Полный текст (458 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) النّكال: كالسلام اسم للتنكيل أي: نكّل اللَّه به في الدنيا بالإغراق، وفي الآخرة بالإحراق. وعن ابن عباس ﵄: نكال كلمته الأولى، هي قوله: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) والأخرى: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى).
(إِنَّ فِي ذَلِكَ ... (٢٦) أي: فيما حكي عنه وعن ماله (لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) لمن كان من شأنه الخشية.
أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا ... (٢٧) الخطاب لمشركي مكة. (أَمِ السَّمَاءُ) ولا شكَّ أنَّ الثاني أصعب. ثم شرع يبين كيفية إيجادها من غير آلة ومعين؛ ليدل به على أن إنكار البعث إما عناد أو تعامٍ أو تصامٍ. (بَنَاهَا) خلقها على صورة القبة المبنية.
(رَفَعَ سَمْكَهَا ... (٢٨) أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مقدار خمسمائة عام. (فَسَوَّاهَا) فعدلها مستوية الأجزاء مزينة بالكواكب على ما اقتضته الحكمة.
(وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا ... (٢٩) أظلمه. يقال: غطش الليلَ وأغطشه اللَّه كظلم وأظلمه. ويقال: أغطش الليلُ أيضاً لازماً. (وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) وأبرز ضوء شمسها. وإنما أضاف الليل والشمس إلى السماء؛ لأنَّ الليل ظلّ السماء في المرأي، وإن كان ظلّ الأرض حقيقة، أو لأنهما يحصلان بغروب الشمس وطلوعها.
стр. 317
(وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) بسطها. وقد سبق الكلام في سبق خلق الأرض في أوائل البقرة في قوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) بما لا مزيد عليه.
(أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) أي: رعيها تفسير للدحوّ بما لابدّ؛ لتأتي السكنى منه من المأكل والمشرب، أو حال بإضمارِ " قد ". ودلّ بالماء والمرعى على كل ما يرتفق به من أمر المعاش.
(وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) أثبتها كالأوتاد لتستقر الأرض (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) لسائر الحيوانات، ففيه تغليب.
(فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) الداهية العظمى التي تطمِّ على سائر الدواهي. من طمِّ الشيء: علاه. وعليه فالوصف للتأكيد والمراد: النفخة الثانية، أو الساعة التي يساق الفريقان إلى دار الخلود.
(يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) بدل من " إذا جاءت ". أي: يتذكر أعماله السيئة إذا رأي الكتاب منشوراً، وأنى له الذكرى و " ما " موصولة، أو مصدرية.
(وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) لكل راء لا يخفى على أحد.
(فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) إما مع جوابه جواب (إذا جاءت)، أي: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى). فالطاغي مأواه الجحيم، أو جواب " إذا " محذوف أي: كان كيت وكيت، والمذكور بعد " أمّا " تفصيل له.
стр. 318
(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ... (٤٠) أي: بين يديه للحساب. (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) لعلمه بأنه بجانب الهدى (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) هي مأواه لا غير.
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ ... (٤٢) تعنُّتاً (أَيَّانَ مُرْسَاهَا) أي: أقامها، من أرسيت الشيء: أثبته، أو متى استقرارها؟ كما أنَّ مرسى السفينة استقرارها وانتهاؤها.
(فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) أي: في أي شيء أنت من ذكر الساعة لهم؟ فإنَّ علمها من أمِّهات الغيوب لا ينفد فيه إلا علمه تعالى، أو (فِيمَ) إنكار لسؤالهم، و (أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) ابتداء كلام. والمعنى: في أي شيء هم من سؤال الساعة، أنت من علاماتها فإنك بعثت في نسيم الساعة، واسمك نبي آخر الزمان فقد دنت الساعة (إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) انتهاء علمها.
(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ ... (٤٥) ما أنت إلا منذر. (مَنْ يَخْشَاهَا) من يخاف هولها. ولست مبعوثاً لتعليمهم بوقت الساعة. وعن أبي عمرو: (مُنْذِرٌ) بالتنوين.
(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا ... (٤٦) في الدنيا، أو في القبور. (إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) عشية يوم أو ضحاه كقوله: (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)؛ ولذلك أضاف الضحى، ولو قطع لاحتُمل عشية يوم وضحى آخر، فيتوهم الاستمرار في ذلك الزمان إلى مثله من اليوم الآخر. واحتمل أيضاً أن يراد بالعشية أو الضحى كل اليوم؛ تجوزاً.
* * *
стр. 319
سُورَةُ عَبَسَ
مكية، وهي إحدى وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) اتفقوا على أنها نزلت في ابن أم مكتوم مؤذن رسول اللَّه، واسمه عمرو بن قيس أو عبد اللَّه بن عمرو، واسم أمه عاتكة بنت عبد اللَّه المخزومية، جاء إلى رسول اللَّه ﷺ وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى اللَّه باهتمام، وقطع عليه كلامه وكرر عليه يقول: يا رسول اللَّه علمني ما علمك اللَّه ولم يعلم
стр. 320
تشاغله، فعبس في وجهه وأعرض عنه. والمعنى: عبس لأن جاءه، وأعرض لذلك على تنازع الفعلين. وفي الوصف بالأعمى دون اسمه، أو وصف آخر توكيد للعتاب؛ فإنَّ ذلك يناسب الإقبال والتعطف دون العبوس والإعراض، وإيماء إلى أنَّ كل ضعيف في معناه. كقوله: " لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَينَ اثنَيْن وَهُوَ غَضْبَان" فكان بعد ذلك يكرمه ويقول: " مرحبا بمن عاتبني فيه ربِّي ".
(وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) بما يسمعه منك من أوضار الآثام. والمراد: نفي درايته بما هو مترقب. والرجاء إما راجع إلى الأعمى، أو إلى الرسول ﷺ . وإيثاره؛ للدلالة على أن رجاء التزكي كافٍ في منع العبوس والإعراض، كيف وهو في نفسه زكي حقيقة؟. وقيل: الضمير للكافر أي: وما يدريك أنَّ ما طمعت فيه من تزكية كائن حتى تهتمّ به، فالترجي لرسول اللَّه ﷺ .
(أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أو يتّعظ فتنفعه موعظتك. وقرأ عاصم بالنصب جواب (لعل) المحمول على التمني، وهذا يؤيد رجوع الضمير إلى الكافر، إلا أن يحمل في
стр. 321
الوجه الأول على المبالغة. أي: كأن الأعمى جديراً بالإقبال لضعفه وإن كان يعيداً حصول تزكيته.
(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) تتعرض بالإقبال إليه.
(وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) أي: وليس عليك عتب في أن لا يزكى بالإسلام، إن عليك إلا البلاغ. هذا وأمثاله وإن كان عتاباً في الظاهر، لكن فيه كمال مدح له ﷺ لاهتمامه بشأن ما أرسل به وبذل جهده.
(وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) يسرع إلى تعلم شرائع الإسلام. (وَهُوَ يَخْشَى (٩) يخاف اللَّه بقلبه.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) وهو التشاغل، من لهي يلهى. وقدم الضمير في الموضعين؛ للتقوى. ويجوز التخصيص على معنى أن التصدي والتلهي إنما ينكر منه دون غيره؛ لعلو مقامه.
(كَلَّا ... (١١) ردع عن المعاتب عليه والعود إلى مثله (إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) الضمير للقرآن، والتأنيث باعتبار الخبر؛ ولذا ذكره ثانياً. والمعنى: أن القرآن موعظة، فمن شاء حفظها، فلا حاجة في الموعظة إلى المبالغة. وفيه توكيد لما تقدم.
(فِي صُحُفٍ ... (١٣) مكتوبه فيها. خير ثان، أو خبر محذوف، أو صفةلـ " تذكرة ".
(مُكَرَّمَةٍ) عند اللَّه؛ لأنَّها أَوعية كلامه.
(مَرْفُوعَةٍ ... (١٤) في السماء، أو مرفوعة المقدار. (مُطَهَّرَةٍ) عن أيدي الشياطين.
(بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ، جمع سافر: وهو الكاتب، أو من السفر: وهو الكشف؛ لإظهاره المكتوب. منه السفر، لأنه يكشف عن الأخلاق.
стр. 322
(كِرَامٍ ... (١٦) عند اللَّه. (بَرَرَةٍ) أتقياء، روى البخاري عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: " الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ ".
(قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) القتل أعظم ما يخافه الإنسان من الشدائد. وعابه على الإنسان المرتكب أعظم القبائح. والدعاء منه تعالى؛ إظهار لغاية السخط.
(مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) تحقيراً له؛ ولذلك فسّره بقوله: (مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ ... (١٩) ولا أقدر منه. (فَقَدَّرَهُ) فسوّاه مهيئاً معداً بالقوى والآلات لمصالح التكليف.
(ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) أي: طريق خروجه من بطن أمّه بأن فتح له فم الرحم وألهمه بأن ينتكس، فإنه في البطن جالس وجهه إلى ظهر أمه فإذا حان وقت خروجه قدّم رأسه وأخرّ رجليه على صفة الغواص، أو ذلّل له سبيل الخير ولم يكلفه ما لا طاقة له به. وفي هذا إشارة إلى أن الدنيا طريق الآخرة كسبيل المارة. وانتصاب السبيل بما يفسِّره الظاهر.
ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) عدّ الموت من النعم؛ لأنه وسيلة إلى النعيم في الجملة. يقال: قَبرت الرجل: إذا دفنته، وأقبرته: إذا مكنته من أن يقبر. (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) للجزاء.
(كَلَّا ... (٢٣) ردع للإنسان عما هو عليه. (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) اللَّه به من الإيمان به بعد هذه النعم. وعن مجاهد: لم يقض أحد من لدن آدم إلى هذا الأوان ما أمره اللَّه
стр. 323
به إذ لم يخل أحد من نوع تفريط. ووجه ذلك أنَّ الضمير عائد إلى مطلق الإنسان المذكور في ضمن المقيّد؛ ولذلك أعاد ذكر الإنسان في قوله: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) ؛ لأن المذكور بعده يعمّ الكل.
(أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) استئناف؛ لبيان كيفية إيجاد الطعام، وقرأ الكوفيون: (أَنَّا) بفتح الألف بدل اشتمال.
(ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) بالنبات أو الحراث، وأسنده إلى ذاته؛ لأنه السبب. (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) جنس الحبوب.
(وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) مصدر قضبَ: قطع، سمي به الرطبة وهي المسمى بالقت؛ لأنها تقطع في عام مراراً. وعن الحسن: كل علف يقطع.
(وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) متكاثفة الأوراق والعروق. مستعار من وصف الرقاب بغلظ الأوداج وانتفاخ الأعصاب مع تداخل بعضها في بعض.
(وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) هو للدواب كالفاكهة للإنسان، وعن ابن عباس ﵄ كل مرعى الدواب أبٌّ. وروى أبو عبيد القاسم بن سلام أن الصدّيق ﵁ سئل عن الأبِّ
стр. 324
فقال. لا أقول في كتاب اللَّه ما لا أعلم. وعن أنس أنَّ عمر بن الخطاب تلا هذه الآية فلما وصل إلى قوله: (وَأَبًّا) قال: ما الأبُّ، ثم حاد وقال: لعمرك يا عمر إن هذا لهو التكلّف.
وهذا يدل على أنهم كانوا طالبين لمقاصد كلام اللَّه تعالى والعمل بمقتضى ما علموا ولهم عن طلب اللغات شغل شاغل وقد علموا أنَّ الآية مسوقة للامتنان على الإنسان، فهم كانوا ساعين في القيام بشكر تلك النعم (مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢) أي: المذكورات.
(فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) أي: النفخة الثانية يقال: صخَّ للحديث وأصاخ: إذا استمع له. وصفت النفخة به مجازاً؛ لأنَّ الناس يصخّون عندها.
(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لاشتغاله بحاله، أو خوفاً من مطالبتهم إياه بما قصَّر فيه من حقوقهم. ويؤيد الأول قوله:
(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وقول الرسل نفسى نفسي. وتأخير الأحب فالأحب؛ للترقي كأنه قيل: يفرّ من أخيه من أبويه من صاحبته من بنيّه.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) مضيئة، من أسفر الصبح: أضاء؛ لسرور القلوب، وقيل: من الصلاة بالليل فإن من تَهَجَّدَ استناَرَ وجهُه. وقيل: من آثار الوضوء. وقيل: من طول ما اغبرّت في سبيل اللَّه.
(ضَاحِكَةٌ ... (٣٩) بما نالت من الربح والفوز. (مُسْتَبْشِرَةٌ) برحمة الله ورضوانه. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) غبار وكدورة.
стр. 325
(تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) يعلوها سواد كالدخان، ولا ترى أقبح من سواد الوجه إذا علاه الغبار.
(أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) أي: الموصوفون باغبرار الوجوه واسودادها هم الذين ضموا إلى الكفر الفجور، فالجزاء على وفق العمل.
* * *
تمّت سورة عبس، والحمد لمن عن كل مكروب نفَّس، والصلاة على رسوله بالليل [إذا] عسعس، وآله وصحبه ما الصبح تنفس.
* * *
стр. 326
سُورَةُ التَّكْوِيرِ
مكية، وهي سبع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَمْسُ كُوِّرَتْ (١) روى الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " من سرّه أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ (إِذَا الشَمْسُ كُوِّرَتْ) و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطرت) و (إذَا السَّمَاءُ انْشَقت) ". والتكوير من كورت العمامة إذا لففتها، والمراد: إذهاب ضوئها أو عينها؛ لأن الثوب إذا أريد دفعه لفّ
стр. 327
وطوي. أو من طعنه فكوّره أي: ألقاها لما روى " أنَّ الشمس والقمر يكوران في جهنّم "؛ لقوله: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ).
(وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) انتثرت؛ لقوله: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) وقيل: أظلمت من كدّرت الماء فانكدر، وهو تفسير باللازم. (وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) عن وجه الأرض تمرّ مرَّ السحاب.
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) أهملت. جمع عشراء وهي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهر، ويبقى هذا الاسم بعد حملها أيضاً؛ ولذلك فسِّر تعطيلها بعدم الحلب وقيل: هى السحاب عطّلت عن المطر.
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) من كلّ أوْبٍ كما يحشر الإنس والجن.
(وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) ملئت بأن يفجر بعضها إلى بعضٍ حتى تصير بحراً واحداً، أو أحْمِيَت، من سجّرت التنور. عن ابن عباس ﵄: أوقدت فصارت نيراناً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " سجِرت " مخفّفاً، والتشديد أبلغ وأوفق بقوله: (زِدْنَاهُم سَعِيرًا).
стр. 328
(وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) كل نفس بشكلها في الموقف الأنبياء ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الأمثل فالأمثل، أو زوجت بأعمالها. وقيل: نفوس المؤمنين بالحور والكفار بالشياطين.
(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) الوأد: دفن الحي في القبر. والغرض من سؤالها تبكيت الوائد على فعله. وليس في الآية دليل على أنَّها في الجنة، ولكن دلت الأحاديث على أنَّ أطفالَ المشركين في الجنة، فهي من باب الأولى، فإن قلت: روى سلمة بن يزيد أنه سأل رسول اللَّه ﷺ أن أمه قد وأدت أختاً له في الجاهلية فقال: " الْوَائِدَةُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ ". قلت: مُعاَرِضاً بِماَ رَوَتْ خنساء بنت معاوية أنَّ عمّها أخبرها أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: " الْمَوْءُودَةُ في الجنة "، ويحمل قوله: " الْمَوْءُودَةُ في النار " على أن تلك المعينة كانت بالغة فإنهم كانوا يدفنون إذا صار قامتها ستة أشبار.
стр. 329
(وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) عند الحساب فإنَّها تطوى بعد الموت. وقيل: هي غير صحف الأعمال بل صحف تطير من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في الجنة، وصحيفة الكافر في يده في النار. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وحمزة والكسائي؛ (نشِّرت) مشدداً؛ لكثرة الصحف، أو لشدة التطاير.
(وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) كما يكشط الجلد من المسلوخ (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) أوقدت إيقاداً شديداً. وقرأ نافع وابن ذكوان وحفص بتشديد العين، والأبلغية فيه كما في سجِّرت.
(وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) قرّبت من المؤمنين كقوله: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) هذه اثنتا عشر خصلة ستٌّ منها في الدنيا، وستٌّ في الآخرة.
(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) جواب (إِذَا الشَمْسُ كُوِّرَتْ) وما عطف عليه، وهو العامل فيها. والمعنى: علمت كلّ نفس؛ لقوله. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ)، وإنما نكّره؛ لأن الكلام صادر عن مقام الكبرياء إشارة إلى أن من يكَوِّرُ يعتبر هذه الأجرام العظام فعله يستقلّ النفوس الإنسانية في جنب قدرته، فهي كنفس واحدة.
(فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) هي الكواكب؛ لأنَّها تخنس أي: تتأخر في المغيب، أو تختفي، ومنه سمي الشيطان خناساً؛ لأنه يتأخر إذا ذكر اللَّه. وقيل: هي السيّارة دون الثوابت. وقال الفراء: " هي الخمسة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد ".
стр. 330
(الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) التي تكنس أي: تستتر، من كنس الظبي: دخل في كناسه، وقيل. تظهر بالليل بعد الخنس بالنهار.
(وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) أدبر؛ لقول العجاج:
حتى إذَا الصُّبْحُ لَهَا تَنَفَّسا ... وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وَعَسْعَسا
وقيل: أقبل، وهو من الأضداد. وكلا المعنين حسن.
(وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) النهار بغشيان الليل يصير كالمكروب، فجعل تخلصه منه بانكشاف الليل عنه كتنفس المكروب بعد زوال الكرب، أو جعل نسيم الصباح؛ لاشتماله على الروح كالتنفس المفرج عن القلب.
(إِنَّهُ ... (١٩) أي: القرآن. (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) عند اللَّه، وهو جبرائيل. وكون القرآن قوله؛ لملابسة التبليغ.
(ذِي قُوَّةٍ ... (٢٠) أي: قوة كقوله: (شَدِيدُ الْقُوَى) (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) ذي مكانة وعزٍّ.
стр. 331
(مُطَاعٍ ... (٢١) بين الملأ الأعلى والكروبيين. (ثَمَّ أَمِينٍ) أي: عند اللَّه موصوف بالأمانة على وحي اللَّه وتنفيذ أوامره.
(وَمَا صَاحِبُكُمْ ... (٢٢) أي: رسول اللَّه ﷺ . (بِمَجْنُونٍ) كما تزعمون. [وليس الكلام مسوقاً للموازنة والمفاضلة بين جبرائيل ورسول اللَّه ﵉ حتى يستدل بتلك الأوصاف الفاضلة على أفضليته على المرسل إليه، بل مسوق؛ لبيان حقية المنزل. ولا شكّ أنَّ وصف الآتي به بتلك الصفات الكوامل يشد من أعضاده أبلغ شد، ألا يرى إلى مقام الحث على اتباعه كيف جعله سراجاً منيراً ورحمة للعالمين].
(وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) بمطلع الشمس الأعلى. (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ ... (٢٤) أي: محمد في إخباره عن المغيبات. (بِضَنِينٍ) بمتهم؛ ولذلك تعدى إلى مفعول واحد، أي: ولا يتهم فيما يوحى إليه بنقص أو زيادة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة: بالضاد وعليه الرسم، أي. ليس ببخيل في تبليغ ما أوحي إليه. والأول أوفق بقوله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) وقوله. (أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) ونظائرها.
(وَمَا هُوَ ... (٢٥) أي: القرآن. (بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) مطرود، تصريح بما علم ضمناً ونفي للكهانة والتنجيم، ولتقابل به (رَسُولٍ كَرِيمٍ).
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) شبه عقولهم عن الحق واتباعه بالعدول عن الجادة والذهاب عنها إلى المهالك من الفيافي والمفاوز.
(إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ ... (٢٧) موعظة. (لِلْعَالَمِينَ) من الثقلين. (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) بدل من (الْعَالَمِينَ)؛ لأنهم المنتفعون بالتذكير.
стр. 332
(وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ... (٢٩) مشيئتكم، حذف؛ لدلالة الفعل عليه. (رَبُّ الْعَالَمِينَ) مالكهم والمتصرف فيه، فلا يكون شيء إلا بإرادته ومقتضى مشيئته.
* * *
تمت سورة التكوير، والحمد للواحد الخبير، والصلاة على البشير النذير، وآله وصحبه كل صغير وكبير.
* * *
стр. 333
سُورَةُ الانْفِطَارِ
مكية، وآيها سبع عشرة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) انشقت (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) تساقطت.
(وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) بعضها إلى بعض بإزالة البرزخ فتصير بحراً واحداً، ثم تنشق الأرض فتبقى مستوية (لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا).
(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) بعثت موتاها. والتاء زائدة للإلحاق مبالغة، مثله بحشر لفظاً ومعنى.
(عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) ما قدمت من الأعمال الصالحة وما ضيعت، أو ما أخرت من سنة حسنة أو سيئة، أو ما قدمت في أول عمرها وما أخرت في آخره.
(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) أيِّ شيءٍ جرَّأك على عصيانه. وذكر الكريم؛ للمبالغة في المنع عن الاغترار، وللإشارة إلى أن الباعث على ذلك إنما كان تسويل الشيطان بأن ربَّك كريم يعفو ويغفر. وقيل؛ إنما ذكر وصف الكريم من كرمه تلقيناً له
стр. 334
ليقول: غرني كرمك. وهذا باطل؛ لأنَّ الإنسان المذكور خاص بالكافر؛ لقوله: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ)، أو عام له وللمؤمن؛ لقوله: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ)، ولا وجه لتلقين الكافر حجته.
(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) الذي أوجدك سويّاً، تامَّ الخلق، معتدل الأعضاء، فلا يد أطول من أختها، ولا عين أوسع من نظيرتها، وكذا ماثل بين سائر الأطراف. وقرأ الكوفيون: " عَدَلَكَ " مخففاً، من العدل وهو الميل فكالمشدد إلا ما فيه من المبالغة أو الصرف، أي: نحا بك عن خلق سائر الحيوانات، أو إلى شبه الأبوين، أو إلى الطول والقصر، أو الذُّكورة والأنوثة.
(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) أي: ركبّك في أيّ صورة اقتضتها مشيئته، فـ " ما " زائدة، و " أَيِّ " للصفة، ولمّا أريد التعميم حذف موصوفها، ويجوز تعليقها بـ (عَدَلَكَ) أي: عدلك في صورة وأيّ صورة. كقولك: مررت برجل أيِّ رجل، وحذف الموصوف؛ لزيادة التفخيم والتعجب، ثم قال (مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) أي: ركبّك ما شاء أي: تركيياً بديعاً.
стр. 335
(كَلَّا ... (٩) ردع عن الاغترار بكرمه. (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) إضراب إلى ما هو السبب الأصلي في الاغترار وهو تكذيب القرآن والرسل بوقوع الجزاء. فإن قلت. هذا إنما يستقيم إذا أريد بالإنسان الكافر، أما إذا كان عاماً فلا. قلت: إذا كان عاماً يكون خطاباً للكل بما وجد بينهم.
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) جملة حالية، أي: إنكم تكذبون بالجزاء، والحال أن شأنه أمر خطير، مع علمه الشامل قد وكّل بكم من يحفظ عليكم النقير والقطمير، وأثنى على الكتبة إشارة إلى عظم أمر الجزاء.
(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) اللام للعهد. وهم الذين يكذبون بيوم الدين؛ لقوله: (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ).
(يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) كقوله: (وَمَا همْ منهَا بمُخرَجِين) صريح في سرمدية العذاب، ثمّ فخّم شأن الجزاء بتفخيم يومه بقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) أبهم أمره، وخاطب أعلم الخلق بأنه لم يحط بكنه ذلك اليوم، وكرّر ذلك، وآثر " ثم " للتراخي رتبة؛ إشارة إلى أنه مهما ترقى في العلم لم يبلغ ذلك، ثم أجمل بقوله:
стр. 336
(يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) تقريراً لشدة هوله وفخامة أمره. وقرأ ابن كثر وأبو عمرو. " يومُ "؛ بالرفع خبر مبتدأ، أَي: يوم الدين يوم لا يملك، أو بدل كل منه ومن قرأ بالفتح بناه؛ لإضافته إلى غير المتمكن، كقول علي ﵁:
أيَوم لم يُقدر أم يَومَ قُدر ... من أيِّ يِومَي زمنَ الموت أَفرّ ...
* * *
تمت سورة انفطرت، والحمد لمن آلاؤه تواترت، والصلاة على من آياته بهرت، وآله وصحبه ما غابت النجوم أو لمعت.
* * *
стр. 337
سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ
آيها ست وثلاثون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) التطفيف: نقص الكيل والوزن، من الطفف وهو القليل؛ لأن الذي يسرق من كيل أو وزن واحد لا يكون إلا قليلاً، وعن الزجاج: مأخوذ من طفّ الشيء: جانبه. روى النسائي وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ " أنَّ رسول اللَّه ﷺ قدم المدينة وهم أخبث الناس كيلاً، فنزلت، فأحسنوا الكيل ". وروى أنه لما قرأ الآية عليهم قال: " خمس بخمس ما نقض قوم العهد إلا سلط اللَّه عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل به إلا سلط عليهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا أخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر ".
стр. 338
(الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) أي: إذا اكتالوا لأنفسهم ما لهم على الناس يأخذونه كملاً.
وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أي: كالوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، أو مكيلهم فحذف المضاف. وقيل: الضمير للفصل راجع إلى المطففين وليس كذلك؛ لأن الغرض بيان اختلاف حالهم في الأخذ والإعطاء لا بيان المباشرة وعدمها، ولاستدعائه إثبات الألف بعد الواو كما في نظائره، ولم يذكر الاتزان مع الاكتيال اكتفاء به. وقيل. كأنهم كانوا يأخذون الموزون بالمكيال ليتمكنوا من الاستيفاء والسرقة لاحتمال أن تزعزع الكيل ويحتال في المليء، بخلاف الميزان؛ لأنه لا يقبل ذلك.
(أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) صدر الكلام بحرف التنبيه إيقاظاً، وذكر الظن؛ دلالة على أن الظن كاف في الكَفِّ عن التطفيف، كيف والفاعل قاطع متيقن؟. ووصف اليوم بالعِظَمِ؛ لعِظمِ ما يقع فيه. واسم الإشارة للشتم نحو: ذلك اللعين. وكل هذه التشديدات ليس من حيث التطفيف؛ بل لأن الميزان قانون العدل الذي به قامت السماوات والأرض.
стр. 339
(يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦) نصب بـ (مَبعُوثونَ)، أو بدل من الجار والمجرور. روى البخاري عن ابن عمر ﵄ " أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه ".
(كَلَّا ... (٧) ردع عن التطفيف. (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) عقب ذكر التطفيف حديث الفجار؛ زيادة تنفير عنه. والسجّين: فعيل من السجن وهو الضيق، سمي به الكتاب الجامع لأعمال الشياطين والكفرة؛ لأنه سبب للتضييق، أو لأنه مطروح في مكان مظلم تحت الأرض السابعة، فيقدّر مضاف أي: أن موضع كتاب الفجار، ونقل الواحدى بإسناده: " أن السِّجِّين بئر مفتوح في جهتم ". والغرض من وصف كتابهم بالوصف الشنيع تقبيح حالهم وسفالة محلّهم.
وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، أو مسطور بيّن الكتابة. وإن كان اسم موضع فالتقدير: ما كتاب السجين، أو محلّ كتاب مرقوم، حذف منه المضاف.
стр. 340
(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وصف مؤكد أو ذامّ؛ لأنَّ اللام في المكذبين للعهد.
(وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ ... (١٢) متجاوز عن الحدّ حيث تقلد فيما لا يصح فيه، وقطع النظر عن الآيات والنذرَ (أَثِيمٍ) كثير الإثم منهمك في الشهوات حيث شغله ذلك عن التفكر.
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) من فرط جهله وعدم تأمله، لا ينفعه شواهد النقل كما لا ينفعه دلائل العقل.
(كَلَّا ... (١٤) ليس الأمر كما قالوا من أنه أساطير (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) الرين: صدأٌ يعتري القلب من تكاثر الذنوب. عن الحسن: " هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب ". روى النسائي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ قال: " إذا أذنب العبد ذنباً كانت نكتة في قلبه فإن هو نزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد ازدادت حتى يعلو القلب فهو الرين الذي قال اللَّه تعالى: (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ".
стр. 341
(كَلَّا ... (١٥) ردع عن الكسب الرائن (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) تمثيل لحالهم في الإهانة بحال من استأذن على ملك فلم يؤذن له. (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) لداخلون النار لا محالة.
(ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) تقريعاً لهم، وزيادة في العذاب.
(كَلَّا ... (١٨) تكرير للأول؛ ليعقب له وعد الأبرار كما عقب به وعيد الفجار، أو ردع عن التكذيب (إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) علم كتاب الأبرار، أو موضع يكون فيه الكتاب. جمع علّيّ في الأصل، من العلو، سمي به؛ لأنه سيب العلو والارتفاع في الجنة، أو لأنه مرفوع إلى السماء السابعة.
(يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) الكروبيون يحفظون منه المعارف، أو ليشهدوا على ما فيه يوم القيامة.
(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) على الأسرة الحجال ينظرون إلى ما شاءوا مدّ أبصارهم مما تستلذه الأعين.
(تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) بهجة التنعم ورونقه كما ترى وجوه أهل الثروة والملوك في الدنيا.
(يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ ... (٢٥) من أسماء الخمر (مَخْتُومٍ)؛ لئلا يبتذله الأيدي.
стр. 342
(خِتَامُهُ مِسْكٌ ... (٢٦) مكان الطينة في أباريق الملوك، وهذا غاية الإكرام. وقرأ الكسائي: وخاتَمه بفتح التاء وهو ما يختم به، كالأول. وقيل: معنى الأول أنَّ المسك سرى إلى آخره. (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) فليرتغب المرتغبون.
(وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) اسم عين، في الأصل مصدر سنَّمَة: إذا رفعه. إما لأنها أرفع شراب في الجنة، أو لأنَّها تجري في الهواء متسنمة، فتنصب في أوانيهم.
(عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) صِرفاً؛ لأنهم لم يلتفتوا إلى غير طاعة اللَّه تعالى ولم يشغلوا سرِّهم بغيره، وانتصاب " عَيْنًا " على المدح، أو الحال " مِنْ تَسْنِيمٍ "، و " الباء " في " بِهَا " مزيدة، أو بمعنى " مِن ".
(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) هم أبو جهل وأضرابه كانوا إذا رأوا صهيباً وبلالاً وعماراً، وسائر الفقراء يضحكون استهزاء بهم.
(وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)
يشير بعضهم إلى بعض بالعين والحاجب استحقاراً.
стр. 343
(وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) مستلذين أشراً وبطراً مما هم فيه من الحطام، وبما فيه فقراء الصحابة ﵃ من الضنك واللأواء. وقرأ حفص: " فَكِهِينَ " مقصوراً، والمد أولى؛ لوجود ذلك وقت الانقلاب. والرسم على القصر.
(وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) طريق الرشاد في اتباع محمد وترك دين الأشياخ.
(وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) موكلين بهم حتى يقولوا فيهم بالضلال والرشد. رد منه تعالى عليهم، أو هو كلام الكفار لهم إذا دعوهم إلى الإيمان. وكان الظاهر: وما أرسلوا علينا حافطين إلا أنه سلك طريقة الغيبة كقولك: قال زيد ليفعلن كذا.
(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) بدل ما كانوا يضحكون منهم في الدنيا. (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) حال من " يَضْحَكُونَ ".
(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) المخاطب: هم المؤمنون عَلَى الْأَرَإئِكِ إذا نظروا إلى الكفار في جهنم؛ زيادة في سرورهم، وأن اللَّه تعالى قد كافأهم. والتثويب: الإثابة، استعمل في العذاب؛ تهكماً، والاستفهام للتقرير.
* * *
تمّت سورة التطفيف، والحمد للكريم اللطيف، والصلاة على الرسول الشريف، وآله وصحبه ذوي الفضل المنيف.
* * *
стр. 344
سُورَةُ الانْشِقَاقِ
مكية، وآيها خمس وعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) أي: بالغمام وتنزل فيه ملائكة العذاب كقوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا). وعن علي ﵁: " تنشق من المجرة".
(وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا ... (٢) واستمعت له، من الإذن وهو الاستماع. والمعنى: أطاعت لما أريد منها من الانشقاق إطاعة المأمور إذا ورد عليه أمر من الآمر المطاع. (وَحُقَّتْ) وكانت محقوقة جديرة بالإطاعة؛ لورود أمر القاهر المقتدر الذي لا يتأبى عليه مراد. والجواب محذوف؛ ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما علم في سورتي التكوير والانفطار. وقيل: الجواب: ما دل عليه (فَمُلَاقِيهِ) أي: إذا وقع ذلك لاقى الإنسان كدحه، أو (فَمُلَاقِيهِ) على أنَّ (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا) اعتراض.
стр. 345
(وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) عن ابن عباس: " مدِّ الأديم العكاظي (لَا تَرَى فيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) "، أو هو من المدد أي: زيدت سعة وبسطة، والأول أظهر؛ إذ إيجاد أَجزاء أخر مضافة لم يشهد له خبر ولا أثر.
(وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا ... (٤) من الأموات والكنوز (وَتَخَلَّتْ) غاية الخلو؛ لدلالة التفعّل على التكلف. كأنها كلفت أن تبلغ في ذلك غاية الجهد.
(وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) أي: في إلقاء ما في بطنها وتخليها، ولا تكرار؛ لأن الأول في السماء وهذا في الأرض.
(يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) الكدح: الجد والجهد في العمل. والضمير في (فَملَاقيهِ) للرب أَي. لا مفرّ لك منه، أو للكدح أي: ملاقٍ جزاءه كما في الحديث. " إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالكُمْ تردّ إليكم " ثم فصل ذلك بقوله:
стр. 346
(فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) سهلاً من غير مناقشة تشق عليه. روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عائشة ﵂: " أن رسول اللَّه ﷺ قال: ليس أحد يحاسب إلا عُذِّب قلت: أو ليس اللَّه يقول: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قال: ذَلِكِ الْعَرض وَلَكِنْ مَنْ نوقِشَ الْحِسَاب هلك ". وعنها: " سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: اللَّهم حاسبني حسابا يسيرا قلت: يا رسول اللَّه ما الحساب اليسير؟ قال: أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه ".
(وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ ... (٩) أي: عشيرته، أو إلى فريق المؤمنين، أو إلى أهله في الجنة من الحور والولدان. (مَسْرُورًا) فرحاً.
(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) تغلّ يمناه إلى عنقه، وتثنى شماله إلى وراء ظهره. (فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) أي: يدعو بالويل والهلاك.
стр. 347
(وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر والكسائي: بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، من التصلية كقوله: (وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) معدى إلى مفعولين.
(إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) سرور بطر بالمال والجاه، لا يخطر بباله أمر الآخرة.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) تعليل لذلك السرور. (بَلَى ... (١٥) إيجاب بعد النفي بـ " لن ". أي: ليحورنَّ لا محالة. والحور: هو الرجوع. وفي الحديث: " نعوذ باللَّه من ْالحَوْر بعد الكَوْر " أي: الرجوع عن الدين بعد الدخول فيه. (إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) فيجازيه على أعماله.
(فَلَا أُقْسِمُ بِالشَفَقِ (١٦) وهي الحمرة بعد مغيب الشمس، وعن أبي حنيفة: هي البياض، وروى أسد بن عمرو: أنه رجع عن ذلك، مأخوذ من الشفقة؛ لرقته.
стр. 348
(وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وما أحاط به الليل من الكائنات، من الوسق وهو الجمع. (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) انتظم واجتمع نوره إذا كان بدراً.
(لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) أي: حالاً متجاوزاً عن الآخر في الشدة، وهي الموت وما بعده من الأهوال. والطبق: ما طابق غيره أي: وافقه، ومنه أطباق الثرى، والطبق: الغطاء. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء على أنه خطاب لرسول اللَّه ﷺ . وعد له بالإسراء أي: لتسلكن أطباق السماوات في المعراج، أو لكل أحد من أفراد الإنسان نظراً إلى لفظه أي: لفظ الإنسان فإنه مفرد.
(فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) بالبعث بعد ظهور دلائله.
(وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) لا يخضعون إكراماً له؛ لدلالة إعجازه على أنه كلام اللَّه. واستدل به أبو حنيفة ﵀ على وجوب السجود؛ لأنَّ الذم لا يكون إلا على ترك الواجب. روى مسلم والبخاري عن أبي هريرة ﵁: " أنه سجد فيها وقال سجدت خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه ". قيل:
стр. 349
قرأ رسول اللَّه ﷺ ذات يوم: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فسجد وسجد معه المؤمنون فصفق المشركون وتضاحكوا فنزلت: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) بالقرآن، والدليل إنما ينفع المسترشد.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) بما يضمرونه من الكفر والرذائل، أو بما يجمعونه في صحائف أعمالهم. (فَبَشِرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) تهكم بهم.
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ... (٢٥) استتناء منقطع، أو متصل بتقدير الضمير أي: منهم. (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) مقطوع، أو مشوب بالمنة.
* * *
تمّت سورة الانشقاق، والحمد للواحد الخلَّاق، والصلاة على الكامل بالاتفاق، وآله وصحبه إلى يوم التلاق.
* * *
стр. 350
سُورَةُ الْبُرُوجِ
مكية، وآيها اثنتان وعشرون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) هي البروج الاثنا عشر المشهورة. والإقسام بها؛ لأن سير الشمس فيها، وبه نيط نظام العالم السفلي. أو منازل القمر؛ لأن تلك البروج منقسمة إلى ثمانية وعشرين منزلاً. أو الكواكب العظام. أو أبواب السماء، فإنَّ النوازل يظهر منها. وأصل التركيب للظهور، ومنه تبرج المرأة. (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) يوم القيامة.
(وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) عن أبي هريرة وأبي مالك الأشعري عن رسول اللَّه ﷺ : " الشاهد: يوم الجمعة، والمشهود: يوم عرفة " وكذا عن سعيد بن المسيب، وعن ابن عباس
стр. 351
- ﷺ : " الشاهد: محمد، والمشهود: يوم القيامة؛ وعن سعيد بن جبير: " الشاهد: هو اللَّه، والمشهود: يوم القيامة ".
(قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) دليل جواب القسم، أي: أقسم أنَّ قريشاً لملعونون، أحقاء بأن يقال فيهم: قتلوا كما قتل أصحاب الأخدود. وقيل: المذكور هو الجواب. والأول: هو الوجه، لأنَّ الكلام مسوق لتصبير المؤمنين وتهديد المشركن كما دل عليه آخر السورة. والأخدود: جمع خدّ وهو الشق. وفي الحديث: " أَنْهَارُ الجَنَّةِ تَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدود " والقصة على ما رواها مسلم: " أنَّ رسول اللَّه ﷺ أخبر أنه كان فيمن كان قبلكم ملك كافر له ساحر، فلما كبر سأل الملك أن يدفع إليه غلاماً ليعلمه السحر، فدفع إليه غلاماً، وكان في طريق الغلام راهب على ملة عيسى، فسَمِعَ الرَّاهِبَ وأَعْجَبَهُ كلامه، فانقطع من الساحر إلى الراهب، فكان يضربه الساحر لانقطاعه، فقال له الراهب، إذا قال لك الساحر ما حبسك عني قل حبسني أهلي، وإذا سألك أهلك قل حبسني الساحر، فمرّ يوماً على دابة عظيمة في الطريق قد حبست الناس، فأخذ حجراً فقال: " اللَّهم إن كان أمر الراهب أحب
стр. 352
إليك من الساحر فاقتل هذه الدابة "، فرماها فقتلها فأخبر الراهب فقال: " إنك أفضل مني، وستبتلى فلا تدل عليَّ "، فشرع الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، وكان جليس الملك قد عمي، فأتى الغلامَ بأموال وقال: " اشفني "، قال. " الشافي هو اللَّه، فإن آمنت به دعوت اللَّه فشفاك "، فآمن فدعا الغلام فشفاه اللَّه، فلما حضر الملك قال. " من ردّ عليك البصر "؟ قال: " ربي "، قال: " أنا "؟ قال: " لا، ربي وربك اللَّه "، فأخذه يعذبه حتى دل على الغلام، فلما أتي به قال: " بلغ من سحرك أنك تبرئ الأكمه والأبرص "؟ قال: " الشافي هو اللَّه "، قال: " أولك ربٌّ غيري "؟ قال: " ربي وربك اللَّه "، فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب، فقال للراهب: " ارجع عن دينك " فلم يرجع، فوضع المنشار على رأسه فشقه، ودفع الغلام إلى جماعة فقال: " اذهبوا به إلى ذروة شاهق فألقوه "، فلما علوا به الجبل، فقال: " اللَّهم أكفنيهم "، فرجف بهم الجبل فهلكوا عن آخرهم، فرجع الغلام سالماً، فسأله الملك عن القوم؟ فقال: " هلكوا "، فدفعه إلى نفر وقال: " اجعلوه في قرقور " فإذا توسطتم البحر فألقوه في البحر "، فلما توسطوا البحر قال: " اللَّهم اكفنيهم "، فغرقوا ورجع الغلام إلى الملك، فقال: " ما فعل أصحابك "؟ قال: " غرقوا "، ثم قال للملك: " أنت لا تقدر على قتلي إلا إذا فعلت ما آمرك به، اجمع الناس في صعيد واحد واصلبني، وخذ سهمًا من كنانتي وقل: بسم اللَّه ربِّ الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قدرت على قتلي "، ففعل ذلك فقُتل الغلام، فقال الناس: " آمنا بربِّ الغلام " فأمر بأفواه السكك فخدّت أخاديد وأضرمت فيها النيران وقال: " من رجع عن دينه فدعوه "، فكانوا يتعادون ويتدافعون إلى النار رغبة في الموت على الدِّين، فجاءت امرأة تحمل رضيعا فتقاعست فناداها الرضيع: " يا أمِّاه اصبري فإنك على الحق "، فألقت نفسها مع الصبي ". وعن عليٍّ: أنهم حين اختلفوا في
стр. 353
أحكام المجوس، قال: هم أهل كتاب، وكانوا متمسكين به، فشرب بعض ملوكهم الخمر، ووقع على أخته، فلمّا صحا ندم وطلب المخرَجَ، فقالت أختُه: المخرج أن يخطب ويقول في الخُطبة: أيها الناس إنَّ اللَّه قد أحلّ نكاحَ الأخواتِ، ثم بعد ذلك تَخْطُبُ وتقول: إنَّ الله قد حرّم ذلك، فخطب، فلم يقبلوا منه فبسط فيهم السوطَ فلم يقبلوا، فقالت: ابسِطْ فيهم السيفَ، ففعل فلم يقبلوا، فأمرتْه بالأخدودِ وإيقادِ النار وإلقاء من أبى فيها ".
وروى ابن إسحاق: أنَّ رجلا عالماً من علماء النصارى وقع بنجران فدعاهم إلى دين عيسى فآمنوا به فسار إليهم ذو نواس اليهودي من بلاد اليمن، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا،
стр. 354
فأحرق منهم اثني عشر ألفاً، وقيل سبعين ونجا منهم رجل فلحق بقيصر، فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يحثه على قتال ذي نواس ونصر دين عيسى، فأرسل النجاشي جيشاً أميرهم أرياط فهزم ذا نواس اليهودي، حتى دخل البحر في سفينة وغرق فيها، واستمر مُلك اليمن في يد الحبشة سبعين سنة حتى استنقذه سيف بن ذي يزن من أبناء تبع وهو الذي أخبر عبد المطلب بشأن رسول اللَّه وصفاته ".
(النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) النار بدل اشتمال. و (ذَاتِ الْوَقُودِ) صفة لها بالعظمة وكثرة الوقود من الحطب والناس. قيل: كان طول الأخدود أربعين ذراعاً في عرض اثني عشر.
(إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) ظرفا لـ " قتل "، أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها.
стр. 355
(وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه
سعى في إحراقهم ولم يقصر، أو يشهدون يوم القيامة على أنفسهم (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ).
(وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) أي: وما عابوا منهم إلا أفضل المناقب، وأحسن الخصال وهو الإيمان بمن هذه صفاته، من كونه غالباً على كل شيء، منعماً محموداً على نعمه. كقوله:
وَلا عَيبَ فيهِم غَيرَ أَن سييوفَهُم ... بِهِنِّ فُلولٌ مِن قِراعِ الكَتائبِ.
(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) أعاد المظهر؛ للدلالة على أنَّ شمول العلم شأن الألوهية ومن لوازمها.
(إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ... (١٠) يشمل أصحاب الأخدود وغيرهم (فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ) لكفرهم. (وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) نار أخرى عظيمة تتسع بهم كما يتسع الحريق لفتنتهم، وقيل: هم أصحاب الأخدود لما روي " أنَّ النار انقلبت عليهم فأحرقتهم ".
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) الذي يستحقر ملك الدنيا دونه.
следующие страницы →