٢١ - أن الجهم ومن وافقه ذهبوا إلى أن الإيمان هو المعرفة، والكفر هو الجهل، وأن قول اللسان وعمل القلب والجوارح ليس من الإيمان، وأن الإيمان شيء واحد لا يتفاضل، ولا يستثنى منه.
٢٢ - أن حصر الكفر في القلب مما ذهب إليه كثير من أهل الإرجاء، لكن منهم من لا يقصره على التكذيب والجهل، بل يضيف إليه ما يناقض عمل القلب كالعداوة والاستخفاف.
٢٣ - أن كثيرا من المتأخرين لا يميزون بين مذاهب السلف، وأقوال المرجئة والجهمية؛ لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم.
٢٤ - أن الكرامية ذهبت إلى أن الإيمان قول باللسان فقط، وأنه شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه، لكنها لا تنازع في وجوب المعرفة والتصديق، وفي أن المنافق مخلد في النار، وخلافهم مع أهل السنة في شأنه، خلاف في الاسم لا في الحكم.
٢٥ - أن أبا الحسن الأشعري نصر قول جهم والصالحي، في أحد قوليه، ونصر قول أهل السنة، في قوله الآخر.
٢٦ - أن من الأشاعرة طائفة وافقت السلف في مفهوم الإيمان.
٢٧ - أن المعتمد في مذهب الأشاعرة المتأخرين: أن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأن قول اللسان شرط لإجراء الأحكام في الدنيا، وأن عمل الجوارح شرط كمال في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص.
٢٨ - أن من جوّز منهم الاستثناء في الإيمان، فباعتبار الموافاة، ومرادهم أن الإيمان هو ما مات عليه العبد ويوافي به ربه، وهذا مجهول للعبد فيستثني لذلك، وأن الإنسان إنما يكون عند الله مؤمنا وكافرا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به.
٢٩ - أن قولهم بالموافاة، قول محدث، مبني على نفي قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى.
٣٠ - أن متأخري الأشاعرة يثبتون عمل القلب، من الإذعان والانقياد والقبول وترك العناد والتكبر، ويدخلون ذلك تحت التصديق، ويفرقون بينه وبين المعرفة التي ذهب إليها جهم.
٣١ - أن الكفر عند الأشاعرة هو التكذيب، أو الجهل بالله تعالى، وأن أمور الكفر المجمع عليها كالسجود للصنم وعبادة الأفلاك، ليست كفرا في نفسها، لكنها علامة على الكفر، ويجوز أن يكون فاعل ذلك في الباطن مؤمنا. ومنهم من يقول: هذه الأمور جعلها الشارع علامة على التكذيب، فيحكم على فاعلها بوجود التكذيب في قلبه وانتفاء التصديق منه.
٣٢ - أن الماتريدية يرون الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه، ويجعلون قول اللسان شرطا لإجراء الأحكام الدنيوية فقط، ومنهم من أثبت الزيادة والنقصان.
٣٣ - أن حاصل ما عليه مرجئة الفقهاء: أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان، وأنه لا يزيد ولا ينقص، ولا يستثنى فيه، وأن عمل الجوارح ليس من الإيمان، وكذلك عمل القلب، على ما ترجح لي، وهو موضع تردد في كلام شيخ الإسلام /.
٣٤ - أن الخلاف بين أهل السنة وهؤلاء المرجئة، خلاف حقيقي عند بعض أهل العلم، ولفظي عند آخرين، وهو موضع تفصيل عند شيخ الإسلام /، فلا يكون الخلاف لفظيا- عنده- إلا مع من يثبت التلازم بين الظاهر والباطن، ويسلم بأن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وبدعته حينئذ في إخراج العمل من مسمى الإيمان، من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد.
٣٥ - أن كثيرا من المتأخرين اغتر بما ينسب إلى المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب.
٣٦ - أن مقولة السلف: من قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد برئ من الإرجاء، حق وصدق، لكن على فهم قائليها، وأنه وجد في المرجئة من أثبت الزيادة والنقصان، بل ومن قال: الإيمان قول وعمل.
٣٧ - أن القول بأن الإيمان قول وعمل، يعني إثبات أمرين لا نزاع فيهما بين أهل السنة:
стр. 772
الأول: أنه لا يجزئ القول ولا يصح من دون العمل، وهذا مُصرح به من أئمة السلف، وعليه إجماعهم، وقد بسطت الكلام في هذا في الباب الثالث.
الثاني: أن الكفر يكون بالقول، والعمل، كما يكون بالاعتقاد والترك.
٣٨ - أن مقالات المرجئة المنتشرة في هذه الأزمنة، قد يخفى أمرها على بعض الناس، وقد يجمعون بينها وبين مقالات السلف، وقد أوردت منها ست عشرة مقالة.
٣٩ - أن من زل في هذا الباب، مع كراهته للإرجاء، وذمه للمرجئة، لا يقال عنه مرجئ بإطلاق، لكن يقال: وافق المرجئة في كذا، أو دخلت عليه شبهة الإرجاء.
٤٠ - أن التلازم بين الظاهر والباطن، دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة، وهو الذي تأباه المرجئة وتنكره، ولأجل عدم إدراكه غلط غالطون، وقد جعلت الكلام عليه في فصل مستقل، مبينا مفهومه وأدلته وموقف المرجئة منه، وعلاقته بكفر الإعراض.
٤١ - أن أهل السنة مجمعون على أن الإيمان لا يجزئ ولا ينفع ولا يقبل من دون عمل الجوارح.
٤٢ - أن ترك العمل الظاهر بالكلية كفر مخرج من الملة؛ لأربعة أدلة:
الأول: أن العمل الظاهر لازم للإيمان الباطن، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.
الثاني: إجماع أهل السنة عل أن الإيمان قول وعمل، وأنه لا يجزئ القول من دون العمل، ومنهم من صرح بكفر تارك العمل، وقد نقلت هذا الإجماع عن أحد عشر إماما من أهل العلم.
الثالث: إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة، فتارك العمل الظاهر كله من باب أولى، وقد نقلت هذا الإجماع عن اثني عشر إماما من أهل العلم.
الرابع: ما قرره جمع من أهل العلم في حقيقة كفر الإعراض، وأن منه: الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، وهو راجع إلى مسألة التلازم.
٤٣ - وقد نقلت في هذه المسألة نقولا سلفية، واضحة، عن الصحابة، والتابعين، والأئمة، إلى زمننا هذا، جعلتها في فصل مستقل، بلغت نحوا من مائة وعشرين نقلا، عن خمسين عالما، وقد تبين منها أن أهل العلم المعاصرين لا يختلفون في هذه المسألة العظيمة، بحمد لله.
٤٤ - أن المخالف عدل عن إجماع أهل السنة، إلى التمسك ببعض الأدلة التي لم يحسن التعامل معها وفق منهج أهل السنة في الاستدلال، وقد أجبت على استدلاله بحديث البطاقة، والجهنميين، وحديث حذيفة في اندراس الإسلام، وحديث الرجل الذي لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، وحديث معاذ في بعثته إلى أهل اليمن.
٤٥ - أن المخالف أكثر من إيراد الشبه العقلية، التي رام منها التشكيك فيما أجمع عليه أهل السنة من لزوم العمل لصحة الإيمان، وقد أوردت هذه الشبهات، ونقضتها واحدة تلو الأخرى، وقد بلغت ثنتي عشرة شبهة.
٤٦ - أن المخالف اعتمد على نقول عن بعض أهل العلم، فهمها على غير وجهها، وحملها على غير المراد منها، وقد تتبعت هذه النقول، وبينت ما كان منها مخالفا لما عليه أهل السنة، وما هو موافق لكن لم يفهمه المخالف على وجهه الصحيح.
هذا وإني أتوجه لإخواني الذين حادوا عن الصواب في هذه المسألة، بنصيحتين:
الأولى، لمن انشغل منهم بالتأليف والكتابة، أن يتقوا الله تعالى، وألا يوردوا في نقولهم كلاما لأهل البدع المخالفين للسنة، وأن لا يضربوا كلام أهل العلم بعضه ببعض، فللاستدلال آدابه وقواعده، التي لا تخفى عليهم.
والثانية: لعامة الطلبة، المريدين للخير، الباحثين عن الحق، أن يلزموا ركب علمائهم، وأن يأخذوا العلم على أيديهم، وأن يحذروا زلة العالم، وزيغة الحكيم، وأن يعلموا أن للمنهج السلفي حملةً، وورثةً، وأئمةً، وهداة، فيا فلاح وسعد من كان مع هؤلاء.
أسأل الله تعالى أن يبصرنا بالحق، وأن يجعلنا من أهله، والدعاة إليه.
وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 773
الاستقامة لابن تيمية تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم تصويبات وتعليقات "بحوث علمية محكمة "
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر
الخاتمة:
نخلص من خلال هذا البحث إلى أن الكثير من الإشكالات والمآخذ التي وقع فيها المحقق – ﵀ – يمكن تلافيها بالرجوع إلى سائر كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، ونحوها من المصنفات التي تعني بمسائل هذا الكتاب، وإذا كان المحقق – ﵀ – قد صوب الكثير من الأخطاء بمجرد رجوعه إلى (الرسالة القشيرية) فكيف لو أمكنه الرجوع إلى بقية المصنفات في موضوع هذا الكتاب؟
كما نخلص إلى أن كتاب الاستقامة من أوسع كتب شيخ الإسلام في الرد على المتصوفة ونقد آرائهم، وما يتميز به هذا الكتاب من أصول نافعة وقواعد مهمة في الرد على أهل التصوف.
وأن ما في كتاب (الاستقامة) من إجمال، أو إشكال، فإن في سائر مؤلفات ابن تيمية التفصيل والإيضاح، فالعبارات المشتبهة في (الاستقامة) يمكن حلها بمراجعة نظائرها ومظانها في بقية مصنفات ابن تيمية. وبالله التوفيق.
стр. 774
الاعتقاد القادري دراسة وتعليق "بحوث علمية محكمة "
المؤلف/ المشرف: عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٩هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: نقد كتاب أو فكر
خاتمة:
نخلص – في هذه الخاتمة – إلى النتائج التالية:
- أن في خلفاء بني العباس من له جهود متميزة في إظهار الإسلام والسنة، ولاسيما في العصر العباسي الأول، كالمهدي والرشيد والمتوكل، كما أن في الخلفاء المتأخرين من يشاركهم في ذلك، أمثال المعتضد والمقتدي بأمر الله والمستضيء بأمر الله.
وأما الخليفة القادربالله – وإن كان متأخراً- فإن جهوده في إقامة دين الله تعالى، والذب عن السنة تلحقه بهؤلاء المتقدمين، فقد أقام الشروط العمرية، وأظهر مذهب السنة، واستتاب المبتدعة، وهتك أستار العبيدين.
- تميز الخليفة القادر بالله بخصال قلما تجتمع في سائر الخلفاء، فقد كان عابداً زاهداً، عالماً فقيهاً، مقسطاً مهيباً، عاش ستة وثمانين عاماً، ولم يعمر أحد من الخلفاء قبله ولا بعده، مكث من ذلك خليفة إحدى وأربعين سنة، وهذا ما لم يسبقه أحد إليه – كما سبق بيانه -.
- أن إقامة دين الله تعالى وإظهار السنة في حصول التمكين في الأرض، وتحقق الاستقرار، والخليفة القادر بالله لما أقام الإسلام وأظهر السنة، واستتاب المبتدعة، كان ذلك سبباً بيناً في ظهور نفوذه، واستقرار خلافته، وتحقق هيبته.
- تتجلى حكمة القادر بالله وفقهه ودرايته بالمصالح والمفاسد، ومعرفته بمراتب الشرور، ومن ذلك أن المعتزلة لما اشتهر أمرهم في عصره، عمد إلى منعهم من التدريس والمناظرات، واستتابهم. لكن ذلك لم يمنع الخليفة القادر أن يجري على الاصطخري المعتزلي جراية سنية لأجل ما كتبه في الرد على الباطنية، فلا يخفى البون الشاسع بين زندقة الباطنية وبدعة المعتزلة، فالباطنية مرتدون خارجون على الملة، وهم أكفر من اليهود والنصارى، بخلاف المعتزلة فإنهم بالجملة من أهل القبلة.
كما نلحظ حسن سياسة القادر، وتدرجه في مدافعة الطوائف المنحرفة الظاهرة في عصره، فقد ابتدأ بأشنعها وهم العبيديون الباطنيون، فكتب المحضر الشهير سنة ٤٠٢هـ، والذي قدح في نسب العبيديين، وكشف زندقتهم وكفرهم الصراح، ثم انتقل القادر إلى مواجهة المعتزلة والرافضة فاستتابهم سنة ٤٠٨هـ، ومنعم من التدريس والمناظرات، وفي سنة ٤٢٠هـ كتب الاعتقاد القادري في تقرير مذهب أهل السنة والرد على عامة أهل البدع بما فيهم الأشاعرة.
- تبين – من خلال هذا البحث – أن الاعتقاد القادري ألفه أبو أحمد الكرجي، وكتبه القادر بالله، كما أن متن الاعتقاد القادري لا يتجاوز بضع صفحات.
- أن للاعتقاد القادري مزايا عديدة ومهمة، يندر أن تجتمع في غيره، كما أن آثار وثمرات تصنيفه لم تقتصر على مكان محدد، أو زمان معين، فقد قرئ في عدة أمصار، وحمل إلى أطراف البلاد، كما قرئ في أزمان مختلفة، واحتج به في عصور كثيرة.
فاللهم احرم الخليفة القادر، وارفع درجته في المهديين، وبالله التوفيق.
стр. 775
الانحرافات العقدية والعلمية في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارها في حياة الأمم
المؤلف/ المشرف: علي بن بخيت الزهراني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الرسالة - مكة المكرمة ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: دراسات توثيقية ومنهجية
أحمدك يا رب على ما أنعمت به من إتمام هذه الرسالة، ويسرت إخراجها على هذه الصورة، فلك الحمد حتى ترضى. وقد توصلت فيها إلى نتائج كثيرة من أهمها:
١ - أن الانحرافات العقدية والعلمية قد ظهرت مبكراً وإن كان في وقت ظهورها تفاوت وكانت دائرتها تتسع مع مرور الزمن، حتى أناخت بكلكلها الثقيل في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين.
٢ - أن الأمة كانت قوية ومتقدمة ومتصدرة للعالم حين كانت متمسكة بدينها محافظة على عقيدتها، وأنها لم تضعف وتتقهقر إلا حين فرطت في دينها، وانحرفت في عقيدتها، وأن ما وقع من انحرافات في تلك الفترة يفوق كل تصور.
٣ - أن انحصار الإسلام في العبادة بمفهومها الضيق كان انحرافاً خطيراً حدث في الأمة وكان ذا آثار سيئة في حياتها، وكذلك ما وقع من انشعاب وتصدع في فهم حقيقة الإسلام.
٤ - أن الفكر الإرجائي من أخطر الانحرافات التي وقعت في الأمة - أن لم يكن أخطرها على الإطلاق-، وحسبنا أن زمن المتمردين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله قد أمنوا على أنفسهم في ضلال ذلك الفكر الباطل، ولهذا عظم ذم السلف للإرجاء.
٥ - أهمية عقيدة الولاء والبراء في حياة الأمة، وإن الأمة لم تسقط فريسة للغزو الفكري، وتصبح تابعة لقوى الشر والكفر، إلا بعد أن حطمت تلك العقيدة في نفوس المسلمين على أيدي العملاء من المنتسبين إليها.
٦ - أن عقيدة أهل السنة والجماعة قد أصبحت في تلك الفترة غريبة ومحاربة من جماهير الأمة، وكان لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تلك الحرب والعداوة أوفر الحظ والنصيب.
٧ - أن الدين قد تحول عند كثير من الناس إلى عبادة الأضرحة والأولياء وإلى التصوف بطرقه وأذكاره وبدعه، وكان التفاخر بهما هو ما تتنافس فيه البلدان، ويتجارى فيه الناس.
٨ - أن الحالة العلمية في تلك الفترة كانت ضعيفة للغاية، وكانت أبرز علامات الضعف تنحصر في جمود مناهج التعليم، وفي التعصب المذهبي، وفي رفض إعادة فتح باب الاجتهاد.
٩ - أن الفرق المعادية لأهل السنة كالشيعة على اختلاف فرقها قد ازداد نشاطها في تلك الفترة، وكان تعاونها مع الاستعمار وعملها لحسابه سبباً في سيطرتها على كثير من المراكز الحساسة في بعض الدول الإسلامية، وعلى عجلة الاقتصاد فيها.
١٠ - أن موقف العلماء في تلك الفترة لم يكن على المستوى المطلوب، بالإضافة إلى عزوف كثير من العلماء عن المشاركة في الأحداث التي كانت تعصف بالأمة، ومع مشاركة بعضهم فيها إلا أنها لم تكن مشاركة فعالة.
١١ - أن وجوه الضعف السياسي والحربي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي والعلمي لم تكن هي الأسباب الجذرية لتخلف المسلمين كما يتصور الكثيرون، إنما هي آثار ترتبت على سوء الأحوال العقدية والعلمية عندهم، وانحرافهم عن هدى ربهم. وكذلك الاستعمار والتنصير والغزو الفكري، كل تلك كانت من الآثار التي ترتبت على سوء تلك الأحوال عند المسلمين، ولا يمكن القضاء على هذه الآثار ما لم يتم القضاء على الأسباب التي أفرزتها.
١٢ - أن الجوانب الأخلاقية والاجتماعية لم تسقط تحت وطأة غارات الغزو الفكري إلا بعد أن تحولت إلى عادات رتيبة وتقاليد خاوية، وفقدت روحها وصلتها بالعقيدة.
١٣ - أن رحيل الاستعمار عن الوطن الإسلامي لم يكن إلا ظاهرياً في أغلب الأحيان.
١٤ - أن الأثر العظيم الذي أحدثته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تمثل في تبوء المنهج السلفي مكانة مرموقة في فكر شباب الصحوة الإسلامية.
١٥ - أن ما جرى عليه من الباحثين من نسبة كل الحركات والجماعات إلى التأثر بدعوة الشيخ لا صحة له على الإطلاق، وأن هذه النسبة الخاطئة تستخدم أحياناً لتبرير انحرافات هذه الحركات وتغطية مساوئها.
١٦ - أن أهم العقبات في طريق الصحوة تتمثل في استمرار الانحرافات العقدية والعلمية، التي لم تنج من غائلتها كثير من الجماعات الإسلامية التي كان يفترض فيها أن تصحح هذه الانحرافات وتقومها.
١٧ - أنه بالرغم من ضخامة العقبات وكثرتها، إلا أن هناك من المبشرات الشرعية والمحسوسة ما يبشر بأن المستقبل للإسلام، وأن النصر سيكون للصحوة الإسلامية.
وهناك نتائج أخرى عرضنا لها في ثنايا البحث ولم نذكرها في هذه الخاتمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين.
..................
стр. 776
البيهقي وموقفه من الإلهيات
المؤلف/ المشرف: أحمد بن عطية الغامدي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: الجامعة الإسلامية - المدينة المنورة ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤٠٢هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة
وبعد هذا العرض المستفيض والمناقشة لآراء البيهقي في الإلهيات، ينتهي هذا البحث الذي يتكون من بابين كما رأينا وقد توصلت منه إلى عدة نتائج أجملتها فيما يأتي:
١ - فساد الحالتين السياسية والاجتماعية، وعدم تأثير ذلك على الحالة العلمية التي كانت على العكس منهما، حيث ازدهرت ازدهاراً عظيماً، حتى عرف ذلك العصر بعصر النهضة، وكان سبب ذلك تفاني العلماء في سبيل نشر العلم والمحافظة عليه.
٢ - أن البيهقي قد بدأ حياته العلمية منذ وقتٍ مبكر، وجلس إلى عددٍ وافرٍ من مشاهير العلماء، وأكثر من الرحلات العلمية مما كان له أكبر الأثر في سعة اطلاعه، وتنوع ثقافته ووفرة إنتاجه.
٣ - إنه سلك في الاستدلال طريقة السلف، وخالفهم في كثيرٍ من المسائل عند التطبيق لذلك الاستدلال.
٤ - إنه اختار في استدلاله على وجود الله تعالى طريقة القرآن الكريم وهو أمرٌ اتفق فيه مع السلف؛ إلا أنه وافق أصحابه الأشاعرة في الاستدلال بالجواهر والأعراض على حدوث العالم زاعماً صحة هذا الاستدلال لأنه –في نظره- استدلال شرعي وأيّده بطريقة إبراهيم ﵇، فبينت مخالفة ذلك لمذهب السلف، وفساد تصورهم أنها طريقة إبراهيم ﵇.
٥ - إن البيهقي اتفق مع السلف في جميع ما يتعلق بأسماء الله تعالى من طريقة إثباتها، والقول بعدم حصرها، وصلتها بالصفات إلا أنني لم أوافقه فيما ذهب إليه من أن الأسم عين المسمى –مع أنه رأى لبعض السلف كما ذكرت إلا أنني اخترت القول بالتفصيل الذي ارتضاه شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ وأن ذلك لا يلجأ إليه إلا عند الاستفسار عن الاسم هل هو عين المسمى أم غيره، وإلا فالإطلاق الصحيح الموافق للأدلة الشرعية هو القول بأن الاسم للمسمى.
٦ - إن البيهقي قد اتفق مع السلف في طريقة تقسيم الصفات وأشرت إلى قصور تقسيم المتكلمين عن كثيرٍ من الصفات، وشمول تقسيم البيهقي.
٧ - إنه اتفق مع السلف في إثبات الصفات العقلية بنوعيها وفي طريقة الاستدلال على ذلك الإثبات.
٨ - عدم موافقته للسلف في القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى، بمعنى أنه –سبحانه- يفعل متى شاء كيف شاء، لذلك قال بقدم جميع صفات الذات العقلية وعدم حدوث شيءٍ منها وأوضحت أن الصحيح في ذلك ما ذهب إليه السلف من القول بأنها قديمة النوع حادثة الأحداث.
٩ - مخالفته للسلف في نفيه تسلسل الحوادث في جانب الماضي ولذلك رأيناه يقول بحدوث صفات الفعل العقلية. إلا أنني بينت خطأه فيما ذهب إليه، وصحبة مذهب السلف القائل بأن الله فعَّال لما يريد أزلاً وأبداً.
١٠ - إن البيهقي وافق السلف فيما أثبته من صفات الذات الخبرية وخالفهم في تأويل ما بقي منها. حيث أثبت اليدين والوجه والعين، وأوّل ما سوى ذلك.
١١ - مخالفته للسلف في صفات الفعل الخبرية. حيث ذهب إلى تأويل بعضها، وتفويض بعضها الآخر، زاعماً أن التفويض في ما فوض فيه هو مذهب السلف، وقد بينت فساد قول من نسب التفويض والتأويل إلى السلف، مبيناً أن مذهب السلف هو الإثبات الحقيقي لجميع الصفات إثباتاً لا تأويل فيه، ولا تفويض ولا تشبيه.
١٢ - إن البيهقي يختلف مع السلف في جميع ما يتعلق بصفة الكلام التي أثبتها، من القول بأن الكلام نفسي قديم وأنه بدون حرف ولا صوت وأنه معنىً واحد، وقد ناقشته في جميع هذه المسائل وبينت خطأ ما ذهب إليه وصحة مذهب السلف، وبينت أن رأيه في كلام الله تعالى هو عين مذهب أصحابه الأشاعرة، وأن حقيقة مذهبهم في القرآن لا يختلف عن مذهب المعتزلة إلا بنفيهم أن يكون هذا القرآن الذي نقرأه هو كلام الله الحقيقي.
١٣ - إتفاقه مع السلف فيما يتعلق بمسألة الرؤية، من القول بإثباتها للمؤمنين يوم القيامة.
إلا أنه خالفهم بنفيه الجهة، مستدلاً بحديث الرؤية. وقد بينت فساد استدلاله به، وصحة استدلال السلف.
١٤ - إنه يقول بعدم تأثير قدرة العبد في فعله، وبينت أنه بذلك يوافق الأشاعرة القائلين بالكسب، الذي لا حقيقة له، ويخالف السلف لقولهم بتأثير قدرة العبد في فعله.
١٥ - إنه ينفي تأثير الأسباب في مسبباتها، وهو مذهب الأشاعرة، وقد بينت فساد هذا الرأي أيضاً ومخالفته للنصوص الشرعية المثبتة لذلك.
وأخيراً فإنني أقرر هنا وعن ممارسةٍ طويلةٍ لقراءة كتب المتكلمين وكتب السلف أن مذهب السلف هو الذي يجب أن يكون طريق كل مسلم لقربه من منبع العقيدة والتزامه بمنهج الوحي. أما مناهج المتكلمين فإنها حشو من لغو الكلام الذي قد يبعد بكثير ممن يفضِّله عن كتاب الله تعالى وسنّه رسوله. لذلك أدعو إلى الالتزام به والتمسك بأهداف العقيدة الصافية النابعة من المعين الصافي ألا وهو الوحي.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 777
الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه
المؤلف/ المشرف: عبدالرزاق بن طاهر بن أحمد معاش
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوطن - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: عذر بالجهل
الخاتمة
في ختام هذا البحث المتشعب المسائل، أحمد الله تعالى على ما أنعم به عليّ من تيسير الأسباب لإنهاء هذا البحث، ثم بعد ذلك أسجل أهم نتائجه التي توصلت إليها.
- الأولى: أن الجهل صفة مذمومة، والواجب على الإنسان أن يبذل وسعه قدر الإمكان في رفعها عنه، وبخاصة في أمور دينه الذي لا يستقيم إلا بإقامتها.
- الثانية: أن الجهل عذر مؤقت، ومقيد بعدم توفر بعض الشروط، فإذا وجدت هذه الشروط أو أمكن وجودها تقديراً، فإن الجهل لا يبقى عذرا، بل يصبح صفة ذم وسبباً في الخسران في الدنيا والآخرة.
- الثالثة: أن قيام الحجة على من خالف أمراً شرعياً بفعل أو ترك هو مناط المؤاخذة، وقيامها يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
- الرابعة: التقدير في قيام الحجة من عدمه مرجعه نصوص الكتاب والسنة.
- الخامسة: أن دار الإسلام مظنة لظهور الأحكام الشرعية، وبالتالي لقيام الحجة في الجملة، بخلاف دار الكفر. ويدخل في الأولى بيئة العلم والإيمان، ويدخل في الثانية البادية البعيدة عن حاضرة العلم والعلماء، وكذا الأمكنة التي تخيم عليها البدعة والضلال.
- السادسة: عدم قيام الحجة لا يغير الأسماء الشرعية، بل يسمى ما سماه الشارع كفراً أو شركاً أو فسقاً باسمه الشرعي، ولا ينفي عن فاعله إذا لم تقم عليه الحجة ولم تبلغه الدعوة؛ لأن هناك فرقاً بين كون الذنب كفراً، وبين تكفير فاعله.
- السابعة: من قال: إن الكافر الذي لم تبلغه الدعوة على وجه يفهمه وتقوم به عليه الحجة معذور، لا يعني أنه يحكم بإسلامه، ولا أنه غير كافر، وإنما يعني أن الله تعالى لا يعذبه عذاب من قامت عليه الحجة وجحدها، ولا عذاب من تولى وأعرض عن آياتها.
- الثامنة: أن العذر بالجهل ثابت في كل ما يدين به العبد ربه حتى تقام عليه الحجة، لا فرق في ذلك بين أصول الدين وفروعه.
- التاسعة: أن الإقرار المجمل بالتوحيد والبراءة المجملة من الشرك قد قامت فيها الحجة بالنطق بالشهادتين، ولذلك لا يعذر أحد بجهل أن الله تعالى وحده هو المستحق للعبادة؛ لأن ذلك هو مقتضى الشهادة لله بالوحدانية، فمن اعتقد أن غير الله يستحق العبادة مع الله أو من دونه، فلا يكون مسلماً أصلاً، فضلاً عن أن يعذر بجهل ذلك بعد الإسلام.
- العاشرة: أن الحكم على شخصٍ بكفرٍ أو غيره مرتبط بمدى توفر الشروط وانتفاء الموانع.
- الحادية عشرة: أن وصف الإسلام يثبت للشخص بالنطق بالشهادتين، أو بما يقوم مقام النطق إذا تعذر ذلك، أو بلفظ: أسلمت.
- الثانية عشرة: أن القول بالتكفير عند أهل السنة هو بالإطلاق والعموم، فإذا تحقق من أحدٍ أنه كفر حقيقة، كانت الحقيقة مقدمة، فيحكم بكفره.
- الثالثة عشرة: أن المعلوم من الدين بالضرورة، يتنوع كونه كذلك بتنوع المسائل والأشخاص والأزمنة والأمكنة، لذلك كان إطلاق القول بأن جاهل المعلوم من الدين بالضرورة لا يعذر غير صحيح.
- الرابعة عشرة: أن التأويل الفاسد والشبهات هما أصل كل شر وفسادٍ، ولو لم يكن من آثارهما إلا السقوط في براثن الشرك والضلال، لكفاهما ذماً وقبحاً.
- الخامسة عشرة: عرض منهج كل من شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة، وذلك بالرجوع إلى كلامهما. وقد تبين من كلامهما الصريح منهجهم في الحكم على الجاهل، وهو مبني على التفصيل الذي مر معنا خلال البحث، وخلاصته:
- جعل قيام الحجة مناطاً لمؤاخذة الواقع في الشرك أو الكفر جهلاً، ولا فرق بين مسألة وأخرى في هذا الأصل.
стр. 778
- عذر الجاهل الذي لم يتيسر له من يعلمه، كمن كان حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، أو عاش في زمن اندرست فيه آثار الرسالة.
- الاعتماد في هذا على النصوص وفهم السلف الصالح.
- السادسة عشرة: خطأ من جعل الموالاة والمعاداة في جميع صورها من لوازم التوحيد، ولم يعتبر فيها من الأعذار إلا الإكراه. وقد تبين من خلال البحث أن العوارض التي تطرأ على هذا الأصل متعددة، أهمها: التأويل، والإكراه، والعصبيات والمصالح الدنيوية، والجهل، بحيث أن من والى كافراً أو عادى مسلماً لا على الدين، بل لعارضٍ من العوارض السابقة لا يكون بذلك مرتداً، بل يكون عاصياً.
- السابعة عشرة: الدور العظيم والخطير المنوط بعاتق أهل العلم والدعاة لتبصير الناس بأمور دينهم، وخاصة ما يتعلق بأمور الاعتقاد؛ لأن صلاح الأعمال مبني على صلاح المعتقد، وأن تبذل الجهود في تعليم الناس أكثر من الجدال حول حكمهم.
- الثامنة عشرة: أن انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر ثابت بالكتاب والسنة.
- التاسعة عشرة: أن أصحاب الكبائر من الموحدين لا يوصفون بالإيمان التام، كما لا ينفي عنهم مطلق الإيمان، وأنهم في الآخرة تحت مشيئة الله تعالى: إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم.
- العشرون: أن القول بعدم تكفير عصاة الموحدين ليس مطلقاً، بل هو مقيد بعدم الوقوع في الكفر الأكبر – خصوصا مع العلم به – أو بعدم استحلال المعاصي الاستحلال القلبي الذي هو مناط التكفير.
- الحادية والعشرون: أن المقصود بالنصوص التي جاء فيها تسمية بعض الذنوب كفرا، أو فيها نفي الإيمان عن العاصي، أو فيها البراءة منه، هو نفي كمال الإيمان الواجب، أو هو كفر دون كفر، أو أن معناها أن العاصي ليس كهيئة المؤمنين الصادقين، كما أن جمعا من أئمة أهل السنة كالإمام الزهري، والإمام أحمد والإمام البغوي ذهبوا إلى إمرارها كما جاءت.
- الثانية والعشرون: لا يقال للعصاة مؤمنين، لأن النصوص نفت عنهم ذلك، فلابد من إعمال النصوص وإثباتها كما جاءت؛ لكن لا يقال إنهم بمجرد فعلهم ذاك قد خرجوا من الملة.
- الثالثة والعشرون: لابد من تسمية ما أسماه الله ورسوله من الأعمال كفرا، باسمه دون تحريف، وكذلك ما أسماه ظلماً أو فسقاً.
- الرابعة والعشرون: في تسمية الفاسق الملي: فنقول إذا نظرنا إلى أحكام الدنيا، كعتقه في الكفارة أو دخوله في خطاب المؤمنين، فإنه يمسى مؤمنا، وأما إذا نظرنا إلى حكمه في الآخرة، فيقال: إن هذا النوع ليس من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار إن لم يغفر له.
- الخامسة والعشرون: أن منهج أهل السنة في تكفير المعين هو القول بالإطلاق والعموم، أما التعيين فمناطه العلم اليقيني بحال المعين، لذلك فمن قام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير وانتفت عنه موانعه، فإنه يكفر بعينه.
- السادسة والعشرون: أن مناط التكليف والجزاء هو ورود الشرع وقيام الحجة، لذلك كان حكم أهل الفترة في الدنيا أنهم كفار، أما في الآخرة فيمتحنون على الأرجح من الأقوال، وهو الذي دلت عليه النصوص الصحيحة.
- السابعة والعشرون: أن بلوغ الحجة وفهمها شرط في قيامها، وأن الفهم الذي ثار حوله نوع من الخلاف، يطلق ويراد به معنيان:
- المعنى الأول: هو الفهم المجمل للنص والخطاب، الذي يدرك به المقصود من مراد الشارع على وجه الإجمال.
- المعنى الثاني: هو الفهم المفصل للنصوص، وهو المؤثر في السلوك كفهم أهل العلم والإيمان.
والمشروط في قيام الحجة هو الفهم بالمعنى الأول، إذ لا يمكن أن تقوم إلا به، وأما ما فهم من كلام بعض العلماء من عدم اشتراط الفهم لقيام الحجة فإنه يحمل على المعنى الثاني للفهم.
стр. 779
- الثامنة والعشرون: أن ضابط ما يعفى عنه من الجهل هو ما يشق الاحتراز منه عادة، بحيث لا يمكن دفعه، ولهذا الجهل صور أو أسباب، أهمها:
- حداثة العهد بالإسلام.
- النشوء ببادية بعيدة لم ينتشر فيها العلم ولا أسبابه.
- البقاء في دار الحرب لأسباب مشروعة.
- النشور ببيئة يغلب عليها البدعة وعلم الضلالة.
- ما يتعلق بالأحكام التي لا يعلمها إلا أهل العلم.
- التاسعة والعشرون: أن الجهل إذا توفرت أسبابه الشرعية، وخلا عن التفريط، ثم أوقع في الخطأ من غير إرادة مشاقة الله ورسوله، فإنه يكون عذرا، ولذلك أمكن القول – في مثل هذه الحالة – بتلازم الجهل والعذر، خلافاً لمسلك أهل البدع في القول بتلازم الخطأ والإثم.
- الثلاثون: أن التأويل الذي يعذر صاحبه هو الذي يصدر عن أهل الاجتهاد من ذوي الفضل والصلاح، الذين عندهم حرص على اتباع الشريعة.
أما التأويل الذي لا يعذر صاحبه، فهو الذي يتضمن في حقيقته التكذيب لما جاء به الرسول ﷺ ، كما هو حال الفلاسفة والباطنية ومن هم على شاكلتهم.
- الحادية والثلاثون: أن ضابط العذر بالشبهة، هو ما لا يتعلق منها بأصل الدين الذي هو عبادة الله وحده، والتحاكم إلى شرعه، كما هو مدلول الشهادتين.
- الثانية والثلاثون: أن كل مسألة من مسائل الاعتقاد أو العمل، إذا كانت جليلة تعتبر من الأصول؛ وأن كل مسألة سواء أكانت عقدية أم عملية، إذا كانت دقيقة فهي من الفروع.
- الثالثة والثلاثون: أن توحيد الربوبية من بدهيات العقائد التي أقر بها جميع الناس، حتى المشركون، وأن مناط الحجة فيه هو الفطرة وأدلة الخلق المنصوبة؛ لذلك لا يمكن عذر أحد يدعي جهل الخالق، أو ينسب له الولد والصاحبة ...
- الرابعة والثلاثون: أن أبرز الصور التي تنافي توحيد الألوهية: عدم إفراد الله تعالى بالعبادة، والثانية الاعتراض والكراهية لما أنزل الله بعضه أو كله.
- الخامسة والثلاثون: أن مناط قيام الحجة بالنسبة لتوحيد الألوهية، هو الشهادتان والدخول في الإسلام.
- السادسة والثلاثون: أن محل العذر بالجهل في توحيد الألوهية، هو ما يتعلق بتفاصيل هذا التوحيد لا بأصله.
- السابعة والثلاثون: أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته قد يكون محلاً للعذر، فجمهور علماء المسلمين على أنه قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين، فلا يكفرون بذلك.
- الثامنة والثلاثون: أن مناط تكفير من وقع في الشرك ثلاثة أمور:
- الأول: اعتقاد استحقاق غير الله للعبادة.
- الثاني: العلم بحقيقة الشرك ثم مدحه وتحسينه.
- الثالث: الإصرار على المخالفة بعد إقامة الحجة.
- التاسعة والثلاثون: بعض موانع تكفير من وقع في الشرك جهلاً، وهي:
- الجهل الناشئ عن حداثة العهد بالإسلام.
- الجهل الناشئ عن الشبهات التي يعذر بها.
- الوقوع في وسيلة من وسائل الشرك أو فيما يحتمل الشرك وغيره.
- الأربعون: أن الولاء والبراء قد يطرأ عليه عدة عوارض، تجعل المخالفة فيه معصية من المعاصي، ولا تكون كفراً، ومن أهم هذه العوارض: عارض الإكراه، وعارض التأويل، وعارض المصالح الدنيوية والعصبيات، وعارض الجهل.
- الحادية والأربعون: أن المناط المكفر في الولاء والبراء هو: ولاء الكفار حباً في دينهم، وعداوة المؤمنين كرهاً لدينهم.
- الثانية والأربعون: أن المعلوم من الدين بالضرورة يتنوع بتنوع الأشخاص والمسائل، بحيث أنه ما يكون معلوماً بالضرورة لشخص، قد لا يكون كذلك لشخص آخر، فالمعول عليه هنا هو أن يكون معلوماً بالضرورة للشخص المعني؛ وبناءً عليه فالقول بعدم عذر الجاهل بالمعلوم من الدين بالضرورة مطلقاً، غير صحيح بل يحتاج إلى مراجعة وتأمل.
- الثالثة والأربعون: أن القول بعذر الجاهل بالضوابط الشرعية هو الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وهو ما قرره أئمة الإسلام وعلماؤه ودعاته على مر العصور؛ وهذه المسألة ليست من الأصول التي يبدع فيها المخالف، بل تبقى من موارد الاجتهاد نظراً لتداخل بعض جزئياتها مما يصعب فيها الحسم.
وفي الأخير أرجو الله تعالى أن أكون قد وفقت في هذا البحث، وقمت بما التزمت به في منهج البحث، وأن يكون ما كتبت خالصاً لوجهه الكريم، لاحظ لغيره فيه، كما أرجو أن يكون هذا الجهد المتواضع إسهاماً مني في بيان مسالك أئمة أهل السنة وآرائهم في هذا الموضوع الجليل، قدر طاقتي ووسعي. و ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا﴾ الآية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 780
الجوائز والصلات من جمع الأسامي والصفات
المؤلف/ المشرف: صديق حسن خان القنوجي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٨هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: أسماء وصفات - أعمال منوعة
خاتمة الكتاب وعاقبة الخطاب ذكر بعض ما ورد من الأحاديث في ثواب هذه الأمة: قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [سورة آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ﴾ [سورة البقرة:١٤٣]، عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من يخذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) متفق عليه. وهذا الحديث يشمل أهل العلم والجهاد والإمامة الكبرى والصغرى والاجتهاد والتجويد ويؤيده قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [سورة آل عمران:١٠٤]، وهذه بشارة عظيمة لا توازيها بشارة فأين من يتأهل إلى ذلك ويستعد بقلبه وجوارحه لما هنالك ويصبر على الأذى ويستأنف الأمر وليغمض عما مضى؟! وعن حذيفة يرفعه: ((نحن الآخرون في الدنيا الأولون يوم القيامة والمقضى لهم يوم القيامة قبل الخلائق)) رواه مسلم. وعن أبي أمامة: قال رسول الله ﷺ : ((وعدني ربي أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عقاب ومع كل ألف سبعون ألفا)) أخرجه الترمذي. وعن أبي موسى قال: ((ما مات رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا)) رواه مسلم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدي يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها)) رواه البيهقي. وفيه علم من أعلام الرسالة ومنقبة عظيمة لآخر هذه الأمة، ويزده إيضاحا ما ورد عن العلاء الحضرمي حدثني من سمع النبي يقول: ((سيكون آخر هذه الأمة قوم لهم مثل أجر أولهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقاتلون أهل الفتن)) من أن يكون في الدين أو في الدنيا فهم الرادعون لأهل البدع لسانا وبيانا سيفا وسنانا في كل زمان حتى قيام الساعة لهم من الأجر الجزيل والخير الوفير والحمد لله أن هذا الدين لن يمحى من على ظهر الأرض حتى تقوم الساعة فإن لله عبادا في الأرض يعضون عليه بالنواجذ وإن أتى عليهم ما أتى من نقض الأموال والأولاد والأنفس والثمرات لا يهابون بأهل الباطل، يجاهدون في سبيل ربهم باللسان والبيان والسيف والسنان فهم خير أهل الأرض وخليفة الله فيها وبشارة رسوله ﷺ ، وعن المغيرة يرفعه بلفظ: ((لا يزال أناس من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله)) رواه الشيخان. وعن عمران بن حصين يرفعه: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)) رواه أبو داود. وعن أبي هريرة يرفعه: قال رسول الله: ((من أشد أمتي لي حباً ناس يكونون بعدي يود أحدهم لو رآني بأهله وماله)) رواه مسلم. وعن ابن محيريز: قال قلت لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله قال: ((تغدينا مع رسول الله ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال: يا رسول الله، أحد خير منا أسلمنا وجاهدنا معك قال: نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني)) رواه أحمد، وهذا الخبر يعم كل من آمن وأسلم بعد موته ﷺ ، ومن اعتصم بكتاب الله وسنته المطهرة وجاهد لنشرهما وجاهد من خالفهما ومن لم يفعل ذلك فلم يشمله الحديث، وتدبر في النصوص الحاضرة تجدها عونا لك على المصائب والنوائب وبالله التوفيق والله المستعان وقد نادى منادي الرسالة وصرخ صارخ الإسلام فيما ثبت عن عبدالله بن عمر قال: رسول الله ﷺ : ((العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة)) رواه أبو داود.
وفي هذا المقام أحاديث كثيرة طيبة فلنقتصر على ما رواه الترمذي وصححه عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ . ((مثل أمتي كمثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره)) قال الجامع عفا الله عنه ما جناه واستعمله فيما يحبه ويرضاه: وقع الفراغ من هذا الكتاب في شهر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين ومائتين وألف من الهجرة على صاحبه التحية والسلام.
стр. 781
الحق الدامغ
المؤلف/ المشرف: أحمد بن حمد الخليلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈بدون
سنة الطبع: ١٤٠٩هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: إباضية
خاتمة الكتاب: معذرة أخي القارئ الكريم، لم يكن في حسباني أن ألتقي بك على هذه الصفحات حول هذه الموضوعات التي شغلت قلمي وأخذت من وقتك، فإنني أحرص على أن ألتقي بك وأنا أتحدث إليك من خلال السطور في موضوعات هي أحرى بأن تصرف إليها عناية الكتاب والقراء فإن الوقوف في وجوه الزحوف المتنوعة المجتمعة على صعيد واحد لغزو الإسلام، وتشتيت أمة الإسلام، سياسيا وفكريا، أجدر بكل مسلم داعية من الاشتغال بخلاف عقائدي بين طوائف الأمة الإسلامية الواحدة، مضت عليه قرون وقرون، وتناولته بالتحرير والبحث أقلام شتى هي أرسخ علما وأعمق فهما، وأبلغ بيانا، وأقوى حجة وبرهانا، غير أني رأيت سكوتي في هذا الموقف قد يزيده تأزما، فقد تروق دعايات المغرضين لمن يدرس أبعاد ما تتعرض له من القضايا الخلافية التي انطلقت منها في الحكم على جزء من جسم الأمة الإسلامية بفصله عنها، ولم يطلع على ما عند هذه الفئة من هذه الأمة من أدلة تستنير بها في مواقفها من هذه القضايا، فإن مما تداولته الألسن وتناقلته الأقلام: الحكمة التي قيلت قديما (المرء عدو ما جهل).
وفي معناها الشعر الذي قيل حديثا: ................ والجهل بالشيء في عين البصير عمى.
فمن هذا المنطلق قمت بتحرير هذه الصفحات موضحا فيها الحق بالدليل، محكما الحجة الثابتة من الكتاب والسنة والبرهان العقلي دون الرجال.
ومن تأمل كلامي متجردا عن العواطف يجده منصفا للطوائف المختلفة، فقد حرصت على إيراد حجة كل طائفة ودليل كل قول ومناقشة هذه الأدلة نقاشا موضوعيا بعيدا عن كل المؤثرات ومن خلال ذلك أرجو أن يدرك إخوتي القراء صدق نيتي وسلامة طويتي. ولا يفوتني - ونحن أمام قضية تتعلق بوحدة الأمة الإسلامية جمعاء - أن أناشد من وصل إليه كتابي هذا من علماء المسلمين بأن يمعن فيه نظره، مخلصا لله سبحانه. ثم يعلن كلمة الحق غير هياب من أحد، ولا مجامل على حساب الحق والحقيقة، ولست أعني بذلك أنني أطالب الناس بأن يرجعوا عن معتقداتهم، وأن يوافقوني فيما قلت، فإن العقائد لا يملك أحد أن يفرضها على العقول فرضا، وإنما هي نتيجة اقتناع بالفكرة سواء كان ناشئا عن اجتهاد ونظر، أو عن تقليد واتباع، وإنما مرادي أن على علماء المسلمين - وهم مسئولون عن هذا الدين الحنيف وعن الأمة - أن تكون لهم في مثل هذه المواقف التي تهدد بانصداع الأمة - وقفة إيجابية في وجه الذين يحبون إثارة الشغب والمهاترات التي لا تعقبها إلا المصائب والويلات بين أمتنا الإسلامية وأن يرشدوا جمهور الناس إلى ما يفرضه الإسلام من التسامح، والتعاطف، والتعاضد بين المسلمين. وأعلن للذين لا يرون إلا حسم الخلاف في هذه القضايا حتى تتفق فيها عقيدة الأمة، بأنني لا أستنكف من الحوار الموضوعي الهادئ الهادف، الذي لا ينشد به إلا الحق، ولا يفضي إلى تجلي الحقيقة وظهور برهانها ثم لا يؤدي إلا إلى الألفة والمودة بين المسلمين، وإنما أشترط أن يكون هذا الحوار مدروسا من كل الجوانب لتفادي التشنج والانفعالات التي لا تؤدي إلا إلى عاقبة سيئة وليس من شأنها إلا تشويه وجه الحقيقة وطمس نور الحق ومحاولة تغطية محاسنه والحيلولة بينه وبين البصائر.
стр. 782
الحكم بغير ما أنزل الله أحواله وأحكامه
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن صالح المحمود
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: حكم بغير ما أنزل الله
الخاتمة
لقد تبيَّن أن مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل الكبار النازلة في العصور المتأخرة، حيث ابتلي بها المسلمون بلاء عظيماً، فطار شررها وعم خطرها، وصارت سبباً من أسباب واقع الأمة الإسلامية المؤلم والمحزن لكل غيور دينه.
وكان لابد أن يقوم العلماء وطلاب العلم والدعاة إلى الله بما يجب عليهم تجاه هذه النازلة العظيمة، فيبينوا للناس –حكاماً ومحكومين- أهمية الحكم بما أنزل الله والتحاكم إلى شريعته في جميع الأمور، وكون ذلك واجباً لا خيار فيه لمسلم أبداً، كما يبينون لهم خطر الإعراض عن حكم الله تعالى والتحاكم إلى غيره من الأنظمة والقوانين والشرائع الجاهلية، وإني لأرجو أن يكون هذا البحث إسهاماً متواضعاً في بيان الحق في هذه الجوانب، وأسأل الله تعالى أن يرزقني الإخلاص في ذلك وأن ينفع به.
وقد تقرر –من خلال البحث- أمور مهمة خلاصتها:
١ - منزلة الحكم بما أنزل الله من العقيدة الإسلامية وذلك من جوانب متعددة، كالإيمان بالله ووجوب طاعته، وإثبات أسمائه وصفاته، وشهادة أن محمد رسول الله وما تقتضيه الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله ﷺ .
٢ - أن النصوص الدالة على وجوب التحاكم إلى شرع الله كثيرة جداً ومتنوعة، وجاء فيها وصف المعرضين عن ذلك مرة بالشرك ومرة بالكفر ومرة بالنفاق، وتنوع الأدلة يبين أهمية الأمر وخطورته على الفرد والأمة عندما يعرضون عن شرع الله وطاعته وطاعة رسوله ﷺ .
٣ - أن الحكم بغير ما أنزل الله لها حالتان:
إحداهما: يكون فيها كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وهذا له حالات، وهي لا تقتصر على الاستحلال والجحد لما أنزل الله، كما زعم البعض، بل يشمل الجحد والاستحلال، كما يشمل التشريع المخالف لشرع الله والتزام القوانين الجاهلية وتطبيقها والإلزام بها.
الثانية: يكون فيها كفراً أصغر غير مخرج من الملة، وهذا في حالات الجور والظلم في الحالات الواقعية الجزئية مع اعتقاده أنه آثم وأن حكم الله حق وهي مع ذلك من كبائر الذنوب، بل أكبر من كثير من الكبائر.
وشرط هذه الحالة –كما في كبائر الزنا والسرقة والربا- عدم الاستحلال لها وإلا فلو استحلها فهو كافر؛ لأن الاستحلال ناقض مستقل بنفسه كما هو معلوم.
٤ - مناقشة ما روي عن ابن عباس من قوله في آية المائدة (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ): إنه كفرٌ دون كفر. وبيان الحق في ذلك.
والرد على من اعتمد هذه الرواية وترك النصوص الأخرى الكثيرة في هذا الباب وأعني بها نصوص الكتاب والسنة وكلام الصحابة، بل وما روي عن ابن عباس نفسه في هذا الموضوع.
٥ - كانت هناك محاولات متنوعة لتبديل شرع الله وكان لعلماء الإسلام مواقف منها، وقد أشار البحث إلى نماذج منها، وهي مفيدة لمن يتابع أحوال الأمة الإسلامية في تاريخها العقدي.
٦ - للمخالفين شبه متنوعة كثيراً ما يبثونها، يهونون بها من هذا الموضوع الخطير، وقد حاول البحث الإجابة عنها ومناقشتها من وجوه عديدة.
٧ - وأخيراً فإن البحث في هذه الموضوعات يحتاج إلى تبصر في نتائجها ولوازمها، فلا يخلط مثلاً بين النظام الشرعي والنظام الإداري البحت، ولا يتعجل في التكفير وتطبيق المسألة على محلها إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع، وقد ختم البحث ببيان هذه المسائل.
وإنني أقول في ختام هذا البحث:
هذا اجتهاد اجتهدته، اعتمدت فيه على الله ، ثم على الأدلة، وبنيته على أقوال الأئمة –أئمة أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً- وأسأل الله تعالى أن ينفع به أمة الإسلام، وأن يرزقني الإخلاص، وأن لا يحرمني الأجر والثواب ووالديّ ومشايخي وإخواني المسلمين.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
د. عبدالرحمن الصالح المحمود
السبت ٢٤/ ١٠/١٤١٨هـ
стр. 783
الحكم والتحاكم في خطاب الوحي
المؤلف/ المشرف: عبد العزيز مصطفى كامل
المحقق/ المترجم: بدون دار طيبة - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٥هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: تحكيم الشريعة
الخاتمة
وبعد هذا التطواف الطويل مع نصوص الوحي عن الحكم والتحاكم أجدني أمام فيضٍ من الحقائق والنتائج المهمة أعددها فيما يلي:
١ - موضوع الحكم والتحاكم من الموضوعات البارزة في القرآن، ولهذا فإن كلام المفسرين وأهل العلم في الموضوع بكل جوانبه كثيفٌ وكثير، وهو لهذا جديرٌ ببذل الجهد لاستخراجه وإبرازه.
٢ - مادة (حَكَمَ) تأتي في القرآن على أوجهٍ ومعانٍ وإطلاقات متعدِّدة منها:
القضاء - الفصل - الفقه - العلم - الحكمة - النبوة - حسن التأويل - الموعظة - الشريعة - الشعيرة - الاستخلاف.
٣ - مفهوم الحكم بما أنزل الله، يعني استمداد التشريع من القرآن والسنة النبوية الصحيحة؛ لأن كليهما من الوحي، وتأتي المصادر الأخرى كالإجماع والقياس وغيرهما مبنيةً على هذين الأصلين.
٤ - الخطاب الشرعي بالحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه، ليس خاصاً بالحكَّام والساسة، بل هو خطاب عام يشملهما ويشمل جميع من استرعاهم الله رعيةً، كلاً بحسبه.
٥ - جمهور علماء الأمة على أن شرع من قبلنا هو شرعٌ لنا، ما لم ينسخه شرعنا وهو يدخل بهذا القيد ضمن ما أنزل الله مما أمرنا بالحكم به.
٦ - مصطلح الحاكمية مصطلحٌ جديد، ولكنه وضع لقضية أصليةٍ مسلَّمة غير مستحدثة، ولا وجاهة للاعتراض عليه لمجرد كونه جديداً؛ لأن هذا شأن كثيرٍ من المصطلحات التي استحدثها أهل العلم ولم يرد بها نص في الكتاب أو السنة.
٧ - التحاكم إلى الشريعة عمل قلبي متعلق بالاعتقاد، وهو يعني إفراد الله تعالى بالطاعة، فلا يكمل التوحيد إلا به؛ لأنه قسم من أقسامه، وهو المعبر عنه بتوحيد الطاعة والانقياد، لهذا فهو من مسائل الأصول لا الفروع.
٨ - التحاكم إلى غير ما أنزل الله، قسمٌ من أقسام الشرك، وهو المعبر عنه بشرك الطاعة والانقياد.
٩ - الحكم بشريعة، حكماً عاماً؛ لا يكون إلا عن تحاكم إليها، فمن تحاكم إلى شرع الله حكم به، ومن تحاكم إلى غيره حكم به.
١٠ - طريقة القرآن في الوصول إلى توحيد الإلهية عن طريق توحيد الربوبية، هي التي يمكن بواسطتها إثبات انفراد الله تعالى بالأمر والحكم، بعد تفرده بالخلق والملك والرزق والتدبير.
١١ - تفرد الله تعالى بالحكم نوعان: الأول: تفرده بالحكم الكوني القدري، ومعناه تفرده سبحانه بتقدير أحوال المخلوقات من منشأ وميلاد ومعاش وممات ومعاد، وتعيين حظوظهم من الأرزاق، والآجال، والعافية والابتلاء والصحة والسقم والغنى والفقر والسعادة والشقاء، ونحو ذلك. ويتفرع عن هذا الحكم: الحكم الجزائي، وهو قضاء الله تعالى بين الناس يوم القيامة وما يقسمه بينهم من درجات أو دركات. الثاني: الديني الشرعي المتعلق بالتحليل والتحريم والمنع والإباحة.
١٢ - لله تعالى صفات مقدسة، بيَّن القرآن الكريم أنه -سبحانه- لأجلها استحق التفرد بالحكم قدراً وشرعاً، وهي صفات اختص بها جل وعلا، ولا يمكن أن يدعي بعضها الذين ينازعون الله في حكمه من المتشرعين الوضعيين، مثل كونه تعالى بكل شيءٍ عليم، وأنه سبحانه على كل شيءٍ قدير، ورؤوفاً بالعباد، وغنياً عن العالمين، وبصيراً بكل المبصرات، وسميعاً لكل المسموعات، وحكيماً، وخبيراً، ورحيماً ... وغير ذلك من الصفات العُلا.
١٣ - الأحكام الخمسة: التحريم والإيجاب والاستحباب والكراهة والإباحة. كلها محظور على المخلوقين اشتراعها سواءً في العبادة والنسك، أو في المأكل والملبس والمنكح، أو فيما يتعلق بأحكام الأزمنة والأمكنة.
стр. 784
وكذلك فيما يترتب على جزاءات هذه التشريعات ثواباً أو عقاباً، وكل تشريعٍ في شيءٍ من هذه الأمور أو جزاءاتها اعتداءً على أخص خصائص الإلهية، وهي التحليل والتحريم.
١٤ - الأصل في نفاذ الأحكام، وموافقتها للشرع ومطابقتها للحق، ووظيفة الحاكم والقاضي: الاجتهاد لفهم الحكم الصحيح والقضاء به، ثم تنفيذه، فإن جانب الحكم الصواب، فإنه لا يحلل بذاته الحرام ولا يحرم الحلال، فمن قُضي له بشيءٍ ليس في حكم الله فلا يحل له أخذه، ولو كان صدر به حكم قضائي.
١٥ - للقرآن الكريم في عرض قضية الحكم والتحاكم أساليب متعددة، تعتبر في مجموعها، من الأدلة القوية على إيجاب العمل بما أنزل الله، وكثرة هذه الأساليب وتنوعها من الأمور التي تميز الأصول عن الفروع، وتفيد يقينية الوجوب وأهمية الامتثال.
١٦ - إضافةً إلى أدلة الأساليب الإجمالية، فهناك أدلةً نصيّةً كثيرةً، جاء بها الكتاب، وبينتها السنة، وهي تفيد إيجاب الحكم بما أنزل الله، وقد جاءت هذه الأدلة على معظم الصيغ التي يعتبرها علماء الأصول صيغاً للوجوب، مثل ما جاء على صيغة الأمر الصريح، والصيغة الطلبية بفعل الأمر أو لام الأمر، وما جاء على صيغة الإخبار بأن الفعل من مقتضى الإيمان، أو تركه يناقض الإيمان، وما جاء على صيغة الإخبار بأن ترك الفعل كفرٌ أو ظلم أو فسق، وما جاء على صيغة الاستفهام التعجبي والإنكاري على ترك الفعل أو إتيان ضده، وما جاء على صيغة حمل الفعل المطلوب على المطلوب منه.
١٧ - وجاءت أدلة نصية أخرى تدل على إيجاب التحاكم إلى ما أنزل الله، منها ما هو متوجه إلى الحكام، ومنها ما يشملهم ويشمل المحكومين.
١٨ - وهناك بواعث عديدة ذكرها القرآن، تقف وراء اتخاذ المعرضين مواقف الإعراض عما أنزل الله منها: كراهية ما أنزل الله، الاستكبار، واتباع الأهواء، وإيثار المتاع العاجل، والخوف والريبة وسوء الظن بالله، والأمان الكاذبة، وقصور العقل وجموده عند التقليد وفساد الطوية.
١٩ - الانحراف عن شريعة الله تعالى يمكن تقسيمه إلى قسمين رئيسيين: الأول: الانحراف بها، والثاني: الانحراف عنها. فالأول هو ما يشمل كل أنواع الانحراف في التطبيق مثل: التحريف، والكتمان، التبعيض، والتفريق، والتأويل، والهجر. وفي أحكام هذا الانحراف تفصيل على حسب قدر الانحراف. أما الثاني: وهو الانحراف عن الشريعة، فهو انحراف عن أصل التطبيق، بمعنى إقصاء الشرعية جملةً واستبدال أخرى بها منسوخةً أو موضوعة، يُحكم بها ويُتحاكم إليها، وهذا النوع من الانحراف لم يختلف أحد من علماء السلف والخلف والمعتبرين في كون أصحابه كفاراً مرتدين ردَّةً صريحةً عن الدين، وخارجين خروجاً بيِّناً عن ملة الإسلام. وهذا اللون من الانحراف هو أخطر أنواع الانحرافات كلها.
٢٠ - التبديل مصطلح قرآني، يطلق على فعل من أهل الباطل مكان الحق، ليحكم به ويتحاكم إليه، وهو مصطلح يحتاج إلى إحياء وإعادة استعمال.
٢١ - وضح علماء أهل السنة الضوابط التي بها يعرف ما يمكن أن يخرج به المرء عن الملة وما لا يخرج، وقرروا أن الكفر المخرج عن الملة هو الكفر بالصفات التي يستلزم الكفر بها نفي الإلهية، مثل الكفر بكون الله تعالى حكيماً، أو عليماً، أو خبيراً، أو بصيراً، أو سميعاً، أو أنه أرسل رسلاً لهداية الخلق، وأنزل كتباً على هؤلاء الرسل.
٢٢ - أطلق القرآن على من لم يحكم بما أنزل الله وصف الكفر فهو وصف لازم له، سواءً أكان كفره مخرجاً عن الملة أو لا.
стр. 785
٢٣ - الحكم بالقانون الوضعي هو أبرز مظاهر تبديل الشريعة، وهو انحرافٌ قديمٌ في الأمم، ولكنه لم يدخل على هذه الأمة إلا في عصر الغزو التتاري، حيث حُكم قطاع كبيرٌ من الأمة قسراً بقانون جنكز خان، ولكن ذلك الانحراف يومئذٍ كان مقصوراً على الطبقة الحاكمة، بخلاف ما حدث في الانحرافات المعاصرة، حيث جر الحكام المبدِّلون للشريعة قطاعات من الأمة خلفهم للتحاكم إلى غير شرع الله.
٢٤ - هناك آيات كثيرة توضح موقف القرآن من المبدلين، بما يقطع بأن التبديل مقوض لأركان الإيمان، وناقضٌ لقواعد الإسلام، وأنه إحياءٌ للجاهلية، ودعوةٌ لعبودية البشر ومحاربة لله ورسوله، وشرك وافتراء وتزوير للحقائق، وفتح لأوسع المفاسد الدنيوية والأخروية.
٢٥ - المتحاكمون إلى غير ما أنزل الله يخضعون للتفصيل في أحكامهم على حسب كيفية تحاكمهم إلى غير شرع الله. فهناك المتحاكمون عن علم وقصد، وهؤلاء حكمهم مثل حكم المبدلين في كونهم كفاراً مرتدين، وهناك متحاكمون مطيعون في المعصية لكنهم مقرّون بالشرع كله، وهؤلاء حكمهم حكم أهل الكبائر من هذه الأئمة، وهناك متحاكمون عن جهل، وهؤلاء مقصرون في طلب العلم، ولكنهم معذورون بالجهل في تحاكمهم -على المختار من قول العلماء في مسألة العذر بالجهل- وهناك متحاكمون مكرهون على التحاكم إلى القوانين الوضعية، وهؤلاء لا إثم عليهم، وهناك متحاكمون إلى أمور ليست من الشريعة ولكنها غير مخالفة لها، وهؤلاء لم يأتوا بمحظور، بل إن طاعتهم للأنظمة الإدارية غير المخالفة للشرع يعتبر طاعة لله، إذا كانوا في ظل حكومات تحكم بما أنزل الله.
٢٦ - للحكم بما أنزل الله خصائص تميزه عن غيره؛ لأنه صبغة الله، فمن خصائصه: الربانية، حيث تنعكس عليه معاني أسماء الله تعالى وصفاته من العلم والحكمة واللطف والخبرة والإحاطة. وقد تمثلت فيه لهذا صفات لا يمكن أن تتوافر في تشريع غير رباني، مثل: الثبات، وعدم القابلية للتغيير، والتأييد بالعصمة، والخلود، والبركة المتجددة والاستقلال والاستعلاء على الذوبان، والبراءة من الهوى، والتوسط والتوازن.
٢٧ - ومن خصائص الحكم الإسلامي: الكمال والشمول، فشريعة الإسلام عامةً وناسخةً وخاتمة. ولكمال هذه الشريعة وشمولها مظاهر متعددة منها: الثراء، والاستغناء، وتجاوز حدود الزمان والمكان، والمرونة، والوفاء بمصالح البشر.
٢٨ - ومن خصائص الشريعة الإسلامية: العدالة والمساواة، فالشريعة تجعل العدالة فريضةً في الأمور القولية والفعلية، والعائلية والمالية والقضائية والتعبدية، والنفسية، وفي المعاملات القلبية، والأمور السياسية، وفيما يتعلق بالتعامل مع الأعداء الأغيار، ومع المسلمين من أبرار أو فجار.
٢٩ - العدالة في حكم الإسلام مودعة في أحكامه نفسها، فمن حكم بالإسلام حكم بالعدل، بخلاف الشرائع الوضعية التي تعتبر العدل هو تنفيذ القانون، ولو كان ظالماً، وتجعل العدالة مبدأ يُلجأ إليه لتلطيف أحكام القانون الصماء، بينما العدل والعدالة في الإسلام وصفان لشيء واحد.
٣٠ - وللحكم في الإسلام مقاصد، ينفرد بتوخي تحقيقها: أولها: تحقيق العبودية لله، فالحاكمية تقصد إلى تحقيق التوحيد مثلما تهدف العبودية ومن تلك المقاصد أيضاً إقامة الدين في الأرض عن طريق نشر العلم وإطلاق الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد في سبيل الله.
ومن المقاصد أيضا: توخي الإصلاح في كل شؤون الدنيا والآخرة، حيث يدور منهاج الشريعة حول أمور ثلاثة فيها مصالح العباد، وهي درء المفاسد وجلب المصالح والجري على مكارم الأخلاق.
٣١ - الدولة الحاكمة بما أنزل الله تقوم على ثلاث دعائم يصلح أمر الأمة بصلاحها، وهي:
стр. 786
(أ) الحاكم الصالح: وهو الإمام المستوفي للشروط الشرعية، التي إذا توافرت فيه ضمنت الصلاح المرجو في الحاكم المصلح.
(ب) الرعية الصالحة: وصلاحها يتحقق بقيام الحاكم بواجباتهم نحوها، وقيامها بواجباتها تجاه ولاة أمورها.
(ج) نظام حكم شرعي: وأصدق ما يمثله نظام الخلافة الإسلامية الذي يستمد قواعد دستوره من الكتاب والسنة، ومن إجماع الأمة على ما يفهم منهما، وحيث يقوم هذا الدستور على قواعد أساسية هي: إفراد الله بالحاكمية -والطاعة للولاة في طاعة الله- والشورى.
٣٢ - لم يكتف القرآن بعرض الأصول النظرية للحاكم الصالح، بل عرض من خلال قصصه أنماطاً من سلوك الحكام الصالحين، كان أبرزها: يوسف ﵇، وسليمان ﵇، وذو القرنين الحاكم الصالح، ومن خلال قصصهم في القرآن تستنبط فوائد غزيرة مما ينبغي أن يتحلى به الحاكم من صفات.
٣٣ - رسول الله ﷺ يمثل القمة التي وصل إليها البشر في مجال الحكم الصالح المصلح، فقد تجمعت في شخصيته ﵊ الصفات التي تفرقت في جميع الأنبياء والمرسلين.
وقد قام ﵊ بأعظم دور إصلاحي في التاريخ البشري، بحيث لم يُسبق في ذلك ولم يُلحق، ونظم للأمة العلاقات والصلاة الهامة الثلاث، وهي: صلة الأمة بربها، وصلتها بعضها ببعض، وصلتها بغيرها، وقد توافرت في شخصيته ﵊ كل عناصر القيادة الناجحة للأمم في أوقات السلم والحرب.
٣٤ - كما أن لله تعالى أحكاماً شرعية دينية أمرنا بالامتثال لها؛ كذلك فإن له سبحانه أحكاماً قدرية كونية أمرنا بالإيمان والإيقان بها، وهي أحكام الله فيمن امتثل أو أعرض عن الأحكام الشرعية، وتلك الأحكام القدرية هي المعبر عنها في القرآن بـ (السنن). فالسنن الإلهية في الأنفس والآفاق توضح لمن استقصاها الآثار الطيبة التي تقتطف عندما يمتثل الناس لحكم الله، وتبين الآثار السيئة التي يجنيها الناس من جراء الإعراض عن حكم الله. وهذه الآثار المعبرة عن أحكام الله القدرية، تشمل الدنيا والآخرة، وهي تمثل مادة غزيرة جداً في كتاب الله تعالى.
٣٥ - وأخيراً ظهر لي أن الفساد الواقع والمتوقع من جراء الانحراف عن شرع الله تعالى قد جر الأمة -بل الناس جميعاً إلا من رحم الله- إلى مشارف هوة سحيقة، تطالع البشرية فيها مصيرها النكد في شقاء الآخرة بعد ضنك الدنيا الذي تحياه بعيدةً عن هدايات الرسل. وفي مثل هذه الفترات التي تظلم بالجهالات تارةً، وتكفهر بالصراعات أخرى تحت الغيوم الملبَّدة بالقلق والحيرة والترقب، كان يتوقع في تاريخ الأمم السابقة أن يبعث الله نبياً أو رسولاً، يرفع الظلام عن الأرض، ويدفع الانتقام الإلهي عن الناس، ولكن النبوة قد ختمت ببعثة محمد ﷺ ، فهل ضاعت آمال البشرية في العودة إلى حياة القرار والطهر والسعادة لعدم قدوم نبي جديد؟ ... كلا.
إن شمس الرسالة المحمدية لم تنكسف، وغطاء رعايتها للعالم لم ينكشف، فلا زال الدين حياً، والكتاب محفوظاً، ولن تزال في الأمة طائفة على الحق الواضح يصلح الله تعالى بها أمر الناس كلما دهمتهم الفتن، أو ضربتهم المحن.
стр. 787
فالحاجة إذن ليست ماسةً إلى منقذ من الأنبياء جديد، ولكنها ماسةً إلى منهج إحياء وتجديد، يقوم عليه علماء ودعاة مخلصون، يترسمون خطا الأنبياء ويستلهمون مناهج الإصلاح التي جاءوا بها علماً وعملاً وجهاداً، ويصبرون على ذلك ويُصابرون، حتى تتجمع تيارات الخُلصاء من الأمة معهم في سيل إصلاحي جارف، فسيل الانحراف الذي أحدثه المبدلون لا يمسه إلا سيل يمده المستمسكون، وتيارات الأهواء لا تدفعها إلا تيارات أقوى منها، تستمد قوتها من الهدى لا الهوى. ولا أمل في إيقاف مسيرة التقهقر في الأمة إلا بدفعها إلى سيرة معاكسة تتقدم نحو الإصلاح بكفاح جاد، وجهدٍ مستبصر، وخطى لا تتردد، حتى يتحول المدرى مرةً أخرى لصالح الإسلام والمسلمين. وإن هذا العمل الكبير هو في الحقيقة خليق بالأنبياء وهم الجديرون به، ولكن رسول الله ﷺ يقول: (العلماء ورثة الأنبياء) (١). فقَدَرُ هؤلاء العلماء وقَدْرهم أن يقوموا بمثل ما كان يقوم به الأنبياء عندما كانت غربة الدين تشتد وسيطرة الباطل تطغى. وعلى هؤلاء العلماء والدعاة والمطلعين معهم بتلك المهمة الضخمة؛ أن يستجمعوا في ذوات أنفسهم صفات الربانيين المصلحين، وذلك بصدق اللجوء إلى الله، وكمال الاستعانة به، وجميل التوكل عليه، وقوة اليقين في نصرته وتأييده لأهل الحق، والمثابرة على الدعوة والصبر عليها، وعدم التعجل في قطف ثمارها، والتجرد لتلك الدعوة وتفريغ القلوب والأوقات لها، وإعطاء القدوة من النفس في الامتثال والخضوع لشريعة الله، والأخذ بالعزائم دون الرخص، كلما أمكن، والتزود الدائم من مناهل العلم النافع، والاستعداد المستمر بأنواع العمل الصالح. فإذا رأى الله تعالى في قلوب خواص الأمة تغييراً نحو الصلاح، غيَّر أحوالهم إليه، وغيّر بهم حال الأمة، وغيّر بالأمة وجه الدنيا، لتعود البشرية مرةً أخرى إلى نعيم الحياة تحت ظلال حكم الله، بعد طول شرود. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (٢).
فاللهم ردنا إليك رداً جميلاً، وأعدنا إلى دينك عوداً حميداً، واهدنا واهدِ بنا ويسر الهدى لنا.
وصلِّ اللهم على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذرّيته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
стр. 788
الحياة الآخرة - ما بين البعث إلى دخول الجنة والنار -
المؤلف/ المشرف: غالب بن علي عواجي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار لينة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: برزخ - الموت وعذاب القبر ونعيمه
الخاتمة
وبعد الانتهاء – بعون الله تعالى وتوفيقه – من دراسة تلك الفترة الزمنية من أمور اليوم الآخر، الواقعة ما بين البعث إلى دخول الجنة أو النار، تبين لي من تلك الدراسة أمور، أوجز أهمها فيما يأتي:
١ - أن أمر اليوم الآخر والتصديق به من الأمور التي لا يدخل الشخص في الإيمان حتى يؤمن بها على وفق ما أخبر الله ورسوله ﷺ عنها، وأن الإيمان بذلك مما يحتاج إلى يقين قوي؛ إذ أن أكثر ما يضعف من عقيدة الشخص هو الجانب الأخروي وما يقع فيه من أحداث.
٢ - أن القرآن الكريم والسنة النبوية قد أوليا اليوم الآخر البيان والإيضاح التام الكافي في أكثر من آية في القرآن الكريم، وأكثر من حديث في السنة النبوية المطهرة.
٣ - أن الإيمان بالغيب أمر من العقيدة بالمكان الأعلى؛ إذ يتوقف إيمان الشخص على الإيمان بالغيب.
وقد مدح الله تعالى ورسوله ﷺ من اتصف بتلك الصفة – وهي الإيمان بالغيب – في نصوص كثيرة، ومن ذلك الإيمان الجازم بوقوع أخبار اليوم الآخر، وهي الحياة الأخرى الخالدة، حيث يحيا صاحبها أبداً إما في نعيم وإما في جحيم.
٤ - تبين كذلك أن الله تعالى قد ذكر في القرآن الكريم عدة أسماء ليوم القيامة، ويعود سب ذلك إلى شدة الاهتمام والعناية بها.
٥ - أن البعث أمر واقع، وليس بمستحيل إعادة الخلق كما كانوا للحساب والجزاء، حفاة عراة غرلاً كما كانوا في الدنيا وليس لمن أنكره أي مستند لا من العقل ولا من النقل، وليس له ما يدفع به تلك النصوص المتكاثرة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ ، وقد رأينا من عرض أدلة البعث واليوم الآخر جوانب من عناية القرآن الكريم والسنة المطهرة بذكره، حيث جاء إثباته بطرق ومسالك عديدة تدل على صفة البعث وكيفيته وأنه بالروح والجسد معاً.
٦ - النفخ في الصور نفخة البعث ثبتت بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وظهر كذلك أن العلماء لم يتفقوا على عدد النفخات كما رأينا فيما سبق ذكره.
٧ - تبين أن الناس يحشرون على صور شتى وهيئات مختلفة تبعاً لما كانوا عليه من الأعمال الطيبة أو الخبيثة في الدنيا.
٨ - تبين أن الخلق يحشرون حفاة عراة غرلاً مصداقاً لقوله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. وأن إعادة الأعضاء التي يلحقها النقص في الدنيا أو هي ناقصة بطبيعتها محل نظر فيحتمل أن تعاد قياسا على الغرلة، ويحتمل ألا يقع ذلك، وأن الأولى هو القول بإعادتها.
٩ - بعث الموتى في أكفانهم مسألة وقع فيها الخلاف، والذي يترجح من ذلك – حسبما تفيده النصوص – أن الناس في حالة حشرهم يكونون حفاة عراة غرلاً، وأن ما ورد من نصوص تفيد حشرهم في ثيابهم فإن المراد بها الأعمال. والله أعلم.
١٠ - تبين أن جميع الخلق يحشرون بما فيهم – إضافة إلى الجن والإنس – جميع المخلوقات الأخرى، وأن من قال بعدم حشر الحيوانات فقد أخطأ خطأ فاحشاً.
١١ - ما ورد من أن الكفار يسمعون ويتكلمون ويبصرون، وما ورد كذلك من عدم كلامهم وعدم وجود سمعهم وبصرهم إنما هو بالنسبة للمواقف التي يمرون بها في يوم القيامة.
١٢ - تبين أن مراتب الأعمال التي تقع في الموقف كاملة مما لم يثبت بها نص صحيح – حسب معرفتي -.
стр. 789
١٣ - الناس في الموقف يكونون على هيئات مختلفة وأحوال متباينة على ما لا يتصور من الهم والكرب، كما وردت بذلك النصوص من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ، وتبين أن ما ورد من خلاف العلماء في طول مدة الموقف وقصرها إنما هو بالنسبة للأشخاص حسب أعمالهم.
١٤ - الأرض التي يقف عليها الخلق مما وقع فيه الخلاف بين العلماء في صفتها وكيفيتها، والذي يترجح من ذلك هو القول بأنها أرض مستوية تطهر لنزول الله تعالى لفصل القضاء، وأما حقيقتها ومم تكون فعلم ذلك إلى الله تعالى.
١٥ - تبين لي كذلك أن الشفاعات تنقسم إلى شفاعات ثابتة وشفاعات منفية، وأن من الشفاعات ما هو خاص بالرسول محمد ﷺ ، ومنها ما هو مشترك بينه وبين بقية المخلوقات، وتبين كذلك أن هناك شفاعات ثابتة جاء بها النص، وشفاعات غير ثابتة بنص صحيح.
١٦ - وتبين كذلك أن بعض الأعمال مما يثبت به الشفاعة، وبعضها لم يثبت به نص صحيح.
وأن فيه أموراً تمنع الشفاعة وأموراً لم يصح ما قيل من نفي الشفاعة بسببها.
١٧ - تبين أن من الشفعاء الذين أكرمهم الله بقبول شفاعتهم الأنبياء والملائكة والشهداء والولدان، وشفاعة المؤمنين بعضهم في بعض، وشفاعة القرآن الكريم.
وفي مقابل أولئك فإن هناك شفعاء لم يثبت بهم نص صحيح.
١٨ - تبين أن الله تعالى ينزل نزولاً يليق به جل وعلا للفصل بين الخلق في يوم القيامة، وهذا هو ما تؤيده الأدلة من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه ﷺ وأقوال علماء السلف، وأن من أوله إلى أي معنى من معاني التأويل كمجيء أمره أو غير ذلك فإن قوله باطل.
١٩ - تبين أن رؤية الله تعالى في عرصات القيامة أمر ممكن عقلاً، وهو ما قررته النصوص الكثيرة من كتاب الله ومن سنة نبيه ﷺ ؛ وأن من قال باستحالة رؤيته تعالى فإنه ضال عن الهدى غير متبع للحق. وأن ما ظهر من الخلاف في رؤية غير المؤمنين لربهم مما وقع فيه النزاع بين العلماء، وهي من المسائل التي سكت عنها الصدر الأول من السلف وخاض فيها من جاء بعدهم، وكذلك مسألة رؤية الله تعالى في جهة.
٢٠ - تبين كذلك أن كلام الله تعالى صفة حقيقية له جل وعلا، وأن الله يكلم خلقه في يوم القيامة، كما ثبت ذلك بالقرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال علماء السلف، ومن أنكر هذا فقوله باطل، وأن ما ورد من عدم كلام الله تعالى لبعض خلقه في يوم القيامة فإنما هو من باب العقوبة لهم، أو أنه لا يكلمهم بكلام الرضى والسرور، بل بكلام التقرير والتوبيخ.
وأما بأي لغة يتكلم الله يوم القيامة فهذا مما لم يرد بيانه بنص صحيح وعلمه إلى الله تعالى.
٢١ - تبين أن العرض على الله جل وعلا في موقف فصل القضاء أمر ثابت كما نص عليه كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وأن إثبات ذلك على ضوء تلك النصوص هو القول الحق دون الالتفات إلى أقوال المؤولين وتحريفاتهم.
٢٢ - ظهر كذلك أن إيتاء الصحف أو كتاب الأعمال من الأمور الثابتة في يوم القيامة، لورودها في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وأقوال علماء الإسلام، ولا عبرة بقول من أنكرها.
وأن كل إنسان لابد وأن يقرأ كتابه بعد أن يأخذ بيمينه أو بشماله، سواء كان قارئاً أم لم يكن قارئاً، وأن لله تعالى حكمة في ذلك.
٢٣ - ومن الأمور الأخرى التي تقع في الموقف: الحساب؛ فقد ثبت وقوعه بالكتاب والسنة، وأن الله تعالى هو المتولي حساب خلقه حسبما تقتضيه مشيئة الله تعالى، وأن الحساب له كيفيات مختلفة، وأن من الناس من يستثنى من الحساب فلا يشمله.
وأن ما جاء من أول من يحاسب وفي أول ما يُسأل عنه العبد من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين العلماء.
стр. 790
وقد ثبت أن الله تعالى يقرر عباده ويسائلهم عن كل ما صدر منهم، ويقيم عليهم الشهود العدول من أنفسهم ومن غيرهم بالعدل الكامل في القصاص بينهم. وأن الجزاء من جنس العمل جزاءً وفاقاً.
وأن العمل نفسه لا يمكن أن يستحق به صاحبه الجنة إذا لم تتداركه رحمة الله تعالى.
٢٤ - أن الميزان العظيم الذي يزن الله به أعمال خلقه هو ميزان حقيقي له لسان وكفتان، وقد ثبت ذكر الميزان في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وإجماع الأمة بما لا يدع مجالاً للشك فيه.
وأن المنكرين له أو لصفاته لا دليل لهم، لا من العقل ولا من النقل، وقولهم مردود عليهم، وأن الذي يوزن في الميزان هو العامل والعمل وصحف الأعمال لحكمة يعلمها الله جل وعلا، ينصبه الله جل وعلا ثم يزن أعمال الخلق في كيفية لا يعلمها إلا هو .
وقد جاء كذلك إطلاقه بلفظ الإفراد وبلفظ الجمع، ولذا كان محل خلاف بين العلماء: هل هو ميزان واحد أم موازين متعددة؟
٢٥ - الصراط الذي أعده الله لعبور الخلق مما ثبت ذكره بلفظه الصريح في السنة النبوية، وفي القرآن الكريم عند بعض العلماء، وعدم ذكره صراحة في القرآن الكريم عند البعض الآخر، الذين قالوا إن ما ورد من ذلك في القرآن فهو احتمال وليس بصريح، كما بينا ذلك.
وأن وصف الصراط بأنه أحد من السيف وأدق من الشعرة هو الوصف الحق الذي ثبت له، وأن من تأول ذلك أو أنكر الصراط فإنه لا حجة له، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يجتازه الخلق، وهي من المسائل التي لا مجال للعقل في الخوض فيها، وما قاله العلماء في ذلك فإنما هو مجرد استنباط دون الاستناد إلى نص ثابت.
وظهر كذلك أن مسافة الصراط أمر لا يعلمه إلا الله وأن الأقوال التي قيلت في تحديده تفتقر إلى نص يثبتها.
أما بالنسبة لمرور الخلق عليه جمعيهم أو بعضهم فإنها مسألة خلافية، فقد ذهب بعض العلماء إلى القول بأن كل الخلق يمرون عليه، ومنهم من يقول بعدم مرور بعض الخلق إما إكراماً لهم أو إهانة لهم، والظاهر من النصوص تدل على أن الكل يمر عليه، فينجو أولياء الله ويسقط فيه الكفار، إلا من يلتقطهم عتق النار كما بينا ذلك.
وأما بالنسبة لأول من يجوز الصراط فقد تبين أنه الرسول محمد ﷺ وأمته، وأن شعار المؤمنين على الصراط: اللهم سلم سلم.
أما بالنسبة لخلق الصراط ووجوده الآن أو عدم وجوده وكذا القول ببقائه إلى خروج عصاة الموحدين أو عدم بقائه فالله تعالى أعلم بحقيقة ذلك، فقد يكون موجوداً الآن، وقد يوجد في يوم القيامة، وقد يبقى إلى خروج عصاة الموحدين فيعبرون عليه وقد لا يبقى.
٢٦ - وظهر لي كذلك أن المؤمنين الذين قد كتبت لهم السعادة يقفون بعد اجتيازهم الصراط على قنطرة دون الجنة ليقتصوا مظالم كانت بينهم، فإذا هذبوا ونفوا أذن لهم في دخول الجنة، وهي ثابتة.
وقد وقع الخلاف في موضعها: هل هي جزء من الصراط وتتمة له، أم هي صراط آخر غير الصراط العظيم المنصوب على متن جهنم؟ وأن الصحيح أنها قنطرة واحدة وليست قناطر متعددة.
٢٧ - وتبين أن الورود الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ مما وقع الخلاف في معناه بين العلماء، وأن الراجح من ذلك هو القول بأن الجميع يردها ثم يصدر عنها المؤمنون بأعمالهم، كما أفادته النصوص الثابتة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ .
٢٨ - تبين أن فئة من الناس يسمون: أصحاب الأعراف، قد تضاربت أقوال العلماء فيهم، وتباينت آراؤهم فيهم، يقفون على الصراط إما إكراماً لهم وإما إهانة لهم، ثم يكون مصيرهم بعد ذلك إلى الجنة.
٢٩ - تبين أن الحوض المورود الذي وعد الله به نبيه محمداً ﷺ قد ثبت بالسنة المطهرة بلفظه الصريح، وفي القرآن الكريم عند من يسمي الحوض كوثراً، ثم يستدل لإثباته بسورة الكوثر، وأن من أنكره ليس له دليل لا من العقل ولا من النقل، وإنما هو مجرد الاستبعاد فقط.
واتضح أن مسأفة الحوض قد وردت بروايات كثيرة مختلفة، وليس فيها تعارض ولا اضطراب كما رأينا في الجمع بينها، وأن الناس يردون عليه حين خروجهم من قبورهم يشربون منه وهم في الموقف على الصحيح من أقوال العلماء، وقد ميزه الله بمزايا عديدة ولله تعالى القدرة والحكمة على ما يشاء.
٣٠ - الكوثر الذي ذكره الله تعالى هو نهر في الجنة، كما أفادته النصوص الصريحة في ذلك، وأن بعض العلماء قد أطلق تسمية الكوثر على الحوض، والحوض على الكوثر بسبب الاتصال الذي بينهما كما بينا ذلك، وتبين أن الكوثر مما اختص الله به نبيه محمداً ﷺ تشريفا له دون غيره من الأنبياء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
تلك أهم النتائج التي ظهرت لي في هذا الموضع، أسأل الله العلي العظيم أن يتقبل مني ويثيبني فيما أصبت الحق فيه، وأن يغفر ويتجاوز عما أخطأت فيه، وأن ينفع بهذه الدراسة إنه سميع مجيب.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 791
الدواهي المدهية للفرق المحمية (في الولاء والبراء)
المؤلف/ المشرف: جعفر بن إدريس الكتاني
المحقق/ المترجم: محمد حمزة بن علي الكتاني
الناشر: دار البيارق - الأردن ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٩هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: ولاء وبراء
وفي "الروضة المقصودة" لأبي الربيع ": ولما أخذ العدو غرناطة سنة ٨٩٧هـ اشترط المسلمون عليه شروطا، أظهر قبولها وبسط لهم جناح العدل حتى بلغت بزعمهم مأمولها وكان من جملتها أن من شاء البقاء عنده أقام مكرما ومن أراد الخروج إلى بر العدوة أنزل بأي بلاد شاء منها من غير أن يعطي كراء ولا مغرما، وأظهر للمسلمين العناية والاحترام حتى إن النصارى يحسدونهم في ذلك ويقولون أنتم عند ملكنا أعز وأكرم منا، ووضع عنهم المغارم حيلة ومكيدة لغيرهم، فطمع كثير من الناس واشتروا الرباع العظيمة ممن أراد الذهاب إلى العدوة بأبخس ثمن". "ثم ظهر له لعنه الله أن يأمر السلطان الذي كان بها بالجواز إلى العدوة، وأعد له المراكب العظيمة وركب معه كثير من المسلمين ممن أراد الجواز حتى نزلوا للمليلية من ريف المغرب، ثم ارتحل إلى فاس ولا زال عقبه بها من جملة السواد إلى أن انقرضوا في حدود ١١٥٠هـ، واتفق أن أصاب الناس فيها شدة عظيمة من الجوع والعطش والغلاء والطاعون حتى فر كثير منهم بسبب ذلك ورجع بعض أهل الأندلس إلى بلادهم فأخبروا بتلك الشدة فتقاعس من أراد الخروج وعزموا على الإقامة. ولم يجز النصارى بعد ذلك أحدا إلا بالكراء والمغرم والعشر. ولما رأوا أن الناس قد تركوا الخروج وعزموا على الإقامة، أخذوا في نقض الشروط فصلا فصلا إلى أن نقضوا جميعها، وزالت حرمة المسلمين وأدركهم الهوان والذلة، واستطالوا عليهم، وفرضوا عليهم المغارم الثقيلة، ومنعوهم الأذان في الصوامع وأمروهم بالخروج من غرناطة إلى الأرباض والقرى أذلة صاغرين. ثم دعوهم للتنصر وأكرهوهم عليه وذلك سنة ٩٠٤هـ، فدخلوا فيه كرها وصارت الأندلس كلها دار كفر، ولم يبق من يجهر بكلمة التوحيد والأذان، وجعلت في المساجد والمآذن النواقيس والصلبان بعد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن فإنا لله وإنا إليه راجعون". والواجب على من مكنه الله في الأرض ويسره لليسرى عند أمن الفتنة أن يستتيب من ثبت عليه الفكر بما يثبت به شرعا مما قدمناه من هؤلاء الأشرار الأنجاس الذين لا أرذل ولا أنجس ولا أردى ولا أكثر ضررا على المسلمين في دينهم ودنياهم ولا أهم فسادا منهم، أراح الله الإسلام والمسلمين وطهرهم منهم بمنه وفضله، وأن يرهق غيرهم العقوبة الشديدة والتنكيل المبرح ضربا وسجنا حتى لا يتعدوا حدود الله. ومن قدر على تغيير المنكر فيهم وتراخى وتوانى كان عاصيا لله ورسوله تاركا لما يجب عليه، وذلك فرض على الأعيان لا يختص به واحد دون واحد ولا قبيلة دون قبيلة ولا جماعة دون جماعة.
يا غارة الله حلي عقد ما ربطوا ... وشتتي شمل أقوام بنا اختلطوا.
الله أكبر سيف الله قاطعهم ... وكلما قد علوا في ظلمهم هبطوا.
لكن مع هذا كله المشيئة الأزلية لا تحصر، والقدرة الإلهية لا تحجر. فإذا أراد الله تعالى أن يخالف الظنون في توبتهم وأوبتهم فليس ذلك عليه بعزيز، ولا مستحيل لا يقبل التجويز لأن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون، في أسرع من لمحات العيون، مع أنه تعالى أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين يغفر ذنوب المذنبين ويتقبل إنابة المنيبين سبحانه جل وعلا. ثم إن وقع ذلك فما أشد فرحنا به وأعظم سرورنا بسببه، لأنه إذاك تتجدد لنا أوقات السعود، وتعود أعياد الإقبال التي لم تكن تظن أن تعود. فما أخسر صفقة من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه صفقة عبد باع آخرته بدنيا غيره، وأخسر منهما صفقة وأكثر غبنا وأسود سعدا وأشد بعدا من حرم حظه من مولاه.
على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له فيها نصيب ولا سهمُ.
وقيل: أيا عاملا للنار جسمك لين ... لجربه تمرينا بحر الظهيرةِ
ودربه في لسع الزنابر تجترئ ... على نهش حيات هناك عظيمةِ.
فإن كنت لا تقوى؛ فويحك ما الذي ... دعاك إلى إسخاط رب البريةِ.
وقيل:
جسمي على البرد ليس يقوى ... ولا على أيسر الحرارةِ
فكيف يقوى على جحيم ... وقودها الناس والحجارةِ.
وقيل:
لا تأمن الموت في لحظ ولا نفسٍ ... ولو تمنعت بالحجاب والحرسِ
واعلم بأن سهام الموت صائبة ... لكل مدرع منها ومحترسِ
ما بال دينك ترضى أن تدنسه ... وثوب دنياك مغسول من الدنسِ
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبسِ.
وفي هذا القدر كفاية. لمن سبقت له من الله هداية. وما يذكر إلا أولوا الألباب ويتوب الله على من تاب. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ووافق الفراغ من إخراجه من مبيضته رابع عشر ربيع الثاني عام ثلاثة وثلاثمائة وألف
стр. 792
الرؤى عند أهل السنة والجماعة والمخالفين
المؤلف/ المشرف: سهل بن رفاع بن سهيل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار كنوز اشبيليا – الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: نوم وأحلام ورؤى - تعبير
الخاتمة:
وبعد هذا الاستعراض لجوانب متعددة في موضوع الرؤى من خلال كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفهم السلف الصالح، ومع استعراض موجز لآراء المخالفين ومناقشتهم، تبين النتائج التالية:
١ - أنه قد جاء في كتاب الله الحكيم آيات كثيرة تبين حقيقة الرؤى، وأنها بالنسبة للأنبياء وحي، بل إن الله جعل معجزة نبيه يوسف ﵇ تأويل الرؤيا.
٢ - جاء عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في شأن الرؤى سواء في رؤيته ﷺ لربه – في المنام، أو بيان أن الرؤيا وحي، وبيانه أن رؤيا المؤمن جزء من أجزاء النبوة، أو ذكره للآداب، وسؤال أصحابه عن الرؤيا كثيراً، وتفسيره لكثير من رؤى أصحابه، وكثرة الرؤى التي رآها ﷺ .
٣ - أن علماء الحديث اهتموا بتلك الأحاديث فصنفوا لها الكتب والأبواب، ووضعوا العناوين للأبواب التي تبين أحكام الرؤى وحقيقتها وعلاقتها بالنبوة.
٤ - أن الرؤى لها أهمية في حياة الناس، لكثرة وقوعها وانشغال بعضهم بها بين غلو وتفريط وإفراط, وكيف أن بعض المغرضين يستغلون اهتمام الناس بالرؤى فينشرون باطلهم من هذا الطريق.
٥ - أن الرؤى والأحلام في اللغة بمعنى واحد، وهو ما يراه الإنسان في منامه، أما في الشرع فإن الرؤيا تطلق غالباً على الصادقة التي هي من الله، والأحلام على الكاذبة التي هي من الشيطان.
٦ - أن الرؤى عند أهل السنة والجماعة عبارة عن أمثال مضروبة للرائي، خلافاً لمن شذ من المعتزلة أو الفلاسفة، فالمعتزلة تجعل الرؤيا كلها خيالات باطلة، وقالت الفلاسفة إنها بسبب الأخلاط. وكلا القولين خلاف لما دلت عليه النصوص.
٧ - أن الرؤيا قد تطلق ويراد بها الرؤية وهي ما يراه الإنسان في اليقظة، وقد جاءت بعض الأدلة بهذا الإطلاق، لكن الغالب استعمال الرؤيا في المنام، والرؤية في اليقظة.
٨ - أن روح النائم قد تفارق جسده في النوم من وجه دون وجه، والله أعلم بكيفية هذه المفارقة، وقد تعرج روح النائم إلى السماء، وليس عروجها كعروج البدن، بل بكيفية الله أعلم بها. كما بسط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة.
٩ - أن هناك جمعاً كثيراً من علماء أهل السنة قالوا بتلاقي أرواح الأحياء والأموات، وذكرت أدلتهم في ذلك.
١٠ - أن النصوص الشرعية دلت على أن الرؤى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١) الرؤيا من الله، وهي الصادقة.
٢) الأحلام من الشيطان، وهي من تخزينه، وتخويفه، وتهويله.
٣) حديث النفس، وهي ما يحدث به المرء نفسه في اليقظة ويراه في المنام.
وهذا التقسيم خلاف لما تقوله الفلاسفة أو علماء النفس من إغفال بعض جوانب الرؤيا الصحيحة التي دلت عليها الأدلة الشرعية.
١١ - أنه لا ينكر الرؤيا الصادقة إلا أهل الإلحاد وشرذمة من المعتزلة.
١٢ - أن الرؤيا الصالحة وصفت بصفات عدة منها:
أ- كونها من الله.
ب- كونها مما يحب المرء وتعجبه.
ج- كونها من المبشرات.
د- كونها صادقة.
هـ- كونها صالحة.
وكونها جزءاً من أجزاء النبوة.
ز- كونها حسنة.
ح- كونها حقاً.
١٣ - أن صلاح الرؤيا يرجع إلى صلاح ظاهرها، أو صلاح تعبيرها، وكذا الرؤيا المكروهة يرجع إلى ظاهرها، أو إلى تعبيرها.
١٤ - أن مخالفة الرؤيا للشرع دليل على فسادها وبطلانها، وكونها من الشيطان.
١٥ - أن القطع بكون الرؤيا صالحة لا سبيل إليه، وإنما ذلك على سبيل غلبة الظن.
١٦ - أن هناك علامات تفيد غلبة الظن بكون الرؤيا صالحة ومن ذلك:
أ- التواطؤ عليها.
стр. 793
ب- كونها من المبشرات، ومن ذلك تفسير قوله : ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فقد جاءت الأحاديث والآثار بأن البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة.
ج- كونها من أهل الصدق والصلاح.
١٧ - أن رؤيا المؤمن عند اقتراب الزمان لا تكاد تكذب.
١٨ - من أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق، وأن يكون الله ولياً تقياً، متحرزاً من الشيطان.
١٩ - أن الشخص قد يكون من أولياء الله وإن لم يحصل على شيء من ذلك، وعدم ذلك لا يضره ولا ينقص في مرتبته عند الله.
٢٠ - أن الشيطان حريص على تحزين وتخويف الإنسان حتى في المنام، ولذلك جاءت التوجيهات النبوية بالتحرز من الشيطان بكثرة ذكر الله وقراءة القرآن، والمعوذات.
٢١ - أن الناس في الرؤى ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
أ- من رؤاهم كلها صدق وحق وهم الأنبياء.
ب- من الغالب على رؤاهم الصدق وهم الصالحون.
ج- من الغالب على رؤاهم الأضغاث وهم عدا الأنبياء والصالحين.
٢٢ - أن الرؤيا الصالحة لا يسوغ العمل بها، إلا إذا وافقت نصاً شرعياً، وعند ذلك تكون العبرة بالنص لا بها، فإنما حاصلها الاستئناس والاستبشار، كما وصفت بأنها مبشرات.
٢٣ - أن رؤيا الأنبياء وحي، بل هي أول مبدأ الوحي للأنبياء، لعصمتهم من الشيطان، ولذلك ما جاء من الرؤى عن الأنبياء فيجب الإيمان بما دلت عليه، والعمل بذلك أمراً ونهياً.
٢٤ - أن الأحاديث جاءت متواترة في كون الرؤيا الصالحة جزءاً من أجزاء النبوة. ومعنى كونها جزءاً من أجزاء النبوة تشبيه الرؤيا بالنبوة في صدقها، أو أنها علم من أعلام النبوة باق والنبوة غير باقية، كما يقال في الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد من أجزاء النبوة، وكما يقال في إماطة الأذى من شعب الإيمان.
٢٥ - أن اختلاف الروايات في عدد أجزاء النبوة التي نسبت إليها الرؤيا الصالحة أمر لا نعلم الحكمة منه، وقد ذكر العلماء عدة توجيهات أحسنها قول الطبري – عالم الكتاب والسنة – أن ذلك يرجع إلى حال الرائي من الصدق والصلاح.
٢٦ - أن الذي تنسب رؤياه إلى أجزاء النبوة هو المؤمن الصالح، أما الكافر والفاسق فلا تنسب رؤياهم إلى النبوة، وإن صدقت.
٢٧ - أن الرؤيا الصالحة تدخل في معنى الوحي العام، كما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً﴾ [الشورى: ٥١].
فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا الوحي عام في اليقظة والمنام للأنبياء وغيرهم.
وتسمية الرؤيا وحياً وإلهاماً لا يعني أنها معصومة من الخطأ، أو أنها مصدر تلقي، وليس لأحد أن يطلق القول بأن ما يقع له أنه وحي لا في اليقظة ولا في المنام، لأن الوسواس غالب على الناس.
٢٨ - أن هناك نظريات خاطئة قدمها علم النفس في تفسير الرؤى، وكلها تغفل جوانب من الرؤيا دلت الأدلة الشرعية على صحتها، كالرؤيا الصادقة، والرؤيا من الشيطان، وانحصرت دراساتهم في نوع واحد فقط، مع تخبط في هذا.
٢٩ - أن الصوفية تغالي في الرؤى حتى تجعلها مصدراً يقينياً يبنون عليها كثيراً من عقائدهم الباطلة، ويستندون إليها في ترويج ضلالاتهم، ومعرفة الحلال والحرام، وتفسير آيات القرآن، وتصحيح وتضعيف الأحاديث، ونسج الفضائل والمناقب لشيوخهم وغير ذلك.
٣٠ - أن الرؤيا ليست مصدراً للتلقي والتشريع لما يلي:
أ- أن الله قد أكمل لهذه الأمة دينها، ولم يمت ﷺ إلا وقد بلغ دين الله.
ب- أن الاعتماد على الرؤى في التلقي يلزم منه أن الله لم يكمل الدين، وأن الرسول ﷺ لم يبلغه عن الله.
ج- أن الحق الذي لا يشوبه باطل هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أما المنامات وغيرها ففيها حق وباطل.
د- ليس هناك دليل من الشرع يدل على أن الاحتجاج بالرؤى جائز.
стр. 794
هـ- أن الرؤى منقسمة إلى رحماني ونفساني وشيطاني، والتمييز بينها مشكل.
ويلزم من القول بحجية الرؤى تجديد الوحي بعد النبي ﷺ ، وهذا باطل.
ز- أن النائم ليس من أهل الضبط والتحمل للرواية.
٣١ - أن رؤية النبي ﷺ لربه في المنام ثابتة.
٣٢ - أن المؤمن قد يرى ربه في المنام بحسب إيمانه، وليس في ذلك نقص ولا عيب؛ لأن الله ليس كمثله شيء، كما بسط هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
٣٣ - أن الأحاديث جاءت متواترة في جواز رؤية النبي ﷺ في المنام، وأن الشيطان لا يتمثل به.
٣٤ - أن رؤية النبي ﷺ في المنام تكون حقاً وصدقاً إذا كانت على صورته المعروفة، أما إذا رؤي على غير صورته، أو رؤي وهو يأمر بباطل فهذا دليل على بطلانه؛ لأن الشيطان قد يتمثل بغير صورة النبي ﷺ ويقول أنا النبي.
٣٥ - أن قول النبي ﷺ : (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) أن المراد بذلك أهل عصره، أو يراه في القيامة رؤيا خاصة، أو المراد بها تشبيه من رآه في المنام فكأنه رآه في اليقظة.
٣٦ - أن القول بإمكان رؤية النبي ﷺ بعد موته يقظة في الحياة الدنيا باطل شرعاً وعقلاً.
٣٧ - أن رؤية الملائكة والأنبياء في المنام جائزة وممكنة.
٣٨ - أن الكذب في الرؤيا كبيرة من كبائر الذنوب، لأنه كذب على الله أنه أراه ولم يره، وقد جاء الوعيد المغلظ في ذلك بأنه:
١) أفرى الفرى.
٢) أنه يكلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين.
٣) أن من كذب على النبي ﷺ في المنام فليتبوأ مقعده من النار.
٤) أنه من أعتى الناس عند الله.
٣٩ - أن علم التعبير علم صحيح دلت النصوص الشرعية على صحته.
٤٠ - أن تأويل الرؤيا مبني على القياس والمشابهة بين الرؤيا وتأويلها، كما بسط ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والسعدي ﵏.
٤١ - أن الرؤيا إذا عبرت وقعت، وذلك مشروط بما إذا أصاب المعبر وجه التعبير، وقد قيل في ذلك أنه من باب التفاؤل.
٤٢ - قد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في تأويل الرؤيا، وأنه كان كثيراً ما يسأل أصحابه عن رؤاهم.
٤٣ - جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان الرؤيا وآداب من رأى رؤيا يحبها كما يلي:
أ) أن يحمد الله عليها.
ب) أن يستبشر بها.
ج) ألا يخبر بها إلا من يحب.
٤٤ - جاءت الأحاديث في بيان آداب من رأى رؤيا يكرهها، وذلك كما يلي:
١) أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثلاثاً.
٢) أن يستعيذ بالله من شرها.
٣) أن يتفل عن يساره ثلاثاً.
٤) أن يقوم فيصلي.
٥) أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه إلى الجنب الآخر.
٦) ألا يخبر بها أحداً فإنها لا تضره.
٤٥ - أن تعبير الرؤيا من باب الفتوى، ولذلك يشترط في المعبر للرؤيا العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وأخيراً: هذه حقيقة الرؤى وأقسامها وعلاقتها بالنبوة، وأحكامها، وآدابها. فينبغي للمسلم أن يكون وقافاً عند كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا يتجاوزه بإفراط، ولا يقصر عنه بتفريط فكلا الأمرين تضييع لشرع الله، وعدم تعظيم له.
стр. 795
الرد الشامل على عمر كامل
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن حسين الموجان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مركز الكون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: إنكار البدع والخرافات والمعتقدات الخاطئة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لقد أنهيت الرد على الدكتور عمر كامل وسلكت فيه سبيل الاختصار ما أمكن وأحب أن أختم بجملة تفيد فضل علم السلف على الخلف وذلك لأن من الأشاعرة من ذكر أن الخلف أعلم وأحكم من السلف وتارة يعتذرون عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد وتارة يطلقون هذا القول على عواهنه
يقول شيخ الإسلام: وهذا إنما قالوه لأن هذه الأصول والقواعد التي يزعمون أنها أصول الدين قد علموا أن الصحابة لم يقولوها وهم يظنون أنها أصول صحيحة وأن الدين لا يتم إلا بها وللصحابة – ﵃ – أيضا من العظمة في القلوب ما لم يمكنهم دفعه حتى يصيروا بمنزلة الرافضة القادحين في الصحابة ولكن أخذوا من الرفض شعبة كما أخذوا من التجهم شعبة وذلك دون ما أخذته من المعتزلة من الرافضة والجهمية حين غلب على الرافضة التجهم وانتقلت عن التجسيم إلى التعطيل والتجهم إذ كان هؤلاء نسجوا على منوال المعتزلة لكن كانوا أصلح منهم وأقرب إلى السنة وأهل الإثبات في أصول الكلام ولهذا كان المغاربة الذين اتبعوا محمد بن التومرت المتبع لأبي المعالي أمثل وأقرب إلى الإسلام من المغاربة الذين اتبعوا القرامطة وغلوا في الرفض والتجهم حتى انسلخوا من الإسلام فظنوا أن هذه الأصول التي وضعوها هي أصول الدين الذي لا يتم الدين إلا بها وجعلوا الصحابة حين تركوا أصول الدين كانوا مشغولين عنه بالجهاد وهم في ذلك بمنزلة كثير من جندهم ومقاتليهم الذين قد وضعوا قواعد وسياسة للملك والقتال فيها الحق والباطل ولم نجد تلك السيرة تشبه سيرة الصحابة ولم يكن القدح فيهم فأخذوا يقولون كانوا مشغولين بالعلم والعبادة عن هذه السيرة وأبهة الملك الذي وضعناه وكل هذا قول من هو جاهل بسيرة الصحابة وعلمهم ودينهم وقتالهم ومن كان لا يعرف حقيقة أحوالهم فلينظر إلى آثارهم فإن الأثر يدل على المؤثر هل انتشر عن أحد المنتسبين إلى القبلة أو عن أحد من الأمم المتقدمين والمتأخرين من العلم والدين ما انتشر وظهر عنهم أم هل فتحت أمة البلاد وقهرت العباد كما فعلته الصحابة – رضوان الله عليهم – ولكن كانت علومهم وأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم حقا باطنا وظاهرا وكانوا أحق الناس بموافقة قولهم لقول الله وفعلهم لأمر الله ... والأدلة الدالة على تفضيل القرن الأول ثم الثاني أكثر من أن تذكر ومعلوم أن أم الفضائل: العلم والدين والجهاد فمن ادعى أنه حقق من العلم بأصول الدين أو من الجهاد ما لم يحققوه كان من أجهل الناس وأضلهم وهو بمنزلة من يدعي من أهل الزهد والعبادة والنسك أنهم حققوا من العبادات والمعارف والمقامات والأحوال ما لم يحققه الصح ()
ويقول أيضا " وكل من له لسان صدق مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم ولم يكن في زمنهم أحد من هذه الصنوف الأربعة () ولا تجد إماما في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومثل الفضيل وأبي سليمان ومعروف الكرخي وأمثالهم إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقتهم المتبعون لها وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر فهؤلاء الذين هم أفضل الخلق من الأولين والآخرين لم يذكرهم أبو حامد ()
стр. 796
" ويقول شيخ الإسلام " ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرا وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح
المعقول , وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول ولهذا تأتلف ولا تختلف وتتوافق ولا تتناقض والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول فتشعبت بهم الطرق وصاروا مختلفين في الكتاب مخالفين للكتاب وقد قال تعالى ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾
ولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما خرجه في الرد على الزنادقة والجهمية " الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى , ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله من الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مخالفون للكتاب مختلفون في الكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب ... " ()
ويقول أيضا " وكل من أمعن نظره وفهم حقيقة الأمر علم أن السلف كانوا أعمق من هؤلاء علما وأبر قلوبا وأقل تكلفا وأنهم فهموا من حقائق الأمور ما لم يفهمه هؤلاء الذين خالفوهم وقبلوا الحق وردوا الباطل " ()
ويشرح شيخ الإسلام سبب كونهم أعلم وأحكم فيقول " وأما كونهم أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفيهم أحق بالجهل والحشو فنبين ذلك بالقياس المعقول من غير احتجاج بنفس الإيمان بالرسول كما قال الله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
فأخبر أنه سيريهم الآيات المرئية المشهودة حتى يتبين لهم أن القرآن حق ثم قال ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي بإخبار الله ربك في القرآن وشهادته بذلك فنقول من المعلوم أن أهل الحديث يشاركون كل طائفة فيما يتحلون به من صفات
الكمال ويمتازون عنهم بما ليس عندهم فإن المنازع لهم لابد أن يذكر فيما يخالفهم فيه طريقا أخرى مثل المعقول والقياس والرأي والكلام والنظر والاستدلال والمحاجة والمجادلة والمكاشفة والمخاطبة والوجود والذوق ونحو ذلك وكل هذه الطرق لأهل الحديث صفوتها وخلاصتها فهم أكمل الناس عقلا وأعدلهم قياسا وأصوبهم رأيا وأسدهم كلاما وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا وأقومهم جدلا وأتمهم فراسة وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا ومخاطبة وأعظمهم وأحسنهم وجدا وذوقا وهذا هو للمسلمين بالسنة إلى سائر الأمم ولأهل السنة والحديث بالنسبة إلى سائر الملل فكل من استقرأ أحوال العالم والأعمال وجد المسلمين أحد وأسد عقلا وأنهم ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال وكذلك أهل السنة والحديث تجدهم كذلك ممتعين وذلك لأن اعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أهـ ()
وبهذا يتبين لك أيها القارئ فضل علم السلف على الخلف نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يحشرنا في زمرتهم وأن يعفينا وإخواننا ومن نحب مضلات الفتن وزيغ الحكماء وانحراف الفرق والأهواء ونسأله سبحانه هداية من ضل من هذه الأمة والتأليف بين قلوب المؤمنين على الحق والهدى والدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 797
الرد على المخالف من أصول الإسلام
المؤلف/ المشرف: بكر بن عبدالله أبو زيد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الهجرة - الخبر ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: عقيدة - أصول المنهج
الخاتمة: من أبحاث هذا " الأصل الملي" يمكن تصنيف الخلاصة الآتية:
• أولا: إعلام المسلمين بما يلي:
١ - أن" الرد على المخالفين" من أهل الأهواء وغيرهم: وظيفة شرعية، من مهام علماء المسلمين؛ لحراسة الملة والذب عنها وعن أعراض أهلها.
٢ - وأنه واجب كفائي معلوم بالضرورة.
٣ - وأن الشريعة حفت هذا " الواجب" بشروط وآداب كما في " المبحث الرابع " منه.
٤ - ومن أهمها تنزيل الأحكام على الأقوال، والأفعال لا على الأشخاص إلا بعد يقين.
• ثانيا: إعلام أهل السنة والجماعة بما يلي:
١ - أن أهل السنة والجماعة: هم قوام الأمة؛ لتخلصهم من البدع والأهواء، فهم نقاوة المسلمين، ونجمها الوهاج.
٢ - أن علماءهم: مرصدون، لحفظ الدين، وحراسته من أهواء المخالفين، وشهواتهم.
٣ - أن العالم العامل: يرصد الأحداث، ويقدرها، ويقومها سواء كانت مكتوبة، أم مسموعة، أم مرئية. فإذا احتوى الحدث، وتصوره على وجهه الواقع، ورأى في محتواه: مخالفة مذمومة، برز إلى المكاشفة: فيقول، وينشر، ويكتب، ويعلن، مجاهدا بلسانه، وقلمه، حتى تعود المنقصة أدراجها على أعقابها ويرد كيدها عن المسلمين.
• ثالثا: إعلام "طريد أهل السنة" من كل مبتدع وَمُسَاء بالآتي:
١ - أن رد بدعته، وملاحقتها، حتى يجهز عليها، ويكف بأسها عن المسلمين: من قواطع الأحكام في الإسلام، منتظم العقد في حياة علماء أهل السنة.
٢ - وأن الرد عليه، والتحذير من داعية الهوى: فيه نصح له، ولعموم المسلمين.
• رابعا: إيقاظ من تلبس بترك المخالفين من المبتدعة، وغيرهم، يتجولون في صلابة جبين، وتنبيه المخذلين لعباده المصلحين، بما يأتي:
١ - أن حجب أنوار الإسلام في أطواء الظلام، يكمن في أخاديد الصمت، وشقوق التخذيل.
٢ - وأن السكوت أبدا عن رد الباطل: إثم، من جهتين، في السكوت، وفي مظاهرة المبطل، بالسكوت عنه.
• خامساً: تصحيح المفاهيم وتحديدها، لهذه الألفاظ الثلاثة: "رد العالم للمخالفة" كالآتي:
١ - تحديد مفهوم المخالفة المذمومة محل البحث، وهو: مخالفة الشريعة من أي وجه بداعٍ من شبهة، أو شهوة، أو شذوذ ...
٢ - المفهوم الموسع للرد شرعا، فليس كما يفهمه البعض من قصره على الإبطال، والتنديد بكتاب، أو رسالة، بل أعم من ذلك، فيكون: مكاتبة، وكتابة، ومشافهة، وإيقاع طرف من العقوبات الشرعية كالنفي، والإبعاد، وإحراق الكتاب، ومنعه من الدرس، وسوقه إلى القضاء؛ لينال أدبا يردعه ويزجره ... وبهذا نستفيد، أن هذا من العلماء يكتب، وهذا يقول، وأن الساكت من العلماء عن هذين الواجبين قد يكون له جهد عظيم، في إضعاف البدعة، ومحاصرتها، وقمع حاملها، بأي من مسالك الرد الشرعية.
٣ - العلماء قدرات، وكلٌّ يزاول ما يحسن، حسب قدرته، فهو على ثغر يحميه من أي عدوان عليه. فعالم يرد على ملحد، وآخر على صاحب بدعة خفيفة، وثالث على صاحب فسوق، وآخر يرد على رأي شاذ. كل هذا حسب القدرة والتأهيل. وهذا يكسب اجتناب المقولة الساذجة: فلان يرد على شذوذ فقهي، ويترك الملحدين، فلماذا لا يرد عليهم؟ وهكذا ....
• سادسا: وأذيّل هذه الخاتمة بالتذكير بما يلي:
١ - على العلماء رفع التكبيرة الأولى في الميدان هاتفة بإحياء هذا الواجب الجهادي الدفاعي عن الدين الإسلامي برد كل مخالفة بشبهة، أو شهوة، أو شذوذ. وهذا غاية في سلامة الصف الإسلامي، وتوحيده، ووحدته، وكف عوامل التصدع من الداخل، وإثارة الغبار عليه من الخارج ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: ٥٧]
стр. 798
٢ - على كل مسلم موحد النهوض بالحقوق الشرعية عليه، للعلماء العاملين: من توقيرهم، وتبجيلهم، وإعطائهم قدرهم، والكف عن أعراضهم، والوقيعة فيهم، والبعد عن إثارة التشكيك في نياتهم، ونزاهتهم، والتعسف في حمل تصرفاتهم بالفتيا والقول على محامل السوء، وتصيد المعايب عليهم، وإلصاق التهم بهم، والحط من أقدارهم، والتزهيد فيهم، فإن هذا من أعظم وسائل " الهدم" ومواطن الإثم، وتفتيت الأمة، وإضعاف القيادة العلمية. وما هذه إلا وخزات مرجف وطعون متسرع. وهي مواقف يتشفى بها، من في قلبه علة، وفي دينه رهق وذلة، من أهل البدع والأهواء، بفعلتك هذه تذود الناس عنهم، وعن دروسهم، وحلقهم، ومآثرهم وتسلمهم غنيمة باردة إلى علماء السوء والبدعة، أو جعلهم هملا تتصيدهم الفرق، والأحزاب.
٣ - ومع هذا الواجب الشبابي من احترام العلماء، والالتفاف حولهم، فواجب على العلماء المعاملين: احتضان الشباب، واحتواؤهم والربط على قلوبهم بوشائج العلم والإيمان وبهذا يكونون "رابطة علمية شبابية" تجد فيها "العالم القدوة" و"القيادة العلمية" للأمة ومصانع لرجال المستقبل، بها يظهرون. ومن واجب العلماء نحو الشباب: حسن التعامل معهم بدقة وحكمة وروية، بتوجيههم، والجلوس لهم، بالدرس والتلقين، والأخذ عنهم والتلقي منهم والكتابة والتأليف والفتيا، كل بما وسعه حتى يحتوي العلماء توجهات الشباب: العقدية، والسلوكية سليمة من انحراف في الفكر والسلوك. وإن التحذير ليقوم على أشده، من مواجهة الشباب بالعنف، والغلظة، والقمع، والملاحقة، والتشكيك في نياتهم، والانصراف، وصرف الوجوه عنهم، فلهذه وأمثالها آثار في غاية الخطر، والتمزق، وسرقة في السلوك والاعتقاد، على أنقاض غليان الأفكار في مراجل الشباب فحينئذ تطمر بهم طمرة، ترميهم في أعاصير مدمرة وتدفعهم إلى الأعمال في السراديب المظلمة، تحت مضلات منحرفة مختلفة يفضي بعضها إلى بعض باغتيال المنهج الحق والمسلك الرَّشيد. ومن كان سببا في هذه فيا ويله من عذاب الله ومقته وغضبه إن لم يتداركه الله برحمته.
٤ - على كل وال لأمر من أمور المسلمين بصفة خاصة وعلى كل مسلم بصفة عامة: إصلاح الحال بنبذ البدع والأهواء، والمخالفات المذمومة، ومنابذة أهلها. فعلى رقابة المطبوعات: منع ما كان سبيله كذلك. وعلى مسئولي التعليم: منع التعاقد مع من كان كذلك. وعلى التجارة: منع استيراد ما يضر بالمسلمين في دينهم وأخلاقهم. وعلى التجار: الامتناع من الممارسة والتسويق، والحذر من تكثير سواد المخالفين بمزاولة بيع وشراء السلع المحرمة وتأجير المحلات على أصحابها والله أعلم.
стр. 799
الردة والحرية الدينية
المؤلف/ المشرف: أكرم رضا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الوفاء - مصر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: الردة
الخاتمة
حد الردة حكم ثابت
بعد هذه الدراسة النصية في مصادر الإسلام الأساسية (القرآن والسنة)، وفي المصادر التطبيقية لهذه النصوص (مذاهب الفقه) يمكن أن نخرج من بحثنا حول (جريمة الردة) بالخلاصة التالية:
١ - جريمة الردة من الجرائم التي نص عليها القرآن وحذر منها، وبين عاقبتها في الآخرة، وفضح أهلها، وبين أسلوب التعامل مع بعضهم.
٢ - نصت السنة القولية على عقوبة المرتد، وهي القتل، وهذا ما أخذ به الصحابة في حكمهم بلا مخالف.
٣ - اجتهد الصحابة في قضية استتابة المرتد، ولا خلاف بينهم في أصل الاستتابة، إنما اختلفوا في مدتها ما بين موسع ومضيق في المدة الزمنية
٤ - الردة ليست شكلا واحدا، إنما تأخذ أشكالا متعددة، وعلى حسب شكلها يكون حكمها كالآتي:
أ- إذا ارتدت جماعة عن الإسلام، وحملت السلاح، وسعت في الأرض فسادا تأخذ حكم حد الحرابة.
ب- إذا ارتدت جماعة التأويل، وتجمعت لحرب المجتمع المسلم تقاتل على أنها باغية (حد البغي).
ج- إذا ارتدت جماعة أو فرد وأعلن ردته، أو شهد عليه شهود بذلك فإنه يستتاب من قبل الحاكم دون إرهاب أو ترويع، ويدعى بالحكمة والموعظة الحسنة، ولأن الفقهاء اختلفوا في مدة الاستتابة، فإنها هنا متروكة لرأي الحاكم باستشارة هيئة الاستتابة، وحسب خطورة المرتد، أو ميله إلى التوبة من عدمه.
د- إذا تاب هذا المرتد وأعلن براءته مما اقترف يحكم عليه الحاكم بعقوبة تعزيرية، فإذا عاد تعاد الاستتابة، فإذا تكرر منه هذا فإن للحاكم النظر في مدى جديته.
هـ- إذا لم يتب المرتد وأصر على رأيه، أو تاب وعاد أكثر من مرة حيث رأى الحاكم عدم جديته، فإنه يقتل حدا، وتطبق عليه أحكام المرتد كما بينا في البحث.
٥ - لا تعارض بين حكم قتل المرتد، وبين إقرار الإسلام بالحرية الدينية في مثل قوله تعالى: ﴿لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦] حيث أنه إذا كان غير مسلم فلا يكره على دخول الإسلام، أما إذا دخل الإسلام فإنه وجب عليه اتباع أحكامه، التي منها أن من ارتد يقتل، ولا بد من بيان ذلك لكل من يريد أن يدخل في الإسلام.
٦ - لم يشترط الفقهاء – استنادا على النصوص القرآنية والحديثية – أن يأتي المرتد بعمل يعكر صفو المجتمع مع ردته لإقامة الحد، وإلا انتقل إلى حد آخر وهو حد الحرابة أو حد البغي.
٧ - ضيق الإسلام وحذر بشدة من المسارعة إلى اتهام مسلم بالكفر بسبب قول أو فعل أو ترك ظاهري يخالف ثوابت الإسلام، ولا بد من التأكد والتيقن من رسوخ ذلك في قلبه؛ اعتقادا جازما، ولذلك شرعت الاستتابة قبل إقامة الحد.
٨ - بين الإسلام أن هناك طائفة لا هم كفار معلنون صراحة كفرهم بعد إسلامهم، ولا هم مسلمون قلوبهم مع الإسلام، وهي طائفة المنافقين الذين يشهدون الشهادة، بل وقد يؤدون بعض العبادات الظاهرة ويعلنون أنهم مسلمون، ولكنهم يتناولون الإسلام والمسلمين بألسنتهم وأقلامهم، فهؤلاء إذا صدر منهم ما يدل على كفر أو ردة فإنهم يستتابوا، وتقع عليهم أحكام الردة كما بينا من قبل. ولا يخفى على أحد خطورة هذه الفئة على المجتمع الإسلامي، وسبيل جهادهم فعل النبي ﷺ مع ما بينه فهم الصحابة لما ورد عنهم في القرآن من التهديد والوعيد والتحذير والغلظة في القول، وفضح مواقفهم، وبيان أن المجتمع المسلم ليس بغافل عن تصرفاتهم.
توصيات البحث
١ - لا يخفى على أحد أننا نحتكم في حكم غير مطبق، وقانون غير معمول به في ساحة العالم الإسلامي الواسعة إلا ما ندر، وعلى هذا فإن القصور في تنزيل هذه الأحكام على الواقع وارد لا محالة.
стр. 800
٢ - لاحظ الباحث من خلال بحثه في كتب الفقهاء وعند بيان حد الردة، وبيان ما يحكم به أن قائله أو فاعله أو تاركه مرتد أنه يوجد كم هائل من الافتراضات لأفعال وأقوال لا تنضبط تحت ضابط معين أو تقسيم محدد، ولذلك يرى الباحث أن يكون هناك بحث منفصل حول هذا الموضوع يقوم على العصرية، ودراسة الواقع، وإحلال التطبيق المعاصر للمصطلح بدلا من التطبيقات القديمة، التي أصبحت لا تؤدي في كثير من الأحيان إلى المعنى المطلوب، وقد بين الباحث مثالا لذلك في بحثه، وهو مصطلح الزنديق.
٣ - يهيب الباحث بالعلماء أن يسارعوا عند صدور قول أو فعل فيه شائبة من أحد المتصدرين – مهما كان موقعه – بيان حكم الإسلام منه، وهل هو بذلك يصلح أن يكون في حظيرة الإسلام، أو هو بهذا القول أو الفعل مرتد عنه. وقد كان للكثير من علمائنا الأفاضل المواقف المشرفة في هذا المجال، حيث ظهر للجميع عور وفساد الكثير من أقوال وأفعال هؤلاء الذين يحملون ألوية الثقافة والفكر، وبعدهم الشديد عن المنهج القويم.
٤ - يظل كلامنا هذا يفتقد إلى الواقعية، ولا يتعدى إلى أن يكون مجموعة نقول عمن سبقنا ما لم يطبق على أرض الواقع، فلذلك فإن الباحث يدعو علماء الأمة أن ينهضوا بالمطالبة بتطبيق الحد الأدنى من حد الردة، وهو اعتبارها جريمة تصل إلى حد الجناية، وليست مجرد جنحة وإن حق الله أولى من حق العباد أن نسعى إلى تحقيقه، وإن حماية الدين مقدمة على حماية النفس.
﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾
стр. 801
السحر دراسة في ظلال القصص القرآني والسيرة النبوية
المؤلف/ المشرف: إبراهيم محمد الجمل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة القرآن - مصر ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: جن وسحر وعين وتنجيم
خاتمة: فإن تقوى الله خير وقاية وعلاج .. وإن المؤمن في خير على أي حال، لأنه يستمد قوته من الله القوي، فلا يصاب بمكروه، ولا يهزه الأحداث .. وهذا هو السحر وحقيقته كما بينه القرآن، ووصفته السنة المحمدية .. ووضحت علاجه والوقاية منه.
وأثبتت ذلك حقيقة اعترافات السحرة في عالمنا الحديث بعد ظهور السجلات المدينة، والمحاكم الدولية والمحلية والحياة الحديثة التي حاكمت السحرة؛ فأدلوا باعترافات أثبتت صحة حقيقة السحر كما بينه كتاب الله .. والسيرة النبوية العطراء .. وأن الساحر يبرم عقدا مع الشيطان.
ويبقى أن نبحث أعوانهم وطرقهم في الغواية والإضلال إبليس في كتابنا القادم (مملكة إبليس) أسال الله رب العالمين أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وأن يحفظنا بفضله من الشيطان وعمله. وأن يجنبنا السوء وأهله أنه قريب مجيب الدعاء .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 802
السنن والآثار في النهي عن التشبه بالكفار
المؤلف/ المشرف: سهيل حسن عبدالغفار
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار السلف ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: تشبه بالكفار
الخاتمة
لقد سبق في المباحث السابقة دراسة عن التشبه وتحقيق وتخريج الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه بالكفار مفصلاً، وهنا أقدم ملخص ما سبق:
إن بحثي هذا يشتمل على مقدمة وبابين وقد بينت في المقدمة سبب اختيار الموضوع وهو أن واقع المسلمين في هذا العصر يتطلب منا أن نبين لهم خطورة ما هم فيه من تقليد وتشبه للغرب والجري وراء الحضارة الغربية من غير نظر إلى عواقبها الوخيمة.
وأن للمسلمين شخصيةً مستقلةً استقلالاً تاماً عن الأمم الأخرى وهم حملة دعوة سماوية خالدة ويجب أن يكونوا قدوةً وأسوةً للآخرين.
ولبيان ذلك اخترت هذا الموضوع للبحث وجمعت فيه ما ورد من الأحاديث الصحيحة وغيرها وقدمت دراسةً وافيةً ليكون المسلم على بينةٍ من أمره فيعرف الحق من الباطل.
ثم بينت تطور هذه المشكلة تاريخياً حيث بدأت بتحويل دين إبراهيم من الحنيفية إلى الوثنية وذلك عندما جلب عمرو بن لحي أصناماً من الشام ودعا الناس إلى عبادتها، ولم ينته هذا العهد المظلم إلا عندما طلع شمس الإسلام وامتدت أشعته إلى العالم أجمع.
وبقي المسلمون متمسكين بعقيدتهم ومستقلين بشخصيتهم إلى أن دخل في دولتهم الأعاجم وتوسعت رقعة الدولة الإسلامية وازداد الاختلاط بين العرب والعجم وأخذ كل واحدٍ منهما بتقاليد الآخر.
وبعد إلغاء الخلافة الإسلامية سيطر الاستعمار على معظم البلاد العربية والإسلامية ونفذ سياسته العدوانية لمحو عقيدة الإسلام عن قلوب المسلمين وحارب التقاليد الإسلامية ودعا إلى سلوك طريقة الغرب وقدم الحضارة الغربية كمنهج للحياة.
كما بينت وجود هذه المشكلة في شبه القارة الهندية حيث لقي الاستعمار مقاومةً شديدة من أهلها وخاصةً المسلمين ولكن قد نجح في تنفيذ سياسته بعد أن وجد أعوانه هناك، ومن قبل كان عهد الملك محمد أكبر بن همايون كان له شديد الأثر في انحراف مسيرة المسلمين من الاستقلال إلى التبعية.
ثم ذكرت مميزات الشريعة الإسلامية التي تمتاز بسابقاتها بأنها عامة، وأنها كاملةً وشاملةً وأنها ناسخةً للشرائع السابقة وبينت هذه المميزات بأدلة من القرآن الكريم.
ثم ذكرت الكتب التي بحثت في هذا الموضوع ومنهجي في البحث.
والباب الأول يشتمل على دراسة عن التشبه وفيه فصلان، ذكرت في الفصل الأول تعريف التشبه وأنواعه ومتى يباح التشبه وما هي شروطه وأمثلةً من عمل النبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. ووضحت في الفصل الثاني نقطةً مهمةً وهي: هل شرع من قبلنا شرعٌ لنا؟ وذكرت فيه ما قال العلماء وما أجابوا به حول هذه المسألة.
والباب الثاني يشتمل على خمسة عشر فصلاً في تخريج وتحقيق الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه باليهود والنصارى والمجوس وأهل الجاهلية.
الفصل الأول في الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه بالكفار عموماً.
الفصل الثاني في الأحاديث الواردة في الإيمان والقرآن والعلم.
الفصل الثالث ذكرت فيه الأحاديث الواردة في الطهارة والنظافة.
الفصل الرابع في الأحاديث التي وردت في الصلاة.
الفصل الخامس في الأحاديث الواردة في الجنائز.
الفصل السادس في الأحاديث الواردة في الصيام.
الفصل السابع في الأحاديث الواردة في الحج.
الفصل الثامن في الأحاديث الواردة في النكاح.
الفصل التاسع في الأحاديث الواردة في المعاملات.
الفصل العاشر في الأحاديث الواردة في اللباس والزينة.
الفصل الحادي عشر في الأحاديث الواردة في التخشن والزهد.
الفصل الثاني عشر في الأحاديث الواردة في الأطعمة والأشربة.
стр. 803
الفصل الثالث عشر في الأحاديث الواردة في الذبائح والضحايا.
الفصل الرابع عشر في الأدب والاجتماع والأخلاق.
وذكرت في الفصل الخامس عشر الأحاديث المتنوعة.
وقد ذكرت لكل حديث سببه إن وجدته، وتخريجه، ودرجته، وشرح غريبه وفقهه كما ذكرت العادات التي لا زالت توجد في المسلمين ونهى عنها الشرع.
وقد بلغ عدد الأحاديث التي ذكرتها مخرَّجةً محقَّقة مائة وخمسة أحاديث منها ستة عشر حديثاً متفق عليه وثمانية وثلاثون حديثاً صحيحاً أخرجها أحد الشيخين أو أصحاب السنن وتوجد ثلاثة أحاديث حسنة ارتقت بالشواهد إلى درجة الصحيح لغيره وإثنا عشر حديثاً حسنة.
ومن مجموع الأحاديث توجد عشرة آثار موقوفة والبقية كلها مرفوعة.
كما ذكرت أثناء البحث متابعات وشواهد كثيرة وأحاديث أخرى صحيحة مماثلةً لأنها وردت في الموضوع نفسه ولا حاجة لذكرها مستقلةً كما فعلت ذلك في ذكر الأحاديث الواردة في إعفاء اللحية وأخرى في اتخاذ القبور مساجد.
وقد توصلت إلى النتائج التالية بعد كتابة البحث:
١ - إن الإسلام يؤكد على سلامة نظافة الظاهر كما يؤكد على طهارة الباطن، ولأن الباطن له أثرٌ واضحٌ على ظاهر الإنسان، ونرى ذلك بوضوح أن الأحاديث التي وردت في اللباس والزينة والأخلاق والعادات أكثر من غيرها إذ بلغت تسعة وعشرين حديثاً، وهذا يدل على أن الإسلام يريد لنا استقلالاً كلياً عن اليهود والنصارى والمجوس ظاهراً وباطناً.
٢ - الحرص الشديد من رسول الله ﷺ في بيان كل صغيرة وكبيرةٍ تنفع المسلمين وتبيين استقلالهم عن غيرهم، وهذا يتضح بأنني وجدت من الأحاديث هذا العدد في هذه المسألة الواحدة فقط، مع أن بعض الناس لا يلقون لها أي اهتمام.
٣ - كما يتبين من هذه الدراسة أن الإسلام –رغم نهيه عن التشبه وموافقة الكفار- لا يمنع عن أخذ العلوم والتكنولوجيا الحديثة ما لم يعارض ذلك شرعنا، ويمكن بذلك أن نخدم الإسلام والمسلمين وننشر الدعوة الإسلامية وننقذ الإنسانية الحائرة، ونبين للعالم أن الإسلام ليس دين الجمود بل هو دينٌ يحث على التعلم والتفكر في خلق الله وتسخير نعم الله لخدمة الإسلام والمسلمين.
وأخيراً يجب على المسلمين أن يعلموا بأنه لا يمكن التخلص من هذه المشاكل إلا بالعودة إلى الكتاب والسنة والاقتناع الكامل بأنهما المصدران الأساسيان لاعتزازنا وفخرنا وسببان مهمان للنجاة في الدنيا والآخرة، وأن شريعتنا تحمل في طياتها كل خير، والعلاج لجميع مشاكلنا، ولا حاجة لنا أن نستورد المبادئ من غيرنا، وأن الهدف الوحيد الذي يريد المستعمر تحقيقه من فرض الحضارة الغربية علينا هو تدمير جميع الأسس الخلقية والمبادئ الإسلامية عندنا، وبذلك نبقى عالةً عليهم لا نفكر إلا بتفكيرهم ولا ندور إلا في فلكهم، وهم يعرفون أن الإسلام الصحيح يجعل من المسلمين قوةً لا يُستهان بها، وإذا اتحدوا تحت رايةً واحدةٍ فذلك نذير ببعث إسلامي جديد.
وأن تضامنهم سيدمر جميع أفكار المستعمرين التوسعية ويقضي على مؤامراتهم.
فالعلاج الوحيد هو العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وصدق من قال: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
стр. 804
الشرك في القديم والحديث
المؤلف/ المشرف: أبو بكر محمد زكريا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشيد ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: توحيد وشرك
الخاتمة
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمات، المؤيد بالمعجزات الباهرات، وعلى آله وصحبه أفضل البريات، وبعد:
فحيث استكملت هذه الرسالة أبوابها وفصولها، ومباحثها، ومطالبها، وفروعها، عبر خطة علمية مرسومة ومنهج علمي مدروس، فإنه من المناسب أن أسجل أهم النتائج التي توصلت إليها، على النحو التالي:
١ - أن حقيقة التوحيد: إفراد الله تعالى بإثبات ذاته، وأسمائه، وصفاته، وإفراد الله تعالى بالعبادة، والألوهية.
٢ - أن التوحيد له أجزاء ثلاثة: توحيد في الربوبية، توحيد في الأسماء والصفات، وتوحيد في عبادته وألوهيته.
٣ - أن لكل جزء من التوحيد ما يقابله مما يضاده.
٤ - أن أصل شُبَه من حاد عن التوحيد هو عدم تصور التوحيد الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وطلب من عباده تحقيقه.
٥ - أن الرب والإله كلمتان متغايرتان في اللغة، وفي مفهوم السلف، وفي لغة القرآن والسنة، وإن كان المقصود بهما واحد عند الجميع وهو الله سبحانه. ولكن بينهما فروق من حيث المعنى، ومن حيث اعتراف أغلب الناس بالأول دون الثاني، والخطأ في حقيقة التوحيد ناتج أيضاً من عدم تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئاً واحداً.
٦ - أن الشرك هو الذي يقابل التوحيد من جميع النواحي.
٧ - أن حقيقة الشرك: إثبات الند لله تعالى سواء كان في ربوبيته أو كان في أسمائه وصفاته، وأفعاله، أو كان في عبادته.
٨ - أن الشرك في الربوبية له ناحيتان: الناحية الأولى: تعطيل ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والناحية الثانية: تنديد وتمثيل ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، إما بإثبات ذات مماثل له سبحانه من مخلوقاته، أو أسماء مماثلة للآخرين، أوصفات مماثلة للمخلوقات، أو أفعال مماثلة للمخلوقات، وإما بتمثيل ذاته بذات المخلوقات، أوصفاته بصفات المخلوقات، أو أفعاله بأفعال المخلوقات.
٩ - أن الشرك في الألوهية هو الشرك في العبادة.
١٠ - أغلب الأخطاء في الشرك إنما هي ناتجة عن عدم تصور حقيقة العبادة.
١١ - أن العبادة لها إطلاقان: الأول: باعتبار المصدر (التعبد، أو فعل العابد): وبهذا الإطلاق معناها: ما يجتمع فيه الذل والخضوع مع الحب.
والإطلاق الثاني: باعتبار الاسم (المتعبد به): وبهذا الإطلاق هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، كما قال به شيخ الإسلام.
١٢ - أن العبادة بهذين الإطلاقين تشمل كيان الإنسان كله وجميع حياته أيضاً، فكل ما هو محبوب عند الله من أعمال العباد، وقد عمل بالحب والخضوع والذل فهي عبادة، سواء فعله لله أو فعله لغيره سبحانه.
١٣ - إذا تصور أحدنا حقيقة العبادة يتصور الشرك في العبادة بسهولة، ويعرف أبعادها، وأغوارها، ويعرف المبتلين بها في كل عصر ومصر، وفي كل زمان ومكان.
١٤ - أن الشرك باعتبار أحكامه ينقسم إلى قسمين: الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، فالأول مخرج من الملة، وأما الثاني: فلا يخرج عن الملة، ولكن هل هو تحت المشيئة أم لا؟ يبدو من كلام المحققين أنه تحت المشيئة. والمسألة خلافية، وترجح لدي أنه تحت المشيئة.
١٥ - أن الأصل في بني آدم التوحيد دون الشرك، بل كل ما يخالفه من الأقوال هراء صرف، ولغو مثير لا ينظر ولا يعول إليه مطلقاً، يدل عليه القرآن، والسنة، والفطرة، والعقل الصحيح، والأدلة الكونية، والأدلة العلمية الحديثة، وغيرها.
١٦ - أول شرك مطلقاً، هو شرك إبليس اللعين.
стр. 805
١٧ - أول شرك في بني آدم هو شرك قوم نوح على القول الصحيح. وآدم ﵇ بريء من الشرك، وكل ما نسب إليه فهو غير صحيح.
١٨ - أول شرك في بني آدم حصل بسبب الغلو في الصالحين، وبعبادة الصور والتماثيل والقبور.
١٩ - أول شرك كان في بني آدم كان في العبادة دون الربوبية.
٢٠ - الشرك في الأمم السابقة في أغلب الأوقات كان في العبادة دون الربوبية.
٢١ - وجد الشرك في الربوبية بالتعطيل في بعض الأمم السالفة، من أبرزها: شرك فرعون حيث قال بالتعطيل المطلق.
وأما تعطيل الرب عن أوصافه، وصفاته، فقد وقع فيه قوم عاد لمَّا قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً).
وهكذا يتضمنه شرك فرعون وشرك نمرود. ولكن الشرك بتعطيل الفعال فحدِّث عنه ولا حرج، فقد وقع فيه جل الأمم السابقة بإنكار البعث، والرسل، والحشر، والنشر، والشرع، وغيرها.
وأما تعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة توحيده، فقد وقع فيه فرعون على القول الصحيح، كما وقع فيه اليهود والنصارى.
٢٢ - وجد في شذوذ من الناس في الأمم السابقة: الشرك في الربوبية بإثبات الأنداد في الذات والصفات.
أما في الذات: فلعل من قال به أولاً هو نمرود بن كوش، وآخرهم فرعون ذي الأوتاد. وأما في أسماء الله : فلم أجد من وقع فيه غير اليهود، والنصارى. وأما في الصفات: فقد وقع فيه جملة من الأمم الذين رأوا التطير والسحر واعتراء آلهتهم على أحد بالسوء، فإن هذه كلها مما تضمنته صفة القدرة الكاملة لله سبحانه. وأشهر من صرح بالشرك في الصفات قوم عاد. ووقع فيه اليهود والنصارى من جهتين، من جهة إثبات صفات الباري للآخرين، ومن جهة إثبات صفات الخلق لله جلَّ شأنه.
وأما الشرك في الأفعال: فجل الأمم كان يشرك بالله في اتخاذ الشرائع -الذي هو محض حق الله جل وعلا وفعله- من الأصنام والصناديد، والملأ، والأحبار والرهبان في اليهود والنصارى. فهؤلاء كلهم وقعوا في الشرك في الربوبية في الفعال بالأنداد.
٢٣ - شرك العبادة في الأمم السابقة كان بالمعبودات الحسية غالباً، وذلك بالأصنام والأوثان، وربما كان بالأجرام السماوية، وربما كان بالأشياء الغير حسية.
وفيما يلي بيان ذلك:
الشرك بعبادة الصور والصالحين: وكان هذا مبدأ الشرك في البشرية، وكان في قوم نوح. والشرك بالعكوف على القبور: وأيضاً كان في قوم نوح، كما كان هذا في قوم إلياس ﵉.
والشرك بعبادة الأصنام: فهذا أيضاً كان في قوم نوح ﵇، وقوم هود ﵇، وقوم صالح ﵇، ولدى بعض قوم إبراهيم ﵇، وفي قوم يوسف ﵇، وقوم شعيب ﵇، وقوم إلياس ﵇، وقوم موسى ﵇ بعد موته.
والشرك بعبادة الكواكب: كان في قوم إبراهيم ﵇. والشرك بعبادة الهوى، وكان ذلك في قوم لوط ﵇، والشرك بعبادة الرؤساء والحيوانات: مثل ما وقع في موسى ﵇ في حياته وبعد مماته، وما حكى الله عن الملأ في جميع الأمم. والشرك بعبادة الأحبار والرهبان: ومظاهره في قوم موسى ﵇، وقوم عيسى ﵇، والشرك بعبادة عزير، وفي قوم عيسى بعبادة المسيح ﵇.
٢٤ - أما بالنسبة للشرك في العرب، فالصحيح الذي لا مرية فيه أن العرب كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉. ثم حدث فيهم الشرك.
٢٥ - عن أول شرك في العرب كان – على القول الصحيح – بيد عمرو بن لحي، وهو الذي سن عبادة الأصنام للعرب، ونصب الأوثان في أماكن كثيرة، وأمر الناس بعبادتهم.
٢٦ - وجد في العرب أنواع من الشرك في الربوبية والألوهية.
стр. 806
٢٧ - الشرك في الربوبية بالتعطيل المطلق كان في شذاذ من الناس في العرب. وهكذا الشرك في الأسماء والصفات كان في بعض الناس، وكان الغالب فيهم من أنواع الشرك التعطيل شرك تعطيل الله عن أفعاله من الحشر، والنشر، والبعث، والقضاء والقدر، والرسل، والشرع، وغيرها من أفعال الله الخالصة.
ولم يوجد على الصحيح شرك تعطيل الله عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
٢٨ - الشرك في الربوبية بالأنداد وجد في العرب بصفة عامة، أما الأنداد في الذات فإنه وإن لم يوجد من يثبت لله شريكاً مساوياً له، إلا أنه وجد من أثبت آلهة متعددة.
وأما الشرك في الأسماء والصفات، وقع فيه كثير من العرب من ناحيتين: من ناحية إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله لغير الله، ومن ناحية إثبات أسماء المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم لله سبحانه. أما في إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله، ففي الأسماء وجد من العرب من كان يسمي بالرحمن غير الله سبحانه.
وأما في الصفات فحدث عنه ولا حرج، ففي العرب من كان يثبت صفة القدرة الكاملة والعلم المحيط لكل شيء لغير الله، ومن مظاهر ذلك التطير والسحر، والتنجيم، والاستسقاء بالأنواء، والاستقسام بالأزلام، والتحكيم إلى الأصنام، والكهان، وأخذ التشريع من الرؤساء والصناديد والملأ، وغيرها، وأما في الأفعال، فقد كانت العرب تثبت حق التشريع للكهان والملأ، والصناديد، وغيرها.
٢٩ - الشرك في العبادة هو السمة الغالبة لدى العرب. فقد كانوا يشركون بالله في العبادة بعبادة أشياء حسية وأشياء غير حسية، أما الأشياء الحسية فمنها ما هي سماوية ومنها ما هو أرضية، ومن الأشياء الغير الحسية فمن مظاهره في العرب عبادة الهوى، وأما بالنسبة لأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم فقد كانوا يوجهون جميع أنواع العبادات سواء كانت من الأعمال القلبية أو كانت من الأقوال القلبية.
٣٠ - أما الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحاضر: فقد وجد في هذه الأمة وفي العصر الحاضر ألوان من الشرك في الربوبية وفي الألوهية.
٣١ - أما الشرك في الربوبية بالتعطيل: فقد وقع في التعطيل المطلق كثير من أبناء المسلمين باعتناق المبادئ الهدامة من الشيوعية والوجودية والداروينية والقومية والعلمانية.
وأما في تعطيل الصفات: فقد وقع فيه كثير من الفرق من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة (الموجودين في العصر الحاضر)، وكثير من الشيعة والفرق الخارجة عن الإسلام من فرق الباطنية. وأما في تعطيل الأفعال: فقد وقع فيه جملة من الفرق كالباطنية بجميع فرقها ونحلها، والروحية الحديثة وبعض الصوفية وبعض العلمانيين.
وأما الشرك بتعطيل الله عمَّا يجب على العبد من حقيقة التوحيد: فقد وقع فيه كثير من المتصوفة ومن تأثر بهم من الجهلة والعوام.
٣٢ - وأما الشرك في الربوبية بالأنداد: فقد وقع في الشرك في الربوبية بالأنداد في الذات كثير من الفرق الباطنية، وكثير من الشيعة الغلاة.
وأما في الأسماء: فلم أجد من تسمى باسم الإله إلا لدى بعض الباطنية. وأما في الصفات: فهذا الشرك هو الذي لا ساحل له في العصر الحاضر، فقد وقع فيه الشيعة عموماً، ووقع فيه المتصوفة عموماً، والجهلة من الناس، والمنادون بالعلمانية والقومية والوطنية والمتأثرين بهم.
стр. 807
فمثلاً: الشرك في صفة القدرة الكاملة: وقع فيه الشيعة الإمامية بإثبات القدرة الكاملة لأئمتهم، ووقع فيه المتصوفة بإثبات جميع أنواع التصرفات العامة والخاصة لأوليائهم، والمتورطون بالسحر، والتطير، والاستسقاء بالأنواء، وغيرهم. وهكذا الشرك في صفة العلم المحيط وقع فيه الشيعة الإمامية عموماً بإثبات علم الغيب لأئمتهم، ووقع فيه المتصوفة عموماً بإثبات علم الغيب للأنبياء والأولياء ومشايخ التصوف، ووقع فيه أصحاب الروحية الحديثة، وغيرهم ممن تأثر بهم. والمتورطون بالتنجيم، والاستقسام بالأزلام (بصورة جديدة) وغيرهم.
وهكذا الشرك في صفة الحكم والتشريع لله جلَّ شأنه، فقد وقع فيه الشيعة بإعطاء حق التشريع لأئمتهم، والمتصوفة بإعطاء حق التشريع لمشايخهم، وبعض الناس في العصر الحاضر بإعطاء حق التشريع والحكم للقوانين الوضعية، وللبرلمانات الفاجرة والكافرة، وبعض المقلدة لإمامه الذي يتبعه.
٣٣ - أما الشرك في العبادة في هذه الأمة وفي العصر الحاضر فهذا بحر لا ساحل له، فقد وقع فيه الشيعة عموماً، وأغلب الفرق المنحرفة عن الإسلام كالباطنية، ومن تأثر بهم، ووقع فيه كثير من الناس حتى بعض من يتَّزي بزي العلماء ويعتقد فيه الناس أنه من العلماء.
٣٤ - فنجد الشرك في الأعمال القلبية الخالصة: فقد وقع فيه أكثر المتصوفة، وبعض الجهلة من الناس، فكثير من الناس يحب غير الله مثل حب الله (حب العبادة) أو يحب غير الله مع حب الله، وكثير من الناس يرجو من دون الله، أو يرجو مع الله من غير الله، وكثير من الناس يخاف مع الله، أو يخاف غير الله (خوف السر) ويتوكل على غير الله.
ونرى كثيراً من الناس يشرك في إطاعة العبودية بأخذ التشريع والحكم من غير الله سبحانه، سواء كان ذلك الغير إماماً متبعاً أو شيخاً صوفياً أو قانوناً من قوانين الفجرة والفسقة، أو كان برلماناً من البرلمانات الديموقراطية الغربية.
٣٥ - ونجد الشرك في الأعمال القلبية التي تتعلق بالجوارح قد وقع فيه كثير من المتصوفة والعوام من الناس، بل بعض من يعرفه الناس بأنه من العلماء، فقد وجد في الأمة في العصر الحاضر من يعبد القبر، ويسجد له، ويسجد للقائد، ويسجد وينحني للعَلَم والبرلمان، ويركع أمام الصور التذكارية، وغيرها، وهذا أمر يصعب حصره.
стр. 808
الشفاعة عند أهل السنة والرد على المخالفين فيها
المؤلف/ المشرف: ناصر بن عبدالرحمن الجديع
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار أطلس - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: شفاعة وواسطة
الخاتمة: لعل من المفيد في خاتمة هذا الموضوع أن أبرز النتائج التي توصلت إليها من خلال ما تقدم بحثه، وذلك في النقاط الموجزة الآتية:
١ - أصل لفظة (الشفاعة) يدل على شم الشيئين ومقارنتهما، وأن الشفاعة مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر.
٢ - التعريف الجامع للشفاعة هو: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
٣ - الشفاعة في أمور الدنيا على نوعين: مستحب محمود ومحرم مذموم.
٤ - ثبوت الشفاعة بأنواعها يوم القيامة لدلالة القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع السلف الصالح من أهل السنة والجماعة.
٥ - أن الشفاعة يوم القيامة تتنوع من حيث الشفعاء، ومن حيث نوع الشفاعة.
٦ - للرسول ﷺ عدة أنواع من الشفاعة يوم القيامة، منها ما يختص به كالشفاعة العظمى والشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها، ومنها ما يكون عاماً له ولغيره، كالشفاعة في أهل الكبائر.
٧ - أن الله تعالى يأذن بالشفاعة يوم القيامة لغير النبي ﷺ من الشفعاء كالملائكة، والأنبياء، والمؤمنين، والشهداء، وأولاد المؤمنين، وكذلك فالصيام والقرآن يشفعان أيضاً يوم القيامة.
٨ - لا تحصل الشفاعة يوم القيامة إلا بعد تحقيق ثلاثة شروط وهي إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، ورضاه تعالى عن المشفوع له، وأن الله تعالى لا يرضى إلا عن أهل التوحيد. ٩ - أن الشفاعة عند الله تعالى ليست كالشفاعة عند البشر من عدة وجوه.
١٠ - هناك أسباب رغب فيها الشارع توصل صاحبها بإذن الله تعالى إلى نيل الشفاعة، ومنها: التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وقراءة القرآن، والصيام، والدعاء بما ورد عند الأذان، وسكنى المدينة النبوية، والصبر على لأوائها، والموت بها، والصلاة على النبي ﷺ ، وصلاة جماعة من المسلمين على الميت المسلم، وكثرة السجود.
١١ - أن زيارة قبر الرسول ﷺ وإن كانت مشروعة بدون شد رحل، لكنها ليست من أسباب الشفاعة، وأما ما نسب إلى الرسول ﷺ من ذلك في بعض الأحاديث فقد أبان المحققون من العلماء أنه لا يثبت منها شيء.
١٢ - أن طلب الشفاعة من الرسول ﷺ حال حياته جائز وواقع، سواء كان طلب الشفاعة في الأمور الدنيوية، أو طلب الشفاعة الأخروية، وكذا فإن الناس يطلبون الشفاعة من الرسول ﷺ يوم القيامة.
١٣ - أن طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته لا يجوز، وكذا غيره من الأنبياء والصالحين بعد موتهم، لا عند قبورهم ولا بعيداً عنها، وكذا الملائكة، لتعذر إجابتهم. ١٤ - أن الخوارج والمعتزلة قد أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، ولهم في ذلك عدة شبه نقلية وعقلية، وقد ناقشتها ورددت عليها بالتفصيل.
١٥ - أن القبوريين ونحوهم ممن يعظم الأموات قد أثبتوا الشفاعة لأوليائهم الأموات، وأنهم طلبوها منهم في الدنيا، كما طلبها المشركون من أصنامهم، والنصارى من رهبانهم، وأنهم قاسوا ذلك على الشفاعات الدنيوية المعروفة بين الناس، وذلك من حيث لزوم الشفاعة وتحقق وقوعها، وقد ناقشتهم ورددت عليهم.
وأخيراً لعله اتضح لنا جلياً من خلال عرض مذهب أهل السنة والجماعة في موضوع الشفاعة ومذاهب المخالفين أن أهل السنة أسعد بالدليل وأحرص على الحق من غيرهم، وأنهم وسط بين المخالفين، فنسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين
стр. 809
الصارم البتار على شاتم سيد الأبرار
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن سليمان المهنا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: سب الرسول
الخاتمة
اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه وأولها: الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وشاهد هذا قوله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾
وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وإسخاط العباد في رضى الله تعالى فمن اتصف بهذه الصفات فهو كامل المحبة لله ورسوله ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها ومن علامة محبته ﷺ الشوق إلى لقائه فكل حبيب يحب لقاء حبيبه وفي حديث الأشعريّين عند قدومهم المدينة كانوا يرتجزون
غدا نلقى الأحبة – محمد وصحبه
ومنها محبته لمن أحب النبي ﷺ من آله وأصحابه من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم فمن أحب شيئا أحب من يحب وقد قال ﷺ " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم " ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهؤلاء أصحابه قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته وقال له عبد الله بن عبد الله بن أبي: لو شئت لأتيتك برأسه يعني أباه ومنها أن حب القرآن الذي أتى به ﷺ وهدى به واهتدى وتخلق به حتى قالت عائشة ﵂ " كان خلقه القرآن " وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ويحب سنته ويقف عند حدودها قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن حب النبي ﷺ وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا
وقال ابن مسعود ﵁: لا يسأل أحد نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله
ومن علامات محبته ﷺ النصيحة لله ورسوله فعن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال " الدين النصيحة " قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
فنصيحة الله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية ووصفه بما هو أهله وتنزيهه عما لا يجوز عليه والرغبة في محابه والبعد من مساخطه والإخلاص في عبادته والنصيحة لكتابه الإيمان به والعمل بما فيه وتحسين تلاوته والتخشع عنده والتعظم له وتفهمه والتفقه فيه والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه وموازرته وحمايته ونصرته حيا وميتا وإحياء سنته بالطلب والذب عنها ونشرها والتخلق بأخلاقه الكريمة وآدابه الجميلة ومعاداة من عاداه والتزام التوقير له والإجلال وشدة المحبة له والمثابرة على تعلم سنته والتفقه في شريعته ومحبة آله وأصحابه ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها وبغضه والتحذير منه والشفقة على أمته والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه والصبر على ذلك
وأما النصح لأئمة المسلمين فطاعتهم في الحق ومعونتهم فيه وأمرهم وتذكيرهم إياه على أحسن وجه وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم من أمور المسلمين وترك الخروج عليهم وإغراء الناس وإفساد قلوبهم عليهم والنصح لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ومعونتهم في أمر دينهم ودنياهم بالقول والفعل وتنبيه غافلهم وتبصير جاهلهم وإعانة محتاجهم وستر عوراتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع إليهم
هذه بعض ثمرات محبته ﷺ نسأل الله أن يجعلنا من الذين يحبون الله ورسوله ومن الذين ينصرون الله ورسوله
وشق له من اسمه ليجله / فذو العرش محمود وهذا محمد نبي أتانا بعد يأس وفترة / من الرسل والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجا مستنيرا وهادياً يلوح كما لاح الصقيل المهندُ
وأنذرنا نارا وبشر جنة وعلمنا الإسلام فالله نحمدُ
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين
صلى الإله ومن يحف بعرشهِ والطيبون على المبارك أحمدِ
стр. 810
الصفات الإلهية تعريفها - أقسامها
المؤلف/ المشرف: محمد بن خليفة التميمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: أضواء السلف - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: أسماء وصفات - أعمال شاملة
خاتمة: بعد هذا العرض لتعريف الصفات وبيان أقسامها والمسائل المتعلقة بذلك أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، فأقول:
أولاً: إن ضابط الصفات الإلهية عند أهل السنة هو: ما قام بالذات الإلهية ووردت به نصوص القرآن والسنة.
فأهل السنة يثبتون قيام الصفات بالذات سواء الذاتية منها أو الفعلية.
ثانيا: يشترط لثبوت الصفات ورود النص من القرآن أو السنة بذلك فباب الصفات توقيفي. ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
١ - التصريح بالصفة.
٢ - تضمن الاسم للصفة.
٣ - التصريح بفعل أو وصف دال عليها.
ثالثاً: أن كل واحد من لفظ "الوصف" أو "الصفة" لا فرق بينهما عند أهل السنة، وأنهما قد يراد بهما الكلام الذي يوصف به الموصوف أو المعاني التي يدل عليها الكلام. بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين جعلوا الصفات مجرد القول الذي يعبر به عن الموصوف من غير قيام معنى. وبخلاف الصفاتية الذين يجعلون الوصف: هو القول، والصفة: هو المعنى القائم بالموصوف، فيفرقون بين الوصف والصفة. رابعاً: المضافات إلى الله على نوعين هما:
١ - إضافة الملك.
٢ - إضافة صفة. وصفات الله من إضافة الصفة إلى الموصوف، فتكون قائمة به سبحانه. بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين لا يعترفون بالقسم الثاني من أقسام الإضافة إلى الله، فردوا جميع ما يضاف إلى الله من الصفات إلى إضافة الخلق أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. وبخلاف قول الصفاتية من الكلابية ومن وافقهم الذين ينكرون قيام صفات الأفعال بالذات ويجعلون إضافتها إلى الله على أنها نسب إضافية عديمة.
خامساً: يشتمل توحيد الأسماء والصفات على ثلاثة أبواب:
١ - باب الأسماء.
٢ - باب الصفات.
٣ - باب الإخبار.
وباب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع منهما.
سادساً: أن الألفاظ التي لم ترد بها النصوص لا تدخل في باب الصفات وإنما هي داخلة في باب الإخبار، ولأهل السنة ضوابط في ذلك تقدم تفصيلها.
سابعاً: تنقسم الصفات عموماً إلى قسمين:
١ - صفات نقص.
٢ - صفات كمال. والله موصوف بالكمال ومنزه عن صفات النقص.
ثامناً: تنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى قسمين: ١ - الصفات الثبوتية.
٢ - الصفات السلبية.
والأصل في هذا الباب صفات الإثبات وأما الصفات المنفية فهي تابعة للصفات الثبوتية ومكملة لها.
تاسعاً: تنقسم الصفات السلبية إلى قسمين:
القسم الأول: سلب متصل. القسم الثاني: سلب منفصل. عاشراً: تنقسم الصفات الثبوتية من جهة تعلقها بالله إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الذاتية. القسم الثاني: الصفات الفعلية. وكل من النوعين يجتمعان في أنهما صفات الله تعالى أزلاً وأبداً، لم يزل ولا يزال متصفاً بها ماضيا ومستقبلاً. الحادي عشر: تنقسم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات اللازمة وهي على نوعين:
١ - ذاتية. ٢ - معنوية.
القسم الثاني: الصفات العارضة.
الثاني عشر: الصفات الاختيارية أعم من الفعلية، فكل صفة فعلية فهي اختيارية وليس العكس.
الثالث عشر: تنقسم الصفات الثبوتية باعتبار أدلتها إلى قسمين: القسم الأول: صفات شرعية عقلية، وهي ما اشترك في إثباتها الدليل العقلي مع الدليل الشرعي.
القسم الثاني: الصفات الخبرية. وهي ما اقتصر في إثباتها الدليل الشرعي فقط.
الرابع عشر: ينكر الغلاة من المعطلة الصفات الثبوتية ومن أقر منهم بالصفات السلبية قسمها إلى ثلاثة أقسام:
١ - صفات سلبية محضة.
٢ - صفات إضافية محضة.
٣ - صفات مركبة من سلب وإضافة.
الخامس عشر: يتفق الكلابية وقدماء الأشاعرة مع أهل السنة في طريقة تقسيمهم للصفات، ولكن يخالفونهم في القدر المثبت. السادس عشر: يقسم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الصفات إلى أربعة أقسام هي:
١ - صفات المعاني.
٢ - الصفات المعنوية.
٣ - الصفات السلبية.
٤ - الصفات النفسية.
وليس عندهم من الإثبات إلا صفات المعاني السبع وهي العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وفي الختام، فهذا جهدي أقدمه للقراء فما كان فيه من صواب فمن فضل الله ، وما كان فيه من خطأ فمني وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم