتهدين آراءهم بصراحة، أو صرح بعضهم بالقول، وفعل البقية مقتضاه، فهذا حجة قاطعة بلا نزاع. ومن الإجماع الصريح ـ على رأي جمهور الأصوليين ـ ما إذا اتفق المجتهدون في الفعل بما يدل على حكمه، وهو ما يسمى بالإجماع الفعلي الصريح.
ـ وأما الإجماع السكوتي: فهذا أن يعمل بعض المجتهدين عملاً، أو يبدي رأياً في مسألة اجتهادية قبل استقرار المذاهب فيها، ويسكت باقي المجتهدين عن إبداء رأيه بالموافقة أو بالمخالفة، بعد علمهم، سكوتاً مجرداً عن أمارات الرضا والسخط، مع مضي زمن يكفي للبحث والنظر. فلا يسمى إجماعاً سكوتياً إلا ما توافر فيه هذه القيود المذكورة. ومثله الإجماع الاستقرائي: وهو أن تستقرأ أقوال العلماء في مسألة فلا يعلم خلافٌ فيها.
وقد ذكرت أن العلماء اختلفوا في حجية الإجماع السكوتي، وجمهورهم على الاحتجاج به، وبينت سبب الخلاف، وحررت محل النزاع، ثم ذكرت أدلة الجمهور مفصلة. وأوضحت بعد ذلك أن هذا النوع من الإجماعات هو الذي يغلب وجوده ونقله بين العلماء، أما الإجماع الذي يذكره الأصوليون بالشروط الموجودة في كتبهم فهذا يكاد يستحيل وقوعه بعد عصر الصحابة، إن لم يكن غيرَ موجود في عصرهم، والقول به يفضي إلى عدم الانتفاع بأصل الإجماع، هذا فضلاً عن كونه يفتح باباً لضعاف النفوس الذين يريدون هدم أصل الإجماع، وإغلاق بابه، بأن يطبقوا تلك الشروط على ما يحكيه أهل العلم من الإجماع، فلا تنطبق عليه، فيعودوا على جملة عظيمة من المسائل المجمع عليها بالنقض.
ـ بينت أهم الشروط التي ذكرها أهل العلم في الإجماع، وهي كالتالي:
الشرط الأول: أن يكون الإجماع عن مستند، والمستند هو الدليل الذي اعتمده المجتهدون فيما أجمعوا عليه. ولم يخالف في هذا الشرط إلا طائفة شاذة كما يقول الآمدي. ويتصل بهذا الشرط مسألتان:
الأولى: نوع الدليل الذي يكون مستنداً للإجماع. فمن العلماء من يرى أنه لا يكون إلا من الكتاب والسنة، ومنهم من يرى أنه يمكن أن يستند إلى الاجتهاد أو القياس. وقد انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية للقول الأول, مبينًا أنه لا يوجد مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ﷺ ، لكن قد يخفى النص على بعض الناس، فيظن أن الإجماع قد انعقد على غير نص من اجتهاد أو قياس، وقد ذكرت أن هذا النزاع يمكن إرجاعه إلى اللفظ، لأن كلاً من الفريقين أخبر بحاله، وتكلم بحسب ما عنده من العلم، مع اتفاقهم جميعاً على ضرورة استناد الإجماع إلى دليل.
الثانية: أنه يمكن الاستغناء بنقل الإجماع الصحيح عن نقل دليله.
الشرط الثاني: أن يكون المجمعون من العلماء المجتهدين. ويكفي في ذلك الاجتهاد الجزئي، لأن اشتراط الاجتهاد المطلق يؤدي إلى تعذر الإجماع، لندرة وجود المجتهد المطلق.
والمعتبر في كل مسألة من له فيها أثر من أهل العلم المجتهدين.
الشرط الثالث: أن يكون الإجماع صادراً من جميع مجتهدي العصر، فإذا خالف أحدهم لم يعتد بالإجماع.
الشرط الرابع: أن يكون المجمعون أحياء موجودين، فالمستقبل لا ينتظر والماضي لا يعتبر.
стр. 725
ـ ويتصل بهذا الشرط مسألة اشتراط انقراض عصر المجمعين، وقد بينت أن الجمهور لا يرون اشتراط ذلك لصحة الإجماع، وذكرت أدلتهم على ذلك، إلا أن كثيراً من العلماء اشترط انقراض العصر لصحة الإجماع السكوتي، لأنه لا تعلم أقوال الساكتين من المجتهدين إلا بعد مضي مدة طويلة يعرف بها أن القول بلغهم، ونظروا فيه، ولم ينكروه مع زوال ما يمنع إنكارهم له.
الشرط الخامس: أن يكون المجمعون عدولاً. وعليه فلا يتوقف الإجماع ولا حجيته على موافقة غير العدل، إذا بلغ رتبة الاجتهاد، ولا تضرُّ مخالفته.
ـ إذا اختلف الصحابة على قولين أو أكثر فأرادوا أن يجمعوا على قولٍ مما اختلفوا فيه، فإن كان قبل استقرار الخلاف بينهم، فإنه يزيل الخلاف، ويصير المسألة إجماعية، بلا خلاف، وإن كان بعد استقرار الخلاف فجمهور الأصوليين على جواز اتفاقهم، واعتباره إجماعاً.
ـ بينت أنه إذا اختلف الصحابة على قولين، فإنّ لمن بعدهم الإجماع على أحد قوليهم، إن كان الخلاف لم يستقر بينهم، أما إذا استقر الخلاف، فجمهور الأصوليين على المنع من الإجماع، فإذا أجمع التابعون على أحد القولين لم يزل القول الآخر في المسألة، وجاز لتابعي التابعين الأخذ بكلٍّ من قولي الصحابة.
وعليه فمن ادعى وقوع إجماع في مسألة اختلف فيها الصحابة، فلا يخلو ذلك من أحد أمور ثلاثة: إما أن الخلاف لم يستقر بين الصحابة، أو أن المسألة التي اختلف فيها الصحابة غير المسألة التي أجمع عليها المتأخرون، أو أن تكون دعوى الإجماع غير صحيحة.
ويتصل بهذه المسألة ما إذا نقل عالم الإجماع، ونقل غيره الخلاف سواءً سمى المخالف أو لم يسمِّه، فإنه لا يقبل قول مدعي الإجماع، لأن ناقل الإجماع نافٍ للخلاف، وناقل النزاع مثبتٌ له، والمثبت مقدم على النافي، ولأن عدم علم الناقل للإجماع بالخلاف ليس علماً بعدم الخلاف، ولأنه لو افترضنا غلط ناقل النزاع، فإن كان الغلط في ناقل الإجماع أولى وأحرى.
ـ بينت أنه إذا اختلف الصحابة على قولين أو أكثر، في مسألة، أو تأويل آية، أو حديث، فإنه لا يجوز لمن بعدهم إحداث قولٍ زائد على ما اختلف عليه الصحابة، لأن في ذلك نسبة الأمة إلى تضييع الحق، والغفلة عنه، وأنه لم يبق من أهل العصر أحدٌ على الحق، وهذا باطل. فإن كان المراد من إحداث تأويل لم يقل به الصحابة إيرادَ معنى تحتمله الآية لم يتعرض له الصحابة، أو كان من قبيل الاستنباط من دلالة الآية، فإن هذا لا يقتصر على قوم بأعيانهم، بل هو باق مستمر.
أما إحداث دليل لم يستدل به السابقون فهذا جائز سائغ، لأن الاطلاع على جميع الأدلة ليس شرطاً في معرفة الحق، بل يكفي دليل واحد.
ـ ذكرت الأحكام المترتبة على الإجماع الصحيح وهي:
١ـ وجوب اتباعه، وحرمة مخالفته.
٢ـ أن هذا الإجماع حق وصواب، ولا يكون خطأ، ويترتب عليه: أنه لا يمكن أن يقع إجماع على خلاف نص أبداً، كما لا يمكن أن يقع على خلاف إجماع سابق.
ويترتب عليه أيضاً: حرمة الاجتهاد، لأن الإجماع لا بد أن يستند إلى نص، وإذا كان النص وحده مسقطاً للاجتهاد، فكيف إذا انضم إليه الإجماع.
٣ـ ذكرت حكم منكر الحكم المجمع عليه، فإذا كان الإجماع على أمر معلوم من الدين بالضرورة فإن مخالفه يكفر، وإن كان الإجماع على غير ذلك، فقد اختلف العلماء اختلافاً كثيراً في حكم جاحده، أو خارقه، مع اتفاقهم ـ كما قال الآمدي ـ على أن إنكار حكم الإجماع الظني غير موجب للتكفير.
والسبب في خلافهم: اختلافهم في حقيقة الإجماع، وشروطه وما يتصل بذلك، ولذلك من أقر بصحة إجماع بعينه، ثم أنكر ما أجمعوا عليه، فإنه يحكم عليه بالكفر، لأن التكذيب بالإجماع هنا آيل إلى التكذيب بالشارع، ومن كذب الشارع كفر.
стр. 726
وفي الفصل الثاني: ذكرتُ جملة من المباحث التي تتصل بالإجماع عند المفسرين. وهذا ملخص ما فيها:
ـ بينت أن المفسرين قد عُنُوا بالمسائل المجمع عليها في شتى الفنون بما لا يكاد يوجد له نظير في شتى صنوف العلم، وذلك راجع إلى كون القرآن الكريم هو مدار جميع علوم الإسلام، ولشدة عناية المفسرين بالإجماع فإنهم قلَّ أن يطلعوا على إجماع في أحد المصادر إلا ويقومون بنقله في تفاسيرهم.
ولم تكن عنايتهم مقصورة على النقل والحكاية، بل عنوا أيضاً بأمر مناقشة الإجماع والاعتراض عليه من جهة، أو تأييده بالأدلة من جهة أخرى. وأمثلة كلِّ ذلك قد ذكرتها تفصيلاً في موضعها.
ـ وضحت جملة من دواعي ذكر الإجماع عند المفسرين، وذلك لأني رأيت المفسرين لا يذكرون الإجماع في التفسير إلا لأمر يدعو لحكايته ونقله، ومن تلك الدواعي:
أـ وجود الاشتراك في المعنى، بحيث يرد في الآية لفظ مشترك بين معنيين فأكثر، يصلح حمل اللفظ مجرداً عليها، ولا يصح تفسيره إلا بأحدها، فيذكر العلماء الإجماع عليه، دفعاً للاشتباه بحمله على المعنى الآخر.
٢ـ تحرير محل النزاع في الآية، وذلك حينما يرد خلاف في تفسير الآية، فيبدأ المفسرون بذكر ما أجمع المفسرون عليه، تحريراً لمحل النزاع.
٣ـ الرد على المخالفين، وذلك حين تقوم طائفة منحرفة بتفسير آية على وجه يخدم ضلالها، وهو مخالف لتفسيرها الصحيح الثابت عن سلف الأمة، فإن المفسرين هنا يذكرون الإجماع على هذا التفسير، رداً على تلك الطائفة.
٤ـ أن يذكر الإجماع في تفسير آية للاحتجاج به في ترجيح قول على آخر في تفسير آية أخرى.
٥ـ دفع توهم معنى فاسد، إذ قد ينقدح في أذهان بعض الناس معنى فاسدٌ في تفسير آية، فيذكر العلماءُ الإجماعَ على تفسيرها بالمعنى الصحيح، دفعاً لذلك المعنى الفاسد.
٦ـ مخالفة تأويل الآية للظاهر أو الغالب في الاستعمال.
٧ـ ألاّ يرد في ألفاظ الآية ما يدل على المراد بها صراحة، مما لا يتم معناها إلا به، فيحتاج المفسر إلى التصريح بالإجماع على ذلك المراد، لقطع احتمال غيره.
ـ بينت أن الخلاف الوارد في التفسير إذا كان خلافاً في الألفاظ فقط فإنه لا أثر له بتاتاً على الإجماع.
وإن كان خلافاً في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما، فهذا من باب اختلاف التنوع ولا أثر للخلاف فيه على لا ما يُحكى من الإجماع إذا كان بصيغة تجمع بين الأقوال، ولا تؤدي إلى إبطال أحدها وعدم اعتباره.
لكن إذا حكى أحد المفسرين الإجماع على أحد تلك الأقوال، فإن كان مراده أن الجميع متفقون على صحة المعنى فهذا صحيح، وإن كان مراده نفي ما عداه من الأقوال فهذا مردود.
ـ بينت الأسباب التي توقع المفسر في مخالفة الإجماع، ومن أهمها:
أولاً: ضعف العناية بآثار السلف، وعدم التمييز بين صحيح الروايات الواردة عنهم وضعيفها.
ثانياً: كون المفسر يعتقد أشياء باطلة، ثم يحمل القرآن عليها، ولو كان مخالفاً لما أجمع السلف عليه. وقد فصلت القول في بيان عدم الاعتداد بأقوال أهل الأهواء المخالفة لإجماع السلف.
ثالثاً: تفسير القرآن بمجرد اللغة، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمُنَزَّلِ عليه المخاطب به.
رابعاً: الاعتداد بالقول الشاذ.
خامساً: الاعتداد بقول قد انعقد الإجماع قبل حدوثه.
سادساً: الاعتماد في نقل الخلاف على روايات ضعيفة، لا تثبت عمن نسبت إليه.
стр. 727
ـ ثم ختمت الأسباب ببيان أن الحسن البصري ﵀ هو أكثر السلف الذين تُعزى إليهم الأقوال الشاذة المخالفة لما ثبت عن جماعتهم. ولعل من أهم الأسباب في ذلك: كون المعتزلة يعدونه منهم ـ زوراً وبهتاناً ـ، وينسبون إليه لذلك بعض الروايات المنكرة ترويجاً لها، هذا مع ضعف عنايتهم بالآثار، وقلة علمهم بصحيحها من ضعيفها.
ـ ذكرت بعض اللفتات العابرة في موضوع الإجماع عند المفسرين الذين تم جمع مادة البحث من كتبهم، ومن أهمها:
١ـ أكثر المفسرين حكاية للإجماع هو الإمام الطبري. والإجماعات كثيرة في تفسيره، ومما قلل الانتفاع بها: ما تقدم من أن مذهبه في الإجماع عدم الاعتداد بمخلفة الواحد والاثنين.
٢ـ كما كان ﵀ يخالف بين العبارات عندما يحكي الإجماع للدلالة على اختلاف حقيقة الإجماع، من حيث وجودُ المخالف وعدمُه.
٣ـ ذكرت أن الإمام الواحدي متساهل في حكاية الإجماع، بما يدعو إلى أخذ الحيطة والحذر من دعاوى الإجماع المبثوثة في تفسيره.
٤ـ بينت أن ابن عطية مكثر من ذكر الإجماع في تفسيره، وأنه يعتمد كثيراً في حكاية الإجماع على تفسير الطبري. ٥ـ كما ذكرت أنه لجلالة تفسير ابن عطية، فقد استفاد منه جمع ممن جاء بعده، وعلى رأسهم: الإمامان القرطبي وأبو حيان. ونقلا عنه لذلك الإجماعات التي حكاها، ونقلها عنهما من استفاد منهما، كالشوكاني والآلوسي وغيرهما.
٦ـ أما الإمام القرطبي فقد عُني بجمع المسائل المجمع عليها في الشريعة عناية فائقة، خصوصاً ما تعلق منها بالأحكام، وإذا عُرِفَتْ مصادره التي اعتمدها في تفسيره، زالت الغرابة في سبب كثرة إجماعاته، فكتب ابن المنذر، وابن عبد البر، وابن العربي، وابن عطية، وغيرهم ممن كان معروفاً بالعناية بحكاية الإجماع، قد ضمَّن القرطبيُّ تفسيرَه الكبيرَ خلاصتَها.
٧ـ ولم يكن القرطبي ناقلاً فقط، بل كانت له وقفات مع الإجماعات التي ينقلها، مناقشة وتقويماً.
وفي القسم التطبيقي، اجتمع لدي من الإجماعات في التفسير (١٧٧) إجماعاً، تمَّ استخلاصها من كتب التفسير الستة التي شملتها خطة البحث وهي: تفسير الطبري، وابن حاتم، والماوردي والواحدي، وابن عطية، والقرطبي ﵏ جميعاً ـ وقد ناقشتها ـ بحمد الله ـ جميعاً، وميزت الصحيح من غيره على ضوء القواعد الأصولية والمنهج الذي ذكرته في مقدمة الرسالة.
ـ هذا وقد اتضح لي بعد الدراسة عدم صحة الإجماع في (٤٦) موضعاً، لوجود الخلاف.
وأما الباقي وهو (١٣١) إجماعاً، فمنها ما قطعت فيه بصحة الإجماع، ومنها ما استظهرت فيه الصحة، وهو الأكثر، ومنها ما هو محتمل للصحة مع التأويل أو توجيه العبارة، وهذه لا تتجاوز (١٠) مواضع.
стр. 728
العهد والميثاق في القرآن الكريم
المؤلف/ المشرف: ناصر بن سليمان العمر
المحقق/ المترجم: بدون دار العاصمة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٣هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: دراسات قرآنية
الخاتمة
الحمد لله ابتداءً وانتهاءً، وله الشكر على تيسيره وإعانته وتوفيقه، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه جلَّ وعلا.
وأصلي وأسلم على خير خلقه، الرحمة المُهداة، والنعمة المجتباة، به أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور، وعلى آله وأصحابه، خير القرون وسادة الأمم.
وبعد:
ففي نهاية هذا البحث، وخير ختام لفصوله ومباحثه، أذكر أهم ما توصلت إليه من نتائج، مع الإيجاز غير المخلّ، فأقول مستعيناً بالله ومتوكلاً عليه:
١ - اتضح لي أهمية دراسة بعض القضايا القرآنية دراسة موضوعية، حيث تكشف لنا مثل تلك الدراسة عن جوانب مهمة، يصعب الوصول إليها عن طريق الدراسة التحليلية، وبخاصة إذا كانت هذه القضية من القضايا المستجدة والمرتبطة بواقع العصر كموضوع العهد والميثاق.
٢ - علمنا أنّ كلمة العهد تطلق على عدة معاني، وما اشتق من مادة (وثق) يستعمل لأكثر من معنى، ولكن الغالب على استعمالهما ما اتفقا فيه، وهو اليمين والموثق والعهد المحكم، وتعلق الذمة بشيءٍ أو تعلقه بها فإذا أطلق أي منهما لم يكد ينصرف إلاَّ إلى ذلك، أمَّا المعاني الأخرى فلا يفسران بها إلاّ بقرينةٍ تدل عليها.
٣ - ورد العهد والميثاق في القرآن الكريم في آيات كثيرة وبسور متعددة، وأكثر استعمالها في القرآن الكريم جاء بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه، وما سوى ذلك ورد في آياتٍ قليلة (١)، ومن هنا تدرك الأهمية العظمى لذلك المدلول، والأثر العظيم للالتزام به وخطورة نقضه والتفريط فيه، وكثرة ورودها في مواضع في القرآن الكريم، دليل على تلك الأهمية وذلك الأثر.
٤ - عرضت قضية العهد والميثاق في القرآن الكريم بعدة أساليب، كلها تشدّ النفس وتوقض الحس وتحيي القلوب الميتة.
فأكثر الآيات عرضت بأسلوب خبري فيه الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، نجد الإجمال والبيان، وإيجاز والتفصيل وإطناب، وهناك آيات جاءت بالأسلوب الطلبي فهذا أمر وذاك نهي، ومرة بصيغة الاستفهام الإنكاري، وأخرى بأسلوب الاستفهام التوبيخي.
ويقف الداعية أمام هذا الأسلوب ليتعلم أن عرض القضية جزء من ذاتها، ويحس بأننا بأمس الحاجة إلى الداعية الذي يحسن عرض دعوته، فكم من داعٍ خانه الأسلوب فنفر منه الناس.
والأمر ليس مجرد كمّ متراكم من النصوص يلقيها المعلم كيفما اتفق، بل عن البحث عن مداخل النفوس، وتحري منعطفاتها ومشاعرها مهمة سامية تتعلمها من القرآن الكريم في أسلوبه الرائع في عرض قضية العهد والميثاق، وليس المراد إقامة الحجة والبرهان فحسب، بل قبل ذلك الهداية هدف جليل وغاية مبتغاة يسعى إليها الدعاة والمصلحون.
٥ - كما ورد العهد والميثاق في القرآن الكريم فقد ورد في السنة المطهَّرة، حيث وردت أحاديث صحيحة فيها لفظ العهد وأخرى فيها لفظ الميثاق، وهذا يعطينا دلالة أكيدة على أهمية العهد والميثاق ومدى العناية بهما، حيث كثر ورودهما في الكتاب والسنة، ولم يكن ذلك عبثاً أو حشواً واستطراداً، وحاشاهما من ذلك، ولكن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (٢).
стр. 729
٦ - من التحقق في معنى الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم تبين أن الله أخرج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم، مشهداً بعضهم على بعض، ومشهداً الإنسان على نفسه، أي أخذ بإقراره، فقال لهم : (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟) فأجابوا: (بَلَى) وهذا قول جمهور العلماء والمفسرين كما سبق بيانه ولا يلتفت إلى قول مخالفيهم كالمعتزلة ونحوهم.
واتضح لنا أنَّ هذا الميثاق ليس كافياً لإقامة الحجة على الخلق، بل إنَّ الحجة تقوم بإرسال الرسل وإنزال الكتب: (لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: ١٦٥) ... (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء: ١٥).
ولا تناقض بين الفطرة والميثاق، فلكلٍ منهما دلالته ومعناه.
ويشعر المسلم بوجوب الوفاء بهذا الميثاق الذي أخذه الله عليه في صلب أبيه آدم، حيث تأكد ذلك وتحقق برسالة نبينا محمد ﷺ فلم يعد هناك عذر لمعتذر، أو حجة لجاحد أو غادر.
٧ - أخذ الله العهد والميثاق على النبيين، والذي نفوا ذلك وقالوا إن الميثاق أخذ على أمم النبيين لا على أنفسهم، أوَّلوا الآية وجانبوا الصواب.
وهذا الميثاق هو أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضاً، وينصره، ويأخذوا ذلك على أممهم، وقد أقررهم الله بذلك فأقروا به، وأعطوا العهد عليه، وأشهدهم على ذلك فشهدوا.
وهذا الميثاق أخص مما أخذ عليهم في ظهر آدم مع الذرية.
٨ - وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أخذ العهد على بني إسرائيل، بعضها مجمل وبعضها مفصل، حيث أخذ الله عليهم العهد بأن يؤمنوا بما في التوراة جملة، ويعملوا بما فيها تفصيلاً، كما أخذ عليهم الميثاق بأن يؤمنوا بالرسول ﷺ إذا بعث، وأن يتبعوه، وأن يبينوا أمره للناس.
هذا هو الميثاق العام، ثم أخذت عدة مواثيق خاصة تؤكد هذا الميثاق وتبينه، وبعضها يخص قوماً من بني إسرائيل دون آخرين.
ويقف المسلم مندهشاً حائراً أمام هذا الجنس من البشر، قوم كذبوا الرسل وقتلوا الأنبياء، لا عهد لهم ولا ميثاق، آذوا موسى وهو منقذهم من فرعون وقومه، وأعطاهم الله أعظم الآيات فكفروا، ووهبهم أعظم النعم فجحدوا، وتوارثوا الغدر والمكر والخيانة منذ موسى _عليه السلام_ إلى يومنا الحاضر، وآيات العهد والميثاق لنا فيها أعظم العبر والدروس، إلى يومنا الحاضر، حيث تكشف لنا عن طوية هؤلاء وسوء أخلاقهم، وأنهم لا أمان لهم ولا وفاء.
ومن العجب أننا نجد من بني قومنا وممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون إلى ديننا، نجد من يسعى جادّاً إلى إقامة المعاهدات مع بني إسرائيل، وكتابة المواثيق معهم، وكأنه لا يقرأ كتاب الله، ولم يعرف التاريخ، ولا يتعظ بتجارب البشر، إنني وأنا أسمع وأرى هذا السباق المحموم بين بني يعرب للتقرب من يهود وإقامة العلاقات معهم، ظنّاً أنهم سيأمنون شرَّهم، ويكونون في وقاية من غدرهم، أتساءل هل هؤلاء سيكونون أكرم عند اليهود من موسى ﵇؟ لا، وألف كلاَّ، موسى نبيهم ورسولهم ومنقذهم ومن بني جلدتهم، ولم يدخر وسعاً لهدايتهم وجلب الخير لهم ومع ذلك فعلوا به الأفاعيل، وأنبياؤهم من بعد موسى ماذا فعلوا بهم، فريقاً كذَّبوا به وفريقاً يقتلون، إذا كان هذا شأنهم مع أنبيائهم كيف سيفعلون بأعدائهم؟ ..
وسنن الله لا تختلف، ولكن أين المؤمنون وأين المعتبرون (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ)، وهذا درس عظيم من دروس العهد والميثاق، يجدر بنا أن نفيد منه أيَّما إفادة قبل فوات الأوان، وحلول الذل والهوان.
стр. 730
٩ - بايع رسول الله صلى الله عله وسلم _ صحابته _ وأخذ عليهم العهد في بيعتي العقبة، وبيعة الرضوان، وبايعهم على السلام، وبايع النساء بيعة خاصة.
كما بايع بعض صحابته على الجهاد، وآخرون على السمع والطاعة.
وبايع بعضهم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
هذه هي أهمّ المبايعات والعهود التي أخذها ﷺ على صحابته، بعضها عام، وبعضها خاص.
ومما يجدر التنبيه إليه هنا ما ذكره سبحانه في سورة الأحزاب مادحاً أصحاب تلك العهود والمواثيق ومثنياً عليهم: (مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً).
نعم لقد وفَّى صحابة رسول الله ﷺ بعهودهم، والتزموا مواثيقهم، ولم يكونوا كبني إسرائيل الذين أصبحت الخيانة والغدر من سماتهم وأبرز سجاياهم وطباعهم.
لقد كان من وفاء أصحاب رسول الله ﷺ أن أحدهم يسقط سوطه وهو راكب على دابته فينزل ليأخذ سوطه ولا يطلب من أحد أن يناوله؛ لأنه بايع رسول الله ﷺ على ألاَّ يسأل الناس شيئاً أعطوه أو منعوه (١).
هذه هي الطاعة وهذا هو الوفاء، وبمثل هؤلاء تسعد البشرية وتصل على مدارج الرقي وسموّ الأخلاق، لقد كان جيلاً قرآنياً فذّاً، لم تعرف البشرية جيلاً كذلك الجيل، ولا صفوة كتلك الصفوة، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ) (الأنعام: ٩٠)، (وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (الزمر: ١٨). ١٠ - عقد رسول الله ﷺ عدة عهود مع اليهود، أبرزها عندما قدم المدينة، ومن آخرها ما كان في خيبر:
ولكن اليهود هم اليهود، لا يستقيم لهم عهد، ولا يبقى معهم ميثاق، وكما غدروا بنبيهم موسى ﵇ فقد خانوا رسول الله ﷺ ، فلم يعرف على مدار التاريخ أن اليهود وفوا بعهد أو حافظوا على ميثاق وبخاصة إذا أتتهم الفرصة للنقض فلا يدعونها تمر أبداً، وما يعرف من يسير وفائهم (٢)، فسببه ضعفهم وعجزهم وقوة خصمهم، وحيث لم تسنح لهم فرصة للغدر والخيانة. وأكرر وأؤكد في هذه الدراسة أننا بأمسّ الحاجة إلى معرفة طبائع اليهود وسوء طويتهم، فهذا دين لا نعذر بجهله أو التفريط فيه، لما يترتب على الجهل من مفاسد عظيمة، وخسائر جسيمة، في الدين والعرض والمال.
١١ - تبين لنا أنَّ رسول الله ﷺ أبرم عدة عهود مع المشركين، كان أبرزها وأهمها ما تم بين المسلمين وبين قريش في غزوة الحديبية، كما أنه عقد عدة معاهدات مع غيرهم كخزامة ومدلج وقبائل بني بكر، وهذه العهود هي التي أشار إليها القرآن في سورة التوبة، كما أشار إليها في سورة النساء، مما سبق بيانه.
وقد اتضح أنَّ بعض المشركين وفَّى بعهده وميثاقه وبعضهم خان الله ورسوله فلقي جزاءه.
١٢ - كتب رسول الله ﷺ عدة كتب لبعض قبائل المسلمين، وقبائل أخرى من العرب غير المسلمين، كما كتب لبعض اليهود وبعض النصارى، وقد تضمنت هذه الكتب بعض العهود والمواثيق بين الرسول ﷺ وأولئك، مما يعطي دلالة على استقرار الدولة المسلمة وقوتها، حتى إن القبائل أصبحت تخطب ودَّها والأمان منها، بل والحماية ضد أعدائها، وهذا أثر فعَّال للعهود والمواثيق، إذا سادت بين الدول والمجتمعات -وتم الوفاء بها- حلَّ الوئام والسلام، بدل الحرب والخصام.
стр. 731
١٣ - أشرت على أنه لم يكن للمنافقين عهود خاصة، وإنما كانوا يعطون العهود مع المسلمين كأفراد منهم -ظاهراً- وما أشار إليه القرآن من نقضهم للعهود حدث منهم بطرق ملتوية وبأساليب متعددة، ولقد ذكر القرآن تلك الأساليب دون التصريح بأسماء من قام بها، مع بيان أنهم من المنافقين.
١٤ - استعمل مصطلح العهد والميثاق في عدة مجالات، ولقد شدَّ انتباهي كثرة هذه المجالات وأهميتها، وكيف أن العهد والميثاق جاء ليقرر مبادئ عظيمة، سعدت بها البشرية ماضياً وحاضراً، وتسعد بها مستقبلاً، وذكرت أن من أبرز تلك المجالات ما يلي:
أ- العقيدة هي أساس وجود الخلق، ولا خير في حياة بدون إيمان، وهل الظلمات إلاَّ الكفر والفجور، وما النور إلاَّ الإيمان والتقوى.
ولهذا جاء العهد والميثاق مقرراً هذه الحقيقة وملزماً البشرية بتحقيق عبوديتهم لله ، وداعياً للإيمان به ، والعمل بما في كتب الله المنزلة، حيث تعمل كل أمة بكتابها، فكتب الله يصدق بعضها بعضاً، والمتأخر ناسخ للمتقدم ومصدق به، ولا تعارض في ذلك ولا تضاد.
كما أن الإيمان بالرسل من صميم عقيدة المسلم، فجاء العهد والميثاق في هذا المجال، طالباً الإيمان بالرسل عموماً وبالنبي المرسل خصوصاً فبعضهم يؤمن ببعض، فالمتقدم يبشر بالمتأخر والمتأخر يصدق المتقدم، ويعترف به، لا يستقيم الإيمان إلاَّ بذاك. والشرائع المنزلة كلها من عند الله، نؤمن بالمتقدم منها إجمالاً، وبالمتأخر تفصيلاً.
هكذا جاءت العهود والمواثيق في القرآن الكريم تؤصل هذا الجانب وتؤكده، وتدعو الناس للاهتمام بجانب العقيدة وتحقيقها في عالم الوجود.
ب- أمر المسلم بالعبادة، أصولها وفرعها، وقد أخذ الله الميثاق على الناس بأن يعبدوه، وذلك بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرهما من أنواع العبادات التي شرعها الله، وقد ورد مصطلح العهد والميثاق مبيناً أهمية هذا الجانب ووجوب العناية به، ومحذراً من التفريط فيه أو الإهمال، فذلك نقض للعهد والميثاق، وعاقبته وخيمة، ومآل صاحبه إلى الخسران والهلاك.
ج- الأخلاق سرٌّ من أسرار بقاء الأمم ودوامها، وفقدانها سبب لدمارها وفنائها والخلق الحسن سمة بارزة في جبين الفرد، يقوده إلى مدارج العزّ والخلود.
وهذا المجال واسع رحب له آثاره ومزاياه، لذلك جاءت العهود والمواثيق محتفية بهذا الجانب ومؤكدةً عليه، فوردت آياتٌ كثيرة من آيات العهد والميثاق مشتملة على بيان أخذ الله العهود على البشر، ليلتزموا بالأخلاق الفاضلة ويبتعدوا عن أي خلق ذميم، على مستوى الفرد والجماعة.
د- من مآسي العالم في عصرنا الحاضر -وما أكثر مآسينا- عدم احترام العهود والمواثيق التي تبرم بين الدول. فكم من اتفاقية وقعت، وعهود كتبت، لم تزد أن تكون حبراً على ورق، وهذا سبب القلاقل والفتن والحروب.
والإسلام يأبى هذه الأخلاق، ودين الله إلى الوفاء وحسن الجوار.
ومن هنا جاء مصطلح العهد والميثاق في مجال العلاقات الدولية ليرسم للبشرية ما يجب أن تكون عليه سياسة الدول، بعيداً عن الغدر والخيانة وأخذ الناس الآمنين على حين غرَّة.
وبهذا تسعد البشرية، وتعيش في أمن يسود حياتها، ويتيح لها أن تتقدم في جميع شؤون الحياة ومجالاتها، بعيداً عن الخوف والهلع، وتوقع الغدر والخيانة.
هـ- كما جاءت العهود والمواثيق في مجال العلاقات بين الدول، فقد وردت في مجال المعاملات بين البشر، وكما أخذ العهد بوجوب الإيمان بالله، وتصديق رسله، فقد جاء ليرسم للناس أسلوباً في تعاملهم وحسن تقاضيهم، بعيداً عن الالتواء والتربص وسوء الطوية، وهذا من عظمة هذا الدين وسمو أهدافه وغاياته، واحتفائه بالفروع كاهتمامه بالأصول.
стр. 732
وفي القضايا الاجتماعية وما يكون بين الأسر والأفراد أمور تحتاج إلى عناية ورعاية، ولذلك فقد كان للعهد والميثاق أثر فعال في حسن النظر ومراعاة هذا الجانب المهم في حياة الناس، والتساهل أو التهاون في ما يتعلق بحياة الناس الخاصة وأمور أسرهم يؤدي إلى فساد المجتمعات ومن ثمَّ دمار الدول، ولذلك فقد جاءت آيات كثيرة تبيّن للناس النمط السوي في محيط القضايا الاجتماعية والحياة الأسرية، وحذرت من أي خلل أو تصدع في هذا الكيان، مؤكدة ذلك بالعهود والمواثيق صيانة وحماية للأمة أفراداً وجماعات.
ما أروع هذا الدين وما أشمله وأكمله، كم يحس المسلم بسعادة وهناء وهو يرى مدى اهتمام الإسلام بأخص شؤونه وأدقها، بل ويؤخذ عليه العهد والميثاق ضمانة لاستمرار سعادته، وحماية له من الشقاء والعناء.
ز- لا حياة للأمة بدون الجهاد في سبيل الله، وأي أمة تدع الجهاد أمة تعيش الذل بأبشع صوره، الجهاد يحمي الدين والنفس والعرض والنسل، والمال، ويحمي البلاد والعباد.
الأمة المجاهدة لها العزة والرفعة والمنعة ولهذا فقد جاء العهد والميثاق في مجال الجهاد في سبيل الله ليرتفع بالبشرية عن مهاوي الردى ونوازع الهوى، ناعياً عليه التثاقل في الأرض أو الركون إلى شهواتها وملذاتها، وليطلب الموت من أراد أن توهب له الحياة، ومن وفَّى ببيعه وفَّى الله له عهده (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ) (التوبة: ١١١).
١٥ - لا خلاف ولا نزاع في وجوب الوفاء بالعهد والميثاق، وآيات الكتاب وأحاديث المصطفى ﷺ صريحة بذلك، كما هي صريحة بحرمة نقض الميثاق أو الإخلال بالعهد، وتوعّد الله بأقسى العقوبات للناقضين عهودهم ومواثيقهم، وصريح المعقول يوافق صحيح المنقول على وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق.
١٦ - الوفاء بالعهد والالتزام بالميثاق صفات كرام الرجال وخيارهم، والآثار الحسنة التي تعود على الموفين بعهودهم ومواثيقهم لا تعدَّ ولا تحصى، منها الآثار التي يجنونها في الدنيا، وأعظم منها ما يحصل لهم في الآخرة، وإذا عظم المطلب فالجزاء أعظم.
إن من أعظم الآثار نعمة الإيمان، ولا يعرف قدر الإسلام إلا من عرف الكفر ومآسيه (١).
والتقوى ومحبة الله للمتقين جزاء من ربك عطاءً حساباً للملتزمين بعهودهم المحافظين عليها.
الأمن في الأوطان مطلب عزَّ مناله، لكنه حاصل لمن عرفوا قدر المواثيق وراعوا حقها، فلهم الأمن والحياة الطيبة والجزاء الحسن والأجر العظيم، وفي الآخرة يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم الجنات، ما أعظم هذه الآثار وأزكاها، وما أجدر بالبشرية الحائرة أن تنشد السعادة من معينها فقد طال شقاؤها. في الإسلام تجد الطمأنينة وفي ظلال الإيمان تعيش الحياة الوارفة، تصون دماءها وتحمي ذمارها، هذه في الدنيا، أمَّا في الآخرة فرب كريم، ونزل عظيم، وحياة أبدية في جنات النعيم.
١٧ - آثار نقض العهد والميثاق مدمرة ومفجعة، بعضها عاجل وبعضها آجل، شيءٌ منها يحلّ بالفرد وآخر يلحق بالأمة، جزاء وفاقاً.
الكفر صفة للناقضين عهودهم، والفسق ديدنهم، والخسران نهايتهم، واللعن في انتظارهم، قلوبهم قاسية قد طبع الله عليها، فأغروا بالعداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
حرمت عليهم الطيبات في الدنيا، والنار مصيرهم في الآخرة.
القتل والتشريد جزاؤهم لقاء غدرهم وخيانتهم وضلالهم عن سواء السبيل.
يعيشون في الدنيا بخزيٍ أبدي، وفي الآخرة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم.
стр. 733
هم شرُّ الدواب وشرار الخليقة، ولذا فبعض الناقضين عجلت عقوبتهم فأصبحوا قردة وخنازير لغدرهم وخيانتهم. والناقض عهده يجني على نفسه وأمته ويرديها.
إن أثراً واحداً مما مضى كافياً للزجر والتهديد، فكيف بهذه الآثار مجتمعةً أو بعضها مما ينتظر الناقضين لعودهم.
إن البشرية اليوم بأمسِّ الحاجة إلى الاستقرار والسعادة بعد طول شقاء وعناء.
والمنقذ لها من ذلك كله هو التمسك بحبل الله والوفاء بعهده والالتزام بميثاقه، وأن يكون الإسلام هو المهيمن على شؤون الحياة دولاً وأفراداً.
وبعد ..
فقد عشت فترةً طويلةً وقصيرةً في هذا الموضوع، طويلةٌ في حساب الأيام والشهور، وقصيرة مع كتاب الله فلو قضى المسلم عمره مع القرآن الكريم فلا يعدوا أن يكون لحظة في عمر الزمن.
ازداد إيماني -ولم يكن ضعيفاً والحمد لله- بأن هذا القرآن هو المنقذ للبشرية من واقعها المرير، ففيه النور والبرهان، فيه المخرج لأزماتها، والحلول لمشكلاتها، لا الشرق ينقذها، ولا الغرب ينفعها، وإنما كتاب الله هادينا وقائدنا.
أدركت من خلال هذا البحث كم في القرآن الكريم من كنوزٍ مجهولةٌ، ودررٌ مغمورةٌ بالنسبة لكثيرٍ من المسلمين، ولذلك تخبَّطوا في حياتهم في الظلمات والنور بين أيديهم، يبحثون عن الهدى والهدي في حوزتهم، إن هذا القرآن منهجٌ للبشر، كلام الله لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميد.
شدَّ انتباهي وأنا أعيش بين آيات العهد الميثاق معايشة هذا القرآن العظيم لحياة الناس لحظةً بلحظةً وساعةً بساعةً، موجهاً ومنقذاً، ومبشراً ومعاتباً ومعاقباً، يحيط الناس بعنايته، ويحنو عليهم برعايته، هذا يَعِدُهُ وذاك يتوعّده، وآخر يعلمه ويربيه.
إنها دعوةٌ صادقةٌ ملخصة أوجهها لأمتي عموماً وللعلماء خصوصاً بأن نعود إلى كتاب ربنا ومنهج حياتنا، نتفيء من ظلاله وتسعد البشرية الحائرة، فقد طال بلاؤها وزادت تعاستها، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
ختاماً:
لك الحمد ربي على ما تفضلت وأنعمت ووفقت، أشكرك مع كل حرفٍ أخطّه وكلمة كتبتها وجملة أصوغها، أشكرك مع كل نسمة هواء تمدّني بالحياة، وكل نقطة دمٍ تجري في عروقي، وقطرة ماءٍ تسير في أحشائي، تذكرني بأنك الخالق الواحد لا رب لي سواك.
سبحان ربك رب العزَّة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 734
المسائل الاعتزالية في تفسير الكشاف للزمخشري في ضوء ما ورد في كتاب الانتصاف لابن المنير (٦٢٠ - ٦٨٣ه ـ)
المؤلف/ المشرف: صالح بن غرم الله الغامدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الأندلس ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: معتزلة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأصلى وأسلم على من بعثه الله رحمة للعالمين وحجة على الناس أجمعين، نبينا محمد ﷺ تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد:
فإنه يطيب لي وقد أزف هذا البحث على التمام أن أذكر جملة من النتائج التي توصلت إليها من خلال مباحثه التي اشتملت عليها خطته، فأقول مستعيناً بالله :
١ - ترجع أهمية هذا البحث إلى كونه يصلح خللاً اعتور كتابين من كتب التراث لهما أهميتهما ومكانتهما، هما كتاب (الكشاف للزمخشري) وكتاب (الانتصاف لابن المنير) ولكون الخلل فيهما يمس الجانب الأهم من جوانب الفكر الإسلامي، وهو جانب العقيدة، فقد كانت الحاجة إلى ذلك الإصلاح ماسة، سيما وأنه يقدم خدمة للكتابين تؤدي إلى الاستفادة منهما مع الأمن من غوائلهما.
٢ - إن الرد على أهل البدع وإبطال مقالاتهم التي خالفوا فيها الحق، سوء أكان ذلك باللسان أم بالقلم سنة درج عليها أهل الحق من سلف الأمة وأئمتها وتناقلوها جيلاً بعد جيل، وأخذها المتأخر منهم عن المتقدم، وقد شكلوا بذلك حاجزاً منيعاً أمام البدع والمبتدعين، كي يبقى دين الأمة سالماً نقياً من أوضار البدعة وأدناسها.
٣ - كتاب الكشاف للزمخشري يعد ممثلاً لمذهب المعتزلة، إذ هو تعبير عن عقائدهم من خلال تفسير آيات القرآن، ولكون الزمخشري مؤلف الكتاب يتمتع بمقدرة فائقة على دس أفكاره في ثنايا كلامه بما أوتي من براعة في تصريف الكلمات وتنميق العبارات، مع إجادة لفن المراوغة، فقد سخر كل ذلك لخدمة معتقده الاعتزالي بإبراز الأوجه الدالة عليه من أدلة القرآن وصرف ما يتعارض معه عن ظاهره بأساليب شتى يغلب على كثير منها الابطال والتكيف.
وفي المقابل فقد جعل ابن المنير كتابه الانتصاف ممثلاً لمذهب الأشاعرة، إذ أنه وكما ذكر في سبب تأليفه إنما دعاه إلى ذلك ما أرى من كلام الزمخشري في كشافه من تجن على الأشاعرة، وسوء أدبه معهم على حسب قوله، فأراد أن يأخذ بحقهم ويثأر لهم منه.
وعلى كل فابن المنير سلك الطريقة ذاتها التي سلكها الزمخشري في الانتصار لمذهبه، فهو يبرز الآيات التي يرى أنها مؤيدة لمذهبه ويعمل جهده في صرف ما يخالفه عن ظاهره. وقد مثل هذا تناقضاً ظاهراً في كلام ابن المنير في كثير من الأحيان، فبينما ينعى على الزمخشري هذا المسلك إذ به يعتمده في التعامل مع الأدلة التي لا توافق ما هو متقرر في مذهبه.
٤ - على الرغم مما اشتمل عليه الكتابان (الكشاف، والانتصاف) من عقائد باطلة وأفكار فاسدة فإنهما مع كل ذلك لا يخلوان من مباحث مهمة ونكات حسنة وفوائد جمة، سواء أكان ذلك في التفسير أم علوم القرآن أم الفقه أم اللغة أم البلاغة، فإن الزمخشري ذا قدم راسخة وقلم سيال في علم اللغة والبيان، وهو فيها الفارس الذي لا يبارى ومباحثه في هذا الجانب إذا جردت مما يشوبها من مكنونات الاعتزال فهي مباحث جيدة ونكات لطيفة قد لا يعثر عليها طالب العلم في غيره من الكتب. وابن المنير لا يقل عنه رسوخاً في هذا المجال، فله من التحقيقات المتعمقة والتنبيهات اللطيفة في العلوم المذكورة آنفاً، ما يدل على رسوخه وإمامته في تلك العلوم، يظهر ذلك جلياً للمتتبع لتعقيباته وتنبيهاته التي ضمنها كتابه الانتصاف.
стр. 735
٥ - سلك ابن المنير في تعامله مع الزمخشري من خلال تعقيباته على كلامه مسلك العدل والإنصاف في العموم، فقد أثنى عليه وأشار إلى إمامته ورسوخ قدمه في علم البلاغة والبيان في غير ما موضع، وقد أفرد بعض تعقيباته فقط للإشادة به والإشارة إلى بعض نكاته المستحسنة وتنبيهاته اللطيفة، ومع ذلك فإنه كثيراً ما يغلظ له في القول، بل وحتى إلى الدرجة التي يصفه فيها بالضلال أو الشرك، وهو – أي ابن المنير – قد أشار إلى ذلك معتذراً لنفسه بأنه يفعل ذلك من باب المقابلة بالمثل، مثلاً بمثل سواء بسواء؛ لأنه قد نصب نفسه مدافعاً عن مذهب الأشاعرة كما أن الزمخشري داعية إلى مذهب الاعتزال.
٦ - ابن المنير في تعقيباته على الزمخشري يخالفه في العموم الأغلب، وقد يوافقه أحياناً، وقد يوافقه في بعض كلامه ويخالفه في البعض الآخر، (والمرجع أو الضابط عنده في الموافقة والمخالفة إنما هو قواعد مذهبه الأشعري التي بنى عليها عقائده وأفكاره، وقد يترك بعض المواضع التي يتفق فيها معه الزمخشري دون تنبيه وهي مواضع قليلة، وهو لم يستوعب التنبيه على المخالفة في كل مواردها في الكتاب، بل يكتفي بالتنبيه عليها في عدة مواضع تقل في بعض المسائل وتكثر في بعضها الآخر. وقد يمر على بعض المواضع المشابهة دون تنبيه اكتفاء بما قد نبه إليه من مواضع.
٧ - محاسن وفوائد الكتابين كثيرة نبهت إلى بعض منها هنا وأشرت إليه أيضاً في المقدمة؛ لكن في الوقت نفسه هناك بعض المآخذ عليهما.
فمن المآخذ على كتاب الكشاف أن مؤلفه قد شحنه بالأفكار الاعتزالية وتكلف حمل معاني آيات القرآن الكريم لتوافق تلك الأفكار، كما أن مؤلفه ليست له دراية بعلم الحديث، وقد وقعت له بسبب ذلك بعض الأغلاط الشنيعة من إنكاره لبعض الأحاديث المتفق عليها أو روايته لها بصيغة التمريض الدالة على الضعف أو الوقيعة في رواتها، لمجرد كونهم رووا ما يخالف مذهبه، حتى ولو كان الراوي من الصحابة الكرام.
وقد وقع له – أي الزمخشري – في حق المصطفى ﷺ من الأنبياء كآدم، ونوح، شطحات شنيعة سجلها عليه العلماء واعتبرت من أسوأ المآخذ التي أخذت على الكتاب ومؤلفه، وكان لها أثر في الحط من قدرهما.
أما كتاب الانتصاف فالمأخذ الرئيس عليه الذي قلل من قميته وفائدته؛ أن مؤلفه لم ينطلق في تعقيباته على الزمخشري من منهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، المبني على أساس اعتماد الأدلة من الكتاب والسنة كمصدرين أساسين تستمد منهما أمور العقيدة. وتقديمهما عند الاستدلال على مسائلها، وجعل العقل تبعاً لها في ذلك ببيان أنه إن صح النقل فلا يمكن أن يعارضه العقل أو يحكم بما يخالفه.
لا بل إن ابن المنير إنما اعتمد في ذلك مذهب الأشاعرة المبني على أساس تقديم العقل على النقل، واعتماد العقل طريقاً أساسياً لمعرفة مسائل الاعتقاد، بل ووحيداً في أغلبها وجعله الحاكم على ما يقبل أو يرد من الأدلة النقلية إذا احتاج إلى الاستدلال بها. ولذلك فقد اتسمت ردوده على الزمخشري في أغلب الأحيان بالطابع العقلي الصرف، فاختفت فيها دلائل الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.
ورغم أن مذهب الأشاعرة الذي ينتحله ابن المنير وجعله عمدته في الرد على الزمخشري أخف ابتداعاً من المعتزلة وأقرب إلى أهل الحق منهم؛ إلا أنه لا يمكن أن يكون ممثلاً لمذهب أهل السنة والجماعة كما يزعمه الأشاعرة ويدعونه لأنفسهم، فإن نقاط الاختلاف بين المذهبين (أهل السنة والأشاعرة) أكثر من نقاط الاتفاق، بل إن نقاط الاختلاف بينهما تمس جوانب وركائز أساسية في العقيدة لا يمكن التغاضي عنها أو الجمع بين المذهبين فيها إلا برجوع الطرف المتجافي عن الحق وهم الأشاعرة إلى الحق وأهل الحق، وهذا مالم يحصل منهم بعد إلى الآن، نسأل الله لنا ولهم الهداية إلى الحق والثبات عليه حتى نلقاه إنه سميع بصير.
وبعد فإني لا أقول إني قد أعطيت هذا البحث كل ما يستحقه، وما قمت به على كل حال جهد مقل معترف بالعجز والتقصير، وفوق ذلك هو جهد بشري لابد أن يعرض له الخطأ ويعتوره التقصير، مهما حاول الإنسان تدارك ذلك.
لكن حسبي في ذلك وعزائي أني بذلت قصارى جهدي في أن يظهر بالشكل المرضي، فما كان فيه من صواب فهو من الله وما كان فيه من خطأ وتقصير فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك وأسأله العون والسداد والتوفيق لصالح الأعمال، إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 736
في ظلال القرآن في الميزان
المؤلف/ المشرف: صلاح بن عبدالفتاح الخالدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المنار ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٠٤هـ
تصنيف رئيس: تفسير
تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر
الخاتمة: نقف الآن في خاتمة هذا الكتاب لنسجل أهم المزايا التي توفرت للظلال، وأكسبته منزلة فريدة بين كتب التفسير، وجعلت له أثرا ملحوظا في الفكر الإسلامي المعاصر. ونقدم لهذه المزايا بقول الأستاذ محمد قطب – الذي هو خير من يعرف الظلال ويدرك مزاياه – في وصف ظلال القرآن: الكتاب الذي عاشه صاحبه بروحه وفكره وشعوره وكيانه كله .. وعاشه لحظة لحظة، وفكرة فكرة، ولفظة لفظة .. وأودعه خلاصة تجربته الحية في عالم الإيمان .. " وفي ما يلي نسجل أهم مزايا الظلال:
١ - انطلاقا من كلام الأستاذ محمد قطب السابق نقرر المزية الأولى للظلال، وهي أن سيد قطب عاشه بروحه وشعوره وكيانه كله، عاشه حياة عملية قبل أن يسجله في صورة كلمات وجمل وتعبيرات. عاش الأفكار والمعاني في الحياة قبل أن ينقلها للناس ولا يدرك هذه المزية من كان خالي البال من مكابدة الجاهلية والحركة بإسلامه في وجهها.
٢ - إن سيد قطب كتب الظلال من "الميدان" لا من خلف المكاتب أو وراء الجدران. إن الذين يقولون كثيرون والذين أقبلوا على القرآن يفسرونه في العصر الحديث كثيرون ولكن فرق بعيد بين قول وقول وبين مفسر ومفسر، وبين تفسير وتفسير، والقارئ هو الحكم الصادق على القول والتفسير!! .. إن الذي يقرأ كلاما مسطورا في كتاب ولا يحس تجاهه بتجاوب وانفعال يدرك أن قائله غالبا لم يكن يعيش ما يقول ولم يكن يتحرك بما يقول. سيد لم يكن من ذلك الصنف لم يقعد قعدة باردة يعالج بعض الموضوعات والقضايا النظرية معالجة نظرية باردة أيضا، لقد حمل سيد سلاحه القرآن ونزل به إلى الميدان، ميدان مواجهة الجاهلية نظريا وعمليا وسجل خلاصة هذه المواجهة في الظلال ..
٣ - من خلال معرفتنا بالأغراض الأساسية للقرآن العملية الحركية الحية وإذا عدنا إلى الظلال لننظر فيه، فإننا نجده يضع ويحقق الأغراض الأساسية للقرآن ويعرض مهمة القرآن العملية الحية. ٤ - يضع الظلال بين يدي المسلم العالم المعاصر دليلا عمليا مكتوبا إلى التربية والتوجيه فيقيم نفسه الإسلامية وفق ذلك الدليل ويخرج من الظلال شخصية إسلامية متكاملة ومتوازنة ولهذا يعتبر الظلال ممثلا للمدرسة التربوية الوجدانية في التفسير.
٥ - تجاوز سيد في الظلال عصر الخلال المذهبي والكلامي بين المسلمين ولم يشغل القارئ بالخلافات والمماحكات والمجادلات بين تلك الفرق، ولم يتعبه بالردود التي وجهها أهل الفرق فيما بينهم، لأن سيد يعلم علم اليقين أن العقيدة الإسلامية " السلفية" لا يمكن أن تصاغ ضد مطاعن أهل الأهواء والضلال وإنما تصاغ العقيدة وتؤخذ من المعين الصافي الذي نهل منه الصحابة الكرام ولذلك عرض على القارئ هذه العقيدة الصافية من كتاب الله.
٦ - من خلال تركيز سيد على معاني الدعوة والحركة يصح أن نعتبر سيد مؤسسا لمدرسة جديدة في التفسير لم يتعرض لها المفسرون السابقون، وهي مدرسة " التفسير الحركي" ويصح أن نعتبر الظلال ممثلا لهذه المدرسة الحركية في التفسير، ولقد تابع سيد كثير من الكتاب اللاحقين، الذين أقبلوا على الظلال واستفادوا منه في معالجتهم الحركية الواقعية.
٧ - سيد ينتقل بالفكر الإسلامي المعاصر نقلة بعيدة من خلال الظلال نقلة استحق بها أن يعتبر هو الرائد لهذا الفكر، حيث قاده من مرحلة " الدفاع" على استحياء عن الإسلام وقيمه ومناهجه إلى مرحلة" الهجوم" المباشر الواثق المتزن للفكر الجاهلي وموضوعاته ورجاله ودوله ...
стр. 737
٨ - نجد سيد حريصا في الظلال على أن لا يكرر ما قاله المفسرون السابقون من مباحث نحوية أو بيانية، أو تاريخية أو قصصية، أو جدلية أو كلامية أو فقهية أو خلافية .. أو غير ذلك لأنه لا يريد أن يأتي الظلال نسخة مكررة للتفاسير السباقة .. وإنما كان حريصا على التركيز على بعض المعاني والمباحث والقضايا والموضوعات التي لم تتعرض لها التفاسير السابقة. كأنه يريد أن يضيف إلى ما قاله السابقون، وأن يقول ما لم يقولوه. ولهذا اعتبرنا الظلال نقلة جديدة بعيدة في التفسير.
٩ - الظلال ليس تفسيرا بالمعنى التقليدي لكلمة التفسير! وإنا هو لون جديد فريد في التفسير، ونقلة بعيدة رائدة للتفسير. وهذا اللون لا غنى عنه لأي مسلم يريد أن يعرف معاني كلام الله، وتطبيق الرعيل الأول لكتاب الله وتحركهم به.
١٠ - في الظلال تطبيق للآيات على الواقع المعاصر، وبيان لدلالتها العلمية الواقعية، و"تحرير" للنصوص القرآنية من قيود الزمان والمكان، وتطبيقها على كل زمان ومكان، لتظهر صلاحيتها لكل زمان ومكان، إن القارئ لبعض التفاسير السابقة لا يكاد يجد فيها هذا المعنى لأنها لم تكتب لعصره الذي يعيش فيه، ولم تعالج موضوعات يعيشها في عصره، أما القارئ للظلال فإنه يعرف من خلاله واقعه الذي يعيش فيه، وما له وما عليه.
١١ - كان سيد يعيد النظر في كلامه في الظلال، ويتناوله بالتنقيح والتصحيح والتعديل، ويتراجع عن خطأ وقع فيه فيما سبق، ويضيف إلى الظلال مكاسبه الجديدة، وآراءه وأفكاره ونظراته الجديدة، الناتجة عن حركته العملية بالقرآن.
١٢ - يصح أن نعتبر الظلال من بعض الجوانب تطبيقا لنظرية سيد عن "التصوير الفني في القرآن" والتي عرض خصائصها وآفاقها في كتاب " التصور الفني" وأبان في الظلال عن بعض ما في الآيات من تصوير فني معجز، وجمال قرآني رائع.
١٣ - نجح سيد – انطلاقا من المنهجية العلمية – في تجاوز الإسرائيليات والأساطير، ومن المحاكمات والنقاشات في تبيين " مبهمات القرآن" التي لا سبيل إلى بيانها. ولا فائدة من ذلك البيان. والتي أشغل بها مفسرون سابقون أنفسهم وقرائيهم، وسودوا صفحات عديدة في تفاسيرهم بالخلافات حول تلك المبهمات!
١٤ - الظلال يقرب بين المسلمين المعاصرين وبين القرآن، ويضيق " الهوة الواسعة" التي أحدثها هؤلاء بينهم وبين القرآن، بتركهم لأحكامه وتحريفهم لمهمته. أما الظلال فإنه يضع أيديهم على كنوز القرآن، ويبصرهم بمهمته. ويعرض عليهم حقائقه وإيحاءاته ودلالاته. ومع ذلك يعتبر سيد ظلاله وسيلة إلى تلك الغاية النبيلة وهي التقريب بين المسلمين وبين القرآن وليس غاية بحد ذاته، فإذا ما تحققت الغاية التي رجاها سيد فليترك المسلمون الوسيلة ويتمسكوا بالغاية!!.
١٥ - في الظلال عرض لملامح وسمات المجتمع الإسلامي المنشود الذي يسعى الدعاة إلى تحقيقه، وعرض لمبادئ ومناهج الشريعة الإسلامية التي تعيش في ذلك المجتمع، وإزالة بعض الشبهات والمآخذ التي أثارها بعض الأعداء ضد تلك المبادئ والمناهج والتي علقت بفكر وتصور بعض المسلمين المعاصرين.
١٦ - تكفل سيد في الظلال ببيان الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم وعرض التناسق الفني في أسلوبه وصياغته والتناسب الموضوعي في دروسه ومقاطعه. إن القرآن كما يبدو من خلال الظلال " كل" متناسق متناسب. ابتداء من جمل الآية، إلى آيات المقطع، إلى مقاطع الدرس، إلى دروس السورة، إلى سور القرآن.
стр. 738
١٧ - وقف سيد وقفات مطولة – في الطبعة المنقحة- يعرف بالسورة ويقدم لها ويبين شخصيتها المتكاملة الخاصة وموضوعها الأساسي وموضوعاتها الفرعية ويبين الخطوط الأساسية والخيوط الدقيقة التي شدت إليها موضوعات السورة وارتبطت بها معانيها، وتعريف سيد بالسورة قبل تفسيرها التفصيلي يكاد يكفي القارئ المتعجل عن القراءة في تفسير السورة تفصيليا ويكفيه ليدرك الوحدة الموضوعية للسورة، ويتعرف على شخصيتها وملامحها، وموضوعاتها وتقريراتها.
١٨ - في الظلال بيان للضوابط الأصلية لتعليل الأوامر والأحكام والتشريعات، وبيان حكمها والمصلحة فيها وما يكاد يخلو حكم من وقفة تبين حكمته، وما يكاد يخلو تشريع أو توجيه أو أمر من وقفة تبين أهميته والخير والمصلحة فيه فيخرج قارئ الظلال بيقين واطمئنان حول أحكام الله، يزيد إيمانه ويوثق التزامه.
١٩ - الظلال يجمع يبن الوحي الإلهي وبين العقل المؤمن، ويبين العلاقة بينهما، فهو لا يلغي العقل أو يعطله، وهو لا يؤله هذا العقل، أو يجعله الأصل .. النص القرآني هو الأصل لأنه كلام الله، والعقل البشري تابع للنص متدبر له، وظيفته في إدراكه وتطبيقه، ثم في النظر والتفكر في الكون المشهود والتفاعل معه، والتعامل مع سننه ونواميسه، والانتفاع بخيراته وكنوزه.
٢٠ - سيد يركز في الظلال على العقيدة ويجعلها الأساس لكل الأفكار والأعمال والتصرفات. ولذلك يجد قارئ الظلال فيه هذا المعنى بارزا، فيدرك أهمية العقيدة ودورها في حياته وآثارها على أعماله، وكونها هي الموجهة لسلوكه وتصرفاته. فيعرف كيف يتعامل معها ويخضع حياته لها. إن الظلال يبين دور القلب في حمل العقيدة والعيش بها ولها، وبذلك يصل قرائه بين المعلومات العقدية النظرية في الفكر والعقل وبين القلب، ويرفع شعار" المعرفة المنشأة للعمل" والعقيدة الموجهة للحياة.
٢١ - يبين لنا سيد في الظلال طريقة القرآن في عرض العقيدة عرضا حيا مؤثرا في الحياة البشرية، ويقارن بين هذه الطريقة وبين طريقة المتكلمين من رجال الفرق الإسلامية، التي عرضها من خلال القالب الفلسفي الإغريقي، أو الدافع أمام شبهات الأعداء، ويدعو القارئ إلى أخذ العقيدة من القرآن، وإلى إدراك منهج القرآن في عرضها وإقرارها، والتفاعل معه.
٢٢ - حرص سيد في الظلال على ربط الأحكام والتوجيهات الإسلامية بالعقيدة، وبيان انبثاقها وصلتها بها، وكون العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه تلك الأحكام، والباعث الذي يحرك المسلم للالتزام بها، وأن هذا العامل إذا ضعف أو خمد، فلا وجود للأعمال ولا أثر للالتزام.
٢٣ - بيان الوظيفة العملية للشعائر الإسلامية والحديث في الظلال عن الآثار الاجتماعية للتشريعات الإسلامية، والالتفات إلى مهمتها الإيجابية العملية ودعوة القارئ إلى ملاحظة هذه المعاني العملية للعبادات، وعدم تحويلها إلى عادات رتيبة جامدة.
٢٤ - نجح سيد في الظلال في " حل" بعض القضايا التي أشغلت مفسرين وباحثين حلها بتحقيق سريع موجز، بدون التفصيل في الأدلة والخلاف وذلك مثل: المشركون آدم خليفة الله في أرضه، وكون إبليس من الجن، وقضية القضاء والقدر، والضوابط لتعليل الأحكام، والضوابط للتفسير العلمي .. وغير ذلك.
٢٥ - تحقق للظلال موارد أساسية في مختلف الموضوعات الإسلامية من تفسير وحديث وسيرة وتاريخ .. ولذلك كانت الأفكار المعروضة في الظلال موثقة بتلك المصادر والموارد. ولا ننسى أن تلك الموارد كانت ثانوية والرجوع إليها للتصحيح أو التصويب أو الاستشهاد.
стр. 739
٢٦ - في الظلال وقفات يستدرك بها سيد على بعض المفسرين السابقين، وهو في استدراكه متصف بالأدب واللطف والرقة والرفق، ويظهر هذا على عباراته التي لا تلمس فيها كلمة جارحة أو نبرة حادة. كما أن الظلال متضمن الكثير من التصويبات في الفكر الإسلامي المعاصر، حيث يبين سيد الحق والصواب في بعض القضايا المطروحة مثل " مقارنة الأديان" و " الجهاد" و "الموقف من أهل الكتاب"
٢٧ - دخل سيد عالم القرآن الرحيب دون مقررات سابقة، وألقى على عتبته كل ثقافته السابقة، واستقى من معين القرآن الصافي مباشرة، واستمد منه أفكاره وتصوراته، ودعى القارئ إلى التعامل مع القرآن على هذا الأساس.
٢٨ - كان سيد في الظلال يسلم بالنص القرآني تسليما تاما، ويثق فيه ثقة مطلقة. فما يقرره النص فهو الحق والصدق، وما يوحي به فهو الخير والصواب، وهو الأصل الذي يجب أن يخضع له العقل ومقرراته، والواقع ومظاهره المخالفة.
٢٩ - كان سيد في الظلال يجمع الآيات المتفرقة حول الموضوع الواحد، وينظر فيها مجتمعة، ويستخلص دلالتها كلها، فإذا ما بدت بعض النصوص متعارضة في ظاهرها فهو تعارض موهوم للنظرة العجلى، لذلك يثقف ليجمع بين تلك النصوص، ويزيل عنها ذلك التعارض.
٣٠ - كان سيد يحرص على أن يبقى في جو النص القرآني في الظلال، وألا يخرج عنه إلى المطولات في اللغة أو الفقه أو الخلاف أو غير ذلك. وكان حريصا أيضا على أن يبقي القارئ في جو النص القرآني. وأن يوقفه أمام إيحاءاته ودلالاته مباشرة ليتلقاها ويتفاعل معها، ولذلك لا يشغله عن ذلك أمر إلهام أية تحقيقات أو توجيهات أو خلافات. وبذلك كان يتفاعل مع القرآن ويتعرض لأنواره، ويدعو القارئ للتفاعل معه، وإدراك تلك الأسرار القرآنية والتعرض لأنواره.
٣١ - يعرف سيد القارئ للظلال على كيفية التعامل مع القرآن، والمفتاح الحركي لفتح كنوزه ومعارفه من خلال الحركة به، ويدله على كيفية إدراك إيحاءات النص القرآني ولطائفه، واستخراج دلالاته وأحكامه. وذلك عندما يسجل له بعض تلك الإيحاءات واللطائف والظلال، ويقدم له بعض الأدلة والأحكام.
٣٢ - كان سيد يعيش جوا إسلاميا قبل الشروع في التفسير ويقف بين يدي الله، يتزود الذي يعينه على فهم كلام الله، ولم يكتب في الظلال إلا بعد الصلاة وهو على وضوء، ويقف طويلا أمام السورة أو الدرس ويستحضر معانيه، ثم يشرع في الكتابة.
٣٣ - كان سيد متبعا للطريقة المثلى في التفسير، التي قررها علماء التفسير: فكان يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالحديث النبوي، ثم بسيرة الرسول ﷺ ، وحياة أصحابه، وأقوال الصحابة، يورد الروايات المأثورة عن السلف الصالح.
٣٤ - الطرقة التي اتبعها سيد في الظلال في الجدال والنقاش والاستدلال هي طريقة علمية منهجية، مرتبطة بالقواعد والضوابط الإسلامية، في ذلك استدلاله من النصوص وحدها بدون الخضوع لمقررات أو رواسب سابقة. وجداله مع المخالفين بالقرآن وبأدب وعفة لسان.
٣٥ - نظرا لخطورة المسائل التي طرحها والموضوعات التي بينها والقضايا التي عالجها، ولما لها من حساسية خاصة باعتبارها مشكلات وقضايا معاصرة، فقد كان حريصا على إيراد الأدلة لما يقول في الظلال وتقريرها من مختلف الجوانب، وتكرار الحديث عن تلك القضايا والمسائل كلما وجد الفرصة مناسبة والارتباط قائما.
٣٦ - بعض الوقفات في الظلال طالت وتشعبت، من خلال عرض سيد للأدلة على القضية التي يتناولها، واستقصائه لأبعادها ومجالاتها .. مما جعل هذه الوقفات تصلح أن تعتبر تفسيرا موضوعيا" للقرآن وتصنف ضمن التفسير الموضوعي وذلك مثل حقيقة عالم الملائكة، ومظاهر النقاء والخلخلة في المجتمع الإسلامي، والجهاد وغير ذلك.
стр. 740
٣٧ - استخدم سيد في الظلال ثقافته الشاملة المتعددة الجوانب، والمختلفة الموضوعات كوسيلة للتفسير، واستفاد منها في إبراز بعض الحقائق وإجراء بعض التحليلات كما فعل مع تحليلاته الصائبة لنفسيات بعض النماذج الإنسانية في القرآن، وبيان البواعث لها على تصرفاتها.
٣٨ - تمتع سيد بروحانية صافية، وشفافية رائعة، وهو يكتب الظلال، ويستطيع القارئ أن يلمس ذلك بسهولة، ويصح أن يعتبر الظلال معرضا لتسبيح الله وعبادته وشكره والإنابة إليه.
٣٩ - يعتبر سيد مجددا في الظلال في الكثير من الموضوعات، ومجتهدا في بعض القضايا والمسائل وبخاصة قضايا الدعوة والحركة، وتركيزه على مسائل التربية والعمل، ووقوفه المطول أمام معاني العقيدة وأثرها، وحديثه المفصل المكرر عن الحاكمية، والجاهلية، والعبادة والعبودية، والألوهية والربوبية، وتأكيده المتكرر على الربط بين الألوهية والحاكمية وعرضه الإسلام بشموله وتناسقه وتكامله وانسجامه ودعوته إلى أخذه كله أو تركه وحديثه عن المعرفة المنشأة للعمل وعن المنهج الإسلامي في معالجة وبحث المشكلات والقضايا الواقعية، ودعوته إلى فقه الحركة وتأجيل البحث في فقه الأوراق وغير ذلك.
٤٠ - ظهر لنا أن سيد كان له منهج خاص في التفسير، وهو المنهج الحركي في التفسير والذي يعتبر به مؤسسا لمدرسة خاصة في التفسير هي مدرسة التفسير الحركي، وقد تناول سيد القضايا والمسائل من الزاوية التي تهم الدعاة العاملين وهي الزاوية الدعوية الحركية. لقد استخدم سيد مفتاحا سحريا عجيبا في تفسير القرآن، وهو " المفتاح الحركي" الذي يبدو أن الله قد ادخره له، فتناوله سيد وفتح به كنوز القرآن الحركية المذخورة فيه، وعرضها على الناس، واستقبلها الدعاة بترحيب وتفاعل وإعجاب وقد وضع سيد هذا المفتاح الحركي بين يدي القارئ الذي يرغب في الوقوف على مزيد من كنوز القرآن، ودله على طريقة استخدامه بدقة ومنهجية.
هذه – فيما يبدو لنا – أهم المزايا التي توفرت للظلال ولصاحبه، وهناك غيرها مما لم نذكره، وبهذا يظهر لنا أن سيد كان موفقا من الله سبحانه في تأليف الظلال، وكان موفقا في السير فيه وكتابته ويظهر لنا أن الظلال كتاب في التفسير لا يغني عنه سواه من التفاسير القديمة والحديثة على السواء وأنه يمثل نقلة جديدة في التفسير، ويعتبر لونا فريدا أساسيا لا غنى عنه في التفسير وأنه يعتبر تأسيسا لمدرسة جديدة هي مدرسة التفسير الحركي، وقد علم الله صدق نية سيد فكتب لظلاله الانتشار في الأقطار، ويكفي سيد منزلة أنه عاش ظلاله وكتبه من الميدان، ثم مات في سبيل الله بعد أن غذى ظلاله بدمائه، فدبت فيه الحياة.
وأختم هذه المزايا بقول سيد قطب مبينا سر " قوة الكلمة" التي تجعل لها التأثير في الحياة وهو كلام ينطبق على الظلال تماما، مما يعتبر مزية فريدة من مزاياه. " إن السر العجيب ليس في بريق الكلمات وموسيقى العبارات، إنما هو كامن في قوة الإيمان بمدلول الكلمات وما وراء المدلولات. إنه في ذلك التصميم الحاسم على تحويل الكلمة المكتوبة إلى حركة حية، والمعنى المفهوم إلى واقع ملموس. .. إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها وتجمعها وتدفعها إنها الكلمات التي تقطر دماء، لأنها تقتات قلب إنسان حي، كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان .. إن أصحاب الأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئا كثيرا، ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم. أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق ويقدموا دماءهم فدى لكلمة الحق. إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها أو غذيناها بالدماء انتفضت حية، وعاشت بين الأحياء.