← Тафсир

Тафсир · id 95562

غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (458 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قالت امرأة: إن فلانة أسعدتني تريد النياحة وإنما أريد أن أحزنها. فذهبت ثم عادت فبايعت "، وعن عائشة ﵂: " واللَّه ما مست يده يد امرأة قط، وإنما بايعهن بهذه الآية " (وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ) سالف ذنوبهن (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ... (١٣) روي أن بعض فقراء المؤمنين كانوا يوالون اليهود لعلهم يصيبوا منهم بعض ثمار. (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ) لعنادهم نبوة محمد ﵇ مع علمهم أنه الموعود في التوراة. (كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) من بيان، أي: كما يئس من مات على الكفر من رحمة اللَّه، أو كما يئس الكفار من الموتى لعدم اعتقادهم الحشر. * * * تمت سورة الامتحان، وللَّه المنُّ والإحسان، والصلاة على المبعوث من عدنان، وعلى آله وصحبه إلى انصرام الزمان. * * *

стр. 142

سورة الصف مدنية، وآيها أربع عشرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) الاستفهام للإنكار. ولما صار الجار والمجرور لشدة الاتصال كشيء واحد حذف منه الألف. مثله: عَمَّ، وبمَ. ويوقف عليه بالإسكان، وبهاء السكت. عن مقاتل: تمنوا أحب الأعمال فنزلت: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا). فلما ولوا يوم أحد عوتبوا بهذه الآية. وعن قتادة: كانوا يقولون قتلنا ضربنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك. روي أن صهيبا قتل كافراً شديد النكاية في المسلمين، ورآه رسول اللَّه ﷺ ، فانتحل آخر قتله، فقال عمر: ذلك

стр. 143

لصهيب فقال إنما قتلته للَّه. ويشمل كل قول خالف الفعل. وبه استدل مالك على أن الوعد ملزم، وحمله الجمهور على أمر الآخرة. (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) بالغ في تهجينه لما في كبر من معنى التعجب. المراد منه تعظيم الجناية، وإسناده إلى القول أولاً، ثم تمييزه بالمقت، وتقديمه، وجعله عند اللَّه، مع كون المقت أشد البغض.

стр. 144

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ... (٤) صافين، فإنه أهْيَبُ في عين العدو، وأشد تقوية لقلب المقاتل. (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) محكم، من الرصاص وهو الآنك. حال من المستكن في الحال. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي ... (٥) أي: اذكر للمؤمنين ذلك الوقت. (وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) والذنب مع العلم أشد. (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) صرفها عنه (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لا يوفقهم؛ لأنهم أهل الرَّين الذين خلقوا للنار. (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ... (٦) لم يقل يا قوم؛ تذكيراً لهم بأنهم أولاد إسرائيل الذي وصى بنيه أن لا يعبدوا إلا اللَّه، لا أنهم ليسوا من قومه لأنه لا نسب له فيهم؛ لدخوله في ذرية إسرائيل كما تقدم في الأنعام. (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي) أي: أنا على ما عليه سائر الرسل من تقدم ومن تأخر. هذا كقول رسول اللَّه ﷺ (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ). وانتصاب (مُصَدِّقًا) و (وَمُبَشِرًا) على الحال، والعامل فيه معنى الرسالة في [(رَسُولاً)] لا في (إِلَيْكُمْ)؛ لأن حروف الجرّ إذا وقعت صلة ليس فيها معنى الفعل. (اسْمُهُ أَحْمَدُ) قيل: كذا مكتوباً في الإنجيل. ولعل ذلك؛ لما فيه من الإشارة إلى أنه أكمل الرسل. روى البخاري عن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول اللَّه ﷺ قال: " إن لي أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد ".

стр. 145

وعن أبي إسحاق: " أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي ". (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. (قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي: ما جاء به، أو عيسى؛ مبالغةً، ويؤيده قراءة حمزة والكسائي (ساَحِرٌ)، والرسم على الأول. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ ... (٧) أي: لا أحد أظلم منه إذ لا جناية فوقه، مع عدم العذر وزوال الاشتباه. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الكاملين في الظلم. (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ... (٨) هم اليهود والذين حرفوا الكلم وبدلوا نعته. مثَّل حالهم بمن يريد إطفاء نور الشمس بنفخ ينفخه في الهواء، والأصل (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا) كما في سورة براءة. وإنما جيء باللام، توكيداً للإرادة لما في اللام من معناها.

стр. 146

(وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) لا محالة. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر منوناً ناصباً ما بعده. (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) الساترون نعمة اللَّه. (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ... (٩) الذي لا يتطرقه نسخ ولا تبديل. (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) إذ لم يأت أَحد بما جاء به. وضع الإصر والأغلال بالحنيفية السمحاء. ولو كان موسى بن عمران حياً لما وسعه إلا اتباعه. (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) عباد الأوثان، واليهود القائلون عزير ابن اللَّه، والنصارى المثلثون. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) قرأ ابن عامر بتشديد الجيم وهو أبلغ. (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ... (١١) استئناف. كأنهم قالوا: كيف نعمل قال: تؤمنون. وإيثاره على آمِنوا؛ مبالغة في الحث عليه. كأنهم امتثلوا فهو يخبر عنهم. وهذا سبيل كل دعاء أتى بصيغه الإخبار. (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنه خير لكم. أي: لو علمتم لسعيتم في تحصيله ببذل الأموال والأنفس. (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... (١٢) ما بينكم وبينه. جزم جواباً للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر، أو شرط مقدر أي: أن تؤمنوا، أو استفهام أي: هل تتجرون بالإيمان يَغفِر لَكُمْ (وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ) (ذَلِكَ) المذكور (الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الذي لا يحيط به الوصف. (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا ... (١٣) أي: ولكم النعمة الأخرى الدنية بالنسبة إلى الأولى، وفي الوصف بالمحبة بعد الدلالة على أنها دون الأولى نوع تعيير لهم. وفي إيثار الاسمية مع العطف

стр. 147

على الفعلية وهي (يَغْفِرْ لَكُمْ)؛ دلالة على أن هذه الدنية أمكن في نفوسهم وهي إليها أميل. (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) بدل، أو بيان. (وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) فتح مكة. وعن الحسن: فارس والروم. (وَبَشِرِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على (تُؤْمِنُونَ)؛ لأنه بمعنى آمنوا، وما في البين ليس بأجنبي، كأنهم قالوا: دلنا يا رب على تلك التجارة، فقال: آمنوا وبشر أنت يا محمد. وفيه تنويع الخطاب وإيقاع المظهر موقع المضمر فهو إملاء فائدة من تقدير " فأبشر يا محمد، وبشر. والعطف على " قل " مقدراً، والقول بأن ذاك إنما يحسن إذا أعيد حرف النداء لا سند له، ولو سلم فلعدم تعين المخاطب بدونه وأما إذا تعين فذكره وطيه سيان. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ... (١٤) أنصار دينه. (كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) من جندي متوجهاً إلى نصرة دينه. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو (أَنْصاَراً) منوناً، والمعنى: كونوا من جملة من ينصر اللَّه، والإضافة أقوى معنى وأخف لفظاً، ولذلك اتفقوا عليه في آل عمران. (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) الإضافة الأولى إضافة أحد المتشاركين، والثانية إضافة الفاعل إلى المفعول، والتشبيه بحسب المعنى. أي: قل لهم كقول عيسى، أو كونوا أيها المؤمنون أنصار اللَّه كالحواريين وقت قول عيسى ﵇. كانوا اثني عشر رجلاً قصارين يقصرون الثياب؛ ولذا قيل لهم حواريون. وعنه ﷺ " لكل نبي حواري، وحواري الزبير " (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ) بعيسى. (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ) على الكافرين. وإيثار لفظ العدو؛ لإشعاره [بالتشفي]. (فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) غالبين بالسيف والحجة غلبة لا خفاء بها. * * *

стр. 148

تمت السورة. والحمد لمن آلاؤه منثورة، والصلاة على من سيره مشكورة، وآله وصحبه الذين آثارهم مشهورة. * * *

стр. 149

سورة الجمعة مدنية، وهي [إِحْدَى عشرَة آيَة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ... (١) البليغ التنزه عن وصمة النقص والشين، (الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) الغالب، البالغ حكمته، توطئة لقوله: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا ... (٢) لفرط احتياجهم إليه؛ لأنهم لا يكتبون ولا يقرؤون (مِنْهُمْ) يعرفون صدقه وأمانته؛ ولكونه أشفق بهم وأرفق. (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ) مع كونه أُمِّياً مثلهم؛ إشارة إلى معجزته الموقوفة نبوته عليها. (وَيُزَكِّيهِمْ) من الأخلاق الذميمة، أو عند اللَّه حيث يشهد لهم بالإيمان يوم القيامة. (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) الشرائع. (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ظاهر، يعبدون الحجر ويأكلون الجيَف، ويطوفون بالبيت عراة. (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ ... (٣) عطف على (الْأُمِّيِّينَ) أي: وفي آخرين من الْأُمِّيِّينَ. (لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ) بعد، وسيلحقون، لما في (لَمَّا) من معنى التوقّع. روى البخاري عن أبي هريرة ﵁: لما نزلت سألت رسول اللَّه ﷺ من هم هؤلاء؟ وفينا سلمان، فوضع يده عليه وقال:

стр. 150

هم قوم هذا. لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء، وليس فيه منع الغير، فيتناول كل من يأتي بعد الصحابة ﵃ إلى آخر الدهر (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) في تمكينه من هذا الأمر العظيم واختياره له. (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ... (٤) كونه رسولاً للأولين والآخرين. وفي إيثار اسم الإشارة بلفظ البعيد، وإضافة الفضل إلى كلمة الجلالة؛ إشارة إلى أن كل فضل دونه (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) تفضلاً (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الذي لا يحاط به. (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ... (٥) تعلموها (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا) لم يعملوا بها، ولا حملوها على محاملها (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) كتباً كباراً من كتب العلم. مثَّل حالهم في حمل التوراة بحال الحمار الحامل لأسفار من الكتب، والجامع: الحرمان من الانتفاع بأبلغ نافع مع الكد والتعب. والجملة في محل النصب على الحال أو الصفة إذ لم يُرَد بالحمار معين، وهذا أبلغ ذماً. واتصاله بما قبله أنهم علموا في التوراة نعت المبعوث في الأميين رسولاً وكتموه. (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ) أي: مثل الذين كذبوا، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو حذف المخصوص أي: هو والضمير لمثل اليهود، أو (بِئْسَ) مثلاً (مَثَلُ الَّذِينَ) على حذف المفسر وهذا قليل. (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: اليهود الذين لم يحملوا التوراة. (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا ... (٦) تهودوا (إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) في زعمكم، لأن من علم أن مأواه جنة عدن تمنى الخلاص

стр. 151

من دار العناء، وإنما خوف الإنسان من عدم علمه بحاله. وإنما أتى بـ " إن " مع الزعم، إشارة إلى أن الأولى بحال من على طريقتهم الشك والدعوى الباطلة. (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... (٧) من الكفر وتحريف آيات اللَّه. واختصاص آية البقرة بـ (لن) لأن دعواهم هناك أن اختصاصهم بها أمر مكشوف فبولغ في ْالرد عليهم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) ظاهراً وباطناً. (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ... (٨) ولا تجترئون على تمنيه (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) ودخول الفاء في خبر الموصوف بالموصول للسببية باعتبار الوصف، كأنه قيل: إن الفرار الذي تظنونه سبب النجاة سبب الملاقات، مبالغة في عدم الفوت. (ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) فيجازيكم عليه. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ... (٩) لما نعى على اليهود ما يمنون به أنفسهم من الأماني الباطلة أمر المؤمنين بالسعي إلى ما فات اليهود من إدراك فضيلة يوم الجمعة. لما روي البخاري ومسلم أن يوم الجمعة هو اليوم الذي فضل على سائر الأيام، واختلف فيه أهل الكتابين فلم يهتدوا إليه. قال رسول اللَّه ﷺ فهدانا اللَّه تعالى إليه. نحن الآخرون السابقون يوم القيامة هو سيد الأيام فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء. الأصح أنها من وقت خروج الإمام إلى الفراغ من الصلاة، وقيل: بعد العصر، وكانت العرب تسميه يوم العَرُوبَة فسماه الله يوم الجمعة. والمراد النداء بين يدي الخطيب، فإن

стр. 152

الأول شرعه عثمان على الزوراء عند كثرة الناس. والبيع والشراء وسائر الأشغال حرام اتفاقاً. والمراد بالسعي القصد والاهتمام لا الإسراع لورود النهي عنه. والمراد بذكر اللَّه الخطبة؛ لأنها موعظة وتذكير. (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) إيثار (إنْ) على (إذا) مع علمهم بذلك؛ تعييباً لما بدا منهم من الخروج وتركه قائماً؛ لإشعاره بعدم علمهم. (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ... (١٠) من رزقه جبراً لما فاتكم. روى ابن أبي حاتم عن بعض السلف: " أن من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك اللَّه له سبعين مرة ". كَانَ عَرَّاكُ بن مَالِكٍ ﵁ إِذا صَلَّى الْجُمُعَةَ انصرَف فوَقفَ عَلَى بَابِ المسْجِدِ، فَقَالَ: "اللَّهمَّ إني أَجبْتُ دعْوَتَك وَصَليْتُ فَرِيضتَك وَانتشَرْتُ كَمَا أَمَرتَنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِين ". وقيل: المراد به الطاعة كعيادة المريض، وتشييع

стр. 153

الجنازة، وزيارة الإخوان في اللَّه. (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) في الأحوال كلها. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) تفوزون بمرضاته. (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ... (١١) روى البخاري ومسلم عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ كان على المنبر يخطب، فقدمت عِيرٌ مِنْ الشَامِ بميرة، فخرجوا إِلا اثْنا عَشَرَ رَجُلًا. قال مقاتل: العير كانت لدحية قبل إسلامه، وكان معها طبل وهو الذي أريد باللَّهو. والضمير للتجارة؛ لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموماً فإلى اللَّهو أولى. (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) فيه غاية التعيير، إذ لو لم يكن إلا تركه على هذه الحالة دون أن يكون

стр. 154

خطيباً كان شنيعاً، (قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ) مدخراً لكم. (خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ)؛ لكونه باقياً صفواً بلا كدر. (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) هو الرزاق حقيقة، والبواقي وسائل، إليه توجهوا في طلب الرزق. * * * تمت السورة، وللَّه المنة، والصلاة على رسوله وآله وصحبه السابقين إلى الجنة. * * *

стр. 155

سورة المنافقون مدنية، وهي إِحْدَى عشرَة آيَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ... (١) إنشاء جار مجرى القسم؛ ولذلك أكد بـ " إنَّ " و " اللام " يتضمن ادعاء المواطأة بين القلب واللسان. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) وأن ما قالوه كلام مطابق للواقع قطعاً. (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) في ادعاء المواطأة؛ لأنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. أو كاذبون في أنفسهم لا يعتقدون صدق مقالتهم ومطابقتها للواقع. وإنما اعترض بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)؛ ليميط رجوع التكذيب إلى قولهم " إنك لرسول اللَّه ". (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً ... (٢) وقاية. استئناف لبيان فائدة تلك الشهادة التي هي بمثابة اليمين. أو كلام مستقل لعد قبائحهم، وأن من دأبهم الاتقاء بالأيمان الكاذبة كما استجنوا بالشهادة الكاذبة. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أعرضوا، أو منعوا غيرهم عن سلوكها. (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من النفاق. إنشاء، كأنه قيل: ما أسوأ ما ارتكبوه. (ذَلِكَ ... (٣) كله (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) منع من دخول نور الحق فيها (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ) شيئاً من الحق؛ فلذلك جسروا على تلك العظائم. وإنما قال:

стр. 156

(آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) مع أنهم لم يؤمنوا طرفة عين؛ لأنهم نطقوا بالشهادة ثم ظهر كفرهم. أو نطقوا عند المؤمنين وكفروا بها عند شياطينهم. والحمل على أهل الردة بعيد ناب عنه المقام. (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ... (٤) هياكلهم لرواء منظرهم وجسامتهم، (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) لفصاحة كلامهم، وحلاوة ألفاظهم. قيل: كان ابن أبي رأس المنافقين وبعض أتباعه جساماً وساماً فصحاء بلغاء. والخطاب في (رَأَيْتَهُمْ) إما لرسول اللَّه ﷺ أو عام، والأول أوجه؛ لتقدم (إِذَا جَاءَكَ)، ولأنه إذا أعجبته فغيره أولى. (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) إلى الحائط لعدم الانتفاع بها بوجه، أو كالأصنام المسندة إلى الحيطان في حسن الصور وبهجة المنظر. قرأ أبو عمرو، وقنبل، والكسائي بإسكان الشين إما مخفف خشب، أو جمع خشباء وهي الخشبة المجوفة. وهذا أخف وأقوى شبهاً. وناهيك بسفالة النفاق خلة حيث شبه أهله بجماد هذا شأنه، وشبه الكفار بالأنعام. (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) واقعة عليهم. وقيل: كانوا خائفين من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ويظهر أسرارهم، ويبيح دماءهم وديارهم. (هُمُ الْعَدُوُّ) لا غير. لأن أعدى العدو من يلقاك بوجه الصديق؛ لوقوفه على أسرارك، وتمكنه من إشاعة أخبارك. وقيل: (عليهم) صلة، و (هُمُ الْعَدُوُّ) المفعول الثاني، والتذكر باعتبار الخبر، وليس بوجه. (فَاحْذَرْهُمْ) خذ حذرك منهم ولا تغتر. (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) لعنهم اللَّه. دعاء منه تعالى ينبئ عن فرط السخط. أو تعليم للمؤمنين. (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) يصرفون عن الحق. تعجيب عن العدول بعد موجب الإقبال والقبول.

стр. 157

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ... (٥) أمالوها ولم يلقوا السمع إليه. قرأ نافع (لَوَوْا) مخففاً، وقراءة القوم أبلغ. (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) يعرضون فضلاً عن الاستماع. (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) رافعون أنفسهم فوق حدها. اتفق الثقاة على أن السورة نزلت في ابن سلول، كان مع رسول اللَّه ﷺ في غزوة تبوك أو بني المصطلق، فاقتتل على الماء جهجاه بن سعد الغفاري. وكان أجيراً لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد وكان حليفاً لابن سلول، فبلغ ذلك ابن سلول وكان عنده جمع من الأنصار، فقال: أَوَفَعلوها واللَّه ما مثلنا ومثلهم إلا كما قيل: " سمن كلبك يأكلك " واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فنقل كلامه زيد بن أرقم إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأرسل

стр. 158

رسول اللَّه ﷺ إلى ابن سلول فحلف أنه لم يقل شيئاً من ذلك، فقال عم زيد له: ما أردت إلى أن كذبك رسول اللَّه ومقتك. قال: فبت في شر ليلة، فلما قفل رسول اللَّه ﷺ لقيني في الطريق، ضحك في وجهي وفرك أذني، فلقيني عمر فقال: ماذا قال لك رسول اللَّه؟ قلت: ما زاد على أن ضحك في وجهي وفرك أذني. وكذلك سألني أبو بكر، فلما نزل قرأ عليهم السورة وقال: إن اللَّه قد صدقك يا غلام. ثم أرسل إليهم ليستغفر لهم لَوَّوْا رءوسَهم. (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... (٦) لا يؤمنون بك، ولا يعتدون باستغفارك. (لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)؛ لعلمه بأنهم أهل الدرك الأسفل، ومن الذين ذرأهم لجهنم. (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) المنهمكين في الكفر والنفاق. (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ... (٧) قاله ابن سلول ذلك اليوم. (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) قادر على إغناء محمد وأصحابه عن إنفاق الأنصار. وإنما وفق الأنصار لذلك؛ لينالوا به القربة والزلفى. (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) ذلك. (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ... (٨) يريد بالأعز نفسه وبالأذل رسول اللَّه. (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) مختصة بهم لا حظَّ لغيرهم فيها، ولا ينافيه (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين عزة اللَّه تعالى. (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ) أعاد المظهر؛ لئلا يفارقهم هذا الوصف. (لَا يَعْلَمُونَ) ليسوا من ذوي العلم ليدركوا هذا الأمر الجلي. ولما كان في أمر الرزق نوع خفاء في بادئ الرأي جعل الفاصلة الفقه المنبئ عن نوع تعمل. وعن قتادة: أن ابنه عبد اللَّه لما بلغه ذلك جاء إلى رسول اللَّه ﷺ -

стр. 159

وقال: إن كنت قاتلاً أبي فمرني به لأحمل إليك رأسه، وواللَّه لقد علمت الخزرج أن ليس فيهم أبر بوالديه مني، وأخاف أن يقتله غيري فلا أحتمله فأدخل النار، فقال: لا نقتله، بل نحسن صحبته. وعن عكرمة وابن زيد أنه وقف بباب المدينة وسلَّ سيفه، فلما جاء أبوه قال له: وراءك، حتى جاء رسول اللَّه ﷺ وهو حابسه، فشكى إليه، فقال له: خل سبيله. وقيل: لم يمكنه حتى أقر أنه الأذل ورسول اللَّه هو الأعز، فدعا له رسول اللَّه ﷺ . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... (٩) لما كان اغترار المنافقين بالحطام الفاني، وأنهم إذا لم ينفقوا على المؤمنين يتلاشى أمرهم، ورد اللَّه عليهم بأنه مالك خزائن السموات والأرض، وكان فيه إشارة إلى أنه سيغني المؤمنين، ويفيض عليهم من خزائنه بما ليس في حسابهم، نهاهم عن الاشتغال بها عن ذكر اللَّه قبل وجودها؛ ليوطنوا أنفسهم على ذلك. والمنهي التوجه إليها بحيث يفوت القيام بحق العبادة. ألا يرى إلى قوله في

стр. 160

معرض المدح: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ). (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) لاستبدالهم الخسيس بالشريف. (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ ... (١٠) بعض ما رزقناكم (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أماراته ومخائله، (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ). فعلى العاقل المبادرة إلى التصدق، إذ كل لمحة بصدد الموت، ولا يغتر بالصحة إذ كم صحيح مات وكم سقيم عاش قال: تَعجَبينَ مِن سقَمي ... صِحُّتي هِيَ العَجَبُ وقرأ أبو عمرو " أكون " بالنصب عطفاً على لفظ (فَأَصَّدَّقَ) وهو الأظهر؛ لاحتياج الجزم إلى التقدير. أي. إن أخرتني أصدق وأكن. (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ... (١١) انتهاء عمرها. (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فاختاروا لنفسكم ما شئتم. وقرأ أبو بكر بياء الغيبة، نظراً إلى (أُولَئِكَ هُمُ) والخطاب لقوله: (لَا تُلْهِكُمْ)، وهذا أشد تهديداً. * * *

стр. 161

تمت سورة المنافقين، والحمد للَّه رب العالمين، والصلاة على صفوة المرسلين، وآله وصحبه أجمعين. * * *

стр. 162

سورة التغابن قال عطاء مكية، إلا (يا أيها الذين آمنوا .. ) إلى آخر الثلث. وهي ثماني عشرة آية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ... (١) تقدم الكلام في مثله. (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) قدم الظرفان؛ لتأكيد الاختصاص وإزاحة الشبهة رأساً. فإن قلت: إذا اختصت المحامد به فما معنى قوله ﷺ " من لم شكر الناس لم يشكر اللَّه ". قلت: الكلام في حقيقة الحمد، وأما حمد غيره فلجريان نعمة اللَّه على يده، فهو حمد اللَّه حقيقة. (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) كامل القدرة لا يقاومها قدرة، ولا يشاركها في التأثير، دليل على الاختصاصين. (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ ... (٢) باختياركم لا جبر. فمن رأي خيراً فليحمد اللَّه، ومن رأي شراً فليستغفر اللَّه. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) مشاهد، فيجازي عليه.

стр. 163

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ... (٣) بالحكمة البالغة مرتباً أسباب معايشكم فيها، (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) فخصكم بأحسن الصور بين المخلوقات، ليس فيها رشاقة قده، ولا صباحة خده، وانظر إن شئت العجب في تركيب بنانه وجواهر أسنانه، وقوس حاجبه ونبال أهدابه، بيدما أودع من القوى الدرَّاكة؛ ولذلك كان نسخة عالم الملك والمكوت. (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) فيسألكم عن النقير والقطمير، فاشكروا نعمه، واحذروا عذابه ونقمه. (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤) بمضمراتها فضلاً عن السر والعلن، فاستعملوا في عبادتكم ظواهركم، وطهروا سرائركم، وأخلصوا ضمائركم لتحمدوا عواقبكم. (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ... (٥) قبلكم. أي: كفار مكة. بل قد أتاكم. (فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ) ووخامة كفرهم في الدنيا بالاستئصال، (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة. (ذَلِكَ ... (٦) المذكور من عذاب الدارين (بِأَنَّهُ) بأن الشأن (كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) ينكرون كون البشر رسولاً مثلكم. يطلق على الواحد والجمع. (فَكَفَرُوا) بالرسل (وَتَوَلَّوْا) أعرضوا (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) بليغ الغنى عن كل شيء، فضلاً عن طاعتهم. (وَاللَّهُ غَنِيٌّ) في ذاته، وصفاته، وأفعاله. (حَمِيدٌ) ذاتاً، وصفة، وفعلاً، دلت على ذلك ذرات الكون.

стр. 164

(زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ... (٧) أي: كفار مكة، أو هم ومن حملوا على الاعترار بهم. الزعم بمعى العلم، و " أن " مع ما في حَيِّزِها قائم مقام المفعولين. (قُلْ بَلَى) تبعثون. (وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ) بالمحاسبة والمجازاة. (وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)؛ لغناه عن الآلات، ودورانه بين الكاف والنون. (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (٨) إليكم. (وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا) القرآن (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) لا يخفى عليه منه شيء. (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ... (٩) متعلق بـ (خَبِير)، أو بـ (لَتُنَبَّؤُنَّ ... وَذَلِكَ عَلَى اللَّه يَسِير) وقوله: (فَآمِنُوا) اعتراض. الأول يؤكد القدرة، والثاني ما سيق له الكلام من الحث على الإيمان به وبالقرآن وبمن جاء به (بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيرٌ) من تتمة الثاني، أو نصب بـ " اذكر ". (لِيَوْمِ الْجَمْعِ) ليوم خاص بالجمع، يجمعكم فيه والأولين. اللام للتعليل، كقوله: أعددتك لهذا اليوم. (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ) هو أن يغبن التاجر شاريه وبالعكس. استعارة لنيل السعداء، وويل الأشقياء. وكأن لا تغابن إلا ذلك؛ فلذلك عرف وأطلق لكونه علماً له. (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). قرأ نافع وابن عامر الفعلين بالنون التفاتاً، وهو أبلغ في الترغيب.

стр. 165

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ... (١٠) غيَّر الأسلوب إشارة إلى سبق رحمته. (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) مصيرهم. الآيتان بيان لوجه التغابن. (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ... (١١) بتقديره. كقوله (إِلَّا فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا) ويدخل فيها كفر الكافر أَولاً، إذ لا مصيبة أعظم منها. (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) يثبته، إن ابتلاه صبر، وإن أعطاه شكر، وإن ظلمه أحد غفر. أو من كان قابلاً مستعداً للإيمان يوفقه له ويؤيده. (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) يعلم من هو أهل للهداية. (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ... (١٢) لأن عصيانهما أعظم المصائب. (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ) أعرضتم (فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) الواضح، وقد وفى به اللَّه. (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) ؛ لعلمهم أن لا مؤثر في الكون غيره. وفيه حث لرسول اللَّه والمؤمنين على الصبر لما يصيبهم من أذى الكفار. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ... (١٤) ؛ لأنه يتلهى به عن أمر الدين. كقوله: (لَا تلْهِكمْ أَمْوَالُكمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ) وفي الحديث: " الولد مجبنة مبخلة ". (فَاحْذَرُوهُمْ) خذوا حذركم، ولا تغفلوا عن العدو. عن ابن عباس ﵄ -

стр. 166

نزلت في أناس أرادوا الهجرة، منعهم نساؤهم وأولادهم، فلما هاجروا بعد برهة وجدوا السابقين قد فقهوا في الدين، تغاضبوا وهموا بالانتقام منهم، فنزلت (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا) العفو: محو الجريمة عن الخاطر. والصفح: الإعراض، والغفران: الستر كأن لم يكن. ولما كان الصبر على أذى من أحسنت إليه أشق وأبعث على الانتقام؛ جمع بين الثلاثة. (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ... (١٥) ابتلاء لينظر هل تؤثرون محبتهم على طاعة اللَّه. (وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) حث على إيثار طاعته. (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... (١٦) ما بلغه جهدكم، إذ لا تكليف فوق ذلك. فسرت قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (وَاسْمَعُوا) لأولي الأمر. (وَأَطِيعُوا) أوامرهم مالم يكن معصية إذ " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". (وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ) نصب خيراً بـ (يكن) أي: إن تنفقوا يكن خيراً لكم. أو صفة مصدر. أو بفعل مقدر أي: ايتوا، والقرينة كون السوابق كلها من إتيان الخبر. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون. (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ... (١٧) عن طيب نفس خالصاً لوجه اللَّه، والتعبير عن الصدقة بلفظ القرض تلطف في الطلب (يُضَاعِفْهُ لَكُمْ) بالواحد عشرة إلى سبعمائة، إلى

стр. 167

ما لا يعلمه غيره. (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ما فرط؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات. (وَاللَّهُ شَكُورٌ) يقابل القليل بالكثير. (حَلِيمٌ) لا يعاجل بالعقاب. (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَهَادَةِ ... (١٨) على سواء، حث على الإخلاص. (وهو الْعَزِيزُ) الغالب، لا مانع لعطائه. (الْحَكِيمُ) في كل ما دبر. * * * تمت، والحمد لمن أعطى وشكر، والصَّلاة على المبعوث من مضر، وآله وصحبه ذوي العليا والخطر. * * *

стр. 168

سورة الطلاق مدنية بها وآياتها اثْنَتَا عشرَة آيَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ (١) ناداه أولاً؛ لأنه سيد القوم وإمامهم، وفيه إجلال له، وإشارة إلى أنهم لا يصدرون إلا عن رأيه. والمعنى: إذا أردتم الطلاق كقوله: (إِذَا قُمتُمْ إِلَى الصَّلَاة) وله نظائر. تتزيلاً للمشرف على الشيء منزلة المباشرة. والطلاق المأمور به: أن يكون في طهر لم يجامع فيه، أو حامل استبان حملها. واللام للتوقيت. فالذي يقول: إن الأقراء بالأطهار فلا إشكال عنده. والذي يقول: بالحيض يقدر مستقبلات كقولك: جئتك لليلة بقيت في الشهر. روى البخاري عن ابن عمر ﵄: " أنه طلق امرأته وهي حائض، فسأل عمر ﵁ رسول اللَّه ﷺ فتغيظ منه وقال: مره فليراجعها، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت فليطلقها إن شاء ". فإن قلت إذا كان الغرض إيقاع الطلاق في الطهر فما معنى تكرار الطهر في الحديث؟ قلت: أن لا يكون الرجوع للطلاق،

стр. 169

ولأن طول المدة عسى تؤثر في تبدل الحال، والطلاق أنكر المباحات فاحتيط لذلك، وقوله: " مره فليراجعها " دل على وقوع الطلاق في الحيض، وإطلاقه دل على أن الثلاث دفعة لا بدعة فيها، وما روي أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فقال رسول اللَّه ﷺ . " أتلعبون بكتاب اللَّه " لا أصل له، ولا ذكر الثلاث في كتاب اللَّه في معرض الذم. (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) واحفظوها. (وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ) في التطويل في العدة، والإضرار بالنساء. (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ) مساكنهن إلى انقضاء العدة. (وَلَا يَخْرُجْنَ) أيضاً استقلالاً، وإن أذن الأزواج؛ لأن ذلك حق الشارع ليس لأحد إسقاطه. (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) هي الزنا، أو النشوز بأن طلقت وهي ناشزة؛ لأن النشوز يسقط الحق حال الوفاق فأولى أن يسقطه حال الفراق، فالاستثناء راجع إلى الأمرين. أو البذاء وإيذاء الزوج، فيرجع إلى الأول. (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) الأحكام. (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) عرضها لسخط اللَّه. (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) الرغبة في المطلقة، والندم على فراقها. واستدل الإمام أحمد على أن المبتوتة، والمتوفى عنها زوجها لا سكنى لها.

стр. 170

(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ... (٢) شارفن آخر العدة، (فَأَمْسِكُوهُنَّ) راجعوهن إن شئتم. (بِمَعْرُوفٍ) بحسن عشرة؛ لئلا يؤدي إلى فراق آخر. (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) بإيفاء حق، وانتفاء ضرر بأن يراجعها ثم يطلقها تطويلاً للعدة. (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) عند الفراق والرجعة؛ لأنه أبعد عن الريبة وأقطع للنزاع. أمر ندب، وعن الشافعي ﵀ قول بالوجوب في الرجعة. (وَأَقِيمُوا الشَهَادَهَّ لِلَّهِ) أدوها من غير ميل ولا غرض أيها الشهود. (ذَلِكُمْ) المذكور من إيقاع الطلاق على وجه السنة، وإحصاء العدة، والكف عن الإخراج، وإقامة الشهادة. وقيل: إشارة إلى الأخير. والأول أوجه؛ لقوله: (يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يؤْمِنُ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) سيما إذا جعل (وَمَن يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَه مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ... (٣) اعتراضاً مؤكداً لتلك الأمور، وإن كان الأوجه أن يكون استطراداً دالًّا على أن التقوى ملاك الأمر، به نيط سعادة الدارين، ويتناول أمر الزوجين أول تناول. عن ابن إسحاق أن عوف بن مالك الأشجعي أسر ابنه، فشكى إلى رسول اللَّه ﷺ الفاقة، فأمره

стр. 171

بالصبر وكثرة قول لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فلم يفجأ أبويه إلا وهو بالباب يناديهما ومعه سرح القوم قد استاقها، فنزلت. (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) في أموره (فَهُوَ حَسْبُهُ) كافيه (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) الذي يريده ولا يفوته، قرأ حفص بالإضافة. (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) تقديراً وتوقيتاً لا يتقدمه ولا يتجاوزه. وفي الحديث " يستجاب لأحدكم ما لم يتعجل ويقول دعوت فلم يجب لي ". (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ ... (٤) روى ابن جرير عن أبي بن كعب أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن عِدَدِ النساء لم تذكرْ في الكتاب فنزلت. والآيسة: هي التي انقطع دمها لكبر السن. واختلاف القراء في اللائي تقدم في الأحزاب، (إِنِ ارْتَبْتُمْ)

стр. 172

جهلتم وشككتم في عدتهن، (وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) من الصغر (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ) (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ) طلقت، أو توفي عنها زوجها. (أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ذهب علي وابن عباس ﵄ إلى أن عدة المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين من أربعة أشهر وعشر ومدة الحمل؛ للتعارض من غير علم بتأخر إحداهما. وذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن هذه الآية ناسخة لآية البقرة في قدر ما تناولته من الحوامل، وقال: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة. والعام المتأخر، ناسخ للخاص المتقدم، فأولى إذا كان العموم من وجه. ويؤيد قول ابن مسعود ﵁ ما روى البخاري ومسلم أن سبيعة الأسلمية كانت تحت سعد بن خولة. توفي زوجها وهي حامل، فوضعت بعده بأربعين يوماً، فأنكحها

стр. 173

رسول اللَّه ﷺ . وأما كون العموم هنا بالذات وهناك بالعرض، وكون الحكم معللاً مما لا يعد مرجحاً (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) يسهل عليه أمره. (ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ ... (٥) لتعملوا بموجبه. (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) يوم الجزاء. ولقد بالغ في أمر النساء بالحث على التقوى مراراً؛ وذلك لضعفهن ونقصان عقلهن، وما يبدو منهن مما يوجب النفرة والغضب. وفي آخر خطبة خطبها رسول اللَّه ﷺ : استوصوا بالنساء خيراً، خلقن من ضلع أعوج إن ذهبت تقيمه كسرته. (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ... (٦) ما تقدرون عليه. الوجد: الوسع (وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) فيحتجن إلى الخروج. (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) تعميم الإسكان وتخصيص الإنفاق بأولات الأَحمال، دليل ظاهر للشافعي ﵀ على أن المبانة لا نفقة لها. وللحنفية أن هذا مفهوم لا يعارض ما روى عثمان وعمران أن رسول اللَّه ﷺ قال: لها السكنى والنفقة. وفائدة التقييد: دفع وهم من ذهب إلى أن المدة إذا زادت عن أربعة أشهر وعشر لا يستحق الزيادة. (فَإِنْ أَرْضَعْنَ

стр. 174

لَكُمْ) بعد انقطاع النكاح، (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) على الإرضاع، مقيد بغير اللّبأ الذي به البقاء غالباً. (وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ) أنفقوا على أمر الولد بلا مشاقة. و (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ). (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ) ثم تضايقتم، (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) امرَأة. وفيه معاتبة للأم وحث على المساهلة. (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ... (٧) كل من الموسر والمعسر على قدر حاله. (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا) من المال، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) وعد للفقراء بأن الحال يتبدل كقوله (إِن مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) وحث على الإنفاق بقدر الطاقة. (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ ... (٨) فحلّ بهم بأس اللَّه تعالى. فخذوا حذركم. بعد بيان جمل من الأحكام أشار إلى أن أهل قرى كثيرة عاندوا، واشتغلوا عن امتثال أوامره. قرأ ابن كثير " كاءٍ " على وزن فاعٍ. (فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا) أهلكناهم؛ لقوله ﷺ " من نوقش في الحساب هلك " (وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) كالخسف والغرق. (فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا ... (٩) وخامة الأمر الذي خالفته، (وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا) لا ربح فيه.

стр. 175

(أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ... (١٠) يوم القيامة وقيل: الحساب والعذاب يوم القيامة. والتعبير بالماضي كقوله (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)، لأن المترقب من وعده ووعيده كالكائن. وقوله: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) تكرار للوعيد. (فَاتَّقُوا اللَّهَ) بعد هذا البيان (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) العقول الخالصة. (الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا ... (١١) الذكر: القرآن، و (رسولًا) بدل منه بدل اشتمال، والمراد به جبرائيل. أو الشرف فبدل كل. ويجوز أن يراد محمد ﵇. أو نصبه بـ (أرسل) مقدراً دل عليه الإنزال. وهذا هو المتبادر، ويدل عليه قوله: (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ)، لأن تلاوة جبرائيل عليهم تجوز. وجعل الخطاب شاملاً له وللمؤمنين تكلف. (لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: ليخرجكم. والإتيان بالظاهر؛ للإشارة إلى فائدة الإرسال. (مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) من الضلالة إلى الهدى. (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) قرأ نافع وابن عامر بالنون، وهو أبلغ في الوعد. (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) أي: رزق فيه تعجيب. (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ... (١٢) سبع أرضين أيضا. روى البخاري عن سعيد بن زيد أن رسول اللَّه ﷺ قال: من غصب شبرًا من

стр. 176

الأرض طوقه من سبع أرضين. وفي الحديث: " ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة في فَلاة " وحملها على الأقاليم باطل، (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) أي: قضاء اللَّه بالإماتة والإحياء، وسائر أحكامه. (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). علة لـ (خلق)، أو لـ (يتنزل)، أو لمقدر يعمهما. فإن كل واحد يدل على كمال القدرة. * * * تمت سورة الطلاق. والحمد للَّه الملك الخلاق. والصلاة على الكامل بالاتِّفاق، وآله وصحبه إلى يوم التلاق. * * *

стр. 177

سورة التحريم مدنية، اثْنَتَا عشرَة آيَة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... (١) اضطربت الرواية في سبب نزولها، وما الذي أوجب تحريم ما أحل اللَّه، وما المحرم. روى البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ دخل على زينب فشرب عندها عسلاً، فتواطتُ أنا وحفصة على أن أيَّتُنا دخل عليها نقول: نجد منك ريع مغافير -وكان يكره الرائحة الكريهة- فدخل على حفصة فقالت له ذلك. فقال: شربت عسلاً عند زينب، وقد حلفت لا أعود إليه فلا تخبري أحداً.

стр. 178

وفي رواية عن عائشة ﵂ أيضاً: أن التي سقته هي حفصة، وعائشة وسودة ﵄ هما اللتان تواطأتا. وروى النسائي عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ أصاب مارية في يوم حفصة في بيتها. فقالت أي رسول اللَّه ﷺ في يومي وفي بيتي؟! فقال: قد حرمتها فلا تقولي لأحد فذكرته لعائشة. (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) حال أو تفسير يفيد زيادة تهجين، أو استئناف كأنه قيل: ما وجه العتاب وقد تقدمه في ذلك الأنبياء كقوله: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)؟ فقيل: يحل مثله عن طلب مرضات النساء في ترك ما أباحه اللَّه. فالمنكر هو الباعث لا التحريم. (وَاللَّهُ غَفُورٌ) غفر لك ما تقدم وما تأخر (رَحِيمٌ) أعطاك ما لم يعط أحداً من العالمين.

стр. 179

(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ... (٢) بينها لكم بشرعية الكفَّارة، " فإذا حلف أحدكم على فعل ورأي غيره خيراً فليأته وليكَفِّر ". أو شرع استثناء اليمين بأن يقول في حلفه: إن شاء اللَّه. واستدل به الإمام أحمد على أن من حرّم شيئاً ضم فعله يلزمه الكفارة. وليس فيه دليل لما في رواية البخاري حلفت. (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) متولي أموركم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بأحوالكم (الْحَكِيمُ) المتقن في أحكامه. فبادروا إلى ما أمرتم به. (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ... (٣) هي حفصة أو سودة. (حَدِيثًا) تحريم العسل، أو مارية. وما قيل: من أن الخلافة بعدي لأبي بكر وعمر منكر. (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ

стр. 180

وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أطلعه على إفشائه، (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) عرف مقدار ما علمت اطلاعه وأعرض عن الاستقصاء. على ما هو دأب الكرام. وقرأ الكسائي (عرَف) مخففاً. أي: جازاها على البعض؛ إطلاقاً للسبب على المسبب كقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ). (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) تعجيباً لبناء الأمر على الكتمان بينهما. (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ) بالأشياء. (الْخَبِيرُ) ببواطنها. (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ... (٤) عائشة وحفصة أو سودة. (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أي: حق لكما التوبة؛ لوجود موجبه وهو ميل قلوبكما إلى مخالفة الرسول. والتفت إليهما مكافحاً؛ زيادة توبيخ، (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) مرة أخرى. وقرأ الكوفيون بالتخفيف بحذف إحدى التائين. (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: فلن يعدم مظاهراً من هذا نعته وهو اللَّه، ورئيس الكروبيين الذي يباشر عقاب المخالف، الذين هم أعوانه وأتباعه (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) " ظهير " عطف على قوله: " إن اللَّه مولاه " وما عطف عليه. وفي (بَعْدَ ذَلِكَ) دلالة على أن وجوه نصرة اللَّه له، وإن تنوعت أقواها نصرة الملائكة وفيهم جبرائيل؛ لأن إفراده بالذكر أولاً، لعلو شأنه. (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ... (٥) عن أنس ﵁ أن عمر ﵁ قال: اجتمعت نساء النبي ﷺ في الغيرة. قلت: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا
следующие страницы →