Полный текст (458 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الأرض طوقه من سبع أرضين. وفي الحديث: " ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة في فَلاة " وحملها على الأقاليم باطل، (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) أي: قضاء اللَّه بالإماتة والإحياء، وسائر أحكامه. (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). علة لـ (خلق)، أو لـ (يتنزل)، أو لمقدر يعمهما. فإن كل واحد يدل على كمال القدرة.
* * *
تمت سورة الطلاق. والحمد للَّه الملك الخلاق. والصلاة على الكامل بالاتِّفاق، وآله وصحبه إلى يوم التلاق.
* * *
стр. 177
سورة التحريم
مدنية، اثْنَتَا عشرَة آيَة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... (١) اضطربت الرواية في سبب نزولها، وما الذي أوجب تحريم ما أحل اللَّه، وما المحرم. روى البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﷺ دخل على زينب فشرب عندها عسلاً، فتواطتُ أنا وحفصة على أن أيَّتُنا دخل عليها نقول: نجد منك ريع مغافير -وكان يكره الرائحة الكريهة- فدخل على حفصة فقالت له ذلك. فقال: شربت عسلاً عند زينب، وقد حلفت لا أعود إليه فلا تخبري أحداً.
стр. 178
وفي رواية عن عائشة ﵂ أيضاً: أن التي سقته هي حفصة، وعائشة وسودة ﵄ هما اللتان تواطأتا. وروى النسائي عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ أصاب مارية في يوم حفصة في بيتها. فقالت أي رسول اللَّه ﷺ في يومي وفي بيتي؟! فقال: قد حرمتها فلا تقولي لأحد فذكرته لعائشة. (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ) حال أو تفسير يفيد زيادة تهجين، أو استئناف كأنه قيل: ما وجه العتاب وقد تقدمه في ذلك الأنبياء كقوله: (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ)؟ فقيل: يحل مثله عن طلب مرضات النساء في ترك ما أباحه اللَّه. فالمنكر هو الباعث لا التحريم. (وَاللَّهُ غَفُورٌ) غفر لك ما تقدم وما تأخر (رَحِيمٌ) أعطاك ما لم يعط أحداً من العالمين.
стр. 179
(قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ... (٢) بينها لكم بشرعية الكفَّارة، " فإذا حلف أحدكم على فعل ورأي غيره خيراً فليأته وليكَفِّر ". أو شرع استثناء اليمين بأن يقول في حلفه: إن شاء اللَّه. واستدل به الإمام أحمد على أن من حرّم شيئاً ضم فعله يلزمه الكفارة. وليس فيه دليل لما في رواية البخاري حلفت. (وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ) متولي أموركم (وَهُوَ الْعَلِيمُ) بأحوالكم (الْحَكِيمُ) المتقن في أحكامه. فبادروا إلى ما أمرتم به.
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ... (٣) هي حفصة أو سودة. (حَدِيثًا) تحريم العسل، أو مارية. وما قيل: من أن الخلافة بعدي لأبي بكر وعمر منكر. (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ
стр. 180
وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ) أطلعه على إفشائه، (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) عرف مقدار ما علمت اطلاعه وأعرض عن الاستقصاء. على ما هو دأب الكرام. وقرأ الكسائي (عرَف) مخففاً. أي: جازاها على البعض؛ إطلاقاً للسبب على المسبب كقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ). (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) تعجيباً لبناء الأمر على الكتمان بينهما. (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ) بالأشياء. (الْخَبِيرُ) ببواطنها.
(إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ ... (٤) عائشة وحفصة أو سودة. (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) أي: حق لكما التوبة؛ لوجود موجبه وهو ميل قلوبكما إلى مخالفة الرسول. والتفت إليهما مكافحاً؛ زيادة توبيخ، (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) مرة أخرى. وقرأ الكوفيون بالتخفيف بحذف إحدى التائين. (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) أي: فلن يعدم مظاهراً من هذا نعته وهو اللَّه، ورئيس الكروبيين الذي يباشر عقاب المخالف، الذين هم أعوانه وأتباعه (وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) " ظهير " عطف على قوله: " إن اللَّه مولاه " وما عطف عليه. وفي (بَعْدَ ذَلِكَ) دلالة على أن وجوه نصرة اللَّه له، وإن تنوعت أقواها نصرة الملائكة وفيهم جبرائيل؛ لأن إفراده بالذكر أولاً، لعلو شأنه.
(عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ... (٥) عن أنس ﵁ أن عمر ﵁ قال: اجتمعت نساء النبي ﷺ في الغيرة. قلت: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا
стр. 181
خَيْرًا مِنْكُنَّ) فنزلت. وقرأ نافع وأبو عمرو (أَن يُبْدِلَهُ) بالتخفيف، والتشديد أبلغ (مُسْلِمَاتٍ) منقادات لأوامره. (مُؤْمِنَاتٍ) بأن مخالفته عصيان. (قَانِتَاتٍ) طائعات. (تَائِبَاتٍ) عن الذنوب. (عَابِدَاتٍ) مذللات الأخلاق. (سَائِحَاتٍ) صائمات. لما في الحديث: " سياحة أمتي الصيام ". وقيل مهاجرات. (ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا) أدخل الواو هنا دون سائر الصفات؛ لأنهما متنافيان، فلابد من العاطف.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ ... (٦) بترك المعاصي. (وَأَهْلِيكُمْ) أيضاً بأن تأمروهم بالطاعات، وتنهوهم عن المعاصي، وفي الحديث: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) حجر الكبريت تتقد بهما كما يتقد غيرها بالحطب. (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ) الزبانية. تسعة عشر. (غِلَاظٌ) الأخلاق (شِدَادٌ) القوى لا يأخذهم في تعذيب أعداء اللَّه رأفة. (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) فيما مضى (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) في المستقبل. أو يقبلون الأوامر ويأتون بموجباتها.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ... (٧) يقال لهم حين يساق بها بهم إلى النار إذ لا عذر لهم، أو لأنه لا يقبل الاعتذار. (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) جزاؤه.
стр. 182
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ ... (٨) بالإقلاع عن الذنب، والندم على الماضي. (تَوْبَةً نَصُوحًا) النصح لغة: خلوص كل شيء. يقال: عسل ناصح: صاف. والنصوح صيغة مبالغة منه أي: بالغة في الصفاء عن شوب الذنوب. ويجوز أن يكون من النَّصح بفتح النون: إصلاح الثوب بعد الخرق. وفي الحديث: " من اغتاب خرّق ومن استغفر رفأ "، فهي تنصح صاحبها أو تدعو غيره إلى التوبة؛ لظهور آثارها، على الإسناد المجازي. وفسرها حبر الأمة: باليقين بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالجوارح، والاستمرار على الترك. ْوقرأ أبو بكر بضم النون مصدراً بمعنى: ذات خلوص. (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أردف التوبة النصوح بـ (عَسَى) على دأب الملوك؛ وإشعاراً بأن لا وجوب بل تفضل منه. (يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) ظرف ليدخلكم، ومعنى المعية: الاجتماع في الإيمان لا في الزمان. (نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) استئناف؛ للتعريض بمن ناوأهم وقيل: خبر لـ (الَّذِينَ آمَنُوا) وليس بوجه.
(يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا) إذا رأوا نور المنافقين قد انطفى يعتريهم الخوف على ما هو مقتضى البشرية، وإن كانوا جازمين بالإتمام والنجاة. أو هو قول من يكون نوره ضعيفاً، فإن الأنوار على قدر الأعمال، فيسألون إتمامه تفضلاً. أو يقولون ذلك على وجه التقرب والتلذذ كسائر الأذكار في الجنة. يؤيده قوله: (وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إذ إعطاء النور إنما هو بعد الغفران.
стр. 183
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ... (٩) بالحجة والسيف لأن الرفق قد بلغ مداه. (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) مصيرهم.
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ... (١٠) مثَّل اللَّه حال الكفار في عدم الانتفاع بما لهم مع الأنبياء والمؤمنين من العلائق صهراً ونسباً بحال المرأتين. (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) ممتازين عن سائر العباد بالصلاح والزلفى.
(فَخَانَتَاهُمَا) في الدين لا في الفجور؛ لأنها فراش النبي، ولا عار عليه في كفرها. (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) يسيراً من الإغناء. (وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) الذين لا علاقة بينهم وبين الأنبياء. وفيه تهديد للتين تظاهرتا على رسول اللَّه ﷺ ، لاسيما التي أفشت سره كامرأة لوط حين دخلت على أضيافه، وإشارة إلى شرف صحبته إنما تفيد زيادة الكرامة إذا نصحت للَّه ولرسوله.
(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ... (١١) أعدى عدو اللَّه. هى: آسية بنت مزاحم. (إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) ومعنى (عِنْدَكَ) مرتفع الدرجة كقوله: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ). (وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ) من عذابه والابتلاء بعمله. قيل: لما علم يإيمانها هددها لترجع فأبت، وَتَدَ لها أوتاداً فربطها، وأرسل عليها الحيات.
(وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) هم القبط أتباع فرعون.
стр. 184
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ... (١٢) عطف على " امرأة فرعون "، جمع في المثل بين ذات الزوج والتي لا زوج لها؛ تسلية للأرامل، وحثاً لهن على المحافظة وتحصين الفروج. (فَنَفَخْنَا فِيهِ) في الفرج. هو نفخ جبرائيل، والإسناد إليه، للشرف. (مِن رُوحِنَا) مخلوق بلا واسطة. (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا) بأحكامه. أو الصحف المنزلة، عبر بها عنها، لقصرها. (وَكُتُبِهِ) وقرأ غير أبى عمرو وحفص: (كِتابِهِ) مفرداً على إرادة الجنس. أو الإنجيل، والمؤمن به حقاً مؤمن بسائر الكتب. (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) من جملة العابدين. غلب التذكير؛ إشارة إلى أن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكمَّل. ويجوز أن يكون (من) ابتدائية؛ لأنها كانت من أعقابه هارون، فيكون مدحاً لها بشرف النسب بعد مدحها بكرم الحسب.
روى مسلم والبخاري رحمهما الله، أن رسول اللَّه ﷺ قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد. وفضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام. وفيه دليل ظاهر على أن عائشة أفضل النساء على الإطلاق. ولأن الرفعة وعلو الشأن إنما هو بالعلم، ولم يدانيها كثير من الرجال، فضلاً عن النساء.
* * *
تمت سورة التحريم، والحمد لمن فضله عميم، والصلاة على النبي الكريم، وآله وصحبه ذوي الفضل الجسيم.
* * *
стр. 185
سورة الملك
مكية، وهي ثلاثون آية، وتسمى الواقية والمنجية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ... (١) تعالى وكثر خيره، ودام من في قبضته الملك المطلق. ذكر اليد معه مثل لاستغنائه عن الكل وافتقار الكل إليه، (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ما يصح أن يكون، كان أو لم يكن، مما يطلق عليه اسم الشيء كالدليل على تلك الإحاطة، والاستغناء والافتقار.
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ... (٢) قدرهما، أو أوجد الحياة وأعدمها. قدم الموت؛ لأنه أقوى شيء دعا إلى العمل. وفي الحديث: " كَفى بالموت واعظاً " وفيه. " أكثروا ذكر هاذم اللذات ". (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ليعاملكم معاملة من ييلو ويختبر أيكم
стр. 186
أحسن عملاً. الجملة في محل نصب مفعول ثان للبلوى المتضمن معنى العلم، وليس من باب التعليق؛ لأنه مشروط بإيقاع الجملة موقع المفعولين، وقد تقدم المفعول الأول الاستفهام فانتفى الشرط. روي مرفوعاً أن رسول اللَّه ﷺ قال: " أحسن عملاً: أتم عقلاً عن اللَّه، وأورع عن محارمه، وأسرع في طاعته " (وَهُوَ الْعَزِيزُ) الغالب (الْغَفُورُ) للذنوب. ترهيب وترغيب للعاصي في التوبة.
(الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ... (٣) بعضها فوق بعص، مصدر طابق النعل، أو خصف بعضها فوق بعض (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) أي: في خلقهن. صفة مقوية لـ " طباقاً ". وإنما أقام الظاهر مقام المضمر؛ تعظيماً ودلالة على أنَّ سبب سلامتها صدورها من الموصوف بنهاية الرحمة، وإشارة إلى أن كونها مبْدَعة على تلك الصفة، كما دل على كمال الاقتدار، تحته من جلائل النعم ما لا يحصى. وقرأ حمزة والكسائي " من تفوُّت ". عن سيبويه وأبي زيد: أنهما بمعنى كتعاهد وتعهد (فَارْجِع الْبَصَرَ) ثانياً؛ لأن النظرة الأولى حمقاء. (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) من شقوق، جمع فطر كبدر وبدور.
(ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ... (٤) ثم بعد النظرة الثانية داوم على النظر متفحصاً أحوالها، ملتمساً خللاً. التثنية للتكرير مثل لبيك. (يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) بعيداً كالمطرود عن وجدان الخلل، كليلاً ذا تعب في الطلب.
(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ... (٥) هذا أدل على كمال الاقتدار من كونها ملساء مستوية. والمصابيح: النجوم المضيئة في السقف المرفوع، كالسرج في سقوف البيت. والدنو بالنسبة إلى من في الأرض، وكونها زينة لها لا تقتضي أن تكون مركوزة فيها.
стр. 187
(وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَيَاطِينِ) بانفصال الشهب منها كالنار المقتبسة، وعليه يحمل انقضاض الكوكب في الحديث. وأشْعار العرب؛ لأن كونها زينة السماء يقتضي استمرارها، وقيل: جعلناها رجوماً أي: ظنوناً لشياطين الإنس أي: سبب ظنونهم التي يرمون بها الغيب. جمع رَجم بالفتح مصدر سمي به ما يرجم به. (وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) في الآخرة.
مستطرد لذكر الشياطين.
(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ... (٦) بعد هذه الدلائل النيرة، (عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهنم أو عذابه.
(إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا ... (٧) صوتاً كصوت الحمار، إما منها، أو ممن تقدمهم. (وَهِيَ تَفُورُ) فوارن المرجل.
(تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ... (٨) تمثيل لشدة اشتعالها وامتلائها بالنار. أو يخلق الله فيها إدراكاً، كما عليه ظواهر النصوص. (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ) ينذركم عذاب اليوم. سؤال توبيخ.
(قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا ... (٩) النذير (وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) قط.
(إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ) كلام الكفار للنذير؛ لأنه مصدر وصف به الجمع مبالغة في
стр. 188
إنذارهم، كرجل عدل. أو يقدر مضاف أي: أهل إنذار. أو من كلام الخزنة على طريق حكاية ما كانوا عليه. أو الضلال الهلاك، أو سمي عقابه باسمه.
(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ ... (١٠) كلام الرسل سماع تفهم وتدبر. (أَوْ نَعْقِلُ) نتأمل آيات الآفاق والأنفس، ونستدل بها على أن الإنسان لم يخلق سدى. (مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) في جملتهم.
(فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ... (١١) حين لا ينفع الاعتراف. (فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ) بعداً لهم. أي: أسحقهم اللَّه إسحاقاً، حذف منه الزائد كأنبت نباتاً، وقرأ الكسائي بضم الحاء على أنها لغة.
(إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ... (١٢) ذكر الكفار كان بالعرض؛ لأن الذي سيق له الكلام بيان حال من هو أحسن عملاً كأن قيل: ماذا حال من سيق له الكلام؟ فأثبت لهم كمال العلم الذي أشير إليه بقوله: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وكمال التقوى بقوله: (بِالْغَيْبِ) بالغائب عنهم، أو غائبين عنه، أو بالغائب المخفي وهو القلب. (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لما فرط منهم (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) لا يسعه تصورهم.
(وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ... (١٣) خطاب عام كما في (ليَبْلُوَكُمْ) أي: اتقوه في السر والعلن؛ لاستوائهما في علمه. حث للخاشي على الاستدامة والترقي إلى حق الخشية، وللغافل المغتر على الإنابة ويجوز أن يكون التفاتاً إلى أصحاب السعير؛ لما روي أن المشركين
стр. 189
كانوا يقولون: " أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فيخبره " (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بضمائرها. فضلاً عن الصادر عنها سراً وجهراً.
(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ... (١٤) ألا يعلم السر والجهر من خلق الأشياء كلها؟! (وَهُوَ اللَّطِيفُ) الدقيق في صنعه، دقت حكمته في كل شيء، (الْخَبِيرُ) ببواطن الأشياء. وحذف المفعول من " خلق " للتعميم، ولا يجوز أن يكون من قبيل يعطي ويمنع؛ لارتباطه بما تقدم من حد بها السر فلا بد من ملاحظة المفعول. يجوز أن يكون " من " مفعولاً، وفي " يعلم " ضمير الرب أي: ألا يعلم اللَّه مخلوقه وهذا شأنه. والأول أوجه؛ لإقامة الظاهر مقام المضمر، ولكونه أدل على المحذوف، ولعموم المقدر المتناول له تناولاً أولياً.
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ... (١٥) لينة يسهل عليكم سلوكها. (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) في جوانبها. مثل في فرط التذلل؛ لأن منكب البعير أرق شيء فيه، وأنباه عن وطئ الراكب بقدمه، فإذا ذلل ذلك فقد بلغ التذليل غايته. وقيل: مناكبها جبالها، فالاستعارة فى لفظ المنكب. (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) ما أخرج منها أقواتاً وثماراً. (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) فاجتهدوا فى الشكر فإنه يسألكم عنها.
(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ... (١٦) ملكوته وسلطانه. أو نفسه على زعم جهلة العرب. وقيل: الملك الموكل للعذاب وليس برصين. (أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) كما خسف بقارون.
стр. 190
مقابل لقوله (فَامْشُوا) بدل اشتمال من " مَنْ ". (فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) تضطرب في ذهاب ومجيء من هيبة اللَّه وشدة غضبه.
(أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ... (١٧) ريحاً فيه الحصباء والأحجار كقوم لوط، مقابل لقوله: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) لقوله: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ). (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) إذا شاهدتم المنذر به.
(وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... (١٨) قبل قريش. (فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) إنكاري بالانتقام، وقد شاهدوا آثاره وتواتر عندهم خبر ما لم يشاهدوه.
(أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ ... (١٩) باسطات أجنحتهن في الجو، فإنها إذا بسطت الأجنحة صفت القوادم. (وَيَقْبِضْنَ) لم يقل قابضات؛ لأن الطيران كالسباحة الأصل فيه المد والقبض تارة وتارة، والفعل دال على التجدد والحدوث. (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ) بليغ الرحمة، بأن خلقها على وضع وهيئة يتمكن بها من الطيران، بأن جعل لها القوادم تشق بها الريح، والحوافي تشدها والأذناب تقيمها كما في السفن. (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) عليم عياناً لا يخفى عليه شيء مما يدهش الفطن. وفي ذكره عقيب الخسف وإرسال الحاصب؛ إشارة إلى أن من هذا شأنه ذاك أهون شيء عنده، وإيماء إلى أن دافع العذاب عن هؤلاء مع موجباته وتكامل أسبابه منهم إنما هو تلك الرحمة البالغة التي أمسكت الطير في الهواء.
(أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ ... (٢٠) متعلق بحديث الخسف؛ لأن قوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ) اعتراض يشد من عضد التحذير، وكذا قوله: (أَوَلَمْ
стр. 191
يَرَوْا) تصوير لقدرته الباهرة. والمعنى: " أم " الذي يقال فيه هذا الذي هو جند لكم أمنكم من عذاب اللَّه؟ على أن " أم " منقطعة والاستفهام تهكم. والمشار إليه إما فوج مقدر، أو أصنامهم. " من " مبتدأ، و " هذا " خبره، والموصول صفة " هذا "، و " ينْصُركُمْ " وصف لـ " جند " محمول على اللفظ. (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) مستغرقون في الغفلة.
(أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ ... (٢١) أي: أم الذي يقال فيه هذا الذي يرزقكم؟ (إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ) أي: اللَّه تعالى بإمساكه أسبابه، من المطر والإنبات. متعلق بإرسال الحاصب.
(بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ) تمادوا في العناد. (وَنُفُورٍ) وإعراض. وهذا أدل على إغراقهم في الكفر من قوله: (إلا في غرور). كما أن توهم الرزق من الأصنام، أو من فوج مقدر أبعد من تخيل النصر منها.
(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى ... (٢٢) يقال: كببته فأكب، وعدوه من النوادر؛ لأن القياس كون المجرد مطاوعاً للمزيد. وقيل: ليس من ذاك بل المعنى: صار ذا كبّ كأغدّ البعير، ومعنى مشيه مكباً على وجهه يقع تارة ويقوم أخرى؛ لكونه ماشياً في غير الطريق، أو لكونه أعمى لا يبصر. (أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) هذا مثل ضربه للكافر والمؤمن، فإن الكافر في ظلمات الشبه والشكوك كمن لا يرى جهة قصده، أو يسلك مكاناً وعراً، فهو بين قيام وسقوط، والمؤمن في نور إيمانه كمن يرى مواطئ قدميه، أو كمن سلك طريقاً جادة سهلة السلوك. وإن شئت شبهت الدينين بالمسلكين.
стр. 192
(قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ ... (٢٣) من تراب، (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) آلات الإدراك. وأيّ بعد أَبعد ما بين التراب وهذه الأمور. (قَلِيلًا مَا) جدًّا (تَشْكُرُونَ) بصرفها إلى ما خلقت له، فلا سمعتم سماع تفهم، ولا نظرتم نظر اعتبار، ولا تدبرتم في دلائل الأنفس والآفاق.
(قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ... (٢٤) بثّكم فيها متمكنين من أي تصرف شئتم. (وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) للجزاء، فشمروا له.
(وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ... (٢٥) أي: الحشر. أو العذاب كالخسف وإرسال الحاصب. (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) الخطاب له ولمن آمن به.
(قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ... (٢٦) لا يعلم ذلك غيره. (وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ* فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً ... (٢٧) الضمير للموعود، وعبر عنه بالماضي؛ لتحقق وقوعه. (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ساءها رؤية العذاب وغشيها القترة. (وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) تستعجلون، من الدعاء. الباء صلة. أو تدعون أن لا بعث، من الدعوى. فالباء سببية.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ ... (٢٨) أماتني (وَمَنْ مَعِيَ) من المؤمنين، (أَوْ رَحِمَنَا) بتأخير الآجال، (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) كانوا يتمنون هلاكه. كما قال اللَّه تعالى: (نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) أي: إن أهلكنا اللَّه كما تمنون أنتم، أو رحمنا بالنصر عليكم كما نرجو نحن، لا مجير لكم من عذاب اللَّه. أو نحن هداتكم ودعاتكم إلى النجاة، فإن أهلك اللَّه هداتكم كما تمنون، أو رحمهم عكس ما تمنون فمن يجيركم، أو نحن مؤمنون
стр. 193
وحالنا دائرة بين الاهلاك بالذنب والرحمة بالإيمان، فماذا حالكم مع كفركم؟!. وعلى الوجوه من إيقاع المظهر موضع المضمر.
(قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ ... (٢٩) فيجيرنا من عذابه، ولم نكفر مثلكم. (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) لا على العَدد والعُدد مثلكم. (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) منا ومنكم. من كلام المنصف. وقرأ الكسائي بياء الغيبة.
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا ... (٣٠) غائراً في الأرض، (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) جار أو سهل المآخذ. فإن لم تعبدوه للحياة الباقية فاعبدوه للفانية، فالكل منه وإليه. (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ).
* * *
تمت سورة الملك، والحمد للَّه لمن بيده البقاء والهلك، والصلاة والسلام على خير الأنام وآله وصحبه إلى يوم القيام.
* * *
стр. 194
سورة القلم
مكية، وآياتها ثنتان وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ن ... (١) اسم السورة، أو من حروف الهجاء كما تقدم في نظائره. وقيل: اسم الحوت الذي عليه الأرض المسمى بالبهموت. وقيل: اسم اللوح الذي كتب فيه القلم ما هو كائن. وقيل: اسم الدواة. وفي الكل بعد، إذ الوجه إعرابه على أن ذكر الحوت مع القلم كذكر الضب مع النون. فإن قلت: إذا كان اسم السورة فلا تنكر سكون آخره، فليكن كذلك إذا جعل اسم الدواة أو اللوح. قلت: قد سبق أن الحكاية في هذه الحروف إنما يصح إذا كانت أسماء للسور للمح معانيها الأصلية؛ إيقاظاً لمن تحدى بها. وأقرب الوجوه أن يكون
стр. 195
اسماً للدواة التي كتب منها القلم الكائنات، وسكونه؛ إجراء للوصل مجرى الوقف. (وَالْقَلَمِ) هو الذي خلقه اللَّه أول، أو جنسه. أقسم به؛ لشرفه لأنه آلة لكتابة وحيه وحكمه. (وَمَا يَسْطُرُونَ) ما يكتبه من كتب من المعارف. أو الحفظة من الأعمال. ويجوز أن يكون " ما " مصدرية، وأن يراد بالقلم أصحابه وهم كتَّاب وحيه وحملة شرائعه. أقسم بهم وبمسطوراتهم، أو بسطرهم وكتابتهم.
(مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) جواب القسم والمعنى: ما أنت بمجنون منعماً عليك بما أنعم من رزانة الرأي وحصافة العقل، على أن الجار والمجرور حال من المستكن في (بِمَجْنُونٍ) وهو العامل فيه، والباء فيه زائدة، فلا يمنع العمل فيما قبله.
(وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) غير مقطوع كقوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، أو خالياً عن المنة. والمعنى: أن لك عندنا من الزلفى والمكانة زيادة على أجر صبرك على أذاهم ما لا يستحق الأجر أن يمن به عليك. وقيل: ممنون من الناس؛ لأنه من عطاء ربك.
(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) وبه استوجبت تلك الرتبة العظمى. وعن قتادة ﵀، قلت لعائشة ﵂: أخبريني عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: " كَانَ خُلُقهُ القرْآنَ ". وكذا عن سعد بن هشام رحمه اللَّه تعالى. أشارت إلى قوله (خُذِ الْعَفْوَ
стр. 196
(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). وروى البخاري عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄: " أن نعته في التوراة محمد عبدي سميته المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا يجازي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ". وعن علي بن أبي طالب ﵁: كان رسول اللَّه ﷺ أجود الناس صدراً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه.
стр. 197
(فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) أي: أيكم الذي محن بالجنون. الباء زائدة، أو المفتون مصدر كالمعقول، أو الباء. بمعنى في. أي: في أيّ فريق منكم يوجد من يستحق هذا الاسم. والخطاب وإن كان معه، إلا أن أمته داخلة تبعاً، وهذا أوجه الأوجه؛ لاشتماله على التعريض مع سلامته عن استعمال النادر.
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ... (٧) أي: بالمجانين. (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) العقلاء. أشار إلى أن الجنون والعقل بهذا الاعتبار، لا بما توهموه، فهم في هذا الزعم مجانين. ويجوز أن يكون وعيداً ووعداً أي: أعلم بجزاء الفريقين.
(فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) كانوا يدعونه إلى عبادة الأصنام وقتاً؛ ليدعوه من غوائلهم، أو يعبد ما يعبدوه وقتاً.
(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ ... (٩) تلين لهم (فَيُدْهِنُونَ) فيلينون لك. الفاء للعطف، أي: ودوا إدهانك فيدهنوا بعد إدهانك. أو السببية، أي: ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ، أو ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون طمعاً فيه.
(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ ... (١٠) كثير الحلف، وفي جعله فاتحة المثالب وإمام القبائح؛ دلالة على أنه شر الخصال؛ وذلك لأنه يدل على عدم استشعار عظمته تعالى. (مَهِينٍ) حقير.
(هَمَّازٍ ... (١١) عياب. من الهمز: وهو الكسر. (مَشَاءٍ بِنَمِيمٍ) النميم والنميمة: نقل الحديث لإيقاع الفتنة، وإفساد ذات البين.
стр. 198
(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ ... (١٢) شديد البخل. والخير: المال، أو أهله من الخير: وهو الإيمان.
ذكر الممنوع منه دون الممنوع عكس الوجه الأول؛ لأن عدم ذكر الممنوع منه هناك أوقع
(مُعْتَدٍ) ظالم متجاوز الحد. (أَثِيمٍ) كثير الإثم.
(عُتُلٍّ ... (١٣) جافٍ غليظ. من عتله: إذا قاده بعنف. (بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) بعدما ذكر من المثالب دعيّ، لا نسب له، وهذا كما إذا عددت مثالب إنسان، ثم تقول: وبعد ذلك لا يحب أبا بكر وعمر ﵄. والزنيم: شاة لها زنمة وهي ما يقطع من أذنها من غير فصل فيتدلى. قيل: هو الوليد بن المغيرة استلحقه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده، وقيل: بغت أمه فولدته من الزنا. وقيل: هو الأخنس بن شريق كان من ثقيف وعداده في زهرة، وليس بصواب؛ لأنه أسلم، معدود في الصحابة.
(أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) متعلق بقوله (وَلَا تُطعْ) أي: لا تطعه بعد هذه المثالب لكونه ذا يسار وحظ من الدنيا. أو بما دل عليه ما بعدُ من معنى التكذيب، لا بـ " قال "؛ لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، أي: كذب بآياتنا؛ لأنه كان مستظهراً بالمال والبنين مغروراً بها. قيل: كان له عشرة من البنين، وله مال وافر، ويقول: " من آمن بمحمد منعت رفدي ".
стр. 199
وقرأ حمزة وأبو بكر بالاستفهام، إنكاراً لطاعته له لكونه ذا مال، وكذا ابن عامر. إلا أنه سهل الثانية بزيادة ألف بينهما. لهشام ولابن ذكوان بين بين.
(سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) الوجه أشرف الأعضاء، وأشرف أجزائه الأنف. والعرب على أن الشرف يظهر في الأنف، يقولون: " فلان به شمم " و "القوم شم العرانين "، وفي وصفه ﷺ : " أشم العرنين "، فالكَيُّ على الأنف إهانة وإذلال. يجوز أن يكون حقيقة. أو كناية عن الإذلال، والتعبير عنه بالخرطوم زيادة تشويه؛ لأنه لا يستعمل إلا في الفيل أو الخنزير. وما قيل: أنه خطم يوم بدر فبقي سمة على خرطومه سهو؛ لأن الوليد مات قبل بدر، وأبعد منه ما نقل عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر، ومعناه: سنحده على شربها.
(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ... (١٧) أي: إنا اختبرنا أهل مكة بإرسال محمد نعمة عليهم، فلما كفروا به سلّطنا عليهم القحط، كما اختبرنا أصحاب الجنة. عن سعيد بن جبير أن هؤلاء كانوا من قرية يقال لها: صروان من قرى صنعاء وكان أبوهم ذا
стр. 200
بر وإحسان على الفقراء، كان يأخذ من غلة بستانه هذه قوت سنة، ويصرف الباقي على الفقراء والمحاويج، فقال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن ذو عيال.
(إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) داخلين في الصباح قبل أن يعلم بذلك الفقراء (وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) في أيمانهم. لم يقولوا إن شاء اللَّه، بل بتوا القول وجزموا به. وإنما سمي الشرط استثناء؛ لأنه يؤدي مؤداه في الإخراج.
(فَطَافَ عَلَيْهَا ... (١٩) على الجنة (طَائِفٌ) بلاء من الطوفان (مِنْ رَبِّكَ) مرسل من عند اللَّه (وَهُمْ نَائِمُونَ) لا علم لهم بذلك.
(فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) كالمجدود ثماره. من الصرم وهو: القطع. أو كالليل المظلم محترقاً، أو الليل الأبيض المقمر. فإن الصريم من الأضداد. أو كالرمل المنصرم. أو كالتي أصابها الصرام وهي: الداهية.
(فَتَنَادَوْا ... (٢١) نادى بعضهم بعضاً (مُصْبِحِينَ).
(أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ ... (٢٢) أن مفسرة، واستعمال الغدوّ بـ (عَلَى)؛ لتضمينه معنى الإقبال، أو لأن الغدو للصرام استيلاء، وهو والاستعلاء من واد واحد. (إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ) على الوجه الذي عزمتم عليه.
стр. 201
(فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) يتكاتمون الحديث.
(أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) أن مفسرة، والمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه كقولك: لا أرينَّك هنا.
(وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) الحرد: المنع، يقال: حاردت السنة إذا منعت المطر، والإبل إذا انجلت بالدَّرِّ، أي: غدوا عازمين على المنع حال كونهم قادرين على الخير. أو غدوا على محاردة جنتهم ومنع خيرها بدل كونهم قادرين على إصابة خيرها. وقيل الحرد: السرعة. يقال: قطاً حراد أي: سراع. أي: اذهبوا على وجه السرعة لئلا يدركهم المساكين. وقيل. الحرد: القصد. أي: غدوا قاصدين الصرام، قادرين على ذلك من عند أنفسهم حال مقدرة. وقيل: الحرد اسم بستانهم.
(فَلَمَّا رَأَوْهَا ... (٢٦) على تلك الحالة: (قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) طريق جنتنا. قالوه قبل، فلما تيقنوا الأمر قالوا:
(بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) حرمنا خير جنتنا لجنايتنا على أنفسنا.
(قَالَ أَوْسَطُهُمْ ... (٢٨) أي: خيرهم رأياً (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) أي: تستثنون؛ لتلاقي الاستثناء والتسبيح في التعظيم، فاستعمل مكانه. وعن الحسن لولا تصلون
стр. 202
فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء. أو لولا تذكرون اللَّه وتتوبون إليه. كأنه نصحهم على خبث نيتهم، فلم يطيعوه.
(قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) في القصد إلى حرمان المساكين. قالوه بعد خراب البصرة واتِّسَاعِ الخَرق عَلى الراقِع.
(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) كل منهم يقول للآخر أنت السبب. أو لأن بعضهم قال، وبعضهم رضي به، وبعضهم كف فلم يطيعوه.
(قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) فلذلك أصابنا البلاء.
(عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا ... (٣٢) كما هو شأنه مع التائبين. (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) في العفو ومحو الجريمة، وإفاضة الخير. والظاهر أن اللَّه تعالى قبل توبتهم لوقوعها في أوانها.
(كَذَلِكَ الْعَذَابُ ... (٣٣) أي: مثل ما بلوناه أهل مكة، وأصحاب الجنة. العذاب الواقع في الدنيا. وقد أدمج في التمثيل بأصحاب الجنة أن أهل مكة أولى بالبوار والنكال؛ لأن القصد إلى حرمان المساكين إذا أفضى بهم إلى ما ذكر، فكيف بمن عاند الحق وكذب أشرف الرسل، وقطع الرحم التي أوصى اللَّه تعالى بصلتها؟. (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ) من عذاب الدنيا. (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) لو كانوا من أهل العلم لعلموا ذلك، ولأخذوا حذرهم.
стр. 203
(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ... (٣٤) في جوار قدسه (جَنَّاتِ النَّعِيمِ) جنات ليس فيها إلا النعيم. تعريض بجنات الدنيا، فإن الغالب فيها التعب والنكد، وحسن موقعه بعد ذكر أصحاب الجنة المذكورة وذكر حالها.
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) قال مقاتل: كانوا يقولون إن لم نكن في الآخرة أحسن حالاً من المسلمين، فلا أقل من المساواة، قياساً على حظوظ الدنيا.
(مَا لَكُمْ ... (٣٦) ما حصل لكم من الخلل. (كَيْفَ تَحْكُمُونَ) هذا الحكم الذي لا يصدر عن ذي مسكة؟. وفي الاستفهام مبالغة في التعجيب من سفاهتهم (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) لكم بما فيه علم تام.
(إن لكم فيه لما تخيرون) تختارونه وتشتهونه. وكان الظاهر فتح (إنَّ)؛ لأنه مدروس، وإنما كسر؛ لوجود اللام، أو هو على الحكاية. كقوله: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ). ولا يقدح في هذا تكرار (فيه)؛ لكونه على منوال " قرأت الكشاف إن في الكشاف لفوائد ". وتخير الشيء واختاره: أخذه خيرة.
(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا ... (٣٩) يقال: لفلان عليَّ يمين إذا حلفت له على أمر تضمنه له.
(بَالِغَةٌ) متناهية في التغليظ. جمع اليمين وأكده؛ لفرط اعتمادهم. (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) غاية للثبوت المقدر في الظرف. أي: ثابتة إلى ذلك اليوم، كالأجل للدين، فإذا وفينا بالمقسم عليه
стр. 204
خرجنا عن عهدتها. أو مبالغة على معنى أنها مستمرة إلى ذلك اليوم، لا تنحل منها يمين، ولم تبطل حتى يحصل المقسم عليه. (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ) جواب القسم؛ لأن معنى (أَمْ لَكمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا) أم أقسمنا لكم.
(سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) كافل بإثبات ما ذكر. (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ ... (٤١) في هذه العقيدة. (فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) في دعواهم. ومعلوم أنه لا يوافقهم عاقل، فقد انحسم مادة الشبه عقلاً ونقلاً.
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ... (٤٢) منصوب بـ (فَلْيَأْتُوا)، أو بـ " اذكر "، أو بمقدر، أي: يكون كيت وكيت الكشف عن الساق والتشمر عنها. جرى مجرى المثل عن شدة الأمر، واستعمله البلغاء حيث لا يتصور ساق. قال جرير:
أَلا رُبَّ سامي الطرفِ مِن آلِ مازِنٍ ... إِذا شَمَّرَت عَن ساقِها الحَرب شَمَّرا
وأصل هذا؛ أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم شمر عن ساقه. ولا ينافي هذا ما رواه البخاري عن أبي سعيد أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: " يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل
стр. 205
مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان في الدنيا يسجد رياء فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقا".
إذ عند الاشتداد والفزع الأكبر يتجلى للمؤمنين بصفة الجمال، وهذا إنما يكون بعد ذهاب
أهل النار ولم يبق إلا المؤمنون، وبينهم المنافقون فأرادوا النفاق كما في الدنيا فافتضحوا. وهذا
معنى قوله: (وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ)، لأن هناك دعاء صريحاَّ، وتكليفاً.
(خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ... (٤٣)
تغشاهم. (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
وَهُمْ سَالِمُونَ) من العوائق.
(فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ... (٤٤)
أي: كِلْه إليَّ فأنا أكفيك.
(سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) أنه استدراج، بأن يفيض عليهم الرزق
والعافية فيحسبونه إيثاراً لهم وتفضيلاً على المؤمنين، فيتمادون في الضلالة. والاستدراج:
استنزال الشخص درجة بعد درجة حتى يتورط في الهلاك.
(وَأُمْلِي لَهُمْ ... (٤٥)
أي: أطيل لهم المدة ليزدادوا إثماً (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) قوي. وإنما
سمى إحسانه استدراجاً وكيداً، لأنه في صورته.
стр. 206
(أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا ... (٤٦) متصل بقوله: (أَمْ لَهمْ شُرَكَاءُ)، وما في البين اعتراض، ترغيباً للسامعين في البدار قبل فوت الوقت (فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) فلذلك يعرضون.
(أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ... (٤٧) أي: اللوح الذي هو خزائن المغيبات، (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) منه، يستغنون به عنك وعما جئت به.
(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ... (٤٨) وهو إمهالهم إلى وقت معلوم، (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ) هو يونس بن متى. (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) في بطن الحوت. (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) والمعنى: لا تكن مكظوماً أي: مملوءاً غيظاً على عدم إيمان قومك مثله. فالمنهي عنه مشابهته إياه في الكظم. ولما كان موهماً بنوع انحطاطه، قال: " لا تفضلوني على يونس بن متَّى " إذ كان غضبه للَّه، وإن لم يكن من عزم الأمور.
(لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ ... (٤٩) رحمة منه، أو توفيقه إياه للتوبة. (لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ) أي. امتنع نبذه بالعراء مذموماً؛ لوجود التدارك، فالمعتمد في الجواب (لَوْلَا) هو الحال، لا النبذ؛ لوجوده، العراء: الفضاء الذي لا ساتر له.
(فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ ... (٥٠) بعد الإنابة، (فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) من عداد الأنبياء. وقيل: استنباه، وهو خطأ فاحش، وكذا القول بنزول الآية حين أراد أن يدعو على المؤمنين الذين انهزموا يوم أحد؛ لأن السورة من أوائل ما نزل بمكة.
стр. 207
(وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ ... (٥١) زلقه وأزلقه بمعنى: أزاله عن مكانه. وصفهم بالمبالغة في العداوة كأنها سرت من القلب والجوارح إلى النظر فصار يعمل عملها. وإليه أشار من قال:
يتقارضون إذا التقَوْا في موطن ... نَظراً يُزِيلُ مَوَاطئَ الأقدامِ
وقيل: العين. كان في بني أسد، وكان يتجوع منهم رجل ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء يقول: لم أر كاليوم مثله إلا عانه، فأرادوا فعله برسول اللَّه ﷺ ، فوقاه اللَّه بعنايته. وعن الحسن أن هذه الآية رقية العين، من خاف من إصابة العين فليقرأها، وروى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس ﵄: " وَلَوْ كَانَ شَيء سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ العَين " والأخبار في حقية العين متواترة المعنى، ومن شاهد تأثير المغناطيس في جذب الحديد لم يستبعد تأثير العين. وقرأ نافع (يَزْلِقُونَكَ) بفتح الياء. وهي لغة، والضم أشهر. (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) القرآن الذي هو شرف لهم. (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) ولذلك خالف كلامه أساليب كلام العرب.
стр. 208
(وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢) عظة لكل ذي عقل من الملائكة والثقلين. أو شرف لمن حفظه وعمل بما فيه كائناً من كان، وهذا أبلغ من قوله: (وَإنَّهُ لَذكْر لَكَ وَلِقَوْمِكَ).
* * *
تمت سورة نون، والحمد لمن أجره غير ممنون، والصلاة والسلام على خيرة الخلق إلى يوم يبعثون.
* * *
стр. 209
سورة الحاقة
مكية، وآيها إحدى وخمسون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(الْحَاقَّةُ (١) من أسماء يوم القيامة، أي: الساعة الثابتة التي لا ريب في ثبوتها، أو التي فيها ثوابت الأمور من الحساب والجزاء على الإسناد المجازي، وكذا إن فسِّرت بما يحق فيها من الأمور، وتعرف على الحقيقة.
(مَا الْحَاقَّةُ (٢) ما حقيقتها؟. الجملة خبر الأول، والأصل ما هي؟ تعظيم وتهويل لها. وفي وضع المظهر مقام المضمر زيادة ومبالغة. وأكِّد ذلك بقوله:
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) أي؛ لم تحط علماً بكنهها، وكل شيء قدّرته في نفسك، فهي أفظع من ذلك. و " ما " الاستفهامية علق عنها الفعل. ولما هوّل أمرها بما لا مزيد عليه، أردفه بذكر المكذبين بها وما حلّ بهم، وادخر لهم في الآخرة؛ تحذيراً لأهل مكة.
(كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) من أسمائها؛ لأنها تقرع الناس بالإفزاع والأهوال، والجبال بالدّكّ، والسماء بالانفطار، والأرض بالزلزال. وهذا تهويل آخر، حيث لم يعبّر عنها بالضمير، ولا بالمظهر المذكور.
стр. 210
(فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) بالواقعة المتجاوزة عن الحدّ في الفظاعة، وهي الصاعقة، لقوله: (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ) ويجوز أن يكون معها الصيحة والرجفة، كالحاصب مع الخسف في قوم لوط. وقيل " مصدر كالعاقبة، ولا يلائم قوله:
(وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ ... (٦) لأنَّ الآية من قبيل الجمع والتفريق، والحدث لا يناسب العين. (صَرْصَرٍ) شديدة الصوت، لها صرصرة في هبوبها، أو من الصّر وهو: البرد، كأنها التي كرّر فيها البرد. (عَاتِيَةٍ) على قوم عادٍ، فلم يقروا على دفعها، وعن على بن أبي طالب ﵁ عتت على خزّانها، فخرجت بغير حساب.
(سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ ... (٧) سلّطها. (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ) استئناف لبيان الكمية بعد الكيف؛ ليتكامل الهول. (حُسُومًا) حاسمات كل خير، جمع حاسمٍ، كشهود جمع شاهدٍ. والحسم: إزالة أثر الشيء، ومنه الحسم للكي المستأصل للداء، أو متابعة هبوب الريح حتى استأصلتهم، كأن كلّ هبَّة كيَّة. ويجوز أن يكون مصدر الفعل مقدراً، أي: يحسم حسوماً، أي. يفرق بينهم تفريقاً شديداً لا اجتماع بعده، لكمال النحوسة. (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا) في مهابِّها ((صَرْعَى) ملقى على الأرض كالأخشاب اليابسة. قيل: كانت من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء وسميت أيام العجوز؛ لأنَّ عجوزاً توارت في سربٍ فوجدها الريح في اليوم الثامن. وقيل: أيام العجز، وهي آخر الشتاء. وأسماؤها: الضّن، والضّبر والآمر، والمؤتمر، والمعلّل، ومطفئ الجمر. (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) أصول نخلٍ متآكلة الأجواف.
стр. 211
(فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) بقية، أو نفس باقية، أو بقاء.
(وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ ... (٩) قبل فرعون. وقرأ أبو عمرو والكسائي: قِبله بكسر القاف أي: أتباعه، والأول أبلغ وأشمل، إذ ذكر فرعون دلّ على أتباعه. (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ) قرى قوم لوط، والإسناد مجاز (بِالْخَاطِئَةِ) بالخطأ، أو بالفعلة ذات الخطأ، أو بالأفعال الخاطئة. مجاز في الحكم.
(فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ... (١٠) كلّ منهم رسوله (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) شديدة لعظم جرمهم. من ربا الشيء: زاد.
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ... (١١) على الخزان يوم الطوفان، أو جاوز الحدّ. (حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) في السفينة. وذكرها باسم الجارية؛ تصوير لإظهار القدرة، إذ لم يكين لها مجرٍ ولا نوتي، بل كان باسم اللَّه مجراها ومرساها.
(لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ... (١٢) تلك الفعلة موعظة. (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) من شأنها الوعي يقال: وعيته إذا حفظته في نفسك، وأوعيته إذا حفظته في وعاءٍ آخر. والتنكر؛ للدلالة على قلة الأذن الموصوفة، وإن واحدة منها إذا وجدت كانت بمثابة السواد الأعظم. وقرأ نافع: بسكون الذال. وعن علي ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " سألت اللَّه أن يجعل أذنك واعية قال: فما نسيت بعد ذلك شيئاً، وما كان لي أن أنسى ".
(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وهي النفخة الأولى نفخة الفزع، ويعقبها نفخة الصعق، وبعدها نفخة القيام وابتداء خراب العالم.
стр. 212
(وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) ضربت إحداهما على الأخرى بالقدرة الكاملة، فصارتا كثيباً مهيلاً، كما تضرب أنت إحدى البيضتين على الأخرى.
(فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) قامت القيامة.
(وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) مسترخية.
(وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ... (١٧) حبس الملك على أطرافها. جمع رجا مقصور. (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) فإنَّ الحملة اليوم أربعة، فإذا كان ذلك اليوم امتدّوا بأربعة أخرى. وقيل: ثمانية صفوف، لا يعلم عددهم إلا اللَّه. وروى أبو داود في سننه أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه سبعمائة عام ". وإذا نطق القرآن بأمر ممكن ووافقه الحديث، فلا وجه للتأويل والعدول عن الظاهر.
(يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ... (١٨) العرض إنما يكون بعد النفخة الأخيرة، والكلام في النفخة الأولى، لأنَّ اليوم أريد به الزمان المتسع. روى الترمذي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁: " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، والثالثة تطير فيها الصحف ".
стр. 213
(لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) سريرة. والمراد من العرض إظهار المعدلة وإخزاء الجاحدين على رؤوس الأشهاد. وقرأ حمزة والكسائي بالياء، وحسُن؛ لوجود الفصل.
(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... (١٩) تفصيل للعرض، روى البخاري عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " يدني اللَّه المؤمن يوم القيامة، فيقرره بذنوبه حتى إذا رأي أنه قد هلك يقول له: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر فـ (يَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ". (فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) بقوله لكل من رآه فرحاً. و " هاؤم " جمع " هاء " بألف بعده همزة، تصرف تصريف الكاف، ومعناه: خذ، اسم فعل. تنازع " هاؤم " و " اقرؤوا " فأعمل الثاني؛ لقربه على ما اختاره البصريون، وإلا لقيل: اقرؤوه.
(إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) أيقنت، وإنما عبّر عئه بالظن؛ دلالة على أن هواجس النفس وخطراتها مما لا تنفك عنه العلوم النظرية لا يقدح في الاعتقاد.
(فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) ذات رضاً، كلابن وتامر، فإن النسبة كما تكون في الحرف تكون بالصيغة، أو راض صاحبها، على المجاز في الإسناد.
(فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) فوق السماء السابع، سقفها عرش الرحمن، أو عالية قصورها وأشجارها، بدل من عيشة، أو خبر بعد خبر.
стр. 214
(قُطُوفُهَا ... (٢٣) جمع قطف بالكسر من القطاف وهو: تقارب الخطى في سرعة، فإنها تجتنى من غير تعب (دَانِيَةٌ) يتناولها القاعد والمضطجع.
(كُلُوا وَاشْرَبُوا ... (٢٤) على تقدير القول (هَنِيئًا) أكلاً وشرباً هنيئاً، أو هنئتم هنيئاً. (بِمَا أَسْلَفْتُمْ) من الأعمال (فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الماضية في الدنيا.
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) لما يرى من سوء الحال. (يَا لَيْتَهَا ... (٢٧) الموتة الأولى (كَانَتِ الْقَاضِيَةَ) القاطعة فلم أُبعث بعدها، أو (يَا لَيْتَهَا) دامت. يرى من الشدة ما يعدّ مرارة الموت حلاوة عندها. (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) شيئاً من الأشياء، أو أيّ شيءٍ أغنى، على أنَّ " ما " استفهامية إنكاراً.
(هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) ملكي وتسلطي على الأموال والحشم. قرأ حمزة في الوصل بدون " الهاء " في الموضعين، وهذا هو الأصل؛ لأنها هاء السكت ولا سكت في الوصل، ومن أثبتها أجرى الوصل مجرى الوقف اتباعاً للرسم.
(خُذُوهُ ... (٣٠) أمرٌ من اللَّه للخزنة. (فَغُلُّوهُ) اجعلوه في الغلِّ.
(ثُمَّ الْجَحِيمَ ... (٣١) وهي النار العظمى. (صَلُّوهُ) لا غيرها. يقال: صليته النار: أدخلته إياها.
(ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا ... (٣٢) المراد منه الكثرة كقوله: (إِنْ تَسْتَغفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً). (فَاسْلُكُوهُ) أي: لا تسلكوه إلا في السلسلة الموصوفة. ومعنى سلكه فيها: أن تُلفّ عليه مع ذلك الطول المفرط؛ مبالغة في التضييق عليه. و " ثم " في الموضعين للتفاوت بين ما دخله وما تقدّمه.
стр. 215
(إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ... (٣٣) تعليل على طريقة الاستئناف. (الْعَظِيمِ) أي: ذلك العظيم من العذاب؛ لكفره بالعظيم.
(وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فيه مبالغتان. ذكره قرين الكفر، وترك الحض دون منع الطعام؛ ليعلم من باب الأولى، وفيه إشارة إلى أنَّ شرَّ الخصال بعد الكفر البخل وقسوة القلب.
(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) قريب يحميه، وقد فرَّ كل امرئ من أخيه وأبيه.
(وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) غسالة أهل النار من دم وصديد. فعلين من الغسل.
(لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) العامدون للإثم. من الخِطأ بكسر الخاء، ومن الخَطأ بقتحها ضدّ العمد الذي ذكره الفقهاء.
(فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) أي: بجميع الكائنات التي هي آثار الصنع. و " لا " مزيدة. أو لا أقسم بهذه الأشياء لظهور الأمر.
(إِنَّهُ ... (٤٠) إن القرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) مبلغ عن اللَّه. (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ... (٤١) كما تزعمون. (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) لفرط عنادكم.
(وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) القلة في الموضعين بمعنى العدم. ولما كان عدم التباس القرآن بالشعر بيّناً؛ جعل الفاصلة عدم الإيمان عناداً، بخلاف الكهانة، فإنها تتوقف
следующие страницы →