← Тафсир

Тафсир · id 95562

غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (458 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

(وَرِسَالَاتِهِ) عطف على " بلاغاً " بتقدير مضمر، أي: بلاغ رسالاته. والأصل: إلا بلاغ رسالات اللَّه، والعدول إلى المنزل بذكر البلاغ مرتين مبالغة؛ لأن كونه من اللَّه، وكونه بلاغ رسالاته مما يقتضي التشمر له (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ولم يطع أمرهما بالتوحيد. (فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) لا محالة (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) جمعه على اعتبار الجمع في " من ". (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ ... (٢٤) غاية لقوله " يكونون عليه لبداً " إن فسّر بالتلبد على العداوة، وإلا فلمقدّرٍ أي: لا يزالون يستضعفون حاله ويستقلون عدده، حتى إذا رأوا يوم بدرٍ أو يوم القيامة تبيّن لهم من المستضعف. دلّ عليه جواب " إذا " و " ما " قبله؛ لأنَّ السورة من فاتحتها تعريف بمشركي مكة، وتعيير لهم؛ لقصور نظرهم عن الجن، وفرط تمرّدهم، حيث بادهوا بالتكذيب بدل مبادهة الجنَّ بالتصديق. (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا) هو، أو هُم. (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ ... (٢٥) جواب قولهم: متى يكون هذا الوعد. (أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) أي: هو كائن لا محالة، ولا علم لي بوقته. والأمد: يطلق على القريب والبعيد، وأريد به الثاني بقرينة المقام كأنه قال. لا أدري أيقع في الحال وعن قريب، أو ضرب له أمد بعيد؟.

стр. 247

(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) أي: هو عالم الغيوب كلها، ولا يطلع على غيبه المختص به، وهو ما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله. (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧) ملكي أو بشري، فإنه يطلعه على ما يشاء من ذلك. ولا دلالة في هذا على أن غير ذلك المختص لا يطلع عليه غير الرسول، ولا يجوز حمله على العموم؛ لاستلزامه أن يكون " رسول " مطلعاً على جميع المغيبات. ولا دلالة في الآية على بطلان الكهانة والتنجيم، ولا أن كرامات الأولياء يكون تلقياً من الملائكة، ولا تخصيص الرسول بالملك. على أنَّ قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) أي: ملائكة يحفظونه من تخاليط الشياطين ظاهر في أنَّ المراد بالغيب: ما هو بطريق الوحي. (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ... (٢٨) علة لقوله: (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) أي: ليتعلق علمه تعالى بإبلاغ الرسل ما أوحي إليهم؛ صانهم عن تخاليط الشياطين، أو ليعلم الرسول أن قد أبلغ جبرائيل والملائكة النازلون. (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) لدى الرسل من الشرائع والأحكام (وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) كلّ ما دخل في الوجود في أي عالم كان، ومن هذا شأنه كيف يخفى عليه خافية؟ وكيف لا يحيط بما لدى الرسل؟. * * * تمَّت سورة الجان، والحمد للمنان، والصلاة على خلاصة الإنسان، وآله وصحبه إلى انصرام الزمان. * * *

стр. 248

سورة المزمل مكية، وهي [عشرون آية] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) أي: المتزمل وهو المتلفف في ثيابه، أدغمت التاء في الزاء. روى أبو بكر البزار عن جابر: أنَّ مشركي مكة لما اختلفوا، شاعر أو ساحر أو كاهن أو مجنون، تزمّل في ثيابه في بيته حزيناً. فأتاه جبرائيل وقال: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) آمراً له بأن ينهض إلى القيام في عبادة ربّه في أشرف الأوقات، وهو الليل الخالي عن الشواغل. وفيه من لطيف العتاب الممزوج بالرأفة، لينشط ويستعدّ لتلقي ما يأتي من قوله: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) وما قيل: " إنه كان متزملاً في مرط لعائشة نصفه عليه، ونصف آخر على عائشة

стр. 249

رضي اللَّه عنها " لا وجه له، إذ السورة من أوائل القرآن نزولاً، وعائشة لم تكن موجودة فضلاً عن كونها عنده. وكذا القول. بأنه أول ما أتاه جبرائيل أتى خديجة وقال: " زملوني " فبينا هو كذلك إذ ناداه جبرائيل فناداه: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) بل كان هذا بعد فترة الوحي، " لما رأي جبرائيل قاعداً على كرسي بين السماء والأرض، فرجع إلى خديجة فنزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ". (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ ... (٣) بدل من الليل، و (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، أي: قم أقل من النصف على البتّ. (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ... (٤) أنقص النصف أو زد، على التخيير، ولما كان الأقل هو الأصل كرّر، كقولك: أكرم زيداً، أو إما زيداً وإما عمراً. فإن قلت: إذا كان التخيير بين الأقل من النصف على البتِّ، وبين أحد الأمرين النقصان على النصف والزيادة عليه، فقد خرج النصف عن الأقسام، وقراءة الكوفيين وابن كثير: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ

стр. 250

(أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ) بنصبه تدلّ على أنه كان يقوم تارة نصف الليل. قلت: الضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للنصف، وإذا جاز له الزيادة على النصف فقد جاز له النصف، لا أنه إذا جاز له الأقل جاز له النصف ليلزم استدراك ذكر الزيادة. أَو. (نِصْفَهُ) بدل من (قَلِيلًا) فالتخيير بين أمور ثلاثة: قيام النصف بتمامه، وقيام الناقص منه، وقيام الزائد عليه. وعلى هذا وصف النصف بالقلة بالنظر إلى الكل. وفيه إشارة إلى أنَّ النصف المعمور بالعبادة وذكر اللَّه تعالى جلّ الليل، والنصف الخالي عنه نزر قليل وإن ساواه كمًّا. ويجوز أن يكون الضمير في (مِنْهُ) و (عَلَيْهِ) للأقلّ من النصف كالثلث، والتخيير بينه وبين الأقل منه كالربع، والزائد عليه كالنصف. وعن الأخفش: " (نِصْفَهُ) عطف على (الليْلَ) بمقدّر أي. قم الليل إلا قليلاً، أو قم نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه ". فالتخيير بين أربعة أمور. روى مسلم عن عائشة ﵂: " أن قيام الليل كان فرضاً بأول هذه السورة فقام رسول اللَّه ﷺ وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت وجوههم، فنسخه آخر السورة فصار تطوعاً ". وعن ابن جبير: نسخ بعد عشر سنين. وقيل: نسخ عن الأمة

стр. 251

فقط. (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) اقرأه على مهل وتؤدة لتتمكن من التأمل والتدبر في دقائقه وحكمه، فيكون قيامك في الليل الذي هو أشرف الأوقات على أكمل الأحوال. شبه القراءة المتصلة بالثغر المرتل، وهو المُفَلَّج الشبيه بالأُقْحُوَان. (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) اعتراض دل به على أن قيام الليل من التكاليف الشاقة التي ورد بها القرآن، لأن الليل محل الراحة، فإحياؤه بالعبادة مضاد للطبع، وفيه إيقاظ له على التشمر لتحمله، وتوطن النفس على المكابدة في تبليغه وتحميله. روى البخاري عن عائشة ﵂: " رأيته في اليوم الشديد البرد ينزل عليه الوحي، وإن جبينه ليتصفد عرقاً ". وقيل: ثقيل في الميزان، أو على الكفار، أو على المتأمل؛ لافتقاره إلى إتعاب القريحة في استنباط معانيه، أو ثقيل تلاوته على الوجه المنزل؛ ولذلك خفف عن هذه الأمة

стр. 252

بالقراءة على سبعة أحرف، أو على الراسخين؛ لاشتماله على المحكم، والمتشابه، والناسخ، والمنسوخ. وعلى الأوجه: الجملة تعليل للأمر بقيام الليل؛ لأنه يعد للنفس ما به يعالج ذلك الثقل. (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ ... (٦) قيامه، مصدر نشأ، قام بالحبشية. وقيل: ساعاته؛ لأنها تحدث واحدة إثر أخرى. وقيل: النفس التي تنشأ عن المضجع وترتفع، من نشأت السحابة، ارتفعت. عن ابن عباس ﵄: " أول الليل ". وعن ابن عمر ﵄: " من العشاء إلى الصبح، أيّ وقت كان ". وعن علي، والحسن ﵄: " بين العشائين "، وعن عائشة ومجاهد ﵄: " الصَّلاة بعد النوم " وهو الأصوب، لمداومة رسول اللَّه ﷺ على القيام بعد النوم، ولقوله: (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) أي: موافقة للحواس مع القلب على التوجه لعدم الشاغل. وعن الفراء: " أشق وأكثر علاجاً لترك الراحة ". وعن الأخفش: " أثبت قياماً ". وقرأ

стр. 253

الكوفيون ونافع وابن كثير " وَطْئاً " بفتح الواو وسكون الطاء من وطأهم وطئأ: ثقل عليهم، ومن قوله ﷺ : " اللَّهم اشدد وطأتك على مضر "، والمد أحسن وأوفق بقوله: (وَأَقْوَمُ قِيلًا) أي: أصح قراءة؛ لهدوء الأصوات، وعدم الخواطر والالتفاتات. (إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) فراغاً، أو منقلباً في معاشك، فتوفر بالليل من عبادة ربك، مستعار من سبح الفرس وهو: مد اليدين في الجري، والطول ترشيح. (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ... (٨) دم على ذكره في كل الأوقات، واستغرق في ملاحظة المذكور؛ لتحظى بالزلفى والقرب عنده. (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) وانفصل بالكلية عن الدنيا، أو عن وجودك؛ لتبقى بوجوده الباقي. ولما كان المطاوع والمطاوَع واحداً في الخارج ذكر التبتيل موضع التبتل؛ مراعاة للفاصلة، وقيل: لأن معنى تبتل: بتل نفسك. (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ... (٩) مبتدأ وخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، و (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) خبر آخر. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة (ربِّ) بالجرّ بدلاً من (رَبِّك). وعن ابن عباس ﵄ جرّ بإضمار حرف القسم جوابه: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).

стр. 254

(فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) متفرع على التوحيد. أي: إذا انفرد بالألوهية فاجعل أمورك موكولة إليه، أو اجعله كفيلاً ينصرك. (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ... (١٠) فيك وفيما أنزل إليك. (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) أعرض عنهم وجانب من غير مقاولة ولا مقاتلة، نسخت بآية السيف. (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ ... (١١) فأنا كافيك أمرهم. كلام من يكون واثقاً بالوفاء، متمكناً منه أقصى التمكن؛ ولذلك أبرزه في صورة المنع عن الاستكفاء. (أُولِي النَّعْمَةِ) التنعم، وبالكسر: الإنعام، وبالضم: المسرَّة. يريد المترفين من صناديد قريش، المغترين بالحطام، المانعين أتباعهم عن الدخول في الإسلام. (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) إمهالاً قليلاً، أو زماناً قليلًا. (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا ... (١٢) جمع نكل: القيد الثقيل (وَجَحِيمًا) ناراً شديدة الحر والاتقاد. (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ ... (١٣) آخذ بالحلق، بشيع لا يسوغ (وَعَذَابًا أَلِيمًا) نوعاً آخر لا يعرف كنهه إلا اللَّه. (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ... (١٤) تضطرب وتتزلزل. منصوب بما في (لَدَينَا) من معنى الفعل (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) رملاً مجتمعاً من غير مقدار ومقياس، من هلت الدقيق: إذا أرسلته من غير كيل. (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ ... (١٥) الخطاب للمكذبين. التفات حسن الموقع (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) أي: عصيتموه كما عصاه فرعون ولم يسمه؛ لأن الغرض عصيان الرسول كائناً من كان.

стр. 255

(فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ... (١٦) أعاده معرفة؛ لتقدم ذكره. ولا يخفى أن تشبيه عصيانهم بعصيان فرعون ينبئ عن فرط عتو، وزاد لهذا الرسول كونه شاهداً عليهم؛ ليكون عصيانه أبلغ في الذم، وأشار به إلى أنهم لو آمنوا به كان شاهدًا لهم لا عليهم. (فَأَخَذْنَاهُ) في الدنيا. (أَخْذًا وَبِيلًا) ثقيلاً، ومنه الوابل للمطر العظيم القطر، أصله الوخامة يقال: مرعى وبيل. (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا ... (١٧) مفعول به. أي: هب أنكم لا تؤاخَذون في الدنيا أخذة فرعون، فكيف تتقون أنفسكم هول يوم (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) كناية عن شدته، إذ عند تفاقم المصائب يسرع الشيب. قال أبو الطيب: وَالهَمُّ يَختَرِمُ الجَسيمَ نَحافَةً ... وَيُشيب ناصيَةَ الصَبِيِّ وَيُهرِمُ أو عن طوله. وفي إيثار (إنْ) مع القطع بوجود الكفر واستمراره منهم؛ إشارة إلى أن وجود الكفر مع هذا الرسول الذي هو النور المبين ينبغي أن يكون على الفرض والتقدير. أو المعنى: فكيف تتقون اللَّه في ذلك اليوم بعد فوات الوقت؟ ففيه حث على الإقلاع قبل أن لا ينفع الندم. أو فكيف يرجى منكم التقوى وأنتم جاحدون ذلك اليوم والمجازاة فيه. (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ ... (١٨) منشق. والتذكر باعتبار السقف. (بِهِ) أي: بذلك اليوم؛ لشدته وهوله. (كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) لا محالة. الضمير للَّه، أو لليوم على إضافة المصدر إلى المفعول.

стр. 256

(إِنَّ هَذِهِ ... (١٩) الآيات. (تَذْكِرَةٌ) موعظة؛ لجلائها. (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) موصلاً إليه. (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ... (٢٠) لما نزل أول السورة كان الرجل يحتاط في تقدير الأوقات، ولا يدري متى الثلث والنصف والثلثان، فشق ذلك عليهم فنزلت. واستعار الأدنى وهو الأقرب للأقل؛ لأن المسافة بين الشيئين إذا قربت قلت الأحيان. وقرأ الكوفيون " نصفَه وثلثَه " بالنصب عطفاً على " أدنى "، وهو المختار؛ لدلالته على أنهم قاموا بأفضل ما وقع فيه التخيير، وهو الأجدر بجلالة منصبه - على ذاته أفضل الصلاة -. وقرأ هشام بإسكان لام (ثلْثه) تخفيفاً. (وَطَائِفَة مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) من أصحابك. (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) لا يعلم تقدير ساعاتهما وضبط مقدارها غيره. (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) أي: تقدير الأوقات؛ لاختصاص ذلك به تعالى. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) رفع عنكم ما كان تركه معصية. (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) في صلاة الليل، أو أي وقت كان. أمر ندب. (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى) استئناف لبيان حكمة أخرى أقوى من الأولى، يقتضي الترخيص؛ ولذلك كرر الحكم مرتباً عليه. (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) الضرب في الأرض لابتغاء فضل اللَّه: المسافرة للتجارة. (وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إخبار في يكون مستقبلاً بالإعجاز؛ لأن الآية مكية. وتسويته بين الضارب في الأرض للتجارة، والمجاهدة في سبيل اللَّه دلت على أن طلب الرزق إذا قرن بالنية الصالحة له مكان عند اللَّه، كيف وقد قدمه على المجاهدة؟!؛ ولذلك روي عن عبد اللَّه بن عمر ﵄: " ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل اللَّه أحبّ إليَّ من أن أموت بين

стр. 257

شعبتي رحل أضرب في الأرض ابتغاء فضل اللَّه ". (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) المفروضة. فرضت ليلة الإسراء بمكة، بعد خمس من البعثة على الأصح. (وَآتُوا الزَّكَاةَ) قدراً من المال كان فرضاً بمكة، وتقرر المقادير بالمدينة. (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا) أنفقوا في سبيله على وجه الإخلاص. يتناول المفروض والمسنون، بل سائر أعمال البر، بدنية ومالية. (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) من تأخير إلى حين الموت والوصية به؛ لقوله ﷺ : " الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيع ترجو الغنى وتحشى الفقر، ولا تدع أن يبلغ الحلقوم ثم تقول: لفلان كذا لفلان كذا ". وعن الزجاج: " خيرًا من متاع الدنيا " ويرده: (وَأَعظَمَ أَجْرًا). (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) لما فرط منكم؛ لأن الاستقامة متعذرة، أو متعسرة. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) للذنوب (رَحِيمٌ) يجعل مكانها الحسنات. * * * تمت سورة المزمل، والحمد للرحيم المتفضل، والصلاة على الكامل المكمل. * * *

стр. 258

سورة المدثر مكية، ست وخمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) ما يلي الجلد من الثياب يسمى شعاراً، وما فوقه دثاراً. ومنه قوله ﷺ : " النَّاس دِثَار والأَنْصَارُ شِعَارٌ ". وأول هذه السورة أول ما نزل بعد فترة الوحي؛ لما روى مسلم والبخاري عن جابر أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يحدث عن فترة الوحي: " فَبَيْنا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذا الْمَلَكُ الذي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ فَجُئثْت مِنهُ حَتى هَوَيتُ إِلَى الأَرْضِ فَجئْتُ أَهْلي فَقُلْت زمِّلُوني " فأنزل اللَّه (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * .... فَاهْجُر) ولم يقع ذكر حراء في بعض المرويات، فظن أنها أول سورة نزلت، وفي رواية عن ابن

стр. 259

عباس ﵄: أن قريشاً لما قالت في رسول اللَّه ﷺ شاعر، وقال بعضهم ساحر تدثر في ثيابه حزيناً فأنزل اللَّه (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) ولا منافاة بينهما؛ لإمكان وقوع الأمرين معاً، فأول (اقرأ) كان نبوة، وأول هذه كان إرسالاً. (قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) أي: قومك؛ لقوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، أو افعل الإنذار، وهذا أبلغ. (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) صفه بالكبرياء وحده. وقيل: لما نزلت كبر رسول اللَّه ﷺ وكبرت خديجة وأيقنت أنه الوحي، إذ الشيطان لا يأمر بالتكبير، وحمله على تكبير الصلاة بعيد. (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) قصّرها، وهذا أول ما أمر به من مخالفة قومه، فإنهم كانوا يجرّون الثياب على الأرض خيلاء، أو طهرها من النجاسة؛ لأنه الواجب في الصلاة والأحب في غيرها، أو أخلاقك عما يدنسها من الرذائل. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) هو العذاب؛ لقوله: (لَئِنْ كَشَفتَ عَنَّا الرِّجْزَ) أريد به ما يؤدي إليه أي: دم على ترك الأوثان، وهجران الآثام. والفاءات أجوبة للشرط كأنه قيل: ومهما يكن فكذا. وقرأ حفص بضم الراء، وهما لغتان، والكسر أشهر.

стр. 260

(وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) لا تعطي شيئاً حال كونك تعده كثيراً؛ لاحتقار متاع الدنيا وإن جلَّ. وقيل: لا تعط مستغزراً أي: طامعاً أن تُعَوَّضَ أكثر مما بذلت. وهو من خواصه؛ لقوله ﷺ : " المستغزر يثاب من هبته "، أو نهي تتزيه. (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) لوجهه، وانقياداً لأمره. استعمل الصبر في مشاق التبليغ، وأذى الكفار. (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) نفخ في الصور، سمي ناقوراً؛ لما روى: أن فيه بعدد كل روح نقرة. بناء مبالغة كالكابوس، والفاء للسببية أي: اصبر على أذاهم إلى زمان تلقى فيه عاقبة صبرك، ويلقون فيه عاقبة ضرهم. والعامل في " إذا " ما دلّ عليه قوله: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ ... (١٠) " ذَلِكَ " مبتدأ، و " يَوْمٌ عَسِيرٌ " خبره، و " يَوْمَئِذٍ " ظرف أَي: فذلك الوقوع وقوع يوم، فالزمان ليس مظروف الزمان. ويجوز أن يكون " يَوْمَئِذٍ " مرفوع المحل من " ذلك ". (غَيْرُ يَسِيرٍ) فائدته التعريف بحال للمؤمنين، وأنها

стр. 261

تضاد حال الكفرة، كما في قوله: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) وفي ذلك زيادة غيظ لهم. أو (عَسيرٌ) حالاً ومآلاً، بخلاف عسر الدنيا فإنه سريع التبدل. (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) أطبقوا على أنه [الوليد] بن المغيرة المخزومي. حال من الفاعل أي: دعني وحدي معه في الانتقام ففيّ كفالة إذ خلقته وحدي لم يشاركني أحده في خلقه. والأحسن جعله حالاً من المفعول أي: خلقته منفرداً عن المال؛ لقوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، ولقوله: (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) مبسوطاً من كل نوع. كان صاحب الضرع والزرع والذرع. قيل: كان له بستان في الطائف لا ينقطع ثماره صيفاً وشتاءً وكان يملك ألف ألف. (وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) معه المجالس والمحافل، وله بهم أبهة ورونق، أو شهوداً عنده لعدم تردادهم في أسباب المعاش استغناء بالخدم، فهو يتمتع بهم ليلاً ونهاراً. قيل. كانوا عشرة، وقيل: ثلاثة عسر، وقيل: سبعة. (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) من سائر أسباب الرئاسة والجاه العريض. (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) له. كان يقول: " إن كان محمد صادقاً، فالجنة لي ". أو يطلب أن أزيد له في الدنيا فوق ما هو فيه. (كَلَّا ... (١٦) ردع له، وعلله بقوله: (إِنَّهُ

стр. 262

كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) كافراً مكابراً من غير شبهة، وذلك موجب لزوال النعمة فكيف يجعله سبب الزيادة؟. قيل: بعد نزول هذه الآية لم يزل في نقصان حتى ذهب إلى سقر. قيل: أسلم من أولاده خالد، وعمارة، والوليد، ولم يصح إلا إسلام خالد، أما عمارة قتل يوم بدر، أو قتله النجاشي لما أرسله قريش مع عمرو بن العاص بعد بدر؛ لخيانة نسبت إليه، والوليد مختلف فيه. (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) أكلفه مشقًّا عليه طلوعه في جبل من النار طوله سبعون خريفاً، إذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت. وعن ابن عباس ﵄: هو حجرة في جهنم " وقيل. هو مثل لما يلقى في الشدة. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) بدل، أو بيان لقوله: (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا)، أو تعليل لإرهاقه صعوداً؛ لإبعاده في التفكير، وعوضه على نيل ما يقدح به في كلام رب العزة.

стр. 263

(فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) تعجب من فساد تقديره. كقوله: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)، أو ثناء عليه تهكماً نحو: " قاتله اللَّه ما أشجعه "، أو حكاية ما قالوه لما سمعوا كلمته الحمقاء. (ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) تعجيب أبلغ من الأول؛ لأنه صدر عن رؤية، بخلاف الأول فإنه نشأ عن النظرة الأولى وهي حمقاء. وفي هذا الترقي غاية تهكم به وبمن اغتر بما تفوه به. (ثُمَّ نَظَرَ (٢١) في أمر القرآن، أو في وجوه الناس. (ثُمَّ عَبَسَ ... (٢٢) قطب وجهه لما لم يجد طعناً شافياً. (وَبَسَرَ) وكلح، من البسور وهو: الكلوح، من توابع عبس، أو من يسر الرجل: طلب الحاجة في غير موضعها حيرة. (ثُمَّ أَدْبَرَ ... (٢٣) عن الحق (وَاسْتَكْبَرَ) عن اتباعه. (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) يروى ويتعلم. والفاء، للدلالة على أنه لما ظفر بها لم يتمالك. (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) من أساطير الأولين، لم يدخل العاطف؛ لأنه تأكيد للأول أو بيان. عن ابن عباس ﵄: لما سمع الوليد القرآن، قيل: سمع " حم السجدة " يتلوه رسول اللَّه قال: " إن له حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه

стр. 264

ليعلو ولا يعلى ". فلما سمعوه قالوا لابن أخيه أبي جهل صبأ الوليد، فجاء وجلس إليه ولامه على ما بدا منه، فقال: فماذا أقول؟! .. واللَّه ما منكم أعلم بالأشعار مني، أعلم رجزه، وقصيده، وأعلم أشعار الجن، ولا يشبه شيئاً من ذلك، فقال: لا يرضى قومك حتى تقول فيه، ففكر وقدر (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ). (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) بدل من " سأرهقه صعودًا ". (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي ... (٢٨) سالماً. (وَلَا تَذَرُ) ولا تدعه بعد إحراقه وإعدامه. أو لا تبقي شيئاً من الأشياء ولا تذر كهذه النيران، بل تهلك كل رطب ويابس. وهذا أوجه وألصق بقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) المسوق للتهويل. (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) مسوِّدة أعالي الجلد كاللمل البهيم. من لوّحته الشمس: غيرته وسفعته. وعن الحسن لواحة للبشر شديدة الظهور. كقوله: (لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ).

стр. 265

(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) يلي أمرها تسعة عشر ملكاً. وقيل: صنفاً، أو صفاً، أو نقيباً. (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ... (٣١) لأنهم خلاف جنس المعذب من الجن والإنس، فلا تأخذهم رأفة؛ لعدم رقة الجنسية، ولأنهم أطوع خلق اللَّه لتنفيذ أوامره وأشد غضباً له، وأقواهم. عن عمرو بن دينار ﵁: " إنَ وَاحِداً مِنْهم يَدفَعُ بِالدفْعَة الوَاحِدَة في جَهَنَّم أَكثر مِنْ رَبِيعَة ومضَر ". وروي مرفوعاً: " إنَ لَأَحدهم قُوَّةَ الثقَلَيْن يَسوقُ أمة إلى النار على عَاتِقِهِ جَبَل، فإذا أَلْقَاهُم في النار أَلْقَى الجَبَل وَرَاءهم ". (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) لما سمع أبو جهل تسعة عشر قال: " ثكلتكم أمهاتكم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطش بواحد منهم؟!. فقال أبو الأشد كلدة بن أشد بن خلف: " أنا أكفيكم سبعة عشر، فاكفوني أنتم اثنين ". وكان بلغ من قوته أنه يقف على جلد البقر، ويجذبه عشرة، فيتمزق الجلد تحت رجليه، ولا يقدرون على إخراجه. قال السهيلي: دعا رسول اللَّه ﷺ إلى

стр. 266

المصارعة وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه مراراً، فلم يؤمن. والمعنى: ما جعلنا عدتهم إلا العدد المخصوص الذي اقتضى فتنتهم واستهزاءهم. (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) لتوافق الكتابين في هذا العدد. على حذف العاطف أي: وليستيقن، أو عبر عن المؤثر وهو تسعة عشر بالأثر وهو فتنة للذين كفروا؛ إشارة إلى أن هذا الأثر من لوازم ذلك المؤثر. (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) إذا صدقوا بذلك وإذا رأوا تسليم أهل الكتاب لهذا العدد. (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) تصريح بما علم ضمناً؛ توكيداً. (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) نفاق. إخبار بالغيب عما يكون؛ لأن السورة مكية، والنفاق إنما نجم بالمدينة. أو الشك والارتياب، وكان أكثر المشركين كذلك. (وَالْكَافِرُونَ) غير المنافقين أو الشاكين. وإنما عطف قول المنافقين والكافرين على الاستيقان، مع كون المعطوف عليه غرضاً دون المعطوف؛ لأن اللام للعلة، والعلة لا يلزم أن تكون غرضاً كقولك: خرجت من البلد مخافة الشر. (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) تمييز أو حال. استعاروا لعدد الخزنة لفظ " المثل " من المثل المضروب؛ لكونه غريباً عندهم بديعاً. (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) الكاف في محل النصب. أي: مثل ذلك الإضلال المذكور والهدى يضل اللَّه الكافرين ويهدي المؤمنين. (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ)، لفرط الكثرة، فليس تخصص الخزنة بهذا العدد إلا لحكمة اقتضته، كعدد السماوات والأرضين وحمله العرش. (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) متصل

стр. 267

بوصف سقر، وقوله: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ) أي: وما هي. اعتراض يؤكد بعضه بعضاً؛ زيادة في تهويل جهنم. أي: وما سقر، أو وما صفتها، أو وما الآيات المذكورة فيها إلا تذكرة لهم. (كَلَّا ... (٣٢) ردع لتذكرهم أي: وإن جعل تذكرة فهم لا يتذكرون، أو ردع لمن ينكر أن يكون إحدى الكبر. (وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) تولَّى. قال الزجاج: تقول قريش: قبل الشتاء ودبر: جاء وذهب، ومنه أمس الدابر وغيرهم أقبل وأدبر. وعن يونس: أدبر: تولى، ودبر. انقضى. وقرأ نافع وحمزة وحفص " إذ " بسكون الذال، و " أدبر " بهمز القطع، والرسم لا يختلف؛ لوجود صورة الألف في القراءتين، والمختار " إذا "؛ للغة قريش، ولقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) أضاء. (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) جواب القسم، أو تعليل لـ " كلا "، والقسم معترض. والضمير لـ سقر. و " الكبر " جمع كبرى، والفُعَل ليس من أبنية جمع فُعْلَى، بل فُعْلة، كزمرة وزمر. إلا أن الألف ألحقت بالتاء، كالقواصع في جمع قاصعاء؛ لإلحاق ألفها بتاء

стр. 268

قاصعة. والمعنى: إن سقر من إحدى البلايا التي لا توجد لها نظيرة. كقولك: هند إحدى النساء في العفاف، وعليَّ أحد الرجال في العلم. (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) تمييز من النسبة أي: إحدى الكبر إنذاراً، أو حال عما دلت عليه الجملة أي: كبرت منذرة. (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) بدل من (للْبَشَرِ)، و (أن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) مفعولي (شَاءَ)، أو مبتدأ خبره (لمَنْ شَاءَ) أي: التقدم والتأخر ممكنان لمن شاء. كقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) مصدر كالشتيمة والشريطة، ولو كان وصفاً لجرد عن التاء. (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فإنهم فكوا رقابهم بالأعمال الصالحة. وقيل: هم الملائكة، أو الأطفال. (فِي جَنَّاتٍ ... (٤٠) حال من " أصحاب اليمين "، والتنكير للتعظيم. (يَتَسَاءَلُونَ) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) يسأل بعضهم بعضاً، أو يسألون غيرهم. (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) مع جوابه، حكاية لما جرى بين المسؤول عنهم وبين المجرمين، فاختصر الكلام؛ لعدم اللبس. والسؤال عن حالهم (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) مع كونه معلوماً؛ لقصد التوبيخ، وليحكى في الكتاب لطفاً بالسامعين. ومن فسر أصحاب اليمين بالأطفال أيده بهذه السؤال؛ لأن الأطفال لا يعلمون موجب ذلك.

стр. 269

(قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) الداخلين في عدادهم. (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) المحتاج. أي: لم نعظم أمر اللَّه، ولم نشفق على خلق اللَّه. وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع. (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) نشرع في الباطل مع كل مبطل، ونغوى مع كل غاو. (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) وبعد ذلك كله كنا نكذب بيوم الجزاء. كقوله: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا). (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) الموت؛ لقوله. (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ). (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَافِعِينَ (٤٨) لو فرض شفاعتهم، إذ لا يشفعون إلا لمن ارتضى. (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) حال من المجرور كقولك: مالك قائماً. والتذكرة: القرآن، أو هو وسائر المواعظ.

стр. 270

(كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) حمر الوحش. مثل في النفار من أدنى شيء. والقسورة: الأسد. وعن ابن عباس: " الصائد " وابن جبير: " الرامي ". فوعلة من القسر، كالحيذرة فيعلة من الحذر، وكلاهما ملحق بالفعللة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكوفيون " مستنفِرة " بكسر الفاء. يقال: نفر واستنفر مثل: عجب واستعجب. (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَرَةً (٥٢) تنشر وتقرأ (وَقَالُوا لَنْ نؤمِنَ) ... (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ). (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) ولذلك يتعنتون ويعاندون، ولم يريدوا بقولهم (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا) إلا عناداً. (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ). (كَلَّا ... (٥٤) حقاً. (إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) وإن أعرضوا. والأول ردع عن اقتراحهم الآيات، وهذا عن الإعراض. (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) من الذُّكر بضم الذال، فعل القلب. (وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٥٦) مشيئتهم؛ لقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، أو ذِكْرَهم. وقرأ نافع " تذكرون " بالخطاب على الالتفات، أو قل لهم. (هُوَ

стр. 271

أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) حقيق بأن يتقى؛ لعلو شأنه، وجدير بالمغفرة؛ لسعة غفرانه روى الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد عن أنس بن مالك: " أن رسول اللَّه ﷺ لما تلاها قال: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى مِمَّنْ اتَّقى، فَمَنْ اتَّقَانِي فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إِلَهًا، فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ ". * * * تمت بحمد اللَّه، والصلاة على أفضل خلق اللَّه. * * *

стр. 272

سورة القيامة مكية، وهي تسع وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) " لا " صلة، تزاد لتأكيد القسم، مثلها في (لئلا يعلم)؛ لتأكيد العلم. وقيل: هذا إنما يكون إذا وقعت في خلال الكلام كقوله: (فَلَا وَرَبِّكَ)، وأما إذا وقعت في صدر الكلام كما في هذه السورة وسورة البلد فهي للنفي. والمعنى: نفى أن يقسم بيوم القيامة؛ لأن الإقسام بالشيء إعظام له؛ ليتوسل به إلى تأكيد المقسم عليه. وحاصله: أن يوم القيامة في نفسه أعظم من أن يعظم بالقسم. ويجوز أن يكون " لا " رداً لقولهم: (إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ)، والمعنى: أقسم باليوم لا النفس اللوامة. وقرأ ابن كثير (لَا أُقسِمُ) على أن اللام جواب القسم. (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) هي: المتقية التي تلوم النفوس المقصرة يوم القيامة على التقصير، أو نفس السالك التي تلوم نفسها إذا ترقت إلى مقام أعلى، فهي أبداً في اللوم،

стр. 273

أو نفس آدم؛ لأنها بعد الجناية داومت على اللوم. والحمل على الجنس استدلالاً بقوله ﷺ : " مَا مِن نَفْسٍ بَرّةٍ وَفَاجِرَةِ إِلّا تَلُومُ نَفْسَهَا يَومَ القِيَامَةِ ". لا يلائم الإعظام بالقسم، وقيل: النفس المطمئنة؛ لأنها تلوم الأَمَّارَة أي: في حال الاطمئنان تلوم نفسها على ما فرط منها. وجواب القسم محذوف أي: لتبعثن، دل عليه قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بعد تفرقها. قيل: نزلت في عدي بن ربيعة ختن الأخنس بن شريق سأل رسول اللَّه ﷺ عن أمر الساعة فأخبره فقال: " واللَّه لو عاينت ذلك لم أومن بك ". (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) مع صغر العظام فكيف بكبارها؟، وإذا قدرنا على الألطف الأبعد عن العادة فعلى الغير أقدر. ومآله إلى عدم التفاوت بين الإعادة والبدء. وقيل: معنى تسوية بنانه جعلها كخف البعير؛ دلالة على كمال القدرة. والظاهر: أن تخصيص البنان بالذكر؛ لأنه أعجب شيء في الإنسان، وأخص به من بين الحيوانات. ثم في تصدير الكلام بالقسم بيوم البعث والمبعوث فيه على تحقق البعث على أسلوب: " وثناياكِ إنها

стр. 274

أغريض "، ثم إيثار الحسبان وهمزة الإنكار مسند إلى الجنس، والإتيان بحرف الإيجاب، وإيقاع " قادرين " حالاً بعده، من المبالغات في تحقيق المطلوب وتهجين حال المعرض عن الاستعداد له ما يبهر عجائبه، وزاده رونقاً وحسناً بقوله: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) عطفاً على " أيحسب ". ترق في الإنكار؛ لدلالته على أن ذلك الحسبان لمجرد إرادة الفجور، أو إضراب عن الإنكار عن حاله بما هو أدخل في اللوم كأنه قيل: دع الإنكار عليه، أنى يرتدع بالإنكار وهو يريد الدوام على الفجور؟. وعلى الوجهين فيه إيماء إلى أنه عالم بوقوع البعث إلا أنه يتغابى. (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) سؤال تعنّت لما تقدم من إنكاره. (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) تحيّر فزعاً، كأنه نظر البرق فدُهِشَ بصره. وقرأ نافع (بَرَقَ) بفتح الراء أي: لمع، من البريق. وعن الفراء هما لغتان والكسر أفصح. (وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) بذهاب ضوءه. (وَجُمِعَ الشَمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) في الطلوع من المغرب، أو في النار يعذب بهما من عبدهما. وتذكير الفعل؛ لأنه أحد الجائزين. ولموافقة " خسف " ومقارنة " القمر " حسن.

стр. 275

(يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) أي: الفرار، وبكسر الفاء اسم مكان (كَلَّا ... (١١) زجر عن طلب المفرِّ (لَا وَزَرَ) لا ملجأ، أصله الجبل؛ لأنه يلجأ إليه في الغارات. (إِلَى رَبِّكَ ... (١٢) خاصة. (يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) لا ملجأ غيره، أو إلى حكمه ترجع أمور العباد، أو إلى مشيئته استقرار فريق في الجنة وفريق السعير. (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بما قدم من ماله فتصدق، وبما خلفه، أو بما قدم من الأعمال وأَخر لم يعمل، أو بما أخر من سنة حسنة أو سيئة، أو بأول عمله وآخره. (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) حجة واضحة، فلا يحتاج معها إلى أن ينبأ؛ لأنه الذي ينبأ بما قدم وأخر حين تنطق جوارحه. (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥) أي: لو أتى يكل معذرة لا تقبل؛ لأن الشاهد من نفسه لا يقبل الجرح. وعن مجاهد: " المعاذير: الستور " عليه. والمعنى: ولو ألقى الستور عليه حين عصيانه لا يغني عنه شيئاً؛ لأن عليه من نفسه بصيرة. لاحظ قوله. (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ) والمعاذير: اسم جمع كالمناكير؛ لأن قياس جمع المعذرة بدون التاء، وجمع معذار على تفسير مجاهد. (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ... (١٦) أي: بالقرآن عند أخذه من جبرائيل. (لِتَعْجَلَ بِهِ) تحفظ مخافة أن يشذ عنك شيء.

стр. 276

(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ... (١٧) في صدرك. (وَقُرْآنَهُ) وقراءته على لسانك. (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ ... (١٨) قرأه جبرائيل، والإسناد إليه؛ لأنه سفيره. (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) قراءته، أي: اقرأه بعد ذلك. (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) بيان ما أشكل عليك من معانيه. وعن ابن عباس: (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) فاستمع لقراءته (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) قراءته على لسانك. كان يستعجل الأخذ من جبرائيل مخافة أن يفوته منه شيء، فنهي عنه. (كَلَّا ... (٢٠) ردع له عما كان عليه. واستطراده بين حبّي العاجلة المدلول عليه بقوله: (بَل يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ)، وقوله: (بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ)؛ للدلالة على أن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو رحمة وشفاء فكيف بما هو محنة وشقاء؟. وفي (تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) تغليب للمخاطب، كأنه قال: وأنتم يا بني آدم عادتكم العجلة في كّل شيء؛ لجبلتكم على ذلك. (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) " فإن قلت: إذا كانت العجلة جِبلّة في الإنسان، فما معنى الردع في " كلا "؟ قلت: وإن كانت من مقتضى الطبع إلا أنَّها قابلة العلاج كسائر الملكات الرديّة، ومن كان في أعلى منصب الرسالة لا ينبغي له إلا استئصال شأفة تلك الملكات. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر تحبون.

стр. 277

(وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) بالتاء، وهو أبلغ؛ لأن فيه التفاتاً وإخراجاً له عن صريح الخطاب بحب العاجلة، مع الرمز اللطيف اللائق بشأنه ﷺ . (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) بهيّة عليها أثر السرور. (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) قصداً، لا إلى غيره، كالطالب رؤية الهلال، أو إن النظر إلى غيره تعالى كـ " لا نظر " كما تقدم في ذلك الكتاب، أو التقدم؛ للاهتماتم ورعاية الفاصلة. والحمل على الانتظار موت أحمر كناية عن الرجاء لا يلائم. روى الترمذي والإمام أحمد بن حنبل أن رسول اللَّه ﷺ قال: " أكرم الخلق على اللَّه تعالى من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم قرأ الآية ".

стр. 278

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) عابسة شديدة الكلوح. (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥) الداهية الشديدة، كأنها تكسر فقار الظهر. وإيثار الظن؛ لأنها آناً فآناً تتوقع وتترقب أشد مما هي فيه. (كَلَّا ... (٢٦) ردع عن حب العاجلة، وإيثار الدنيا على الآخرة بذكر ما هو أوعظ شيء للإنسان وهو الموت وأهواله. (إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ) الضمير للنفس، وإن لم تتقدم؛ لأن قرينتها " أظهر من نار على علم ". ألا ترى أن حاتماً من بلغاء العرب، وهو الذي لا يشق غباره في قوى الأرواح بحكمة، كما حاز قصب السبق في مضمار قِرَى الأشباح بنعمة سلك هذه الطريقة:

стр. 279

أَماوِيُّ ما يُغني الثَّراءُ منِ الفَتى ... إِذا حشرَجَت يوماً وَضاقَ بِها الصَّدرُ ويخاطب ماوية بنت عقر وكانت ملكة تحت حاتم. والتراقي: العظام المتداخلة عن يمين النحر وشماله. (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) القائل الأحباب والخلان بعضهم لبعض من يرقيه منكم لعل أن يكون ببركة الرقية نجاة. وهذا إنما يقال عند اليأس وعجز الأطباء. وقرأ حفص بسكتة لطيفة على " مَن "؛ للدلالة على أن الإدكم فيه غير لازم، وخلاصاً من ثقل التقارب. (وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) أي: ظن الحاضر أنه الفراق الحقيقي.

стр. 280

(وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) من شدة الألم وسقوط القوى مع خوف المآل. بعض المشايخ جزع جزعاً شديداً عند الموت. قال بعض أصحابه على ما هذا الجزع قال: " يا رب باب أدقه سبعين سنة الآن يفتح ولا أدري ما وراءه ". (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) لا إلى غيره وهو عليم بذات الصدور، وقد علمتم أن حب الدنيا رأس كل خطيئة فكيف تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة؟. (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) أي: الإنسان الحاسب (أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) لا صدّق بقلب، ولا أتى بالأعمال المصدقة لعقد القلب، وعبر عنها بالصلاة؛ لأنها رئيسة العبادات. أو لا يصدّق بما له يقال صدقاً إذا أعطى الصدقة. (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) عن الطاعة.

стр. 281

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) يتبختر ذاهباً إلى أهله مفتخراً بما فعل من التكذيب والتولي، من غاية جهله يعتقد أن أشنع المثالب أرفع المناقب. (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) أي: أولاك ما تكرهه فأولاك مرة بعد أخرى. واللام مثل اللام في (رَدِفَ لَكُمْ). وقيل: أفعل من الويل بعد القلب. (ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أبلغ فأبلغ. (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) مهملاً لا جزاء ولا حساب. أي: لا يكون ما حسب؛ لأن فيه بطلان الحكمة. (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) قرأ حفص بالتذكير. والضمير للمني. (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فقدره وعدله (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ ... (٣٩) الصنفين (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى). أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) الصانع. روى أبو داود عن موسى بن أبي عائشة أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قرأها قال: " " سبحانك بلى ". * * *

стр. 282

تمت، والحمد للَّه على إنعامه، والصلاة على محمد، وآله وصحبه. * * *

стр. 283

سورة الإنسان مكية، وهي إحدى وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ... (١) هل بمعنى قد مع الاستفهام أي: أقد. كقوله: أَهل رَأَونا بِسَفح القاعِ ذي الأَكَمِ والمعنى: على التقرير والتقريب. (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) طائفة من الزمن الممتد غير المحدود. (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) شيئاً يعتد به ويُذكر، بل متقلّباً في الأطوار: نطفة وعلقة ومضغة. والمراد به بنوا آدم؛ لقوله تعالى:

стр. 284

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ... (٢) فالمعرفة عين الأولى، وفي إيثار المُظهر فضل تقرير. وقيل: الأول: آدم، والثاني: بنوه. (أَمْشَاجٍ) جمع مشيج، كأيتام في يتيم. لأنَّ ماء الرجل والمرأة كل منهما مختلف الأجزاء رقّة وقواماً وخواصاً، وما يصلح مادّة جزء منه لا يصلح لآخر. وعن أبي مسعود ﵁: " عروق النطفة ". وعن قتادة: " أمشاج: ألوان وأطوار ". وقيل: لفظه جمع ومعناه مفرد كـ (بُرْمَةُ أعشارٍ وبُرْدُ أكباش). (نَبْتَلِيهِ) حال مقدَّرة. أي: مقدّرين ومريدين ابتلاءه، أو ناقلين له من حال إلى حال، فالابتلاء مستعار؛ لأنَّ في كل طور يظهر ظهوراً آخر كظهور الممتحن، وقيل: على التقديم والتأخير أي: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) نبتليه، وفيه تكلف؛ لوجود الفاء. وتخصيص السمع والبصر؛ لأنهما أعظم الحواس، وبهما يتلقى الأوامر ويشاهد المعجزات.

стр. 285

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ... (٣) بإنزال الآيات ونصب الأدلة. (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) حال من الهاء. أي: هديناه في حاليه؛ لئلا يكون للكفر حجة. ومقابلة الشاكر بالكفور؛ إشارة إلى غلبة الكفران على الإنسان. (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) ذكر الوعد والوعيد بعد ذكر الشاكر والكفور وقدّم الوعيد مع تأخر الكفور؛ لأن الإنذار أهمّ، وليكون فتح الكلام وختمه مع المؤمنين. قرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام. " سلاسلاً " منوناً؛ ليناسب " أغلالاً ". وحمزة وقتبل: بإسكان اللام في الوقف، وكذا حفص وابن ذكوان والبزي في وجه؛ لمنعها من الصرف. (إِنَّ الْأَبْرَارَ ... (٥) جمع برّ، كأرباب جمع ربٍّ. (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ) هو الزجاج ما دام فيه الخمر، ويطلق على الخمر وهو المراد؛ لقوله: (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) أي: ماء كافور وهو عين في الجنة، وقيل: نخلق فيه رائحة الكافور وبرده، وقيل: يمزج خمرهم بالكافور. (عَيْنًا ... (٦) بدل من (كَافُورًا) على الأول، وعلى الآخرين من محلّ (مِنْ كَأسٍ) على تقدير مضاف كأنه قيل: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الاختصاص. (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) المقربون. أي: يمزجون الخمر بمائها. كقوله: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ). هذا إن جعل " كَافورًا " اسم عين. والألف والباء مزيدة. (يُفَجِّرُونَهَا) حيث شاءوا من منازلهم. (تَفْجِيرًا) سهلاً بلا تعبٍ.
следующие страницы →