← Тафсир

Тафсир · id 95562

غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (458 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

(فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) بقية، أو نفس باقية، أو بقاء. (وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ ... (٩) قبل فرعون. وقرأ أبو عمرو والكسائي: قِبله بكسر القاف أي: أتباعه، والأول أبلغ وأشمل، إذ ذكر فرعون دلّ على أتباعه. (وَالْمُؤْتَفِكَاتُ) قرى قوم لوط، والإسناد مجاز (بِالْخَاطِئَةِ) بالخطأ، أو بالفعلة ذات الخطأ، أو بالأفعال الخاطئة. مجاز في الحكم. (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ ... (١٠) كلّ منهم رسوله (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً) شديدة لعظم جرمهم. من ربا الشيء: زاد. (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ... (١١) على الخزان يوم الطوفان، أو جاوز الحدّ. (حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) في السفينة. وذكرها باسم الجارية؛ تصوير لإظهار القدرة، إذ لم يكين لها مجرٍ ولا نوتي، بل كان باسم اللَّه مجراها ومرساها. (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً ... (١٢) تلك الفعلة موعظة. (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) من شأنها الوعي يقال: وعيته إذا حفظته في نفسك، وأوعيته إذا حفظته في وعاءٍ آخر. والتنكر؛ للدلالة على قلة الأذن الموصوفة، وإن واحدة منها إذا وجدت كانت بمثابة السواد الأعظم. وقرأ نافع: بسكون الذال. وعن علي ﵁ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " سألت اللَّه أن يجعل أذنك واعية قال: فما نسيت بعد ذلك شيئاً، وما كان لي أن أنسى ". (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وهي النفخة الأولى نفخة الفزع، ويعقبها نفخة الصعق، وبعدها نفخة القيام وابتداء خراب العالم.

стр. 212

(وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) ضربت إحداهما على الأخرى بالقدرة الكاملة، فصارتا كثيباً مهيلاً، كما تضرب أنت إحدى البيضتين على الأخرى. (فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) قامت القيامة. (وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) مسترخية. (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ... (١٧) حبس الملك على أطرافها. جمع رجا مقصور. (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) فإنَّ الحملة اليوم أربعة، فإذا كان ذلك اليوم امتدّوا بأربعة أخرى. وقيل: ثمانية صفوف، لا يعلم عددهم إلا اللَّه. وروى أبو داود في سننه أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه سبعمائة عام ". وإذا نطق القرآن بأمر ممكن ووافقه الحديث، فلا وجه للتأويل والعدول عن الظاهر. (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ ... (١٨) العرض إنما يكون بعد النفخة الأخيرة، والكلام في النفخة الأولى، لأنَّ اليوم أريد به الزمان المتسع. روى الترمذي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁: " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان جدال ومعاذير، والثالثة تطير فيها الصحف ".

стр. 213

(لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) سريرة. والمراد من العرض إظهار المعدلة وإخزاء الجاحدين على رؤوس الأشهاد. وقرأ حمزة والكسائي بالياء، وحسُن؛ لوجود الفصل. (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... (١٩) تفصيل للعرض، روى البخاري عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " يدني اللَّه المؤمن يوم القيامة، فيقرره بذنوبه حتى إذا رأي أنه قد هلك يقول له: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر فـ (يَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) ". (فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) بقوله لكل من رآه فرحاً. و " هاؤم " جمع " هاء " بألف بعده همزة، تصرف تصريف الكاف، ومعناه: خذ، اسم فعل. تنازع " هاؤم " و " اقرؤوا " فأعمل الثاني؛ لقربه على ما اختاره البصريون، وإلا لقيل: اقرؤوه. (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) أيقنت، وإنما عبّر عئه بالظن؛ دلالة على أن هواجس النفس وخطراتها مما لا تنفك عنه العلوم النظرية لا يقدح في الاعتقاد. (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) ذات رضاً، كلابن وتامر، فإن النسبة كما تكون في الحرف تكون بالصيغة، أو راض صاحبها، على المجاز في الإسناد. (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) فوق السماء السابع، سقفها عرش الرحمن، أو عالية قصورها وأشجارها، بدل من عيشة، أو خبر بعد خبر.

стр. 214

(قُطُوفُهَا ... (٢٣) جمع قطف بالكسر من القطاف وهو: تقارب الخطى في سرعة، فإنها تجتنى من غير تعب (دَانِيَةٌ) يتناولها القاعد والمضطجع. (كُلُوا وَاشْرَبُوا ... (٢٤) على تقدير القول (هَنِيئًا) أكلاً وشرباً هنيئاً، أو هنئتم هنيئاً. (بِمَا أَسْلَفْتُمْ) من الأعمال (فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) الماضية في الدنيا. (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) لما يرى من سوء الحال. (يَا لَيْتَهَا ... (٢٧) الموتة الأولى (كَانَتِ الْقَاضِيَةَ) القاطعة فلم أُبعث بعدها، أو (يَا لَيْتَهَا) دامت. يرى من الشدة ما يعدّ مرارة الموت حلاوة عندها. (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) شيئاً من الأشياء، أو أيّ شيءٍ أغنى، على أنَّ " ما " استفهامية إنكاراً. (هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) ملكي وتسلطي على الأموال والحشم. قرأ حمزة في الوصل بدون " الهاء " في الموضعين، وهذا هو الأصل؛ لأنها هاء السكت ولا سكت في الوصل، ومن أثبتها أجرى الوصل مجرى الوقف اتباعاً للرسم. (خُذُوهُ ... (٣٠) أمرٌ من اللَّه للخزنة. (فَغُلُّوهُ) اجعلوه في الغلِّ. (ثُمَّ الْجَحِيمَ ... (٣١) وهي النار العظمى. (صَلُّوهُ) لا غيرها. يقال: صليته النار: أدخلته إياها. (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا ... (٣٢) المراد منه الكثرة كقوله: (إِنْ تَسْتَغفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً). (فَاسْلُكُوهُ) أي: لا تسلكوه إلا في السلسلة الموصوفة. ومعنى سلكه فيها: أن تُلفّ عليه مع ذلك الطول المفرط؛ مبالغة في التضييق عليه. و " ثم " في الموضعين للتفاوت بين ما دخله وما تقدّمه.

стр. 215

(إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ... (٣٣) تعليل على طريقة الاستئناف. (الْعَظِيمِ) أي: ذلك العظيم من العذاب؛ لكفره بالعظيم. (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فيه مبالغتان. ذكره قرين الكفر، وترك الحض دون منع الطعام؛ ليعلم من باب الأولى، وفيه إشارة إلى أنَّ شرَّ الخصال بعد الكفر البخل وقسوة القلب. (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) قريب يحميه، وقد فرَّ كل امرئ من أخيه وأبيه. (وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) غسالة أهل النار من دم وصديد. فعلين من الغسل. (لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) العامدون للإثم. من الخِطأ بكسر الخاء، ومن الخَطأ بقتحها ضدّ العمد الذي ذكره الفقهاء. (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) أي: بجميع الكائنات التي هي آثار الصنع. و " لا " مزيدة. أو لا أقسم بهذه الأشياء لظهور الأمر. (إِنَّهُ ... (٤٠) إن القرآن (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) مبلغ عن اللَّه. (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ... (٤١) كما تزعمون. (قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) لفرط عنادكم. (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) القلة في الموضعين بمعنى العدم. ولما كان عدم التباس القرآن بالشعر بيّناً؛ جعل الفاصلة عدم الإيمان عناداً، بخلاف الكهانة، فإنها تتوقف

стр. 216

على سبر أحوال القائل من الصدق والصلاح، فذكر معها التذكر. وقرأ ابن كثير وهشام: " يؤمنون " و " يذكَّرون " بياء الغيبة مسنداً إلى ضمير " الخاطئون ". ولابن ذكوان وجهان. (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) رفع لتوهم أن يكون كلام الرسول حقيقة، لإسناد القول إليه. والمراد بالرسول: محمد لا جبرائيل ﵉، إذ لم ينسبوا إليه شعراً ولا كهانة. ويجوز أن يكون جبرائيل ﵇، كأنه قيل: إنه لَقول جبرائيل الرسول الكريم، وليس من تلقاء محمد كما تزعمون أنه شاعر أو كاهن. والأول أوجه. (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) أي: لو نسب إلينا قولاً لم نقله، من التقوّل وهو: نسبة القول إلى من لم يقله تكلّفاً. وتسمى الأقوال المنقولة: أقاويل تحقيراً كالأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أفعولة. (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) أي: بيمينه. (ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) كما يفعله الملوك بمن يكذب عليهم، وصوّر القتل في أشنع صورة، وهو أن يأخذ الجلاد بيمين المصبور ليرى السيف في يده، بخلاف ما إذا أخذه بيساره. والوتين: نياط القلب، وفي ذكره؛ إشارة إلى محلّ الجناية، كاليد للسارق، فإن اللسان ترجمان لا مؤاخذة عليه. (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) عن القتل أو المقتول. أحد استعمل جمعاً، والخطاب للناس كلّهم. (وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) لأنّهم المنتفعون به. (وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) لما نقوله من تزكية الرسول، وكون القرآن ليس بشعر ولا كهانة.

стр. 217

(وَإِنَّهُ ... (٥٠) أي: التكذيب، أو القرآن (لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ) إذا رأوا ثواب المؤمنين. (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) أي: إنّه اليقين حقِّ اليقين. وحاصله: عين اليقين كقولك: عين الشيء ونفسه. (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) أي: نزه بذكر اسمه العظيم الدال على تقدّسه عن إمكان التقول عليه، وشكراً لما أولاك وأوحى إليك. تَمَّت، والحمد لمن آلاؤه جلَّت، والصلاة على من به الرسالة تَمَّت.

стр. 218

سورة المعارج مكية، وهي أربع وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) السائل هو النضر بن الحارث الذي قال: " إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ". وقيل: رسول اللَّه ﷺ قال: " اللَّهم عليك بقريش " ويؤيد الأول قوله: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا) وقرأ نافع وابن عامر: " سال " بالألف، إما مبدلة من الهمزة تخفيفاً، أو أجوف واوي، كخاف يخاف. قال أبو زيد

стр. 219

سمعت من يقول: هما يتساولان؛ فهمزة " سائل " بدل عن الواو، كهمزة " كأين ". وعلى الوجهين يتعدى إلى المفعولين بنفسه، وتعديته بالباء؛ لتضمين معنى الاستعجال. أو من سال يسيل، أجوف يائي، كباع يبيع. والمعنى: سال سائل أي جرى وادٍ ذو سيل بعذاب واقع. ويؤيده قراءة ابن عباس ﵄ سال سيل. (لِلْكَافِرِينَ ... (٢) صفة (عذَابٍ وَاقِعٍ) أي: كائن، أو يتعلق بالفعل أي: سال للكافرين، أو بـ " واقع " أي: نازل لأجلهم. وعن قتادة: سأل سائل على من ينزل عذاب اللَّه؟. فعلى هذا قوله: " للكافرين " جواب لذاك السائل. والباء؛ لتضمن سأل معنى اهتمّ. (لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ) (مِنَ اللَّهِ ... (٣) جملة مؤكدة على قول قتادة، صفة أخرى لعذاب على الأول. وعلى الوجهين: (مِنَ اللَّهِ) إمّا متعلق بـ " واقع " أي: من جهته، أو بـ " دافع " أي: لأمته ولا من غيره. (ذِي الْمَعَارِجِ) ذي المصاعد. جمع معراج، أو مَعْرِج يصعد فيها الأعمال الصالحة، أو المؤمنون في سلوكهم، أو دار ثوابهم. (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) بيان وتفصيل لتلك المعارج؛ إظهار لعز شأنه وملكوته. والروح: جبرائيل، وإفراده؛ لمزيته، وقيل: خلق آخر موكَّلون بالملائكة كالملائكة بنا. واليوم: يوم القيامة، وصف بغاية الطول إما كناية عن شدته، أو حقيقة على ما قيل: إن فيه خمسين موطناً يقف الخلق في كل موطن ألف سنة. ويؤيد الأول ما رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، أنه قيل لرسول اللَّه ﷺ : " ما أطول هذا اليوم؟ قال: " والذي نفسي ييده إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من

стр. 220

صلاة مكتوبة ". وقيل: من أسفل الأرض إلى عرش الرحمن مسافة خمسين ألف سنة لو قطعها الإنسان. وهذا إن صحّ لا تعلق له بتفسير الآية؛ لأنَّ الغرض هو تهويل يوم القيامة. وقرأ الكسائي: يعرج بياء الغيبة. (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) لا قلق معه ولا شكوى بعد علمك بوقوع العقاب على أعدائك. (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) عن إمكان الوقوع. (وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) منه؛ لكمال قدرتنا. والضمير للعذاب، أو لليوم. فإن قلت: السائل سواء كان رسول اللَّه ﷺ أو غيره، لم يسأل إلا عذاب الدنيا كما نزل بسائر الأمم، والسياق يدل على وقوع العذاب يوم القيامة، فكيف طابق السؤال؟ قلت: هو من قبيل قوله: (حسبهُمْ جَهَنَّمُ) كأنه قيل: العذاب المستعجل به ليس بعذاب حقيقة، بل العذاب هو المعد لهم، وهم ينكرونه ويدعون إحالته، ثم هوّل شأنه بما فصله. (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) منصوب بـ " قريباً "، أو بيقع مقدراً؛ لدلالة " واقع " عليه، وبدل عن محل في " يوم " إن علّق بـ " واقع "، أو (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) تكون كيت وكيت. والمهل: دُرْديّ الزيت، وعن ابن مسعود ﵁: الفضة المذابة

стр. 221

(وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) كالصوف الملون؛ لاختلاف ألوان الجبال: بيض، وحمر، وغرابيب سود، فإذا طارت في الهواء اختلطت ألوانها. (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) كيف حالك؟. لكلٍّ شأن يغنيه ويشغله عن غيره. (يُبَصَّرُونَهُمْ ... (١١) استئناف جواب: لم لا يسأل كأنه لا يراه أو حال. وجمع الضمير؛ لأن المعنى على العموم، والأصل: يبصرون بهم. يقال: بصرته بالشيء إذا أوضحته له، وكأنه ضمن معنى التعريف، أو حذفت الصلة، وأوصل الفعل. (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ) حال من أحد الضميرين، أو استئناف يدل على أنَّ الأمر أهم من الاشتغال بالسؤال عن حال أحدٍ. (بِبَنِيهِ) الذين هم أعزّ من الروح. (وَصَاحِبَتِهِ ... (١٢) التي يختار ذهاب مهجته دونها غيرة. (وَأَخِيهِ) الذي هو شقيقه. (وَفَصِيلَتِهِ ... (١٣) وعشيرته الذين فصل منهم (الَّتِي تُؤْوِيهِ) تضمّه في النسب وعند الشدائد. (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ... (١٤) كائناً من كان (ثُمَّ يُنْجِيهِ) عطف على (يفتدي) استبعاد لما يتمناه. هيهات. (كَلَّا ... (١٥) ردع له عن ارتكاب ما لا نفع فيه (إِنَّهَا لَظَى) الضمير للنار دلّ عليه ذكر العذاب. أو مبهم فسّره الخبر وهو. " لظى " أو ضمير القصة. و " لظى ": علم النار. منقول من اللظى وهي: اللَّهب، ويجوز أن يراد بها نفس اللَّهب مبالغة كأنَّ كلها لهب خالص. (نَزَّاعَةً لِلشَوَى (١٦) خبر بعد خبر لـ (إن)، أو خبر (لَظَى) إن كان الضمير للقصة، ويجوز أن يكون صفة إن أريد باللظى اللَّهب؛ لأنَّ علم الجنس كالمعرّف

стр. 222

يلامه في إجرائه مجرى النكرة وإن لم يجعل علم الجنس، فحذف التنوين، لإجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ حفص: نزاعة بالنصب على الاختصاص كأنه قيل: تتلظى نزاعة. والشوى جمع شواة: جلدة الرأس، أو أطراف الإنسان وكل ما ليس بمقتل، يقال للرامي إذا لم يصب المقتل: أشوى. (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) مجاز عن جذبها وإحضارها، من أدبر عن الحق وتولى عن الطاعة، أو تدعوهم بلسان المقال: يا كافر، يا منافق، وهنا أبلغ. (وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨) لبخله وحرصه وحفظه في الوعاء، ولم يؤد حقّ اللَّه منه. (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) الهلع: شده الجزع عند مسّ المكروه، وسرعة المنع عند مسِّ الخير. وقد فسّره بقوله: (إِذَا مَسَّهُ الشَرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) فإنَّ " جزوعاً " و " منوعاً "، وصف كاشف لـ " هلوعاً ". (إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) استثناء منقطع. لما وصف من أدبر وتولى بالهلع قال: لكن المصلين في مقابلة أولئك. أو متصل أي: إنَّ الإنسان خلق هلوعاً واستمر ذلك عليه ولم يفارقه إلا المصلين الموصوفين بالصفات الآتية، فإنهم خلعوا ربقة الهلع عن أعناقهم. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ : " شرّ ما في الرجل شحّ هالع وجن خالع ".

стр. 223

(الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) لا يتركونها في أوقات الأعذار والضرورات. (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) مقدار معلوم هو الزكاة، لأنَّ وجوبه كان بمكة. وتقدير نصبه مفصلاً بالمدينة. (لِلسَّائِلِ ... (٢٥) الذي يسأل، (وَالْمَحْرُومِ) الذي لا يسأل يعتنون بحاله ويفتشون عليه. (وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) أخَّرَه؛ اهتماماً بالصلاة والزكاة. وقيل: يصدقونه بالأعمال، بالأبدان والأموال؛ ولذلك ذكّره بيوم الدين (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) خائفون. (إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) اعتراض دلّ على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن وإن كان على قدم راسخٍ في الطاعة. (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) دلّ على أنَّ المباح لا يمدح عليه. (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) المتجاوزون. (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) حافظون. وقرأ ابن كثير: " أمانتهم " على التوحيد؛ لإرادة الجنس. (وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) إحياء للحقوق وهي من الأمانة، أفردها؛ دلالة على زيادة فضلها. وقرأ حفص: بالجمع مناسبة للمضاف إليه، أو لاختلاف أنواعها.

стр. 224

(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) على شرائطها وأركانها وواجباتها وسننها وآدابها، وكفاها شرفاً حيث ابتدأ بها في عدِّ المحاسن وختم بها. (أُولَئِكَ ... (٣٥) الموصوفون بتلك الصفات. (فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) بأنواع الإكرام. (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ ... (٣٦) حولك (مُهْطِعِينَ) مسرعين مادي أعناقهم. (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِمَالِ عِزِينَ (٣٧) فِرقاً شتى. جمع عزة أصلها عزوة، قلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها، ثم حذفت الياء وعوض عنها التاء. كانوا خمسة أرهط. كل واحدة تعتزي إلى غير ما تعتزي إليه الأخرى. (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كانوا يقولون استهزاء: نحن أولى بالجنة من محمد وأتباعه. (كَلَّا ... (٣٩) ردع لهم عن هذا الاعتقاد. (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) استدل على إمكان البعث بخلقهم أولاً، والقدرة على خلق مثلهم ثانياً، وأشار إلى أنّ استحقاق دخول الجنة إنما هو بالأعمال الزاكية وإلا فأصل نشأتهم من ماء مهين بين المياه يستحيى من ذكره صريحاً؛ لذلك أبهم بقوله (مَا يَعْلَمُونَ). (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ ... (٤١) بأن نذهبهم ونأتي بقوم آخرين، أو نوفق لمحمد طائفةً خيراً من أهل مكة وهم الأوس

стр. 225

والخزرج. وفي المقسم به دلالة ظاهرة على القدرة على تحقيق المقسم عليه. (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) بمغلوبين على ذلك. (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ... (٤٢) في أباطيلهم، (وَيَلْعَبُوا) كالصبيان (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ) إضافة اليوم إليهم؛ لمزيد الاختصاص. (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) أي: مسرعين سراعاً يشبه الإسراع الذي كانوا يسرعونه إلى الحجر الذي كان علماً لذبح النسائك. وعن الحسن: كانوا يبتدرون عند طلوع الشمس إلى أصنامهم لا يلوي أحدهم على الآخر. وقرأ ابن عامر وحفص: نُصُب بضم النون والصاد، جمع نصب كسقف جمع سقف، أو مفرد أنصاب. والباقون بفتح النون، وإسكان الصاد، و (سِرَاعًا) وَ (كَأنَّهمْ) حالان من فاعل (يَخْرجُونَ) وكذا. (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ... (٤٤) ويجوز أن يكون أحوالاً متداخلة. (ذَلِكَ الْيَوْمُ) الموصوف (الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) في الدنيا على ألسنة الرسل. * * * تمت سورة المعارج، والحمد لمن لكل همٍّ فارج، والصلاة على المختار عدد رمل عالج. * * *

стр. 226

سورة نوح مكية، وثمان أو تسع وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ ... (١) بأن أنذر، حذف الجارّ وأوصل الفعل، أو أن مفسرة؛ لاشتمال معنى الإرسال على القول. (قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) الطوفان، أو عذاب يوم القيامة، والأول أوجه. (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) لاقتران قولي بالمعجزة. (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... (٣) بأن اعبدوا اللَّه. (وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ... (٤) ما كان لكم من الذنوب أو بعضها. وهي التي تقدّمت الإيمان، " فإنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله ". (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) هو آخر الآجال. (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ) والتوفيق بينه وبين تأخير الأجل أنَّ القضاء معلّق ومبرم، فالتأخير بالنظر إلى الأول، وعدمه بالنظر إلى الثاني. أي: لو آمنوا عاشوا كذا، وإن لم يؤمنوا فكذا، وهذا معنى زيادة

стр. 227

الصدقة والصلة في العمر، وما في علمه تعالى لا يبدّل. (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) جعلهم جاهلين بذلك لعدم جريهم على موجب العلم. (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) أي: دائماً. (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) عن الإيمان. وإسناد الزيادة إلى الدعاء، إسناد إلى السبب. (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ... (٧) أي: ليؤمنوا فتغفر لهم، فذكر المسبب الذي هو حظهم؛ ليكون أدل على قبح إعراضهم. (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ) لئلا يسمعوا كلامي. المجعول في الآذان رؤوس الأنامل، وإطلاق الأصابع مجاز مبالغة. (وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ) تغطوا بها لئلا يروني، كراهة منهم لرؤيتي، أو لئلا أعرفهم فأدعوهم إلى الإيمان. والإتيان بصيغة الطلب للمبالغة، كأنهم طلبوا من الثياب أن تغشاهم. (وَأَصَرُّوا) على الكفر، من أصرّ الحمار على الأتان أذنيه يطردها للسفاد، وكفى بهذا التشبيه مزجرة. (وَاسْتَكْبَرُوا) عن اتباع الحق. (اسْتِكْبَارًا) مفرطاً. (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) هذا دأب الناصح الشفوق، ينصح سراً، وإن لم ينجح يعلن بنصحه؛ لكي يساعده من له وعي، ثم يبالغ بالجمع بين السر والجهر. ونصب " جهاراً " على المصدر من غير فعله، أو على الحال. (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) تفسير لدعائه، وكأنهم كانوا يتعللون بما أسرفوا من الذنوب، فوعدهم المغفرة إن أتوا بما يَجُبُّها من الإيمان.

стр. 228

(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) قيل: حبس اللَّه عنهم المطر أربعين ستة، وأعقم أرحام نسائهم، فوعدهم بإعادة الخصب إن تابوا. والسماء: المظلة أو السحاب، وإرسالها: إرسال المطر منها؛ دلالة على كثرته، أو المطر كقوله: إذَا نزلَ السَّمَاءُ بأرْضِ قَومٍ والمدرار. اسم فاعل كثير الدرور كالمضراب، يستوي فيه المذكر والمؤنث.

стр. 229

(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) جمع لهم في الوعد بين منافع الدارين. روي أنَّ رجلاً اشتكى إلى الحسن الجدب، فأمره بالاستغفار، والآخر الفقر، فأمره به، والآخر قلة ريع أرضه فقال: استغفر. فقال الربيع بن صبيح: شكوا إليك أبواباً وسألوك، والجواب واحد؟ فتلا عليه الآية. ولما استسقى عمر في خلافته لم يزد على الاستغفار بها فقيل له في ذلك؟ فقال: " لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر. (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) أي: ما حصل لكم من الصارف حتى لا تكونوا على حالة ترجون من اللَّه تعظيماً؟، و " اللَّه " بيان. كأنه قيل: لمن التعظيم إيانا؟ فقيل: لله. ولو أخّر لكان صلة الوقار، ولا يتوهم ذلك مع التقديم، لأنَّ معمول المصدر لا يتقدم عليه فى الأكثر. والحث على الرجاء كناية عن الحث على الإيمان؛ لانعقاد أسبابه، أو لا تخافون للَّه عظمة، أو حلماً؛ لأنَّ الوقور معظم في النفوس، والحلم لا يفارقه. وتفسيره بالعاقبة كما نقل

стр. 230

عن ابن عباس ﵄ مأخوذ من الوقار بمعنى: الثبات؛ لأن العاقبة حال استقرار الثواب والعقاب. ثم نبههم على النظر في أنفسهم؛ لأنها أقرب منظور بقوله: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) على طريقة الحال. أي: خلقكم تراباً ثم نطفاً، ثم علقاً، ثم مضغاً، ثم لحماً، ثم عظاماً، ثم خلقاً آخر على النظر في الآفاق على وجه التعجيب من تغافلهم بقوله: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) علم ذلك بإخبار القرآن المعجز أو بالأرصاد. والطباق وهو كون بعضها فوق بعض لا يقتضي المماسة. (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ... (١٦) أي: في السماء الدنيا، نُسِبَ إلى الكل؛ لملابسة بينهما. (وَجَعَلَ الشَمْسَ سِرَاجًا) كالسراج في إزاحة ظلمة الليل كقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا). (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) أنشأكم، استعار الإنبات له؛ لأنّه أدلّ على الحدوث والتكون من الأرض. والأصل: أنبتكم فنبتم نباتاً كقولك: كسرته فانكسر. أو نصب بـ أنبتكم؛ لأن الفعل والانفعال واحد حقيقة، والاختلاف بالنسبة إلى القابل والفاعل.

стр. 231

(ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ... (١٨) بعد الموت (وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) لا محالة؛ ولذلك أكده بالمصدر كالأول، إشارة إلى اتحاد الرتبة، وكونهما في قرن. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) مبسوطة تتقلبون عليها تقلب الرجل على فراشه (لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠) طرقاً واسعة، و " مِن "؛ لتضمن الفعل معنى الاتخاذ. (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي ... (٢١) في الأمر بعبادة اللَّه واتقائه بعدما تلوتُ عليهم آيات الآفاق والأنفس. وصرّح باسم نوح؛ لطول الفصل، ولم يعطفه؛ لأنه تفصيل لقوله: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) أي: رؤسائهم المتقدمين بالأموال والأولاد. وأشار إلى أنَّ ذلك -وإن كان في الظاهر سبباً للتقدم- في الحقيقة ليس سبباً إلا للبوار. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة والكسائي " وُلْدَه " جمع ولد، كأُسْد وأسد. (وَمَكَرُوا ... (٢٢) عطف على (مَنْ لَمْ يَزِدْهُ)، والجمع باعتبار معنى " من ". (مَكْرًا كُبَّارًا) غاية في الكبر، بأنواع الأذى، وتسليط السفهاء عليه، أبلغ من الكُبَار مخففاً، وهو من الكبير أبلغ.

стр. 232

(وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ... (٢٣) عبادتها (وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) أفردها بالذكر كأنها كانت كبار آلهتهم وأشرافها. أسماء رجال صالحين، فلما هلكوا وسوس الشيطان إلى قومهم أن صوروا صورهم حتى يتبركوا بها ويبقى تذكرة، فلما انقرضوا أولئك وسوس إلى أولادهم أن آباءكم كانوا يعبدونها، فعبدوها من دون اللَّه. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ " أنَّ هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح ﵇ انتقلت إلى العرب، أما وَدٌّ كَانَتْ بِدومَةِ الْجَنْدَلِ لكلب وسُوَاعٌ كَانت لِهُذَيْلٍ

стр. 233

ويَغوثُ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيفٍ بِالْجُرُفِ ويَعُوقُ لِهَمْدانَ ونَسْر لِحِمْيَرَ لِآلِ الْكَلَاعِ ". (وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ... (٢٤) الضمير للروساء أو للأصنام. كقوله: (رَبِّ إِنَّهنَّ أَضلَلْنَ كَثِيرًا). (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا) اللام للعهد. وهم أولئك الذين آيس من

стр. 234

إيمانهم، والرضاء بكفر العدو مع اسقباحه قصداً إلى زيادة عذابه لا غرو فيه. ألا يُرى قول موسى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ). وقيل: أراد في ترويح مكرهم، أو الضياع، والهلاك. كقوله: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ). (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ ... (٢٥) أي: لأجل خطيئاتهم. و " ما " مزيدة للتوكيد. (أُغْرِقُوا) بالطوفان، وقرأ أبو عمرو: خطاياهم، وهذا أحسن؛ لأنه جمع الكثرة، والأولى تحتاج إلى التأويل. (فَأُدْخِلُوا نَارًا) أي: تعقب الغرق دخول النار من غير تراخ. والمراد: عذاب القبر؛ لأنها روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران. والتنكير؛ للتعظيم أو النوع (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) دون عذابه (أَنْصَارًا) كما كانوا يزعمون النصر من الآلهة. (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) " دياراً " من الألفاظ المستعملة في النفي العام. يقال: " ما في الدار ديار " أي: أحد من الدور، أو من الدار. فيعال قلبت واوه ياء، وأدغمت الأولى، ولو كان فعالاً لكان دوّارا. (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) قال ذلك بعد ما أوحى اللَّه تعالى إليه (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ)، وأيضاً جربهم ألف سنة إلا

стр. 235

خمسين عاماً، وكانوا يتواصون بعدم الإيمان ويقولون لذريتهم: إياكم وهذا الشيخ، ومضى على هذا جيل بعد جيل، والفاجر الكفار للمولود باعتبار المآل. كقوله: " من قتل قتيلاً ". (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ... (٢٨) كان أبوه لمك بن متوشلخ، وأمه شمخاء بنت أنوش. (وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا) أو مسجدي، أو سفينتي. (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) من مضى منهم، ومن هو آتٍ، (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) هلاكاً وبواراً. * * * تمّت سورة نوح، والحمد لمن بيده الخيرات والفتوح، والصلاة على السيد النصوح، وآله وصحبه كل مساء وصبوح. * * *

стр. 236

سورة الجن مكية، ثمان وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ... (١) النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة. والجن: أحد الثقلين، بُعِث إليهم رسول اللَّه ﷺ كما بعث إلى الإنس، فدعاهم إلى اللَّه، منهم من آمن، ومنهم من كفر. وهؤلاء النفر هم الذين سمعوا القرآن من رسول اللَّه ﷺ وهو يصلي الصبح ببطن نخلة كما تقدم في آخر الأحقاف. ولا دلالة فيه على أنه لم ير الجن. وليلة

стр. 237

الجن رواها ابن مسعود ﵁. وروى جابر أن رسول الله ﷺ قال " قرأت سورة الرحمن، فكانوا أحسن مردوداً منكم " والقول بأنها أرواح مجردة، أو نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها، لا يجوز تفسير كلام اللَّه بها، ولم يذهب إليه أحد من أهل الحق، مخالف

стр. 238

للنصوص (فَقَالُوا) بعدما انصرفوا إلى قومهم (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) في أسلوبه ومعناه. وصفه بالمصدر مبالغة. (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ... (٢) إلى الحق. (فَآمَنَّا بِهِ) بما فيه من التوحيد. (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) ولا دلالة فيه على أنهم كانوا مشركين، بل كانوا يهوداً؛ لقولهم: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى). (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا ... (٣) عظمته من جدَّ فلان: عظم، أو غناه، مستعار من الجدِّ بمعنى البخْتِ. والغرض وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد، وقوله: (مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا) بيان لذلك. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: " أَنَّ " المسبوقة بالواو بفتح الهمزة في اثني عشر موضعاً متوالية، والباقون بكسرها، ووافقهم على الفتح في: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) ابن كثير، وأبو عمرو. واتفق الكل على فتح: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ)

стр. 239

والوجه في الفتح: العطف على الهاء في (فَآمَنَّا بِهِ) من غير إعادة الجارّ على المذهب الكوفي، أو على محل الجارّ والمجرور، أو الإيصال بعد الحذف، أو إضمار الجارّ. (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ... (٤) إبليس، أو مردة الجن. (عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) قولاً ذا شطط، وصف بالمصدر مبالغة. والشطط: تجاوز الحدّ. (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) نصب على المصدر؛ لأن الكذب نوع من القول. ولا دلالة فيه على أنهم إلى حين سماع القرآن كانوا مشركين. (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ ... (٦) كان الرجل من العرب إذا نزل بأرض نازحة يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه. (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) فزاد الإنس الجن تكبراً وعتواً باستعاذتهم بهم، أو بالعكس؛ لزيادة إغوائهم الإنس بالاستعاذة. والرهق: غشيان المحارم. وإطلاق الرجل على ذكر الجن؛ للمشاكلة. (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ ... (٧) القائل: الجن بعضهم لبعض. والضمير في " أنهم " للإنس، والعكس لا معنى له؛ لأنَّ السياق في حكاية كلام الجن. وقيل: الآية والتي قبلها من كلام اللَّه جار مجرى الاعتراض، يؤكد ما حدث منهم من تماديهم في الكفر. وقراءة الفتح يؤيد الأول. (أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا) سادّ مسدّ مفعولي (ظَنُّوا). (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ ... (٨) اللمس: المس مجاز عن الطلب؛ لأنَّ اللامس طالب متعرف. والمعنى: طلبنا خبر السماء على ما كنا نفعله قديماً. (فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا)

стр. 240

حُرَّاساً اسم جمع، كخدَم في خدَّام. (شَدِيدًا) أقوياء، أفرده باعتبار اللفظ (وَشُهُبًا) جمع شهاب، وهو الشعلة من النار. (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا ... (٩) من السماء (مَقَاعِدَ) خالية عن الحرَّاس (لِلسَّمْعِ) للاستماع (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) هو كالحَرس، اسم جمع أي: ذوي شهاب راصدين للرجم وهم الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى الراصد صفة للشهاب. كانت الشياطين تسترق السمع قبل بعثة رسول اللَّه ﷺ فترجم بالشهب؛ لقوله تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَيَاطِينِ) ولما روى ابن عباس ﵄: كنا جلوساً عند رسول اللَّه ﷺ فرمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون في هذا في الجاهلية؟ قلنا: كنا نقول: يولد عظيم أو يموت عظيم. وفي لفظ: " مُلِئَتْ " و " مقاعد "؛ إشارة إلى أنَّ ذلك قبل البعثة كان قليلاً، وأما الآن فلا مجال.

стр. 241

(وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ... (١٠) بخراب السماء. (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) أمراً ذا رشد. (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ ... (١١) الأبرار المتقون. (وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ) وهم المقتصدون. (كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا) ذوي مذاهب متفرقة، جمع قدة كقطع وقطعة. وعن أبي معاوية قال: سمعت الأعمش يقول: قلت لجني: فيكم الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. قلت: كيف حال الرافضة؟ قال: هم شرُّنا. (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ ... (١٢) كائنين في الأرض أينما كنا. (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا) هاربين منها إلى السماء، أو إن طلبنا في الأرض لم نَفُتْه، وإن هربنا منه لم نَنْجُ. والظن بمعنى اليقين؛ لكونه كلام الموقنين.

стр. 242

(وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى ... (١٣) القرآن. كانوا كاملي المعرفة حيث جعلوا القرآن نفس الهدى (آمَنَّا بِهِ) من غير توقف (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ) أي: فهو لا يخاف، آثره على لا يَخَفْ؛ لإفادة التقوى والاختصاص كأنه قيل: فهو ناج لا محالة ومختص بذلك. (بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) البخس: النقص، والرهق: القرب من الشيء، ومنه الصبي المراهق. والمعنى: أنَّ المؤمن لاجتنابة البخس وظلم الناس لا يخاف جزاءهما. وكان أصل الكلام: ومن لا يبخس أحداً ولا يرهق ظلمه، فوضع قوله: (فَمَن يُؤْمِنْ) موضعه، إشارة إلى أنَّ حقّ المؤمن وشأنه أن يكون كذلك، أو المعنى: أن المومن لا يخاف نقصان جزائه، ولا أن ترهقه ذلة، وغير المؤمن كل ما فيه عين البخس، لا بخس حقّ. (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ... (١٤) الجائرون عن طريق الحقّ (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) وأيّ رشد. (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) توقد بهم كما توقد بكفار الإنس. (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ ... (١٦) عطف على (أَنَّهُ اسْتَمَعَ) من كلام اللَّه الموحى إليه. و " أن " مخففة، حذف منها ضمير الشأن. والضمير للإنس، أو للجن، أو لهما. والطريقة: التوحيد والإسلام. (لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) لوسّعنا عليهم الرزق وتخصيص الماء؛ لعزّة وجوده في أرض العرب، ولأنه أصل سائر الأقوات والثمار. والغدق: الكثير. (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ... (١٧) لنبتليهم في ذلك التوسيع أيشكرون أم يكفرون. وقيل: لو استقاموا على ما كانوا عليه ولم يؤمنوا لوسعنا عليهم الرزق استدراجاً. (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ

стр. 243

(ذِكْرِ رَبِّهِ) عن عبادته؛ لأنَّ الغرض منها ذكر المعبود (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) أي: في عذاب. كقوله: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ) أو ضمن معنى يُدخِله. والصعد: مصدر صعد. وصف به؛ مبالغة في علوِّه على المعذب. كقوله: (تَطلِعُ عَلَى الْأَفْئدَة) وقرأ غير الكوفيين بالنون؛ مبالغة أي: موافقة (لَأَسْقَينَاهُمْ). (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ... (١٨) من الموحى إليه، ليس من كلام الجني. (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) خطاب للجني. كأنه قيل: قل لمشركي مكة أوحي إليَّ كذا وأن أقول للجن كذا، وفي ضمن الحكاية إثبات الحكم للمشركين أيضاً. ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين، أو عاماً للإنس والجن. وعن سيبويه والخليل: " ولأنَّ المساجد للَّه " (فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) والوجه فيه: أن يكون كلاماً مستطرداً عقيب وعيدِ المعرِضِ. وعن الحسن: المساجد: الأرض كلها؛ لقوله ﷺ : " جعلت لي الأرض مسجداً ". وقيل: المسجد الحرام، لأنه قبلة

стр. 244

المساجد، فالجمع للتعظيم. وقيل: أعضاء السجود وهي سبعة: الرجلان، والركبتان، واليدان، والجبهة، والأنف. وهذا أوجه؛ لأن فيه تذكيراً لكونه المنعم بها، وأن الحكمة في خلقها خدمة المعبود، والتعبير بالمساجد للَّه؛ إشارة إلى ما خلقت له، (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) أي: لما سمع الجن تلاوة رسول اللَّه ﷺ بنخلة، كاد أن يدخل بعضهم في بعض من الازدحام عليه؛ حرصاً على السماع منه كلّ شيء. ألصقته إلى آخرٍ فقد لبدته، أو قال الجن لقومهم: (لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ) كاد أصحابه أن يكونوا عليه لبداً من شدّة طواعيتهم. وعن الحسن: " كادت العرب تلبّد عليه لمّا قال: لا إله إلا اللَّه ". وعن قتادة: " كادت الإنس والجنَّ تلبّد عليه وعلى إطفاء نوره ". ثم الوجه على قراءة الكسر: أن يكون استئنافاً ابتداء قصة لبيان حال الرسول مع المشركين، كأنه قال له: قل أوحي إليَّ من حال الجن، وإيمان بعضهم وكفرِ آخرين. وفي ذلك حثٌّ للسامعين على الإيمان ولطف بهم، ثم ابتدأ بقوله: أنه لمّا قام عبد اللَّه يدعوه ويوحده، كاد الفريقان يكونون عليه لبداً عناداً، أو رَوْمًا لإطفاء نوره، مع ما تلا عليهم من الآيات الباهرة والدلائل النيرة. والظاهر لما قمت تدعوه، فالعدول إلى المُظْهَر وإيثار عبد اللَّه على الرسول والنبي، لأنه واقع في كلامه، فيؤديه على ما يقتضيه التواضع. أو أشار تعالى إلى أنَّ

стр. 245

[العبادة من العبد لا تستبعد، فما لهم ينكرون ذلك؟، فنقل كلامه تعالى؛ إخفاء لنفسه عن البين، إذ لا اعتداد بالأثر بعد العين]. وقرأ هشام في وجه " لُبداً " بضم اللام؛ جمع لِبْدَة كقِرْبة وقُرَب، والكسر جمع لِبَد أخفّ. (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) فما للإنكار وجه على من يعبد ربه. وقرأ عاصم وحمزة: " قال " على منوال " قام "، وعليه رسم الإمام، وهذا أبلغ في مدحه، لقيامة بالجواب من غير تعلم. (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) أي: نفعاً، أو غياً ولا رشداً. عبّر عن أحدهما باسمه، وعن الآخر باسم سببه، أو مسببه؛ إشعاراً بالمعنيين. (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ... (٢٢) جملة معترضة؛ لبيان عجزه، وتأكيد نفي الاستطاعة، فكيف يقدر من هذا شأنه على نفع أحدٍ أو ضرِّه. (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) ملاذاً وملتجأً، من اللحد وهو الميل. (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ ... (٢٣) كائناً منه. استثناء متصل. أي: قل: لا أملك شيئاً إلا بلاغاً، وإن فسِّر بـ " لا أملك أن أَقسركم على الغي والرشد " كان منقطعاً، أو من باب: وَلا عَيبَ فيهِم غَيرَ أَنَّ سُيوفَهُم.

стр. 246

(وَرِسَالَاتِهِ) عطف على " بلاغاً " بتقدير مضمر، أي: بلاغ رسالاته. والأصل: إلا بلاغ رسالات اللَّه، والعدول إلى المنزل بذكر البلاغ مرتين مبالغة؛ لأن كونه من اللَّه، وكونه بلاغ رسالاته مما يقتضي التشمر له (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ولم يطع أمرهما بالتوحيد. (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) لا محالة (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) جمعه على اعتبار الجمع في " من ". (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ... (٢٤) غاية لقوله " يكونون عليه لبداً " إن فسّر بالتلبد على العداوة، وإلا فلمقدّرٍ أي: لا يزالون يستضعفون حاله ويستقلون عدده، حتى إذا رأوا يوم بدرٍ أو يوم القيامة تبيّن لهم من المستضعف. دلّ عليه جواب " إذا " و " ما " قبله؛ لأنَّ السورة من فاتحتها تعريف بمشركي مكة، وتعيير لهم؛ لقصور نظرهم عن الجن، وفرط تمرّدهم، حيث بادهوا بالتكذيب بدل مبادهة الجنَّ بالتصديق. (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) هو، أو هُم. (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ ... (٢٥) جواب قولهم: متى يكون هذا الوعد. (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) أي: هو كائن لا محالة، ولا علم لي بوقته. والأمد: يطلق على القريب والبعيد، وأريد به الثاني بقرينة المقام كأنه قال. لا أدري أيقع في الحال وعن قريب، أو ضرب له أمد بعيد؟.

стр. 247

(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) أي: هو عالم الغيوب كلها، ولا يطلع على غيبه المختص به، وهو ما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله. (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧) ملكي أو بشري، فإنه يطلعه على ما يشاء من ذلك. ولا دلالة في هذا على أن غير ذلك المختص لا يطلع عليه غير الرسول، ولا يجوز حمله على العموم؛ لاستلزامه أن يكون " رسول " مطلعاً على جميع المغيبات. ولا دلالة في الآية على بطلان الكهانة والتنجيم، ولا أن كرامات الأولياء يكون تلقياً من الملائكة، ولا تخصيص الرسول بالملك. على أنَّ قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) أي: ملائكة يحفظونه من تخاليط الشياطين ظاهر في أنَّ المراد بالغيب: ما هو بطريق الوحي. (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ... (٢٨) علة لقوله: (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) أي: ليتعلق علمه تعالى بإبلاغ الرسل ما أوحي إليهم؛ صانهم عن تخاليط الشياطين، أو ليعلم الرسول أن قد أبلغ جبرائيل والملائكة النازلون. (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) لدى الرسل من الشرائع والأحكام (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) كلّ ما دخل في الوجود في أي عالم كان، ومن هذا شأنه كيف يخفى عليه خافية؟ وكيف لا يحيط بما لدى الرسل؟. * * * تمَّت سورة الجان، والحمد للمنان، والصلاة على خلاصة الإنسان، وآله وصحبه إلى انصرام الزمان. * * *

стр. 248

سورة المزمل مكية، وهي [عشرون آية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) أي: المتزمل وهو المتلفف في ثيابه، أدغمت التاء في الزاء. روى أبو بكر البزار عن جابر: أنَّ مشركي مكة لما اختلفوا، شاعر أو ساحر أو كاهن أو مجنون، تزمّل في ثيابه في بيته حزيناً. فأتاه جبرائيل وقال: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) آمراً له بأن ينهض إلى القيام في عبادة ربّه في أشرف الأوقات، وهو الليل الخالي عن الشواغل. وفيه من لطيف العتاب الممزوج بالرأفة، لينشط ويستعدّ لتلقي ما يأتي من قوله: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) وما قيل: " إنه كان متزملاً في مرط لعائشة نصفه عليه، ونصف آخر على عائشة

стр. 249

رضي اللَّه عنها " لا وجه له، إذ السورة من أوائل القرآن نزولاً، وعائشة لم تكن موجودة فضلاً عن كونها عنده. وكذا القول. بأنه أول ما أتاه جبرائيل أتى خديجة وقال: " زملوني " فبينا هو كذلك إذ ناداه جبرائيل فناداه: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) بل كان هذا بعد فترة الوحي، " لما رأي جبرائيل قاعداً على كرسي بين السماء والأرض، فرجع إلى خديجة فنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ". (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ ... (٣) بدل من الليل، و (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، أي: قم أقل من النصف على البتّ. (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ... (٤) أنقص النصف أو زد، على التخيير، ولما كان الأقل هو الأصل كرّر، كقولك: أكرم زيداً، أو إما زيداً وإما عمراً. فإن قلت: إذا كان التخيير بين الأقل من النصف على البتِّ، وبين أحد الأمرين النقصان على النصف والزيادة عليه، فقد خرج النصف عن الأقسام، وقراءة الكوفيين وابن كثير: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ

стр. 250

(أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ) بنصبه تدلّ على أنه كان يقوم تارة نصف الليل. قلت: الضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للنصف، وإذا جاز له الزيادة على النصف فقد جاز له النصف، لا أنه إذا جاز له الأقل جاز له النصف ليلزم استدراك ذكر الزيادة. أَو. (نِصْفَهُ) بدل من (قَلِيلًا) فالتخيير بين أمور ثلاثة: قيام النصف بتمامه، وقيام الناقص منه، وقيام الزائد عليه. وعلى هذا وصف النصف بالقلة بالنظر إلى الكل. وفيه إشارة إلى أنَّ النصف المعمور بالعبادة وذكر اللَّه تعالى جلّ الليل، والنصف الخالي عنه نزر قليل وإن ساواه كمًّا. ويجوز أن يكون الضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للأقلّ من النصف كالثلث، والتخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والزائد عليه كالنصف. وعن الأخفش: " (نِصْفَهُ) عطف على (الليْلَ) بمقدّر أي. قم الليل إلا قليلاً، أو قم نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه ". فالتخيير بين أربعة أمور. روى مسلم عن عائشة ﵂: " أن قيام الليل كان فرضاً بأول هذه السورة فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت وجوههم، فنسخه آخر السورة فصار تطوعاً ". وعن ابن جبير: نسخ بعد عشر سنين. وقيل: نسخ عن الأمة
следующие страницы →