٢٧ - الشرك في الربوبية بالتعطيل المطلق كان في شذاذ من الناس في العرب. وهكذا الشرك في الأسماء والصفات كان في بعض الناس، وكان الغالب فيهم من أنواع الشرك التعطيل شرك تعطيل الله عن أفعاله من الحشر، والنشر، والبعث، والقضاء والقدر، والرسل، والشرع، وغيرها من أفعال الله الخالصة.
ولم يوجد على الصحيح شرك تعطيل الله عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
٢٨ - الشرك في الربوبية بالأنداد وجد في العرب بصفة عامة، أما الأنداد في الذات فإنه وإن لم يوجد من يثبت لله شريكاً مساوياً له، إلا أنه وجد من أثبت آلهة متعددة.
وأما الشرك في الأسماء والصفات، وقع فيه كثير من العرب من ناحيتين: من ناحية إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله لغير الله، ومن ناحية إثبات أسماء المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم لله سبحانه. أما في إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله، ففي الأسماء وجد من العرب من كان يسمي بالرحمن غير الله سبحانه.
وأما في الصفات فحدث عنه ولا حرج، ففي العرب من كان يثبت صفة القدرة الكاملة والعلم المحيط لكل شيء لغير الله، ومن مظاهر ذلك التطير والسحر، والتنجيم، والاستسقاء بالأنواء، والاستقسام بالأزلام، والتحكيم إلى الأصنام، والكهان، وأخذ التشريع من الرؤساء والصناديد والملأ، وغيرها، وأما في الأفعال، فقد كانت العرب تثبت حق التشريع للكهان والملأ، والصناديد، وغيرها.
٢٩ - الشرك في العبادة هو السمة الغالبة لدى العرب. فقد كانوا يشركون بالله في العبادة بعبادة أشياء حسية وأشياء غير حسية، أما الأشياء الحسية فمنها ما هي سماوية ومنها ما هو أرضية، ومن الأشياء الغير الحسية فمن مظاهره في العرب عبادة الهوى، وأما بالنسبة لأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم فقد كانوا يوجهون جميع أنواع العبادات سواء كانت من الأعمال القلبية أو كانت من الأقوال القلبية.
٣٠ - أما الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحاضر: فقد وجد في هذه الأمة وفي العصر الحاضر ألوان من الشرك في الربوبية وفي الألوهية.
٣١ - أما الشرك في الربوبية بالتعطيل: فقد وقع في التعطيل المطلق كثير من أبناء المسلمين باعتناق المبادئ الهدامة من الشيوعية والوجودية والداروينية والقومية والعلمانية.
وأما في تعطيل الصفات: فقد وقع فيه كثير من الفرق من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة (الموجودين في العصر الحاضر)، وكثير من الشيعة والفرق الخارجة عن الإسلام من فرق الباطنية. وأما في تعطيل الأفعال: فقد وقع فيه جملة من الفرق كالباطنية بجميع فرقها ونحلها، والروحية الحديثة وبعض الصوفية وبعض العلمانيين.
وأما الشرك بتعطيل الله عمَّا يجب على العبد من حقيقة التوحيد: فقد وقع فيه كثير من المتصوفة ومن تأثر بهم من الجهلة والعوام.
٣٢ - وأما الشرك في الربوبية بالأنداد: فقد وقع في الشرك في الربوبية بالأنداد في الذات كثير من الفرق الباطنية، وكثير من الشيعة الغلاة.
وأما في الأسماء: فلم أجد من تسمى باسم الإله إلا لدى بعض الباطنية. وأما في الصفات: فهذا الشرك هو الذي لا ساحل له في العصر الحاضر، فقد وقع فيه الشيعة عموماً، ووقع فيه المتصوفة عموماً، والجهلة من الناس، والمنادون بالعلمانية والقومية والوطنية والمتأثرين بهم.
стр. 807
فمثلاً: الشرك في صفة القدرة الكاملة: وقع فيه الشيعة الإمامية بإثبات القدرة الكاملة لأئمتهم، ووقع فيه المتصوفة بإثبات جميع أنواع التصرفات العامة والخاصة لأوليائهم، والمتورطون بالسحر، والتطير، والاستسقاء بالأنواء، وغيرهم. وهكذا الشرك في صفة العلم المحيط وقع فيه الشيعة الإمامية عموماً بإثبات علم الغيب لأئمتهم، ووقع فيه المتصوفة عموماً بإثبات علم الغيب للأنبياء والأولياء ومشايخ التصوف، ووقع فيه أصحاب الروحية الحديثة، وغيرهم ممن تأثر بهم. والمتورطون بالتنجيم، والاستقسام بالأزلام (بصورة جديدة) وغيرهم.
وهكذا الشرك في صفة الحكم والتشريع لله جلَّ شأنه، فقد وقع فيه الشيعة بإعطاء حق التشريع لأئمتهم، والمتصوفة بإعطاء حق التشريع لمشايخهم، وبعض الناس في العصر الحاضر بإعطاء حق التشريع والحكم للقوانين الوضعية، وللبرلمانات الفاجرة والكافرة، وبعض المقلدة لإمامه الذي يتبعه.
٣٣ - أما الشرك في العبادة في هذه الأمة وفي العصر الحاضر فهذا بحر لا ساحل له، فقد وقع فيه الشيعة عموماً، وأغلب الفرق المنحرفة عن الإسلام كالباطنية، ومن تأثر بهم، ووقع فيه كثير من الناس حتى بعض من يتَّزي بزي العلماء ويعتقد فيه الناس أنه من العلماء.
٣٤ - فنجد الشرك في الأعمال القلبية الخالصة: فقد وقع فيه أكثر المتصوفة، وبعض الجهلة من الناس، فكثير من الناس يحب غير الله مثل حب الله (حب العبادة) أو يحب غير الله مع حب الله، وكثير من الناس يرجو من دون الله، أو يرجو مع الله من غير الله، وكثير من الناس يخاف مع الله، أو يخاف غير الله (خوف السر) ويتوكل على غير الله.
ونرى كثيراً من الناس يشرك في إطاعة العبودية بأخذ التشريع والحكم من غير الله سبحانه، سواء كان ذلك الغير إماماً متبعاً أو شيخاً صوفياً أو قانوناً من قوانين الفجرة والفسقة، أو كان برلماناً من البرلمانات الديموقراطية الغربية.
٣٥ - ونجد الشرك في الأعمال القلبية التي تتعلق بالجوارح قد وقع فيه كثير من المتصوفة والعوام من الناس، بل بعض من يعرفه الناس بأنه من العلماء، فقد وجد في الأمة في العصر الحاضر من يعبد القبر، ويسجد له، ويسجد للقائد، ويسجد وينحني للعَلَم والبرلمان، ويركع أمام الصور التذكارية، وغيرها، وهذا أمر يصعب حصره.
стр. 808
الشفاعة عند أهل السنة والرد على المخالفين فيها
المؤلف/ المشرف: ناصر بن عبدالرحمن الجديع
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار أطلس - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: شفاعة وواسطة
الخاتمة: لعل من المفيد في خاتمة هذا الموضوع أن أبرز النتائج التي توصلت إليها من خلال ما تقدم بحثه، وذلك في النقاط الموجزة الآتية:
١ - أصل لفظة (الشفاعة) يدل على شم الشيئين ومقارنتهما، وأن الشفاعة مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر.
٢ - التعريف الجامع للشفاعة هو: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
٣ - الشفاعة في أمور الدنيا على نوعين: مستحب محمود ومحرم مذموم.
٤ - ثبوت الشفاعة بأنواعها يوم القيامة لدلالة القرآن الكريم والسنة النبوية وإجماع السلف الصالح من أهل السنة والجماعة.
٥ - أن الشفاعة يوم القيامة تتنوع من حيث الشفعاء، ومن حيث نوع الشفاعة.
٦ - للرسول ﷺ عدة أنواع من الشفاعة يوم القيامة، منها ما يختص به كالشفاعة العظمى والشفاعة في استفتاح باب الجنة لأهلها، ومنها ما يكون عاماً له ولغيره، كالشفاعة في أهل الكبائر.
٧ - أن الله تعالى يأذن بالشفاعة يوم القيامة لغير النبي ﷺ من الشفعاء كالملائكة، والأنبياء، والمؤمنين، والشهداء، وأولاد المؤمنين، وكذلك فالصيام والقرآن يشفعان أيضاً يوم القيامة.
٨ - لا تحصل الشفاعة يوم القيامة إلا بعد تحقيق ثلاثة شروط وهي إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، ورضاه تعالى عن المشفوع له، وأن الله تعالى لا يرضى إلا عن أهل التوحيد. ٩ - أن الشفاعة عند الله تعالى ليست كالشفاعة عند البشر من عدة وجوه.
١٠ - هناك أسباب رغب فيها الشارع توصل صاحبها بإذن الله تعالى إلى نيل الشفاعة، ومنها: التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وقراءة القرآن، والصيام، والدعاء بما ورد عند الأذان، وسكنى المدينة النبوية، والصبر على لأوائها، والموت بها، والصلاة على النبي ﷺ ، وصلاة جماعة من المسلمين على الميت المسلم، وكثرة السجود.
١١ - أن زيارة قبر الرسول ﷺ وإن كانت مشروعة بدون شد رحل، لكنها ليست من أسباب الشفاعة، وأما ما نسب إلى الرسول ﷺ من ذلك في بعض الأحاديث فقد أبان المحققون من العلماء أنه لا يثبت منها شيء.
١٢ - أن طلب الشفاعة من الرسول ﷺ حال حياته جائز وواقع، سواء كان طلب الشفاعة في الأمور الدنيوية، أو طلب الشفاعة الأخروية، وكذا فإن الناس يطلبون الشفاعة من الرسول ﷺ يوم القيامة.
١٣ - أن طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته لا يجوز، وكذا غيره من الأنبياء والصالحين بعد موتهم، لا عند قبورهم ولا بعيداً عنها، وكذا الملائكة، لتعذر إجابتهم. ١٤ - أن الخوارج والمعتزلة قد أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر، ولهم في ذلك عدة شبه نقلية وعقلية، وقد ناقشتها ورددت عليها بالتفصيل.
١٥ - أن القبوريين ونحوهم ممن يعظم الأموات قد أثبتوا الشفاعة لأوليائهم الأموات، وأنهم طلبوها منهم في الدنيا، كما طلبها المشركون من أصنامهم، والنصارى من رهبانهم، وأنهم قاسوا ذلك على الشفاعات الدنيوية المعروفة بين الناس، وذلك من حيث لزوم الشفاعة وتحقق وقوعها، وقد ناقشتهم ورددت عليهم.
وأخيراً لعله اتضح لنا جلياً من خلال عرض مذهب أهل السنة والجماعة في موضوع الشفاعة ومذاهب المخالفين أن أهل السنة أسعد بالدليل وأحرص على الحق من غيرهم، وأنهم وسط بين المخالفين، فنسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم إنه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين
стр. 809
الصارم البتار على شاتم سيد الأبرار
المؤلف/ المشرف: عبدالله بن سليمان المهنا
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: سب الرسول
الخاتمة
اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان مدعيا فالصادق في حب النبي ﷺ من تظهر علامة ذلك عليه وأولها: الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وشاهد هذا قوله تعالى ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾
وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وإسخاط العباد في رضى الله تعالى فمن اتصف بهذه الصفات فهو كامل المحبة لله ورسوله ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها ومن علامة محبته ﷺ الشوق إلى لقائه فكل حبيب يحب لقاء حبيبه وفي حديث الأشعريّين عند قدومهم المدينة كانوا يرتجزون
غدا نلقى الأحبة – محمد وصحبه
ومنها محبته لمن أحب النبي ﷺ من آله وأصحابه من المهاجرين والأنصار وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم فمن أحب شيئا أحب من يحب وقد قال ﷺ " آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم " ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهؤلاء أصحابه قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته وقال له عبد الله بن عبد الله بن أبي: لو شئت لأتيتك برأسه يعني أباه ومنها أن حب القرآن الذي أتى به ﷺ وهدى به واهتدى وتخلق به حتى قالت عائشة ﵂ " كان خلقه القرآن " وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ويحب سنته ويقف عند حدودها قال سهل بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن حب النبي ﷺ وعلامة حب النبي ﷺ حب السنة وعلامة حب السنة حب الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا
وقال ابن مسعود ﵁: لا يسأل أحد نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله
ومن علامات محبته ﷺ النصيحة لله ورسوله فعن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال " الدين النصيحة " قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم
فنصيحة الله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية ووصفه بما هو أهله وتنزيهه عما لا يجوز عليه والرغبة في محابه والبعد من مساخطه والإخلاص في عبادته والنصيحة لكتابه الإيمان به والعمل بما فيه وتحسين تلاوته والتخشع عنده والتعظم له وتفهمه والتفقه فيه والذب عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين والنصيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه وموازرته وحمايته ونصرته حيا وميتا وإحياء سنته بالطلب والذب عنها ونشرها والتخلق بأخلاقه الكريمة وآدابه الجميلة ومعاداة من عاداه والتزام التوقير له والإجلال وشدة المحبة له والمثابرة على تعلم سنته والتفقه في شريعته ومحبة آله وأصحابه ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها وبغضه والتحذير منه والشفقة على أمته والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه والصبر على ذلك
وأما النصح لأئمة المسلمين فطاعتهم في الحق ومعونتهم فيه وأمرهم وتذكيرهم إياه على أحسن وجه وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم من أمور المسلمين وترك الخروج عليهم وإغراء الناس وإفساد قلوبهم عليهم والنصح لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ومعونتهم في أمر دينهم ودنياهم بالقول والفعل وتنبيه غافلهم وتبصير جاهلهم وإعانة محتاجهم وستر عوراتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع إليهم
هذه بعض ثمرات محبته ﷺ نسأل الله أن يجعلنا من الذين يحبون الله ورسوله ومن الذين ينصرون الله ورسوله
وشق له من اسمه ليجله / فذو العرش محمود وهذا محمد نبي أتانا بعد يأس وفترة / من الرسل والأوثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجا مستنيرا وهادياً يلوح كما لاح الصقيل المهندُ
وأنذرنا نارا وبشر جنة وعلمنا الإسلام فالله نحمدُ
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين
صلى الإله ومن يحف بعرشهِ والطيبون على المبارك أحمدِ
стр. 810
الصفات الإلهية تعريفها - أقسامها
المؤلف/ المشرف: محمد بن خليفة التميمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: أضواء السلف - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٢هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: أسماء وصفات - أعمال شاملة
خاتمة: بعد هذا العرض لتعريف الصفات وبيان أقسامها والمسائل المتعلقة بذلك أعرض أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، فأقول:
أولاً: إن ضابط الصفات الإلهية عند أهل السنة هو: ما قام بالذات الإلهية ووردت به نصوص القرآن والسنة.
فأهل السنة يثبتون قيام الصفات بالذات سواء الذاتية منها أو الفعلية.
ثانيا: يشترط لثبوت الصفات ورود النص من القرآن أو السنة بذلك فباب الصفات توقيفي. ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:
١ - التصريح بالصفة.
٢ - تضمن الاسم للصفة.
٣ - التصريح بفعل أو وصف دال عليها.
ثالثاً: أن كل واحد من لفظ "الوصف" أو "الصفة" لا فرق بينهما عند أهل السنة، وأنهما قد يراد بهما الكلام الذي يوصف به الموصوف أو المعاني التي يدل عليها الكلام. بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين جعلوا الصفات مجرد القول الذي يعبر به عن الموصوف من غير قيام معنى. وبخلاف الصفاتية الذين يجعلون الوصف: هو القول، والصفة: هو المعنى القائم بالموصوف، فيفرقون بين الوصف والصفة. رابعاً: المضافات إلى الله على نوعين هما:
١ - إضافة الملك.
٢ - إضافة صفة. وصفات الله من إضافة الصفة إلى الموصوف، فتكون قائمة به سبحانه. بخلاف قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم الذين لا يعترفون بالقسم الثاني من أقسام الإضافة إلى الله، فردوا جميع ما يضاف إلى الله من الصفات إلى إضافة الخلق أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. وبخلاف قول الصفاتية من الكلابية ومن وافقهم الذين ينكرون قيام صفات الأفعال بالذات ويجعلون إضافتها إلى الله على أنها نسب إضافية عديمة.
خامساً: يشتمل توحيد الأسماء والصفات على ثلاثة أبواب:
١ - باب الأسماء.
٢ - باب الصفات.
٣ - باب الإخبار.
وباب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع منهما.
سادساً: أن الألفاظ التي لم ترد بها النصوص لا تدخل في باب الصفات وإنما هي داخلة في باب الإخبار، ولأهل السنة ضوابط في ذلك تقدم تفصيلها.
سابعاً: تنقسم الصفات عموماً إلى قسمين:
١ - صفات نقص.
٢ - صفات كمال. والله موصوف بالكمال ومنزه عن صفات النقص.
ثامناً: تنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى قسمين: ١ - الصفات الثبوتية.
٢ - الصفات السلبية.
والأصل في هذا الباب صفات الإثبات وأما الصفات المنفية فهي تابعة للصفات الثبوتية ومكملة لها.
تاسعاً: تنقسم الصفات السلبية إلى قسمين:
القسم الأول: سلب متصل. القسم الثاني: سلب منفصل. عاشراً: تنقسم الصفات الثبوتية من جهة تعلقها بالله إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الذاتية. القسم الثاني: الصفات الفعلية. وكل من النوعين يجتمعان في أنهما صفات الله تعالى أزلاً وأبداً، لم يزل ولا يزال متصفاً بها ماضيا ومستقبلاً. الحادي عشر: تنقسم الصفات الثبوتية كذلك إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات اللازمة وهي على نوعين:
١ - ذاتية. ٢ - معنوية.
القسم الثاني: الصفات العارضة.
الثاني عشر: الصفات الاختيارية أعم من الفعلية، فكل صفة فعلية فهي اختيارية وليس العكس.
الثالث عشر: تنقسم الصفات الثبوتية باعتبار أدلتها إلى قسمين: القسم الأول: صفات شرعية عقلية، وهي ما اشترك في إثباتها الدليل العقلي مع الدليل الشرعي.
القسم الثاني: الصفات الخبرية. وهي ما اقتصر في إثباتها الدليل الشرعي فقط.
الرابع عشر: ينكر الغلاة من المعطلة الصفات الثبوتية ومن أقر منهم بالصفات السلبية قسمها إلى ثلاثة أقسام:
١ - صفات سلبية محضة.
٢ - صفات إضافية محضة.
٣ - صفات مركبة من سلب وإضافة.
الخامس عشر: يتفق الكلابية وقدماء الأشاعرة مع أهل السنة في طريقة تقسيمهم للصفات، ولكن يخالفونهم في القدر المثبت. السادس عشر: يقسم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الصفات إلى أربعة أقسام هي:
١ - صفات المعاني.
٢ - الصفات المعنوية.
٣ - الصفات السلبية.
٤ - الصفات النفسية.
وليس عندهم من الإثبات إلا صفات المعاني السبع وهي العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وفي الختام، فهذا جهدي أقدمه للقراء فما كان فيه من صواب فمن فضل الله ، وما كان فيه من خطأ فمني وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 811
التأويل في غريب الحديث من خلال كتاب النهاية لابن الأثير
المؤلف/ المشرف: علي بن عمر بن محمد
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد – الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٣٠هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: تأويل
الخاتمة:
ففي ختام هذا البحث أبين أهم ما توصلت إليه من نتائج وهي:
١ - بيان معنى الغريب، وبعض ما ألف فيه من مطبوع، أو مخطوط، أو مفقود.
٢ - شمولية كتاب النهاية، واعتماده على أهم الكتب في الغريب.
٣ - أشعرية ابن الأثير في باب أسماء الله وصفاته.
٤ - إيضاح معاني التأويل عند السلف، وعند المتكلمين وبدايات دخول هذا المعنى في كتب اللغة.
٥ - غريب الحديث للخطابي كانت به بدايات دخول التأويل إلى غريب الحديث.
٦ - ذكر المعاني الصحيحة لأسماء الله تعالى، ولا يصح تأويل شيء منها.
٧ - أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، لا تؤخذ من غير النصوص الشرعية الثابتة.
٨ - تأويل ابن الأثير لبعض صفات الله تعالى الذاتية والفعلية.
٩ - وجوب حمل النصوص على ظاهرها، المتبادر منها. ولا يصح حملها على المجاز والتمثيل إلا بدليل.
١٠ - أن إثبات صفات الله تعالى. لا يلزم منها مشابهة الخالق بالمخلوق.
١١ - إجماع السلف على إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسول من غير تأويل أو تعطيل.
١٢ - عدم جواز تأويل صفة، بصفة أخرى، لأن ذلك تعطيل للصفة الأولى.
١٣ - مخالفة أهل التأويل للكتاب والسنة، وآثار سلف الأمة.
١٤ - تأويلات ابن الأثير خاصة وأهل الكلام عامة، إنما هو جناية على النصوص، وعلى اللسان العربي القويم. فهذه التأويلات لا يوافقها نص شرعي، ولا لسان عربي.
١٥ - سلامة كتابي أبي عبيد القاسم بن سلام، وابن قتيبة من التأويل, بخلاف كتابي الخطابي والزمخشري الذين وجد فيهما بعض التأويلات.
١٦ - إثبات آثار تأويلات ابن الأثير على أصحاب المعاجم، وشروح الحديث, وكتب العقائد بالإجمال.
١٧ - غزارة الفوائد العلمية في كتب الغريب، لكن المطلع عليها يجب أن يكون على حذر مما قد يكون فيها من تأويلات.
١٨ - كتاب النهاية يحتاج إلى تحقيق علمي يوضح الصحيح منه والضعيف ويزاد في بعض المعاني التي ذكرها المؤلف، ويكشف عن المعمى منه, ويبين ما فيه من خطأ أو سبق.
стр. 812
التبرك أنواعه وأحكامه
المؤلف/ المشرف: ناصر بن محمد الجديع
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الرشد - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٤١١هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: ألوهية - تبرك
بعد أن منّ الله تعالى عليّ بإتمام كتابة موضوع البحث (التبرك: أنواعه وأحكامه) - بتوفيق الله تعالى- استخلص أبرز نقاط البحث وأهم نتائجه فيما يأتي:
أولاً: في مباحث التمهيد:
١) أن كل خير وبركة في الموجودات فهو من الله ﵎، وأنه يختص بعض خلقه بما يشاء من ذلك.
٢) البركة في اللغة العربية تطلق على الثبوت واللزوم، وعلى النماء والزيادة، وفي القرآن والسنة بمعنى ثبوت الخير ودوامه، أو كثرة الخير وزيادته، أو اجتماعهما معا.
٣) أن لفظ (تبارك) لا يوصف به إلا الله ﵎.
٤) التبرك مشروع في الإسلام، ولكن ليس مشروعاً على الإطلاق، بل إن منه ما هو ممنوع.
ثانياً: في مباحث الباب الأول:
١) أن البركة تنقسم إلى قسمين: دينية ودنيوية.
٢) من أعظم الأمور المباركة القرآن الكريم، ويتضمن خيرات كثيرة دينية ودنيوية.
٣) أفضلية الرسول ﷺ ، وأنه مبارك في ذاته وفي أفعاله وفي آثاره ﷺ ، وبركاته تتضمن البركة الدينية والدنيوية.
٤) فضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنهم أصحاب خير وبركة على الناس في دنياهم وأخراهم.
٥) فضل الملائكة ﵈، وأن لهم بركات عديدة على المؤمنين.
٦) فضل الصالحين، وأن لهم منافع وبركات على غيرهم دينية ودنيوية.
٧) فضل المساجد الثلاثة، وأفضلية الصلاة فيها، واختصاصها بجواز شد الرحل إليها.
٨) فضل المشاعر المقدسة في مكة المكرمة، وبركة الأعمال الصالحة فيها إذا أديت على الوجه المشروع.
٩) اختصاص المدينة المنورة بفضائل وبركات عظيمة، وفضل الصلاة في مسجد قباء.
١٠) فضل وبركة سائر المساجد.
١١) تميّز شهر رمضان بعدة فضائل وبركات، وأفضلية ليلة القدر وبركتها.
١٢) فضل وبركة عشر ذي الحجة، وأيام التشريق، والأشهر الحرم، ويوم الجمعة والاثنين والخميس، ووقت النزول الإلهي.
١٣) بركة بلاد الشام، واليمن.
١٤) بركة المطر، وشجرة الزيتون، واللبن، والخيل، والغنم، والنخل.
ثالثاً: في مباحث الباب الثاني:
١) أن لذكر الله تعالى - بمختلف أنواعه- بركات دينية ودنيوية.
٢) فضل وبركة تلاوة القرآن الكريم.
٣) أن الرقية بالقرآن الكريم أو بذكر الله –إذا كانت على الوجه المشروع- من أعظم أسباب العلاج والشفاء لكثير من الأمراض الحسية والمعنوية، بل إنها من أسباب الوقاية أيضاً.
٤) لا بأس بالرقية عن طريق القراءة في الماء، أما الرقية عن طريق الكتابة في الإناء ونحوه فالأولى تركه.
٥) أن القول الأقرب والأحوط هو عدم جواز تعليق التمائم التي من القرآن أو الذكر.
٦) لا ينبغي تعليق الآيات أو الأذكار على الجدران ونحوها للتبرك، لأنه من البدع، وكذا وضع المصحف في مكان ما للتبرك.
٧) ثبوت تبرك الصحابة ﵃ بذات النبي ﷺ الكريمة وبآثاره الشريفة في حياته، وإقراره ﷺ إياهم على ذلك، وثبوت تبركهم أيضاً وتبرك التابعين بآثاره ﷺ بعد وفاته.
٨) أن ما يُدّعى الآن عند بعض الأشخاص أو في بعض المواضع من وجود بعض الآثار النبوية –كالشعرات أو النعال أو غيرها- موضع شك كبير، وأنه يصعب ويُستبعد إثبات صحة نسبتها إلى الرسول ﷺ على وجه القطع واليقين.
٩) عدم صحة ما رآه بعض العلماء من جواز التبرك بذوات الصالحين وآثارهم قياساً على الرسول ﷺ .
١٠) مشروعية التبرك بمجالسة الصالحين وصحبتهم، للانتفاع بعلمهم، والاستماع إلى نصائحهم، والانتفاع بدعائهم، والتحصل على فضل مجالس الذكر، ونحو ذلك.
стр. 813
١١) مشروعية التبرك بشرب ماء زمزم للحاج والمعتمر وغيرهما، الذي هو أفضل مياه الأرض شرعاً وطباً، وفيه طعام وشفاء، وأنه يجوز نقله خارج الحرم للتبرك به.
١٢) استحباب السحور للصائم لحصول البركة الدينية والدنيوية فيه.
١٣) من سنن آداب الأكل المقرونة بالبركة: الاجتماع عليه، والتسمية، والأكل من جوانب إناء الطعام، ولعق الأصابع بعد الأكل، ولعق إناء الطعام، وأكل اللقمة الساقطة، وأن كيل الطعام فيه بركة.
١٤) من الخصال الحميدة التي تجلب البركة: الصدق في المعاملة، وسخاء النفس في طلب المال، والتبكير والمبادرة - أول النهار- في طلب العلم والتجارة، ونحو ذلك من المهمات.
رابعاً: في مباحث الباب الثالث:
١) الأمور التي منع الدين التبرك بها: ما نص الشرع على النهي عنه والتحذير من فعله، وما تجاوز حدود التبرك المشروع، وما لم يكن له مستند من الشرع أصلاً.
٢) استحباب زيارة قبر الرسول ﷺ على الوجه المشروع- بدون شد رحل.
٣) أن شد الرحال لمجرد زيارة قبره ﷺ فقط لا يجوز.
٤) أن السفر لزيارة مسجده ﷺ وقبره معاً جائز.
٥) عدم شرعية التبرك بقبره ﷺ ، ورد شبه المخالفين.
٦) عدم شرعية التبرك بالمواضع التي جلس أو صلى فيها ﵊ دون قصد، ورد شبه المخالفين.
٧) أن ما قصده الرسول ﷺ من العبادات في أي موضع على وجه التعبد –كالصلاة خلف مقام إبراهيم ﵇، وقصد الصف الأول في الصلاة- يشرع قصده اقتداء به ﷺ .
٨) بطلان ادعاء وجود أحجار عليها أثر موطيء قدم النبي ﷺ ، وأنه لو صح وجود شيء من ذلك افتراضاً فإنه لا يجوز التبرك به على أي وجه.
٩) عدم جواز التبرك بمكان ولادة النبي ﷺ ، ووقوع الاختلاف في تعيين مكان الولادة.
١٠) عدم شرعية التبرك والاحتفال بليلة مولد النبي ﷺ ، والرد على شبه المجيزين، وبيان أنه ليس لهذه الليلة مزية على غيرها، واختلاف المؤرخين في تعيينها.
١١) أول من أحدث بدعة الاحتفال بالمولد النبوي هم العبيديون (المتسمون بالفاطميين) في القرن الرابع.
١٢) عدم شرعية التبرك والاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ووقوع الاختلاف في تعيينها، وعدم شرعية التبرك والاحتفال بذكرى الهجرة، ونحوها من الأحداث والوقائع.
١٣) من أنواع التبرك الممنوع: التبرك بذوات الصالحين وآثارهم ومواضع عباداتهم وإقامتهم، ورد شبه المجيزين لذلك.
١٤) مشروعية زيارة القبور للرجال على الوجه المشروع، بدون شد رحل.
١٥) أن المقصود بزيارة القبور شيئان: اتعاظ الزائر، والإحسان إلى الأموات بالسلام عليهم والدعاء لهم.
١٦) وجود قبور كثيرة مشهورة يتبرك بها في أنحاء العالم الإسلامي.
١٧) أول من أدخل بدع مشاهد ومزارات القبور عند المسلمين هم الشيعة الروافض، ثم أصحاب الطرق الصوفية.
١٨) عدم شرعية التبرك بقبور الصالحين وغيرهم، والرد على شبه المخالفين.
١٩) عدم شرعية التبرك والاحتفال بموالد الصالحين الزمانية والمكانية.
٢٠) من أنواع التبرك الممنوع: التبرك ببعض الجبال والمواضع، وشد الرحل إليها لأجل ذلك.
٢١) ليس في الدنيا من الجمادات ما يُشرع تقبيله إلا الحجر الأسود، ولا يُمسح غير الحجر الأسود والركن اليماني من الكعبة، ولا يجوز الطواف بغير الكعبة المشرفة، ولا يراد بهذه الأمور التبرك بالكعبة، إنما المقصود التعبد والاتباع.
٢٢) ليس في الشريعة بقعة تقصد للعبادة إلا المساجد ومشاعر الحج.
стр. 814
٢٣) ليس من شريعة الإسلام: التبرك بجدران المساجد أو ترابها أو أبوابها، من جهة التقبيل أو التمسح ونحو ذلك، لا المسجد الحرام، ولا سائر المساجد.
٢٤) وجود عدة مساجد محدثة مبنية على آثار الرسول ﷺ ، أو غيره من الأنبياء والصالحين، في مكة والمدينة والشام وغيرها - تُزار وتُقصد للعبادة تبركا من قبل البعض- وهذا غير مشروع.
٢٥) وجود بعض الجبال والدور والآبار التي يُدّعى فيها الفضل والبركة، وتُزار وتُقصد تبركا بها، وهذا ليس بمشروع.
٢٦) ليس للصخرة في القدس مزية في الإسلام ولا خصوصية في العبادة، إنما هي كانت قبلة منسوخة، فلا يجوز التبرك بها على أي وجه.
٢٧) لا يُقطع بتعيين قبر نبي سوى قبر نبينا محمد ﷺ بالمدينة المنورة إجماعاً، وقبر إبراهيم ﵊ بمدينة الخليل بالشام على قول الجمهور.
٢٨) لا يجوز التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها بأي وجه من الوجوه.
٢٩) أن بعض صور ومظاهر التبرك الممنوع قد تكون شركاً، وذلك بحسب الفعل ذاته، أو على حسب اعتقاد فاعله وقصده.
خامساً: في مباحث الباب الرابع:
١) أبرز أسباب وجود التبرك الممنوع في المجتمع الإسلامي: الجهل بالدين، والغلو في الصالحين، والتشبه بالكفار، وتعظيم الآثار.
٢) من العوامل الأخرى المعينة على وجوده وانشاره: تأثير الفرق المبتدعة، كالصوفية والرافضة، والتمسك بالآثار الضعيفة أو الموضوعة، وقياس الممنوع من التبرك على المشروع منه، وسكوت العلماء عن الإنكار، والاستسلام للعاطفة، والتعصب للهوى.
٣) التبرك الممنوع يفضي إلى شرور كثيرة اعتقادية وعملية، وله آثار سيئة خطيرة.
٤) أهم هذه الآثار: الشرك، الابتداع، اقتراف المعاصي وانتهاك الحرمات، الوقوع في عدة أنواع من الكذب، تحريف النصوص، إضاعة الواجبات والسنن، التغرير بالجهال وإضلال الأجيال.
٥) من الوسائل المهمة لمقاومة التبرك الممنوع والقضاء عليه: نشر العلم الشرعي بين الناس على أوسع نطاق، والدعوة إلى المنهج الحق، وذلك ضمن تحقيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإزالة وسائل الغلو في الأنبياء والصالحين وغيرهم، ومظاهر التبرك الحسية المبتدعة.
وفي ختام هذا الكتاب أتوجه إلى الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل في ميزان أعمالي الصالحة يوم القيامة، وأن يغفر لي كل خطأ أو سهو أو تقصير، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 815
التبيان لعلاقة العمل بمسمى الإيمان
المؤلف/ المشرف: علي بن أحمد بن سوف
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢١هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: إيمان وكفر - أركان وضوابط
الخاتمة
وهي: خلاصة هذا البحث:
من خلال ما سبق عرضه في هذا البحث يمكن أن نشير إلى بعض الأمور كنتائج اشتمل عليها هذا البحث وذلك فيما يلي:
١ - أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل يزيد وينقص يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وأن هذا هو الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام ﵃ والتابعون لهم بإحسان وهو مدلول الكتاب والسنة.
٢ - أن دراسة موضوع قضايا الإيمان، لا تنفك عن دراسة ما يقابله وهو الكفر، فإن اللبس والخطأ في فهم حقيقة الإيمان يورث - بطبيعة الحال - لبساً وخطأً في دراسة الكفر، كما هو ظاهر حال المبتدعة من الخوارج والمعتزلة الوعيدية والمرجئة والأشاعرة والماتريدية.
٣ - إذا كان الإيمان قولاً وعملاً، قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح، فالنواقض إما أن تضاد قول القلب أو عمله، أو تضاد قول اللسان أو عمل الجوارح، حيث إن الإيمان تصديق وإقرار، وانقياد والتزام بطاعة الله تعالى ظاهراً وباطناً، فيكون الكفر بالاعتقاد وبالعمل وبالقول.
٤ - التأكيد على أهمية دراسة نواقض الإيمان، وضرورة الاعتناء بها وتحرير مسائلها بعلم وعدل، والحذر من مسلك ردود الأفعال، وما يؤول إليه من غلو كما هو مذهب الخوارج أو جفاء كما هو مذهب الإرجاء.
٥ - الاعتناء بالتفصيل والتوضيح عند دراسة تلك النواقض، وتحقيق حدودها وتعريفاتها شرعاً ولغة وعرفاً، والحذر من الإجمال في ذلك.
٦ - ضرورة مراعاة ضوابط التكفير، فإن الاعتناء بمثل ذلك يوجب توسطاً واعتدالاً بين الإفراط والتفريط كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
٧ - تضمن هذا البحث جملة من نواقض الإيمان وأهم ذلك ما كان له علاقة بالشرك المنافي لتوحيد رب العالمين وإفراده بالعبادة، وإن لم يحصل التوسع المطلوب في هذا الباب إلا أن الإشارة لبعضها تكفي ومن الصعوبة بمكان حصر جميع النواقض والإحاطة بها.
٨ - أن سبب ضلال من ضل في مسائل الإيمان هو معارضة نصوص الكتاب والسنة بالعقل والهوى، وبعد جمع النصوص الصحيحة وعرضها على العقول السليمة يتبين أنه لا تعارض بين النقل والعقل عند النظر السليم، وأن قول الفرق الضالة من أهل البدع جميعاً (إن الإيمان جزء لا يتبعض إذا ذهب بعضه ذهب كله) كان سبب انحرافهم عن الصواب والحق.
٩ - ظهر من خلال عرض مسألة منزلة عمل الجوارح من الإيمان وحكم من تركه بالكلية، أهمية وخطورة هذه المسألة وأن من تكلم فيها وهو على غير دراية بشبه الإرجاء وقع في الزلل وأن إخراج العمل عن مسمى الإيمان هو الإرجاء بعينه وأن تعلق العمل بالإيمان منحصر في أربع حالات لا خامس لها بغض النظر عن حقيقة وجود بعضها من عدمه في الواقع:
١ - أن يجتمعا معاً - أي إيمان القلب وعمل الجوارح.
٢ - أن ينتفيا معاً - أي إيمان القلب وعمل الجوارح.
٣ - أن توجد أعمال الجوارح مع انتفاء إيمان القلب.
٤ - أن يوجد إيمان القلب مع انتفاء أعمال الجوارح.
فأما القضية الأولى فمتفق عليها وأن صاحبها: (مؤمن).
وأما القضية الثانية فمتفق عليها ويكون صاحبها: (كافراً).
وأما القضية الثالثة فمتفق عليها أيضاً ويكون صاحبها: (منافقاً).
стр. 816
وأما القضية الرابعة وهي فرض ما لا يقع فمن المحال أن يوجد إيمان القلب ولا يوجد شيء من الأعمال الظاهرة كما قد مضى تقريره من كلام شيخ الإسلام في فصل ارتباط الظاهر بالباطن، فالمرجئة يلحقون حكمها بحكم الأولى بل يقولون إن إيمان من تنطبق عليه القضية الأولى كإيمان من تنطبق عليه القضية الرابعة سواء بسواء إذ الأعمال عندهم خارجة عن الإيمان والإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه كما سبق بيانه.
стр. 817
وقبل الختام فقد قمت بجمع لبعض النقول عن حقيقة قول الأشاعرة في علاقة العمل بالإيمان من كتبهم وهي كالتتمة يتبين بها أن من قال جنس عمل الجوارح شرط كمال قد وافق الأشاعرة في ذلك، يقول صاحب الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني أحمد بن غنيم النفزاوي الأشعري المتوفى ١١٢٥هـ: (وواضعه - أي علم التوحيد عندهم - أبو الحسن الأشعري وإليه تنسب أهل السنة حتى لقبوا بالأشاعرة، من ذلك المذكور من واجب أمور الديانات الإيمان أي التصديق بالقلب المعبر عنه بالفؤاد والنطق باللسان ومعمول الإيمان والنطق على طريق التنازع أن الله إله واحد لا إله غيره تأكيد لما قبله وفي كلامه حذف تقديره وأن محمداً رسول الله لأن الإيمان لا يوجد إلا إذا حصل التصديق بمجموع الأمرين وإنما حذف تلك الجملة هنا لأنه يشير لها عند قوله فيما يأتي، ثم ختم الرسالة الخ وكلام المصنف هنا كالصريح في أن الإيمان مركب من التصديق بالقلب والنطق باللسان ويعين هذا قوله الآتي وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وأما العمل بالجوارح فشرط في كماله كما يأتي في قوله ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل وقدمنا قبل الباب عند قوله فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين وبما أتتهم به رسله وكتبه عاملين أن هذا مذهب السلف وهو موافق لقول المصنف هنا من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره وسكت عن الأعمال إشارة إلى أنها غير ركن منه وإنما هي شرط كمال كما سيصرح به فيما يأتي بقوله ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا يشكل على هذا قوله آخر الباب وإن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح الموهم أنه مركب من ثلاثة ونسب لجمهور المحدثين والمتكلمين والفقهاء منهم ابن حبيب وللمعتزلة لإمكان حمل الأعمال فيه على وجه الكمال لا أنها ركن منه بدليل تصريحه بقوله ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل للقاعدة من رد المحتمل لغيره فيصير كلامه في المواضع الثلاثة على قول واحد وأما المعتزلة ومن وافقهم فيجعلون الأعمال ركناً حقيقياً للإيمان كما نبه على ذلك شيخ شيوخنا اللقاني حيث قال الأعمال عند السلف شرط لكمال الإيمان وعند المعتزلة ركن فيه هذا هو الذي ينبغي فهم كلام المصنف عليه لا ما يوهمه كلام التحقيق من نسبة الآتي للمعتزلة والمحدثين لأن الأماكن المتخالفة إذا أمكن ردها لشيء واحد يصار إليه ولا سيما عند ما يعين ذلك كما هنا فإن قوله ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل شاهد صدق فيما قلنا والذي عليه جمهور الأشاعرة والماتريدية عدم تركبه وإنما هو عبارة عن التصديق القلبي بكل ما علم مجيء الرسول به واشتهر بين أهل الإسلام وصار العلم به يشابه العلم الحاصل بالضرورة بحيث يعلمه العامة من غير توقف على نظر واستدلال وإن كان أصله نظرياً كوحدة الصانع ووجوب الصلاة والمراد من تصديقه ﵇ قبول ما جاء به مع الرضا بترك التكبر والعناد والامتثال لبناء الأعمال عليه لا مجرد نسبة الصدق إليه من غير إذعان حتى يلزم عليه إيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعملون بحقيقة نبوته ولكن لم يذعنوا لذلك كأبي طالب ومن شابهه وأما النطق باللسان فالمشهور فيه عندهم أنه شرط لإجراء أحكام الدنيا في حق القادر عليه ومقابل المشهور يجعله شرطاً في صحة الإيمان أو شطراً منه واقتصر صاحب الجوهرة على مذهبهم حيث قال:
وفسر الإيمان بالتصديق ... والنطق فيه الخلف بالتحقيق
стр. 818
قيل شرط كالعمل وقيل بل شطر [والإسلام أشرحن بالعمل] وأما أعمال الجوارح فهي شرط لكمال الإيمان كما يدل عليه قول المصنف .. فتلخص مما ذكرنا ثلاث مذاهب مذهب السلف وهو ما جرى عليه المصنف ومذهب جمهور الأشاعرة والماتريدية وهو ما صدر به صاحب الجوهرة ومذهب المحدثين والمعتزلة.
وقال علي العدوي: (والذي يتضح لنا من تقريرهم أن الخلاف لفظي وأن من يقول بالزيادة والنقصان إنما أراد الثمرات لا نفس التصديق ومن قال بعدمهما أراد نفس التصديق هذا والتحقيق أن التصديق في حد ذاته يقبل الزيادة والنقص بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولا يلزم من قبوله النقص والزيادة أن يكون شكاً وكفراً كما قاله أبو حنيفة، قوله [أنه المشهور] أي المشهور عنه هو قوله الأول كما أفاده منقوله على الأعمال أي على ما يعم الأعمال أي على الثلاثة التي الأعمال جزء منها هذا هو الموافق لما تقدم إلا أنه ينافيه الإستدلال بالآية فإن الذي فيها إطلاق الإيمان على الأعمال فقط إلا أن يقال إنه استدلال في الجملة، قوله [عند أهل الحق] ظاهره أن فيه خلافاً عند غيرهم وانظره. قوله [قيل معناه لا يصح] هذا الحمل باطل لأنه عين مذهب المعتزلة فلا يناسب الحمل عليه بل الصواب إبقاء العبارة على ظاهرها من أن العمل شرط كمال. قوله [الإيمان] أي القول المنسوب للإيمان من نسبة الجزء للكل. قوله [وهو التلفظ بالشهادتين] أي أو ما يقوم مقامه قاله عج وأراد بالتلفظ بهما حركة اللسان بهما، قوله [داخل في حقيقة الإيمان] أي أصل الإيمان أي الإيمان الذي به النجاة من العذاب المخلد قوله وقيل الكمال هذا هو الصواب قوله غير داخل في حقيقة الإيمان أي الإيمان الذي به النجاة من العذاب المخلد فلا ينافي أنه داخل في حقيقة الإيمان الكامل، قوله [منجياً له من النار] أي بحيث لا يدخلها أبداً وقوله صح إيمانه أي فلا يخلد في النار).
قال صاحب حواشي الشرواني: (فالإيمان تصديق القلب بما علم ضرورة مجيء الرسول به من عند الله كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وافتراض الصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج والمراد بتصديق القلب به إذعانه وقبوله له وذهب جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج إلى أن الإيمان مجموع ثلاثة أمور اعتقاد الحق والإقرار به والعمل بمقتضاه).
وقال عبد المجيد الشرنوبي الأزهري [ت ١٣٤٨هـ]: ([للإيمان] أي التصديق [بالقلب والنطق باللسان] فالإيمان مركب منهما وهذا باعتبار جريان الأحكام وإلا فالتصديق وحده ينجي صاحبه من الخلود في النار.
стр. 819
التطاول الغربي على الثوابت الإسلامية
المؤلف/ المشرف: محمد يسري
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الصفوة ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: دفاع عن السنة وأهل الحديث
الخاتمة:
تناول البحث ظاهرة التطاول على حرمات الإسلام وثوابته والتي تنامت بشكل لافت للنظر في السنوات الأخيرة.
واستعرض البحث صورة الإسلام في الفكر الغربي القديم والحديث؛ حيث رصدت تصريحات ومواقف عدائية غلبت على الفكر الغربي قديماً وحديثاً، وانحياز ضد الإسلام من قبل ظهور الحركات الإسلامية المعاصرة، وإن لم يمنع هذا من وجود أصوات منصفة هنا وهناك قديماً وحديثاً.
وفي حين كانت المناهج الدراسية القديمة تتجاهل الإسلام أو تصمه بالبهتان، فإن المناهج الحديثة قد تخلصت من رواسب حركتي الاستشراق والتنصير وبدت أكثر اعتدالاً، مما يبشر بتغير إيجابي تلمس آثاره واضحة عن قريب.
ولقد تشوهت صورة النبي ﷺ في التراث الغربي بشكل ظاهر وقبل الحروب الصليبية، وإن كانت حقبة القرون الوسطى وما بعدها كتب فيها أسوأ البهتان والافتراء، الأمر الذي دعا بعض المنصفين أن يرد على ذلك بشكل فردي.
وترجع أسباب هذا التطاول إلى أسباب دينية، وأخرى فكرية ثقافية، وثالثة تاريخية ونفسية، كما أن من الأسباب ما يرجع إلى اتهام المسلمين أنفسهم بالتقصير في البيان والرد.
ومع كل هذا الركام فإنه يتبين ما يدعو للتفاؤل بالتحول التدريجي نحو الموضوعية، بطروء تحسن ملحوظ على المقررات الدراسية والجامعية في الدراسات الإسلامية، وبظهور إفلاس الحضارة الغربية، وتنامي النضج والوعي الإسلامي، وتزايد عدد المنصفين الغربيين، ويتعين العمل على إعادة تشكيل العقل الغربي حول الإسلام وثوابته، والتصدي المباشر لحملات الإساءة والتشويه بمختلف الوسائل، وأخيراً العناية بالداخل الإسلامي وتقويته وإنهاضه، وذلك كله عبر وسائل عملية عصرية وفعالة.
стр. 820
التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية
المؤلف/ المشرف: ناصر بن عبدالكريم العقل
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض ̈بدون
سنة الطبع: ١٣٩٣هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: تشبه بالكفار
الخاتمة
أحمد الله الذي بنعمته وتوفيقه تتم الصالحات.
وبعد:
فتلك لمحة سريعة كتبتها على عجل .... ومحاولة صغيرة على موضوع التقليد والتبعية وأثرهما على العالم الإسلامي ... مع عرض سريع للأسباب والنتائج، وبيان حكم الإسلام فيه، ومواقف الشعوب الإسلامية منه.
ولقد ازداد يقيني – بعد هذه المحاولة – بما ذكرته في المقدمة، من أن بحث هذه القضية جد خطير ولا أستطيع – وأنا طالب – معالجته على المطلوب فهو جدير بأن يهتم به الأساتذة والعلماء والمفكرون في العالم الإسلامي.
فالقضية التي يعالجها هذا البحث هي – في نظري – أهم قضية يعيشها المسلمون وأكبر مشكلة تعانيها الأمة الإسلامية بأجمعها.
ثم إنها ذات جوانب كثيرة ومتعددة، فكل باب من هذا البحث – بل كل فصل فيه – يحتاج إلى مؤلف مستقل لدراسته دراسة موضوعية، باستقصاء حقائقه، واستقراء وقائعه وتقديم النتائج والحلول على ضوئها.
لذلك صار جهدي هذا بمثابة العرض السريع ليس إلاَّ، وقد أشرت في المقدمة إلى أسباب اختياري لهذا الموضوع.
وعلى الرغم من أني بحثت هذا الموضوع إلا أنني – وأنا أكتب هذا البحث ... وقبل ذلك وبعده – مقتنع تمام الاقتناع أن مشكلة التقليد والتبعية وغيرها من المشكلات التي تعاني منها أمتنا .. كل ذلك لا تحله المؤلفات والأقلام وحدها. ولا الخطب والمحاضرات والكلمات فحسب، ولا القراءات والمؤتمرات مهما كثرت، بل يجب قبل ذلك كله وبعده ومعه العمل الجاد .. والجهاد المستمر، والصبر الجميل.
فقد دلت النصوص الشرعية وأثبت التاريخ الإسلامي الطويل أن أمتنا لا تنتصر بالكلام والخطب الرنانة، ولا تتقدم بالمؤلفات والمجلدات الضخمة، ولا تعيش على الأماني والأحلام، ولا تنخدع بالمظاهر والوعود الكاذبة إلى الأبد وأنها متى استمسكت بالإسلام وحكمته في كل شئون حياتها فإنما هي أمة عمل، وجد، وبناء وتعمير، وفتوة وبطولات.
أمة تعمل قبل أن تقول.
أمة تغيِّر ولا تتغير.
أمة تبني ولا تهدم.
كل ذلك رهين بتطبيقها للإسلام – كما أراده الله – أما إذا بحثت عن العز والرقي من غير هذا الطريق فإنها – لا شك – خاسرة ومنهزمة كما هي الحال الآن.
وإن من سنن الله في خلقه أن يجعل قيادة البشرية (الملك) وبناء الحضارة والمدنية (زينة الحياة الدنيا) بيد الأمة التي تستعمل القوى الثلاث – السمع والبصر والفؤاد – وتسخرها. من تعمير الأرض وتشييد الحضارة سواء كانت مسلمة أو كافرة وسواء خدمت بذلك البشرية وسعت لصلاحها وسعادتها وأمنها، أو سعت لخرابها وشقائها ودمارها.
وإن كل أمة تعطل هذه القوى الثلاث ولا تسخرها لعمارة الأرض وتشييد الحضارة فإنها لابد أن تقع في أسر الخمول والإخلاد والتبعية كحال المسلمين اليوم فقد سلّموا – آثمين – زمام القيادة العالمية إلى العالم الغربي الكافر، اليهودي والصليبي والشيوعي – يقود البشرية المسكينة إلى الهاوية وإلى الدمار في الحياة الدنيا، وإلى النار في الآخرة، وساء ت مصيرا.
وحين ينظر المرء في الحال التي تعيشها الأمة الإسلامية الممزقة، والحال التي تعيشها البشرية المهددة، فلا شك أنه سيسأل ويستصرخ: أين طريق الخلاص؟؟؟
والإجابة:
إنه الإسلام، والإسلام وكفى.
стр. 821
ذلك أن الله تعالى لم يخلق البشرية عبثاً ولم يتركها هملاً، ومتى نظرت البشرية إلى الإسلام نظرة صادقة مخلصة فستجد فيه راحتها وسعادتها، ومع هذا فإني – كما قلت آنفاً- مقتنع بأن الإجابة على هذا السؤال عملية أكثر منها نظرية وذلك: أن البشرية تتطلع إلى المنقذ بصورة عملية واقعية حية تعيش في واقع الحياة وتبرز من خلال السلوك البشري والجهد الإنساني ذاته فهي لا تريد عرض مبادئ وأفكار نظرية، فلقد تشعبت عليها المبادئ والنظريات والأفكار.
وهي لا تريد فلسفات معقدة فكم أتعبتها الفلسفات.
وهي لا تريد حلولاً مثالية خيالية فكم تمنت وحلمت وعادت بالخيبة والخسران.
صحيح أن البشرية تعاني من القلق والشقاء والحيرة والتهديد بالحروب العالمية القاضية، وصحيح أن الإسلام هو المنقذ الوحيد لها من ذلك، لكنها – مع الأسف – ترى العالم الإسلامي يعيش كما تعيش هي، ويعاني مما تعاني هي، فلسان حالها يقول: فأين الإسلام!!!
إذاً ... فالإسلام يحتاج إلى رجال – بكل ما للكلمة من معنى – أكثر مما يحتاج إلى المؤتمرات، والقرارات، والمؤلفات، والخطب و .... و ....
والإسلام الآن – ومن ثم العالم الإسلامي – لا يرجع إليه عزه ومجده إلاَّ برجال، وتضحيات غالبة، وجيل يحمله، ومجتمع يقيمه، ودولة تحميه وتجاهد في سبيله، ولا تتاجر به.
نعم ... !!
إن الإسلام ليس مجرد نظريات محتملة للخطأ والصواب.
وليس مجرد حلول مثالية غير قابلة للتطبيق الواقعي.
وليس مجرد نظم واجتهادات بشرية تدخلها الأهواء والضعف الإنساني.
وليس مجرد عبادات وطقوس تقام في المساجد والمناسبات الدينية.
بل إنه دين الله ... هو عبادة وصلاة، إيمان وعمل، عقيدة وشريعة وهو تجربة تاريخية واقعية ثابتة سامقة.
وهو: حلول وإصلاح وبناء، وعمل، وتعمير، وجهاد، متواصل، يقوم بجهد الإنسان المؤمن.
وهو: نظم وتشريعات إلهية تستمد من الوحي الذي لا يأتيه الباطل.
وهو: منهج للحياة من كل جوانبه، دين ودولة، عبادة وقيادة، محراب ومصنع، علم وعمل، جهاد وسلم، وكل ما تنشده البشرية من خير وبناء وسعادة.
وعودة البشرية إلى الإسلام – بعد هذا العناء الطويل – ضرورة حتمية فهي لابد تعي هذه الحقيقة, فقد بدأت تظهر بوادر هذه العودة سواء أدرك الناس هذه الحقيقة أم لم يدركوها .. إنما لا يستطيع أحد أن يقول: أين ومتى وكيف؟ لأن ذلك غيب علمه عند الله وحده.
أسأل الله – أن يتقبل مني هذا الجهد الضعيف، وأن يأخذ بأيدي المسلمين جميعاً إلى سبيل مرضاته، وأن ينقذهم مما هم فيه إنه على كل شيء قدير.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 822
التكفير في ضوء السنة النبوية
المؤلف/ المشرف: باسم بن فيصل الجوابرة
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود العالمية ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: التكفير - ضوابط وشروط
الخاتمة: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على أفضل الخلق المبعوث رحمة للعالمين. وبعد أن منَّ الله عليّ بإتمام هذا الحديث المهم، فهذه أهم النتائج التي توصلت إليها:
- افترق المسلمون في مسائل التكفير إلى ثلاث فرق:
الأولى: الخوارج والمعتزلة ومن على منهجهم حيث توسعوا في تكفير المسلمين مقتصرين على أدلة الوعيد في الكتاب والسنة.
والفرقة الثانية: المرجئة ومن على منهجهم الذين حكموا لكل من شهد الشهادتين بكمال الإيمان، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، مقتصرين على أدلة الوعد في الكتاب والسنة.
أما أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية فهم وسط بين الفرقتين السابقتين، الذين جمعوا بين نصوص الوعد والوعيد. – الكفر عند أهل السنة والجماعة ينقسم إلى قسمين: كفر أكبر مخرج من الملة، وكفر أصغر لا يخرج من الملة، أو كفر اعتقادي، وكفر عملي.
– التكفير حكم شرعي وحق محض لله – .
– الأصل في المسلم العدالة، وبقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى دليل شرعي، ولا يجوز الإقدام على التكفير إلا من عالم معتبر مأمون مشهور بالعلم والورع والصدق، وبدليل شرعي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.
– جميع الأحاديث التي ذكر فيها لفظ الكفر إنما تقع على الكفر العملي وتقع على الأقوال والأفعال، ولا تخرج من الملة.
– يجب التفريق عند قراءة النصوص بين التكفير المطلق، وبين التكفير المعين؛ فالكفر ذو أصل وشعب، لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد أن يسمى كافراً وإن كان ما قام به كفراً، وقد يجتمع في الرجل كفر وإيمان، وشرك، وتوحيد، وتقوى، وفجور، ونفاق وإيمان.
– شروط تكفير المعين، ذكر أهل السنة والجماعة شروطاً وضوابط لتكفير المعين فلا يكفر المعين إلا إذا ارتكب أمراً مكفراً، وكان قاصداً للمعنى الكفري، وقامت الحجة عليه، ولم يكن مجتهداً مخطئاً، ولا جاهلاً، ولا مكرهاً، ولا عاجزاً عن أداء ما فرض الله عليه.
– الآثار المترتبة على التكفير، استحلال دم المسلم والحكم عليه بالردة، ونتيجته ما يحدث من التفجيرات وقتل الأبرياء والاغتيالات وسفك الدماء وقتل الأطفال والشيوخ والنساء، من المسلمين
стр. 823
التكفير وضوابطه
المؤلف/ المشرف: إبراهيم بن عامر الرحيلي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الإمام البخاري - قطر ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٦هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: التكفير - ضوابط وشروط
الخاتمة
في ختام هذا البحث، أحمد الله تعالى على جزيل نعمه وآلائه، وما يسر من إتمام هذا البحث حتى خرج بهذه الصورة. فله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.
ثم إني أوجز أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث في النقاط التالية:
١ - الإيمان عند أهل السنة يتألف من ثلاثة أجزاء: اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، وعن هذه الأجزاء تتفرع شعب الإيمان.
٢ - الإيمان عند أهل السنة يتبعض، فيذهب بعضه ويبقى بعضه، وهو يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
٣ - منشأ خطأ الفرق المخالفة لأهل السنة في باب الإيمان، اعتقادهم بأن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، ثم اختلفوا في حكمه عند النقص، فقال المرجئة: إذا ثبت بعضه ثبت كله، وقال الوعيدية: إذا زال بعضه زال كله.
٤ - نشأ التكفير بغير دليل في وقت مكبر من تاريخ هذه الأمة، وهو أول البدع التي ظهرت في الأمة، وكان الخوارج هم أول من أظهر التكفير بالذنوب، ثم الرافضة، ثم انتشرت هذه البدعة بين سائر فرق أهل البدع حتى أصبحت سمة بارزة لعامة الفرق المبتدعة.
٥ - انتشار التكفير بغير دليل في هذا العصر انتشارا كبيرا على أيدي بعض الجماعات الدعوية المعاصرة التي لم تنشأ على السنة، وما نتج عن هذا من تكفير للمجتمعات الإسلامية المعاصرة، وما ترتب عليه من اغتيالات، وتفجيرات، وسفك للدماء المعصومة في كثير من أقطار المسلمين بسبب الانحراف الخطير في هذا الباب.
٦ - ينقسم الكفر في اصطلاح الشارع إلى قسمين: أكبر مخرج من الملة، وأصغر لا يخرج من الملة، وقد جاء في النصوص إطلاق لفظ: (الكفر) على الأكبر تارة، وعلى الأصغر تارة أخرى.
٧ - يعبر في النصوص الشرعية عن (الكفر) بعدة ألفاظ كلها تدل على حقيقته في الشرع، فيعبر عنه تارة بالشرك، وتارة بالظلم، وتارة بالفسق.
٨ - مباينة معنى الكفر للشرك في الاصطلاح الشرعي، مع أنه قد يعبر عن أحدهما بالآخر لمناسبة يقتضيها الحال.
٩ - مفارقة معنى الكفر للنفاق باعتبار، واجتماعهما باعتبار آخر. فيفترقان في أن الكافر مظهر للكفر، والمنافق مسر له، ويجتمعان في اعتقادهما الكفر في الباطن.
١٠ - انقسام الكفر إلى أقسام كثيرة باعتبارات متعددة.
فينقسم إلى: أكبر وأصغر باعتبار حكمه.
وينقسم إلى: تكذيب وجحود، وعناد، ونفاق، وإعراض، وشك، باعتبار بواعثه وأسبابه.
وينقسم إلى: قلبي، وقولي، وعملي، باعتبار ما يقوم به من أعضاء البدن.
وينقسم إلى: أصلي وردة، باعتبار كونه أصليا أو طارئا.
وينقسم إلى: مطلق، ومعين، باعتبار إطلاقه وتنزيله على المعينين.
١١ - للكفر شعب كما أن للإيمان شعبا كذلك، والمعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان، وقد يجتمع في الرجل بعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر فيجتمع فيه إيمان وكفر.
١٢ - تتفاوت أحكام الكفار في الدنيا بحسب أقسامهم باعتبار كون كفرهم أصليا أو كفر ردة، وكونهم محاربين أو غير محاربين، وكونهم أهل كتاب أو ليسوا بأهل كتاب، على ما جرى تفصيل ذلك في البحث وبيان أحكامهم بحسب ذلك.
١٣ - يشترك الكفار كلهم بشتى أصنافهم في حكم الآخرة في أنهم خالدون مخلدون في النار، أبد الآباد، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها بحال، وهم مع هذا ليسوا في درجة واحدة من العذاب، بل يتفاوتون في دركات النار كما أن أهل الجنة يتفاوتون في درجات الجنة.
стр. 824
١٤ - حكم أهل الكفر الأصغر في الدنيا حكم سائر أهل المعاصي، لا يخرجون من دائرة الإسلام، ويحكم لهم بحكم المسلمين، وهم في الآخرة تحت مشيئة الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وإن عذبهم بالنار فإنه لا يخلدهم فيها، بل لا بد من خروجهم منها كسائر عصاة الموحدين.
١٥ - وسطية أهل السنة في مسمى مرتكب الكبيرة، وأحكامه في الدنيا والآخرة، ولحوقه الوعد والوعيد، بين الوعيدية والمرجئة على ما تقدم تفصيل ذلك أثناء البحث.
١٦ - تقرير أن التكفير والتفسيق أحكام شرعية لا مدخل للعقل فيها بحال، فالكافر من جعله الله ورسوله كافرا، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقا، وليس ذلك لأحد.
١٧ - بيان الضوابط الشرعية لما يكفر به من الأعمال، وما لا يكفر به، وبيان أن المخالفات إما أن تكون بترك مشروع، أو بفعل محظور. أما ترك المشروع فإما يكون ترك للاعتقاد، أو للقول، أو للعمل، أما ترك الاعتقاد فكفر، وأما ترك القول، فعلى قسمين: ما يكون تركه كفرا كالنطق بالشهادتين، وما لا يكون تركه كفرا كبقية واجبات اللسان، وأما ترك العمل فعلى قسمين أيضا: قسم مختلف في التكفير بتركه، وهي أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين، وقسم متفق على عدم التكفير بتركه، وهي سائر الواجبات بعد أركان الإسلام. وأما فعل المحظور فينقسم إلى قسمين: ما يكون مكفرا بالاتفاق وهي كل الذنوب والمعاصي التي لا تضاد أصل الإيمان بالله ورسوله.
١٨ - اختلاف السلف في التكفير بترك أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين، على خمسة أقوال: من يرى التكفير بترك واحد منها، ومن يرى عدم التكفير بترك شيء منها، ومن يرى كفر تارك الصلاة فقط، ومن يرى كفر تارك الصلاة، والزكاة، ومن يرى كفر تارك الصلاة، وتارك الزكاة إذا قاتل عليها.
١٩ - ترجيح القول الثالث، وهو تكفير من ترك الصلاة فقط دون غيرها من الأركان الأخرى، وبيان أن هذا القول هو قول عامة الصحابة وجمهور السلف من التابعين ومن بعدهم، وكذلك ترجيح أن الترك المكفر للصلاة هو تركها بالكلية خلافا لمن ذهب إلى التكفير بترك بعض الصلوات.
٢٠ - بيان أن قيام الكفر المطلق في بعض المعينين، لا يستلزم تكفير المعين حتى تتحقق فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه.
٢١ - بيان شروط تكفير المعين وذكر الأدلة عليها، وهي: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، وبلوغ الحجة، وعدم التأويل.
٢٢ - بيان أن النظر في مسألة التكفير لا يكون إلا للعلماء الراسخين القادرين على استنباط الحكم الشرعي في هذه المسألة من النصوص، وكيفية تنزيله على المعينين، وكذلك المعرفة بأصول أهل السنة في مسألة التكفير، والإلمام بمواقف الأئمة من المخالفين مع الاحتياط من تكفير من لم يتيقن كفره، ولم يعلم أنه قد قامت عليه الحجة.
هذا والله تعالى أعلم.
стр. 825
التنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام
المؤلف/ المشرف: عبد المجيد بن سالم بن عبد الله المشعبي
المحقق/ المترجم: بدون مكتبة الصديق - الطائف ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: جن وسحر وعين وتنجيم
الخاتمة
وبعد أن سهَّل الله عليَّ إتمام البحث أحمد الله أولاً وآخراً على ذلك.
وأسأله العفو والمغفرة إن حصل مني خطأ أو تقصير، وألخّص أهم النتائج التي توصّلت إليها من خلال كتابتي لهذا البحث فيما يلي:
١ - أن صناعة التنجيم تتضمن معرفة أحكام النجوم وتأثيراتها في حوادث العالم السفلي كما يزعم المنجمون.
٢ - أن اعتقاد أن السعود والنحوس والخير والشر من الكواكب من أعظم الأسباب المفضية إلى عبادتها، واتخاذها أرباباً من دون الله.
٣ - أن إبراهيم ﵇ كان مناظراً لقومه، محتجّاً عليهم، مستدلاً بالأدلة العقلية على فساد عبادتها في قول الله تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ... ) (١)، ولم يكن يعتقد أنها ربٌّ كما يعزم الزاعمون.
٤ - أن معنى قوله تعالى: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ... ) (٢) تفكّر إبراهيم ليدبر حجةً، ولم يكن اعتقاداً من إبراهيم ﵇ بصناعة التنجيم.
٥ - أن ادّعاء أن علم أحكام النجوم المزعوم من علوم الأنبياء ادعّاء باطل لا يقوم على دليل، وكل من ادّعى ذلك تناقض مع نفسه.
٦ - أن التنجيم انتشر بين المسلمين لما فتح بعض الخلفاء العباسيين باب ترجمة كتب الفلاسفة، فدخل التنجيم على أيدي طوائف متعدّدة من أعداء الإسلام.
٧ - أن الرَّافضة شاركوا في نشر التنجيم بجميع الوسائل، وتنوعت أساليبهم في غرس هذه العقيدة في قلوب الناس.
٨ - أن التنجيم في العصر الحاضر اتخذ وسائل متنوعة وأشكالاً مختلفةً ساعدت على انتشاره بين الناس، وأرباب هذه الصناعة اليوم يسلكون طريق التمويه والخداع حتى يتمكنوا من ابتزاز أموال الناس بالباطل.
٩ - أن انتشار مثل هذه الصناعة في أوساط الناس دالٌ على سخافة عقولهم وسوء معتقدهم، إذ أنهم يروجون لصدق المنجم وإن لم يكن صدقه إلا مرةً، ويتغاضون عن كذبه وإن بلغ آلاف المرات.
١٠ - أن صناعة التنجيم صناعةٌ باطلةٌ قائمة على الحدس والتخمين، بشهادة كبار المنجمين على ذلك، وبحكم بعضهم على بعض بفساد الصناعة، وبظهور كذبهم في كل ما يجمعون عليه بظهور خلافه، وبالأدلة الأخرى الدالة على فساد هذه الصناعة.
١١ - أن موافقة خبر المنجم للواقع أحياناً ليس لكون الكواكب تدل على ذلك، وإنما هو لأحد أمورٍ خمسة:
الأمر الأول: إخبار الشياطين لهم بذلك عن طريق السمع أو القرين.
الأمر الثاني: موافقة أخبارهم قدراً قدره الله.
الأمر الثالث: استغلال علم من العلوم الكونية أو الفلكية بتوقع حصول بعض الأمور، كالكسوف والخسوف ونحوها، والتلبيس به على كثيرٍ من العامة.
الأمر الرابع: نقل بعض الأخبار الواردة في الكتب السابقة.
الأمر الخامس: تأليف قصة كذباً وبهتاناً بعد وقوع حادثة ما مفادها أن المنجم أخبر بذلك.
١٢ - أن المنجم كافر سواءً اعتقد أن الكواكب مدبّرة للكون، أو اعتقد أنها دلالات على المغيبات، فكفر الأول لادعائه شريكاً مع الله في التدبير، وكفر الثاني لادعائه أنه يشارك الله في علم الغيب الذي استأثر الله به.
١٣ - أن حادثتي الكسوف والخسوف يمكن أن تُعلم بحساب النيرين، كما يعلم طلوع الهلال والبدر بحسابهما.
١٤ - أن توقع حالة الجو قائمٌ على دراسة معيّنة، وبواسطة آلات خاصة بذلك، وهذه التوقعات قد تصيب وقد تخطئ، وهي ليست من جنس أخبار المنجمين.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم,,,
стр. 826
العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي
المؤلف/ المشرف: مدحت بن حسن الفراج
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار الكتاب والسنة - باكستان ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٤هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: عذر بالجهل
الخاتمة
- هناك صفات لله مفهوم التأله قائم عليها. فمن جهلها جهل الله ولم يعرفه وعبد غيره وإن زعم غير هذا.
- عبادة اله لا تقع إلا بإفراد الله بالتأله مع إسلام العبد ساعة التوجه لله وحده لا شريك له.
- تحقيق التوحيد شرط في الإذن بالشفاعة للشافع والمشفوع.
- الإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به.
- الحنيف: هو التارك للشرك عن قصد وعلى بصيرة إلى توحيد الله – تعالى – بالقول والعمل.
- توحيد الألوهية هو الفارق بين المسلمين والمشركين.
- أصل الدين العام الذي تطابقت عليه الرسالات، وتحقق النجاة في الآخرة متوقف عليه هو: عبادة الله وحده لا شريك له والإيمان به وبرسله وباليوم الآخر مع العمل الصالح.
- الإيمان: معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية والعلم والعمل ركناه.
- لا إسلام لمن لا إيمان له ولا إيمان لمن لا إسلام له فالأول: نفاق، والثاني: كفر لا يثبت معه توحيد.
- من عصي الله مستكبرا كفر بالاتفاق، ومن عصاه مشتهياً لم يكفر عند أهل السنة ولا يكفره إلا الخوارج.
- الجهل أساس النفاق وعلته.
- إن سب الله أو كتابه أو نبيه – ﷺ – كفر في الظاهر والباطن. سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلاً له أو كان ذاهلاً عن اعتقاده. هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
- النطق بالشهادتين من غير علم بمعناها وعمل بمقتضاها غير نافع بالإجماع.
- الأقوال والأعمال في الظاهر أساس إجراء الأحكام.
- إذا شرع الشارع عقوبة عقب فعل موصوف صالح لترتيب ذلك الجزاء عليه كان ذلك الفعل هو المقتضى لذلك الجزاء لا غيره.
- القول على الله بغير علم أساس البدع والشرك.
- التغيظ من الصحابة دلالة على كفر صاحبه.
- إنكار علم الله وقضائه وقدره على الأمر والنهي كفر لا يختلف فيه.
- من يحتج بالقدر على حجية الأفعال والمقدور فهو أكفر من اليهود والنصارى.
- من أقر بعلم الله السابق للمقدور وأنكر خلق أفعال العباد وإرادة الكائنات فهو مبتدع ضال في تكفيره نزاع مشهور بين العلماء.
- دعوى الحلول في معين كفر بإجماع المسلمين.
- غالب الردة تنشأ عن الجهل والاشتباه ولا يشترط في ثبوتها العلم والقصد.
- وصف أهل القبلة: هو لعبد متحنف تارك للشرك على علم وقصد. وهو الذي يتمتع برخص أهل القبلة دون غيره من المشركين لخروجهم عن وصف أهل القبلة.
- شروط الاجتهاد: أن يكون العبد عالماً جامعاً لآلة الاجتهاد، وأن يجتهد في فروع الشريعة العملية الظنية التي ليست عليها قواطع من الشرع.
- لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
- المبتدع الذي لا يكفر ببدعته. هو المحقق للتوحيد الملتزم للشرائع.
- التأويل دليل على مخالفة النص الجزئي لقاعدة كلية أو دليل أقوى منه دلالة.
- من ادعى أن من ارتكب الشرك الأكبر بتأويل أو باجتهاد أو بتقليد أو بجهل معذور فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع.
- الدين له أصول وفروع. والفرق بين أصول الدين عند أهل السنة وعند أهل البدع.
أن أصول أهل السنة: هي الأصول الصحيحة المطابقة لما جاء به الشرع الحنيف.
وأما أصول أهل البدع: فهي أصول مبتدعة ومباينة للأصول الصحيحة.
- قد بين الله ورسوله – ﷺ – أصول الدين بياناً شافياً قاطعاً للعذر.
стр. 827
- الكفر الذي ينفيه العلماء عن المعين من المشركين حتى تقام عليه حجة البلاغ: هو الكفر المعذب عليه، وأصحابه ليسوا بمسلمين لنقضهم أصل الدين -، ولأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإٍسلام البتة - ويجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا – من التوارث والولاية والمناكحة .. إلا (العقوبة) – دون أحكام الكفر في الآخرة.
وفي ختام هذه الرسالة: أتوجه بالحمد والشكر لله المنعم المتعال الذي منّ علي بجمعها. وأسأله سبحانه أن يجعلها لي ولأهلي ولذريتي ذخراً طيباً في الدنيا وعتقاً من النيران في الآخرة: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ﴿٨٨﴾ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨، ٨٩].
وأسأله سبحانه أن يجمع قلوب المسلمين على الحق المبين والثبات على الصراط المستقيم.
وإني لا أحل لأي واحد من الإخوة تابع ما في هذه الرسالة من أحكام ونتائج أن يستطيل على إخوانه المخالفين ويعقد بها المناظرات والمجادلات والخصومات .. التي لا تأتي إلا بتنافر القلوب، ووهن الرباط الأخوي بين المؤمنين، وضعف شوكة المسلمين فإني لم أضع الرسالة لهذا أبداً.
بل يعلم الله أني ما أردت بتأليفها إلا أن تكون سبباً وعوناً على ضبط المفاهيم والأحكام حتى تقف الحركة الإسلامية على أرض صلبة لا على أرض رخوة هشة.
وحتى تستطيع أن تحدد البدايات الأولية الصحيحة لإقامة وعود هذا الدين والقضاء على الطواغيت والملحدين وأعوانهم من الذين يتسترون بالدين للدنيا.
وكذلك دعوة الناس إلى التوحيد الصافي من دخن الشرك للفوز بالنجاة الحقيقية في الدنيا والآخرة – لا النجاة المزيفة والأماني والغرور -.
وكذلك نصرة دعاة التوحيد بالأدلة والبينات لدحضد ما يواجهونه من الشبه الزائفة.
وكذلك بيان المعركة الحقيقية بين أهل التوحيد وأهل الشرك حتى تستجمع الحركة الإسلامية قواها لخوض غمارها ولا تنشغل بمعارك وهمية غير حقيقية عن المعركة الفاصلة وكذلك بيان المحكمات والمتشابهات من المسائل والدلائل لفصل خيوط الاشتباه في حكم ناقض التوحيد بجهل وتأويل.
وكذلك أردت بيان وفضح جرثومة الإرجاء التي أسلمت الأمة فريسة سهلة لأعدائها – من خلال بوابات الطواغيت والزنادقة والعالمانيين – تلعب بها كيفما تشاء. وواقعنا المعاصر بما يحمل في طياته من مؤامرات ومكائد عالمية ودولية لهدم صرح الإسلام وتمييع أهلهل خير شاهد ودليل على ما أقول.
وبعد:
فهل من نهاية لتمزيق الصفوف وتنافر القلوب إلى عقد الأخوة الإيمانية القائمة على أصول أهل السنة. المستبصرة بنور الله تعالى. السائرة على نهج سلفها الصالح متحلية: باستعلاء الإيمان وثقة بنصر رب العالمين وبصبر على طول الطريق، وعزيمة على مواجهة الصعاب وبصيرة وتقوى للنجاة من الشبهات والشهوات غير منحرفة عن هذا النهج قيد أنملة حتى تقيم هذا الدين، وتخرجه من الغربة الثانية إلى السيادة والظهور والعلو والهيمنة، وتخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب البرية، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ومن جور الشرك والكفران إلى عدل التوحيد والإيمان.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحيينا ويميتنا ويبعثنا جميعاً على هذا فهو سبحانه – وحده لا شريك له – ولي هذا والقادر عليه.
وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وآخر دعواي (أن الحمد لله رب العالمين).
فرغت منه – بفضل الله تعالى وعونه في يوم الثلاثاء ٢٣ من شهر جمادى الأول لعام ١٤١٣هـ بالرياض.
стр. 828
العقيدة السلفية في كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية
المؤلف/ المشرف: عبد الله بن يوسف الجديع
المحقق/ المترجم: بدون دار الصميعي - الرياض ̈الثانية
سنة الطبع: ١٤١٦هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: أسماء وصفات - كلام الله
خاتمة
بعد هذا البَسْط للعقيدة السلفية واعتقاد أهل البدع، وبه تمَّ المُراد، أذكُر في الختام -بإيجاز- أهم الأسباب التي وقع بسببها الاغترارُ بأهل البدَع -وخاصَّةً الأشعرية والماتريدية- مع الذَّبِّ المُوافقِ للشَّرع عمَّن عُرِفَ بالإمامةِ في الحَديثِ والفقهِ وغير ذلكَ من علومِ الشريعةِ مع انتسابهِ إلى هذه الطوائف.
فمن أسباب الاغترار بأهل البدع - كالأشعرية ونحوهم-:
١ - دعواهم الانتساب إلى أهل السُّنَّة والحديث، وتأكيدُهم ذلك باشتغالِهم بعلوم السُّنَّة، وإسنادِ الروايات، مما هو شِعارُ السَّلف والأئمة.
٢ - انتصارهم للسُّنن في المسائل الفرعية، والدِّفاع عنها، وتصنيف المصنَّفات في ذلك.
٣ - اشتهارُ الكثير منهم بالدِّيانة والصَّلاح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.
٤ - اشتغالهم بالرَّدِّ على الطوائف المُخالفةِ لشريعة الإسلام، كرُدودِ الأشعرية على المعتزلةِ، والردود على الفلاسفة.
٥ - كثرة الموافقين لهم على مرِّ الزمان.
هذه أهم الأسباب التي اغترَّ بها كثيرٌ من الناس، فهوَّنوا من بدَع هؤلاء، بل إنَّهم جعلوها ستراً يسترون بها فضائح أهل البدع، وغفل هؤلاء عن كون الضلال في الاعتقاد أعظم الضلال، وقد كشفنا لك في قضيةٍ واحدةٍ، وهي قضية (الكلام) عن أباطيل مُذهلةٍ، وضلالاتِ مُهوِّلةٍ.
وهذه الأسبابُ التي ذكرنا يُعدُّ أكثرها حسنات لهؤلاء المبتدعة، لا نبخسهم أشياءهم، وربُّنا تعالى أمرنا بالعدل في الحكم والقول، فصاحبُ البدعة قد يكون فاضلاً لمعانٍ من الفضل فيه، ولكن لكون ما زلَّ به عظيماً -بغض النظر عن قصده ومراده- لتعلقه بأصول الدين، وجب التنبيه على خطره نُصحاً للأمة، لئلا يتضرَّرَ الناسُ ببدعته، خاصَّةً إذا كان من ذَوي الفضائل المشهورةِ والخصالِ المحمودة؛ لأن تأثُّرَ الناس بمن هذا وصفه أشدُّ من غيره، ويبقى قصدُهُ ومُرادُه فيما بينه وبين الله تعالى.
وهذه طريقة السلف، قال البغوي ﵀: (وقد مضت الصحابة، والتابعون، وأتباعهم، وعلماء السنة، على هذا مجمعين، متفقين على معاداة أهل البدعة ومهاجرتهم) (١).
ومن طالع كتب تراجم الرُّواة ثبت له صحة ذلك.
فلا يجوز للمسلم أن يُهوِّن من شأن البدع، وإن وقعت من فاضل، فإن ذلك مُنافٍ لما أوجب الله تعالى من النصيحة، ومُخالفٌ لمنهج السلف ومواقفهم من أهل البدع.
وفي الأشعرية -مثلاً- علماءُ لهم قَدَمٌ في خِدمةِ الشريعة، أمثال: الحافظين أبي بكر البيهقي، وأبي القاسم بن عساكر، والإمام العز بن عبد السلام، وغيرهم من فُضلاء الأشعرية، نذكرهم بما لهم من المحاسن، غير أنَّنا ننبه على ما وقَعُوا فيه من البدعة، فإنَّ الحق لا مُحاباةَ فيه، ولا تمنعنا بدعتهم من الانتفاع بعلومهم في السُّنن والفقه والتفسير والتاريخ وغير ذلك مع الحذر.
ولنا أسوةٌ بالسَّلف والأئمة فإنهم رَووا السُّنن عن الكثير من المبتدعة لعلمهم بصدقهم، مع نعتهم لهم بالبدعة.
ونجتنب التكفير والتضليل والتفسيق للمُعيَّن من هذا الصنف من العلماء، فإن هذا ليس من منهج السلف، وإنما نكتفي ببيان بدعته وردِّها إذا تعرَّضنا لها، أو خشينا أن يتضرَّر بها الناس، مع اجتناب ذكره بالسُّوء في ذاته بما يزيدُ على ذكر ما في بدعته من مخالفة الدين لما قد يتعدى بنا إلى الغيبة المحرمة.
وهذا كُلُّه في حق العالم إذا لم تغلب عليه البدع والأهواء، وعلمنا منه حرصه على متابعة الرسول ﷺ ، وتحري الحق من الكتاب والسنَّة إلا أنه لم يُصبه لشُبهةِ ما أو غير ذلك -شأن الكثير من متقدمي الأشعرية خلافاً لأكثر متأخريهم، فإن لكثير من مُتقدميهم اجتهاداً في طلب الحق-.
أما إذا غلبَت عليه الأهواءُ ومُخالفةُ صريحِ الشريعة، ولم يكن متحرّياً للحق من كتاب الله وسُنّة نبيه ﷺ فليس له توقير ولا حُرمَةٌ ولا كرامةٌ.
стр. 829
العقيدة الصافية للفرقة الناجية
المؤلف/ المشرف: سيد سعيد السيد عبدالغني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: بدون ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: عقيدة - أعمال شاملة
الخاتمة: الحمد لله رب العالمين الذي تتم به الصالحات، موفق العباد لسبيل الهدى والرشاد، ومنجيهم من الظلمات، وهاديهم إلى ما يحبه ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فبعد أن تجولنا في هذا الكتاب، وبين هذه السطور، ونهلنا من نهر التوحيد وشاء الله لنا أن نعيش مع هذا التوحيد، ونحيا مع هذه العقيدة الصافية لهذه الفرقة الناجية، التي هي امتداد لعقيدة السلف الصالح، من أهل السنة والجماعة – أود أن أوضح أمرين مهمين جداً:
الأمر الأول: ما توصلت إليه أثناء بحثي أن أمر التوحيد جد مهم وخطير، وتكلم فيه الكثير والكثير، وهناك من جاء بالصحيح، وهناك من دس السقيم، ولا يستطيع أن يميز الخبيث من الطيب إلا من عنده عقيدة ثابتة راسخة، قد تأسست على تقوى من الله تعالى، ثم على منهج السلف الصالح؛ فوجب على علماء المسلمين أن يسدوا هذا الجانب بالكثير والكثير وأن يوجهوا عناية المسلمين لتعليم هذا العلم والاهتمام به؛ وذلك لما لهذا العلم (علم التوحيد) من أهمية كبرى في حياة المسلم وإيمانه وأيضاً في آخرته ومصيره.
وتوصلت أيضاً خلال بحثي أن عقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة الحقة، ومنهجها هو المنهج القويم الجدير بأن يتبع، وأن ما عداها من عقائد الفرق والجماعات والمذاهب لا يخلو بعضها من فساد في العقيدة، وبعضها الآخر من انحراف في المنهج، وبعضها لا تقوم له أي قائمة.
وتوصلت أيضاً إلى أن هذا العلم هو العمدة، وهو رأس هذه العلوم، ويتوقف قبول باقي العبادات مهما بلغ مكانها من الدين الإسلامي على هذا العلم (علم التوحيد) فلا تقبل جميع العبادات إلا بتحقيق هذا التوحيد، بل يتوقف دخول الجنة ودخول النار على تحقيق هذا التوحيد وعدم تحقيقه.
الأمر الثاني: توصياتي من خلال هذه التجربة:
١ - تقوى الله في السر والعلن.
٢ - اهتمام كل مسلم بعلم التوحيد (تعلمه، واعتقاده، وظهور آثاره على سلوك المسلم ومعاملاته).
٣ - اهتمام علماء المسلمين بتوعية المسلمين، وشحذ هممهم تجاه الاستزادة من تعلم أمور التوحيد ومسائل العقيدة، التي يصح بها توحيد المسلم، وتسلم بها عقيدته. ٤ - ما زلنا في حاجة إلى الكتابة في هذا العلم بأساليب جذابة مبسطة وسهلة تجذب المسلم للاطلاع في هذا العلم والاستزادة منه، وتكون بعيدة عن التعقيد والغلظة؛ حتى لا يؤدي ذلك إلى الملل ونبذ هذا العلم.
٥ - حاجتنا إلى تطبيق هذا العلم بعد تعليمه في أقوالنا وأعمالنا وسلوكنا ومعاملاتنا.
٦ - أوصي كل مسلم يريد الاطلاع في هذا العلم أن يتحرى كتب أهل السنة والجماعة، ويحذر كتب أهل البدع والفرق الضالة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 830
العقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط
المؤلف/ المشرف: سليمان بن سالم السحيمي
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مكتبة الإمام البخاري ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٠هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: آل البيت - حقوقهم وفضلهم
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته وتوفيقه تتم الصالحات، وبعد أن منّ الله علي بإتمام هذا البحث فإني أختمه بأهم النتائج التي توصلت إليها وهي ما يلي:
١ - إن معنى السنة عند السلف، موافقة الكتاب والسنة في سائر الأمور وهي مقابل البدعة.
٢ - إن أهل السنة هم المتمسكون بكتاب الله وسنة النبي ﵌، وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
٣ - إن الآل والأهل والبيت كلها ألفاظ مترادفة تدل على معنىً واحد.
٤ - إن آل بيت النبي ﵌ هم قرابته الذين حرمت عليهم الصدقة وزوجاته وذريته ﵃ أجمعين.
٥ - إن أهل السنة والجماعة هم أولى الناس بأهل بيت رسول الله ﵌ من حيث الموالاة والمحبة والتقدير فيثبتون جميع ما ورد في فضل آل البيت من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول ﷺ سواء كان هذا الفضل على وجه العموم أو على وجه الخصوص مع إثبات التفاضل بينهم ﵃ فكانوا أعدل الناس في معرفة الحقوق الواجبة لآل البيت.
٦ - قوة رابطة المحبة والمودة المتبادلة بين آل البيت والصحابة وسلف هذه الأمة واعتراف أئمة آل البيت بأفضلية أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ وقد نزه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم مما تزعمه الرافضة فكانوا من أعظم الناس صدقاً وتحقيقاً للإيمان وكان دينهم التقوى لا التقية.
٧ - براءة علي ﵁ والصحابة من دم عثمان رضي الله عن الجميع.
٨ - إن من سب أم المؤمنين عائشة ﵂ وقذفها بما رماها به أهل الإفك، فإنه يكفر إذ كذب بما أخبر به الله من براءتها، وعقوبته أن يقتل مرتداً عن الإسلام، وكذلك الحال في باقي أمهات المؤمنين لما في ذلك من العار والغضاضة لرسول الله ﵌.
٩ - وجوب الإمساك عما شجر بين الصحابة رضوان الله عليهم، وعدم الخوض إلا بما هو لائق بمقامهم وبعلم وعدل، وذلك أن ما نقل عنهم في التشاجر والاختلاف منه ما هو كذب ومنه ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون لاجتهادهم فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ له أجر واحد وخطؤه مغفور.
١٠ - إن علياً ﵁ أولى الطائفتين بالحق ومن قاتله من الصحابة كان مجتهداً وله أجر واحد، ولا يخرجهم هذا القتال من الإيمان، كما لا يدخلهم في الفسق كما يعتقده أهل البدع.
١١ - إن خلافة الحسن بن علي ﵄ خلافة حقة راشدة مكملة لخلافة النبوة التي أخبر عنها المصطفى ﷺ بقوله: (الخلافة ثلاثين عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك).
١٢ - إن الحسين ﵁ قتل مظلوماً شهيداً شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين.
١٣ - إن الرافضة كل من رفض إمامة الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ وتبرأ منهما أو سب أصحاب النبي ﵌.
١٤ - إن المراد بآل البيت عند الرافضة أصحاب الكساء الخمسة النبي ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ ويلحق بهم الأئمة التسعة الذين يزعمون فيهم الإمامة وما عداهم فلا.
١٥ - إن الرافضة قد أفرطوا في من حصروا فيهم آل البيت ولاسيما الأئمة منهم فاعتقدوا العصمة لهم وتفضيلهم على الأنبياء والرسل ووصفهم بصفات الربوبية والألوهية.
стр. 831
١٦ - إن دعوى الرافضة قصة الميراث لفاطمة ﵂ دعوى باطلة لا دليل عليها وإنما اتخذوها ستاراً للقدح في خيار الأمة، إذ أن المرأة في عقيدة الرافضة لا ترث العقار والأرض، والنبي ﵌ لم يترك ديناراً ولا درهماً.
١٧ - إن دعوى الوصية التي أفرط الرافضة في إثباتها مأخوذة من عقيدة اليهود وأول من نادى بها عبدالله بن سبأ اليهودي بن السوداء. ومبناها على شبه وتأويلات ساقطة وأحاديث مكذوبة موضوعة اختلقها زنادقة وملاحدة للكيد للإسلام وأهله، إذ أنها مخالفة لما جاء به رسول الله ﵌ وما ثبت عن أهل بيته، وعليٌّ ﵁ والأئمة من آل البيت أبرياء منها ومن كل ما تنسبه إليهم الرافضة.
١٨ - إن الرافضة سلبت الإمامة من ولد الحسن بن علي ﵄، لتنازله عن معاوية بالخلافة وحقن دماء المسلمين تحقيقاً لقول جده المصطفى ﵌ فيه.
١٩ - إن الرافضة غلت في مقتل الحسين غلواً مشيناً إذ اتخذوا يوم مقتله ﵁ اليوم العاشر من المحرم مأتماً وحزناً ونياحةً إلى يومنا هذا، ولعل هذا الفعل بمنزلة التكفير عن ما فعله أسلافهم من التخاذل عن الحسين وآل بيته.
٢٠ - إن النصب هو بغض علي ﵁ أو أحد آل البيت عليهم الصلاة والسلام.
٢١ - إن مسمى النصب يدخل فيه الخوارج، وبعض المعتزلة، وبعض بني أمية، كما يدخل فيه الرافضة.
٢٢ - إن الأسباب الدافعة لاعتقاد النصب مبناها على الجهل وسوء الفهم وقلة العلم والفقه في الدين عند الخوارج، والعصبية والموالاة ومقابلة الشر بالشر عند بعض بني أمية، والابتداع عند المعتزلة والحقد والهوى عند الرافضة.
٢٣ - إن الرافضة جمعت بين السيئتين سيئة الإفراط وسيئة التفريط فكان فيهم نوعٌ من ضلال النصارى ونوعٌ من خبث اليهود فكما أفرطوا في بعض آل البيت فرطوا في باقي آل البيت فقدحوا في أمهات المؤمنين، وفي ولد النبي ﵌ ما عدا فاطمة كما قدحوا في باقي بني هاشم، فكانوا أعظم الناس نصباً لآل البيت.
٢٤ - أحقية علي ﵁ بالخلافة بعد الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃، وانعقاد الإجماع على ذلك وأن الأئمة على هذا الترتيب في الفضل والإمامة.
стр. 832
العلمانيون والقرآن الكريم
المؤلف/ المشرف: أحمد إدريس الطعان
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن حزم - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٨هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: العلمانية والعلمانيون
يمكننا بعد تلك الجولة في المصادر المختلفة أن نشير إلى النتائج التالية:
١ - لقد خلق الله العقل وزوده بأدوات تمكنه من سلوك الطريق الذي يفضي به إلى الحق إذا تجرد عن الأهواء والنوازع والأغراض، ولكنه أيضاً جعل لهذا العقل حدوداً كما جعل للبصر حدوداً، وحدوده لا يمكن أن تتجاوز عالم الشهادة والحس، ولذلك فكل المغامرات العقلية التي تريد أن تسكتنه الغيب أو تستكشف الملكوت الأعلى باءت بالفشل، والتاريخ الفلسفي الذي بين أيدينا أبرز دليل على ذلك، ونجد فيه مغامرتين للعقل الغربي استغرقت كل مغامرة منهما أكثر من خمسمائة عام، الأولى: مغامرة العقل اليوناني، والثانية: مغامرة العقل الأوربي الحديث، وكلتا المحاولتين انتهت إلى الشك والعدمية واللاأدرية.
٢ - وعندما ينتهي العقل إلى الشك والعدمية واللأدرية مع تمكن النوازع الغريزية والأرضية منه فإنه يصبح وحشاً جامحاً لا يمكن أن يقف في طريق رعوناته وشهواته وأهوائه شيء. وهذا ما حصل عبر مسيرة الفكر الأوربي على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدول والمجتمعات، حتى سئم الإنسان نفسه، ولم يعد يشعر لوجوده معنى، لقد أصبح همه وغايته لا يتجاوزان الحدود التي وقف عندها عقله، فلم يفكر بعالم آخر للجزاء والحساب ولذلك فكل ما يمكنه أن يصل إليه من المتع والملذات يجد أن عليه أن يقضيها بسرعة قبل أن تذهب منه، فترسخت الدنيوية (العلمانية) في قلبه، وتمكنت الشهوات من نفسه، وتفاقم ذلك بشدة حتى دفع البشر الثمن في حربين عالميتين أزهقت فيهما ملايين الأرواح عدا عن الملايين الأخرى التي أزهقتها الأمراض المفترسة، أمراض العلمانية والرأسمالية كالإيدز والقلق والاكتئاب والانتحار وغيرها، ولا يزال البشر ينتظرون الكثير من المآسي والكوارث التي ستكون نهايات الآخر ما توصلت إليه الدنيوية العلمانية الجامحة.
٣ - هذه التجربة الغربية كان يفترض أن تكون درساً وعبرة لنا نحن المسلمين بالذات؛ لأن ديننا الحنيف في الوقت الذي مجد فيه العقل وأكد دائماً على دوره في عالم الشهادة وعالم المحسوسات، بين لنا ما لا يمكن للعقل أن يخوض فيه أو يقتحمه من عوالم الغيبيات كالآخرة وكنه الذات الإلهية وكنه صفاتها.
ولكن تواكبت عوامل مختلفة من استعمار وجهل جعلت الدنيوية تجد طريقاً سهلاً إلى دنيا المسلمين، وتفسح لنفسها مكاناً في عقولهم وقلوبهم ومجتمعاتهم، حتى تسبب ذلك في اضطراب في الفكر وبلبلة في العقل، وتحتاج الأمة إلى تظافر الجهود وتكاتف العلماء والمفكرين المخلصين للتخلص من آثارها والحيلولة دون تفاقهما.
أن أبرز ما تجلى من آثار سلبية للعلمانية كانت من حيث التعامل مع القرآن الكريم فظهرت دعوات تكتفي أولاً بالقرآن وتحيد السنة، بحجة أن السنة دخلها الوضع بشدة فلم يعد يمكن تمييز الصحيح فيها من غيره، ثم تطورت الدعوة إلى التخلص من القرآن تحت مسمى خفيف الصدمة هو فكرة (التاريخية) التي تعني في حقيقة الأمر (إخضاع الأحداث والأفكار للصيرورة المادية المكانية النسبية) وكان ذلك يعني بالنسبة للقرآن الكريم (خضوعه لأثر الزمان والمكان والمخاطب بشكل مطلق) أي بدون دليل.
٤ - هذه التاريخية سلك إليها الخطاب العلماني مسالك يستأنس بها المسلمين، فاستخدم لهذا الغرض مفاهيم إسلامية مفرغة من مضامينها الحقيقية، ومجردة من ضوابطها وكوابحها الأساسية، مثل: المقاصد وعلوم القرآن، والفن الأدبي والتأويل، ثم قام بتضمينها وتعبئها بمضامين جديدة استوردها من الشرق والغرب.
стр. 833
٥ - ثم تبين أن المضامين الحقيقية التي ألبست ثياباً إسلامية هي في الحقيقة فلسفات علمانية غربية مستهكلة دنيوية وإنسية وماركسية وهومينوطيقية قد هجرت في ديارها، ولم يجن أهلها منها إلا الضياع والقلق ومزيداً من اليأس والإحباط.
٦ - انعكس ذلك على المرجعية التي يجب أن تحكم الحياة فأصبح المرجع والحاكم هو الإنسان والواقع، أما القرآن فهو مجرد غطاء للتبرير، عليه أن يبارك الواقع، ويرضخ له وإلا فإنه يمكن أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان.
٧ - ولذلك لم يعد للقرآن معنى في الفكرانية العلمانية لأنه أصبح يقول كل شيء دون أن يقول شيئاً، يقول كل شيء يريده الإنسان، ويسكت عن كل شيء لا يريده الإنسان، ولم تعد له القداسة التي يكنها له المسلمون، فأصبح يدعو إلى النفور، ويمارس التعمية (والإيديولوجية) والخداع والمخاتلة، ويوصم بالتناقض والتفكك -والتبعثر.
٨ - ولمزيد من الوفاء العلماني لجذوره الغربية الدنيوية اجتر كل ما قاله المبشرون من أمثال فندر في كتابه ميزان الحق والمستشرقون من أمثال نولدكه وبلاشير بخصوص تاريخ القرآن وجمعه وكتابته، فردد كل ما قاله هؤلاء من طعن في سلامة القرآن عن التحريف، وإشاعة للأخبار الكاذبة التي وضعها الزنادقة، وروجها المبطلون، وهو في كل ذلك يعبر عن أشد أنواع الاستلاب، ويعاني من أخطر جراثيم الافتراس.
أما واجبنا نحن المسلمين فعلينا أن نقارع الخصم بنفس أسلحته، وعلينا أن لا نكتفي بالإدانة والرفض والتسفيه، لأن ذلك إذا لم يقترن بالحجة والبرهان يكون ضرره أكثر من نفعه، ولابد من قراءة مصادر العلمانيين ومراجعهم والإطلاع على أحدث ما يتبجحون به، مع العلم بأن أحدث ما يتبجحون به مرفوض في بيئته، ومهجور في عقر داره. لقد قلت كما قال الدكتور عبد العزيز حمودة بأن العلمانيين أو الحداثيين يحسنون فن العرض والتغليف، يساعدهم على ذلك الإطلاع على اللغات الأجنبية التي تثري في نفس الوقت لغتهم العربية بسبب تفاعل اللغات، وتراكم التراكيب والكلمات، وتيسر النحت والاشتقاق الذي يتأتي بكثرة المتقابلات والمترادفات الحديثة والجديدة، والتي تغري الجيل الجديد، وتعزر ثقته بقدرة الخطاب العلماني على الإبداع والتجديد.
إننا في عصر تكون الغلبة فيه لمن يحسن الدعاية والإعلان في الغالب، وعلينا أن لا نزدري ذلك وأن نوليه كثيراً من الاهتمام إلى جانب ما نملكه من جوهر نفيس، وتراث عزيز، وحضارة باسقة. إن علماءنا السالفين لم يستهينوا بالأفكار الوافدة، والفلسفات الغازية، بل تفاعلوا معها وأتقنوها حتى بزوا أهلها، وفاقوا أعلامها، فنازلوهم عند ذلك منازلة الأقران، وصاولوهم مصاولة الشجعان فلم تمض سنوات قليلة حتى هضمت العلوم المختلفة ثم أعيد بناؤها من جديد بما يتلاءم مع مبادئ الإسلام ومثله العليا.
ونحن اليوم بحاجة إلى أن نمسك بالأفكار الجديدة من منابعها، ونتابع ما آلت إليه تطبيقاتها في واقعها، لكي نتمكن من رؤية حقيقية لأضرارها ومنافعها، فإذا قال العلمانيون: اللسانيات أو الهرمينوطيقا أو الإنتربولوجيا أو غير ذلك، فلابد من وضع هذه الدعوات في عين الاعتبار، والبحث عن أصولها، وقراءة أعلامها، وسنكتشف دائماً أن الحق لا يعدم من أنصار، وأن الباطل دائماً ينهار، لأن الحق دائماً أبلج، والباطل دائماً لجلج. وهذه هي وصيتي الأولى.
стр. 834
أما الوصية الثانية: فهي أنني أرى أن البحوث الأكاديمية الفلسفية في أقسام الدراسات الإسلامية تولي اهتماماً لدراسة التراث أكثر من اهتمامها بدراسة الواقع المعاصر، وقد ترتب على ذلك أن تركت الساحة للخطاب العلماني يسد الثغرة، ويملأ الفراغ، وكان لذلك انعكاسات خطيرة على الفكر والعلم والواقع، وخصوصاً في استقطاب أعداد كبيرة من أنصاف المثقفين الذين تغريهم المناهج بسبب عدم استنادهم على قاعدة أصولية متينة. ولا يعني ذلك أنني أدعو إلى التقصير في دراسة التراث، وإنما أدعو القائمين على توجيه الدراسات الأكاديمية إلى إقامة توازن بين الواقع والماضي، ونسج وشائج تواصل بين دراسة التراث والواقع المعاصر بما فيه من أطروحات جديدة، ومناهج حديثة. إن أكثر الأفكار الجديدة هي في حقيقتها ليست جديدة، وإنما أفكار قديمة تصاغ بقوالب جديدة، فلماذا لا نكون نحن هؤلاء الصياغ، لماذا نترك مهنة الصياغة لغيرنا مع أنها من أكثر المهن ثراء وجلباً للأرباح.
إن ما أدعو إليه هو أن يكون الانطلاق من الواقع والحاضر إلى الماضي، ولكن الذي يحصل هو أن الدراسات الإسلامية لا تنطلق حتى من الماضي إلى الحاضر، وإنما تظل حبيسة الماضي دون أن تقيم أي صلة مع الحاضر والواقع المعاصر، وهو ما يجعلنا غرباء عن عصرنا، ويجعل غيرنا أكثر تآلفاً وتصالحاً ومودة معه، وبالتالي قبولاً منه.
إن المشاريع العلمانية التي تطرح نفسها باسم الواقع والإنسان والمصلحة والمغزى يمكن أن تواجه ببدائل إسلامية تنفي عنها الزغل والخبث، وتستفيد من النافع والحسن. إن الإسلام ليس عقبة في وجه الواقع أو التطور وهو المعنى الذي يتضمنه قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ولكنه في الوقت نفسه لا يترك الواقع هملاً دون رعاية أو هداية. إن مساحة الواقع في الإسلام واسعة جداً، وحرية الحركة له متاحة إلى تخوم بعيدة، ومرونة النصوص والأصول تفسح المجال لدفع الحرج والتواؤم مع تقلبات الأزمنة والأمكنة، وتملك إجابات مريحة لكل الأسئلة التي قد تؤرق الإنسان. ولكن مع هذه السعة وهذه المرونة والحرية فهناك سياج يلف الإسلام به الواقع، وهذا السياج هو الرحمة التي تعصم العقل وتحول دون الوقوع في هاوية الهوى والأنانية والنفعية.
إن الخطاب العلماني يريد أن يدمر هذا السياج – الدوغمائي بنظره – ليقتحم الغيب، ويزحزح هذه الحدود والثوابت لأنه يطمح إلى معرفة ما وراء هذا السياج، ولا يكتفي بالخبر الموثوق، ويأبى إلا أن يقتحم هذا السياج ويرتع في الحمى، ويتجاهل التجارب الإنسانية الطويلة الفاشلة في هذا المجال، ومهمتنا نحن المسلمين ليس في دفعه إلى الهاوية، وإنما في انتشاله منها كما علمنا نبينا المصطفى الرحمة المهداة للعالمين ﷺ . والله أعلم.
стр. 835
الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة
المؤلف/ المشرف: عبدالرحمن بن معلا اللويحق
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٢هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: وسطية وغلو
الخاتمة
ها أنذا ألقي عصا التسيار، فأصل إلى نهاية هذا البحث الذي أمضيت في قراءة موضوعاته ما يزيد على ثلاث سنين، فخبرت جوانبه بعد سبرها، ونظمت أطرافه بعد جمعها، وأختم بأن أدون أهم النتائج التي توصلت إليها وأهم التوصيات التي أرى أهميتها.
نتائج البحث:
أولاً - أن الإسلام دين العدل والوسطية، لذلك فإنه ينهى عن الانحرافين: الغلو، والتقصير: الإفراط، والتفريط.
ثانياً - أن الإسلام دين اليسر، فهذه هي سمته الواضحة وعلامته الفارقة، كما أنه دين التيسير، ولذلك أمر بالتيسير على الناس والرفق بهم واللين في دعوتهم.
ثالثاً - أن الإسلام دين التسامح، إذ يدعو إلى اللين في إبلاغ الدعوة، بل يدعو للتسامح حتى مع الأعداء وعدم الاعتداء والتمثيل والغدر.
رابعاً - أن الغلو في اللغة: تجاوز الحد، وأن ألفاظ: التطرف، التشدد، التنطع، والعنف .. مقاربة للفظة الغلو:
بوجه من الوجوه الآتية:
١ - إما أنها مرادفة لها.
٢ - أو بينها وبين لفظة الغلو عموم وخصوص.
٣ - أو أنها تمثل أوصافاً ومظاهر للغلو.
خامسا - أن الغلو في الشرع مجاوزة الحد، بأن يزاد في مدح الشيء أو ذمه على ما يستحق.
سادساً - أن للغلو جذوراً تاريخية، فقد وجدت فرق وطوائف غالية في تاريخ المسلمين. وقد استفاد الغلاة المعاصرون من الغلو القديم تأييد حججهم، وتقوية أدلتهم. ولم يكن هناك تسلسل تاريخي أو توارث للغلو بين الخوارج مثلاً وبين الغلاة المعاصرين.
سابعاً - أن للغلو جذوراً فكرية تتمثل في جانبين:
أ - معاقد الآراء وهذا يظهر في قضية الحاكمية حيث يمكن إرجاع الغلو المعاصر إلى الخلاف الواقع في المسألة، وإلى الفهم الخاطيء لهذه القضية، وإلى ظهور الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين.
ب - المنهج الذي استخدمه الغلاة للوصول إلى آرائهم. حيث تبين عوج ذلك المنهج وانحرافه مما أدى إلى انحراف النتائج.
ثامناً - أن للغلو جذوراً نفسية. ولهذه الجذور جانبان:
١ - رد الفعل: حيث زخرت المجتمعات المسلمة المعاصرة بكثير من القوانين والأنظمة والتصرفات المنافية للدين والمناقضة لقيم المجتمع، مما أحدث رد فعل عند بعض أبناء المجتمع مقابلة للفعل.
٢ - القابلية للغلو: إذ كانت نفوس من وقعوا في الغلو قابلة له لضعف العلم الشرعي، ولقوة تأثير الفعل المنافي للشرع الذي يرونه في مجتمعاتهم.
تاسعاً - أن فهم طبيعة الغلو المعاصر من أهم الجوانب المعينة على علاج المشكلة. وأبرز النقاط الموضحة لطبيعة الغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة هي كما يلي:
١ - أن المشكلة رد فعل لفعل خاطئ - سواء في حقيقة الأمر أم في زعم الغالي - مع أن الغالي مدان لأنه مثل الأرضية المناسبة للغلو.
٢ - أن المشكلة ينظر إليها من ناحية الزمن من جانبين:
أ - الناحية الفردية. وهذا - في الغالب - غلو مرحلي ينتهي إما إلى سنة واعتدال، وإما إلى بدعة وجفاء.
ب - الناحية الجماعية. - أو وجود الغلو في الأمة - فهذه مشكة دائمة حيث لا يخلو زمان من غلو، ولكنه يتسع ويضيق بحسب العوامل والأسباب المؤدية إليه.
٣ - أن المشكلة ذات أبعاد مختلفة؛ فهي مشكلة شرعية دينية، وهي سياسية، وهي اجتماعية، وهي أمنية. فالإسلام دين شامل، وفهمها على أنها مشكلة أمنية فقط خلل خطير.
٤ - أن المشكلة مشكلة عالمية فكل بلد من بلاد العالم الإسلامي يشتكي منها، بغض النظر عن صدق الشكوى.
٥ - أن المشكلة مشكلة داخلية في كل بلد وليست مشكلة وافدة، بل هي نابعة من داخل المجتمع المسلم.
стр. 836
٦ - أن المشكلة مشكلة فردية إذا نظرنا إلى جانب الغلو الجزئي العملي. وهي مشكلة جماعية إذا نظرنا إلى جانب الغلو الكلي الاعتقادي.
عاشراً - أنه بالمقارنة مع حجم الإرهاب في العالم، وحجم الغلو عند الأديان والتيارات في بعض البلاد، يتبين أن مشكلة الغلو عند المسلمين هُولت وضخمت بشكل كبير وحظيت - لغرض من الإعلام الغربي - بكثير من العناية والمتابعة.
حادي عشر - أنه عند استعراض أقوال أهل العلم المعاصرين يتضح أن مفهومهم للغلو نابع من فهم نصوص الشرع، لكن عند التطبيق تتضح بعض جوانب الخطأ.
ثاني عشر - بدراسة وتحليل بعض دراسات العلمانيين لمشكلة الغلو، يتبين أن مفهومهم للغلو نابع من علمانيتهم، فيرون كل داع إلى تطبيق شرع الله، وكل مناد بشموع الإسلام وحكمه لجميع جوانب الحياة غاليا و (متطرفاً).
ثالث عشر - أن الغربيين في دراستهم لمشكلة الغلو عند المسلمين يصدرون عن مفهوم الغلو عند النصارى، ويريدون نقل ذلك المفهوم إلى بلاد المسلمين لحاجة في نفوسهم. ومؤدى مفهومهم للغلو أن الإيمان بحرفية القرآن وأنه كلام الله الذي يجب تطبيق أوامره غلو و (أصولية)، كما أن الإيمان بحرفية الإنجيل وأنه كلام الله غلو و (أصولية).
رابع عشر - أن هناك مظاهر للغلو في الدين في حياة المسلمين المعاصرة. وقد استطعت حصر ما قام عليه الدليل عندي فيما يلي:
١ - الغلو في مهفوم الجماعة.
٢ - الغلو في التعصب للجماعة.
٣ - الغلو بجعل الجماعة مصدر الحق.
٤ - الغلو في القائد.
٥ - الغلو في البراءة من المجتمعات المسلمة.
٦ - التكفير بالمعصية.
٧ - تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله بإطلاق.
٨ - تكفير الأتباع المحكومين بغير ما أنزل الله بإطلاق.
٩ - تكفير الخارج عن الجماعة.
١٠ - تكفير المقيم غير المهاجر بإطلاق.
١١ - تكفير المعين دون اعتبار للضوابط الشرعية.
١٢ - تكفير من لم يكفر الكافر بزعمهم.
١٣ - القول ببدعة التوقف والتبين.
١٤ - وصف المجتمعات المعاصرة بوصف الجاهلية.
١٥ - وصف البلاد المسلمة بأنها دور كفر.
١٦ - إحداث أصول تشريعية جديدة.
١٧ - الغلو في مفهوم التقليد، وإنكار الإجماع.
١٨ - الغلو في ذم المقلدين.
١٩ - إلزام جميع الناس بالاجتهاد.
٢٠ - التشديد على الناس.
٢١ - التشديد على النفس.
٢٢ - تحريم الطيبات.
٢٣ - الخروج على الحكام دون اعتبار للضوابط الشرعية.
٢٤ - تحريم التعليم والدعوة إلى الأمية.
٢٥ - تحريم الصلاة في المساجد.
٢٦ - إيقاف صلاة الجمعة.
٢٧ - اعتزال المجتمعات ومفاصلتها.
٢٨ - الهجرة من المجتمعات.
٢٩ - القول بمرحلية الأحكام، أو بدعة القول: إننا نعيش في العهد المكي.
٣٠ - تحريم العمل في الوظائف الحكومية.
التوصيات:
إن علاج مشكلة الغلو مهمة مشتركة لجميع شرائح المجتمع، بدءاً من الحكام وانتهاءً بالغلاة أو المتهمين بالغلو، وسأذكر فيما يلي جملة التوصيات التي أرى لزوم اتخاذها لعلاج الغلو، مع العلم أن المسألة بحاجة إلى توسع أكثر وسأفردها ببحث مستقل مع الأسباب بحول الله تعالى:
أولاً: نشر عقيدة السلف:
إن المتأمل في مظاهر الغلو الموجودة في العصر الحديث يتبين أن تلك المظاهر خارجة عن مذهب أهل السنة والجماعة وعن المعتقد الشرعي الصحيح. وعليه فإن نشر العقيدة الصحيحة، وتدريسها في المدارس والجامعات والمساجد، وتدارس أهل الدعوة لها، ووضعها ضمن مناهجهم، يحقق للمجتمع المسلم الحصانة من الغلو.
ثانياً: نشر العلم الشرعي:
стр. 837
إن المبتلين بالوقوع في الغلو في العصر الحديث يتميزون بفقد العلم الشرعي أو قصوره، وينصب اهتمامهم على الدعوة، وذخيرتهم فيها الحماس والغيرة دون العلم الشرعي. ولذلك فإني أوصي بنشر العلم الشرعي وتكوين هيئات علمية، وما يسمى بالجامعات المفتوحة، ومراكز خدمة المجتمع في الجامعات الإسلامية، ليدرس الشباب العلم الشرعي، وتعقد لهم الدورات الشرعية التي يقوم عليها علماء أكفاء ذوو ثقة في نفوس الشباب، وذوو علم وإخلاص.
ثالثاً: إحياء دور العلماء:
إن غياب العلماء عن الساحة في كثير من البلاد الإسلامية غياباً كلياً أو غياباً نسبياً من ضمن أسباب وجذور الغلو. ولذلك فإني أوصي بأن يهتم بإعادة دور العلماء. ويتولى مسئولية ذلك بشكل رئيس ثلاث فئات:
الفئة الأولى: العلماء أنفسهم. وذلك بالإخلاص لله ، والقيام بواجبهم: تجاه ولاة الأمر بالمناصحة، وتجاه عموم المجتمع بالتربية والتوجيه، وتجاه فئة الشباب بالتربية والعناية.
والبعد عن كل ما يخدش مقام وكرامة العلماء، من الحرص على الدنيا والتكالب عليها، ومن ضعف الالتزام بأوامر الدين.
الفئة الثانية: ولاة الأمر. بأن يُصدّروا العلماء ويستشيروهم ويأخذوا برأيهم، ويوكلوا إليهم مهمة معالجة مظاهر الانحراف.
الفئة الثالثة: المجتمع والشباب بشكل خاص. وذلك بأن يأخذوا من العلماء ويأتمروا بأوامرهم وفتاواهم الشرعية.
وإذا تحقق دور العلماء في المجتمع، فإنهم سيكتسب المجتمع حصانة من مظاهر الانحراف، ووقاية من مشكلة الغلو وغيره من المشكلات، إذ العلم والحكمة هما أداتا تصحيح المسار، ولا يكفي الحماس والغيرة بدون العلم والحكمة، وهما لا يوجدان إلا عند أهل العلم بشرع الله .
رابعاً - محاورة أهل الغلو:
لقد سن رسول الله ﷺ أسلوب المحاورة مع الغلاة ودحض شبههم ورد افتراءاتهم، إذ رد ﵊ على ذي الخويصرة بقوله: (ويحك من يعدل إن لم أعدل!). كما عمل به صحابته رضوان الله عليهم؛ فحاور علي بن أبي طالب الخوارج، وحاورهم عبد الله بن عباس.
ولذلك فإن أسلوب الحوار ناجح في معالجة الغلو. لأن نور الحق ساطع، وبرهانه قاطع، وهو يعلو ولا يُعلى عليه. ولكني أنبه على عدة ضوابط للحوار:
١ - أن يكون مبنياً على الثقة؛ فيكون العالم المناقش والمحاور محل ثقة المتهمين بالغلو.
٢ - أن يعامل المتهمون بالغلو على أساس أنهم متهمون، لا أنهم مدانون يقفون في ساحة المحكمة.
٣ - أن يتوفر للطرفين حرية الحوار؛ فلا يملى على العالم جوانب الحوار، ولا يكون حوار المتهمين بالغلو في ظل القوة والعنف.
٤ - أن يكون الحوار منطلقاً من أرضية البحث عن الحق، لا لجمع أدلة إدانة للمتهمين بالغلو.
خامساً: دفن الهوة بين العلماء والحكام والشباب:
أن من أكبر المعضلات في مشكلة الغلو: أن هناك فجوة بين العلماء والحكام من جهة، والشباب من جهة أخرى. وإن دفن تلك الهوة بينهم واجب حتى تتحقق الثقة وتُبنى المحبة التي تحت ظلها تحل جميع المشكلات، إذ عندما يثق الشباب بولي الأمر من حاكم أو عالم فإنه سيسمع ويطيع. وعندما يثق ولي الأمر من حاكم أو عالم بالشاب فإنه سيفتح قلبه له ويحل مشكلاته ويزيل شكايته.
سادساً: الحكم بشرع الله:
إنه قد تبين جلياً أن الحكم بغير شرع الله كان من جذور الغلو الرئيسة؛ إذ معظم مظاهر الغلو راجعة إليه، ولذلك فإنه يجب على حكام المسلمين الحكم بشرع الله في سائر جوانب الحياة، فتوضع السياسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والإعلامية وغيرها في ضوء الشرع، ثم يراقب تنفيذ تلك السياسات وتطبيقها.
سابعاً: توضيح الحقائق:
стр. 838
إن حقيقة الغلو الشرعية غائبة عند كثير من الناس اليوم، وكثير من الكتاب والإعلاميين والساسة يتعاملون مع الغلو بدون فهم صحيح لحقيقته. بل يرى كثير منهم في التمسك بالدين غلواً ولذلك فإني أوصي بأن يكون المتعرض لمعالجة هذه المشكلة واعياً بها فاهماً لحقيقة الغلو، وإلا ستؤدي المعالجة إلى نقيض المراد، ويصبح لسان حال المغالي:
إذا كان رفضاً حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
ثامناً: التعامل مع المشكلة من جذورها:
إن كثيراً من محاولات معالجة مشكلة الغلو تنصب على بعض المظاهر، كالعنف، وتغفل الجانب الأهم في معالجة الغلو، وهو التركيز على جذور الغلو، لتكون المعالجة معالجة فعالة، ولتقطع المشكلة من أساسها فتجف آبارها وتغور منابعها.
تاسعاً: الانطلاق من أرضية سليمة:
إن عددا غير قليل من المعالجين للغلو غلاة، فهم غلاة في الجانب المقابل، وهو العلماني الذي ينطلق أصحابه من وجهة علمانية، ولا يرون الاعتدال إلا في موافقة آرائهم، ولذلك فإن أي محاولة لمعالجة الغلو يجب أن تنطلق من أرضية صحيحة وهي الدين الوسط. وبهذا يمكن أن تتحقق مصداقية المعالجة ويصل المعالج إلى نتائج جيدة.
عاشراً: إزالة الشكاية:
إنه بدراسة مشكلة الغلو تبين أن لهذه المشكلة جذوراً نفسية تمثل رد فعل لأوضاع خاطئة - كالحكم بغير ما أنزل الله -. ولذلك فإن الغلاة يشتكون ويطالبون بتصحيح تلك الأوضاع، ويعبرون عن مطالبهم بأسلوب غير شرعي. والمطالب المشروعة التي يطالبون بها يشترك معهم فيها كل من يريد لأمته ولبلاده وللناس الخير، وإن كان هناك فرق في أسلوب المطالبة. ولذلك فإني أرى من أكبر الطرق، وأقربها لإنهاء مشكلة الغلو: إزالة الشكاية وقطع الجذور، خصوصاً وأن كثيراً من الأوضاع التي يطالب بتصحيحها الغلاة أوضاع خاطئة بالفعل.
حادي عشر: إعادة بناء المجتمع:
إن المظاهر غير الإسلامية التي عمت كثيراً من بلاد المسلمين، كانت رافداً كبيراً من روافد الغلو وجذرا رئيساً من جذوره وسبباً لاستفزاز الحليم فضلاً عن غيره، ولذلك فإن من الواجب على المسلمين رعاة ورعية أن يعيدوا بناء مجتمعاتهم على أساس من الدين سليم، وأن تدرس جميع جوانب الانحراف وتعالج في ضوء الشرع.
ثاني عشر: عدم استخدام العنف في معالجة الغلو:
إن من الواضح من تجربة معالجة الغلو في العصر الحديث، أن العنف لم يجد في علاج الغلو، بل كان سبباً لظهور تيارات غلو. ولذلك فإني أوصي بألا يستخدم العنف والقوة في معالجة الغلو، لأن ذلك يفضي إلى أضرار وخيمة وأخطار عظيمة. وإذا استنفدت جميع الوسائل في معالجة الغلو ولم يبق إلا العقوبة فإنه يجب أن يكون الحكم بها للعلماء والقضاة الشرعيين، وأن تكون العقوبة خاصة لا أن تعم كما هو الواقع في بعض البلاد الإسلامية.
ثالث عشر: الحرص على المنهج الشرعي في الاستدلال والاستنباط:
أنه بتتبع كتابات أهل الغلو، يظهر جلياً الخلل في منهج الاستدلال عندهم وذلك:
- بإحداث أصول شرعية تؤخذ عنها الأحكام.
- أو باتخاذ منهج خاطئ لاستنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية.
ولذلك فإني أنصح كل من يتصدى للتأليف أن يحرص على المنهج الشرعي، فيستدل بما كان يستدل به سلف الأمة من الأصول الشرعية: الكتاب والسنة، والإجماع ...
ويسلك الطريق السليم لاستنباط الأحكام؛ فيحكم بالخاص على العام، وبالمقيد على المطلق، وبالمبين على المجمل. فإن سلوك المنهج الصحيح طريق لصحة النتائج والأحكام.
رابع عشر: الحذر من اتهام الغلاة وتكفيرهم:
стр. 839
إن كثيراً من الكتابات حول مشكلة الغلو تنبع من اتهام الغلاة بالعمالة أو بالخيانة، أو بأنهم خوارج، أو بأنهم كفار أو نحو ذلك. ولذلك فإني أوصي بالحذر من الوقوع في نظير ما يتهم به الغلاة من تكفيرهم للناس. فإن ألفاظ التكفير والخروج ونحوها ألفاظ شرعية يجب ألا تطلق جزافاً، بل بناء على ضوابط وقواعد شرعية.
كما أوصي بالحذر من الاتهام بالعمالة والخيانة ونحوها، لإنه إذا علم الغالي من نفسه البراءة من هذه التهم، فلن يزيده الاتهام إلا تمسكاً بما هو عليه.
خامس عشر: الحذر من الازدواجية والتناقض:
إن من أهم الجوانب التي يجب أن يأخذ بها من يريد معالجة الغلو الحذر من الازدواجية والتناقض. وهذه الازدواجية قد وقع فيها كثير من المعاصرين، فبينما ترتفع الأصوات في بعض المجلات والصحف، وتفتح الملفات الصحفية لموضوع: (النقاب) باعتباره مظهراً من مظاهر الغلو - كما يزعمون - لا نرى من يفتح فمه من أولئك مستنكراً ظاهرة العري في الشوارع وعلى الشواطئ، وظواهر الانحلال في المجتمع المسلم بحجة (الحرية الشخصية. أفليس لبس: (النقاب) أيضاً من (الحرية الشخصية)؟!
وهذه الازدواجية أدت إلى إضرام النار في قلوب المعتدلين فضلاً عن الغلاة. (ولو أن الإنسان وقف موقفاً إيجابياً من المتنكرين للدين والمتحللين من أحكامه، وغير ما يراه من المنكر بيده أو بلسانه، ما وجدت عندنا ظاهرة التطرف في الدين. ولو وجدت - لسبب أو لآخر - لكانت أخف وطأة مما ظهرت به).
سادس عشر: الحذر من الخلط بين الصحوة والغلو:
إن من الواجب على المسلمين؛ قادة، وعلماء، وعامة، أن يحذروا من الخلط بين الصحوة الإسلامية، وبين الغلو. وأن يحذروا من أساليب الأعداء التي تبرر ضرب الصحوة الإسلامية تحت ستار ضرب الغلو فإن الغلو في المجتمعات المسلمة المعاصرة قليل الحجم ومن الظلم أن يسحب الحكم على الكثرة التي تمثل تيار الاعتدال.
وإني في ختام هذا البحث أثني بحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، والذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجع الأمور. وأؤكد أني في هذا البحث قد خففت وإن ظن أني قد أكثرت، واختصرت وإن ظن أني قد أطلت. فما أعرضت عنه صفحاً أكثر بكثير مما ذكرت.
وإنه لقمن بكل واقف على هذا البحث أن يسدد ما به من خلل، وأن يستر ما فيه من زلل، فلقد علمت الأوائل والأواخر أنه ليس من العصمة أمان، خصوصاً إذا صدر الكاتب عن وفاض ليس فيه من العلم إلا القليل، وكتب بقلم كليل.
فاللهم لا تعذب يداً كتبت تريد نفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين عن دينك، ولا لساناً أراد الذب والدفاع عن شريعتك، ولا تحرمني بفضلك خير ما عندك بشر ما عندي.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 840
الفتنة وموقف المسلم منها في ضوء القرآن
المؤلف/ المشرف: عبدالحميد بن عبدالرحمن السحيباني
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار القاسم - الرياض ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤١٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: فتن معاصرة
الخاتمة
وبعد أن عشت هذه الفترة مع هذا الموضوع الخطير (الفتنة وموقف المسلم منها في ضوء القرآن) والذي أحمد الله – تعالى – على تيسيره لي بالانتهاء منه أذكر أهم ما توصلت إليه من نتائج، وذلك في الأمور التالية:
١ - اتضح لي أهمية دراسة بعض الموضوعات القرآنية دراسة موضوعية، حيث تكشف لنا مثل هذه الدراسة عن جوانب مهمة، يصعب الوصول إليها عن طريق الدراسة التحليلية، وبخاصة إذا كانت هذه الموضوعات من الموضوعات المستجدة، والمرتبطة بواقع العصر مثل موضوع (الفتنة).
٢ - علمنا من خلال التعريف اللغوي لكلمة الفتنة دوران الكلمة حول عدة معان، أكثرها ارتباطا بموضوعنا أن الفاء والتاء والنون من هذه الكلمة أصل صحيح يدل على الابتلاء والاختبار، إلا أن الفرق بين الفتنة والابتلاء أن الفتنة أعم من الابتلاء، والفتنة كذلك ابتلاء وزيادة، كما أن أفعال الابتلاء تأتي مسندة إلى الله – تعالى – بالاسم الظاهر، وبالضمير العائد إليه سبحانه، بخلاف الفتنة فلا تأتي الأفعال منها مسندة إلى الاسم الظاهر مطلقا؛ لأن من معاني الفتنة ما لا يكون حسنا.
وعرفنا من خلال ذكر معاني الفتنة في القرآن أن لفظ الفتنة في القرآن قد جاء على عدة معان، منها: الابتلاء، والصد عن السبيل، والعذاب .. الخ.
٣ - أوضحت في مجالات القتنة في القرآن ثلاثة أمور أولها: الابتلاء، وذكرت هنا ابتلاء الأنبياء، - عليهم الصلاة والسلام – وما واجهوه من فتن ومحن، وأثرها في تقوية إيمانهم بربهم – تعالى – وفندت ما جاء ضد بعضهم من إسرائيليات منكرة، لا تليق بمقام الأنبياء، وأوضحت المعنى الصحيح لفتنتهم.
وذكرت كذلك في مجال الابتلاء ابتلاء أقوام الأنبياء، وذكرت أن الفتنة قد محصت المؤمنين الصادقين من الكافرين المعاندين، وبينت كذلك ابتلاء الكافرين بالمؤمنين والعكس، وأثر ذلك في بيان حقيقة كل فريق على حدة، كما بينت في هذا المجال ابتلاء الناس كلهم بالخير والشر، وأثر ذلك على الجميع.
وفي المجال الثاني من مجالات الفتنة وهو بث الفرقة والاختلاف ذكرت دور المنافقين في زعزعة الصف المؤمن، فهم تارة يثيرون الفرقة والاختلاف بين المسلمين عن طريق الدعوة إليه كما في قصة بناء مسجد الضرار، وألمحت إلى صور ونماذج مما يفعله منافقو هذا الزمان، بما يشبه فعل سلفهم ببناء مسجد الضرار، مما يؤكد على أن طبيعة النفاق واحدة في كل عصر وزمن، وأن وسيلة المنافقين لا تتبدل، ولا تختلف.
وهم تارة يثيرون الفرقة بمحاولة الإفك على دعاة الإسلام، والافتراء عليهم، واختلاق التهم الباطلة ضدهم كما حصل ذلك في قصة الإفك، والتي يتكرر أمثالها في عصرنا الحاضر.
والمنافقون تارة يثيرون الخلاف بين المسلمين عن طريق التشكيك في صدق نبي الإسلام – ﷺ – كما حصل في قصة الجلاس بن سويد بن الصامت لما قال: (والله إن كان هذا الرجل صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير!) وبينت هنهنا ما يفعله بعض المنافقين في عصرنا هذا مما هو أشد من كلام الجلاس.
стр. 841
وذكرت كذلك في مجال بث الفرقة والاختلاف دور المنافقين في إثارة العصبية والتحزب بين المسلمين، وأوردت أمثلة توضح ذلك، كما في قول ابن سلول في غزوة بني المصطلق – وهو يخاطب الأنصار محرضاً لهم ضد المهاجرين: (هذا ما فعلتم بأنفسكم، احللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم!) وقد ربطت الموضوع بالعصر الحاضر فذكرت نماذج لما يفعله منافقو هذا العصر وأذنابهم من اليهود والنصارى لمحاولة بث الفرقة بين المسلمين عن طريق إثارة العصبية والتحزب بينهم.
وفي المجال الثالث من مجالات الفتنة وهو الصد عن سبيل الله – تعالى – ذكرت دور أعداء الله – تعالى – من الكافرين ومن نحا نحوهم من شياطين الإنس، في الصد عن سبيل الله – تعالى -، وحصرت الحديث في هذا المجال حول ثلاثة أمور، يسلكها هؤلاء ليؤدوا مهمتهم في الصد عن سبيل الله – تعالى – فالأمر الأول هو الإغراء والإغواء، وركزت فيه على قضيتين خطيرتين الأولى: محاولة الشيطان إغراء الإنسان وإغواءه وذكرت مثالين لذلك، والثانية: محاولة الزعماء والكبراء من شياطين الإنس إغراء أتباعهم وإغواءهم، وبينت أثر الانقياد لهم بأنه الخسارة في الدنيا، والهلاك في الآخرة.
وأما الأمر الثاني فهو محاولة صرف الناس عن القرآن، وفيه بينت تحذير الله – تعالى – لنبيه – ﷺ – من أن يصده الكفار عن آيات ربه بعد إذ أنزلت إليه، لما يعلم سبحانه من محاولاتهم المتتابعة لصرفه – ﷺ – عن القرآن، وبينت في ذلك الأثر الذي يحدثه هذا التحذير الإلهي على علماء الإسلام ودعاته أن يتنبهوا لمكائد الكفار في ذلك، ويقفوا أمامها كالجبال الشوامخ، ولو كان ذلك على حساب الجماجم والأشلاء.
وأن لا ينخدعوا بما خدع به أولئك المنهزمون الذين يبيعون دينهم مقابل إرواء النزوات، وإشباع الشهوات.
وأما الأمر الثالث: فهو محاولة خداع الناس وإغراقهم بالشهوات، وفيه بينت الأهداف التي يفعلها الكفار لتحقيق هذا الأمر، في مجال التربية والتعليم، وفي وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، وفي الخمور والمخدرات، ثم أخيراً في الرياضة والكرة.
ثم ختمت هذا المبحث الهام بذكر بعض التوصيات التي تمثل ما أراه علاجاً نقف به ضد تلك الأهداف الخبيثة والمؤامرات الحاقدة.
٤ - تبين لنا من خلال دراسة مظاهر الفتنة في القرآن خمسة مظاهر، أولها: الكفر والشرك، وتبين لنا من دراسة هذا المظهر الوسائل التي يسلكها المجرمون لإدخال المؤمنين في الشرك والكفر. والمظهر الثاني: النساء، وعرفنا عظم الفتنة بهن، وواجب الأمة في الحذر منهن، ومحاربة كل من يدعو إلى فسقهن ومجونهن، والمظهر الثالث: إتيان الذكران، وعرفنا أنه من أعظم الفتن وأكبر المحن التي تنزل بسببها النقم والبليات، وبينا في ذلك سبل الوقاية والعلاج، والمظهر الرابع: الحكم والسلطة، وبينا أنه من أشد الفتنة لما جبل عليه الإنسان من حب التملك والتسلط، وعرفنا أن من أكبر أسبابها الحاشية الفاسدة، وأن هنالك شروطاً وواجبات للحاكم، إذا التزم بها وطبقها كان ذلك عونا له على النجاة من هذه الفتنة. والمظهر الخامس والأخير: السحر، وعرفنا أنه من أعظم الفتن التي تمر بالمجتمعات الإسلامية لما له عليها من آثار موجعة، وظهر لنا من خلال دراسة هذا المظهر الأضرار العظيمة الناتجة من ظهور هذه الفتنة، وبينا الأمور التي تساعد على الخلاص من هذا الشر العريض.
стр. 842
٥ - اتضح لنا من خلال دراسة أسباب الفتنة في القرآن خمسة أسباب؛ الأموال والأولاد، والمعصية، واتباع الشيطان، وموالاة الكافرين، واتباع المتشابه، وعرفنا من خلال استعراض كل سبب من هذه الأسباب كيف يقع الإنسان بسببه في الفتنة، وشرحنا ذلك شرحاً مفصلاً.
٦ - تبين لنا من خلال دراسة أساليب القرآن في التحذير من الفتنة جمع من الأساليب القرآنية، فهذا أمر، وذاك نهي، وهذا تهديد وذاك تقريع، وهذا نفي، وذاك استفهام، وهذا تعجب، وذاك خبر، وهذا دعاء، وذاك شرط .. وعرفنا كيف دل كل واحد من هذه الأساليب على التحذير من الفتنة، وبينا الفتنة التي يحذر منها في كل أسلوب ذكرناه.
٧ - عرفنا من خلال استعراض آثار الفتنة في القرآن ستة آثار، حيث انكشف لنا أن الفتن تبين الصادقين، وتميزهم عن الكاذبين، كما أنها تكشف أستار المنافقين وألاعيبهم، وتفضحهم على الملأ، وعند حدوث الفتن والصبر عليها ينال المؤمنون بصبرهم عليها، وجهادهم المغفرة والرحمة من رب العالمين، وبحدوث الفتن والبلايا يتميز الصابرون والشاكرون الذين صبروا عند البلاء، وشكروا عند الرخاء، وكلاهما فتنة، يتميز هؤلاء من أولئك القانطين من رحمة الله، الجاحدين لنعمه وآلائه.
وعرفنا أنه بحدوث الفتن يعرف المسلم عدوه الشيطان، فيحذر من كيده ويتنبه لطرقه في الصد والإضلال لئلا يقع فيها.
كما أنه بالفتن يعرف المسلم أعداءه من اليهود والنصارى وأذنابهم، فيتنبه لمكرهم، ويحذر من الوقوع في شباكهم.
٨ - اتضح لنا من خلال مدارسة سبل النجاة من الفتنة تسعة أمور، فأولها الاعتصام بالكتاب والسنة، وثانيها لزوم الجماعة، وعرفنا أن أكثر الفتن التي نزلت بأمتنا إنما هي بسبب إهمال هذين الأمرين العظيمين.
وثالثها: إعلان الجهاد ضد الكفار، وإبراز القوة ضدهم، إذ أن كثيراً من الفتن التي حلت بالمسلمين وأهمها تسلط الكافرين ما وقعت إلا عندما أهمل المسلمون هذا الجانب العظيم في دينهم.
ورابعها: الصبر، إذ إن كثيراً من الناس قد وقع في الفتنة، وما ذاك إلا بسبب تركه للصبر، هذا السلاح العظيم.
وخامسها: اللجوء إلى الله – تعالى – فإن كثيراً من الخلق لا يكون بينه وبين الفتنة إلا شعرات، فما ينقذه من الوقوع فيها إلا لجؤوه إلى ربه، واستغاثته به، كما عرفنا ذلك من خلال آيات القرآن، وسنة نبينا الكريم- ﵊.
وسادسها: مقاومة أسباب الفتنة التي تقدم بيانها، إذ إن المسلم إذا لم يعرف أسباب الفتنة، ويقاومها بالطرق السليمة الصحيحة فربما وقع في الفتنة وهو لا يدري، فيندم بعد ذلك، ولات ساعة مندم.
وسابعها: الحذر من الأعداء، وعرفنا أن أهم الأعداء الذين تواجههم الأمة في هذا العصر ثلاث طوائف: اليهود والنصارى، والشيعة الإمامية، والمنافقون من علمانيين وحداثيين ونحوهم، واتضحت لنا من خلال هذه السبيل الطرق التي يجب علينا اتخاذها لنقاوم بها فتن هؤلاء الأعداء.
وثامنها: الحذر من الإشاعات، وعرفنا هنا خطر الإشاعات، وآثارها المدمرة في الفرد والأمة، وكشفنا عن الطرق التي يمكن سلوكها للنجاة من هذه الفتنة العمياء.
وتاسعها: - وهو آخرها – الثقة بنصر الله – تعالى – للمؤمنين، واليقين بأن المستقبل لهذا الدين مهما تكالب عليه الأعداء والحاقدون، ومهما داهمته الفتن، واجتمعت عليه الرزايا والمحن، وشرحنا ذلك شرحا مفصلاً كما شركه كتاب ربنا، وأوضحته سنة رسولنا – ﷺ – وكشفه لنا تاريخنا ..
ونبهت هنا إلى أن الثقة بنصر الله – تعالى – لا تعني أن يعرفها المسلم، ويترك العمل لدينه، بل لابد مع هذه الثقة أن يسعى لخدمة دينه، والدفاع عن أبناء ملته من المستضعفين من المؤمنين في كل مكان، وأن تتحرك كل ذرة في جسده للعمل الجاد الصالح، وإن الله – تعالى – إذا علم من العبد صدقه في ذلك وفقه وأعانه، ويسر له السبل في ذلك مهما بلغت مشقتها، فإنه بيديه وحده – سبحانه – مقاليد الأمور، وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو سبحانه الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 843
القاسمي، محمد جمال الدين القاسمي، وآراؤه الاعتقادية
المؤلف/ المشرف: علي محمود دبدوب
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار المحدثين - القاهرة ̈بدون
سنة الطبع: بدون
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: ترجمة مفردة - دراسة شاملة أو جزئية
الخاتمة:
وبعد هذه المعايشة العلمية مع شخصية الإمام القاسمي علامة الشام؛ نخلص إلى جملة من النتائج، نجملها في الآتي:
أ- بالنسبة لعصر القاسمي:
١ - الحالة السياسية في الدولة العثمانية – خلال عصر القاسمي – كانت سيئة لدرجة كبيرة؛ إذ تكالبت عليها المكائد من كل اتجاه؛ سواء من العالم الغربي أو من ولاتهم أنفسهم؛ مما دفع القاسمي لأخذ موقف من هؤلاء الولاة.
٢ - الحالة الاجتماعية كانت شبيهة بالحالة السياسية؛ بل زادت عليها بسبب كثرة المصائب السماوية، وحدوث الطواعين المتكررة وانتشارها بالعدوى، وكل ذلك أثر في دمشق وأدى إلى فناء خلق كثير.
٣ - الحالة الاقتصادية ساءت أيضاً إلى أبعد الحدود؛ بسبب نظام الالتزام الذي جعل الناس طبقتين: طبقة تعيش في بَذَخ وإسراف، وطبقة تكاد لا تجد إلا الكفاف.
٤ - الحالة العلمية كانت مفقودة؛ بسبب عدم وجود المدارس والمعاهد والجامعات ما أدى إلى انتشار الأُمِّية، وجَعْل اللغة التركية هي لغة الدولة الرسمية.
ب- أما سيرته الذاتية فقد تبين فيها الآتي:
١ - ينتمي القاسمي إلى بيت عُرِف بالورع والتقوى والعلم؛ فقد كان جده ووالده من علماء عصرهم.
٢ - اتصاف القاسمي بالصفات الحسنة الحميدة؛ مما جعل علماء عصره يثنون عليه وعلى علمه وأمانته.
٣ - ظهر لي أن القاسمي كان شافعي المذهب، ملتزماً بآراء مذهبه ومنتصراً له.
٤ - كان القاسمي حسن الأدب؛ فلم يتناول أحداً من خصومه بالتجريح؛ بل كان همه معهم الإلزام بالحجة، وكان يلتمس لصاحب المذهب المخالف العذر.
أما الباب الأول الخاص بالحديث عن الإلهيات عند القاسمي فقد تبين فيه الآتي:
١ - طريقة المتكلمين في الاستدلال على وجود الله بها كثير من الغموض؛ بخلاف طريقة القاسمي التي استقاها من كلام المتقدمين عليه، وساقها في صورة معاصرة ملائمة لأهل عصره.
٢ - كثرة نقل القاسمي عن غيره لا يُعدُّ عيباً فيه؛ إذ كان يجمع نوادره من مواضيع شتى، ويصيغها بأسلوب مُيسَّر؛ مع عزو كل قول لصاحبه.
٣ - اعتمد القاسمي في عرضه للأدلة على وجود الله تعالى على أدلة وبراهين كثيرة، سار فيها مخاطباً جميع الناس على اختلاف أحوالهم؛ فذكر أدلة عقلية وأدلة حسية، وهو في ذلك متَّبع لأسلوب القرآن الكريم.
٤ - عرضتُ لآراء الفرق في مسألة الصفات، وردَدتُ عليها بكلام العلماء.
٥ - كان القاسمي في مسألة الصفات – عموماً – منتصراً لمذهب السلف، وكان يرى أنه أعدل المذاهب، وساق أدلة كثيرة على ذلك.
٦ - كان القاسمي يعتمد في سوقه لأدلته على ما صح من حديث رسول الله ﷺ ، تاركاً الضعيف منها.
٧ - كان القاسمي يلتمس لصاحب المذاهب المخالفة العذر فيما ذهبوا إليه.
أما بالنسبة لما يتعلق بفصل النبوات فقد تبين لي ما يلي:
١ - مخالفة القاسمي للفلاسفة والمعتزلة الذين رأوا أن إرسال الرسل ملزَم على الله، وقال بأن إرسال الرسل فضل ومنَّة من الله على عباده.
٢ - شدة حرص القاسمي على إثبات العصمة للأنبياء، ونفي كل الشبهات التي عنت لبعض المخالفين؛ ولذلك رأينا ردوده عليهم اتسمت بالشدة في الحق، وفنَّد مزاعمهم وأباطيلهم.
٣ - القاسمي ﵀ لم يأخذ كلام غيره من العلماء مأخذ المسلَّمات؛ بل كان يضع كل رأي يقع تحت عينه أمام عقله، ويقف منه موقف المؤيد إذا وافق الكتاب والسنة، أو موقف المعارض له أشد المعارضة إذا لم يوافقهما.
٤ - كثرة اطِّلاعات القاسمي على كتب الأناجيل؛ مما جعل أدلته التي استخدمها في إثبات ثبوت سيدنا محمد ﷺ قوية ومقبولة.
٥ - ركَّز القاسمي في إثبات النبوة على نبوة سيدنا محمد ﷺ ؛ إذ رأى أن في إثباتها إثبات ملزم لنبوة جميع للأنبياء.
أما بالنسبة لما يتعلق بفصل السمعيات فقد تبين لي ما يلي:
١ - موافقة القاسمي لجمهور الأشاعرة وأهل الحديث في أدلتهم على إثبات السمعيات.
٢ - معرفة الإنسان بوجود الملائكة وإحصائهم لكل ما يفعله من أعظم الأسباب التي تحفِّزه على عمل الطاعات وتبعده عن المعاصي.
٣ - كان القاسمي يرى أن الموزون هو العامِل وعمله وصحيفة عمله، ويرى بأن ذلك هو الظاهر من النصوص التي وردت بكل هذا، ولا منافاة بينها.
٤ - أثبت القاسمي رؤية الله تعالى في الآخرة؛ مستنداً في ذلك إلى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وهو بذلك موافق لرأي السادة الأشاعرة.
٥ - كان القاسمي شديد التحري في نقل آراء كلٍّ من المعتزلة والأشاعرة، ولم يتعرض لمخالفيهم بالسب والتجريح.
стр. 844
القبورية نشأتها آثارها موقف العلماء منها (اليمن نموذجا)
المؤلف/ المشرف: أحمد بن حسن المعلم
المحقق/ المترجم: بدون
الناشر: دار ابن الجوزي - الدمام ̈الأولى
سنة الطبع: ١٤٢٧هـ
تصنيف رئيس: توحيد وعقيدة ومنهج
تصنيف فرعي: قبور - بدعها وما فيها من مخالفات
الحمد الله الذي أتم علي نعمته ووالى علي مننه وأعانني فأكملت هذا البحث بهذه الصورة التي أرجو أن أنال رضاه وأن يكون البحث نافعا محققا للغرض منه وقد توصلت من خلاله إلى عدة نتائج أهمها:
أ- أن بني آدم كانوا على التوحيد الكامل حتى طرأ عليهم الشرك وذلك بالغلو في الصالحين ولم يعرف شرك في البشرية قبل ذلك.
٢ - أن اليهود والنصارى واليونان كانوا قبورية متعلقين بالقبور معظمين لها معتقدين فيها عقائد باطلة وقد أخبر الرسول ﷺ أن هذه الأمة ستتبعهم في ذلك.
٣ - أن العرب كانوا موحدين على ملة أبيهم إبراهيم حتى حرفهم عمرو بن لحي الخزاعي وكان من أسباب انحرافهم الغلو في بعض البشر كما حصل عندما أحبوا (اللات) وعظموا موضعه ثم اتخذوه إلها وبالغلو في آثار الأنبياء حتى عظموا الحرم وحملوا حجارته معهم تعظيما له ثم إنهم عبدوا تلك الأحجار بعد مدة.
٤ - أن الشرك بعد ذلك عم جزيرة العرب والعالم كله حتى مقتهم الله تعالى إلا بقايا من أهل الكتاب ومعهم عدد قليل من حنفاء العرب.
٥ - أن رسول الله ﷺ لم يمت إلا وقد طهر الجزيرة العربية من الشرك وعلم أمته طرق حماية التوحيد وحذرهم من الشرك ووسائله أبلغ تحذير.
٦ - أن القرون المفضلة كانت خالية من جميع مظاهر القبورية وأن الصحابة والتابعين وأتباعهم من علماء وأمراء عملوا إزالة أي مظهر من مظاهر القبورية المتمثلة في البناء على القبور مرتفعة في ذلك الوقت إنما هو مجرد شبه لا وزن لها.
٧ - أن الشيعة كانوا يحاولون منذ زمن مبكر إنشاء مبان على قبر الحسين ﵁ وإقامة مراسيم بدعية له ولكن الخلفاء كانوا يمنعونهم من ذلك ويشددون في المنع ويزيلون ما يحدث في حين الغفلة وأن ذلك كان بدافع الحرص على منع الابتداع في الدين وليس كما يقول الرافضة بسبب بغض الحسين وأهل بيته.
٨ - أن الشيعة الغالية من رافضة وإسماعيلية وباطنية هم الذين أنشأوا المظاهر القبورية في العالم الإسلامي ضمن بدع كثيرة ابتدعوها حينما حكموا بلاد المسلمين أواخر القرن الثالث وسائر القرن الرابع وبعض الخامس وأن تلك المظاهر قد ألفها المسلمون منذ ذلك الحين ولذلك فإن الدول السنية التي جاءت بعدهم قد قلدتهم في ذلك ونشرت تلك المظاهر في البلاد التي لم تصلها الدولة الشيعية.
٩ - أن الصوفية المتأخرة القائمة على الفلسفة هي نبتة غريبة في الإسلام ولا علاقة لها بالزهد الذي حث الشرع عليه وليس لها قدوة من صحابي أو تابعي أو إمام معتبر من أئمة المسلمين.
١٠ - لقد أخذت باطنية الشيعة جملة من العقائد عن الفلاسفة وغيرهم من الأمم الكافرة وطبقتها على أئمتها وصاغتها صياغة تناسب ملتها ثم نشرتها بين أتباعها وحملتهم عليها ز ثم إن المتأخرين من الصوفية أخذوا ذلك عنهم ودمجوه في منهجهم وعملوا به واعتقدوه ومن ذلك عقيدة القطبية والتصرف في الكون التي انبثقت عنها معظم العقائد الضالة في الأولياء والكرامات.
١١ - كما أخذت الباطنية الشيعية والصوفية بعلة الزيارة التي قررها الفلاسفة وأصبحوا يزورون القبور بمقتضاها لا بمقتضى العلة الشرعية التي علمها رسول الله ﷺ لأمته وتلك العلة المأخوذة عن الفلاسفة هي الاستشفاع والاستمداد من أرواح الأموات المزورين واعتقاد أنها تمد من استمد منها.
стр. 845
١٢ - أن الصوفية الغالية الحريصة على إظهار الخوارق وعدها كرامات تدل على ولاية من جرت على يديه قد أخذوا بعدد من علوم السحر واستخدموها ونشروها في الأمة ومنهم من كان يعاني أنواعا من الرياضات للوصول للكشف وخرق العادة على طريقة سحرة الهند وغيرهم.
١٣ - ليس ما ذكرته عن الصوفية منطبقا على كل من انتمى إليهم أو وصف بولاية منهم بل ممن نسب إليهم من هو بريء مما نسب إليه وهناك من اعتقد عقائدهم وعمل ببدعتهم تقليدا لهم وإحسانا للظن بهم فهؤلاء أمرهم إلى الله وأما ما نسب إليهم من ذلك فهو باطل وانحراف وهو إدانة للمنهج الصوفي ودليل على بطلانه لأن الصوفية هم الذين نسبوا ذلك إلى شيوخهم ونشروه مرتضين له بل يعدونه من أعظم فضائلهم.
١٤ - أثبتت هذه الدراسة أن أهل اليمن كانوا على منهاج السلف الصالح في عقيدتهم وأحكامهم وأن مصادر علمهم هي كتب السنة قبل دخول الكتب الفقهية والمذاهب المختلفة وكتب الفرق المخالفة لذلك المنهج وأن منهج السلف الصالح ظل قائما حتى بداية القرن الثامن في البلاد الشافعية وأنه ما كاد يغلب على تلك البلاد المذهب الأشعري حتى قام منهج السلف الصالح في البلاد الزيدية على يد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير وأتباعه وهذا المنهج ما زال قائما إلى اليوم والحمد لله.
١٥ - كما عرفنا أن جميع المذاهب المخالفة لمذهب السلف الصالح إنما هي وافدة على اليمن وليست أصلية فيه وأن الصوفية القبورية لم تعرف بفلسفتها المبتدعة في اليمن إلا منذ القرن السادس ولم تستقر ولم تنتشر إلا في القرن السابع.
١٦ - أن جميع ما لدى صوفية العالم الإسلامي من عقائد ضالة وبدع باطلة ومخالفات ظاهرة أو خفية أو دعاوى وشطح كل ذلك قد قلدهم فيه صوفية اليمن في وقت ما أو مكان ما.
١٧ - كما أظهرت الدراسة أن لسلاطين اليمن السنيين وأئمته الزيدية دورا كبيرا في نشر القبورية وتعميقها في البلاد
١٨ - كما أظهرت الدراسة أن لوجود القبورية وانتشارها آثارا سيئة كثيرة منها:
أ- إفساد عقائد كثير من الناس بالشرك الأكبر والأصغر لتعلقهم بالأولياء وإيهامهم أنهم يمدون من استمد منهم ويعطون من دعاهم وينفعونهم ويضرونهم بما لا يقدر عليه إلا الله.
ب- نشر الخرافة في الأمة حتى أصبحت جزء من حياتها.
ج- نشر السحر واستخدامه باسم الكرامة والولاية حتى أصبحت تقرأ عن أولياء يوصفون بأوصاف جليلة جدا وتنسب إليهم كرامات عظيمة وربما في نفس الترجمة يوصف بأنه يتقن على أسرار الحروف والأفاق والرمل وما أشبه ذلك , ويتصرف بها وهي من علوم السحر والكهانة مما يجعل الباحث في شك كبير من غالب أولئك الأولياء وتلك الكرامات لاختلاط الكرامة بالسحر والكهانة وعدم التقيد في صفة الأولياء بالضوابط الشرعية.
د- كما أنه ترتب على ذلك نقص العلم الشرعي وتجهيل الأمة وحصر التعلم في فئات محدودة.
هـ وترتب على ذلك أيضا وجود تمايز طبقي وترفع بعض الفئات على بعض مما كان له نتائج سيئة على المجتمع.
١٩ - واجه علماء اليمن القبورية وتصدوا لها رغم ما كانت تقوم به من أساليب كثيرة لمواجهة هؤلاء العلماء منها اللجوء إلى السلطان وتسخير القبائل لضرب ينازعها واستخدام الاختراق والاحتواء والتشويه للخصم وقد يصل الأمر إلى التصفية الجسدية أو الضرب المبرح.
٢٠ - لعلماء اليمن مؤلفات قيمة نافعة في مواجهة القبورية كتبها علماء من سائر الجهات اليمنية.
٢١ - لقد كان لحركات التجديد السنية أثرها البالغ على القبورية في اليمن من حيث كبح جماحها وتبصير الناس بمعايبها وصدهم عن متابعتها والحركات التي كان لها بالغ الأثر هي مدرسة التجديد والاجتهاد التي ابتدأها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد ودعوة الإرشاد بإندونيسيا وقد ترتب على ظهور هذه الدعوات هدم الكثير من المشاهد والقباب المقامة على أضرحة الأئمة والأولياء في فترات مختلفة.
هذه أهم النتائج التي خرجت بها ولا شك أن هناك فوائد ونتائج أخرى سيلمسها القارئ من خلال مطالعته لهذه الرسالة أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه سالمة من الأغراض والأهواء نافعة لي ولإخواني المسلمين إنه سميع مجيب والحمد لله أولا وآخرا.