← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، إنما تأكل العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها دلّ ولا مجيب، فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليَّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يَرِيبُنِي في وجعي أني لا أعرف من رسول اللَّه ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل عليَّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: (كيف تيكم). ثم ينصرف، فذاك الذي يريبني ولا أشعر، حتى خرجت بعدما نقهت، فخرجت معي أم مسطح قبل

стр. 702

المناصع، وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً. قالت: أي هنتاه، أو لم تسمعي ما قال؟ قالت: قلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي. فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول اللَّه ﷺ تعني - سلم ثم قال: (كيف تيكم). فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول اللَّه ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بنية هوني عليك، فواللَّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة، عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلا كثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان اللَّه، ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول اللَّه ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود. فقال: يا رسول اللَّه، أهلك وما نعلم إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول اللَّه لم يضيق اللَّه عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول اللَّه ﷺ بريرة فقال: (أي بريرة،

стр. 703

هل رأيت من شيء يريبك؟). قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله ﷺ فاستغدر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: (يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي). فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال لسعد: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى همو أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا أكتحل بنوم، ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهراً لا

стр. 704

يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس، ثم قال: (أما بعد، يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللَّه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى اللَّه تاب اللَّه عليه). قالت: (فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحسن منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول اللَّه ﷺ فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه ﷺ قالت: ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ : قالت: فقلت، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني واللَّه لقد علمت: لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة، واللَّه يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، واللَّه يعلم أني منه بريئة لتصدقني، واللَّه ما أجد لكم مثلاً إلا قول أبي يوسف قال: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذٍ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه مبرئي ببراءتي، ولكن واللَّه ما كنت أظن أن اللَّه منزل في شأني وحيًا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها. قالت: فواللَّه ما رام رسول اللَّه ﷺ ، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول اللَّه ﷺ سري عنه وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها: (يا عائشة، أما اللَّه فقد برأك). فقالت أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله ، وأنزل اللَّه:

стр. 705

(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ) العشر الآيات كلها. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سببًا لنزول الآيات الكريمات كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال ابن عطية: (هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية أُنزلت في عائشة أم المؤمنين ﵂ وما اتصل بذلك من أمر الإفك). اهـ. وقال القرطبي: (وسبب نزولها ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة - رضوان اللَّه عليها - وهو خبر صحيح مشهور أغنى اشتهاره عن ذكره). اهـ. وقال ابن كثير: (هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار اللَّه لها ولنبيه - صلوات اللَّه وسلامه عليه - فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله ﷺ ) اهـ. وقال السعدي: (وهذه الآيات نزلت في قصة الإفك المشهورة الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد). اهـ.

стр. 706

وقول ابن عطية: (هذه الآية وما بعدها إلى ست عشرة آية) لا يعارض ما جاء في الحديث وأقوال بعض المفسرين أن ما نزل في شأنها عشر آيات؛ لأن هذه العشر تخص عائشة ﵂ مباشرة، وما زاد يتعلق بأطراف القصة. * فائدة: قد أفاد الحديث فائدة جليلة وهي أن طول الأمد بين الواقعة والحدث وبين نزول الآيات لا يمنع السببية، قالت عائشة: (وقد لبث شهراً لا يُوحى إليه في شأني) ومع هذا فقد أجمع المفسرون على أن واقعة الإفك هي سبب نزول هذه الآيات. * النتيجة: أن هذا الحديث سبب لنزول الآيات لصحة سنده وموافقته لسياق القرآن وإجماع المفسرين على ذلك. * * * * *

стр. 707

١٢٦ - قال اللَّه تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا، فقال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه: واللَّه لا أُنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى .. ) الآية قال أبو بكر: بلى والله إني لأُحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أَنزعها عنه أبداً. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي والشنقيطي وابن عاشور.

стр. 708

قال الطبري: (وإنما عُني بذلك أبو بكر الصديق ﵁ في حلفه بالله لا ينفق على مسطح فقال جل ثناؤه: ولا يحلف من كان ذا فضل من مال وسعة منكم أيها المؤمنون باللَّه ألا يُعطوا ذوي قرابتهم فيصلوا به أرحامهم كمسطح وهو ابن خالة أبي بكر). اهـ. قال ابن العربي: (قد بينا أن ذلك نزل في أبي بكر، قالت عائشة في حديثها فحلف أبو بكر ألا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً فأنزل الله الآية: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ) قال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن يغفر لنا وعاد لما كان يصنع له). اهـ. قال ابن عطية: (المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر ومسطح بن أُثاثة وذكر كلامًا حتى قال: وكان أبو بكر ينفق عليه لمسكنته فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قاله حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبداً). اهـ. وقال ابن كثير: (وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أُثاثة بنافعةٍ أبداً بعدما قال في عائشة ما قال). اهـ. وقال السعدي: (كان من جملة الخائضين في الإفك (مسطح بن أثاثة) وهو قريب لأبي بكر الصديق ﵁ وكان مسطح فقيراً من المهاجرين في سبيل اللَّه، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه لقوله الذي قال، فنزلت هذه الآية ينهاهم عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه ويحثه على العفو والصفح ويعده بمغفرة الله إن غفر له). اهـ. وقال الشنقيطي: (نزلت هذه الآية في أبي بكر ومسطح بن أثاثة ابن عباد بن عبد المطلب، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ابنةَ خالة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة بالإفك المذكور فلما نزلت براءة عائشة حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح ولا ينفعه بنافعةٍ بعدما رمى عائشة بالإفك ظلماً وافتراءً فأنزل اللَّه في ذلك: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ ... ) الآية اهـ بتصرف يسير. * النتيجة: أن سبب نزول الآية الكريمة الحديث المذكور لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به والله أعلم.

стр. 709

١٢٧ - قال الله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن جابر ﵁ قال: إن جارية لعبد اللُّه بن أبى ابن سلول يُقال لها مسيكة. وأخرى يُقال لها أُميمة فكان يكرههما على الزنا. فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل اللَّه: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) إلى قوله (غَفُورٌ رَحِيمٌ). وفي لفظ آخر لمسلم عنه ﵁ قال: كان عبد اللُّه بن أُبي ابنُ سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً فأنزل الله : (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، وقد أورد جمهور المفسرين هذه القصة مع اختلاف بينهم في لفظها. فالطبري وابن عطية والقرطبي وابن كثير ذكروا اللفظ الذي معنا. قال الطبري: (لا تكرهوا إماءكم على البغاء وهو الزنا إن أردن تعففاً عن الزنا لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنا عَرَض الحياة، وذلك ما تعرض لهم

стр. 710

إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها ... وذكر كلامًا إلى أن قال: وذكر أن هذه الآية أُنزلت في عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول حين أكره أمته مسيكة على الزنا). اهـ مختصراً. قال ابن كثير: (كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت فلما جاء الإسلام نهى اللَّه المؤمنين عن ذلك. وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول، فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبًا لخراجهن ورغبةً في أولادهن ورياسةً منه فيما يزعم) اهـ. أما البغوي وابن العربي وابن عاشور فقد ذكروا ألفاظًا مقاربة. قال البغوي: (نزلت في عبد اللَّه بن أبي ابن سلول المنافق كانت له جاريتان معاذة ومسيكة، وكان يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيرًا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرًا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل اللَّه هذه الآية) اهـ. وقال ابن العربي: (وروى الزهري أنه كان لعبد اللَّه بن أُبَيّ جارية يقال لها معاذة، وكان رجل من قريش أُسر يوم بدر، فكان عنده، وكان القرشي يريد الجارية على نفسها، وكانت الجاربة تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد اللَّه بن أبي يضربها على امتناعها من القرشي، رجاء أن تحمل منه فيطلب فداء ولده فأنزل الله الآية) اهـ. قال السعدي: (وإنما نهى عن هذا لما كانوا يستعملونه في الجاهلية من كون السيد يجبر أمته على البغاء ليأخذ منها أجرة ذلك ولهذا قال: (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرًا منكم وأعف عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك لأجل عرض الحياة، متاع قليل يعرض ثم يزول.

стр. 711

فكسبكم النزاهة والنظافة والمروءة - بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها - أفضل من كسبكم العرض القليل، الذي يكسبكم الرذالة والخسة) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين عليه والله أعلم. * * * * *

стр. 712

١٢٨ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أبو داود عن عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عبَّاسٍ كيف ترى في هذه الآية التي أُمرنا فيها بما أُمرنا ولا يعمل بها أحد قول اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) قرأ القعنبي إلى (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) قال ابن عبَّاسٍ: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حِجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل. والرجل على أهله، فأمرهم اللَّه بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم اللَّه بالستور والخير، فلم أر أحداً يعمل بذلك بعد.

стр. 713

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد هذا الحديث ابن العربي والقرطبي وابن كثير. قال ابن العربي: (وقال ابن عبَّاسٍ: قد ذهب حكمها. ثم ساق الحديث، ثم قال: وهذا ضعيف جداً بما بيناه في غير موضع من أن شروط النسخ لم تجتمع فيه من المعارضة، ومن التقدم والتأخر فكيف يصح لناظر أن يحكم به؟) اهـ.

стр. 714

قال القرطبي: (قلت: هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحاري ونحوها). اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية الكريمة للأسباب التالية: أولاً: أن أكثر المفسرين عنايةً بالأسباب أعرضوا عنه فلم يذكروه ولو كان مما يحتج به عندهم لما تركوه. ثانياً: أن الحديث ضعيف كما تبين من دراسة إسناده. ثالثاً: أن الذين ذكروا الحديث لم يذكروه محتجين به على السببية، بل يذكرون الإحكام والنسخ كما هو ظاهر من أقوالهم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية الكريمة لضعف سنده، وخلوه من التصريح بالسببية وإعراض المفسرين عنه. واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 715

سورة الفرقان

стр. 716

سورة الفرقان ١٢٩ - قال اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن عبَّاسٍ ﵄ قال: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا فأتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارةً فنزل: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ) ونزل: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ). وفي لفظ لمسلم والبخاري وأبي داود عنه ﵁ قال: نزلت هذه الآية بمكة: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) إلى قوله (مُهَانًا) فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلامُ وقد عدلنا باللَّه، وقد قتلنا النفس التي حرم الله

стр. 717

وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا .. ) إلى آخر الآية. ٢ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سألت أو سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الذنب عند الله أكبر؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) قلت: ثم أيٌّ؟ قال: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أيٌّ؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) قال: ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله ﷺ : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ). وفي لفظ للترمذي وأحمد عنه ﵁: وتلا هذه الآية: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ... ) ولم يقل: ونزلت. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذين الحديثين عند تفسيرها، واقتصروا على ذلك منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 718

قال الطبري: (وقد ذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل قوم من المشركين أرادوا الدخول في الإسلام ممن كان منه في شركه هذه الذنوب، فخافوا أن لا ينفعهم مع ما سلف منهم من ذلك إسلام فاستفتوا رسول الله ﷺ في ذلك، فأنزل الله ﵎ هذه الآية، يعلمهم أن اللَّه قابلٌ توبة من تاب منهم). اهـ ثم ساق الحديثين. وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث ابن مسعود ﵁ لا صلة له بالنزول. قال أبو العباس القرطبي: (ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبي ﷺ وليس كذلك؛ لأن الترمذي قد روى هذا الحديث وقال فيه: وتلا النبي ﷺ هذه الآية (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) بدل فأنزل اللَّه وظاهره: أنه ﵊ قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما قد كان أُنزل منها، على أن الآية تضمنت ما ذكره في حديثه بحكم عمومها) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن قول القرطبي صحيح ويؤيده أمران: الأول: أن السورة مكية عند جمهور العلماء، والشرك كان واسعاً في الناس ذلك الوقت، وهذا يوافق قول ابن عبَّاسٍ: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا ... الحديث. فبين الحديث وسياق الآيات قدر من التطابق والمماثلة. أما حديث ابن مسعود فليس كذلك لأنه حصر القتل في الولد خشية الطعام وحصر الزنا بحليلة الجار، وهذا الحصر لا يوافق العموم في الآية. الثاني: أنه جاء في حديث ابن مسعود: (ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول اللَّه ﷺ ) وبيان ذلك: أن يقال: إن القرآن إما أن ينزل ابتداءً أو على سبب وليس ثمةَ قسم ثالث اسمه نزول القرآن لتصديق الرسول ﷺ لأن رسول اللَّه ﷺ ينطق عن اللَّه،

стр. 719

كما قال : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤). فكيف يُصدِّق هذا بهذا؟ فإن قال قائل: الفائدة من هذا النزول هو التوكيد. فالجواب: أن يقال: الأصل في الكلام الشرعي، إذا كان دائراً بين التوكيد والتأسيس أن يحمل على التأسيس لأنه يحمل معنى زائداً على مجرد التوكيد. وهذا بعينه يتحقق في حديث ابن عبَّاسٍ، دون ابن مسعود ﵁. الذي لا يُفيد جديداً. * النتيجة: أن سبب نزول الآيات الكريمة حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ لموافقته سياق القرآن وصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لأقوال المفسرين. والله أعلم. * * * * *

стр. 720

سورة القصص

стр. 721

سورة القصص ١٣٠ - قال الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والنَّسَائِي عن المسيب قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ فوجد عنده أبا جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أيّ عمِّ، قل لا إله إلا اللَّه كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أُمية: أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (والله لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك) فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)، وأنزل اللَّه في أبي طالب: فقال لرسول الله ﷺ : (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). وأخرجه مسلم وأحمد والترمذي عن أبي هريرة ﵁ بلفظ قال: قال

стр. 722

رسول الله ﷺ لعمه: (قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة) قال لولا أن تعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فأنزل اللَّه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي والشنقيطي وابن عاشور. قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته إذ دعاه إلى الإيمان باللَّه إلى ما دعاه إليه من ذلك) اهـ. وقال ابن عطية: (أجمع جل المفسرين على أن قوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) إنما نزلت في شأن أبي طالب عم رسول الله ﷺ ) اهـ. وقال القرطبي: (قال الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. قلت: والصواب أن يقال: أجمع جلّ المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب عم النبي ﷺ وهو نص حديث البخاري ومسلم) اهـ. وقال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول اللَّه ﷺ وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبًا شديدًا طبعيًا لا شرعيًا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول اللَّه ﷺ إلى الإيمان والدخول في الإسلام فسبق القدر فيه واختطف من يده فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة التامة) اهـ.

стр. 723

وقال الشنقيطي: (ونزول قوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) في أبي طالب مشهور معروف). اهـ. وقال ابن عاشور: (وقد تضافرت الروايات على أن من أول المراد بذلك أبا طالب عم النبي ﷺ إذ كان النبي ﷺ قد اغتم لموته على غير الإسلام كما في الأحاديث الصحيحة) اهـ. وبذكر أقوال المفسرين المتقدمة تبين أن سبب نزول الآية الكريمة قصة النبي ﷺ مع أبي طالب حين دعاه إلى الإيمان باللَّه قبل الوفاة لكنَّ قدر الله سابق أنه لا يكون من المهتدين. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين عليه والله أعلم. * * * * *

стр. 724

سورة العنكبوت

стр. 725

سورة العنكبوت ١٣١ - قال الله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم والترمذي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكلَ ولا تشربَ. قالت: زَعَمْتَ أن اللَّه وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مَكَثَتْ ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يُقال له عُمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل اللَّه في القرآن هذه الآية: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)، (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) وفيها: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث لنزولها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 726

قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ بسبب سعد بن أبي وقاص) اهـ. قال ابن عطية: (روي عن قتادة وغيره أنها نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظل بظل حتى يرجع إليها ويكفر بمحمد فلج هو في هجرته ونزلت الآية) اهـ. وقال القرطبي: (نزلت في سعد بن أبي وقاص) اهـ. أما قوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فليست في سياق الآية التي معنا بل هي في سورة لقمان. فهل نزلت في ذلك الآيتان؟ البغوي قال: (نزلت هذه الآية والتي في سورة لقمان والأحزاب في سعد بن أبي وقاص ﵁ لما أسلم وكان من السابقين الأولين وكان باراً بأُمِّه) اهـ. ولا أدري ما يعني بالتي نزلت في سورة الأحزاب؟ فسورة الأحزاب ليس فيها شيء من هذا. والظاهر - والله أعلم - أن ذكر قوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) لا يصح لأمور: ١ - أن الترمذي الذي روى الحديث مع مسلم لم يذكرها، واقتصر على آية العنكبوت. ٢ - أن سياق آيات العنكبوت السابقة واللاحقة تتحدث عن الابتلاء والفتنة. ففي السابقة يقول اللَّه: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣). وفي اللاحقة يقول الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ .. ). وهذا يتفق مع قصة سعد بن أبي وقاص لأن فعل أمه نوع من الابتلاء والامتحان لإيمانه لأنه كان باراً بها محبًا لها، أما آية لقمان فليس في سياقها مثل هذا.

стр. 727

٣ - أن المفسرين لم يذكروا آية لقمان في موضع نزول آية العنكبوت إلا البغوي، وإن كان بعضهم قد ذكر حديث سعد في موضع نزول آية لقمان، لكن ما دلّ عليه الحديث هو الراجح. والله أعلم. * تنبيه: ما ذُكر عن قوله تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) ينسحب على قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) لأن هذه الآية أيضاً في سورة لقمان وليس العنكبوت. * النتيجة: أن سبب نزول الآية قصة سعد ﵁ مع أمه لصحة سندها وتصريحها بالنزول، وموافقتها لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين بها. والله أعلم. * * * * *

стр. 728

١٣٢ - قال الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الدارمي عن يحيى بن جعدة قال: أُتي النبي ﷺ بكتف فيه كتاب فقال: كفى بقوم ضلالاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم فأنزل الله : (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ) الآية. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري وابن عطية والقرطبي. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن قوماً من أصحاب رسول الله ﷺ انتسخوا شيئاً من بعض كتب أهل الكتاب). اهـ ثم ذكر الحديث. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لأن سياق الآيات يتحدث عن قوم كافرين جاحدين مرتابين. وقد قال اللَّه قبل هذه الآية: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠).

стр. 729

وقال بعدها: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢). فالضمير في قوله: (يَكْفِهِمْ) يعود على الذين قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) هذا الظاهر من سياق الآيات. أما ما دلَّ عليه الحديث فإن عدم الاكتفاء واقع من بعض المؤمنين ولهذا قال فيه: كفى بقوم ضلالاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم، مما يدل على أن لهؤلاء نبياً وكتاباً. وبناءً على هذا فإنه ليس بين سياق الآيات والحديث موافقة مما يجعل القول بأنه سبب نزولها قولاً بعيداً من الصواب. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لأنه ضعيف السند، ولا يتفق مع السياق، مع إعراض أكثر المفسرين عن ذكره واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 730

سورة الروم

стр. 731

سورة الروم ١ ٣ ٣ - قال الله تعالى: (الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس فأعجب ذلك المؤمنين فنزلت: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ) - إلى قوله -: (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ) ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وقد ذكر هذا الحديث ومعه غيره الطبري وابن العربي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 732

أما البغوي وابن عطية فلم يذكرا الحديث. فأما الطبري والقرطبي فقد اقتصرا على سياق الأحاديث والمرويات في القصة. وأما ابن العربي فإنه لما ساق الحديث الذي معنا أضاف إليه حديث ابن عباس، وحديث نِيار بن مكرم الأسلمي ثم قال: (فهذه أحاديث صحاح حسان غراب) اهـ. وأما ابن كثير فقال: (نزلت هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم فاضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسطنطينة، وحاصره فيها مدة طويلة ثم عادت الدولة لهرقل) اهـ. وأما ابن عاشور فقال: (واتفقت الروايات على أن غلب الروم للفرس وقع بعد مضي سبع سنين من غلب الفرس على الروم الذي نزلت عنده هذه السورة .. ثم ذكر كلامًا قال بعده: أول أغراض هذه السورة سبب نزولها على ما سرَّ المشركين من تغلب الفرس على الروم، فقمع الله تعالى تطاول المشركين به وتحداهم بأن العاقبة للروم في الغلب على الفرس بعد سنين قليلة) اهـ. وقال البغوي: (سبب نزول هذه الآية على ما ذكره المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم لأن أهل فارس كانوا مجوساً أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس لكونهم أهل كتاب فبعث كسرى جيشاً إلى الروم فذكر كلامًا ... حتى قال: فغلبت فارس الروم فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم، وفرح به كفار مكة وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله تعالى هذه الآيات) اهـ.

стр. 733

والظاهر - واللَّه أعلم - أن الحديث الذي معنا لا يصح أن يكون سبباً للنزول لأمور: ١ - أن إسناده ضعيف، ومضطرب فلا ينهض للاحتجاج به على السببية. ٢ - أن سورة الروم مكية بكاملها. قال ابن عطية: (هذه السورة مكية ولا خلاف أحفظه في ذلك) اهـ. وقال ابن عاشور: (وهي مكية كلها بالاتفاق، حكاه ابن عطية والقرطبي، ولم يذكرها صاحب الإتقان في السور المختلف في مكيتها ولا في بعض آيها) اهـ. وإذا كانت مكية بالكامل، فكيف تنزل في يوم بدر كما يدل هذا الحديث؟ ٣ - أن سياق القرآن يأبى ذلك. وجه ذلك: أن الحديث نص على أن ظهور الروم على فارس كان في يوم بدر فنزلت هذه الآية. فإذا كان الأمر كذلك فكيف يبشر اللَّه المؤمنين بانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، والنصر قد تم للروم في يوم بدر - حسبما يدل عليه الحديث -. ٤ - أني لم أجد في أقوال المفسرين من اعتمد الحديث الذي معنا سبباً للنزول بل أقوالهم تدل على خلافه. فابن كثير يقول: إن الآيات نزلت حين غلب ملك الفرس على بلاد الشام. وابن عاشور يذكر: أن السورة نزلت عندما غلب الفرسُ الرومَ. وكلام البغوي وابن عطية يدل على هذا وهو أن القضية وقعت قبل الهجرة ونزل فيها القرآن حينذاك. ٥ - أن الطبري ذكر جملة من الآثار عن السلف كابن مسعود وابن عبَّاسٍ وعكرمة وغيرهم تعارض ما دلّ عليه حديث أبي سعيد من نزولها ببدر والله أعلم.

стр. 734

* النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف سنده، وكون السورة بكاملها مكية، مع مخالفته للسياق القرآني وأقوال المفسرين من السلف والخلف، وإنما الآية نزلت في مكة بعد أن غلبت الفرسُ الرومَ فحزن لذلك المؤمنون وفرح الكافرون فبشر الله المؤمنين بأن الدائرة للروم على الفرس في بضع سنين فتم ما أخبر الله به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 735

سورة لقمان

стр. 736

سورة لقمان ١٣٤ - قال الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن أبي أُمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام)، في مثل هذا أُنزلت هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).

стр. 737

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال ابن العربي بعد ذكر هذا الحديث وغيره: (هذه الأحاديث التي أوردناها لا يصح منها شيء بحال لعدم ثقة ناقليها إلى من ذكر من الأعيان فيها) اهـ. قال ابن كثير: (علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء والله أعلم). والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً لنزول الآية ليس بسبب إسناده فحسب، بل هو أيضاً ليس صريحاً في النزول لقوله: (في مثل هذا أُنزلت). * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لضعف سنده، ولأنه ليس صريحًا في النزول والله أعلم. * * * * *

стр. 738

١٣ ٥ - قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال أصحاب رسول الله ﷺ : أيُّنا لم يظلم؟ فأنزل الله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عنه بلفظ: لما نزلت: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول اللَّه، أيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: (ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). ولفظ مسلم: (فقال رسول اللَّه ﷺ ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث

стр. 739

لكن منهم من ذكر التصريح بالنزول كابن عطية والقرطبي. ومنهم من لم يذكر ذلك كابن كثير وابن عاشور. وقال ابن حجر لما ذكر التصريح بالنزول: (واقتضت رواية شعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التي في لقمان، لكن رواه البخاري ومسلم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب. ففي رواية جرير عنه (فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان). وفي رواية وكيع عنه: (فقال: ليس كما تظنون). وفي رواية عيسى بن يونس: (إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان) وظاهر هذا أن الآية التي في لقمان كانت معلومةً عندهم، ولذلك ينبههم عليها، ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان) اهـ. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً للنزول وأن التصريح بالنزول لا يصح لما يلي: ١ - أن أكثر الروايات خلت من التصريح بالنزول، ليس هذا فقط بل صرحت بخلافه: (ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه) وهذا يدل على أن هذا معلوم عندهم. ٢ - أن آية لقمان في سياق النصيحة، ومثل هذا لا يناسب السببية، إذ لو كانت الآية نزلت جواباً لاستشكال الصحابة كما قال الله فيها: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) إذ لا فائدة من ذلك. ٣ - أن احتمال نزول آية لقمان بعد سؤالهم. وقبل جواب النبي ﷺ لهم بعيد عادةً. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية الكريمة لعدم الدليل على ذلك، مع إعراض جمهور المفسرين عن ذكره والله أعلم.

стр. 740

١٣٦ - قال اللَّه تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه، ولا تأكلَ ولا تشربَ قالت: زعمت أن الله وصاك بوالديك وأنا أمك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثًا حتى غُشي عليها من الجهد، فقام ابن لها يُقال له عُمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل اللَّه في القرآن هذه الآية: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)، (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي) وفيها (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). ولفظ أحمد: فأنزلت: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ) وقرأ حتى بلغ: (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين حديث سعد هذا عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (وذكر أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه) اهـ ثم قال: ذكر الرواية الواردة في ذلك.
следующие страницы →