← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

من حاطب بن أبي بلتعة، إلى ناسٍ بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول اللَّه ﷺ . فقال رسول اللَّه ﷺ : (يا حاطب ما هذا). قال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إني كنتُ امرءًا ملصقًا في قريش، يقول: كنت حليفًا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : (أما إنه قد صدقكم) فقال عمر: يا رسول اللَّه، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل اللَّه اطلع على من شهد بدرًا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل اللَّه السورة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) - إلى قوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ). وفي رواية للبخاري قال عمرو: ونزلت فيه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) قال: لا أدري الآية في الحديث أو قول عمرو. حدثنا علي: قيل لسفيان في هذا، فنزلت: (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي). قال سفيان: هذا في حديث الناس، حفظته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أُرى أحدًا حفظه غيري. وفي رواية مسلم للحديث: وليس في حديث أبي بكر وزهير ذكر الآية. وجعلها إسحاق في روايته من تلاوة سفيان.

стр. 912

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآيات من أول هذه السورة نزلت في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وكان كتب إلى قريش بمكة يطلعهم على أمر كان رسول اللَّه ﷺ قد أخفاه عنهم، وبذلك جاءت الآثار والرواية عن جماعة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ وغيرهم). اهـ. قال البغوي: (قال المفسرون: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث). اهـ. وقال ابن عطية: (وهذه الآية نزلت بسبب حاطب بن أبي بلتعة). اهـ. وقال ابن كثير: (وكان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلاً من المهاجرين. وكان من أهل بدر أيضًا وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفًا لعثمان فلما عزم رسول اللَّه ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد فأمر النبي ﷺ المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال: (اللهم عمِّ عليهم خبرنا) فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول اللَّه ﷺ من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً فأطلع اللَّه على ذلك رسول اللَّه ﷺ استجابة لدعائه فبعث في إثر المرأة فأخذ الكتاب منها وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته). اهـ. وقال السعدي: (ذكر كثير من المفسرين أن سبب نزول هذه الآيات الكريمات في قصة حاطب بن أبي بلتعة حين غزا النبي ﷺ غزاة الفتح.

стр. 913

فكتب حاطب إلى المشركين من أهل مكة، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم ليتخذ بذلك يداً عندهم لا شكاً ولا نفاقاً وأرسله مع امرأة، فأخبر النبي ﷺ بشأنه فأرسل إلى المرأة قبل وصولها وأخذ منها الكتاب وعاتب حاطباً فاعتذر بعذر قبله النبي ﷺ ) اهـ. وقال ابن عاشور: (اتفق المفسرون وثبت في صحيح الأحاديث أن هذه الآية نزلت في قضية الكتاب الذي كتب به حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى من قريش. وكان حاطب من المهاجرين أصحاب رسول الله ﷺ ومن أهل بدر) اهـ. هذه أقوال المفسرين شاهدة ظاهرة تُجمع القولَ أن هذه الآية نزلت بسبب قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁. ومع هذا فقد مال ابن حجر إلى أن نزول الآية في هذا الحديث زيادة مدرجة فقال: (وقد بيّن سياق علي أن هذه الزيادة مدرجة) ثم استطرد في نقل أقوال المحدثين التي تثبت ذلك. وعندي - والله أعلم - أن القول ما قال المفسرون وشهرة الأمر عند السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، واتفاقهم عليه تشفي وتكفي، كيف لا وقد أيَّد هذا سياق القرآن. والحكم بالإدراج لا ينفي نزولها لهذا السبب، إذ قد تنزل ولا تذكر وليس عدم الذكر ذكراً للعدم، وكون أمر نزولها يشتهر على هذا النحو يدل حتماً على أن لذلك أصلاً. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآيات التي معنا لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 914

١٧٩ - قال الله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵁ قالت: أتتني أمي راغبةً، في عهد النبي ﷺ فسألت النبي ﷺ : آصِلُها؟ قال: (نعم). قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه تعالى فيها: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ). ٢ - وأخرج أحمد عن عبد اللَّه بن الزبير قال: قدمت قَيْلة ابنت عبد العزى بن عبد أسعد - من بني مالك بن حِسْل - على ابنتها أسماء ابنة أبي بكر بهدايا ضباب وأقط وسمن - وهي مشركة - فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها. فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل اللَّه : (لَا

стр. 915

يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... ) إلى آخر الآية فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذين الحديثين البغوي والقرطبي وابن كثير. قال ابن كثير: (لا ينهاكم اللَّه عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ولم يعاونوا على إخراجكم كالنساء والضعفة منهم أن تحسنوا إليهم وتعدلوا) اهـ. بتصرف. أما الطبري وابن عطية فقد ذكرا حديث عبد الله بن الزبير فقط. وقال السعدي: (ولما نزلت هذه الآيات الكريمات المهيجة على عداوة الكافرين وقعت ميق المؤمنين كل موقع، وقاموا بها أتم القيام، وتأثموا من صلة بعض أقاربهم المشركين وظنوا أن ذلك داخل فيما نهى اللَّه عنه فأخبرهم الله أن ذلك لا يدخل في المحرم فقال: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) أي لا ينهاكم الله عن البر والصلة والمكافأة بالمعروف والقسط للمشركين من أقاربكم وغيرهم حيث كانوا بحال لم ينصبوا لقتالكم في الدين والإخراج من دياركم

стр. 916

فليس عليكم جناح أن تصلوهم فإن صلتهم في هذه الحالة لا محذور فيها ولا تبعة) اهـ. وقال ابن حجر: (قال ابن عيينة: فأنزل اللَّه فيها: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) وكذا وقع في آخر حديث عبد اللَّه بن الزبير ولعل ابن عيينة تلقاه منه، وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين شيء جانبًا للمسلمين وأحسنه أخلاقًا. قلت: ولا منافاة بينهما فإن السبب خاص واللفظ عام فيتناول كل من كان في معنى والدة أسماء) اهـ. قلت: وفي نفسي من ذكر نزول الآية هنا شيء للأسباب التالية: ١ - أن جميع الطرق عن هشام بن عروة خلت من ذكر النزول إلا سفيان بن عيينة فوحده ذكر النزول عند البخاري، فربما قال هذا تفقهًا من عنده، أو تفقهًا ممن أخبره. ٢ - أن المفسرين عند ذكرهم لهذا تلمس وتُحس في أقوالهم الريب والتردد، ولم يقابلوا الحديث على صحته بالحفاوة والتعليق كالمعتاد بل الطبري على إمامته في التفسير لم يذكر حديث أسماء عند البخاري، ومن ذكره قال وقيل: إنه سبب نزول الآية. ٣ - أن سياق الآيات مرتبط ببعضه من أول السورة إلى الآية التاسعة ويدل على هذا الارتباط أن الله ذكر إخراج المشركين للرسول ﷺ والمؤمنين معه في أول آية من السورة ثم ذكر في الآية الثامنة والتاسعة أيضًا الإخراج من الديار وإذا كان آخرها مرتبطًا بأولها فهذا يعني أنها نزلت في سياق الآيات التي تعاتب حاطبًا ﵁ ولا صلة لها بقضية أسماء ﵂ وأمها إلا من حيث إن عموم لفظها يتناولها أما أن تكون سببها ابتداءً فلا. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية للشك في ثبوتها (أعني - زيادة التصريح بالنزول) وضعف الحديث الآخر، وتردد بعض المفسرين في إثبات النزول، مع اتصال الآية بقصة حاطب ﵁ واللَّه أعلم.

стр. 917

١٨٠ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة: يخبران خبرًا من خبر رسول الله ﷺ في عمرة الحديبية أنه لما كاتب رسول الله ﷺ سهيل بن عمرو يوم الحديبية على قضية المدة وكان فيما اشترط سهيلُ بن عمرو أنه قال: لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه وأبى سهيل أن يقاضيَ رسول الله ﷺ إلا على ذلك، فكره المؤمنون ذلك وامَّعضوا، فتكلموا فيه فلما أبى سهيل أن يقاضي رسولَ اللَّه ﷺ إلا على ذلك، كاتبه رسول الله ﷺ فرد رسولُ الله ﷺ أبا جندل بن سُهيل يومئذٍ إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأتِ رسول اللَّه ﷺ أحد من الرجال إلا ردَّه في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجراتٍ فكانت أم كلثوم بنتُ عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول اللَّه ﷺ ، وهي عاتق فجاء أهلها يسألون رسول الله ﷺ أن يرجعها إليهم، حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل. وفي لفظ للبخاري وأحمد: ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل اللَّه تعالى:

стр. 918

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) - حتى بلغ - (بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر هذا الحديث بعض المفسرين كالبغوي وابن العربي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال ابن كثير: (تقدم في سورة الفتح في ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول اللَّه ﷺ وبين كفار قريش فكان فيه: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وفي رواية على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وهذا قول عروة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد والزهري ومقاتل بن حيان والسدي فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصةً للسنة وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة فإن اللَّه أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن). اهـ. وقال الطبري: (وقوله: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) يقول: فإن أقررت عند المحنة بما يصح به عقد الإيمان لهن، والدخول في الإسلام فلا تردوهن عند ذلك إلى الكفار، وإنما قيل ذلك للمؤمنين، لأن العهد كان جرى بين رسول اللَّه ﷺ وبين مشركي قريش في صلح الحديبية أن يرد المسلمون إلى المشركين من جاءهم مسلماً، فأبطل ذلك الشرط في النساء إذا جئن مؤمنات مهاجرات فامتحن، فوجدهن المسلمون مؤمنات، وصح ذلك عندهم مما قد ذكرنا قبل، وأمروا أن لا يردوهن إلى المشركين إذا علم أنهن مؤمنات) اهـ. وقال ابن عطية: (نزلت إثر صلح الحديبية، وذلك أن الصلح تضمن أن

стр. 919

يرد المؤمنون إلى الكفار كل من جاء مسلمًا من رجل وامراة فنقض الله تعالى من ذلك أمر النساء بهذه الآية) اهـ. وقال السعدي: (وأما النساء فلما كان ردهن، فيه مفاسد كثيرة أمر المؤمنين إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات وشكوا في صدق إيمانهن أن يمتحنوهن ويختبروهن بما يظهر به صدقهن من أيمان مغلظة وغيرها فإنه يحتمل أن يكون إيمانها غير صادق بل رغبة في زوج أو بلد أو غير ذلك من المقاصد الدنيوية، فإن كن بهذا الوصف تعين ردهن وفاءً بالشرط من غير حصول مفسدة، وإن امتحنوهن فوجدن صادقات أو علموا ذلك منهن من غير امتحان فلا يرجعوهن إلى الكفار) اهـ. وما ذكره المفسرون في الآية هو الذي دلَّ عليه الحديث الذي معنا وبهذا يكون سبب نزولها. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا هو سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وموافقته لسياق القرآن، وتصريحه بالنزول واحتجاج المفسرين به والله أعلم. * * * * *

стр. 920

١٨١ - قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ كان يمتحنُهُن وبلغنا أنه لما أنزل اللَّه تعالى: أن يردوا إلى المشركين ما أنفقوا على من هاجر من أزواجهم، وحكم على المسلمين أن لا يمسكوا بِعِصَمِ الكوافر أن عمر طلق امرأتين، قريبةَ بنت أبي أمية، وابنة جرولٍ الخزاعي، فتزوج قريبةَ معاويةُ، وتزوج الأخرى أبو جهم، فلما أبى الكفار أن يُقرُّوا بأداء ما أنفق المسلمون على أزواجهم أنزل اللَّه تعالى: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ) والعَقَبُ ما يؤدي المسلمون إلى من هاجرت امرأته من الكفار، فأمر أن يُعطى من ذهب له زوج من المسلمين ما أنفق من صداق نساء الكفار اللائي هاجرن، وما نعلم أحدًا من المهاجرات ارتدت بعد إيمانها. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، لكنّ المفسرين لم يذكروا هذا الحديث عند تفسيرها وإن كانوا ذكروا معناه كالطبري، وابن العربي وابن عطية، والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (واختلف أهل التأويل في المال الذي أُمر أن يُعطى منه الذي ذهبت زوجته إلى المشركين، فقال بعضهم: أُمروا أن يعطوهم صداق من

стр. 921

لحق بهم من نساء المشركين ثم ساق بإسناده إلى الزهري أنه قال: أقر المؤمنون بحكم الله، وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين فقال الله للمؤمنين: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ ... ) الآية فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأة من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رد المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العقب الذي بأيديهم الذي أُمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمنَّ وهاجرن، ثم ردوا إلى المشركين فضلاً إن كان بقي لهم، والعقب: ما كان بأيدي المؤمنين من صداق نساء الكفار حين آمنَّ وهاجرن. وقال آخرون: بل أمروا أن يعطوه من الغنيمة أو الفيء ... ثم ساق الآثار حتى قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أمر الله في هذه الآية المؤمنين أن يعطوا من فرّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عقبى، إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم، مثل الذي أنفقوا على الفارّة منهم إليهم، ولم يخصص إيتاءهم ذلك من مال دون مال فعليهم أن يعطوهم ذلك من كل الأموال التي ذكرناها) اهـ. بتصرف. وقال ابن العربي: (قال علماؤنا: المعنى إن ارتدت امرأة، ولم يرد الكفار صداقها إلى زوجها كما أُمروا فردوا أنتم إلى زوجها مثل ما أنفق) اهـ. وقال ابن عطية: (واختلف الناس من أي مال يدفع إليه الصداق، فقال محمد بن شهاب الزهري: يدفع إليه من الصدقات التي كانت تدفع إلى الكفار بسبب من هاجر من أزواجهم، وأزال الله تعالى دفعها إليهم حين لم يرضوا حكمه حسبما ذكرناه وهذا قول صحيح يقتضيه قوله تعالى: (فَعَاقَبْتُمْ) اهـ. وقال السعدي: (إن الكفار إذا كانوا يأخذون بدل ما يفوت من أزواجهم إلى المسلمين فمن ذهبت زوجته من المسلمين إلى الكفار، وفاتت عليه فعلى المسلمين أن يعطوه من الغنيمة بدل ما أنفق) اهـ. بتصرف يسير. وقال ابن عاشور: (روي أن المسلمين كتبوا إلى المشركين يعلمونهم بما تضمنته هذه الآية من الترادّ بين الفريقين في قوله تعالى: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا

стр. 922

مَا أَنْفَقُوا) فامتنع المشركون من دفع مهور النساء اللاتي ذهبت إليهم فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ) اهـ. وقال أيضاً: (والمعنى: إن فرت بعض أزواجكم ولحقت بالكفار وحصل التعاقب بينكم وبين الكفار فعقّبتم على أزواج الكفار وعقّب الكفار على أزواجكم وأبى الكفار من دفع مهور بعض النساء اللائي ذهبن إليهم فادفعوا أنتم لمن حرمه الكفار مهر امرأته أي ما هو حقه، واحجزوا ذلك عن الكفار، وهو أظهر ما فسرت به الآية). اهـ باختصار. وما ذكره المفسرون - بحمد الله - يوافق تماماً ما روته أم المؤمنين ﵂ إلا أن الخلاف بينهم ينصبُّ على الجهة التي يُعطى منها من فات له زوج إلى الكفار. حديث عائشة لم يبين هذا، فمنهم من يقول يُعطى من الغنيمة، ومنهم من يقول يُعطى من أموال الكفار الذين هاجرت زوجاتهم إلى المسلمين. والأمر - واللَّه أعلم - كما قال ابن كثير: (إن أمكن الأول فهو الأولى وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار وهذا أوسع) اهـ. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين على معناه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 923

سورة الصف

стр. 924

سورة الصف ١ ٨ ٢ - قال اللَّه تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الدارمي والترمذي عن عبد اللَّه بن سلام ﵁ قال: قعدنا نَفَرٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله تعالى لعملناه فأنزل اللَّه تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا)، حتى ختمها، قال عبد اللَّه: فقرأها علينا رسول اللَّه ﷺ حتى ختمها. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة وقرأها علينا يحيى، وقرأها علينا الأوزاعي، وقرأها علينا محمد.

стр. 925

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد ذكر القرطبي وابن كثير وابن عاشور هذا الحديث في سبب نزولها. قال ابن كثير: (إن الجمهور حملوا الآية يعني قوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ). وقال تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ)، وهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة عن

стр. 926

ابن عبَّاسٍ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون لوددنا أن اللَّه دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر اللَّه نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ). اهـ. وقال ابن عاشور: (وتعقيب الآية بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) يؤذن بأن اللوم على وعد يتعلق بالجهاد في سبيل اللَّه. وبذلك يلتئم معنى الآية مع حديث الترمذي في سبب النزول وتندحض روايات أخرى رويت في سبب نزولها ذكرها في الكشاف). اهـ. أما الطبري والبغوي وابن عطية فلم يذكروا حديث ابن سلام ﵁ لكن ذكروا أحاديث مشابهةً في لفظها ومعناها واحد. قال الطبري: (واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أُنزلت هذه الآية فقال بعضهم: أُنزلت توبيخًا من اللَّه لقوم من المؤمنين، تمنوا معرفة أفضل الأعمال فعرفهم اللَّه إياه، فلما عرفوا قصروا فعوتبوا بهذه الآية). اهـ. وبهذا يتبين اتفاق المفسرين على المعنى الذي دلَّ عليه حديث عبد اللَّه بن سلام ﵁ وإن كان الحديث قد خلا من تمني الجهاد، وإنما تمني أحب الأعمال إلى اللَّه فبين أنه الجهاد. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين على معناه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 927

١٨٣ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما أراد اللَّه أن يرفع عيسى ﵇ إلى السماء، خرج على أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلاً، ورأسه يقطر ماءً، فقال: أيُّكم يُلقى شبهي عليه، فيقتل مكاني، فيكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال: أنا. فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم. فقام الشاب فقال: أنا. فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم الثالثة، فقال الشاب: أنا، فقال عيسى ﵇: نعم أنت، فأُلقي عليه شبه عيسى ﵇ ثم رُفع عيسى من روزنةٍ كانت في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشاب للشبه. فقتلوه ثم صلبوه، فتفرقوا ثلاث فرق. فقالت فرقة: كان فينا الله ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية. وقالت فرقة: كان فينا ابن اللَّه ما شاء اللَّه ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطوريَّة. وقالت طائفة: كان فينا عبد اللَّه ورسوله ما شاء اللَّه ثم رفعه فهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام

стр. 928

طامسًا حتى بعث الله محمدًا ﷺ فأنزل الله : (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) يعني: الطائفة التي كفرت في زمان عيسى ﵇ والطائفة التي آمنت في زمان عيسى (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ) بإظهار محمد ﷺ دينهم على دين الكفار (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية وقد ذكر الطبري وابن كثير الحديث بكماله إلا أن الطبري لم يشر في حديثه إلى الآية، وإنما ساقها قصصًا كسائر الحديث. أما ابن كثير فلم يذكر النزول أيضًا، لكن الآية في سياقه بين قوسين فلعل هذا ناشئ عن الطباعة الحديثة. أما البغوي فساقه مختصرًا وجاء في سياقه فذلك قوله تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ). وإذا كان الأمر كما تقدم من إعراض أكثر المفسرين عن ذكر هذا الحديث، وحتى من ذكره لا يذكر فيه النزول فهذا برهان مبين على أن الحديث

стр. 929

ليس له صلة بالنزول وأن قول الراوي فيه: فأنزل الله . إنما هو في باب التفسير ليس إلا وكيف لا يكون كذلك والحديث فيه عن نبي الله عيسى ﵊ وأتباعه على دينه. ومع كون الحديث موقوفاً على ابن عباس ﵁ ليس لرسول اللَّه ﷺ فيه ذكر فابن عبَّاسٍ كان معروفاً بالأخذ عن بني إسرائيل، ففسر هذه الآية بما يعلمه من أخبارهم واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لإعراض المفسرين عن ذكره، كما أن التصريح بالنزول غير محفوظ ولا يلائم سياق القرآن واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 930

سورة الجمعة

стр. 931

سورة الجمعة ١٨٤ - قال الله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: أقبلت عِيرٌ يوم الجمعة، ونحن مع النبي ﷺ ، فثار الناس إلا اثني عشر رجلاً فأنزل اللَّه: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث سببًا لها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي وابن عاشور.

стр. 932

قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المؤمنون عير تجارة أو لهواً أسرعوا إلى التجارة وتركوك يا محمد قائماً على المنبر وذلك أن التجارة التي رأوها فانفضّ القوم إليها، وتركوا النبي ﷺ قائماً كانت زيتاً قدم به دحية بن خليفة من الشام) اهـ. بتصرف. قال ابن كثير: (يعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذٍ فقال تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) أي على المنبر تخطب هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائماً على المنبر إلا القليل منهم وقد صح بذلك الخبر). اهـ. وقال السعدي: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا) أي: خرجوا من المسجد حرصاً على ذلك اللهو وتلك التجارة، وتركوا الخير وتركوك قائماً تخطب الناس وذلك في يوم الجمعة، بينما النبي ﷺ يخطب الناس إذ قدم المدينة عير تحمل تجارة، فلما سمع الناس بها وهم في المسجد انفضوا من المسجد وتركوا النبي ﷺ يخطب استعجالاً لما لا ينبغي أن يستعجل له وترك أدب) اهـ. وقال ابن حجر: (قوله: (فنزلت هذه الآية): ظاهر فى أنها نزلت بسب قدوم العير المذكورة) اهـ. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه. والله أعلم.

стр. 933

سورة المنافقون

стр. 934

سورة المنافقون ١ ٨٥ - قال اللَّه تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن زيد بن أرقم ﵁ قال: كنت مع عمي، فسمعت عبد الله بن أُبي ابن سلول يقول: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وقال أيضاً: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فذكرت ذلك لعمي، فذكر عمي لرسول الله ﷺ فأرسل رسولُ اللَّه ﷺ إلى عبد الله بن أُبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبني، فأصابني همٌّ لم يصبني مثلُه، فجلست في بيتي، فأنزل اللَّه : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) - إلى قوله - (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) - إلى قوله - (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)

стр. 935

فأرسل إليَّ رسول الله ﷺ فقرأها عليَّ، ثم قال: (إن الله قد صدقك). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وإنما عُني بهذه الآيات كلها فيما ذُكر عبد الله بن أبي ابن سلول وذلك أنه قال لأصحابه: (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)، وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) فسمع بذلك زيد بن أرقم فأخبر به رسول اللَّه ﷺ فدعاه رسول الله ﷺ فسأله عما أُخبر به عنه فحلف أنه ما قاله) اهـ. قال ابن كثير: (وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي ابن سلول) اهـ. وقال السعدي: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) وذلك في غزوة المريسيع، حين صار بين بعض المهاجرين والأنصار بعض كلام كدَّر الخواطر ظهر حينئذٍ نفاق المنافقين، وتبين ما في قلوبهم، وقال كبيرهم عبد الله بن أبي ابن سلول: ما مثلنا ومثل هؤلاء يعني المهاجرين - إلا كما قال القائل: (سمِّن كلبك يأكلك). وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ طلَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) بزعمه أنه هو وإخوانه المنافقين الأعزون، وأن

стр. 936

رسول اللَّه ومن اتبعه هم الأذلون، والأمر بعكس ما قال هذا المنافق) اهـ. وقد اتفق المفسرون على أن قضية زيد بن أرقم ﵁ مع رأس المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول هي سبب نزول الآيات الكريمة والله أعلم. * النتيجة: أن هذا الحديث الذي معنا هو سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين عليه واحتجاجهم به واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 937

سورة التغابن

стр. 938

سورة التغابن ١٨٦ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ وسأله رجل عن هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول اللَّه ﷺ فلما أتوا رسول اللَّه ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين هَمُّوا أن يعاقبوهم فأنزل اللَّه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ).

стр. 939

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا اللَّه ورسوله: (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ) يصدونكم عن سبيل الله، ويثبطونكم عن طاعة اللَّه فاحذروهم أن تقبلوا منهم ما يأمرونكم به من ترك طاعة الله. وذُكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أرادوا الإسلام والهجرة فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم) اهـ. وقال ابن العربي: (ثبت عن ابن عبَّاسٍ من طريق الترمذي وغيره أنه سأله رجل عن هذه الآية ثم ذكر الحديث حتى قال: هذا يبين وجه العداوة، فإن العدو لم يكن عدواً لذاته، وإنما كان عدواً لفعله فإذا فعل الزوج والولد فِعلَ العدو كان عدواً، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة). اهـ. وقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبراً عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والولد بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، ولهذا قال تعالى هاهنا: (فَاحْذَرُوهُمْ) اهـ. وقال السعدي: (هذا تحذير من اللَّه للمؤمنين عن الاغترار بالأزواج

стр. 940

والأولاد فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، فوظيفتك الحذر ممن هذه صفته والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد. فنصح تعالى عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد التي فيها محذور شرير، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية، والمحاب الغالية وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد فيما هو ضرر على العبد والتحذير من ذلك قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو فإن في ذلك من المصالح ما لا يمكن حصره) اهـ والظاهر - والله أعلم - أن الحديث الذي معنا وإن كان إسناده ضعيفاً إلا أن شهرته الواسعة بين المفسرين تدل على أن له أصلاً، وهذا ليس بغريب إذا علمنا أن عدداً من الأحاديث سارت مسير الليل والنهار على ضعف في أسانيدها ومع هذا حازت من الناس القبول والعمل. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا يوافق لفظ الآية، مع ما جاء فيه من التصريح بالنزول واتفاق المفسرين على معناه، فلعل الحديث لهذه الأسباب يكون سبب نزولها والله أعلم. * * * * *

стр. 941

سورة التحريم

стр. 942

سورة التحريم ١ ٨٧ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلاً، فتواصيت أنا وحفصة: أن أيَّتَنَا دخل عليها النبي ﷺ فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلتَ مغافير، فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، قال: (لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش، ولن أعود له) فنزلت: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) - إلى - (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ) لعائشة وحفصة: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ

стр. 943

إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ) لقوله: (بل شربت عسلاً). زاد البخاري من رواية هشام بن يوسف عن ابن جريج: وقد حلفتُ لا تخبري بذلك أحداً. ٢ - أخرج النَّسَائِي عن أنس ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كانت له أَمةٌ يطؤها، فلِم تزل به عائشة وحفصة حتي حرمها فأنزل اللَّه : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ .. ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وقبل الخوض في نقل

стр. 944

أقوال المفسرين في سبب النزول أهي قضية العسل أم قضية الجارية يحسن أولاً نقل ما روى الشيخان أيضاً في قضية العسل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أَهدت لها امرأة من قومها عُكةً من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما واللَّه لنحتالنَّ له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلتَ مغافير، فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة، عسل، فقولي له: جَرَسَتْ نحلة العُرفُط، وسأقول ذلك، قولي أنت يا صفية ذاك. قالت: تقول سودة: فواللَّه ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أَن أُبَاديَه بما أمرتني به فرقًا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: (لا) قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: (سقتني حفصة شربة عسل) فقالت: جرست نحلة العرفط، فلما دار إليَّ قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا

стр. 945

رسول الله ألا أسقيك منه؟ قال: (لا حاجة لي فيه). قالت: تقول سودة: واللَّه لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي. فبين الروايتين اختلاف من وجوه: ١ - أن رواية عبيد بن عمير جاء فيها ذكر النزول، أما رواية عروة عن عائشة فقد خلت من ذكر النزول. ٢ - أن المتواطئتين في رواية عبيد بن عمير هما عائشة وحفصة، بينما المتواطئات في رواية عروة بن الزبير هن عائشة، وسودة، وصفية. ٣ - أن ساقية العسل في رواية عبيد بن عمير هي زينب بنت جحش، بينما الساقية في رواية عروة هي حفصة بنت عمر. فإن قيل: ما هو الراجح من هاتين الروايتين؟ فالجواب: الحافظ ابن حجر جنح إلى التعدد فقال: (وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد). ومن إنصافه ﵀ ذكره حجج المرجحين لرواية عبيد بن عمير وأن الساقية زينب ومنها: أولاً: أنها توافق قول ابن عبَّاسٍ ﵄ في أن المتظاهرتين حفصة وعائشة كما أخبره عمر بذلك، فقد روى الشيخان عن ابن عبَّاسٍ قال: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ من أزواجه فقال: تلك حفصة وعائشة. فلو كانت حفصةُ ساقيةَ العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة. ثانياً: أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أن نساء رسول الله ﷺ كُنَّ حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة،

стр. 946

وسائر نساء رسول الله ﷺ ... الحديث. وجه الدلالة: - أن زينب ليست من حزب عائشة ولهذا غارت منها بخلاف حفصة فإنها من حزبها. ثالثاً: أن كون الساقية زينب يوافق سياق القرآن لأن قوله: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) يدل على أنهما ثنتان لا أكثر، وهو ما جزم به عمر لابن عبَّاسٍ ﵃ بينما لو كانت الساقية حفصةَ لكانت المتظاهرات عائشة، وسودة، وصفية، وهذا يخالف التلاوة لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين، ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث. رابعاً: أن عائشة ﵂ تصرح بقولها: (تواصيت أنا وحفصة) وهذا يوافق ظاهر الآية، وقول عمر ﵁ بينما لا يتأتى هذا لكون الساقية حفصة. خامساً: أن الرواية في تظاهرهن على حفصة قد خلت من ذكر النزول، فلم يجئ له ذكر فيها، بينما الرواية في تظاهرهن على زينب قد تضمنت النزول، وإذا كان الأمر كذلك صارت على صلة بالآية، وارتباط بها اهـ. كلامه بمعناه. وحيث إن اختيار إحدى الروايتين من حديث عائشة يقتضي المقابلة بينها وبين حديث أنس في قصة تحريم الجارية ولا بد فإني سأذكر أقوال المفسرين وما اختاروه في القضيتين العسل أو الجارية، ثم أذكر جوابًا واحدًا يحدد الصواب - بإذن اللَّه - في الروايتين والقضيتين معاً. والبداية بمن يرجح أن قضية العسل هي سبب النزول وهذا القول الأول واختاره ابن العربي والقرطبي وابن كثير، وابن عاشور. قال ابن العربي لما ذكر الأقوال: (وإنما الصحيح أنه كان في العسل،

стр. 947

وأنه شربه عند زينب وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، وجرى ما جرى، فحلف ألا يشربه، وأسر ذلك ونزلت الآية في الجميع). وقال عن حديث مارية: (وأما من روى أنه حرم مارية فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدوَّن في صحيح، ولا عُدِّل ناقله، أما إنه روي مرسلاً) اهـ. وقال القرطبي بعد أن ذكر الأقوال مبتدئًا بقضية العسل: (أصح هذه الأقوال أولها) اهـ. وقال ابن كثير: (اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل: نزلت في شأن مارية وكان رسول اللَّه ﷺ قد حرمها فنزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ثم ساق الأحاديث في تلك القضية ثم قال: (والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل ... ثم ساق الأحاديث) اهـ. القؤل الثاني: أن سبب النزول، كان تحريمه للجارية وليس العسل واختار هذا ابن عطية والقاسمي. قال ابن عطية: (والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح وعليه تفقه الناس في الآية) اهـ. وقال القاسمي: (والذي يظهر لي هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها وذلك لوجوه: منها: أن مثله يُبتغى به مرضات الضرات، ويهتم به لهن. ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه، ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفةً من ريحه. ومنها: أن الاهتمام بإنزال سورة على حدةٍ لتقريع أزواجه ﷺ وتأديبهن في المظاهرة عليه، وإيعادهن على الإصرار على ذلك بالاستبدال بهن، وإعلامهن برفعة مقامه، وأن ظهراءَه مولاه وجبريل والملائكة والمؤمنون كل ذلك يدل على أن أمرًا عظيمًا دفعهن إلى تحريمه ما حرم، وما هو إلا

стр. 948

الغيرة من مثل ما روي في شأن الجارية، فإن الأزواج يحرصن أشد الحرص على ما يقطع وصلة الضرةِ الضعيفة ويبترها من عضو الزوجية هذا ما ظهر لي الآن. وأما تخريج رواية العسل في هذه الآية، وقول بعض السلف نزلت فيه، فالمراد منه أن الآية تشمل قصته بعمومها، على ما عُرف من عادة السلف في قولهم: نزلت في كذا كما نبهنا عليه مراراً) اهـ. القول الثالث: ما ذهب إليه الطبري والبغوي والسعدي من إطلاق القولين احتمالاً بلا تعيين. قال الطبري بعد عرض الروايات: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه شيئاً كان اللَّه قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون شراباً من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك غير أنه أيَّ ذلك كان فإنه كان تحريم شيء كان له حلالاً، فعاتبه اللَّه على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبيّن له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرم على نفسه) اهـ. أما البغوي فقال ابتداءً: (سبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ... ثم ساق قصة العسل ثم قال: وفاك المفسرون: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه ثم ذكر قضية حفصة مع الجارية ... ) اهـ. وقال السعدي: (هذا عتاب من الله لنبيه محمد ﷺ حين حرم على نفسه سريته (مارية) أو شرب العسل، مراعاةً لخاطر بعض زوجاته في قصة معروفة) اهـ. هذه أقوال المفسرين خاليةً من الحجج والبراهين باستثناء القاسمي، الذي ذكر ثلاثاً من الحجج تدل على أن القضية في الجارية لا في العسل. وسأذكر ما تبين لي في الموضوع، ثم أجيب عما احتج به مرجحو قضية العسل فأقول: قد دلّ حديث عائشة من رواية عبيد بن عمير على أن السر الذي

стр. 949

أسره رسول الله ﷺ لبعض أزواجه هو شرب العسل، فقد جاء في الحديث: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه) - لقوله -: (بل شربت عسلاً). وهذا يخالف القرآن من وجوه: الأول: أن النبي ﷺ حين أسر الحديث إلى زوجه لا يريد أن يفشو، وهذه حقيقة السر بين الاثنين، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يفشي النبي ﷺ السرَّ بنفسه، وقد نهى عن ذلك. وحديث عائشة بروايتيه نصَّ على أن النبي ﷺ أفشاه .. ففي رواية عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: أن أيتنا دخل عليها فلتقل إني أجد منك ريح مغافير فقال: (بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش). وفي رواية عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت لسودة: فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل، وهذا ما حصل ووقع، فالنبي ﵊ ما كتم ولا أخفى. وبناء على هذا فهل يصح أن يستسرَّها الحديث ثم يفشيه؟. الثاني: أن الله ذكر أن سرَّ النبي ﷺ كان حديثاً بقوله: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) وأن النبي ﷺ عرّف المفشية بعضه، وأعرض عن بعض، وهذا يعني أن الحديث فيه طُوْل، وعلى أقل تقدير يقبل القسمة. فهل يتفق هذا مع السر المذكور في الحديث وهو قوله: (بل شربتِ عسلاً)؟ الواقع أن هذا لا يمكن لأن السر هنا كلمتان فقط فما الذي يمكن أن يعرَّف، وما الذي يمكن أن يعرض عنه هنا. الثالث: أنه لو كان السرُّ شربَهُ العسل ما كان لقوله الله تعالى: (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أيُّ معنى، إذ كيف يطلعه اللَّه على أمرٍ قد فعله بنفسه، بينما سياق القرآن يدل على أنه لم يكن يعلم بفشو السر. الرابع: أنه لو كان السرُّ شربه العسل ما كان لقول الله - تعالى -: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أدنى فائدة لأنه هو أَنبأ بذلك، فلم تختص زوجه بالإنباء. الخامس: أن الله قال: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) - إلى قوله -: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) وهذا يعني أنه حرم الحلال لإرضائهن، بينما لا تدل الأحاديث على أنهن طلبن تحريم العسل، بل غاية الأمر أنهن شكون من رائحته فهل هذا يعني المطالبة بالتحريم؟

стр. 950

والجواب: لا؛ لأن هذا لا ينهي القضية فلئن كانت رائحةُ العسل هذا ريحَ مغافير فليس كل العسل كذلك. وهن يعلمن هذا تماماً. وبهذه الوجوه الخمسة يتبين الدليل الأول على أن العسل لا صلة له بآيات السورة. الدليل الأول: أن سبب اجتماعهن عليه ليس بسبب شرب العسل، بل بسبب احتباسه زمنا أكثر عند صاحبة العسل ولهذا قالت عائشة: فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغِرت فسألت عن ذلك فقيل لي: أَهدت لها امرأة من قومها عُكةً من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربةً فقلت: أما والله لنحتالن له. فعائشة غارت قبل علمها بالعسل، لكنها اتخذت من العلم بالعسل وسيلةً للحيلة فعلم بهذا أنه لم يكن مقصودهن العسل حتى يرضيهن بتحريمه أو تركه، بل منعه من الاحتباس زمناً أكثر عند صاحبة العسل. الدليل الثالث: أن الامتناع من شرب العسل لم يكن ابتغاء مرضاتهن لأنهن يعلمن من قبل أنه يحب العسل والحلواء - كما قالت عائشة - وإذا كان يحبهما فسيتناولهما إذا وجدهما فليس في الأمر جديد. وقول سودة لما ترك شربه مرة ثانية عند حفصة: واللَّه لقد حرمناه يشير إلى أن حرمانه منه ليس مقصوداً لهن لكنه وقع تبعاً لذلك. وإنما الدافع لامتناعه أَنَفَةً من رائحته، ولجوؤهن إلى ذكر الرائحة مع ترك أصلها يدل على هذا. الدليل الرابع: أن أكثر السلف يقولون إن سبب نزول الآيات قصة الجارية. فقد روى الطبري ذلك عن ابن عبَّاسٍ، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد. وزاد ابن الجوزي على هؤلاء سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل ونسب هذا القول إلى الأكثرين. وقال الشوكاني: (اختُلف في سبب نزول الآية على أقوال، الأول قول
следующие страницы →