← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أين ناقتي؟ فأنبزل الله فيهم هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) حتى فرغ من الآية كلها. ٣ - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) قالوا: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: (لا ولو قلت نعم لوجبت) فأنزل اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) إلى آخر الآية. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 492

والظاهر - واللَّه أعلم - أن في هذه الأسباب تفصيلاً فيقال: أما حديث علي ﵁ في سؤالهم عن الحج أفي كل عام؟ فقد تبين من دراسة إسناده أنه لا يحتج به على النزول بسبب ضعف إسناده المفصلِ في موضعه. وأما حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ عند البخاري قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه ﷺ استهزاءً. فقد علق عليه ابن عاشور بما يفيد استبعاده لذلك فقال: أولاً: (أن البخاري قد انفرد برواية الحديث دون غيره. ثانياً: أن هؤلاء القوم من المنافقين لأن المؤمنين لا يستهزئون برسول اللَّه ﷺ ويكون الخطاب بالذين آمنوا أي أظهروا الإيمان. ثالثاً: أن هذا رأي من ابن عبَّاسٍ، وهو لا يناسب افتتاح الآية بخطاب الذين آمنوا إلا أن يراد تحذير المؤمنين من مقاصد المستهزئين كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا). اهـ بتصرف. وعندي - والله أعلم - أن انفراد البخاري بالحديث ليس علة تقدح فيه، فشأن البخاري أجلُّ من القدح في حديث انفرد بإخراجه. وأما القول بأن هؤلاء المستهزئين منافقون فضعيف أيضاً فأول الآية صُدر بنداء الإيمان، وآخرها ختم بالمغفرة والحلم، وليس هذا شأن اللَّه مع المستهزئين واقرأ قول اللَّه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ). فلم يبق إلا أن هذا رأي ابن عبَّاسٍ ﵄ ومما يؤيد هذا أنه خالف أنساً وأبا موسى الأشعري ﵁ في أن سببها كثرة الأسئلة التي لا نفع فيها ولا طائل تحتها. وأما حديث أبي موسى فمجمل فسره حديث أنس ﵁.

стр. 493

وأما حديث أنس فرواته كثيرون، وشهرته ظاهرة، وموافقته لسياق الآية القرآني غير خافية، وذلك أن الله قال: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) فقد روى مسلم في حديث أنس قال: قال ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابني قط أعقَّ منك؟ أَأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة: والله لو ألحقني بعبدٍ أسود للحقته. فماذا سيكون حال عبد الله لو ظهر على لسان رسول الله ﷺ ما خافت منه أم عبد اللَّه؟ قال ابن عاشور: (إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) أي إن تُظهر لكم وقد أخفيت عنكم يكن في إظهارها ما يسؤكم) اهـ. وأيضاً فقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) يوافق ما روى البخاري عن أنس ﵁ في سياق الحديث قال: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: (النار). فما الظن بحال الرجل، وقد أُخبر أن مدخله النار بعد أن كان هذا خافيًا عليه؟ قال ابن عاشور: (ومنها ما ساءهم جوابه، وهو سؤال من سأل أين أبي، أو أين أنا فقيل له: في النار فهذا يسوءُه لا محالة) اهـ. وأيضاً فقوله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... ) إلى قوله: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) يوافق ما روى الشيخان واللفظ لمسلم عن سعد بن وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 494

(أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن أمر لم يحرم فحرِّم على الناس من أجل مسألته). وهذه الأمثلة التي دلت عليها السنة الصحيحة لا ريب أنها أولى ما تُفسر به الآية الكريمة. قال السعدي: (ينهى عباده المؤمنين عن سؤال الأشياء التي إذا بينت لهم ساءتهم وأحزنتهم، وذلك كسؤال بعض المسلمين لرسول الله ﷺ عن آبائهم، وعن حالهم في الجنة أو النار، فهذا ربما لو بُين للسائل لم يكن له فيه خير، كسؤالهم للأمور غير الواقعة. وكالسؤال الذي يترتب عليه تشديدات في الشرع ربما أحرجت الأمة، وكالسؤال عما لا يعني، فهذه الأسئلة وما أشبهها هي المنهي عنها. وأما السؤال الذي لا يترتب عليه شىء من ذلك فهو مأمور به كما قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة ما روى أنس في أسئلتهم لرسول اللَّه ﷺ لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن مع ما يؤيده من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ والله أعلم. * * * * *

стр. 495

٨٠ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مُخوَّصاً من ذهب فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجامُ بمكة، فقالوا ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أوليائه فحلفا: (لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن

стр. 496

الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث ومثله معه منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال ابن عطية: (لا نعلم خلافًا أن سبب هذه الآية أن تميماً الداري وعدي بن بداء كانا نصرانيين.) اهـ ثم ساق الحديث. وقال القرطبي: (ولا أعلم خلافاً أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء) اهـ. وقال السعدي: (وهذه الآيات الكريمة، نزلت في قصة تميم الداري، وعدي بن بداء المشهورة حين أوصى لهما العدوي واللَّه أعلم) اهـ. وقال ابن عاشور: (وقد حدثت في آخر حياة الرسول ﷺ حادثة كانت سبباً في نزول هذه الآية وذكر كلامًا إلى أن قال: ذلك أنه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية وهي أن رجلين أحدهما تميم الداري والآخر عدي بن بداء. وحيث إن السبب المذكور معنا مختصر لا يتحقق بقراءته فهم القصة فإني سأذكر القصة كما سردها الطاهر بن عاشور في تفسيره فقال:

стр. 497

ذلك أنه كان في سنة تسع من الهجرة نزلت قضية: هي أن رجلين أحدهما تميم الداري اللخمي، والآخر عدي بن بداء، كانا من نصارى العرب تاجرين، وهما من أهل دارين، وكانا يتجران بين الشام، ومكة، والمدينة. فخرج معهما من المدينة بُديل بن أبي مريم مولى بني سهم - وكان مسلماً - بتجارة إلى الشام، فمرض بديل (قيل في الشام وقيل في الطريق براً أو بحراً) وكان معه في أمتعته جام من فضة مخوَّص بالذهب قاصداً به ملك الشام، فلما اشتد مرضه أخذ صحيفة فكتب فيها ما عنده من المتاع والمال ودسَّها في مطاوي أمتعته ودفع ما معه إلى تميم وعدي وأوصاهما بأن يبلّغاه مواليَه من بني سهم، وكان بديل مولى للعاصي بن وائلٍ السهمي، فولاؤه بعد موته لابنه عمرو بن العاص. وبعض المفسرين يقول: إن ولاء بُديل لعمرو ابن العاصي والمطلب بن وداعة، ويؤيد قولهم أن المطلب حلف مع عمرو بن العاصي على أن الجام لبديل بن أبي مريم. فلما رجعا باعا الجام بمكة بألف درهم ورجعا إلى المدينة فدفعا ما لبديل إلى مواليه. فلما نشروه وجدوا الصحيفة فقالوا لتميم وعدي: أين الجام فأنكرا أن يكون دفع إليهما جامًا. ثم وجد الجام بعد مدة يباع بمكة فقام عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على الذي عنده الجام فقال: إنه ابتاعه من تميم وعدي. وفي رواية أن تميماً لما أسلم في سنة تسع تأثم مما صنع فأخبر عمرو بن العاصي بخبر الجام ودفع إليه الخمسمائة درهم الصائرة إليه من ثمنه، وطالب عمرو عدياً ببقية الثمن فأنكر أن يكون باعه. وهذا أمثل ما روي في سبب نزول هذه الآية ... إلى أن قال: واتفقت الروايات على أن الفريقين تقاضوا في ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ونزلت هذه الآية في ذلك، فحلف عمرو بن العاصي والمطلب بن أبي وداعة على أن تميمًا وعديًا أخفيا الجام، وأن بُديلاً صاحبه وما باعه ولا خرج من يده، ودفع لهما عدي خمسمائة درهم وهو يومئذ نصراني) اهـ.

стр. 498

ولأن الآيات النازلة على هذا السبب لا يتأتى معرفة تفسيرها لكل أحد فسأذكر تفسيرها نقلاً من تفسير السعدي ﵀ حيث قال: (يخبر تعالى خبرًا متضمنًا للأمر بإشهاد اثنين على الوصية إذا حضر الإنسان مقدمات الموت وعلائمه، فينبغي له أن يكتب وصيته ويُشهد عليها (اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ) ممن تعتبر شهادتهما، (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي: من غير أهل دينكم من اليهود أو النصارى أو غيرهم، وذلك عند الحاجة والضرورة وعدم غيرهما من المسلمين، (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي سافرتم فيها، (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) أي: فأشهدوهما ولم يأمر بإشهادهما إلا لأن قولهما في تلك الحال مقبول ويؤكد عليهما، أن يحبسا من بعد الصلاة التي يعظمونها، (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) أنهما صدقا وما غيرا وما بدلا هذا (إِنِ ارْتَبْتُمْ) في شهادتهما، فإن صدقتموهما فلا حاجة إلى القسم بذلك. ويقولان: (لَا نَشْتَرِي بِهِ) أي بأيماننا (ثَمَنًا) بأن نكذب فيها لأجل عرض من الدنيا (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) فلا نراعيه لأجل قربه منا (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) بل نؤديها على ما سمعناها (إِنَّا إِذًا) أي إن كتمناها (لَمِنَ الْآثِمِينَ). (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا) أي الشاهدين (اسْتَحَقَّا إِثْمًا) بأن وجد من القرآن ما يدل على كذبهما، وأنهما خانا (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ) أي: فليقم رجلان من أولياء الميت، وليكونا من أقرب الأولياء إليه (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) أي: أنهما كذبا وغيَّرا وخانا، (وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: إن ظلمنا واعتدينا وشهدنا بغير الحق. قال اللَّه تعالى في بيان حكمة تلك الشهادة وتأكيدها وردها على أولياء الميت حين تظهر من الشاهدين الخيانة: (ذَلِكَ أَدْنَى) أي أقرب (أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) حين تؤكد عليهما تلك التأكيدات (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: أن لا تقبل أيمانهم ثم ترد على أولياء الميت (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) أي الذين وصفهم الفسق فلا يريدون الهدى والقصد إلى الصراط المستقيم. وحاصل هذا أن الميت - إذا حضره الموت في سفر ونحوه، مما هو مظنة قلة الشهود المعتبرين - أنه ينبغي أن يوصي شاهدين مسلمين عدلين، فإن لم يجد إلا شاهدين كافرين جاز أن يوصي إليهما.

стр. 499

ولكن لأجل كفرهما فإن الأولياء إذا ارتابوا بهما فإنهم يحلفونهما بعد الصلاة أنهما ما خانا، ولا كذبا، ولا غيرا، ولا بدَّلا فيبرآن بذلك من حق يتوجه إليهما. فإن لم يصدقوهما ووجدوا قرينة تدل على كذب الشاهدين فإن شاء أولياء الميت فليقم منهم اثنان فيقسمان باللَّه: لشهادتنا أحق من شهادة الشاهدين الأولين وأنهما خانا وكذبا فيستحقون منهما ما يدّعون) اهـ. * النتيجة: أن سبب النزول المذكور في قصة تميم الداري وعدي بن بداء كان سبباً لنزول الآيات الكريمات وذلك لصحة إسناده، وموافقة سياقه لظاهر الآية واحتجاج المفسرين به وتعويلهم عليه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 500

سورة الأنعام

стр. 501

سورة الأنعام ٨١ - قال اللَّه تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن أبا جهل قال للنبي ﷺ إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به فأنزل اللَّه: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير.

стр. 502

قال ابن العربي: (هذه سخافة من أبي جهل تدل على تحقق اسمه فيه، ومن كذّب قول المخبر فقد كذب المخبر، فإن كان خفي ذلك عليه فلقد أحاط به الخذلان، وإن كان ذلك استهزاءً فقد كفى الله رسوله المستهزئين وما يستهزئون إلا بأنفسهم وما يشعرون والصحيح في المعنى أن محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب كان صدوقاً أميناً عفيفاً شريفاً حتى حدث عن الله ففاضت عقولهم من الحسد غيظاً، وفاضت نفوسهم من الحسد فيضاً، ولا يحزنك ما يقولون فإنهم لا يكذبونك مخففة أي لا يجدونك كذاباً أبداً كما قال ﷺ ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً، وإن كانت مُثَقَّلَة فالمعنى بأنهم لا يردون ما جئت به عن حقيقة في نفوسهم فقد علموا أن الذي جئت به حق ولكنهم يظهرون الرد نفاسة ويكون تقدير الكلام فإنهم لا يكذبونك بحقيقة يجدونها في أنفسهم من تكذيبك، ولكن الظالمين يجحدون بآيات الله وقد استيقنوها ظلماً وعلواً) اهـ. وخالف في سبب النزول ابن عاشور فقال: (ولا أحسب هذا هو سبب نزول الآية لأن أبا جهل إن كان قد قال ذلك فقد أراد الاستهزاء، كما قال ابن العربي في العارضة: ذلك أن التكذيب بما جاء به تكذيب له لا محالة، فقوله: لا نكذبك، استهزاء بأطماع التصديق) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن ما ذكره الطاهر بن عاشور ليس علةً لرد السبب لأن أبا جهل إن كان صادقاً فيما يقول فاللَّه قد قال: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) وهذا يدل على تناقضه إذ كيف يصدقه بنفسه ويجحد ما جاء به من الآيات البينات. وإن كان قال هذا مستهزِئاً فالاستهزاء لا يعدو اللسان أما القلب فقد انعقد رغماً عنه على تصديق رسول الله ﷺ ويكون قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ) أي: بقلوبهم وإن قالوا: بألسنتهم غير ذلك، ومما يدل على أن أبا جهل كان يعرف صدق رسول اللَّه ﷺ : (ما روى ابن إسحاق عن الزهري

стр. 503

أنه حُدِّث أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق فذكر الحديث إلى أن قال (أي الأخنس): يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعتَ من محمد؟ فقال: ماذا سمعتُ، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، واللَّه لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه، قال: فقام عنه الأخنس وتركه) اهـ باختصار. * النتيجة: أن سبب النزول وإن كان مرسلاً فإن موافقته للفظ الآية وتصريحه بالنزول، وسياق المفسرين له عند تفسيرها يدل على أن له أصلاً واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 504

٨٢ - قال اللَّه تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج مسلم والنَّسَائِي وابن ماجه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال كنا مع النبي ﷺ ستة نفر فقال المشركون للنبي ﷺ اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنتُ أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء الله أن يقع. فحدث نفسه. فأنزل الله : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).

стр. 505

وأخرج أحمد نحوه من حديث ابن مسعود ﵁ وزاد ونزل فيهم القرآن (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) إلى قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ). ٢ - وأخرج ابن ماجه عن خباب في قوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) إلى قوله: (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول اللَّه ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العربُ فضلنا فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأَعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة، ودعا علياً ليكتب، ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل ﵇ فقال: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ). ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ). ثم قال: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). قال: فدنونا منه حتى وضعنا رُكَبنا على ركبته. وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ

стр. 506

يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (ولا تجالس الأشراف) (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) (يعني عيينة والأقرع) (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (قال هلاكاً) قال: أمر عيينة والأقرع. ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب: فكنا نقعد مع النبي ﷺ فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمات وقد أورد القرطبي وابن عاشور هذين الحديثين، وسائر المفسرين أوردوا حديث خباب وابن مسعود ﵁. قال الطبري: (ذكر أن هذه الآية نزلت على رسول اللَّه ﷺ في سبب جماعة من ضعفاء المسلمين قال المشركون له: لو طردت هؤلاء عنك لغشيناك وحضرنا مجلسك) اهـ. قال ابن عطية: (وسبب الآية أن الكفار قال بعضهم للنبي ﷺ نحن لشرفنا وأقدارنا لا يمكننا أن نختلط بهؤلاء فلو طردتهم لاتبعناك وجالسناك) اهـ.

стр. 507

وقال القرطبي: (قال المشركون: ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان وصهيباً وبلالاً وخبّابًا - فاطردهم عنك، وطلبوا أن يكتب لهم بذلك فهمَّ النبي ﷺ بذلك، ودعا علياً ليكتب فقام الفقراء وجلسوا ناحية فأنزل اللَّه الآية. ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح: فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء اللَّه أن يقع) اهـ. وقال السعدي: (وكان سبب نزول هذه الآيات أن أُناسًا من قريش أو من أجلاف العرب، قالوا للنبي ﷺ إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك فاطرد فلاناً وفلانًا أناساً من فقراء الصحابة فإنا نستحي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء فحمله حبه لإسلامهم، واتباعهم له فحدثته نفسه بذلك فعاتبه اللَّه بهذه الآية ونحوها) اهـ. وقال ابن عاشور: (والمعنى أن رسول اللَّه ﷺ لحرصه على إيمان عظماء قريش ليكونوا قدوة لقومهم ولعلمه بأن أصحابه يحرصون حرصه ولا يوحشهم أن يقاموا من المجلس إذا حضره عظماء قريش لأنهم آمنوا يريدون وجه اللَّه لا للرياء والسمعة ولكن اللَّه نهاه عن ذلك وسماه طرداً تأكيداً لمعنى النهي، وذلك لحكمة وهي كانت أرجح من الطمع في إيمان أولئك لأن اللَّه اطلع على سرائرهم فعلم أنهم لا يؤمنون، وأراد اللَّه أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بأولئك الطغاة القساة، وليظهر لهم أن أولئك الضعفاء خير منهم وأن الحرص على قربهم من الرسول ﷺ أولى من الحرص على قرب المشركين) اهـ. وبعد نقل أقوال العلماء في سبب نزول الآيات الكريمة أقول: إن حديث خباب ﵁ لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآيات لاعتلال إسناده المفصل في موضعه وغرابة متنه أيضاً فقد قال ابن عطية لما ذكر حديث خباب: (وهذا تأويل بعيد في نزول الآية؛ لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم، ولكنه إن كان وقع

стр. 508

فبعد نزول الآية بمدة اللهم إلا أن تكون الآية مدنية) اهـ. وقال ابن كثير عن حديث خباب: (وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية والأقرع ابن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر) اهـ. وقال ابن عاشور معلقاً على قول ابن عطية: (ولعل ذلك وقع منهما فأجابهم رسول الله ﷺ بهذه الآية التي نزلت في نظير اقتراحهما) اهـ. وبهذا يتبين أن حديث خباب ليس سبب نزولها وإن انفككنا عن علة السند فغرابة المتن لا جواب عنها. وإذا كان الأمر كذلك لم يبق إلا حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ السالم من المعارضات في إسناده ومتنه، فالإسناد صحيح، والمتن صريح يتفق مع ظاهر السياق القرآني. * النتيجة: أن سبب نزول هذه الآيات حديث سعد ﵁ لصحة إسناده، وموافقته للفظ الآية، وتصريحه بالنزول، واحتجاج المفسرين به مع عدم المعارض الراجح واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 509

٨٣ - قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال أتى ناسٌ النبي ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه، أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل اللَّه؟ فأنزل اللَّه: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ) إلى قوله: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).

стр. 510

وفي لفظ لابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانوا يقولون ما ذكر عليه اسم الله فلا تأكلوا، وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه فقال الله : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

стр. 511

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. وقبل أن أنقل كلام المفسرين في نزول الآية الكريمة يحسن أن أبين أن اللفظ الآخر لحديث ابن عبَّاسٍ، والذي رواه ابن ماجه لا يخالف اللفظ الأول الذي جاء فيه: أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل اللَّه؟ أي كيف نأكل المذكاة التي قتلناها بأيدينا ولا نأكل الميتة التي قتلها اللَّه ولم تذكَّ؟ أما اللفظ الثاني فقالوا فيه: ما ذكر عليه اسم اللَّه فلا تأكلوا، أي ما ذكيتم وذكرتم عليه اسم اللَّه فلا تأكلوا أنتم الذين قتلتموه، وقولهم: وما لم يذكر اسم الله عليه فكلوه، أي الميتة لأن اللَّه هو الذي قتلها، وهذا يوافق اللفظ الأول تماماً. أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله؟ وإليك كلام بعض المفسرين في نزول الآية الكريمة: قال ابن العربي: (مطلق سبب الآية الميتة، وهي التي قالوا هم فيها: ولا نأكل مما قتل اللَّه، فقال الله لهم: لا تأكلوا منها فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها) اهـ. وقال القرطبي: (خاصمهم المشركون فقالوا: ما ذبح اللَّه فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه فقال اللَّه سبحانه لهم: لا تأكلوا فإنكم لم تذكروا اسم اللَّه عليها) اهـ. وقال السعدي: (ويدخل في هذه الآية ما مات بغير ذكاة من الميتات فإنها مما لم يذكر اسم اللَّه عليه، ونص اللَّه عليها بخصوصها في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) ولعلها سبب نزول الآية لقوله: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ

стр. 512

لِيُجَادِلُوكُمْ) بغير علم فإن المشركين حين سمعوا تحريم اللَّه ورسوله الميتة، وتحليله للمذكاة، وكانوا يستحلون أكل الميتة قالوا: - معاندة لِلَّهِ ورسوله ومجادلة بغير حجة ولا برهان - أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟ يعنون بذلك الميتة) اهـ. وقال ابن عاشور: (والوجه عندي أن سبب نزول هذه الآية ما تقدم آنفًا من أن المشركين قالوا للنبي ﷺ وللمسلمين لما حرم اللَّه أكل الميتة: (أنأكل ما نقتل ولا نأكل ما يقتل الله) يعنون الميتة فوقع في أنفس بعض المسلمين شيء فأنزل اللَّه: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). أي: فأنبأهم الله بإبطال قياس المشركين المُموّه بأن الميتة أولى بالأكل مما قتله الذابح بيده، فأبدى اللَّه للناس الفرق بين الميتة والمذكى، بأن المذكى ذكر اسم اللَّه عليه والميتة لا يذكر اسم اللَّه عليها وهو فارق مؤثر) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآيات هو الحديث المذكور لأن سياقه يوافق سياق الآيات ولاحتجاج المفسرين به من السلف والخلف، ولأن إسناده حسن مع تصريحه بالنزول والعلم عند الله تعالى. * * * * *

стр. 513

٨٤ - قال اللَّه تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (من صام من كل شهر ثلاثة أيام، فذلك صيام الدهر) فأنزل اللَّه تصديق ذلك في كتابه: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) اليوم بعشرة أيام.

стр. 514

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد انفرد ابن كثير من بين جمهور المفسرين برواية الحديث عند تفسيره للآية. وساق الطبري بإسناده قريباً من ذلك عن الربيع بن أنس قال: (نزلت هذه الآية (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) وهم يصومون ثلاثة أيام من الشهر ويؤدون عشر أموالهم، ثم نزلت الفرائض بعد ذلك: صوم رمضان، والزكاة) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن نزول الآية ليس له صلة بصيامهم، ولهذا لم يذكر جل المفسرين هذا الحديث، ومما يؤيد هذا ما تبين من وهم عاصم الأحول أحد رواة الحديث فقد خالفه أناس أثبت منه وأحفظ كما تبين من دراسة إسناد الحديث. وهنا أمر ثالث ذكره ابن عاشور حيث أشار إلى ارتباط الآية بما قبلها فقال بعد ذكر الآية: (من عادة القرآن أنه إذا أنذر أعقب الإنذار ببشارة لمن لا يحق عليه ذلك الإنذار، وإذا بشر أعقب البشارة بنذارة لمن يتصف بضد ما بُشر عليه، وقد جرى على ذلك هاهنا: فإنه لما أنذر المؤمنين وحذرهم من التريث في اكتساب الخير قبل أن يأتي بعض آيات اللَّه القاهرة بقوله: (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) فحد لهم بذلك حداً هو من مظهر عدله أعقب ذلك ببشرى من مظاهر فضله وعدله وهي الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها والجزاء على السيئة بمثلها) اهـ. * النتيجة: أن الآية لم تنزل بسبب الحديث المذكور وذلك لعلة إسناده، وإعراض أكثر المفسرين عن ذكره، وارتباط الآية بما قبلها واللَّه أعلم.

стр. 515

سورة الأعراف

стр. 516

سورة الأعراف ٨٥ - قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة. فتقول: من يعيرني تِطوَافاً؟ - تجعله على فرجها. وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أُحِلُّهُ فنزلت هذه الآية: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد المفسرون هذا الحديث وغيره في معناه وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 517

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرون عند طوافهم ببيته الحرام ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرِّمين منهم أكل ما لم يحرمه الله عليهم من حلال رزقه تبرّراً عند نفسه لربه (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) من الكساء واللباس) اهـ. ويقول البغوي: (قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة فأنزل الله : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) يعني الثياب) اهـ. قال ابن العربي: (قيل: إنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، أُمروا باللباس وستر العورة، قاله ابن عبَّاسٍ وجماعة معه. ثم ساق حديث ابن عباس ﵁) اهـ. قال القرطبي: (يَا بَنِي آدَمَ) هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عرياناً ... ثم ساق حديث ابن عبَّاسٍ) اهـ. قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراةً ثم ساق الخديث إلى أن قال: وهكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك ومالك عن الزهري وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة) اهـ. وقال ابن عاشور: (فالمقصد من قوله: (خُذُوا زِينَتَكُمْ) إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التعري في الحج في أحوال خاصة وعند مساجد معينة ثم ساق سبب النزول) اهـ. وقد ذكر ابن العربي سبب فعل الجاهلية ذلك فقال: (إن قريشاً كانت رأت رأياً تكيد به العرب، فقالوا: يا معشر قريش لا تعظموا شيئاً من البلدان لتعظيم حرمكم، فتزهد العرب في حرمكم إذا رأوكم قد عظمتم من البلدان غيره كتعظيمه، فعظموا أمركم في العرب فإنكم ولاة البيت وأهله دون الناس، فوضعوا لذلك الأمر أن قالوا: نحن أهل الحرم فلا ينبغي لنا أن نعظم غيره، ولا نخرج منه، فكانوا يقفون بالمزدلفة دون عرفة لأنها خارج من الحرم، وكانت سنة إبراهيم وعهداً من عهده، ثم قالوا لا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، ولا يأكل الأقط

стр. 518

ولا يستظل بالأدم إلا الحمس وهم قريش وما ولدت من العرب، ومن كان يليها من حلفائها من بني كنانة، فكان الرجل من العرب أو المرأة يأتيان حاجين، حتى إذا أتيا الحرم وضعا ثيابهما وزادهما، وحرم عليهما أن يدخلا مكة بشيء من ذلك، فإن كان لأحد منهم صديق من الحمس استعار من ثيابه وطاف بها، ومن لم يكن له صديق منهم، وكان له يسار استأجر من رجل من الحمس ثيابه، فإن لم يكن له صديق ولا يسار يستأجر به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عرياناً، وإما أن يتكرم أن يطوف بالبيت عرياناً فيطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه فلم يمسه، ولا يمسه أحد من الناس فكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى، وإن كانت امرأة ولم تجد من يعيرها ولا كان لها يسار تستأجر به خلعت ثيابها كلها إلا درعاً مفرداً ثم طافت فيه فقالت امرأة من العرب - كانت جميلة تامة ذات هيئة - وهي تطوف: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أُحلُّه فكانوا على ذلك من البدعة والضلالة حتى بعث اللَّه نبيه محمداً ﷺ وأنزل فيمن كان يطوف بالبيت عريانًا: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ) ووضع اللَّه ما كانت قريش ابتدعت من ذلك وقد أنزل الله في تركهم الوقوف بعرفة: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، يعني بذلك قريشاً ومن كان على دينهم) اهـ. * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة ما جاء في حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ لصحة إسناده، واعتماد المفسرين عليه، وموافقته لسياق القرآن وتصريحه بالنزول والله أعلم. * * * * *

стр. 519

٨٦ - قال اللَّه تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ في قوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) قال: هو بلعمٌ وقال نزلت في أمية. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد المفسرون عدة

стр. 520

أقوال فيمن تناولته الآية بالذم فمنهم من ذهب إلى أن المراد بلعام وهو رجل من بني إسرائيل ومنهم من ذهب إلى أنه أمية بن أبي الصلت ومنهم من ذهب إلى غير ذلك من الأقوال، وجميع الأقوال المتقدمة ليس عليها، دليل من كتاب اللَّه أو سنة رسوله ﷺ بل هي من أحاديث بني إسرائيل التي لم نؤمر بتصديقها أو تكذيبها. وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من النظر والتأمل في سياق الآيات لعلها تكشف المقصود فسياق الآيات قبل هذه الآية يتحدث عن بني إسرائيل إلى قوله تعالى: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ .. ) وهذا يؤيد القول بأن الرجل المذموم منهم لأن السياق عادة مترابط، وإذا قلنا بهذا فلن يكون فعل الرجل سببًا لنزول الآية لأن الحدث قد سبق النزول بقرون وأزمان بعيدة وحينئذٍ ينتفي النزول المصطلح عليه. وإذا نظرنا إلى قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ... ) وجدنا أن القصد من ضرب الأمثال هي العظة والعبرة، واعتبار الإنسان بمن يعرف ويشاهد أبلغ في العظة والخوف، وهذا يؤيد القول بأنه أمية بن أبي الصلت لأنهم يعرفونه ويشاهدونه بخلاف بلعم الذي لا يعرفون إلا اسمه. ويؤيد هذا أن سياق الآيات بعد هذه الآية يتحدث عن المشركين مما يشعر بأن المعنيَّ في الآية منهم. وعندي - واللَّه أعلم - أن القول الأول أصح، وهو أن الآية تتحدث عن رجل من الأمم السالفة لقوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) فاللَّه يتحدث عن رجل آتاه آيات، فكيف لأمية بن أبي الصلت أن تأتيه الآيات؟ فإن قيل: إن أُمية كان يتحنث ببقايا دين إبراهيم ﵊. فالجواب: أن الأديان قد لحقها من التحريف والتبديل شيء كثير مما يجعل الحكم عليها بأنها من آيات الله شيء بعيد، ولو كان ما بين يديه من الآيات حقًا لانتفع بها كما انتفع بها ورقة بن نوفل ﵁ قبله حين تنصر.

стр. 521

وأما الجواب عن القول بأنه أُمية لأنهم يعرفونه ويشاهدونه فهذا منتقض بحديث الله عن الأمم السالفة مع رسلهم وكذا فرعون وهامان وقارون فالمخاطبون بالقرآن لا يعرفونهم، ومع هذا أراد الله بالحديث عنهم العظة والعبرة لمن بعدهم. وأما كون السياق بعد الآية يتحدث عن المشركين، وأُمية كان مشركاً فلا يلزم من هذا أن يكون سبب نزولها لعدم وجود حدث معين يستلزم ذلك. بل غاية ما في الأمر أن أمية كان كافراً قبل البعثة وبعدها شأنه شأن عدد من المشركين. * النتيجة: أن الآية لم تنزل بسبب خاص لعدم الدليل على ذلك، وإنما تتحدث عن رجل من الأمم السابقة والله أعلم. * * * * *

стр. 522

سورة الأنفال

стр. 523

سورة الأنفال ٨٧ - قال الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: نزلت فيَّ أربع آيات. أصبت سيفًا فأتى به النبي ﷺ . فقال: يا رسول اللَّه نفِّلنيه. فقال: (ضعه ثم قام فقال له النبي ﷺ : (ضعه من حيث أخذتَه). ثم قام فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه فقال: (ضعه) فقام. فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه. أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ : (ضعه من حيث أخدْته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).

стр. 524

٢ - أخرج أحمد عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهزم الله ﵎ العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون فأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويحمونه وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم نحن حوّيناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم بأحق بها منا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله ﷺ وخفنا أن يصيب العدو منه غره واشتغلنا به فنزلت: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) فقسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين قال: وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعًا وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم.

стр. 525

٣ - أخرج أبو داود والنَّسَائِي، من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح اللَّه عليهم قال المشيخة كنا ردءًا لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله ﷺ لنا فأنزل اللَّه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) .. إلى قوله: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) يقول: فكان ذلك خيرًا لهم فكذلك أيضًا فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.

стр. 526

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وقد أورد المفسرون هذه الأسباب عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور والشنقيطي. فأما حديث عبادة بن الصامت ﵁ فقد قال عنه البخاري: لا يثبت، كما تقدم ذلك في دراسة إسناده. فيبقى النظر حينئذٍ بين حديث سعد في أن الآية نزلت فيه، وحديث ابن عباس في أن الآية نزلت في اختلاف الصحابة في المغنم يوم بدر. فأما حديث سعد فيعضده أمور: أ - أن أحد رواته الإمام مسلم. ب - أن سعدًا صاحب القصة، وصاحب القصة غالباً أعلم بها من غيره. جـ - أن سعدًا كان يصرِّح بنزول أربع آيات فيه، هذه الآية إحداها. وأما حديث ابن عبَّاسٍ فيؤيده لفظ الآية فإن الله قال في كتابه يسألونك ولم يقع في حديث سعد ﵁ سؤال، ولهذا قال القرطبي عن حديث سعد: (يقتضي أن يكون ثَمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث، وقال بعضهم: إن (عن) بمعنى (من) لأنه إنما سأل شيئًا معينًا وهو السيف) اهـ.

стр. 527

ثم إن اللَّه قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) أي عن حكمها وقسمها ومشروعيتها، وهذا لم يقع في حديث سعد، بل الذي وقع في حديثه أنه سأل نفلاً، وفرق بين من يسأل عن الشيء وبين من يسأل الشيء فالأول مستفهم، والثاني يريد العطاء. فإن قيل: حديث ابن عبَّاسٍ لم يذكر فيه أنهم سألوا رسول اللَّه ﷺ عن حكم هذا؟ فالجواب: أن هذا صحيح، لكن عند التنازع، ليس لهم إلا أن يسألوا رسول الله ﷺ امتثالاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩). ثم في السياق أيضاً قول اللَّه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وليس في حديث سعد نزل، أو فساد ذات البين، بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ فإنهم تنازعوا في المغنم (فقال المشيخة: كنا ردءًا لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول اللَّه ﷺ لنا) وإلى هذا الخلاف أشار عدد من المفسرين نظرا إلى سياق الآية: قال ابن عطية: (فيجيء من مجموع هذه الآثار أن نفوس أهل بدر تنافرت ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأَثرة لا سيما من أبلى فأنزل اللَّه الآية فرضي المسلمون وسلموا، فأصلح اللَّه ذات بينهم، ورد عليهم غنائمهم). اهـ. وقال السعدي: (وكانت هذه الآيات في هذه السورة، قد نزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول اللَّه ﷺ عنها فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) كيف تقسم وعلى من تقسم؟) اهـ. وقال الشنقيطي: (جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها فقال بعضهم: نحن الذين حُزْنا الغنائم وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب، وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءاً لو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبي ﷺ ) اهـ.

стр. 528

وقال ابن عاشور: (وعُطف الأمر بإصلاح ذات البين لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت: (اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا) فأمرهم الله بالتصافح) اهـ. وبما تقدم يتبين أن أسعد الدليلين بالآية وأحرى الحديثين بها حديث ابن عباس ﵁ لما بين الآية والحديث من الموافقة والمطابقة. فإن قيل: كيف تجيب عن حديث سعد بأن الآية نزلت فيه؟ فالجواب: أن لفظ الترمذي لحديث سعد جاء فيه: قال: (لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا، هب لي هذا السيف، فقال: (هذا ليس لي ولا لك) فقلت: عسى أن يُعطَى هذا من لا يبلي بلائي فجاءني الرسول فقال: (إنك سألتني وليس لي، وقد صار لي وهو لك) قال: فنزلت (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ). فقول رسول الله ﷺ : (هذا ليس لي ولا لك)، هنا لم يقع التنازع بين المسلمين بعدُ في شأن الغنائم، فلما وقع وأنزل اللَّه فيهم الآية جاء إليه وقال له: قد صار لي وهو لك. وقوله: (فنزلت يسألونك عن الأنفال) ظناً منه أنها نزلت فيه لقرب قصته من قصتهم وإلا فالأمر ليس كما ظن. وربما دلّ هذا اللفظ على أن قصة سعد ليست سبب نزولها، ولهذا قال له رسول الله ﷺ : (هذا ليس لي ولا لك) ولو كان سؤال سعد سبب نزولها لقال فنزلت الآية، لكنه أخَّر النزول حتى قال فجاءني الرسول فقال: (إنك سألتني وليس لي وقد صار لي وهو لك) فدل هذا على وقوع فاصل الله أعلم بزمنه. * النتيجة: أن سبب نزول الآيات الكريمة حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ في اختلاف الصحابة وتنازعهم يوم بدر في الغنائم، وذلك لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، واعتماد جمهور العلماء عليه كما قاله الشنقيطي، واللَّه تعالى أعلم.

стр. 529

٨٨ - قال اللَّه تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد والترمذي عن عبد اللَّه بن عبَّاسٍ ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه (اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تُهْلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر. فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه. ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي اللَّه كذاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل اللَّه : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) فأمده اللَّهُ بالملائكة.

стр. 530

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد بعض المفسرين هذا الحديث في سبب نزول هذه الآية منهم الطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. * النتيجة: أن هذا الحديث سبب لنزول الآية الكريمة لصحة إسناده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن، واعتماده عند المفسرين والله أعلم. * * * * *
следующие страницы →