Полный текст (458 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ... (١٢) كان يخاطبه المؤمن والمنافق، وأجلاف البوادي، والإماء والعبيد، ويبرمون فيما لا طائل تحته. فأراد اللَّه إظهار كرامته، فأوجب لمن أراد أن يناجيه أن يتصدق أمام نجواه بشيء، فبقي الأمر على ذلك عشرة أيام، وقيل: ساعة، ثم نسخ بالذي بعدها. وعن علي بن أبي طالب: لم يعمل بها غيري، كان معي دينار فصرفته، وكنت إذا ناجيت تصدقت قبله بدرهم. وعن ابن عمر: كانت في عليٍّ ثلاث لو كانت فيَّ واحدة كانت أحب إليَّ من جميع النعم: صهارة رسول اللَّه ﷺ بفاطمة، والنجوى، والراية يوم خيبر. (ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ) أي: التصدق من الإمساك (وَأَطهَرُ) فإن الصدقة طهرة الذنوب، لا سيما في مناجاة رسول اللَّه ﷺ .
(فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أباح المناجاة من غير تقديم صدقة.
(أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ... (١٣) أي: أخفتم مما أمرتم به من الصدقة بين يدي النجوى؟. والجمع باعتبار كثرة المخاطبين. الهمزة للتقرير. ولم يرد نص على إظهارهم الخوف، ولكن اللَّه أخبر عما حدثت به أنفسهم. (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بأن رخص لكم ترك الصدقة أمام النجوى. الجمهور على أَن هذا ناسخ لوجوب الصدقة. وقيل: نسخت بوجوب الزكاة. (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) مسبب عما قبله، كأنه قال: لا تقصروا في أدائهما كما قصرتم في الصدقة. وفيه نوع تعيير لهم. (وَأَطِيعُوا اللَّهَ
стр. 107
وَرَسُولَهُ) في سائر الأمور وإن كانت شاقة عليكم. (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) ظاهراً وباطناً، فيجازيكم على حسب ذلك.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... (١٤) تعجيب من حال المنافقين يتولون اليهود الذين غضب اللَّه عليهم (مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ) أي: المنافقون ليسوا من المسلمين، ولا من اليهود. (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ) الذي هو ادِّعاء الإسلام. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم كاذبون فيتعمدون الكذب وهي اليمين الغموس.
(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ... (١٥) نوعاً منه متفاقماً. (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) في الأزمنة المتطاولة، أو هو حكاية ما يقال لهم يوم القيامة.
(اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ... (١٦) يستترون بها ويدفعون اطلاع المؤمنين على حالهم.
(فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الذين يريدون الإسلام. يوهنون أمر الإسلام، وأنه لا بقاء له. عن ابن عباس ﵄: كَانَ رَسولُ اللَّه ﷺ جَالِسَاً في نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃ في ظِل حجْرَةٍ مِنْ حُجَرِهِ، فَقَالَ: سَيَأتيكمُ الآنَ رَجلٌ ينظرُ بِعَينِ شيطَان فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْد اللَّه بنُ نَبتل، فَقَالَ
стр. 108
لَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ : عَلَامَ تَشْتمُني أَنت وأَصْحَابكَ؟. فَجَاءَ أَصْحَابُهُ فَحَلَفُوا أنهمْ لم يفْعَلُوا. فنزلَت. (فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) لكفرهم وصدهم. وقيل: الأول عذاب القبر. وهذا عذاب الآخرة.
(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ... (١٧) من عذاب اللَّه أو شيئاً من الإغناء. وذلك أنهم كانوا يقولون: لنا الأموال والأولاد، إن كان لقول محمد أصل، نفتدي بها يوم القيامة (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أبداً.
(يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ... (١٨) مجتمعين (فَيَحْلِفُونَ لَهُ) أنهم مؤمنون حقاًّ. (كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ) في الدنيا. (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) أن تلك الأيمان تروج عنهم كما راجت في الدنيا جاهلين بعلم علام الغيوب. (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ) الغالون في الكذب. كأن من عداهم ليس بكاذب.
стр. 109
(اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطَانُ ... (١٩) استولى على قلوبهم. بيان لذلك الكذب المفرط. (فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ) فلا يتأملون في صفاته ليتميز لهم ما لا يليق بكبريائه. (أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطَانِ) جنده. (أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الكاملون في الخسران.
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٢٠) أعاده؛ ليفصل أحوالهم المجملة في " كُبتوا "، ويقرن بها أحوال أضدادهم المؤمنين حزب الرحمن. (أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ) في زمرة هم أذل خلق اللَّه.
(كَتَبَ اللَّهُ ... (٢١) في اللوح (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) بالسيف والبرهان. وذكر اللَّه؛ لبيان أن الرسل عنده بمكان، كأنه معهم في المناظرة والمحاربه، (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ) ذو قدرة كاملة. (عَزِيزٌ) غالب قاهر.
(لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٢٢) لأنه جمع بين الضدين. قال:
تَوِدُّ عَدوّي ثُمَّ تَزعُمُ أنني ... صَديقُكَ لَيس النَّوكُ عَنكَ بِعازِب
والمعنى: لا ينبغي الوجدان. وإنما عبر عنه به؛ مبالغة. فإن الواقع عدم الانبغاء لا الوجدان، فصوِّر بصورته؛ إبرازاً بما لا يمتنع ممتنعاً. (وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
стр. 110
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) كما فعل أبو عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر وكان أسيراً، ذكر رسول اللَّه ﷺ بما لا يليق به فضرب عنقه. وأبو بكر دعا ابنه إلى البراز يوم بدر. ومصعب بن عمير قتل أخاه يوم بدر. ولما استشار رسول اللَّه ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ في الأسرى قال: هؤلاء رؤوس الكفار، مكني من فلان لقريب له، ومكن علياً من عقيل،
стр. 111
وفلاناً من فلان، ليعلم المشركون أن لا هوادة في قلوبنا. (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ) ألزمه فيها إلزام المكتوب في الرق. (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) بقوة من عنده حتى اجترأوا على قتل أعزتهم. أو بنور الإيمان فإنه حياة للقلوب. (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) وفيه دليل على أن الإيمان فعل القلب (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﵃ قبل طاعاتهم (وَرَضُوا عَنْهُ) بما جاءهم به. (أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أولئك هم الفائزون في الدارين بالغلبة في الدنيا، والجنة في العقبى.
* * *
تمت المجادلة، والحمد لمن آلاؤه شاملة، والصَّلاة على سيد الزمرة الكاملة، وآله وصحبه دائمة متواصلة.
* * *
стр. 112
سورة الحشر
مدنية، وآياتها أربع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) سبق الكلام عليه.
(هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ ... (٢) لا أنتم.
المراد بنو النضير. وذلك أن رسول اللَّه ﷺ لما جاء إلى المدينة، ودعاهم إلى الإيمان وأبوا، عاهدهم أن لا يكونوا لا له ولا عليه، حتى قَتَلَ عمرو بن أمية رجلَيْن من بني عامر خطأ،
стр. 113
فخرج رسول اللَّه ﷺ إلى بني النضير يستعين بهم في دية الرجلين. وكان بنو عامر حلفاء بني النضير. فقالوا: نفعل ذلك يا أبا القاسم. وأجلسوه في ظل جدار، وأخذوا في المشاورة وقالوا: ما نرى فرصة أحسن من هذه. فانتدب عمرو بن جحاش لقتله بأن يصعد ويلقي عليه صخرة. فأتاه خبر السماء بكيدهم، فكرَّ راَجِعاً. وكان معه أبو بكر وعمر، وعلي ﵁. فتجهز لقتالهم وسار إليهم. وكانت لهم حصون منيعةٌ، فتحصنوا بها على ما يفصل بعد. كان بعد أُحُد وقيل: بعد بدر بستة أشهر. (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) واللام للتوقيت، مثل (قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) ومعنى أولية الحشر أنهم لم يكن أصابهم جلاء، وأول مجيئهم من الشام إلى أرض العرب كان باختيار منهم، أو أنهم أول من أخرج من جزيرة العرب، أو أن هذا أول حشر أهل الكتاب والثاني: إجلاء عمر أهل خيبر، أو آخر حشرهم يوم القيامة. حاصرهم ستة أيام، ثم اتفقوا على أن لهم ما حملت الإبل فأجلاهم إلى الشام، ولحق بعضهم بخيبر. وأسلم منهم رجلان يامين بن عمرو، وأبو سعيد بن وهب. واستدلال عكرمة بالآية على أن
стр. 114
أرض الشام هي المحشر غير تام. (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا) أيها المؤمنون لكثرة عددهم وعددهم. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ) كان الظاهر وظنوا أن لا يخرجوا.
فالعدول إلى المنزل؛ لما في تقديم الخبر ثم إسناد الجملة إلى الضمير من الدلالة على أن ظنهم قارب اليقين، لا كظن المؤمنين. (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا) أي: بأسه. ولم يكن ذلك في حسابهم؛ لاعتمادهم على شدة بأسهم، وحصانة حصونهم. (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ) الخوف الذي يملأ الصدر. وأكده بلفظ القذف الدال على القوة.
(يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ) عن قتادة: كانوا يخربونها ليصلحوا به ما انهدم من السور. أو كانوا ييفعلون ذلك لئلا يبقى للمسلمين جنَّة. (وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) لأنهم تسببوا لذلك.
(فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) ولا تخالفوا أمر اللَّه ورسوله؛ أولا تعتمدوا على قواكم، واتكلوا
стр. 115
على اللَّه في أموركم. وفيه دليل على جواز القياس فيما لا نص فيه بشرائطه المعلومة في موضعه. وقرأ أبو عمرو بالتشديد وهو أبلغ؛ لدلالته على التكثير.
(وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ ... (٣) الذي هو أشق. (لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا) بالقتل وسبي الذراري كما فعل ببني قريظة. (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) الذي القتل والجلاء عنده أهون شيء.
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... (٤) أي: ذلك الغضب الذي أورثهم عذاب الدارين لأجل أنهم عادوا رسول اللَّه وكذبوه. وذكراللَّه تعالى؛ للدلالة على أن مشاقة رسوله مشاقته، ولذلك اكتفى به في قوله: (وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وفيه تهديد لغيرهم.
стр. 116
(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ... (٥) هي النخلة ما عدا العجوةِ والبَرْنِيةِ من اللون. سميت به؛ لاشتمالها على الألوان. قلبت الواو ياء للكسرة. والجمع ليِنٌ. (أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) لما أمر رسول اللَّه ﷺ بقطعها وتحريقها وقع في قلوب المؤمنين وسوسة. وقيل: أرسلت قريظة تقول: " يا محمد كنت تنهى عن الفساد فنزلت. وفيه يقول حسان بن ثابت:
وهانَ عَلى سَراةِ بَني لُؤَي ... حريقٌ بِالبُوَيرَةِ مستَطيرُ
وإنما أبقوا العجوة والبرنِيَّة، لأنها أحسن (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) اليهود إذا شاهدوا ذلك. والمعلل محذوف. أي: أذن لكم.
стр. 117
(وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ... (٦) لقرب حصونهم ولم يقع منهم قتال. الإيجاف: الإسراع. والركاب: الإبل التي يسار بها. لا واحد له من لفظه. (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) بإلقاء الرعب في قلوب عدوهم. نزلت حين طلبوا منه قسمة أموالهم كما قسم أموال المشركين ببدر. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ينصر بالملائكة وبدونها.
(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ... (٧) لم يدخل العاطف؛ لأنه بيان الأول شامل لمال بني النضير، ولسائر أموال الفيء إلى يوم القيامة. (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) هذه مصارف مال الفيء وهي مصارف خمس الغنيمة.
فلما قطع عنه مطامح أنظار أهل الغزو، أمره أن يضعها هذه المواضع، فكان رسول اللَّه ﷺ يأخذ من ذلك قوت سنته وأهله، ثم يصرف الباقي في هذه المصارف. وكذلك فعلت الخلفاء مع أمهات المؤمنين. وذكر اللَّه؛ للتعظيم. وقيل: يصرف سهمه في عمارة الكعبة شرفها اللَّه، ولسائر المساجد. وذهب الشافعى إلى أن المصروف في هذه المصارف في زمانه كان أربعة أخماس الخمس، وأما الأخماس الأربعة مضافاً إليها خمس الخمس، كانت خالصة رسول اللَّه يأخذ منه نفقة أهله، ويَصرف الباقي إلى الكِراع والسلاح، وهي الآن تصرف
стр. 118
إلى المرتزقة. واستدل بحديث رواه البخاري عن عمر بن الخطاب. (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) أي: إنما بينا مصارف الفيء؛ كيْلا يكون جَدًّا وحظاً بين الأغنياء يتكاثرون به. والدُّولَة: ما يدول مع الإنسان من الحظ أي: يدور. فُعْلَةٌ بمعنى الفاعل. أو كي لا يكون دُولة جاهلية. وكان أهل الشوكة يختصون بها ويقولون: " من عَزَّ بَزَّ "، أو بمعنى المفعول. أي: يتداولونه ويتعاورونه، كالغرفة لما يغترف، وقرأ هشام في أحد الوجهين
стр. 119
بتأنيث الفعل، ونصب (دُولَةً)، على أن كان ناقصة. (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) لا تخالفوه في شيء، ولا تتوهموا في أفعاله وأقواله غير الحق. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بطاعة رسوله. (إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) حقيق بأن يتَّقى.
(لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ... (٨) بدل من ذوي القربى بإعادة الجار لا من الرسول وما عطف عليه، لخروجه عنهم بقوله: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ولكونه أجلّ من أن يطلق عليه اسم الفقير، ولأن المبدل في حكم السقوط وذلك مخلّ بتعظيم الله؛ لأن الاسم الأعظم وإن كان مذكوراً توطئة وتمهيداً إلا أنه لا يليق أن يقال أنه في حكم السقوط. ألا يُرى أنه لا يقال له علامة لمكان التاء؟ (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) استولى عليها المشركون.
(يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ) الجنة. (وَرِضْوَانًا) ورضاه. حال مقيدة. (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) دينهما، (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) في دعوى الإيمان؛ لتنور دعواهم بالبرهان.
(وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ... (٩) هم الأنصار عطف على المهاجريين. أي: دار الهجرة ودار الإيمان. فاللام في الأول يغني غناء الإضافة وحذف المضاف من الثاني.
أو أخلصوا الإيمان كقوله:
عَلَفتُها تِبناً وَماءً بارِداً
стр. 120
أو جعل الإيمان مستقَرّاً ومتوطناً على أنه استعارة مكنية. وهنا أبلغ الوجوه.
وإطلاق بها الدار حينئذ؛ للتنويه كأنها الدار التي يحق لها أن تسمى داراً. (مِنْ قَبْلِهِمْ) من قبل هجرة المهاجرين. وقيل: سبقوا المهاجرين بالتبوء والإيمان. إذ سبق الأنصار بالإيمان على كل من هاجر غير مسلم. ولا يستقيم إلا بتقدير الإضافة. (يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) ولا يعدونه كَلًّا. قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف - وكان رسول اللَّه ﷺ آخى بينهما كما آخى بين المهاجرين والأنصار -: أشاطرك مالي، وانظر أيّ زوجيَّ أعجبتك، أطلقها فتزوجها. (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا) مما أعطي المهاجرون. وذلك أن
стр. 121
رسول اللَّه ﷺ لم يعط من مال بني النضير الأنصار شيئاً، إلا أبا دجانة وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقد بالغ في مدحهم حيث نكر الحاجة وذكر الصدر والوجدان. أي: لم يخطر بخاطرهم ما يسمى حاجة، فضلاً عن توجة النفس إلى طلبها، ولذا أوثر الوجدان دون العلم. (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ) أي: يختارون المحتاج على أنفسهم بمالهم، فكيف يطمح إلى شيء ليس لهم؟! (وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) فقر وحاجة. من خصاص الأثافي: الفرج بيها أحجارها. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: " جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ وقد أصابه الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئاً، فقال: " ألا رجل يضيف هذا؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول اللَّه، فذهب به، فقالت امرأته: ما أجد إلا قوت الصبية. قال: نومي الصبية وقدمي الطعام، ثم قومي كأنك تصلحين السراج فأطفئيه ليأكل وحده، فإنه ضيف رسول اللَّه، ففعلت. فلما أصبح جاء إلى رسول اللَّه فقال: لقد عجب اللَّه منك. فنزلت (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) " الشح: البخل مع الحرص. وأضافه إلى النفس،
стр. 122
لأنه غريزتها. أي: ومن تحفظ عن هذه الرذيلة (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالثناء من اللَّه عاجلاً والثواب آجلاً. والأنصار داخلون أول دخول.
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ... (١٠) أي: من بعد الفريقين، وهم الذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. وقيل: الذين هاجروا بعد السابقين الأولين. وفيه أنه لا يستوعب مستحق الفيء. ويرده قوله: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ)؛ لأن اللاحق هجرة يجوز أن يكون أسبق إيماناً، (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا) غشاً وحقداً. من الغلل: وهو الماء بين الأشجار. وعن مالك: أن سابَّ السلف، لا يستحق من الفيء شيئاً، لعدم اتصافه بما في الآية. (رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) حقيق بإجابة دعائنا.
стр. 123
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ... (١١) ابن أبيّ رأس المنافقين ومن تبعه. دسوا إلى أهل الكتاب بما أخبر اللَّه به رسوله. والمراد بالأخوة توادهم واتفاقهم في الكفر فلا ينافيه قوله: (مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُم) (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ) من دياركم (لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) إذ لا عيش لنا بدونكم. (وَلَا نطِيعُ فِيكمْ) في قتالكم (أَحَدًا أَبَدًا) محمداً وغيره (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) لا محالة (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في كل ما قالوه. ثم رد مقالتهم مفصلة بقوله:
(لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ ... (١٢) فرضاً وتقديراً (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ) انهزاماً (ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) أي: المنافقون بل يقتلون لظهور نفاقهم. وقيل: الضمير لليهود، وليس بوجه؛ لأن سوق الكلام لذم المنافقين.
(لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ... (١٣) أي: مرهوبية، والمعنى: يخافونكم في السر أكثر من تخوفهم من اللَّه. أو من إظهارهم الخوف من اللَّه لكم إذ لم يكن لهم خوف من اللَّه. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) عظمة اللَّه، ليعلموا أنه الحقيق بأن يخاف.
(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا ... (١٤) المنافقون واليهود (إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ)، لضعف قلوبهم، واستيلاء الجبن عليها، (أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ) جمع جدار. كحمر وحمار. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو جدار مفرداً؛ لقصد الجنس، أو إرادة السور الجامع. والجمع أظهر وأوفق بالقرى (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) إذا تقاتلوا، وأما إذا حاربوا اللَّه ورسوله " أجبن من صافر "
ً
стр. 124
(تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا) ذوي إلف واتحاد ظاهراً (وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) جمع شتيت: متفرقة. هؤلاء عبدة الأصنام، وأولئك أهل الكتاب. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) أن تشتت القلوب والآراء مما يورث الفشل والوهن.
(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... (١٥) أي: مثل اليهود في محاربة رسول اللَّه ﷺ كمثل المشركين يوم بدر. وعن ابن عباس: بنو قينقاع أجلاهم رسول اللَّه قبل هؤلاء (قَرِيبًا) أي: في زمان قريب. وانتصابه على الحال أي: وجد مثل هؤلاء مثل وجود مثل أولئك قريباً لم ينطمس بعد أثره، فكان لهم عبرة فيهم. (ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) بيان للمشبه به يقرره، وفيه زيادة تجهيل لليهود. الوبال: سوء العاقبة، من قولهم: مرعى وبيل أي: وخيم. (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة (كَمَثَلِ الشَيْطَانِ ... (١٦) لما مثّل حال اليهود بحال أهل بدر مثّل المنافقين بحال الشيطان يوم بدر، جاءهم في صورة سراقة سيد
стр. 125
كنانة وقال للمشركين: (إِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ) هارباً (وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ) (إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) َ والمراد بالإنسان الجنس، أو كفار قريش. وقيل: راهب حمله على الفجور بامرأة، وله قصة يرويها القصاص.
(فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ... (١٧) نصب على الحال، والظرف خبر كان، وفيها تأكيد. (وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ). كل كامل في الظلم وهم الكفار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ... (١٨) يوم القيامة. سماه غداً؛ لقربه، أو لأن اليوم يومان، وتنكيره، لاستقلال الأنفس النواظر كأنه قال: ولتنظر نفس واحدة، أو للتعظيم وهي النفس المطئمنة كأنه قال: ولتنظر النفس التي لها قدر. وأما جعله
стр. 126
من قبيل علمت نفس يأباه المقام؛ لأن سوق الكلام لبيان استيلاء الغفلة والقسوة على الإنسان. وتنكير (لغدٍ) للتعظيم. أي: غد وأيّ غد. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أعاده، لأن الأول فيما قدم من الأعمال، وهذا جاري مجرى الوعيد؛ ولذا عقبه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) وفي مجيئهما مطلقين من الفخامة ما لا يخفى.
(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ ... (١٩) نسوا حقه. (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) حيث لم يرشدهم إلى طريق الهدى. أو أراهم يوم القيامة ما نسوا أنفسهم، (أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) الكاملون في الفسق.
(لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ... (٢٠) كأن الناس لاستيلاء الغفلة عليهم لم يفرقوا بين الفريقين فاحتاجوا إلى الإعلام كقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) واستدلّ الشافعي بالآية على أن المسلم لا يقتل بالذمي، وذلك لأنه لما نهى المؤمنين أن
стр. 127
يكونوا كالذين نسوا اللَّه، أشار إلى عدم مساواة الحزبين في أحكام الدارين، وإن كان الملحوظ بالقصد الأول أحكام الآخرة؛ ولذلك عقبه بقوله: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) بما لم يخطر على قلب بشر.
(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ... (٢١) تمثيل وتصوير لزواجر القرآن وما فيه من الوعيد والآيات الدالة على شدة سخطه على من كفر أن لو كان في الجبل فهم وكان هو المكلف والمخاطب لتكسر وتفرقت أجزاؤه من الخوف. (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ) هذا المثل ونظائره (نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وفيه من الدلالة على قسوة قلبه وعدم تدبره ما لا يخفى.
(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... (٢٢) لما أثنى على القرآن وأعلى شأنه بما لا مزيد عليه أقام البرهان على ذلك بأنه كلام من هذه أوصافه ونعوته. (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ) ما غاب عن الضمير وما شاهدوه، أو الموجود والمعدوم، أو الدنيا والآخرة، أو السر والعلن. (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ... (٢٣) السلطان المنزه عن وصمة النقص والزوال واختلال ملكه كسائر الملوك. (السَّلَامُ) ذو السلامة عن الآفات كأنه عينها. (الْمُؤْمِنُ) الجاعل غيره آمناً. (الْمُهَيْمِنُ) الرقيب الحفيظ. من الأمن إلا أنه أبلغ منه. وهاؤه منقبلة من الهمزة. وقيل: من الأمانة؛ لأن الأمين هو الحافظ.
стр. 128
(الْعَزِيزُ) الغالب. (الْجَبَّارُ) الذي جبر الخلق على ما أراد، أو كثير الجبر للمنكسرين ما كسر إلا وجبر. (الْمُتَكَبِّرُ) البليغ الكبرياء كلِّت العقول عن إدراك ذاته. (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ليس كمثله شيء. فكيف يكون له شريك؟.
(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ ... (٢٤) المقدر للأشياء على وفق حكمته. (الْبَارِئُ) الموجد لها بريئة عما لا يريده بل جاءت كما أراد. (الْمُصَوِّرُ) المفيض للصور والأشكال على المواد القابلة. (لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) الدالة على صفات الجلال ونعوت الكمال، وهذه نبذة منها: عن أبي هريرة ﵁: " أن لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسعين اسْمًا، مَنْ حفظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ " وقيل: إنما يسلط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنيناً؛ لأنه لم يعرف اللَّه بهذه الأسماء، ولم يؤمن بها. (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الأجزاء والجزئيات (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ). (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب. (الْحَكِيمُ) المتقن في صنعه. فذلكة للسورة، ورمزاً إلى جلاء اليهود وإيراث أموالهم لرسول اللَّه والمؤمنين. روى الإمام أحمد بن حنبل عن رسول اللَّه ﷺ : " مَنْ قَالَ حين يُصبحُ أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيع الْعَلِيمِ مِنْ الشَيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثم قرأ
стр. 129
ثلاث آياتٍ مِنْ آخِرِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّه بِه سَبْعين أَلْفَ مَلَك يُصَلونَ عَلَيْه إلى أن يُمسي، وإنْ مَات في يومه مَاتَ شَهِيدًا ".
* * *
تمت سورة الحشر، والحمد للَّه الرءوف البر، والصلاة على المؤيد بالعز والنصر، وآله وصحبه إلى آخر الدهر.
* * *
стр. 130
سورة الممتحنة
مدنية، وآياتها ثلاث عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ... (١) وكان رسول اللَّه ﷺ هادن قريشاً سنة الحديبية، ثم نقضوا العهد، فأراد أن يغزوهم، وكان وقت الفتح الموعود. فقال: اللَّهم أعم عن المشركين شأننا، فكتب حاطب بن أبى بلتعة - وهو رجل من المهاجرين ولم يكن من قريش، بل كان حليفاً لعثمان ﵁ وكان قد تخلف عنه أهله وماله - كتاباً إلى أهل مكة يخبرهم بأمر رسول اللَّه ﷺ وقصدهم، وأعطاه لعجوز من عُجُز مزينة. وقيل: لسارة مولاة أبي المطلب. فلما توجهت أخبر جبرائيل رسول اللَّه ﷺ بشأنها، فأرسل
стр. 131
علياً ﵁ والزبير وأبا مرثد والمقداد بن الأسود. وقال: إيتوا روضة خاخ، فإن بها ظَعِينة معها كتاب خذوه منها. قال علي ﵁: فذهبنا تعادى بنا خيلنا فأدركناها فقالت: ليس معي كتاب. فقلت: ما كذب رسول اللَّه لتخرجن الكتاب أو لأجرِّدَنَّك، فأخرجته من حجزتها وكانت محتجزة بكساء وفى رواية أخرجته من عِقَاصِها. فأتوا به رسول اللَّه ﷺ فطلب حاطباً وقال: ما هذا الكتاب؟ قال: يا رسول اللَّه لا تعجل، فواللَّه منذ أسلمت ما ازددت إلا إيماناً، ولكن كان من هاجر من أصحابك لهم قرابات يحمون بها أهليهم، وكنت لصيقا فيهم، فأردت إذ فاتني ذلك أن أصطنع يداً عندهم يحمون بها أهليهم قرابتي. قال رسول اللَّه ﷺ : قد صدقكم فلا تقولوا له إلا خيراً، فقال عمر: يا رسول اللَّه، منافق دعني
стр. 132
أضرب عنقه، فقال: يا عمر وما يدريك أن اللَّه قد اطّلع على أهل بدر وقال: افعلوا ولا حرج قد غفرت لكم. ففاضت عينا عمر فنزلت. والعدو: فعول من عداه جاوزه، ولكونه على زنة المصدر كالقبول يطلق على الجمع. وفي تقديم (عدوي)، إشارة إلى أنه المهم، وإن فرض أن لم يكن عدواً لهم. (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) حال من فاعل (لا تَتَّخِذُوا)، أو صفة (أَوْلِيَاءَ). جرت على غير من هي له من دون الإبراز؛ لكونها فعلاً أو استئنافاً. والباء مزيدة للتوكيد، كما في (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ)، أو للسببية والمفعول محذوف أي: أخبار رسول اللَّه بسبب المودة. (وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ). حال من فاعل (تُلْقُونَ) إن جُعِل مستأنفاً، وإلا جاز أن يكون منه أو من فاعل (لَا تَتَّخِذُوا). (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) استئناف جار مجرى التفسير كأنه قيل: كيف كفروا؟ فقيل: كفروا أسد الكَفر لإخراجهم الرسول والمؤمنين لإيمانهم باللَّه مولاهم خاصة لا لغرض آخر. وهذا أملأ فائدة من جعله حالاً من فاعل كفروا. (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي) حذف جواب الشرط؛ لدلالة ما قبله عليه. (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ماذا فعلوا حتى عوتبوا بما عوتبوا؟. ولذلك أوثر إن على إذا. ويجوز إبداله من " تلقون ". و " الباء " فيه كما في تلقون. (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ) منكم وأطلع رسولي عليه. فأي فائدة في الإسرار بعد علمكم بهذا وإيمانكم به. (وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) الطريق القويم.
(إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً ... (٢) إن يظفروا بكم يظهر لكم منهم نتيجة العداوة، من الإضرار بما يمكنهم. (وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ) بالقتل والشتم.
стр. 133
جار مجرى تفسير العداوة. (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) يردونكم كفاراً. وإيثار الماضي هنا؛ -وإن كان الماضي والمضارع لا يتفاوتان بعد وقوعهما جزاء الشرط- للإشارة إلى أن ودادتهم لكفر المؤمنين أهم؛ لانحسام مادة العداوة وارتفاع المشاقة حينئذ. والمراد: ودادةً مقارنةً للقدرة على ردهم كفاراً. فلا يرد أن ودادتهم مستمرة، فلا يفيد التقييد بالشرط ليوثر العطف على الشرطية لا الجزاء كما في (ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ) في سورة الحشر.
(لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ... (٣) قراباتكم، (وَلَا أَوْلَادُكُمْ) الذين توالون الكفار لأجلهم. خطّأهم أولاً في موالاتهم من هو خالص العداوة لهم، ثم في من يوالون لأجله، ثم بين وجه ذلك بقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) يفرق بينكم (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣ ٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ). فأي فائدة في موالاة أعداء اللَّه لمن لا بقاء ولا نفع في وده. قرأ غير عاصم بضم الياء وكسر الصاد، ويشدده حمزة والكسائي وابن عامر، وهو أبلغ وأوفق بالمقام. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ومشاهد له.
(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ... (٤) الأسوة: اسم لما يؤتسى به، كالقدوة لفظاً ومعنىً. كسر همزته غير عاصم. (إِذْ قَالُوا لقَوْمِهِمْ) ظرف لخبر كان وهو لكم. (إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ) جمع بريء، كظرفاء جمع ظريف. (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
стр. 134
(كَفَرْنَا بِكُمْ) أي: بكل شيء يلتبسون به مما يدان به. والكلام على المشاكلة والتهكمَ إذ الكفر إنما يكون بالحق وما أتى به الرسل. (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) فحينئذٍ تنقلب العداوة موالاة، والبغضاء حباً. (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) مستثنى من أسوة حسنة؛ لأنها عبارة عن قولهم: (إِنَّا بُرَآَءُ) إلى آخره.
(وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) هذا وإن صح أن يكون من الأسوة لكونه كلاماً حقاً إلا أنه جعله تابعاً للاستغفار؛ مبالغة في تحقيق الوعد. كأنه قال: أبذل جهدي ولو ملكت غير الاستغفار لفعلته. (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) كلام مستأنف. التجاء إلى اللَّه بعد إظهار العداوة والتبرء عنهم في كفاية شرهم. أو تعليم من الله للصحابة بعد النهي عن موالاة الكفار، والأمر بالاقتداء إبراهيم ﵇؛ تتميماً للوصية. كقوله: (انْتَهُوا خَيْرًاْ لَكُمْ).
(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ... (٥) محل فتنة بأن تسلطهم علينا فيفسدوا علينا ديننا. (وَاغْفِرْ لَنَا) ما فرط. (رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حقيق بإجابة الدعاء وتحقيق رجاء المتوكلين.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ... (٦) كرره؛ مبالغة في الحث على الايتساء؛ ولهذا أكده بما هو غاية في التوكيد وهو القسم. وأَبْدَلَ عن قوله (لكم) (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ)؛ إشارةً إلى أن من توقف ليس بمؤمن بالآخرة، وعقبه بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فلا يضره توليه بل ضر نفسه.
(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ... (٧) توكيد للأمر بالتصلّب، وتهوين عليهم بأن ذلك عن قريب سينقلب مودة وسبباً لسعادة أولئك بدخولهم في
стр. 135
الإيمان، عكس ما كانوا يودونه من كفر المؤمنين. ويظهر أن (حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ). ولفظ عسى على دأب الملوك في المواعد التي لا يخلفون في إنجازها. (وَاللَّهُ قَدِيرٌ) على ذلك. (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لما فرط من موالاتكم سابقاً. (رَحِيمٌ) يجمع بينكم في الإيمان عن قريب.
(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ... (٨) كالنساء والضعفه (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) بدل من (الَّذينَ) بتقدير مضاف أي: مبرة الذين، (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) تعاملوهم بالعدل فيما بينكم من الحقوق (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). روى البخاري ومسلم: " عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: يا رسول اللَّه أَمي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟. قال: نعم صلي أمك. وأرسل رسول اللَّه ﷺ لعمر حلة من حرير، فكساها أخاً مشركاً له بمكة ".
(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ ... (٩) سعى بعضهم في الإخراج، وعاون عليه البعض. (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) بدل اشتمال من (الَّذين). (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الكاملون في الظلم. إذ لا عذر له بعد هذا البيان.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ... (١٠) عن ابن عباس ﵄: كان الامتحان أن تقول: " لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه "، ثم تقول: باللَّه ما
стр. 136
خرجت من بغض زوجها، ولا رغبة في أرض عن أرض، بل حباً للَّه ولرسوله، وكان الذي يتولى الامتحان عمر بن الخطاب ﵁. (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) منكم، وإنما أمركم بالامتحان؛ لإجراء الحكم وعدم اللبس. (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) بالأمارات. أراد الظن، وإطلاق العلم عليه شائع، وفائدته الإمعان في الامتحان. (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) لأن رسول اللَّه ﷺ شرط في صلح الحديبية أن من جاء مسلماً يردّه إليهم، فجاءت نساء مؤمنات وهو بأسفل الحديبية على ما رواه الزهري فنزلت، فكانت ناسخة للسنة. وقيل: كان ذلك منه
стр. 137
اجتهاداً، واجتهاده الخطأ لا يقرر. وعن عروة والضَّحَّاك أن الشرط كان في الرجال خاصة، (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) أي: الحل مرتفع من الجانبين، لا كالكتابية
стр. 138
مع المسلم. (وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا) ما دفعوا إليهن من المهور. وكان هذا مخصوصاً بتلك الواقعة في المهاجرات، وبعد الفتح لا هجرة فانتهى الحكم بانتفاء سببه. (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) المهاجرات؛ لوقوع البينونة وعدم حلهن لأزواجهن. (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) مهورهن؛ لأن المهر أجر البضع. وإنما تعرض له، لئلا يظن أن ما أعطى الأزواج بدل ما أنفقوا يغني عن المهر. وبه استدل أبو حنيفة ﵀ على أن من أسلمت من الحربيات، وتخلف زوجها في دار الحرب وقعت الفرقة ولا عدة. وأجاب الشافعي ﵀ بأن عدم التعرض للعدة ليس تعرضاً لعدمها، وعدم العدة يؤدى إلى اختلاط المائين. (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) اللاتي تخلفن في دار الكفر. جمع عصمة وهي النكاح. يقال: هي في عصمة الزوج، أي: في نكاحه. عن المسور بن مخرمة أن عمر طلق يومئذ قريبة بنت أبي أمية،
стр. 139
فتزوجها معاوية، وأم كلثوم بنت عمرو فتزوجها أبو جهم. (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ) من مهور المشركات. (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) من مهور المهاجرات. أعاده؛ توكيداً لئلا يتهاون به من حيث إنهم مشركون؛ ولذلك أمرهم بالسؤال فإنه حق من حقوقهم.
(ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ) أي: ما ذكر (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) مستأنف أو حال (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بأحوال العباد (حَكِيمٌ) فيما شرع.
(وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ... (١١) راجعة عن الإسلام. كان في صلح الحديبية أن من في هب إليهم لا يردونه. قال رسول اللَّه ﷺ . " مَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا سُحْقًا لَهُ "، ولذلك نكر الشيء استهانة بالراجعة. وقيل: لزيادة العموم. (فَعَاقَبْتُمْ) جاءت عقبتكم أي: نوبتكم. (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا) عن الزهري أن المؤمنين لما
стр. 140
سألوا ما أنفقوا أبى المشركون، فكان الحكم أن ما كان يعطى زوج المهاجرة من المهر يعطى زوج المرتدة. وعن ابن عباس ﵄: " فَعَاقبتمْ " غنمتم. أمروا بأن يعطوا زوج الراجعة ما أنفق من الغنيمة. وهو الوجه. (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) فإن الإيمان حامل على التقوى.
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ... (١٢) من الأشياء. (وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ) كما كانت الوالدات يفعلن ذلك.
(وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) كانت إحداهن تلتقط لقيطاً وتقول لزوجها ولدته منك. وما (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) البطن والفرج. (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) هذا القيد -مع أن أمْرُه لا يكون إلا بمعروف-؛ للدلالة على أن " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق "، ولو فرض أن يكون أنت. (فَبَايِعْهُنَّ) على هذه الشرائط. روى البخاري عن ابن عباس ﵄: " خطب رسول اللَّه ﷺ يوم الفطر ثم شقّ الرجال وأتى النساء، فقرأ عليهن هذه الآية، ثم قال: أنتنّ على ذلك؟ فأجابته واحدة ثم قال: تصدقن. فشرعن يلقين بالخواتم والأقراط في ثوب بلال " وعن أم عطية لما قال: " (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) "
стр. 141
قالت امرأة: إن فلانة أسعدتني تريد النياحة وإنما أريد أن أحزنها. فذهبت ثم عادت فبايعت "، وعن عائشة ﵂: " واللَّه ما مست يده يد امرأة قط، وإنما بايعهن بهذه الآية " (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ) سالف ذنوبهن (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... (١٣) روي أن بعض فقراء المؤمنين كانوا يوالون اليهود لعلهم يصيبوا منهم بعض ثمار. (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) لعنادهم نبوة محمد ﵇ مع علمهم أنه الموعود في التوراة. (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) من بيان، أي: كما يئس من مات على الكفر من رحمة اللَّه، أو كما يئس الكفار من الموتى لعدم اعتقادهم الحشر.
* * *
تمت سورة الامتحان، وللَّه المنُّ والإحسان، والصلاة على المبعوث من عدنان، وعلى آله وصحبه إلى انصرام الزمان.
* * *
стр. 142
سورة الصف
مدنية، وآيها أربع عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) الاستفهام للإنكار. ولما صار الجار والمجرور لشدة الاتصال كشيء واحد حذف منه الألف. مثله: عَمَّ، وبمَ. ويوقف عليه بالإسكان، وبهاء السكت. عن مقاتل: تمنوا أحب الأعمال فنزلت: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا). فلما ولوا يوم أحد عوتبوا بهذه الآية.
وعن قتادة: كانوا يقولون قتلنا ضربنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك. روي أن صهيبا قتل كافراً شديد النكاية في المسلمين، ورآه رسول اللَّه ﷺ ، فانتحل آخر قتله، فقال عمر: ذلك
стр. 143
لصهيب فقال إنما قتلته للَّه. ويشمل كل قول خالف الفعل. وبه استدل مالك على أن الوعد ملزم، وحمله الجمهور على أمر الآخرة.
(كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) بالغ في تهجينه لما في كبر من معنى التعجب. المراد منه تعظيم الجناية، وإسناده إلى القول أولاً، ثم تمييزه بالمقت، وتقديمه، وجعله عند اللَّه، مع كون المقت أشد البغض.
стр. 144
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ... (٤) صافين، فإنه أهْيَبُ في عين العدو، وأشد تقوية لقلب المقاتل. (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) محكم، من الرصاص وهو الآنك. حال من المستكن في الحال.
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ... (٥) أي: اذكر للمؤمنين ذلك الوقت.
(وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) والذنب مع العلم أشد. (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) صرفها عنه (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لا يوفقهم؛ لأنهم أهل الرَّين الذين خلقوا للنار.
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ... (٦) لم يقل يا قوم؛ تذكيراً لهم بأنهم أولاد إسرائيل الذي وصى بنيه أن لا يعبدوا إلا اللَّه، لا أنهم ليسوا من قومه لأنه لا نسب له فيهم؛ لدخوله في ذرية إسرائيل كما تقدم في الأنعام. (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) أي: أنا على ما عليه سائر الرسل من تقدم ومن تأخر. هذا كقول رسول اللَّه ﷺ (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ). وانتصاب (مُصَدِّقًا) و (وَمُبَشِرًا) على الحال، والعامل فيه معنى الرسالة في [(رَسُولاً)] لا في (إِلَيْكُمْ)؛ لأن حروف الجرّ إذا وقعت صلة ليس فيها معنى الفعل. (اسْمُهُ أَحْمَدُ) قيل: كذا مكتوباً في الإنجيل. ولعل ذلك؛ لما فيه من الإشارة إلى أنه أكمل الرسل. روى البخاري عن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: " إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد ".
стр. 145
وعن أبي إسحاق: " أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي ". (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. (قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي: ما جاء به، أو عيسى؛ مبالغةً، ويؤيده قراءة حمزة والكسائي (ساَحِرٌ)، والرسم على الأول.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ... (٧) أي: لا أحد أظلم منه إذ لا جناية فوقه، مع عدم العذر وزوال الاشتباه. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الكاملين في الظلم.
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ... (٨) هم اليهود والذين حرفوا الكلم وبدلوا نعته. مثَّل حالهم بمن يريد إطفاء نور الشمس بنفخ ينفخه في الهواء، والأصل (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا) كما في سورة براءة. وإنما جيء باللام، توكيداً للإرادة لما في اللام من معناها.
следующие страницы →