← Тафсир

Тафсир · id 95562

غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني

أحمد بن إسماعيل الكوراني

Полный текст (458 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) يتبختر ذاهباً إلى أهله مفتخراً بما فعل من التكذيب والتولي، من غاية جهله يعتقد أن أشنع المثالب أرفع المناقب. (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) أي: أولاك ما تكرهه فأولاك مرة بعد أخرى. واللام مثل اللام في (رَدِفَ لَكُمْ). وقيل: أفعل من الويل بعد القلب. (ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أبلغ فأبلغ. (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) مهملاً لا جزاء ولا حساب. أي: لا يكون ما حسب؛ لأن فيه بطلان الحكمة. (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) قرأ حفص بالتذكير. والضمير للمني. (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فقدره وعدله (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ ... (٣٩) الصنفين (الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى). أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) الصانع. روى أبو داود عن موسى بن أبي عائشة أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قرأها قال: " " سبحانك بلى ". * * *

стр. 282

تمت، والحمد للَّه على إنعامه، والصلاة على محمد، وآله وصحبه. * * *

стр. 283

سورة الإنسان مكية، وهي إحدى وثلاثون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ... (١) هل بمعنى قد مع الاستفهام أي: أقد. كقوله: أَهل رَأَونا بِسَفح القاعِ ذي الأَكَمِ والمعنى: على التقرير والتقريب. (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) طائفة من الزمن الممتد غير المحدود. (لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) شيئاً يعتد به ويُذكر، بل متقلّباً في الأطوار: نطفة وعلقة ومضغة. والمراد به بنوا آدم؛ لقوله تعالى:

стр. 284

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ... (٢) فالمعرفة عين الأولى، وفي إيثار المُظهر فضل تقرير. وقيل: الأول: آدم، والثاني: بنوه. (أَمْشَاجٍ) جمع مشيج، كأيتام في يتيم. لأنَّ ماء الرجل والمرأة كل منهما مختلف الأجزاء رقّة وقواماً وخواصاً، وما يصلح مادّة جزء منه لا يصلح لآخر. وعن أبي مسعود ﵁: " عروق النطفة ". وعن قتادة: " أمشاج: ألوان وأطوار ". وقيل: لفظه جمع ومعناه مفرد كـ (بُرْمَةُ أعشارٍ وبُرْدُ أكباش). (نَبْتَلِيهِ) حال مقدَّرة. أي: مقدّرين ومريدين ابتلاءه، أو ناقلين له من حال إلى حال، فالابتلاء مستعار؛ لأنَّ في كل طور يظهر ظهوراً آخر كظهور الممتحن، وقيل: على التقديم والتأخير أي: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) نبتليه، وفيه تكلف؛ لوجود الفاء. وتخصيص السمع والبصر؛ لأنهما أعظم الحواس، وبهما يتلقى الأوامر ويشاهد المعجزات.

стр. 285

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ... (٣) بإنزال الآيات ونصب الأدلة. (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) حال من الهاء. أي: هديناه في حاليه؛ لئلا يكون للكفر حجة. ومقابلة الشاكر بالكفور؛ إشارة إلى غلبة الكفران على الإنسان. (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) ذكر الوعد والوعيد بعد ذكر الشاكر والكفور وقدّم الوعيد مع تأخر الكفور؛ لأن الإنذار أهمّ، وليكون فتح الكلام وختمه مع المؤمنين. قرأ نافع والكسائي وأبو بكر وهشام. " سلاسلاً " منوناً؛ ليناسب " أغلالاً ". وحمزة وقتبل: بإسكان اللام في الوقف، وكذا حفص وابن ذكوان والبزي في وجه؛ لمنعها من الصرف. (إِنَّ الْأَبْرَارَ ... (٥) جمع برّ، كأرباب جمع ربٍّ. (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ) هو الزجاج ما دام فيه الخمر، ويطلق على الخمر وهو المراد؛ لقوله: (كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) أي: ماء كافور وهو عين في الجنة، وقيل: نخلق فيه رائحة الكافور وبرده، وقيل: يمزج خمرهم بالكافور. (عَيْنًا ... (٦) بدل من (كَافُورًا) على الأول، وعلى الآخرين من محلّ (مِنْ كَأسٍ) على تقدير مضاف كأنه قيل: يشربون خمراً خمر عين، أو نصب على الاختصاص. (يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) المقربون. أي: يمزجون الخمر بمائها. كقوله: (وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ). هذا إن جعل " كَافورًا " اسم عين. والألف والباء مزيدة. (يُفَجِّرُونَهَا) حيث شاءوا من منازلهم. (تَفْجِيرًا) سهلاً بلا تعبٍ.

стр. 286

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ... (٧) استئناف لما عسى أن يسأل: لماذا كان ذلك الإكرام؟. ونبّه بذكر النذر على أنهم في واجبات اللَّه أسعى وأوفى. (وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) منتشراً أقصى ما يمكن من الانتشار. من استطار الفجر. (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ... (٨) أي: حب الطعام والاحتياج؛ لقوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، وقيل: على حب اللَّه. وفي قوله: " لوجه اللَّه " غنية عن هذا. (مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) مدح لهم على اختيار موضع الصدقة، فإنها كالبذر لا تنبت إلا في أرض طيبة. ويدخل في الأسير: المسلم والكافر والغريم والمملوك. وفي الحديث. " غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك ". وكان يؤتى بالأسير إلى رسول اللَّه فيدفعه إلى بعض المسلمين ويقول: " أحسن إليه ". (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ ... (٩) يقولونه بلسان الحال، أو بلسان المقال؛ منعاً لمن أحسنوا إليه عن المكافآت والثناء، (لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) توكيد للأولى. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا ... (١٠) عذاب يوم. أي: إنما أردنا بالإطعام وجه اللَّه؛ لأنا نخاف جزاء ذلك اليوم، ومن خاف ذلك لازم الإخلاص، أو لم نرد منكم على الصدقة مكافأة؛ خوفاً من عقاب اللَّه على طلب المكافأة. (عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) شديد العبوس. من

стр. 287

القطر والميم مزيدة يقال: " جمع فلان قطرته إذا اشتد تغيِّره مغضباً ". إما مجاز حكمي وصفٌ بوصَف أهله؛ لما في الحديث: " إنَّ الكافر يعبس حتى يسيل من بين عينيه شبه القطران "، أو استعارة بالكناية، شُبِّه بالأسدِ العبوس في ضراوته. (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ... (١١) لما قدموا له من البر. (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً) بهجة في وجوههم. (وَسُرُورًا) في قلبهم. وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) ليأكلوا الهنيء، ويلبسوا البهيّ. وما نقلوه عن عليّ لا يصح؛ لأن السورة مكية. (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ... (١٣) على هيئة المترفين. نصب على الحال. (لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) أي: لا حرَّ ولا برد؛ لاعتدال الهواء. وعن ثعلب الزمهرير: القمر بلغة طي. وأنشد:

стр. 288

قطَعتهَا وَالزَمْهَريرُ مَا زَهَرْ ... وَلَيْلَةٍ ظَلَامُهَا قَدِ اعتكرْ والمعنى: لا احتياج إلى الشمس والقمر؛ لضياء الهواء. (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا ... (١٤) عطف على الجملة الحالية؛ لأنَّها في تأويل المفرد، والواو؛ للدلالة على اجتماع الأمرين لهم. كأنه قيل: جامعين في الجنة بين البعد عن الحرّ، ودنو الظلال عليهم. ويجوز أن يجعل " متكئين " وما بعده صفات لـ " جنة " على مذهب من لا يوجب إبراز الضمير في صفة جرت على غير من هي له؛ لكون " متكئين " كذلك، أو عطف على " جنة " على أنهم وعدوا جنتين كقوله: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) أي: لا تمتنع على القِطاف، بل يقطفون كما شاءوا. عطف على دانية. وإيثار الفعلية لقصد التجدد؛ لأنَّ القطوف بحسب الحاجة. أو صفة مثلها، أو حال من ضميرها. (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ ... (١٥) أباريق بلا عرى. (كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ ... (١٦) القارورة: ما يكون من الزجاج، استعيرت لما كان من فضة بجامع الصفاء والشفيف فجاءت حسنة بديعة. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص:

стр. 289

قواريرا. الأول غير منون، ووقف عليه حمزة بدون ألف، وهم مع ابن كثير الثاني أيضاً، ووقفوا بلا ألف سوى هشام. (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) صفة قوارير. أي: جاءت على مقدار صوّروها في أنفسهم، أو قدّروها بأعمالهم الصالحة، أو الضمير للطائعين، والمعنى: قدروا الشراب الذي فيها على قدر الرِّيِّ وهو ألذ للشارب. (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) لأن العرب تستلذ طعمه. قال الأعشي: كأنَّ القُرُنْفُلَ والزَّنْجَبِيْلَ ... بائناً بها وأَرْياً مَشُورا

стр. 290

وعن قتادة: يمزج لهم تارة بالكافور البارد، وأخرى بالزنجبيل الحار؛ ليعتدل الأمر. (عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) بدل من زنجبيل. وقيل: يخلق اللَّه تعالى طعمه. فيها، وقيل: يمزج بالزنجبيل. وعلى الوجهين " عينًا " بدل من " كأس ". والسلسبيل كالسلسل والسلسال: سهل الانحدار، أي: وإن كان فيها طعم الزنجبيل فليس فيه لذعه. ولإرادة المبالغة جيء به خماسياً. وقيل: أصله سل سبيلاً سمي به؛ لأنه لا يشرب منها إلا من يسأل السبيل إليها بالعمل الصالح، وفيه تكلف وفوات المبالغة بالوصف. (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) في الحسن وصفاء اللون، والتفرق في المجالس، وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض، أو كأنهم لؤلؤ نثر من [صدفة رطبًا]، من تشبيه المفرد. (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ ... (٢٠) لم يقدّر له مفعول. والمعنى. إذا كنت ذا بصر هناك. (رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) واسعاً، حيث وقع بصرك. عن ابن عمر أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " إنَّ أدنى أهل الجنة لمن ينظر في ملكه ألفي سنة ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه ". وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " إنَّ آخر أهل الجنة دخولاً، له مثل الدنيا عشر مرات ".

стр. 291

عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ... (٢١) " عاليهم " نصب على الحال، إما من المجرور في (عَلَيْهِمْ)؛ أو المنصوب في " حَسِبْتَهُم "، أو " لقاهم " أو " جزاهم ". وقرأ نافع وحمزة بسكون الياء على أنه مبتدأ مفرد في معنى الجمع. كـ "دائر القوم " و (سَامِرًا تَهْجُرون). و " ثياب سندس " خبره (خُضرٍ) بالجر صفة " سندسٍ ". وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص بالرفع صفة " ثيابُ " " وَإِسْتَبْرَق " بالجر عطف على " سُنْدُسٍ ". ورفعه نافع، وابن كثير، وعاصم عطفاً على " ثِيَابُ ". والسندس: ما رقَّ من الحرير، والاستبرق: ما غلظ، معرّب استبرك. عن ابن عباس ﵄: " كما ترى الرجل يكون عليه الثياب يعلوها الأفضل ". ويجوز أن يكون الاستبرق: بطانة؛ لقوله: (بَطائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) (وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ) ولا ينافيه قوله: (أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ)، لاحتمال الجمع والمعاقبة. وقيل: الفضة للأبرار، والذهب للمقربين. (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) طهّر باطنهم عن الغل والحسد، كما زيّن ظاهرهم بالثياب والحلي. وقيل: هذا نوع آخر فوق الأول؛ ولذلك أسنده إلى ذاته ووصفه بالطهور، فإنه يذهب عن خاطرهم، سوى الاستغراق بمطالعة جماله. وهذا نهاية درجاتهم؛ ولذلك ختم به حديث السؤال.

стр. 292

(إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً ... (٢٢) على أعمالكم. والمشار إليه الثواب المذكور. (وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) مجاز عن الاعتداد به. وفائدة هذا القول: إبراز الفضل في صورة الأجر المستحق، إخراجاً له عن صورة الممنون به. (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) كرِّر الضمير، وأكده بـ (إنَّا) مع إيثار التنزيل الدال على التفريق الذي هو مقتضى الحكمة؛ ليدل على أنَّ قوله: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ... (٢٤) صادر عن حكمة بالغة، وأنَّ تأخير نصره لما فيه من الحكم الخفية. (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) أي: كل واحد منهما؛ ولذلك آثر " أو " لئلا يتوهم الجمع. وهم وإن كانوا كلهم كفرة إلا أنَّ منهم من كان يدعوه إلى الإثم، ومنهم من يدعوه إلى الكفر. وقيل الآثم: عتبةُ، والكفور: الوليد؛ لأنَّ ذلك كان غالباً في الفسوق، وهذا في الكفر. (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) طرفي النهار؛ لتنال به حلاوة تذهب عنك مرارة الصبر. وخصّ طرفي النهار؛ لشرفهما. وقيل. داوم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإنَّ الأصيل يتناولهما. (وَمِنَ اللَّيْلِ ... (٢٦) بعض الليل. (فَاسْجُد لَهُ) فإنه وقت الاقتراب إليه؛ لدنو رحمته، وخلو الوقت للمناجاة. وقيل: صلاتي المغرب والعشاء. ويؤيده: (وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) أي: نزهه، أو صلِّ له تطوّعاً.

стр. 293

(إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) استعار له الثقل من الجملة، والمراد: شدّته. (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ... (٢٨) الأسر: الربط الوثيق بالأسار. والمراد: توصيل عظامهم بعضها مع بعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب. (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) أي: أهلكناهم وأنشأناهم نشأة أخرى. فالتبديل في الصفات؛ لأنَّ المعاد هو للبتدأ. أو بدلنا مكانهم قوماً آخرين كقوله. (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ). و " إذا " مع أنَّ ذلك أمر فرضي؛ للدلالة على تمام الاقتدار. (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ ... (٢٩) السورة والآيات القريبة. (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) موصلاً إليه تقرب بالطاعة إليه. وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٣٠) مشيئكم؛ لأنَّ المفعول المحذوف وهو ما دل عليه المذكور كقولك: لو شئت لقتلت زيداً أي: ولو شئت قتله. وفي إثبات المشيئتين بطلان الجبر والاعتزال (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) وقرأ نافع

стр. 294

والكوفيون: (تَشَاءُونَ) بالخطاب. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا) بكنه الأشياء (حَكِيمًا) لا يشاء إلا ما اقتضته الحكمة. (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ... (٣١) بالهداية والتوفيق (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) نصب " الظالمين " على شريطة التفسير بما يلائم المفسر. نحو: أوعد وكافأ. * * * تمّت سورة الإنسان، والحمد للواحد المنان، والصلاة على صفوة الإنسان، وآله وصحبه إلى آخر الزمان. * * *

стр. 295

سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ مكية، وهى خمسون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهنَّ لإمضاء أوامره، حال كونها كعرف الفرس في الاجتماع والتتابع. (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) يعصفن عصف الرياح مبادرة إلى امتثال أمره، أو العرف ضدّ النكرة، مفعول له أي: المرسلة لإنقاذ الأنبياء وإهلاك الكفار، نعمة لأولئك ونقمة لهؤلاء. (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) نشرن أجنحتهن في الجوّ نازلين بالوحي، أو ناشرين الشرائع، أو النفوس الموتى بآفة الجهل. (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) بين الحقِّ والباطل. (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) وحياً إلى الأنبياء فإن قلت: الإلقاء مقدّم على الفرق فما وجه العطف بالفاء؟ قلت: الإلقاء مقدم على العلم بالفرق لا عليه. وقيل: على تقدير الإرادة. أو أقسم برياح أرسلت للعذاب متتابعة عاصفات، وبأخرى نشرن السحاب في

стр. 296

الجوّ ففرقن بينه كقوله: (وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا). أو نشرن الموتى ففرقن بين المؤمن القائل: مطرنا بفضل اللَّه تعالى، والكافر القائل: بالأنواء. وإلقاء الذكر منها؛ لكونها سبباً له إذا شكرت النعمة. (عُذْرًا ... (٦) مصدر عذر: محى الإساءة. (أَوْ نُذْرًا) اسم مصدر هو الإنذار، أو مصدر نَذَرَ بمعنى أنْذَر. أو جمع عذير بمعنى المعذرة وجمع نذير. وانتصابهما على العلِّية، أي: (عُذْرًا) للمحقين، (أَوْ نُذْرًا) للمبطلين. و (أَوْ) للتنويع لا الترديد، أو البدل من " ذِكرًا ". ويجوز أن يكونا بمعنى العاذر والمنذر فالنصب على الحال. وقرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي، وحفص: " نذراً " بالتخفيف. (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) لا محالة، وهو قيام الساعة. (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) محيت وأعدمت، أو أُذهبَ نورُها. (وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) فُتحَت، فكانت أبواباً. (وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) نسف الحبّ والرمل، فكانت كثيباً مهيلاً. وأصله القلع بسرعة. (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) بلغت وقتها الموعود وهو وقت الحضور للشهادة على الأمم. وقرأ أبو عمرو بالواو وهو الأصل؛ لأنه من الوقت إلا أنَّ الرسم على الهمزة؛ لأنه وإن كان أثقل من الواو، إلا أنَّ الضمّ عليه أخفّ منه على الواو.

стр. 297

(لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) الرسل. (لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) بيان ليوم التأجيل. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) بالغ في تهويله بإبهامه أولاً، ثم ببيانه بأنه يوم الحكم والقضاء، ثم هوّل شَأنَه بأنّك لم تحط علماً بكنه ذلك. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) الويل: الهلاك. أصله النصب على المصدر لغير فعله؛ لعدم استعماله، والعدول إلى الرفع؛ لكونه أبلغ في الدعاء؛ لدلالته على الدوام. (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) من تقدّم كفار مكة من الأمم المكذبة. (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) نحن نتبع أولئك في الإهلاك أهل مكة. (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) بكلّ مجرم في كلّ عصر. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أي: يوم إهلاكهم فليس فيه تكرير؛ لأنَّ الأول لعذاب الآخرة، وهذا لعذاب الدنيا. مع أنَّ التكرير للتهويل له موقع حسن. (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) هي النطفة القذرة (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) هو الرحم، تفصيل لكيفية الخلق (إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) له تعالى وهو وقت الولادة. فَقَدَرْنَا ... (٢٣) على ذلك (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) نحن على الإعادة. وقرأ نافع والكسائي: (فَقَدَّرْنَا) بالتشديد. إلى ذلك المولود شقياً أو سعيداً، إلى غير ذلك من حال النطفة علقة، ومضغة، وعظاماً. و (فَقَدَرْنَا) بمعنى مقدِّرون. من قدَّرت الشيء أقدّره. قال الشاعر:

стр. 298

وقد قدر الرحمن ما هو قادر وهذا أوفق؛ لقوله: (مِنْ نُطْفَةِ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ)، ولأن حديث القدرة قد تم في قوله: (أَلَمْ نَخْلُقْكُم)؛ لكون الاستفهام للتقرير. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) اسم لما يكفت أي: يجمع، كضمام اسم لما يضم، أو مصدر نعت به، لا جمع كافت، كصيام في صائم؛ لإسناده إلى ضمير الأرض. (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) نكّرهما؛ لأنَّ أحياء الإنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات. ولا ينافيه التفخيم؛ لدلالته على كثرة لا تحصى. وانتصابهما على المفعولية أو الحالية من مفعوله المحذوف. (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ... (٢٧) جبالاً ثوابت طوالاً. والتنكير للتعظيم، أو التبعيض؛ لكون بعض الجبال في السماء لقوله: (مِنْ جِبَالٍ فِيهَا). (وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا) عذباً وأيّ عذب.

стр. 299

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) بامتثال هذه النعم. (انْطَلِقُوا ... (٢٩) على تقدير القول (إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) من العذاب. (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ... (٣٠) من حرِّ الشمس (ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) يحيط همم من فوقهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم. (لَا ظَلِيلٍ ... (٣١) تهكّم بهم، وردّ لما أوهم لفظ الظلّ. (وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) وغير مغنٍ من الحرِّ كقوله: (لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ)، وهذا الظل: هو الدخان الذي هو سرادق النار. (أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) يقفون فيه إلى الفراغ من الحساب، بدل وقوف المؤمنين في ظل عرش اللَّه. (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) في العظم (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) جمع جمال، أو " جمالة " جمع جمل. شبهت أولاً بالقصور ثم بالجمال، فإنَّ العرب تشبه الإبل بالقصور. قال: [كما طيَّنْتَ بالفَدَن السِّياعَا]

стр. 300

شبه الشرر حين ينقص من النار بالقَصْر في العظم، حين يأخذ في الارتفاع، والانشقاق عن أعداد غير محصورة مع الحركات السريعة في الجهات بالجمال. وعن ابن عباس: " كنا نرفع خشبة للشتاء طولها ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ أو أقلّ، فَنسَمِّيهِ الْقَصَرَ ". وعنه: " الجمالات: حِبَال السفُنِ تُجْمَعُ حَتّى تَكُونَ كَأَوسَاطِ الرِّجَالِ ". والأول هو الوجه. وقد روي عنه أيضاً. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص: " جمالة "، و (جمالات) أبلغ، وأوفق بالمقام. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) بذلك اليوم (هَذَا ... (٣٥) أي: الذي قصّ عليكم. (يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ) يوم القيامة ذو مواطن، ينطقون في موطن دون آخر. ولا ينطقون بما يحق أن يسمى نطقاً؛ لعرائه عن الفائدة. (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) عطف على " يُؤْذَنُ " أي: لا إذن ولا اعتذار مطلقاً. ولو جعل جواباً لدلّ على أن عدم الاعتذار لعدم الإذن. وأوهم أنَّ لهم عذراً يعتدّ به، لكن لم يؤذن لهم فيه.

стр. 301

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)) للحكم بين المحقّ والمبطل. (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) توبيخ لهم على ما كانوا يكيدون به المؤمنين، وتسجيلٌ عليهم بالاستكانة. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ ... (٤١) من الشرك؛ لأنّه في مقابلة " المكذبين "، (فِي ظِلَالٍ) متراكمة. (وَعُيُونٍ) جارية. (وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كثيرة الأنواع. (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا ... (٤٣) على تقدير القول (بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) في الدنيا من الصالحات. (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) المخلصين. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) تذكير لما كان يقال لهم في الدنيا، وتخسير لهم بإيثار الحقير على الخطير. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) به. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) متصل بقوله: " للمكذبين " كأنه قيل: ويل يومئذ للذين كذبوا، والذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. ويجوز اتصاله بالمجرمين كأنه قيل: هم أحقاء بأن يقال لهم: كلوا وتمتعوا؛ لكونهم مجرمين، ولكونهم إذا قيل لهم: اركعوا لا يركعون.

стр. 302

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) به. (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) أي: بعد القرآن، فإنه لا حديث يدانيه فضلاً أن يساويه. وعن أبي هريرة أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " من قرأ (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) فليقل آمنت باللَّه وبما أنزل ". * * * تمّت المرسلات، والحمد لواهب البركات، وعلى المختار أفضل الصلوات. * * *

стр. 303

سُورَةُ النَّبَإِ مكية، وآيها أربعون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) أصله " عن ما " فاتصلت في الخط وحذف الألف؛ فرقاً بينها وبين الخبرية، وإيذاناً بشدة الاتصال وكثرة الدوران. وقرأ ابن كثير في رواية البزي: " عمَّه " بهاء السكت في الوقف؛ ليكون حيراناً عن الذاهب وهو أحد حرفي الثنائي. كان مشركو مكة يسأل بعضهم بعضاً عن أمر القيامة، أو رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين استهزاء. على أن التساؤل بمعنى السؤال، كالتداعي والترائي بمعنى: الدعوة والرؤية. والمراد: تفخيم شأن المسئول عنه مجرداً عن الاستفهام؛ لوقوعه في كلام من لا يخفى عليه خافية. (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) بيان لشأن المفخم، أو متعلق بـ (يَتَسَاءَلُونَ) و (عَمَّ) بما فسره (الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) منهم المنكر له ومنهم الشاك. والضمير للفريقين، المؤمنون يسألون لزيادة الاستيقان والاستعداد له، والكفار استهزاءً وعناداً.

стр. 304

(كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ردع للمتسائلين هزواً، ووعيد. (ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) كرِّره مبالغة، وآثر (ثم)؛ دلالة على أنَّ الثاني أشدّ من الأول، وكما فخم شأن البعث فخم ما يقع بعده. وقيل: الأول عند النزع والثاني في القيامة، أو الأول للبعث، والثاني للجزاء. (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وأنتم لا تنكرون شيئاً من ذلك، فإنكار البعث لماذا؟ وهل ذاك إلا على منوال هذا؟. أو من أبدع هنه الأشياء إنما أبدعها لحكمة لا عبثاً، فلا بد من البعث والجزاء. (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) ذكراً وأنثى. (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) موتاً. منْ السبت وهو: القطع. والنوم أحد الموتين. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) ساتراً عن العيون يمكن إخفاء ما لا يراد إظهاره من بيات العدو، أو الفرار منه إلى أمور شتى. (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وقت معاشكم تتقلبون فيه لحوائجكم. استدل بخلقهم ذكراً وأنثى، واستوفى أحوالهم مفترقين ومقترنين. وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) محكمة لا يؤثر فيها مرور الدهور. (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) أي: الشمس النير الأعظم، من وهجتِ النار: التهبت أو أضاءت.

стр. 305

(وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ ... (١٤) من السحاب التي شارفت أن يعصرها الرياح للمطر. من أعصرت الجارية: قاربت عصر الحيض، أو من الرياح التي حان لها عصر السحاب. وعن الحسن وقتادة ﵄: من السموات؛ لأن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنَّ السماوات يعصرن أي. يُمَكّن من العصر. (مَاءً ثَجَّاجًا) منصَبّاً بكثرة، يُقال: ثجَّه، وثجَّ بنفسه. وفي الحديث: " الحجُّ عجٌّ وثجٌّ " أي: رفع الصوت بالتلبية والذكر، وكثرة دماء القرابين. (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ... (١٥) للإنسان. (وَنَبَاتًا) للدواب (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) ملتفة، جمع لُفّ كخُفّ وخفاف، أو جمع لفيف كشريف، أو لَفَّاء كخضراء. أو ملتف بحذف الزوائد. وفيه أن هذا لا نظير له؛ لأن تصغير الترخيم ثابت دون تكسيره. (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) في علم اللَّه. والميقات: ما يؤقت به الشيء، والمراد به: حدّ الدنيا ونهايته، أو حدّ الخلائق وما ينتهون إليه. (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ... (١٨) بدل أو بيان ليوم الفصل. (فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا) جماعات (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ). والحديث المروي: " أنَّ أمته ﷺ تحشر عشرة أصناف " موضوع مختلق.

стр. 306

(وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) عطف على " فتأتون "، وإيثار الماضي؛ لكونه محقق الوقوع، أو حال أي: فتأتون والحال أنها قد فتِّحت، والمراد: كثرة الطرق والشقوق، كقوله: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا). وقرأ الكوفيون مخففاً. (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ ... (٢٠) في الهواء تمرُّ مرَّ السحاب. (فَكَانَتْ سَرَابًا) أي: كالسراب يحسب ماء ولا ماء؛ لأن شأن الجبل الثبات والقرار. (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) مكاناً يرصد فيه خزنة النار الكفارَ، أو خزان الجنة المؤمنين يحرسونهم إذا مرّوا عليها. (لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) مرجعاً ومأوى. (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) الأحقاب جمع حقب وهي ثمانون سنة. وقيل: دهر طويل كقوله: (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)

стр. 307

والمعنى: يلبثون أحقاباً كثيرة لا يذوقون فيها إلا الماء الحار وغسالة أهل النار وصديدهم، ثم ينقلون إلى نوع آخر من العذاب. وإن جعل (لَا يَذُوقُونَ) استئنافاً فالمراد بأحقاب: دهوراً غير متناهية كلما مضى حقب تبعه آخر، ألا يرى كيف وقع وهم الانقطاع بقوله: (فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا). وقرأ حمزة: (لَابِثِينَ) مقصوراً، وهو أقوى وعليه الرسم، وحمزة والكسائي وحفص: (غَسَّاقًا) مشددا. (جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) أي: جوزوا جزاءً ذا وفاقٍ؛ لأعمالهم أو وصف بالمصدر. (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) يقال: كذّب تكذيباً وكذاباً. قال سيبويه: الأصلي كذَّاباً والتاء عوض عن التضعيف، والياء عن الألف. (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩) نصب على المصدر، أي: إحصاء، أو أحصيناه بمعنى: كتبنا؛ لتلاقي الإحصاء والكتبة في الضبط، أو على الحال أي: مكتوباً في اللوح أو في صحف الحفظة. (فَذُوقُوا ... (٣٠) أي: العذاب. التفت إليهم في مقام السخط؛ زيادة في العذاب. (فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) استثناء من الأعم أي: شيئا من الأشياء. وعن أبي برزة الأسلمي: " سألت رسول اللَّه ﷺ عن أشدّ آية في كتاب اللَّه على الكفار فتلاها ".

стр. 308

(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) مكان فوز من الجنة كما أن جهنّم للطاغين مئاباً، ثمّ فسِّره بقوله: (حَدَائِقَ ... (٣٢) جمع حديقة وهي: روضة ذات أشجار وقيل: روضة أحاط بها حائط. (وَأَعْنَابًا) أفردها؛ لقلة وجودها في أرض العرب. (وَكَوَاعِبَ ... (٣٣) جمع كاعب ناهدة الثدي. (أَتْرَابًا) لدات. (وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) مترعة، من أدهقتُ الحوضَ فهو داهق (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) أي: لا يتأذُّون من سماع اللغو وتكذيب بعضهم بعضاً. وقرأ الكسائي: " كِذَاباً " مخففاً إما مصدر كاذب، أو كذب نحو: كتبت كتاباً، كقول الأعشى: فَصدّقَهَا وَكَذَبَتْهُ ... وَالمرءُ يَنْفَعُهُ كِذَابُه أي: لا يصدر منهم كذب حتى يسمعه السامع. (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ ... (٣٦) نُصب على المصدر. (عَطَاءً) بدل من جزاء، أو مفعول به، له أو لناصبه المحذوف (حِسَابًا) صفة بمعنى كافياً، من أحسبه الشيء إذا كفاه، حتى قال: حسبي، وقيل: على حسب أعمالهم.

стр. 309

(رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ... (٣٧) بدل من ربك، ورفعه نافع وابن كثير وأبو عمرو على أنه مبتدأ خبره (الرَّحْمَنُ)، أو هو بدل خبره (لَا يَمْلِكُونَ) وقرأ " الرحمنِ " بالجرّ ابن عامر وعاصم على البدل. ومن جرِّ الأول ورفع الثاني أبدل الأول وجعل الثاني مبتدأ خبره (لَا يَمْلِكُونَ) أو خبر محذوف. (مِنْهُ خِطَابًا) أي: من اللَّه، والمعنى: لا يملكون من جهته شيئاً من الخطاب؛ لأن المملوك لا يملك شيئاً على مالكه. وهذا لا ينافي الشفاعة بعد الإذن. (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ... (٣٨) ظرف لـ " يملكون "، أو لما بعده. والروح: جبريل، وإفراده؛ لشرفه " وقيل: نوع آخر من المخلوقات. وقيل: ملك لم يخلق اللَّه بعد العرش أعظم منه. (لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) أي: من تكلم من هؤلاء الأشراف إنما يتكلم بشرط الإذن وقيل: الصواب. ففيه تقرير وتوكيد لقوله: " لا يملكون منه خطابا " (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ... (٣٩) الكائن لا محالة. (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) منزلاً ومأوى بالإيمان والعمل الصالح. (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ... (٤٠) إذ كل آتٍ قريب. ولأنَّ ابتداءه من الموت. (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) أي: كل امرئ ينظر عمله خيراً كان أو شراً؛ لقوله: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) وقيل: المرء هو: الكافر؛ لقوله: (إنَّا أَنذَرْنَاكُمْ) وضع موضع المضمر. وعن قتادة: هو المؤمن؛ لقوله: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ) والأول هو الوجه؛ لقوله، (إنَّ يَوْمَ الْفَصلِ)، ولقوله: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا) (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ

стр. 310

تُرَابًا) في الدنيا لم أخلق، أو في هذا اليوم؛ لما يرى سائر الحيوانات والوحوش تصير تراباً بعد جريان القصاص بينهما. * * * تمّت، والحمد للَّه على الدوام، والصلاة على خير الأنام، وآله وصحبه يوم القيام. * * *

стр. 311

سُورَةُ النَّازِعَاتِ مكية، وهي خمس أو ست وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) أقسم بالملائكة الموصوفة بصفات تدل على كمال قدرته ونفاذ أمره. فالنازعات: هم ملك الموت وأعوانه الذين ينزعون أرواح الكفار من أعماق أبدانهم. والغرق: اسم الإغراق، كالسلام اسم التسليم، أو مصدر بحذف الزوائد. والناشطات: الذين ينشطون أرواح المؤمنين برفق، من نشط الدلو: أخرجها من البئر. ونشّط الحبل: حلّه برفق. ويسبحون أي: يسرعون فيما أصروا به، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر ثوابها وعقابها، أو النجوم تنزع من المشرق إلى المغرب، وإغراقها: قطع الفلك بتمامه إلى أن تغرب بأن تنشط من برج إلى آخر. من نشط الثور: إذا خرج من بلد إلى آخر. فتسرع في السير، فيسبق بعضها بعضاً، فتدبر ما نيط بها من الفوائد. أو خيول الغزاة تنزع في أعنتها إغراقاً؛ لطول أعناقها؛ لأنها عِراب، فيخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، فيسبح في جريها فيسبق بعضها بعضاً، فتدبر أمر الظفر على المجاز، أو نفوس السالكين تنزع عن الشهوات رأساً، وتنشط إلى عالم الملكوت، فتسبع في بحر المعارف، فيسبق بعضها بعضاً بقدر القابليات، فتدبر سائر النفوس بالإرشاد والتكميل. والمقسم عليه محذوف دلّ عليه ذكر القيامة بعد. أي: لتبعثن.

стр. 312

(يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) نصب بذلك المحذوف. الراجفة: الواقعة، وصفت بما يحدث بحدوثها من رجف الأرض والجبال مبالغة، وهي: النفخة الأولى. وإنما صحّ أن يكون وقتها ظرفاً للبعث مع أنه لا يكون بعد الثانية؛ لاتساع الوقت على أن: (تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) وهي: النفخة الثانية حال منها، فلابد من الامتداد إلى وجودها. وقيل: الراجفة الأَرض والجبال، والرادفة السماء والكواكب. (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) شديدة الاضطراب. الوجيف والوجيب أخوان. (أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) خبر قلوب؛ لأَنها نكرة موصوفة، كقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)، أو خبر بعد خبر؛ لأنَّ تنكير التنويع قائم مقام الوصف. (يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) يريدون الحياة الدنيا بعد الموت، والحالة التي كانوا عليها في الدنيا؛ إنكاراً للمعاد، والحافرة: الطريقة التي حفرها، وأثر فيها بمشيه. والقياس محفورة، فإما على تقدير ذات حفر، أو على الإسناد مجازاً نحو (عيشة راضية). وعن ابن السكيت: حافرة الشيء: أوله. واستشهد بما أنشده ابن الأعرابي:

стр. 313

أحاَفِرَةً عَلَى ضَلَعِ وشيْبٍ ... مَعاذَ اللَّه من سَفهٍ وعَارِ (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) أنى يكون ذلك. والنخرة: البالية، من النخر وهو صوت الريح، والعظم إذا بلي نخر فيه الريح؛ لصيرورته أجوف. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: بالمدِّ، والقصر أبلغ. وإذا منصوب بمقدر أي: تُرَدُّ وتُبْعَثُ. قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) أي: رجعة ذات خسران، أو خاسر صاحبها إن صحّ ما يقوله محمد. قالوه استهزاء. (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) لا استبعاد ولا استصعاب، بل هي في غاية السهولة على اللَّه. لا توقف لها إلا على صيحة واحدة، وهي النفخة الثانية.

стр. 314

(فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) أحياء، كقوله: (فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) والساهرة: الأرض البيضاء المستوية؛ لأنَّ السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة أي: جارية، أو على المجاز؛ لأنَّ ساكنها لا ينام خوفاً. وعن قتادة: اسم جهنم. ولما كان الكلام من مفتتح السورة إلى هنا مسوقاً للتهديد، مدمجاً فيه تسلية رسوله، عقبّه بقصة موسى وفرعون؛ لعراقتها في هذا الباب. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) أي: أليس قد أتاك حديثه المشتمل على نصره وقهر عدوّه؟، ففيه ما يسلّيك. ثمّ فصّله بقوله: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) الذي قُدّس؛ لأنه مَهبطُ الوحي (طوًى) عطفُ بيان أو بدل. ونَوَّنَهُ الكوفيون وابن عامر بتأويل المكان. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) على إرادة القول: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) أي: هل لك رغبة في أن تتطهّر من رجس الكفر والطغيان. أرشده إلى طريق الدعوة بألطف طريق، وذلك أن يعرض عليه لِيؤامر نفسه ويرى رأيه، كما تقول للضيف: ألا تنزل بنا؟ وهذا فحوى قوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) وقرأ نافع وابن كثير: تزَّكَّى بتشديد الزاي، على إدغام إحدى التائين في الزاي. وحذفها الآخرون تخفيفاً.

стр. 315

(وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ ... (١٩) إلى معرفته. (فَتَخْشَى) لأنَّ الخشية على قدر المعرفة. قال اللَّه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ رسول اللَّه ﷺ يقول: " من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إنَّ سلعة اللَّه غالية ". (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) أي: فذهب إليه فدعاه فأبى، فأراه المعجزة العظمى من معجزاته وهي: قلب العصا ثعباناً، أو كل معجزاته؛ لأنها كالواحدة في الدلالة. (فَكَذَّبَ ... (٢١) موسى (وَعَصَى) ربه (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) أي: أقبل يسعى في دفع موسى بمكائده، من قولهم: أقبل يفعل كذا، وعبّر عنه بالإدبار؛ إشارة إلى أنَّ ذلك الإقبال كان إدباراً وعليه دماراً، أو أدبر هارباً لما انقلبت العصا ثعباناً. (فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) أي: حشر السحرة، أو جنوده. فنادى بنفسه، أو من أمره به على أنه إسناد إلى السبب. (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) أي: أعلى من كل ربٍّ. لما تقدّم في الأعراف أنه كان أمر قومه باتخاذ الأصنام يتقربون بها إليه.

стр. 316

(فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) النّكال: كالسلام اسم للتنكيل أي: نكّل اللَّه به في الدنيا بالإغراق، وفي الآخرة بالإحراق. وعن ابن عباس ﵄: نكال كلمته الأولى، هي قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) والأخرى: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى). (إِنَّ فِي ذَلِكَ ... (٢٦) أي: فيما حكي عنه وعن ماله (لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) لمن كان من شأنه الخشية. أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا ... (٢٧) الخطاب لمشركي مكة. (أَمِ السَّمَاءُ) ولا شكَّ أنَّ الثاني أصعب. ثم شرع يبين كيفية إيجادها من غير آلة ومعين؛ ليدل به على أن إنكار البعث إما عناد أو تعامٍ أو تصامٍ. (بَنَاهَا) خلقها على صورة القبة المبنية. (رَفَعَ سَمْكَهَا ... (٢٨) أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مقدار خمسمائة عام. (فَسَوَّاهَا) فعدلها مستوية الأجزاء مزينة بالكواكب على ما اقتضته الحكمة. (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ... (٢٩) أظلمه. يقال: غطش الليلَ وأغطشه اللَّه كظلم وأظلمه. ويقال: أغطش الليلُ أيضاً لازماً. (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) وأبرز ضوء شمسها. وإنما أضاف الليل والشمس إلى السماء؛ لأنَّ الليل ظلّ السماء في المرأي، وإن كان ظلّ الأرض حقيقة، أو لأنهما يحصلان بغروب الشمس وطلوعها.

стр. 317

(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) بسطها. وقد سبق الكلام في سبق خلق الأرض في أوائل البقرة في قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) بما لا مزيد عليه. (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) أي: رعيها تفسير للدحوّ بما لابدّ؛ لتأتي السكنى منه من المأكل والمشرب، أو حال بإضمارِ " قد ". ودلّ بالماء والمرعى على كل ما يرتفق به من أمر المعاش. (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) أثبتها كالأوتاد لتستقر الأرض (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) لسائر الحيوانات، ففيه تغليب. (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) الداهية العظمى التي تطمِّ على سائر الدواهي. من طمِّ الشيء: علاه. وعليه فالوصف للتأكيد والمراد: النفخة الثانية، أو الساعة التي يساق الفريقان إلى دار الخلود. (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) بدل من " إذا جاءت ". أي: يتذكر أعماله السيئة إذا رأي الكتاب منشوراً، وأنى له الذكرى و " ما " موصولة، أو مصدرية. (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) لكل راء لا يخفى على أحد. (فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) إما مع جوابه جواب (إذا جاءت)، أي: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى). فالطاغي مأواه الجحيم، أو جواب " إذا " محذوف أي: كان كيت وكيت، والمذكور بعد " أمّا " تفصيل له.

стр. 318

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ... (٤٠) أي: بين يديه للحساب. (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) لعلمه بأنه بجانب الهدى (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) هي مأواه لا غير. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ... (٤٢) تعنُّتاً (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) أي: أقامها، من أرسيت الشيء: أثبته، أو متى استقرارها؟ كما أنَّ مرسى السفينة استقرارها وانتهاؤها. (فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) أي: في أي شيء أنت من ذكر الساعة لهم؟ فإنَّ علمها من أمِّهات الغيوب لا ينفد فيه إلا علمه تعالى، أو (فِيمَ) إنكار لسؤالهم، و (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) ابتداء كلام. والمعنى: في أي شيء هم من سؤال الساعة، أنت من علاماتها فإنك بعثت في نسيم الساعة، واسمك نبي آخر الزمان فقد دنت الساعة (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) انتهاء علمها. (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ ... (٤٥) ما أنت إلا منذر. (مَنْ يَخْشَاهَا) من يخاف هولها. ولست مبعوثاً لتعليمهم بوقت الساعة. وعن أبي عمرو: (مُنْذِرٌ) بالتنوين. (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا ... (٤٦) في الدنيا، أو في القبور. (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) عشية يوم أو ضحاه كقوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)؛ ولذلك أضاف الضحى، ولو قطع لاحتُمل عشية يوم وضحى آخر، فيتوهم الاستمرار في ذلك الزمان إلى مثله من اليوم الآخر. واحتمل أيضاً أن يراد بالعشية أو الضحى كل اليوم؛ تجوزاً. * * *

стр. 319

سُورَةُ عَبَسَ مكية، وهي إحدى وأربعون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) اتفقوا على أنها نزلت في ابن أم مكتوم مؤذن رسول اللَّه، واسمه عمرو بن قيس أو عبد اللَّه بن عمرو، واسم أمه عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية، جاء إلى رسول اللَّه ﷺ وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى اللَّه باهتمام، وقطع عليه كلامه وكرر عليه يقول: يا رسول اللَّه علمني ما علمك اللَّه ولم يعلم

стр. 320

تشاغله، فعبس في وجهه وأعرض عنه. والمعنى: عبس لأن جاءه، وأعرض لذلك على تنازع الفعلين. وفي الوصف بالأعمى دون اسمه، أو وصف آخر توكيد للعتاب؛ فإنَّ ذلك يناسب الإقبال والتعطف دون العبوس والإعراض، وإيماء إلى أنَّ كل ضعيف في معناه. كقوله: " لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَينَ اثنَيْن وَهُوَ غَضْبَان" فكان بعد ذلك يكرمه ويقول: " مرحبا بمن عاتبني فيه ربِّي ". (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) بما يسمعه منك من أوضار الآثام. والمراد: نفي درايته بما هو مترقب. والرجاء إما راجع إلى الأعمى، أو إلى الرسول ﷺ . وإيثاره؛ للدلالة على أن رجاء التزكي كافٍ في منع العبوس والإعراض، كيف وهو في نفسه زكي حقيقة؟. وقيل: الضمير للكافر أي: وما يدريك أنَّ ما طمعت فيه من تزكية كائن حتى تهتمّ به، فالترجي لرسول اللَّه ﷺ . (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أو يتّعظ فتنفعه موعظتك. وقرأ عاصم بالنصب جواب (لعل) المحمول على التمني، وهذا يؤيد رجوع الضمير إلى الكافر، إلا أن يحمل في
следующие страницы →