← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 95559

المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة

خالد المزيني

Полный текст (1 008 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وسائر نساء رسول الله ﷺ ... الحديث. وجه الدلالة: - أن زينب ليست من حزب عائشة ولهذا غارت منها بخلاف حفصة فإنها من حزبها. ثالثاً: أن كون الساقية زينب يوافق سياق القرآن لأن قوله: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) يدل على أنهما ثنتان لا أكثر، وهو ما جزم به عمر لابن عبَّاسٍ ﵃ بينما لو كانت الساقية حفصةَ لكانت المتظاهرات عائشة، وسودة، وصفية، وهذا يخالف التلاوة لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين، ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث. رابعاً: أن عائشة ﵂ تصرح بقولها: (تواصيت أنا وحفصة) وهذا يوافق ظاهر الآية، وقول عمر ﵁ بينما لا يتأتى هذا لكون الساقية حفصة. خامساً: أن الرواية في تظاهرهن على حفصة قد خلت من ذكر النزول، فلم يجئ له ذكر فيها، بينما الرواية في تظاهرهن على زينب قد تضمنت النزول، وإذا كان الأمر كذلك صارت على صلة بالآية، وارتباط بها اهـ. كلامه بمعناه. وحيث إن اختيار إحدى الروايتين من حديث عائشة يقتضي المقابلة بينها وبين حديث أنس في قصة تحريم الجارية ولا بد فإني سأذكر أقوال المفسرين وما اختاروه في القضيتين العسل أو الجارية، ثم أذكر جوابًا واحدًا يحدد الصواب - بإذن اللَّه - في الروايتين والقضيتين معاً. والبداية بمن يرجح أن قضية العسل هي سبب النزول وهذا القول الأول واختاره ابن العربي والقرطبي وابن كثير، وابن عاشور. قال ابن العربي لما ذكر الأقوال: (وإنما الصحيح أنه كان في العسل،

стр. 947

وأنه شربه عند زينب وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، وجرى ما جرى، فحلف ألا يشربه، وأسر ذلك ونزلت الآية في الجميع). وقال عن حديث مارية: (وأما من روى أنه حرم مارية فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدوَّن في صحيح، ولا عُدِّل ناقله، أما إنه روي مرسلاً) اهـ. وقال القرطبي بعد أن ذكر الأقوال مبتدئًا بقضية العسل: (أصح هذه الأقوال أولها) اهـ. وقال ابن كثير: (اختلف في سبب نزول صدر هذه السورة فقيل: نزلت في شأن مارية وكان رسول اللَّه ﷺ قد حرمها فنزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) ثم ساق الأحاديث في تلك القضية ثم قال: (والصحيح أن ذلك كان في تحريمه العسل ... ثم ساق الأحاديث) اهـ. القؤل الثاني: أن سبب النزول، كان تحريمه للجارية وليس العسل واختار هذا ابن عطية والقاسمي. قال ابن عطية: (والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصح وأوضح وعليه تفقه الناس في الآية) اهـ. وقال القاسمي: (والذي يظهر لي هو ترجيح روايات تحريم الجارية في سبب نزولها وذلك لوجوه: منها: أن مثله يُبتغى به مرضات الضرات، ويهتم به لهن. ومنها: أن روايات شرب العسل لا تدل على أنه حرمه، ابتغاء مرضاتهن بل فيه أنه حلف لا يشربه أنفةً من ريحه. ومنها: أن الاهتمام بإنزال سورة على حدةٍ لتقريع أزواجه ﷺ وتأديبهن في المظاهرة عليه، وإيعادهن على الإصرار على ذلك بالاستبدال بهن، وإعلامهن برفعة مقامه، وأن ظهراءَه مولاه وجبريل والملائكة والمؤمنون كل ذلك يدل على أن أمرًا عظيمًا دفعهن إلى تحريمه ما حرم، وما هو إلا

стр. 948

الغيرة من مثل ما روي في شأن الجارية، فإن الأزواج يحرصن أشد الحرص على ما يقطع وصلة الضرةِ الضعيفة ويبترها من عضو الزوجية هذا ما ظهر لي الآن. وأما تخريج رواية العسل في هذه الآية، وقول بعض السلف نزلت فيه، فالمراد منه أن الآية تشمل قصته بعمومها، على ما عُرف من عادة السلف في قولهم: نزلت في كذا كما نبهنا عليه مراراً) اهـ. القول الثالث: ما ذهب إليه الطبري والبغوي والسعدي من إطلاق القولين احتمالاً بلا تعيين. قال الطبري بعد عرض الروايات: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: كان الذي حرمه النبي ﷺ على نفسه شيئاً كان اللَّه قد أحله له، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته، وجائز أن يكون شراباً من الأشربة، وجائز أن يكون كان غير ذلك غير أنه أيَّ ذلك كان فإنه كان تحريم شيء كان له حلالاً، فعاتبه اللَّه على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحله، وبيّن له تحلة يمينه في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرم على نفسه) اهـ. أما البغوي فقال ابتداءً: (سبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ... ثم ساق قصة العسل ثم قال: وفاك المفسرون: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه ثم ذكر قضية حفصة مع الجارية ... ) اهـ. وقال السعدي: (هذا عتاب من الله لنبيه محمد ﷺ حين حرم على نفسه سريته (مارية) أو شرب العسل، مراعاةً لخاطر بعض زوجاته في قصة معروفة) اهـ. هذه أقوال المفسرين خاليةً من الحجج والبراهين باستثناء القاسمي، الذي ذكر ثلاثاً من الحجج تدل على أن القضية في الجارية لا في العسل. وسأذكر ما تبين لي في الموضوع، ثم أجيب عما احتج به مرجحو قضية العسل فأقول: قد دلّ حديث عائشة من رواية عبيد بن عمير على أن السر الذي

стр. 949

أسره رسول الله ﷺ لبعض أزواجه هو شرب العسل، فقد جاء في الحديث: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه) - لقوله -: (بل شربت عسلاً). وهذا يخالف القرآن من وجوه: الأول: أن النبي ﷺ حين أسر الحديث إلى زوجه لا يريد أن يفشو، وهذه حقيقة السر بين الاثنين، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يفشي النبي ﷺ السرَّ بنفسه، وقد نهى عن ذلك. وحديث عائشة بروايتيه نصَّ على أن النبي ﷺ أفشاه .. ففي رواية عبيد بن عمير عن عائشة أنها قالت: أن أيتنا دخل عليها فلتقل إني أجد منك ريح مغافير فقال: (بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش). وفي رواية عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت لسودة: فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل، وهذا ما حصل ووقع، فالنبي ﵊ ما كتم ولا أخفى. وبناء على هذا فهل يصح أن يستسرَّها الحديث ثم يفشيه؟. الثاني: أن الله ذكر أن سرَّ النبي ﷺ كان حديثاً بقوله: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) وأن النبي ﷺ عرّف المفشية بعضه، وأعرض عن بعض، وهذا يعني أن الحديث فيه طُوْل، وعلى أقل تقدير يقبل القسمة. فهل يتفق هذا مع السر المذكور في الحديث وهو قوله: (بل شربتِ عسلاً)؟ الواقع أن هذا لا يمكن لأن السر هنا كلمتان فقط فما الذي يمكن أن يعرَّف، وما الذي يمكن أن يعرض عنه هنا. الثالث: أنه لو كان السرُّ شربَهُ العسل ما كان لقوله الله تعالى: (وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أيُّ معنى، إذ كيف يطلعه اللَّه على أمرٍ قد فعله بنفسه، بينما سياق القرآن يدل على أنه لم يكن يعلم بفشو السر. الرابع: أنه لو كان السرُّ شربه العسل ما كان لقول الله - تعالى -: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) أدنى فائدة لأنه هو أَنبأ بذلك، فلم تختص زوجه بالإنباء. الخامس: أن الله قال: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) - إلى قوله -: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) وهذا يعني أنه حرم الحلال لإرضائهن، بينما لا تدل الأحاديث على أنهن طلبن تحريم العسل، بل غاية الأمر أنهن شكون من رائحته فهل هذا يعني المطالبة بالتحريم؟

стр. 950

والجواب: لا؛ لأن هذا لا ينهي القضية فلئن كانت رائحةُ العسل هذا ريحَ مغافير فليس كل العسل كذلك. وهن يعلمن هذا تماماً. وبهذه الوجوه الخمسة يتبين الدليل الأول على أن العسل لا صلة له بآيات السورة. الدليل الأول: أن سبب اجتماعهن عليه ليس بسبب شرب العسل، بل بسبب احتباسه زمنا أكثر عند صاحبة العسل ولهذا قالت عائشة: فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغِرت فسألت عن ذلك فقيل لي: أَهدت لها امرأة من قومها عُكةً من عسل، فسقت النبي ﷺ منه شربةً فقلت: أما والله لنحتالن له. فعائشة غارت قبل علمها بالعسل، لكنها اتخذت من العلم بالعسل وسيلةً للحيلة فعلم بهذا أنه لم يكن مقصودهن العسل حتى يرضيهن بتحريمه أو تركه، بل منعه من الاحتباس زمناً أكثر عند صاحبة العسل. الدليل الثالث: أن الامتناع من شرب العسل لم يكن ابتغاء مرضاتهن لأنهن يعلمن من قبل أنه يحب العسل والحلواء - كما قالت عائشة - وإذا كان يحبهما فسيتناولهما إذا وجدهما فليس في الأمر جديد. وقول سودة لما ترك شربه مرة ثانية عند حفصة: واللَّه لقد حرمناه يشير إلى أن حرمانه منه ليس مقصوداً لهن لكنه وقع تبعاً لذلك. وإنما الدافع لامتناعه أَنَفَةً من رائحته، ولجوؤهن إلى ذكر الرائحة مع ترك أصلها يدل على هذا. الدليل الرابع: أن أكثر السلف يقولون إن سبب نزول الآيات قصة الجارية. فقد روى الطبري ذلك عن ابن عبَّاسٍ، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومسروق، والشعبي، وزيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد. وزاد ابن الجوزي على هؤلاء سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل ونسب هذا القول إلى الأكثرين. وقال الشوكاني: (اختُلف في سبب نزول الآية على أقوال، الأول قول

стр. 951

أكثر المفسرين ثم ساق قصة تحريم الجارية) اهـ. بينما اختار أن القضية في العسل عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وابن أبي مُليكة وهذا برهان بيِّن على أن القضية في الجارية، كيف لا إذا علمنا أن هؤلاء التابعين إنما تلقوا علومهم من الصحابة ﵃. أما الجواب عن حجج من يرجح قضية العسل فكالآتي: أولاً: أنها توافق قول ابن عبَّاسٍ حين سأل عمر فقال تلك حفصة وعائشة فلو كانت حفصة ساقية العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة. فيقال: هذا حقُّ، المتظاهرتان عائشة وحفصة ﵄ لكن هل قال عمر لابن عبَّاسٍ: إنهما تظاهرتا عليه في شأن العسل؟ الجواب: لا لم يقل هذا. بل لنا أن نقول: ربما أخبره بأنهما تظاهرتا عليه في شأن الجارية، والدليل على هذا ما روى الشيخان عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عبَّاسٍ ﵄ يقول: إذا حرم امرأته ليس بشيء وقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). ولا يُعرف أن النبي ﷺ حرم امرأة من نسائه، فلم يبق إلا تحريمه الجاربة. ولو لم يكن المستقر عند ابن عبَّاسٍ أن النبي ﷺ حرّم الجارية لما استدل بالآية عند من حرم امرأته. ثانياً: أن زينب ليست من حزب عائشة ولهذا غارت منها بخلاف حفصة فإنها من حزبها. فيقال: عائشة لا تغار من حفصة إذا وافقتها وطاوعتها، أما إذا خالفتها وخدعتها فإنها تغار منها أشد الغيرة، والدليل على هذا ما روى الشيخان عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة

стр. 952

لعائشة وحفصة، وكان النبي ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث. فقالت حفصة: ألا تركبين الليلةَ بعيري، وأركب بعيرك تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبتْ فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا ربِّ سَلِّط عليَّ عقرباً أو حيَّةً تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له شيئاً. فانظر إلى أيِّ حد بلغت غيرتها من حفصة ﵂ مع أنها من حزبها. ثالثاً: أن كون الساقية زينب يوافق سياق القرآن لأن قوله: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) يدل على أنهما ثنتان لا أكثر. فيقال: نعم هما ثنتان لا أكثر ولكن ليس في العسل؛ لأن سياق القرآن كما تقدم يأبى هذا. رابعاً: أن عائشة تصرح بقولها: (تواصيت أنا وحفصة) فيقال نعم قد تواصتا لكن ليس في العسل لأن هذا الحديث معارض بسياق القرآن، وحديث أنس في قصة الجارية، بل وبحديث عائشة من طريق عروة أيضاً. خامساً: أن الرواية في تظاهرهن على حفصة قد خلت من ذكر النزول، فلم يجيء له ذكر فيها، بينما الرواية في تظاهرهن على زينب قد تضمنت النزول. فيقال: وهذا يدل على أن رواية عروة عن عائشة التي خلت من النزول أتقن وأحفظ من رواية عبيد بن عمير التي تضمنت النزول. وبما تقدم يتبين أنه ليس لقضية شرب العسل ارتباط أو صلة بنزول الآيات وأن أثبت الروايتين في حديث العسل عن عائشة رواية عروة بن الزبير ﵄ لأنها خلت من الشذوذ والتناقض الذي اكتنف رواية عبيد بن عمير وبناءً عليه فالصواب في سبب النزول ما ثبت عند النَّسَائِي من حديث

стр. 953

أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان له أمةٌ يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها فأنزل الله الآيات، وليس لهذا الحديث أيُّ معارض. وأما تفصيل ذلك، كيف حدث، وفي يوم مَن، وفي بيت مَن، فأنا أمسك القلم عن الخوض في ذلك لأمرين: الأول: أن القضية تتعلق برسول اللَّه ﷺ الذي هو في أعلى المقامات البشرية، وأحق الناس بالتعزير والتوقير وأبعدهم عن التنقيص والتجريح. الثاني: أن تلك التفصيلات قد رويت في أحاديث ضعيفة ومرسلة لا يحتج بها على أقل من هذا فكيف بهذا؟ إلا أن التي تلقت السر من رسول اللَّه ﷺ هي حفصة، قال ابن الجوزي: (من غير خلاف علمناه). وحسبي أن أقف على المجمل من القضية الذي دلّ عليه حديث أنس الصحيح - والله أعلم -. * النتيجة: أن سبب نزول هذه الآيات الكريمة ما جاء في قصة أنس ﵁ حين حرم رسول اللَّه ﷺ جاريته، لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واختيار جمهور السلف من المفسرين له. والله أعلم. * * * * *

стр. 954

١٨٨ - قال الله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: ١ - أخرج البخاري وأحمد عن أنس ﵁ قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني معاتبةُ النبيِّ بعضَ نسائه، فدخلت عليهن، قلت: إن انتهيتُن أو لَيُبدِّلنَّ اللَّه رسوله ﷺ خيراً منكن، حتى أتيتُ إحدى نسائه، قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساعه حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ). وفي لفظ للبخاري وأحمد والنَّسَائِي قال أنس ﵁ اجتمع نساءُ النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت هذه الآية. ٢ - أخرجه مسلم عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه ... فذكر الحديث وفيه: فقلت: يا رسول اللَّه ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلَّما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون اللَّه يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه

стр. 955

الآية: آية التخيير: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر هذا الحديث من المفسرين الطبري وابن عطية وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: عسى رب محمد إن طلقكن يا معشر أزواج محمد ﷺ أن يبدله منكن أزواجًا خيرًا منكن. وقيل: إن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ تحذيرًا من اللَّه نساءه لما اجتمعن عليه في الغيرة) اهـ. وقال ابن عطية: (وكذا روي أن عمر بن الخطاب قال لزوجات النبي ﷺ : عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن فنزلت الآية على نحو قوله) اهـ. وقال ابن عاشور: (وهذه الآية - إلى قوله - (خَيْرًا مِّنكُنَّ) نزلت موافقةً لقول عمر لابنته حفصة ﵂ مثل هذا اللفظ وهذا من القرآن الذي نزل وفاقًا لقول عمر أو رأيه تنويهًا بفضله .. ) اهـ. وعند النظر في سياق الآيات تجد أنها من أول السورة تتحدث عن تحريم النبي ﷺ للجارية - إلى قوله -: ظَهِير. ثم قال: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ) وهذا يشير إلى تعلق الآية بالسياق السابق وأن اللَّه لما توعد المرأتين على فعلهما حذر سائر النساء بهذه الآية أن الله سيبدل رسوله نساءً خيرًا منهن. ثم أمر المؤمنين عامة بوقاية أنفسهم وأهليهم (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ... ) الآية. ولعل الجمع بين الأحاديث وأقوال المفسرين من جانب

стр. 956

وبين سياق القرآن من جانب آخر أن يقال: إنه لما وقعت قضية التظاهر على رسول اللَّه ﷺ في شأن الجارية، غضب عمر ﵁ لرسول الله ﷺ فهدد نساءه قائلا: إن انتهيتن أو ليبدلن اللَّه رسوله خيرًا منكن، أو: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن. فنزلت الآية تهديدًا للمتظاهرتين، وتحذيرًا لسائر نسائه أن يفعلن مثله، وموافقة لعمر ﵁. بقي أن يقال: ما الجواب عن حديث ابن عبَّاسٍ عند مسلم، ونزلت هذه الآية آية التخيير: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ). فالجواب: أن هذه الآية ليست آية التخيير، فآية التخيير هي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) الآية، وقد تقدمت دراستها. وربما أراد أمير المؤمنين بالتخيير هنا الكف عن أذى رسول اللَّه ﷺ والمظاهرة عليه أو طلاقهن إن لم يمتثلن، لكن يعكر على هذا أن حديث عمر إنما جاء في قضية الإيلاء واعتزالهن شهرًا، بينما المظاهرة عليه وقعت من عائشة وحفصة فقط وليس لنسائه البواقي فيها صلة فكيف آلى منهن في أمر لا صلة لهن فيه. والظاهر - والله أعلم - أن ذكر قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ) في سياق قضية الإيلاء لا يصح بدليل أنها سميت آية التخيير، وليست كذلك. * النتيجة: أن الآية جاءت في سياق آيات التقريع والتحذير من المظاهرة على رسول اللَّه ﷺ وموافقة لعمر ﵁ في دفاعه عن رسول اللَّه ﷺ فيما ناله من أذى نسائه وذلك لصحة سند الحديث وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن واللَّه أعلم.

стр. 957

سورة الجن

стр. 958

سورة الجن ١ ٨٩ - قال الله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلت عليهم الشهب، فرجعت

стр. 959

الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأُرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تِهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢). فأنزل اللَّه على نبيه ﷺ : (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ) وإنما أُوحي إليه قول الجن. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 960

قال الطبري: (يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ : قل يا محمد أوحى الله إليَّ: (أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) هذا القرآن: فَقَالُؤأ لقومهم لما سمعوه (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) يقول: يدل على الحق وسبيل الصواب (فَآمَنَّا بِهِ) يقول: (صدقناه (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) من خلقه. وكان سبب استماع هؤلاء النفر من الجن القرآن كما حدثني محمد بن معمر). اهـ. ثم ساق الحديث. وقال القرطبي: (قل يا محمد لأمتك: أوحى الله إليَّ على لسان جبريل أنه استمع إليَّ نفر من الجن وما كان ﷺ عالماً به قبل أَن أُوحي إليه. هكذا قال ابن عبَّاسٍ وغيره على ما يأتي). اهـ. قال ابن كثير: (يقول تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ). اهـ. بتصرف. وقال ابن عاشور: (أمر اللَّه رسوله ﷺ بأن يُعلم المسلمين وغيرهم بأن الله أوحى إليه وقوع حدث عظيم في دعوته أقامه اللَّه تكريماً لنبيه وتنويهاً بالقرآن وهو أن سخر بعضاً من النوع المسمى جناً لاستماع القرآن وألهمهم أو علمهم فهم ما سمعوه واهتدائهم إلى مقدار إرشاده إلى الحق والتوحيد) اهـ. وقال السعدي: (قل يا أيها الرسول للناس أُوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن صرفهم اللَّه إلى رسوله، لسماع آياته، لتقوم عليهم الحجة، وتتم عليهم النعمة ويكونوا منذرين لقومهم، وأمر رسوله أن يقص نبأهم على الناس، وذلك أنهم لما حضروه قالوا: انصتوا، فلما أنصتوا فهموا معانيه ووصلت حقائقه إلى قلوبهم) اهـ.

стр. 961

* النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين عليه واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 962

سورة المدثر

стр. 963

سورة المدثر ١ ٩٠ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ وهو يحدث عن فترة الوحي، قال في حديثه: (بينا أنا أمشي، سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، ففرقت منه، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني فدثروه، فأنزل اللَّه تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ) - قال أبو سلمة: وهي الأوثان التي كان أهل الجاهلية يعبدون - قال: ثم تتابع الوحي). وفي لفظ آخر: قال رسول الله ﷺ : جاورت بحراء فلما قضيت

стр. 964

جواري هبطت فنُوديتُ فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا فأتيت خديجة فقلت: دثروني. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات. وقد ذكر هذا الحديث جمهور المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال ابن عطية: (واختلف الناس لم ناداه بالمدثر. فقال جمهور المفسرين بما ورد في البخاري من أنه لما فرغ من رؤية جبريل على كرسي بين السماء والأرض فرعب منه ورجع إلى خديجة فقال: زملوني زملوني نزلت يا أيها المدثر) اهـ. وقال ابن عاشور: (نودي النبي ﷺ بوصفه في حالة خاصة تلبس بها حين نزول السورة وهي أنه لما رأى الملك بين السماء والأرض فرق من رؤيته فرجع إلى خديجة فقال: دثروني دثروني فدثرته فنزلت: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) اهـ. باختصار. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآيات الكريمة لصحة سنده، وتصريحه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، وإجماع المفسرين على ذلك والله أعلم.

стр. 965

سورة القيامة

стр. 966

سورة القيامة ١٩١ - قال الله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فيشتد عليه، وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ): (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) فإن علينا أن نجمعه في صدرك (وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: فإذا أنزلناه فاستمع. (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) قال: إن علينا أن نُبَينَه. قال: وكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده اللَّه. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد أورد هذا الحديث جمهور أهل التأويل كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن

стр. 967

كثير والسعدي وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ لا تحرك يا محمد بالقرآن لسانك لتعجل به. واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله قيل له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) فقال بعضهم: قيل له ذلك لأنه كان إذا نزل عليه منه شيء عجل به يريد حفظه من حبه إياه فقيل له: لا تعجل فإنا سنحفظه عليك) اهـ. ثم ساق حديث ابن عبَّاسٍ ورجحه. قال ابن عطية: (وقال كثير من المفسرين وهو في صحيح البخاري عن ابن عبَّاسٍ: كان رسول اللَّه ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفيته مخافة أن يذهب عنه ما يوحى إليه فنزلت الآية بسبب ذلك وأعلمه الله تعالى أنه يجمعه له في صدره) اهـ. وقال ابن كثير: (هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفيه تلقيه الوحي من الملك فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته فأمره الله إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له وتكفل الله له أن يجمعه في صدره وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه وأن يبينه له ويفسره ويوضحه) اهـ. وقال السعدي: (كان النبي ﷺ إذا جاءه جبريل بالوحي وشرع في تلاوته، بادره النبي ﷺ من الحرص قبل أن يفرغ وتلاه مع تلاوة جبريل إياه فنهاه الله عن ذلك وقال: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)، وقال هنا: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) ثم ضمن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه ويجمعه اللَّه في صدره) اهـ. وقال ابن عاشور: (هذه الآية وقعت هنا معترضة وسبب نزولها ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عبَّاسٍ) اهـ. ثم ذكر الحديث.

стр. 968

وبما تقدم من أقوال المفسرين يتبين اتفاقهم على أن سبب نزول هذه الآيات هو استعجال النبي ﷺ في تحفظ وتلاوة ما يُلقى إليه خشية تفلته ونسيانه. * النتيجة: أن الحديث المذكور هو سبب نزول هذه الآيات لصحة سنده، وصراحة ألفاظه بالنزول، وموافقته لسياق القرآن، واتفاق المفسرين على الاحتجاج به والله أعلم. * * * * *

стр. 969

سورة النازعات

стр. 970

سورة النازعات ١٩٢ - قال اللَّه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن طارق بن شهاب أن النبي ﷺ كان لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) الآية كلها.

стр. 971

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في شأن هذه الآية. وقد ذكر هذا الحديث الطبري فقط، أما سائر المفسرين فلم يذكروا هذا الحديث بنصه، لكن ذكروا أن المشركين سألوه عن ذلك. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : يسألك يا محمد هؤلاء المكذبون بالبعث عن الساعة التي تبعث فيها الموتى من قبورهم متى قيامها وظهورها) اهـ. بتصرف يسير. وقال ابن عطية: (نزلت بسبب أن قريشاً كانت تلح في البحث عن وقت الساعة التي كان رسول الله ﷺ يخبرهم بها ويتوعدهم بها ويكثر من ذلك) اهـ. وقال القرطبي: (قال ابن عبَّاسٍ: سأل مشركو مكة رسول الله ﷺ متى تكون الساعة استهزاء فأنزل اللَّه الآية) اهـ. وقال السعدي: (أي يسألك المتعنتون المكذبون بالبعث عن الساعة متى وقوعها فأجابهم اللَّه بقوله: (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) أي: ما الفائدة لك ولهم في ذكرها ومعرفة وقت مجيئها فليس تحت ذلك نتيجة، ولهذا لما كان علم العباد للساعة ليس لهم فيه مصلحة دينية ولا دنيوية بل المصلحة في إخفائه عليهم طوى علم ذلك عن جميع الخلق واستأثر بعلمه) اهـ.

стр. 972

وقال ابن عاشور: (استئناف بياني منشؤه أن المشركين كانوا يسألون عن وقت حلول الساعة التي يتوعدهم بها النبي ﷺ كما حكاه الله عنهم غير مرة في القرآن كقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). وعندي - والله أعلم - أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآيات الكريمة لأن سياقه لا يوافق سياق الآية، وبيان ذلك أن الآية دلت على وجود سؤال بقوله: (يَسْأَلُونَكَ) بينما الحديث خلا من ذكر السؤال، وفي الحديث أنه كان لا يزال يذكر من شأن الساعة، بينما خلت الآية من بيان ذلك. ولعل هذا هو السبب الذي حمل المفسرين على الإعراض عن ذكره، ولو كان مناسبًا لذلك ما تركوه كما هو شأنهم في كثير من الأسباب. والأمر المؤكد هو ما ذكره المفسرون من أن النبي ﷺ كان يُسأل عن الساعة لأن الله أخبرنا عن ذلك بقوله: (يَسْأَلُونَكَ) لكن قصة السؤال هنا لم يروها أحد من أصحاب الكتب التسعة التي يدور عليها نطاق البحث والله أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية الكريمة لمخالفة سياقه لسياق القرآن، وإعراض المفسرين عنه، والكلام الذي في سنده واللَّه أعلم. * * * * *

стр. 973

سورة عبس

стр. 974

سورة عبس ١ ٩٣ - قال الله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: أُنزل (عَبَسَ وَتَوَلَّى) في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول اللَّه ﷺ فجعل يقول: يا رسول اللَّه أرشدني، وعند رسول الله ﷺ رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول اللَّه ﷺ يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: (أترى بما أقول بأساً؟) فيقول: لا. ففي هذا أُنزل. ورواه مالك عن عروة بن الزبير.

стр. 975

* دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين أن الآية نزلت في ابن أم مكتوم، وإن كان سياقهم للأحاديث مختلفاً قال الطبري: (وذُكر أن الأعمى الذي ذكره اللَّه في هذه الآية هو ابن أم مكتوم، عوتب النبي ﷺ بسببه) اهـ. وقال البغوي: (أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) هو ابن أم مكتوم وذلك أنه أتى

стр. 976

رسول اللَّه ﷺ وهو يناجي عتبة بن ربيعة وغيره فقال يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك اللَّه فجعل يناديه ويكرر النداء ولا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله ﷺ لقطعه كلامه فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم فأنزل اللَّه هذه الآية) اهـ. بتصرف. وقال ابن العربي: (لا خلاف أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى وقد روي في الصحيح) اهـ. وقال القرطبي: (فروى أهل التفسير أجمع أن قومًا من أشراف قريش كانوا عند النبي ﷺ وقد طمع في إسلامهم فأقبل عبد الله بن أم مكتوم فكره رسول اللَّه ﷺ أن يقطع عبد اللَّه عليه كلامه فأعرض عنه ففيه نزلت هذه الآية) اهـ. وقال ابن كثير: (ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول اللَّه ﷺ كان يومًا يخاطب بعض عظماء قريش، وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم، وكان ممن أسلم قديمًا، فجعل يسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء ويلح عليه وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعًا ورغبةً في هدايته وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى .. ) اهـ. وقال السعدي: (سبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه جاء رجل من المؤمنين أعمى يسأل النبي ﷺ ويتعلم منه، وجاءه رجل من الأغنياء وكان ﷺ حريصًا على هداية الخلق، فمال ﷺ وأصغى إلى الغني، وصد عن الأعمى الفقير رجاءً لهداية ذلك الغني، وطمعًا في تزكيته فعاتبه اللَّه بهذا العتاب اللطيف) اهـ.

стр. 977

وقال ابن عاشور: (وهذا الحادث سبب نزول هذه الآيات من أولها إلى قوله: (بَرَرَةٍ) اهـ. وبهذه الأقوال المتقدمة للمفسرين يتبين أن الحديث وإن كان ضعيفاً إلا أنهم مجموعون على ما دلّ عليه في قصة ابن أم مكتوم ﵁. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول الآية الكريمة لمطابقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به، والله أعلم. * * * * *

стр. 978

سورة المطففين

стр. 979

سورة المطففين ١ ٩٤ - قال الله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما قدم نبي الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل اللَّه : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فحسنوا الكيل بعد ذلك. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها منهم الطبري والبغوي وابن العربي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.

стр. 980

قال القرطي: (قال ابن عبَّاسٍ: هي أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ ساعة نزل المدينة، وكان هذا فيهم، كانوا إذا اشتروا استوفوا بكيل راجح، فإذا باعوا بخسوا المكيال والميزان، فلما نزلت هذه السورة انتهوا فهم أوفى الناس كيلاً إلى يومهم هذا) اهـ. وقال ابن عاشور: (اجتمعت كلمة المفسرين على أن أهل يثرب كانوا من أخبث الناس كيلاً فقال جماعة من المفسرين: إن هذه الآية نزلت فيهم فأحسنوا الكيل بعد ذلك) اهـ. وقال ابن عطية: (قال ابن عبَّاسٍ فيما روي عنه نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة لأنهم كانوا أشد الناس فساداً في هذا المعنى فأصلحهم الله تعالى بهذه السورة) اهـ. وعندي - والله أعلم - قبل الوصول إلى نتيجة أن الأمر يحتاج إلى نظرين: الأول: هل السورة مكية أو مدنية؟ اختلفت في هذا أقوال العلماء فذهب بعضهم إلى أنها مكية لذكر الأساطير فيها في قوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)، ولأن معظم ما اشتملت عليه التعريض بمنكري البعث. وذهب بعضهم إلى أنها مدنية لهذا الحديث الذي معنا، وغيرِه في معناه، ولأن التفصيل في الأحكام إنما كان في المدينة لا مكة. وقال بعضهم وهو مروي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ نزل بعضها بمكة ونزل أمر التطفيف بالمدينة. والراجح - والله أعلم - أن السورة مبعضة بين مكة والمدينة، والحامل على اختيار هذا اجتماع المفسرين على أن أهل المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً. الثاني: هل التطفيف سببُ النزول، أو سياق القرآن بعمومه تناول أحوال المطففين؟

стр. 981

الظاهر الأول لوجهين: الوجه الأول: أن اللَّه بدأ السورة بتهديدهم ووعيدهم، ولولا أهميته ما بدأ الله به إذ الشأن أن يُبدأ بالأهم فالأهم. الوجه الثاني: أنه جاء في الحديث أنهم كانوا أخبث الناس كيلاً وهذا يستدعي المبادرة في المعالجة. ولعل هذا سبب قول ابن عبَّاسٍ: أنها نزلت على النبي ﷺ ساعة نزل المدينة. واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لاحتجاج المفسرين به وتصريحه بالنزول، وعدم مخالفته لسياق القرآن. والله أعلم. * * * * *

стр. 982

سورة الضحى

стр. 983

سورة الضحى ١ ٩٥ - قال الله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم والترمذي والنَّسَائِي عن جندب بن سفيان ﵁ قال: اشتكى رسول اللَّه ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أَرَه قَرِبك منذ ليلتين أو ثلاثاً فأنزل اللَّه : (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣). وفي لفظ لمسلم عن جندب ﵁: قال أبطأ جبريل على رسول اللَّه ﷺ فقال المشركون: قد وُدعِّ محمد فأنزل الله : وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن

стр. 984

كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه السورة نزلت على رسول الله ﷺ تكذيباً من الله قريشاً في قيلهم لرسول الله لما أبطأ عليه الوحي: قد ودع محمداً ربُه وقلاه). وقال القرطبي: (كان جبريل ﵇ أبطأ على النبي ﷺ فقال المشركون: قلاه الله وودعه فنزلت الآية) اهـ. وقال ابن حجر: (في قوله: (فجاءت امرأة) هي أم جميل بنت حرب امرأة أبي لهب. ومن وجه آخر عن الأسود بن قيس بلفظ (حتى قال المشركون) ولا مخالفة لأنهم قد يطلقون لفظ الجمع ويكون القائل أو الفاعل واحداً، بمعنى أن الباقين راضون بما وقع من ذلك الواحد) اهـ. فإن قيل: كيف علمت هذه المرأة أن رسول اللَّه ﷺ لم يقم ليلتين أو ثلاثاً؟ فالجواب: ما قاله ابن عاشور: (أن الليل وقت قيام النبي ﷺ بالقرآن، وهو الوقت الذي كان يسمع فيه المشركون قراءته من بيوتهم القريبة من بيته أو من المسجد الحرام). قلت: وإذا كانت أيضاً زوجَ عمه أبي لهب فلن يستغرب علمها بقيامه وعدمه والله أعلم. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه، وموافقته لسياق القرآن، واحتجاج المفسرين به، والله أعلم.

стр. 985

سورة العلق
следующие страницы →