Полный текст (282 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٤ - وبينونتها منه (١)
٥ - وانقضاء عدتها منه.
"فصل" وإذا حلف أن لا يطأ زوجته مطلقا أو مدة تزيد على أربعة أشهر فهو مول ويؤجل له إن سألت ذلك أربعة أشهر ثم يخير بين الفيئة والتكفير أو الطلاق (٢) ، الحواشي
(١) أيَ انقطاع عقدة نكاحها منه بطلاق أو فسخ أو موت.(٢) أيَ يُطلْب منهُ أنْ يرجع عن حلفه. فيطأ زوجته ويكفر عن يمينه، فإن أبي طْلِبَ منه أن يطلقَ.
قال تعالى: (للذِينَ يؤْلَونَ من نسَائهمِ ترَبص أربعة أشهر فإنْ فَاؤوا فَإن اللهَ غفور رَحِيم. وَإنْ عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم "/ البقرة: ٢٦ - ٢٧ /.
[يؤلونَ: من الإيلاء، وهو الحلف كما ذكر. تربص: انتظار=стр. 177
فإن امتنع طلق عليه الحاكم (١) .
"فصل" والظهار: أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي (٢) فإذا قال ذلك ولم يتبعه بالطلاق صار عائدا (٣) ولزمته الكفارة.
والكفارة: عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل والكسب فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد ولا يحل للمظاهر وطؤها حتى الحواشي
(١) لإزالة الضرر عنها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتطليق عليه.(٢) أي تَحْرُمُ عليَ معاشرتُك كما تحرمُ علي معاشرةُ أمي معاشرةَ الأزواج. هذا القول حرامٌ بإجماع المسلمين، قال الله تعالى: "الَذين يظَاهِرونَ مِنْكَمْ منْ نِسَائهم مَا هُن أمهَاتِهِمْ إنْ أمهاتُهُم إلا اللاَئِي وَلدْنَهُمْ وَإنَهُمْ ليقولونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً وَإن الله لعفوا غفُور" / المجادلة: ٢/.
[زوراً: باطلا ً وكذباً].(٣) أي مخالفاً لما قال، وهو تحريم زوجته عليه، لأن إمساكها وعدم تطليقها مخالف لتحريمها.стр. 178
يكفر (١) .
"فصل" وإذا رمى الرجل زوجته بالزنا فعليه حد القذف إلا أن يقيم البينة أو يلاعن (٢) فيقول عند الحاكم في الجامع على المنبر في جماعة من الناس (٣) : أشهد بالله الحواشي
(١) قال الله تعالى: "وَالَّذينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهم ثُم يَعَودونَ لِمَا قَالوا فَتَحْرِير رَقًبَة مِنْ قبْلِ أنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمُ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْملَون. َخَبِيرُ. فمَنْ لَمْ يجِدْ فصِيَامُ شَهرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أنْ يتَماَسا فَمَن لَمْ يَستَطع فَإطْعَامُ ستينَ مِسكِيناً ذَلِكَ لِتُؤمنوا بِاللهِ ورسولِهِ وَتِلكَ حُدُودُ اللهِ ولِلكافرِينَ عَذَابٌ ألِيمٌ "/ المجادلة: ٣ - ٤/.
[أن يتماسا: من المماسة والمراد بها المجامعة. ذلك: أي البيان والتعليم. لتؤمنوا: لتصدقوا. حدود الله: أحكَامه التي لا يجوز تجاوزها].(٢) روى البخاري(٤٤٧٠) عن ابن عباس ﵄: أن هلال ابن أمَيّةَ قذف امرأته عند النبي ﷺ بشَريكِ بن سَمحَاءَ، فقال النبي ﷺ : (البَينَةَ أوْحَد في ظهرِكَ) ... فقال هلال: والذيَ بعثك بالحق إني لصادق، فَلْيُنزِلَن الله ما يُبرىءُ ظهري من الحد. فنزل جبريل وأنزل عليه: "والَذَينَ يَرْمونَ أزْوَاجَهمْ ... ".(٣) روى البخاري(٥٠٠٣) ومسلم(١٤٩٢) عن سهل بن سعد ﵁: أنْ رَجُلا مِنَ الأنْصَارِ جَاءَ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، أرَأيْتَ رَجلاً وجد مع امرأته رجلا، أيَقْتُلهُ أمْ كيف يفعلُ؟ فأنزل الله في شَأنه ما ذُْكرَ في القرآن من ْ أمر المتلَاَعِنَيْنِ، فقال النبي ﷺ : َ (قَدْ قَضىً الله فيكَ وَفي امْرَأتِكَ). قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. وفي رواية: فتلاعنا وأنا مع النَّاسِ عندَ رسول الله ﷺ . وعند أبي داود=стр. 179
إنني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا وإن هذا الولد من الزنا وليس مني أربع مرات ويقول في المرة الخامسة بعد أن يعظه الحاكم وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين (١) .
ويتعلق بلعانة خمسة أحكام:
١ - سقوط الحد عنه
٢ - ووجوب الحد عليها
٣ - وزوال الفراش
٤ - ونفي الولد
٥ - والتحريم على الأبد (٢) . الحواشي
(٢٢٥٠) قال سهلِ: حضَرْتُ هذا عند رسول الله ﷺ .
فمَضتِ السنة بَعْدُ في المتلاعنين: أنْ يُفرَّقَ بَينهُمَا، ثم لا يجتَمعان أبداً.(١) قالَ الله تعالى: " وَالَّذينَ يرْمونَ أزْوَاجَهُمْ وَلمْ يَكُنْ لَهُمْ شهدَاء إلا أنْفسُهمْ فَشَهًادَة أحَدهِم أربع شَهَادَات بالله إنَّهُ لمَنْ الصَّادقِين. وَالْخَامِسة أن لعْنةَ الله عليَه إنْ كًانً مِنَ الكَاذبين " / النور: ٦، ٧/ [يرمون: يتهمونَهن بالزنا].
روى البخاريَ(٥٠٠١) عن ابن عباس ﵄: أنَ هِلالَ ابنَ أميةَ قذَفَ امْرَأتَه، فجاء فشَهِدَ، والنبي ﷺ يقول: (إن الله يعْلَمُ أن أحدكُمَا كَاذبٌ، فَهلْ مِنْكُمَا تائب). وفي رواية عن ابن عمر ﵄(٥٠٠٦) كرر ذلك ﷺ ثلاث مرات. ثَم قامَتْ فَشَهِدَتْ.
وروي أبو داود(٢٢٦٣) وغيره، عن أبي هريرة ﵁: أنَهُ سَمع رسولَ الله ﷺ يقول، حينَ نزَلَتْ آيةُ المتلاعنين: (أيّمَا امرأة أدْخَلَتْ عَلى قَوْم منْ ليسْ منِهُمْ فَليَستْ منَ الله في شَيء، وَلن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وَهوَ ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأولين والأخرين)(٢) روى البخاري(٥٠٠٩) ومسلم(١٤٩٤) عن ابن عمر رضي اللهстр. 180
ويسقط الحد عليها بأن تلتعن فتقول: أشهد بالله إن فلانا هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا أربع مرات وتقول في الخامسة بعد أن يعظها الحاكم وعلى غضب الله إن كان من الصادقين (١) .
"فصل" والمعتدة على ضربين:
١ - متوفى عنها
٢ - وغير متوفى عنها
فالمتوفى عنها: إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل (٢) الحواشي
(٥٠٠٦) قال النبي ﷺ لهما: (حسابُكما عَلى الله، أحَدُكمَا كاَذب، لا َسَبيلَ لَكَ عَليهما) أي لَيس لك رجعة إليها ولا تلاقي بينكَما، وَلو بعقد جديد. وانظر حا ١ ص ١٧٨.(١) قال تعالى: " ويدْرَأْ عَنْهَا العَذَابَ أنْ تَشْهَدَ أربعً شَهَادَات بِاللهِ إنّه لِمَنَ الكَاذِبين َ. وَالخَامِسَةَ أن غَضَبَ اللهِ عليْهَا إنْ كَان منَ الصادقين " / النور: ٨، ٩/.
[يدرأَ: يدفع ويرفع. العذاب: حد الزنا وهو الرجم هنا].
وعند مسلم(١٤٩٣) : ثم دعاها فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الأخرة.(٢) لقوله تعالى:" وأولات الأحمَال أجَلَهن أنْ يَضَعنَ حَمْلَهُن " / الطلاق: ٤/. [أولات الأحمال: اَلحاملات. أجلهن: مدة عدتهن]
:وروى البخاري(٥٠١٤) عن المِسْوَرِ بن مخرمة ﵁:
أن سَبيْعَة الأسلميةَ نَفسَتْ بَعْدَ وفاة زوجِها بليال، فجاءت النبي ﷺ فاسْتَأَذَنَتةُ أنْ تَنْكِح، فأذنَ لهَا، فَنَكحتْ.
[نفست: ولدت].стр. 181
وإن كانت حائلا فعدتها أربعة أشهر وعشر (١) .
وغير المتوفى عنها (٢) : إن كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل (٣) ، وإن كانت حائلا - وهي من ذوات الحيض - فعدتها ثلاثة قروء (٤) وهي الأطهار وإن كانت صغيرة أو آيسة فعدتها ثلاثة أشهر (٥) . الحواشي
(١) قال تعالى: " وَالَّذينَ يتُوَفونَ مِنْكمْ وَيَذَرونَ أزْوَاجا يَتَرَبَّصْنَ بأنْفُسِهِن أربَعَةَ أَشهُر وَعَشْراً فَإذَا بَلَغْنَ أجَلهن فلاَ جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِن بالمَعْرُوفِ وَاللهُ بما تَعَملونَْ خبيرٌ "/ البقرة: ٢٣٤/.
[يتربصنَ: ينتظرنَ. بلغن أجلهن: انقضت مدتهن المذكورة. جناح: لا حرج ولا إثم. فيما فعلن: من التزين أو التعرض للخطاب أو الزواج.
بالمعروف: بالوجه الذي لا ينكره الشرع].(٢) أي المطلقة، أو المفرق بينها وبين زوجها بلعان أو فسخ، بعد وطء، ونحو ذلك.(٣) انظر حاشية: ٢ ص ١٧٩.(٤) قال تعالى: "والمطلقات يتَرَبصنَ بِأنْفسهِن ثَلاثًة قُرُوء وَلاَ يَحِل لهن أنْ يكْتُمْنَ مَا خلقَ اللهُ في أرحَاِمهنَّ إنْ كن يؤمن بِالله وَاليَوْم الآخِرِ " / البقرة: ٢٢٨/.
[قروء: جمع قَرء وهو مدة ما بين الحيضين، وقد يطلق على مدة الحيض].(٥) الآيسة: هي الكبيرة التي انقطع حيضها وأيِستْ من عوده، قال تعالى: "واللائي يَئسنَ مِنَ المَحِيضِ مِنْ نِسائِكمْ إنِ ارتَبْتمْ فَعدتهن ثَلاثًةُ أشهر وَاللائي لَم يَحِضنَ " / الطلاق: ٤/.
أي الصغيرات اللواتي لم يبلغن سن الحيض عدتهن ثلاثة أشهر كالآيسات.
[ارتبتم: شككتم في حكمهن ولم تدروا كيف يعتدون].стр. 182
والمطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها (١) .
وعدة الأمة بالحمل كعدة الحرة وبالإقراء أن تعتد بقرأين (٢) وبالشهور: عن الوفاة أن تعتد بشهرين وخمس ليال وعن الطلاق أن تعتد بشهر ونصف (٣) فإن اعتدت بشهرين كان أولى (٤) .
"فصل" ويجب للمعتدة الرجعية السكني والنفقة ويجب للبائن السكني دون النفقة إلا أن تكون حاملا (٥) الحواشي
(١) قال تعالى: " يا أيها الذِينَ آمنوا إذَا نكَحتُمُ المُؤمنَاتِ ثُم طَلَّقتُمُوهنَّ منَ قَبل أنْ تَمسّوهَن فَمَا لكمْ عليْهنَ مِنْ عِدَّة تَعْتَدونَهَا فمَعتهُوهن وسَرحُوهُن سَرَاحاً جَمِيلاً " / الأحزاب: ٤٩/.
[تمسوهن: تجامعوهن. عدة تعتدونها: مدة تعُدونها وتحصونها عليهن بالأشهر أو الأقراء. فمتعوهن: أعطوهن شيئاً يستمتعن به. سرحوهن: خلوا سبيلهن بالمعروف من غير إضرار بهن].(٢) لقول عمر وابنه ﵄: تعتد الأمة بقرأين. ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة ﵃ فكان إجماعاً. ولأنها على النصف من الحرة في كثير من الأحكام. وقياساً على العبد في جعل طلاقه تطليقتين.
(نهاية).(٣) قياساً على ذات الأقراء في التنصيف.(٤) لأن الأشهر بدل الأقراء، والحرة تعتد بثلاثة أشهر وبدل ثلاثة قروء، فكذلك الأولى بالأمة أن تعتد شهرين بدل قرأين.(٥) أي فتجب لها النفقة أيضاً، والأصل في هذا: قوله تعالى: "أسكنوهُن مِنْ حَيْث سكنتُمْ مِنْ وُجْدكُمْ وَلاَ تَضَارُّوهن لِتضيقُوا عَليْهن وإن كن أُولاَت حمَل فَأنفقُوا عَلَيْهِن حَتىстр. 183
ويجب على المتوفى عنها زوجها الإحداد وهو الامتناع من الزينة والطيب (١) وعلى المتوفى عنها زوجها والمبتوتة الحواشي
(٢٢٩٠) َ قال لها: َ (لاَ نَفقةَ لَك إلا أن تَكُوني حَامِلاً).(١) روى البخاري(٥٠٢٤) ومسلم (١٤٨٦، ١٤٨٩) عن أم حبيبَةَ ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لاَ يَحِل لامْرَأة تُؤْمنُ بالله وَالْيَوْم الآخِرِ أنْ تُحِد عَلى مَيَتِ فَوْقَ ثَلاثَ ليَال، إلاَ علىَ زَوْج أرْبَعًَة أشْهرٍ وَعَشْراً).
وروى الًبخاري(٣٠٧) ومسلم(٩٣٨) عن أم عطية الأنصارية ﵂ قالت: كْنَّا نُنْهىَ أنْ نُحِد على مَيِّت فَوْقَ ثَلاثَ، إلاَّ على زَوْجٍ أرْبَعَةَ أشْهر وَعَشراً، وَلاَ نَكْتَحِلًُ، وَلاَ نَتَطًيَّبُ، وَلاَ نَلبَس ثوْباً مَصْبوًغاً إلا ثَوْبَ عَصْب. وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عنْدَ الطهْرِ، إذَا اغْتَسَلَتْ إحْدانَا مِنْ مَحيضًهَا، في نبْذَة مِنْ كُستِ أظْفارِ، وَكُنَا نُنْهَى عَنِ اتَباعِ الجَنَاَئِز.
[ثوباً مصبوغاً: مما يعد لبسه زينة في العادة. ثوب عصب: نوع من الثياب، تشد خيوطها وتصبغ قبل نسجها. نبذة: قطه صغيرة. كيست أظفار: نوع من الطيب].стр. 184
ملازمة البيت إلا لحاجة (١) .
"فصل" ومن استحدث ملك أمة حرم عليه الاستمتاع بها حتى يستبرئها: إن كانت من ذوات الحيض بحيضة وإن كانت من ذوات الشهور بشهر فقط وإن كانت من ذوات الحمل بالوضع (٢) .
وإذا مات سيد أم الولد استبرأت نفسها كالأمة (٣) . الحواشي
(١) قال تعالى: "لاَ تُخْرجُوهُن مِنْ بيُوتِهِن وَلاَ يَخْرجنَ إلا أن يَأتِينَ بِفاحِشَة مُبَيَنَة وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَد حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَه "/ الطلاق: ١/.
وروى مسلم(١٤٨٣) عن جابر ﵁ قال: طُلِّقَتْ خَالَتي، فأرادت أنْ تَجُد نَخْلَهَا، فزًجَرَهَا رجُل أنْ تَخرُجَ، فأتت النبي ﷺ فقال: (بلى، فَجدي نَخْلَكِ، فإنَّك عَسىَ أنْ تَصَدقي، أو تَفْعلي مَعْروفاً).
[تجد نخلها: تقطع ثمره. فزجرها: نهاها].(٢) والأصل في هذا ما رواه أبو داود(٢١٥٧) عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنه ﷺ قال في سَبَايَا أوْطَاس: (لاَ تُوطَأ حَامِلٌ حَتَى تَضعَ، وَلاَ غَيْرُ ذَاتِ حَمْل حَتَى تحيضَ حَيْضَة).
[سبايا: جمع سَبِيَّة وهي الأسيرة من الكفار. أوطَاس: اسم لواد وقعت فيه غزوة بعد حنين]
وقيس على السبي غيره من أسباب التملك.(٣) قياساً على الأمة. وروى مالك (٢/ ٥٩٢) عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: عدَةُ أم الْوَلَد، إذَا تُوَفَي عَنْهَا سَيدُهَا، حيْضَةٌ. وأم الولد هي المملوكة التي وطئهاَ سيدها فحملت منه أو أتت بولد.стр. 185
"فصل" وإذا أرضعت المرأة بلبنها ولدا صار الرضيع ولدها بشرطين
١ - أحدهما أن يكون له دون الحولين (١)
٢ - والثاني أن ترضعه خمس رضعات متفرقات (٢) ويصير الحواشي
(١) روى البخاري(٤٨١٤) عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها رجل، فكَأنه تغَيرَ وَجْهه، كأنه كَرِهَ ذَلِكَ، فقالتْ: إنه أخي، فقال: (انظرْنَ منَْ إخْوَانُكُن إنَّمَا الرضَاعَةُ مِنَ المجاعَةِ). أي تحرمُ الرضاعة إذا كانت في الزمن الذي يجوع فيه الإنسان لفقدها وبشبع بها، وهذا لا يكون إلا للصغير.
وروى الترمذي(١١٥٢) عن أِم سلمة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه: (لاَ يُحرمُ مِنَ الرضَاعَة إلا ما فَتَقَ الأمْعَاءَ، في الثدي، وكانَ قَبْلَ الْفطام).
[فتقَ الأمعاء: شقها وسلكَ فيهَا في الثدي: في زمن الثدَي أي في زمن الرضاع قبل الفطام والفطام يكون بتمام الحولين، قال تعالى: " وفِصاله في عامين "/ لقمان: ١٤/. والفصال هو الفطام لأنه يفصل به الرضيع عن أمه.
وقال تعالى: " والوالدَاتُ يرْضِعْن أولاَدَهُن حَوْلَيْنِ كامِلين لِمَن، أْرَادَ أن يُتم الرضَاعَةَ " / البقرة: ٢٣٣/.
وروى الدارقطنَي (٤/ ١٧٤): قال رسول الله ﷺ : (لاَ رَضَاعَ إلا مَا كَانَ في الْحَولينِ). انظر حاشية ١، ٥ ص ١٦٣.(٢) روى مسلمِ(١٤٥٢) عن عائشة ﵂: كانَ فيما أنْزِلَ مِنَ الْقرْآن: عشْرُ رَضَعَاتٍ معلوُمَات يُحرَمْنَ، ثم نُسخْنَ بِخَمْس مَعلُومَات، فتوفِّيَ رسولُ اللهً ﷺ وهن فيما يقرآ مِنَ الْقرآًنِ. أي إن نسخها كانَ متأخراً، حتى إنه توفي رسول الله ﷺ وبعض الناس ما زال يتلوها قرآناً، لأنه لم يبلغه النسخ بعد ومعنى معلومات: أن كل رضعة متميزة عن غيرها. فهن متفرقات متشبغات.=стр. 186
زوجها أباً له (١) .
ويحرم على المرضع التزويج إليها وإلى كل من ناسبها (٢) ويحرم عليها التزويج إلى المرضع وولده (٣) دون من كان في درجته (٤) أو أعلى طبقة منه (٥) .
"فصل" ونفقة العمودين من الأهل واجبة للوالدين (٦) الحواشي
(١٤٥١) عن أم الفضْل ﵂: أن نَبي الله ﷺ قال: (لاَ تُحَرم الرَّضْعةُ أوِ الرَّضْعتانِ، أوِ المَصَّةُ أوِ المَصَّتَانَ).(١) روى البخاري(٤٥١٨) ومسلم(١٤٤٥) أن عائشةَ ﵂ قالت: اسْتَأذَنَ عَلَي أفْلَحَ، أخو أبي الْقُعَيسِ، بَعْدَ ما أنْزِلَ الحجَابُ، فقلتُ: لا آذَنُ له حتَى أستأذِنَ فيه النبي ﷺ فإنًّ أخاه أبا الْقعيسِ ليس هو أرْضَعني، لكن أرضَعَتْني امرأةُ أبي القعيسْ ِ. فدخل عَلي النبي ﷺ فقلت له: يا رسولَ الله، إن أفْلَحَ أخا أبي القعيس استأذنَ، فأبيت أنْ آذَنَ له حتَى أستأذنكَ، فقال النبي ﷺ : (ومَا مَنَعَك أنْ تأذَني؟ عَمكِ). قلت: يا رسولَ الله، إن الرجلَ ليس هو أرضعني، ولكن أرضْعتنيْ امرأة أبي القُعَيسْ ِ، فقَال: (ائذني لهُ، فإنَّه عَمَّكِ، تَرِبَتْ يَمينُك) أي فزْتِ ورَبْحتِ، على خلاف معناها الأصلي وهو: افتقرت ولصقت يمينك بالتراب.(٢) أي انتسب إليها بنسب أو رضاع، كبنتها وأختها ونحو ذلك.(٣) انظر: حاشية ١: ٥ ص ١٦٣.(٤) كأخيه وابن عمه.(٥) كأبيه وعمه.(٦) لقوله تعالى: في حق الوالدين " وصَاحبهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفا "/ لقمان: ١٥/.
والنفقة عليهما من المعروف.стр. 187
والمولودين (١) :
فأما الوالدون: فتجب نفقتهم بشرطين:
١ - الفقر والزمانة
أو
٢ - الفقر والجنون. الحواشي
(٣٥٢٨) والترمذي(١٣٥٨) وغَيرهما، عن عائشة ﵂. وعن أبي داود(٣٥٣٠) : (أنتَ ومالُك لوالدِك، إن أولادَكم مِنْ أطيبِ كسبِكم، فكُلُوا من كسبِ أوْلادكم).
وروى الَنسائي) ِ٥/ ٦١) عن طَارِق المُحَاربي ﵁ قال: قَدمْتُ المدينةَ، فإذَا رسولُ الله ﷺ قائمٌ على المِنْبَرِ يخطُبُ الناسَ، وهو يقول: َ (يَدُ المُعْطي الْعُلْيَا، وابْدأ بِمَنْ تَعُولُ: امَك وأباكَ، وأخْتك وأخاك، ثم أدناك أدناك). أي الأقرب الأقرب.
وروى أبو داود(١٥٤٠) عن كُلَيْبِ بن مَنفعةَ عن جدَه ﵁: أنّه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أبَر؟ قال: (أمك وأباك، وأخْتَك وأخَاك، ومولاك الذي يَلي ذاك، حَق وَاجِبٌ وَرَحِمٌ موْصولَةٌ).(١) قال تعالى: "وَالوالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلاَدَهُن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن لِمَنْ أرَادَ أنْ يُتم الرَّضَاعَةَ وَعَلى المَوْلود لَهُ رِزْقُهُن وَكسْوَتُهُن بالمَعرُوف "/ البقَرة: ٢٣٣/. وقال: " فَإن أرْضَعْنَ لَكُمْ فًآتُوهُن أجورَهُن " / الطلاق: ٦/. فقد دلت الآيتان بمنطوقهما على أن الأب تجب عليه نفقة مرضع ولده، وهذا دليل وجوب نفقة الولد من باب أولى.
وروى البخاري(٥٠٤٩) ومسلم(١٧١٤) عن عائشة ﵂: " أن هِنْدَ بنْتَ عتبَةَ قالت: يا رسولَ اللهِ إن أبا سُفْيَانَ رَجل شَحِيح، ولَيسَ يُعْطِيني ما يَكفِيني وَوَلَدِي إلاَ ما أخذْتُ مِنْهُстр. 188
وأما المولودون: فتجب نفقتهم بثلاث شرائط:
١ - الفقر والصغر،
أو
٢ - الفقر والزمانة
أو
٣ - الفقر والجنون.
ونفقة الرقيق والبهائم واجبة، ولا يكلفون من العمل ما لا يطيقون (١) . الحواشي
(١) روى مسلم(١٦٦٢) عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لِلْمملوك طَعامهُ وَكسْوَتُهُ، وَلاَ يُكَلف مِنَ الْعَمَلِ إلا ما يطيق). وفي رواية(٩٩٦) (كَفَى بِالمَرْءِ إثماً أنْ يَحْبسَِ عَمَّنْ يمْلِكهُ قُوتَهُ).
وروى البخاري(٣٠) ومسلم(١٦٦١) عن أبي ذر ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إخْوَانُكُمْ خوَلكُمْ، جَعَلَهمْ اللهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أخوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطعِمه ممَّا يَطْعمُ، وَلْيُلْبسْهُ مِمَا يَلْبَسُ، وَلاَ تكلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهمْ فإنْ كلَفْتموهُمْ فَأَعْينوهُمْ عَلَيْهِ).
[خولكم: خدمكم. تحت أيديكم: فى ملككم وسلطانكم. يغلبهم: يعجزون عن القيام به].
وروى البخاري(٣٢٩٥) ومسلم(٢٢٤٢) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (عُذبَت امرَأة في هِرّةِ سجنتها حتَى ماتَتْ فَدَخَلَتْ فيها النَّارَ، لا هي أطعمَتْهَا وسقَتهَا. إذْ هي حَبَسَتْهَا، ولا هي تَرَكتهَا تأكلُ من خَشاشِ الأرضِ). أي حشراتها. فقد دل الحديث على وجوب نفقة الحيوان المحتبس، ولا سيما إذا كان مملوكِاً ومشغوِلاً بمصالح المالك.стр. 189
ونفقة الزوجة الممكنة من نفسها واجبة (١) وهي مقدرة:
فإن كان الزوج موسرا فمدان من غالب قوتها (٢) ومن الأدم والكسوة ما جرت به العادة.
وإن كان معسرا فمد من غالب قوت البلد وما يأتدم به المعسرون ويكسونه.
وإن كان متوسطا فمد ونصف ومن الأدم والكسوة الوسط (٣) الحواشي
(١) قال تعالى: "الرجَالُ قوَامُونَ عَلى النسَاء بمَا فضَّلَ اللهُ بَعْضَهمْ عَلى بَعضِ وَبِمَا أنْفقوا منْ أمْوَالِهِمْ " / النساء: ٣٤/.
فقد دلت الآية على أن الزوج هو المسؤول عن النفقة.
وفي حديث جابر ﵁ الطويل عند مسلم(١٢١٨) : (فَاتَّقوا اللهَ في النسَاء، فإنكمْ أخَذْتُمُوهُن بأمَانَة اللهِ، وَاسْتَحللتمْ فُرُوجَهن بِكًلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ علَيْهِن أنَْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَداً تَكْرَهونهُ، فَإنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهن ضَرْباً غيرَ مبُرح.
ولَهُن عَلَيكُمْ رزْقُهُن وَكَسْوَتهُن بِالمَعْرُوف وَقدَْ تَرَكت فِيكُمْ مَا لَنْ تضلوا بعْدَهُ إن اعْتَصَمْتُمْ به: كَتَابَ الله).
ومن المعروف أنَ يطعمها مما يأَكل أمثالها من أهَلَ البلد، ويلبسَها مما يَلبَسنَ.، وانظر حاشية ١ ص ١٨٦.(٢) أي من غالب ما يقتات به أمثالها.(٣) قال تعالى: "لِيُنْفقْ ذُو سَعة منْ سَعتَِهِ ومنْ قدرَ علَيهِ رٍزقُهُ فلْينْفِقْ مِمَا آَتَاهُ اللهُ لاَ يُكَلَفُ اللهُ نَفساً إلا ماَ آتَاهَا سيجعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْر يُسْرا " / الطلاق: ٧ /.стр. 190
وإن كانت ممن يخدم مثلها فعليه إخدامها (١) .
وإن أعسر بنفقتها فلها فسخ النكاح (٢) وكذلك إن أعسر بالصداق قبل الدخول.
"فصل" وإذا فارق الرجل زوجته وله منها ولد فهي أحق بحضانته إلى سبع سنين (٣) ثم يخير بين أبويه، الحواشي
(٢١٤٤) عن مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْري رضى الله عنه قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فقلتُ: ما تقولُ في نسَِائِنَا. قال: (أطعموهن مِمَّا تَأكُلُونَ، وَاكْسُوهُن مِمَا تَكْتسُونَ، وَلاَ تَضْرِبُوهُنَ وَلاَ تُقبِّحُوهُن).
هذا وللعرف أثر كبير في تحديد النفقة حسب الزمان والمكان والأحوال، وهذا كله إذا لم تكن مساكنة للزوج وتأكل معه، فإن كانت في كذلك سقطت نفقتها. وانظر حاشية ١ ص ١٨٦. حا ٢ ص ١٨٨(١) إن طلبت ذلك، لأنه من العشرة بالمعروف.(٢) روى الدارقطني (٣/ ٢٩٧) عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال في الرَّجُلِ لا يَجِد ما ينْفِقُ عَلى امْرَأتِه: (يفَرق بينَهُمَا).(٣) روى أبو داود(٢٢٧٦) وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁: أن رسولَ الله ﷺ جاءتْه امرأةٌ فقالت: يا رسولَ الله، إن ابني هذا: كان بَطني لَه وِعَاء، وثَدْيِي لَهُ سِقَاء، وَحِجريْ لَهُ حواءً، وإن أباه طَلقني وأرادَ أنْ يَنْزِعَهُ مني. فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : (أنْتِ أحَق بِهِ ماَ لَمْ تَنكحِي).стр. 191
فأيهما اختار سلم إليه (١) .
وشرائط الحضانة سبع
١ - العقل
٢ - والحرية
٣ - والدين (٢)
٤ - والعفة
٥ - والأمانة
٦ - والإقامة
٧ - والخلو من زوج (٣)
فإن اختل منها شرط سقطت. الحواشي
(١) روى الترمذي(١٣٥٧) وغيره، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ خيَرَ غُلِاماً بين أبيهَ وأمِّه. وفي رواية عند أبي داود(٢٢٧٧) وغيره: أن امرأةً جاءتْ فقالت. يا رسولَ الله ِ، إنَّ زَوْجي يريد أنْ يَذْهَبَ بِابني، وقد سَقَاني منْ بئرِْ أبيِ عِنَبةَ، وَقَد نَفعني، فقال رسول الله ﷺ : (استَهما عَليه).
فقال زوجها: منْ يُحَاقني في وَلَدَيَ؟ فقال النبي ﷺ : (هذَا أبُوكَ وهَذِهِ أمك، فَخُذُ. بيدِ أيِّهِما شِئت). فأخذ بيد أمه فانطلقت به.
[بئر أبي عنبه: بئر معتين، والظاهر أنه كان في مكان بعيد، وهي تعني: أن ولدها قد كبر، وأصبح يستطيع القيام بما ينفعها، بعد أن قامت بتربيته حيث كان صغيراً لا ينفعها بشيء. أستهما: اقترعا.
يحاقني: يخاصمني].(٢) أي أن يكون الحاضن مسلماً إن كان المحضون كذلك.(٣) لقوله ﷺ : (ما لم تنكَحي). انظر حا ٣ ص ١٨٩.стр. 192
كتاب الجنايات
القتل على ثلاثة أضرب:
١ - عمد محض
٢ - وخطأ محض
٣ - وعمد خطأ:
فالعمد المحض هو: أن يعمد إلى ضربه بما يقتل غالبا ويقصد قتله بذلك (١) فيجب القود عليه (٢) فإن عفا الحواشي
(١) وهو من أكبر الكبائر وأفظع الذنوب، قال الله تعالى: " وَمَنْ يقْتُلْ مُؤْمناً مُتَعَمداً فَجَزَاؤهُ جَهنَّمُ خَالداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنًهُ وَأعَد لَه عَذابا عَظِيماً "/ النساءَ: ٩٣/.
وقال ﷺ : (اجْتَنِبُوا السَّبع المُوبُقَات). أي المهلكات التي تدخل فاعلها النار، وعد منها: (قتْل النفس الَتي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالْحق). رواه مسلم(٨٩) عن أبي هريرة ﵁.
وروى ابن ماجه بإسناد صحيح(٢٦١٩) عن البراء بن عازب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لَزَوَالُ الدنيا أهْوَنُ عَلى الله مِنْ قتْلِ مَؤْمِن بِغيرِ حَق). وروى الترمذي(١٣٩٥) وغيره مثلهَ عن ابن عمرو ﵄.
والنصوص في هذا كثيرة ومتوافرة.(٢) أي القصاص وهو قتل القاتل، قال تعالى: " يَا أيها الَّذين آمَنِوا كُتِبَ علَيْكُم الْقصَاصُ في الْقَتْلَى الحرُّ بالْحُر وَالْعَبدُ بِالْعَبْد وَالأنْثى بالأنثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتباعٌ بِالْمَعْروفِ وَأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسان ذَلِك تَخفِيفٌ مِنْ رَبِّكمْстр. 193
عنه وجبت دية مغلظة حالة في مال القاتل (١)
والخطأ المحض أن يرمي إلى شيء فيصيب رجلا فيقتله الحواشي
(٤٢٢٨) وغيره، عن ابن عباس ﵄ قال: فالعفو أن يقبل في العمد الدية، والاتباع بالمعروف: يتبع الطالبُ بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان. ولا فرق في وجوب القصاص بين الرجال والنساء، لقوله تعالى: " وكتَبْنَا عَليهِم فِيهَا أن النَّفْسَ بالنفسِْ " / المائدة: ٤٥/.
روى الطبراني، عن عمرو بن حزم الأنصاري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (العَمْدُ قَودٌ).(١) روى البخاري(١١٢) ومسلم(١٣٥٥) عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (مَنْ قُتلَ له قَتيلٌ فهُوَ بخِير النظَرَيْنِ: إمَّا أنْ يَقْتُلَ وَإمَّا أنْ يَدِيَ) أي يأخذ الَدية.
وكونها مغلظة سيأتي معناه ودليله في الفصل التالي.
وتجب حالة وفي مال القاتل تشديداً عليه.
روى البيهقي (٨/ ١٠٤) عن ابن عباس ﵄ قال: لا تَعْقِلُ العَاقِلَةُ عَمْداً وَلاَ صُلْحاً وَلاَ اعْتِرَافاً ولا ما جَنى المَمْلُوكُ. وروي مثل هذا عن عمر ﵁.
[صلحاً: ما تصالح عليه أولياء التقتيل مع الجاني. اعترافاً: دية جناية اعترف بها الجاني ولم تثبت عليه بالبينة].
وذكر مالك في الموطأ (٢/ ٨٦٥) عن ابن شهاب أنه قال: مضت السنة: أن العاقلة لا تحمل شيئاً من دية العمد، إلا أن يشاؤوا ذلك.
والعاقلة: قبيلة الرجل وأقاربه، ممن يستنصر بهم ويستنصرون به.стр. 194
فلا قود عليه بل تجب عليه دية مخففة على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين (١) . الحواشي
(١) قال تعالى: "وَمَا كَانَ لِمَؤْمنٍ أنْ يَقْتلَ مُؤْمنا إلا خطأ وَمنْ قَتَلَ مؤمِناً خطَأً فَتَحرِيرُ رَقَبةِ مُؤمِنَة وَدِيَةٌَ مسلَّمَة إلى أهْلِه إلا أنْ يَصّدَقوا " / النساء: ٩٢ /.
وكَون الدية مخففة سيأتي معناه ودليله في الفصل التالي.
وكونها على العاقلة، لما رواه البخاري(٦٥١٢) ومسلم(١٦٨١) عن أبي هريرة ﵁ قال: اقْتَتلتْ امرَأتَان مِنْ هَذَيْل، فرَمتْ إحداهما الأخْرَى بحجَر فَقتلَتْهَا وَما فَي بطنِها، فَاختَصَمْوا إلى رسولِ الله ﷺ ، فَقَضىَ أن ديَةَ جَنِينهَا غرة عَبْدٌ أوْ وَلِيًدة، وَقضَى بِدِيةِ المرأةِ عَلى عًاقلَتِهَا.
[غرة: هي بياض في الوجه عبر به عن عبد كامَل. وليدة: امرأة مملوكة].
قالوا: هذا القتل شبه عمد، وقضي فيه بالدية على العاقلة، فيقضى بها عليهم في الخطأ من باب أولى.
وروى ابن ماجه(٢٦٣٣) عن الغيرة بن شعبة ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ بالديةِ على العاقِلةَِ.
وكونها في ثلاث سنين، لما رويَ عَن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس ﵃، أنهم قضوا بذلك ولم ينكر عليهم، فكان إجماعاً، وهم لا يقولون مثل هذا إلا بتوقيف عن رسول الله ﷺ ، بل قال الشافعي رحمه الله تعالى: ولم أعلم مخالفاً أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين.
وقال الترمذي(١٣٨٦) : وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين. وانظر: نيل الأوطار: ٧/ ٩٠.стр. 195
وعمد الخطأ: أن يقصد ضربه بما لا يقتل غالبا فيموت فلا قود عليه بل تجب دية مغلظة على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين (١) .
وشرائط وجوب القصاص أربعة:
١ - أن يكون القاتل بالغا
٢ - عاقلا (٢)
٣ - وأن لا يكون والداً للمقتول (٣)
٤ - وأن لا يكون المقتول أنقص من القاتل بكفر أو رق (٤) . الحواشي
(١) روى ابن ماجه(٢٦٢٧) وأبو داود(٤٥٤٧) وغيرهما، عن عبد الله ابن عمروَ ﵄، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: قتِيلُ الْخَطَإ شِبْهِ العمْد قَتِيل السوْطِ والعصا، مائَةٌ - في رواية:
فيه مائة - منَ الإبِلَِ: أربعَونَ مِنهَا خَلِفَةً في بُطُونِهَا أولادُها) وانظر حاشية ١ ص ١٩٣. وحا ١ ص ١٩٦.
وروى أبو داود(٤٥٦٥) أن النبي ﷺ قال: (عقْلُ شبه العمْدِ مُغَلَّظُ مِثْلُ عَقلِ الْعَمْد، ولاَ يقْتَلُ صَاحِبهُ).
واَلعقل الدية، والتغليظ كَونها ثلاثة أنواع كمَا سيأتىِ، وانظر: حا ١ ص ١٩٣.(٢) لأن القصاص عقوبة بدنية، َ والعقوبة لا تجب إلا بالجناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بالجناية، لعدم صحة قصد التعدي منهما، فليسا من أهل العقوبة، ولا قصاص عليهما في قتلهما وإن كان على صورة العمد.(٣) أي فلو كان القاتل عمدا والد المقتول فلا يقتل به، لما رواه الدارقطني (٣/ ١٤١) من قوله ﷺ : (لا يقاد للابن من أبيه).
ومثل الأب جميع الأصول، كالجد وإن علا.(٤) لما رواه البخاري(٦٥٠٧) عن علي ﵁، عن رسول الله ﷺ (لاَ يقتَلُ مسْلِم بكَافِر). ولقوله تعالى: في آية القصاص: " الحر بالحرِّ " وعن علي ﵁ قال: من السنة ألاً يقتلَ ِحُر بعبد ولخبر أبي داود(٤٥١٧) : (لاَ يقتلٌ حُر بِعبدٍ).стр. 196
وتقتل الجماعة بالواحد (١) .
وكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس يجري بينهما في الأطراف (٢)
وشرائط وجوب القصاص في الأطراف بعد الشرائط المذكورة اثنان:
١ - الاشتراك في الاسم الخاص, اليمنى باليمنى, واليسرى باليسرى.
٢ - وأن لا يكون بأحد الطرفين شلل (٣) .
وكل عضو أخذ من مفصل ففيه القصاص (٤) ولا قصاص في الجروح إلا في الموضحة (٥) . الحواشي
(١) روى مالك في الموطأ (٢/ ٨٧١) عن سعيد بن المسيب أن عُمَرَ بن الْخطاب ﵁ قَتَلَ نَفَراً - خمَسة أوْ سَبْعة - برجل واحِد، قَتَلُوهُ غِيلَة، وقال: لَو ْتمالأ عَلَيْه أهْلُ صَنْعَاءَ لَقتَلتهمْ جَمِيعاً. وروى مثل ذلك عن غيره من الصحَابة ولم ينكر عليهم، فكَان إجماعاً [تمالأ: اتفق وتواطأ على قتله].(٢) والأعضاء، لقوله تعالى: "وَكَتَبْنَا علَيْهِمْ فيها أن النَّفْسَ بِالَنَّفسِْ والْعينَ بِالْعيْنِ والأنْفَ بِالأنفِ وَالأذُنَ بالأذُنِ والسِّن بِالسَن وَالجُروحَ قصَاص " / المائدة: ٤٥/.(٣) لأن من معنى القصاص التماثل، ولا تماثل بين اليمنى واليسرى من حيث المنافع، ولا بين الأشل والسليم.(٤) لإمكان تحقق المماثلة، بخلاف ما أخذ من غيره.(٥) أي الجرح الذي يشق اللحم ويصل إلى العظم ويوضحه، لقوله تعالى: " وَالجُروحَ قِصَاص ". والقصاص من أصل معناه المماثلة، كما علمت، ولا تتحقق في غير الموضحة من الجروح.стр. 197
"فصل" والدية على ضربين
١ - مغلظة
٢ - ومخففة
فالمغلظة مائة من الإبل ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها (١)
والمخففة مائة من الإبل عشرون حقة وعشرون جذعة, وعشرون بنت لبون, وعشرون ابن لبون, وعشرون بنت مخاض (٢)
فإن عدمت الإبل انتقل إلى قيمتها وقيل ينتقل إلى ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم, وإن غلظت زيد عليها الثلث الحواشي
(١) روى الترمذي(١٣٨٧) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: (منْ قتلَ مؤمناً متَعَمداً دُفِع إلى أولياءِ المَقْتولِ: فإنْ شَاؤُوا قَتلُوا، وَإنْ شاؤوا أخَذُوا الديَةَ، وهي: ثلاَثُونَ حقة، وثَلاَثونَ جَذَعة، وَأرْبَعونَ خَلفَة، وَما صَالَحُوا عَليْهَِ فَهو لهم، وَذَلِكَ لَتَشْديدِ العَقْلِ). أي لتغليظ الدية، وتغليظها كونها مثلثة كما ذكر.
[حقة: ما طعنت في الرابعة من الإبل. جذعة: ما طعنت في الخامسة من الإبل. خلفة: حامل. صالحوا عليه: ضوا به واتفقوا عليه].
وانظر حاشية: ١ ص ١٩٤.(٢) وهذا معنى كونها مخففة، أي من خمسة أسنان. واحتج لهذا بما رواه الدارقطني (٣/ ١٧٢)، عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً: أنه قال: في الخطَإ عِشْرُونَ جَذعَةً، وعِشْرونَ حِقةً، وَعِشْرُونَ ْبنت لَبون، وعشْرُونَ ابنَ لَبُون، وَعِشْرَونَ بِنْتَ مَخَاض.
ومثل هذا له حكم المرفوع إلى النبي ﷺ ، لأنه من المقدرات، وهي ليست مما يقال بالرأي.стр. 198
الثلث (١) .
وتغلظ دية الخطأ في ثلاثة مواضع:
١ - إذا قتل في الحرم
٢ - أو في الأشهر الحرم
٣ - أو قتل ذا رحم محرم (٢) .
ودية المرأة على النصف من دية الرجل (٣)
ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم (٤)
وأما المجوسي ففيه ثلثا الحواشي
(١) وهذا هو المذهب القديم، والجديد: هو الانتقال إلى قيمة الإبل مهما بلغت، وهذا هو الصحيح المعتمد، لأن الأصل في الدية هو الإبل، فيرجع إلى قيمتها عند فقدها.(٢) (الحرم) المكي. (الأشهر الحرم) هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، ودليل التغليظ في هذه المواضع: عمل الصحابة ﵃. واشتهار ذلك عنهم. فقد روي عن عمر ﵁ قال: من قتل في الحرم، أو ذا رحم، أو في الأشهر الحرم، فعليه دية وثلث. وروي مثل هذا عن عثمان وابن عباس ﵄. رواها البيهقي. انظر: تكملة المجموع: ١٧/ ٣٦٧ وما بعدها.(٣) ودليله ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم، ﵃: أنهم قالوا: ديةُ المرأهَِ نصفُ ديِةِ الرَّجلِ. ولا مخالف لهم من الصحابة، فصار إجماعاً. على أن هذا مما لا يقال بالرأي، فيكونُ في حكم المرفوع إلى رسول الله ﷺ .
(تكملة المجموع: ١٧/ ٣٧٨، نيل الأوطار: ٧/ ٧٠).
والحكمة فيَ هذا: أن الدية منفعة مالية، والشرع قد اعتبر المنافع المالية بالنسبة للمرأة على النصف من الرجل، كالميراث مثلا. وهذا عدل يتلاءم مع واقع كل من الرجل والمرأة وطبيعتهما.(٤) ودليله ما رواه الشافعي رحمه الله تعالى في الأم (٦/ ٩٢) قال: فقضى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ في ديِةِ اليهودي والنصراني بثلث ديةِ المسلمِ. وانظر سنن أبي داود(٤٥٤٢) .стр. 199
عشر دية المسلم (١)
وتكمل دية النفس في قطع اليدين والرجلين والأنف والأذنين والعينين والجفون الأربعة واللسان والشفتين وذهاب الكلام وذهاب البصر وذهاب السمع وذهاب الشم وذهاب العقل والذكر والأنثيين (٢) . الحواشي
(١) قال الشافعي رحمه الله تعالى في الأم (٦/ ٩٢): وقضى عمر في ديةِ المجوسّ بثَمَانِمَائَةِ درهم، وذلك ثلثا عُشْرِ ديَةِ المسلم، لأنه كان يقول: تقُوَّمُ الدية في اثني عشر ألفَ دِرْهَم وروي مثل ذلك عن عثمان وابن مسعود ﵄، وانشر ذلك في الصحابة، ولم ينكره منهم أحد، فكان إجماعاً.
(تكملة المجموع: ١٧/ ٣٧٩).(٢) البيضتين، روي النسائي (٨/ ٥٧) وغيره، عن عمرو بن حزم ﵁: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم .... وفيه.
(أنَ في النَّفْس الدَيَة مائة من الإبِلِ، وفي الأنْفِ إذا أوعِب جَدْعُهُ الديةُ، وفي اللسَان الديَة، وفي الشَّفتَيْنِ الديَة، وفي الْبيضَتَيْنِ الدية، وفي الذكَرَ الدية، وفي الصُّلبِ الديَة، وفي الْعينين الدية، وفي الرجْلِ الواحِدةِ نِصْفُ الدية. وفي رواية: (وفيْ اليَدِ الواحِدةِ نِصْفُ الديَةَ)، وفي رواية عند البيهقي (٨/ ٨٥): (في الأذُن خمسون مِن الإبِلِ). وعنده أيضاً (٨/ ٨٦): (وفي السمع إذا ذهب اَلدية تامة).
[أوعب جدعه: قطع جميعه. الصلب: المراد القدرة على الجماع].
وقيس ما لم يذكر من الأعضاء على. ما ذكر، وكذلك المعاني والمنافع، تقاس على ذهاب القدرة على الجماع، ودية الإصبع الواحدة، من اليد أو الرجل، عُشْرُ الدية، لما جاء فيстр. 200
وفي الموضحة والسن خمس من الإبل (١) وفي كل عضو الحواشي
(٦٥٠٠) وغيره، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (هَذِهِ وهَذه سَواء) يعني الخِنصَر والإبهام. وعند أبي داود(٤٥٥٩) : (الأصَاَبعُ سَواءٌ).
ولوَ أتلف أكثر من عضو في جناية واحدة وجبت ديات الجميع، ولو تجاوزت دية النفس، لما رواه أحمد رحمه الله تعالى عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه قضى فيَ رجل ضرب رجلاً، فذهب سمعُه وبصرُه ونكاحُه وعقله، بأربع ديات. [نكاحه: أي قدرته على الجماع].(١) الموضحة هي الجرح الذي يصل إلى العظم ويوضحه أيَ يكشف عنه اللحم. جاء في حديث عمرو بن حزم ﵁، السابق: (وفي السن خَمْسٌ مِن الإبِلَ، وفي المُوَضَحة خَمسٌ من الإبِلَ).
ولا فرق بين سن وأخرى، لما رَواه أبو داود(٤٥٥٩) وغيره، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: (والأسنان سوَاء، الثنيةُ والضَرْسَ سَواءٌ).
[الثنية:، وهي إحَدى السنين اللتين في وسط الأسنان. سواء: مستوية في قدر ديتها].
ومن الجراح التي تجب فيها الدية: الجائفة، وهي التي تصل إلى الجوف، أي الباطن من العنق أو الصدر أو البطن وغيرها وفيها ثلث الدية.
والمأمومة، وهي التي تصل إلى أم الدماغ، وهي الجلدة التي تكون تحت العظم في الدماغ، وفيها ثلث الدية أيضاً.
والمنقلة، وهي التي تنقل العظم عن موضعه بعد كسره، وفيها عُشْرٌстр. 201
لا منفعة فيه حكومة (١) .
ودية العبد قيمته ودية الجنين الحر غرة: عبد أو أمة (٢) ودية الجنين الرقيق عشر قيمة أمه (٣) .
"فصل" وإذا اقترن بدعوى الدمِ لوثٌ (٤) يقع به في النفسِ صِدْقُ المُدَّعِي حَلَفَ المُدَّعِي خمسين يمينا واستحق الحواشي
(١) كاليد الشلاء والإصبع الزائدة وحِلْمةِ الرجل، ونحو ذلك.
وكذلك كل جراحة أو كسر عظم ليس فيه دية. مقدرة، فتجب حكومة، وهي: مقدار من الدية، يراه القاضي العدل متناسباً مع الجناية، شريطة أن ينقص عن دية العضو المجني عليه.(٢) انظر حديث أبي هريرة ﵁ ص ١٩٣ حاشية ١.(٣) قياساً على جنين الحرة، لأن الغر كانت تقدر بعشر دية المرأة.(٤) دعوف الدم: أي دعوى القتل، واللوث: قرينة حالية أو مقالية: مثال القرينة الحالية: أن يوجد قتيل في قرية أوِ محلة بينه وبين أهلها عداوة، وليس فيها غيرهم.
ومثال المقالية: أن يشهد عدل واحد، أو من لا تقبل شهادتهم في الجنايات كنسوة وصبيان: أن فلاناً قتل فلاناً.стр. 202
الدية وإن لم يكن هناك لوث فاليمين على المدَّعَى عليه (١)
وعلى قاتل النفس المُحَرَّمَة (٢) كفارة عتق رقبة الحواشي
(١) والأصل في هذا: ما رواه البخاري(٥٧٩١) ومسلم(١٦٦٩) وغيرهما، عن سهل بن أبي حَثمة ﵁ قال: انْطَلَق عَبْدُ اللهِ ابنُ سهل ومحيِّصَة وبن مسعودٍ إلى خيبرَ، وهي يومئذ صلْحُ، فتفرقا في النخل فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشَحَّطُ في دَمِهِ قتيلا، فدفنه ثم قدم المدينة، فانْطلق عبدَ الرحمن بن سهَل وحيصةُ وحُوَيصَةُ - عماه - ابنا مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلمُ وكان أصْغرَ القومِ فقال النبي ﷺ : (كبِّرِ الْكُبر) - أي ليتول الكلامَ الأكبر- فسكَتُّ فتكلما، قال: (أتَستَحقونَ قَتِيلكَم بأيمانِ خَمسينَ منكم) قالوا: يا رسولَ الله، أمْرِّ لَمْ نَرَهُ قال: (فَتُبرِئُكُمْ يهود في أيمان خمسينَ منهم) قالوا: يا رسولَ الله، قومٌ كفارُ، فؤدَاهم رسولُ الله ﷺ من قبله.
[يتَشحط: يتخبط ويتمرغ. أتستحقون قتيلكم: أي ديته. فتبرئكم يهود: تبرأ إليكم من دعواكم. فودَاهم: أعطاهم الدية. من قبله: من عنده أو من بيت مال المسلمين].(٢) هي كل نفس مسلمة لم يهدر دمها. ولا يهدر دم المسلم إلا بأحد أمور ثلاثة، بينها رسول الله ﷺ بقوله: (لا يَحل دَمُ امْرِىءِ مُسْلِم يَشْهَدُ أِن لاَ إلهَ إلا الله وأنْىَ رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفسْ بالنَّفْسِ، والثّيب الزاني، والمفَارِق لِدَينِهِ التارِكُ للجماعة). رواه البخاري(٦٤٨٤) ومسلم(١٦٧٦) .
[النفس بالنفس: أي القاتل عمداً يقتل. الثيب: المتزوج، رجالاُ كان أم امرأة. المفارق لدينه: المرتد عن الإسلاَم الجماعة: أي جماعة المسلمين وعامتهم].
ومثل المسلم الذمي والمستأمن. والكبير والصغير سواء وكذلك الجنين.стр. 203
مؤمنة، سليمة من العيوب المضرة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين (١) . الحواشي
(١) لقوله تعالى في قتل الخطأ: "وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمناخَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَة مُومِنَة وَديَة مُسَلَمَةٌ إلى أهْلِه إلا أنْ يَصَدقوا فَإنْ كَانَ منْ قَوْم عَدوَُ لَكُمْ وَهُوَ مُؤمِن فًتَحْرِيرُ رَقَبة مُؤْمِنَة وَإنْ كَانَ مِن قَوْم بيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مسلًمَةٌ إلى أهْله وتحرًيرُ رَقَبَةَ مْؤمنة فمن لم يجدْ فَصيامُ شَهْرَيْن مُتَتَابعَين وِتوبة من الله وكان الله عليما حكيماً " / النساء: ٩٢ /.
[فتحرير رقبة: عتق عبد أَو أمة. يصدقوا: يعفوا. قوم بينكم وبينهم ميثاق: أي إن كان المقتول من قوم كافرين، ولكن بينكم وبينهم عهد من ذمة أو أمان، وهو على دينهم أوكان مسلما].
ووجبت في شبه العمد لشبهه بالخطأ، وأما وجوبها في العمد فلما رواه آبو داود(٣٩٤٦) وغيره، عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب - يعني النار - بالقتل، فقال: (أعْتِقُوا عَنْهُ- وفي رواية: فَليَعْتِقْ رَقبةً - يُعتِقِ الله بِكل، عُضْوٍ مِنْهُ عُضْواً منْهُ مِنَ النارِ).
قالوا: لا يستوجب النارَ إلاّ بالقتل العمد، فدل على مشروعية الكفارة فيه. وقياساً على الخطأ من باب أولى.стр. 204
كتاب الحدود
والزاني على ضربين
١ - محصن
٢ - وغير محصن
فالمحصن حده الرجم (١) . الحواشي
(١) وسيأتي بيان الإحصان ص ٢٠٥.
روى البخاري(٦٤٣٠) ومسلم(١٦٩١) عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى رجلٌ رسولَ الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنَي زَنيْتُ، فأعْرَضَ عنه، حتى ردََدَ عليه أرْبَع مراتٍ، فلمًّا شهِدَ على نَفْسِهَ أرْبع شهَادَات، دعاه النبي ﷺ فقال: (أبكَ جُنُونٌ). قال: لا، قال: (فَهلْ أحْصنْتَ). قال: نعم، فقالَ النبي ﷺ : (اذْهبوا بِهِ فَارحمُوُهُ). قال جابرٌ: فكنتُ فيمَن رَجَمَه، لفرجمناهُ بالمُصلّى، فلما أذْ لقتْهُ الحجَارة هَرَبَ، فأدركناه بالحرَّة، فرجمناه.
[رجل: ما عز بن مالك الأسلمي ﵁. أحصنت: تزوجت المصلى: مكان صلاة العيد والصلاة عن الجنائز. أذلقته: أصابته بحدها وبلغت منه الجهد. بالحرة: موضع ذو حجارة سوداء، والمدينة بين حرتين].
وروى البخاري(٦٤٦٧) ومسلم(١٦٩٧) عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أنْشُدكَ الله إلاَّ قضَيْتَ بيننا بكتابِ الله، فقال خَصْمُهُ، وكان أفْقهَ منه، فقال: صدق، اقضِ بيننا بكتاب اللهَ، وَأذَنْ لي يا رسول الله فقال النبي (قُل). فقال: إن ابني كان عسِيفاً في أهلِ هذا، فزنى بامرأته، فافْتدَيتُ منه بمائة شاة وخادم. وإني سألت رجالاً من أهلстр. 205
وغير المحصن حده: مائة جلدة, وتغريب عام (١) , إلى الحواشي
(١) قال الله تعالى: " الزانية والزَّاني فَاجْلُدُوا كل وَاحِد منْهُمَا مائَةَ جلْدَة وَلاَ تَأخُذْكُمْ بِهِمَا رَأفَة في دين الله إن كُنتُمْ تُؤْمِنونَ بالله وَالْيَوْم الآخِرِ وَليْشْهَدْ عَذَابًهُمَا طًائفَةٌ مِنَ المؤْمنينَ "/النور: ٢/.
[فاجلدوا: من الجلد وهو ضرب الجلد. جلدة: ضربة. رأفة: رقة ورحمة. في دين الله: في تنفيذ أحكامه وإقامة حدوده. عذابهما: إقامة الحد عليهما. طائفة: فئة وجماعة لتحصل العبرة ويتحقق الزجر].
والمراد بالزانية والزاني في الآية غير المحصنين، لما علمت من أدلة وجوب رجم المحصنين.
ودل على وجوب التغريب حديث البخاري ومسلم السابق حا ١ص ٢٠٣.
وما رواه البخاري(٦٤٤٣) عن زيد بن خالد رضى الله عنه قال: سمعتُ النبي ﷺ يَأمُرُ فيمنْ زَنَى وَلَم يحصَنْ: جَلْدَ مائَة وتغْرِيبَ عَام.
قال ابن شهابَ: وأخبرني عروة بن الزّبَيْرِ: أنَ عمرَ بنَ الخطّابِстр. 206
مسافة القصر (١) .
وشرائط الإحصان أربع:
١ - البلوغ
٢ - والعقل
٣ - والحرية
٤ - ووجود الوطء في نكاح صحيح (٢) .
والعبد والأمة حدهما نصف حد الحر (٣) . الحواشي
(١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البكْرُ بِالْبكْرِ: جَلْدُ مَائَة وَنَفي سَنَة). والمعنى: إذا زنا البكَر بالبكَر فحد كَل منهما ... والبكرً من لم يتزوج، رجلاً كان أم امرأة. والنفي هو ِالتغريب والإبعاد عن الموطن(١) فما فوقها، حسبما يراه الحاكم العدل، ولا يكفي أقلَ منها، لأنه لا يعد سفراً، ولا يحصل به المقصود، وهو إيحاشه بالبعد عن الأهل والَوطن.
ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى، ويجب على الأنثى أن نصطحب معها محرماً، لحرمة سفرها بدونه.(٢) أي أن يكون الزاني قد سبق له أن تزوج وجامع زوجته، وكان عقد زواجه صحيحاً، لاستيفائه الشروط والأركان المعتبرة فيه شرعاً، كتولي ولي الزوجة للعقد، ووجود الشهود العدول، ونحو ذلك.
وكذلك الزانية، أن تكون قد سبق لها أن تزوجت وجامعها زوجها، وكان عقد زواجها كما ذكرنا.
ولا يشترط أن يكون الزواج مستمراً، بل لو حصل الفراق بعد هذا، ثم وقع الزنا، اعتبر محصناً ورُجم. فإذا فقد واحد من هذه الأربع لم يعد الزاني محصناً، ولا يقام عليه حد اَلرجم، بل يجلد ويضرب كالبكر، إن كان بالغاً عاقلاً، ويؤدب بما يزجره عن هذه الفاحشة، إن كان صبياً أو مجنوناً.(٣) لقوله تعالى: " فإنْ أتَيْنَ بفَاحشة فَعَلَيْهِن نصف ما عَلى المحْصنمَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ " / النساء: ٢٥٠/.стр. 207
وحكم اللواط وإتيان البهائم كحكم الزنا (١) .
ومن وطئ فيما دون الفرج عزر (٢) ولا يبلغ بالتعزير أدنى الحواشي
(١) اللواط: هو إتيان الذكر في دبره، وكذلك إتيان الأنثى الأجبنية، أي غير الزوجة، في دبرها.
وعقوبة الفاعل لهذا كعقوبة الزنا، لأنه فاحشة، فيرجم إن كان محصناً، ويجلد ويضرب إن كان غير ذلك.
وأما المفعول فيه فيقام عليه حد غير المحصن مطلقاً، ولو كان متزوجاً، لأن الزاني المحصن هو من يطأ - أو يوطأ - وَطأْ سبق له نظيره على وجه مباح، ومن وطىءَ في دبره لا يتصور فيه هذا: فلا يكون محصناً.
وأما من أتى بهيمة فإنه يعزر ولا حد عليه، على القول الراجح والمعتمد في المذهب، لأن فعله مما لا يشتهى، بل ينفر منه الطبع الصحيح، ولا تميل إليه النفس السليمة، فلا يحتاج إلى زجر، والحد إنما شرع زجراً للنفوس عن مقاربة ما يشتهى طبعاً، على وجه غير مشروع.
ويستدل لهذا بما رواه أبو داود(٤٤٦٥) والترمذي(١٤٥٥) عن ابن عباس ﵄ قال: ليس على الذي يأتي البهيمة حد.
ومثل هذا لا يقال عن رأي، فيكون حكمه حكم المرفوع إلى النبي ﷺ وإذا انتفى الحد فقد وجب التعزير، لإرتكابه مصعية لا حد فيها ولا كفارة.(٢) وطىء: باشر بفرجه جسد امرأة أجنبية أو أجنبي، ومثلстр. 208
الحدود (١) .
"فصل" وإذا قذف غيره بالزنا (٢) فعليه حد القذف بثمانية شرائط:
ثلاثة منها في القاذف, وهو
١ - أن يكون بالغا
٢ - عاقلا (٣)
٣ - وأن لا يكون والدا للمقذوف (٤)
وخمسة في المقذوف, وهو
١ - أن يكون مسلما
٢ - بالغا
٣ - عاقلا
٤ - حرا
٥ - عفيفا (٥) الحواشي
(١) وهو أربعون جلدة حد شَارب الخمر، فيجب أن ينقص التعزير عنها. لما رواه البيهقي (٨/ ٣٢٧) عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من بلغ حدا في غيْرِ حَد فَهُوَ منَ المُعتدين).
[في غير حد: أي في غير ما يستوجب حداً، والمراد أقل الحدود كما علمت].(٢) اتهمه ورماد به، كأن قال: يا زاني، أو يا زانية، أو نفى نسبه من أبيه المعروف به فهو قذف لأمه، ونحو ذلك.(٣) لأن الحد عقوبة، والصبي والمجنون ليسا أهلا لها.(٤) لأن الوالد لا يقتل بقتل ولده كما علمت. فلا يقام عليه حد بقذفه من باب أولى. ومثل الوالد جميع الأصول، ذكوراً كانواً أم إناثاً.(٥) أي لم يقم عليه حد زنا من قبل. لقوله تعالى: " وَالذَين: يرمونَ المحْصَنَات ... فاجلدوهم " / النور: ٤/. فقد شرط لَوجوب الحد أن يكون المرَمي بالزنا محصناً، وهذه شروط الإحصان.стр. 209
ويحد الحر ثمانين (١) والعبد أربعين.
ويسقط حد القذف بثلاثة أشياء:
١ - إقامة البينة (٢) الحواشي
(١) لقوله تعالى: "وَالَّذِين يرْمَونَ المحصنَاتِ ثم لَمْ يأتوا بأربَعة شهَدَاءَ فَاجْلدوهُمْ ثَمانين جلدَةً وَلا َتقبلوا لَهمُْ شهَادَةَ أبَداً وَأولئِكَ هم الْفَاسِقونَ " / النور ٤/.
: هذا في الأحرار، والعبد عقوبته عَلى النصف من الحر كما علمت.(٢) على صدق مدعاه ومارماه به من الزنِا. لقوله تعالى: " ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " فدل على أنه إذا أتي بالشهداء فلا حد على القاذف ويثبت الزنا على القذوف.стр. 210
٢ - أو عفو المقذوف (١)
٣ - أو اللعان في حق الزوجة (٢) .
"فصل" ومن شرب خمرا أو شرابا مسكرا (٣) يحد أربعين (٤) ويجوز أن يبلغ به ثمانين على وجه الحواشي
(١) لأن حد القذف شرع لدفع العار عن المقذوف، ولهذا فهو حق خالص للآدمي، فيسقط بالعفو عنه كما أنه لا يستوفىَ إلا بإذنه ومطالبته، كالقصاص.(٢) أي إذا قذف الزوج زوجته ولم يستطع إقامة البينة، أقيم عليه حد القذف إلا أن يُلاعِن، فإذا لاعن سقط عنه الحد. (انظر حا ٢، ٣ ص ١٧٧).(٣) مهما كان منشؤه أو اختلف اسمه، سواء حصل الإسكار بقليل منه أو كثير. فقد سئل رسول الله ﷺ عن البتعِ، وهو شراب يصنع من العسل، والمِزْرِ وهو شراب يصنع من الشعير أو الذرة فقال ﷺ : (أْوَمسكر هُوَ؟ قال: نعم، قال: كُل مُسكرٍ حَرَامٌ، إن على الله عهدا، لمَنْ يَشْرَبُ المُسكر، أنْ يَسقيه منْ طينَة الخَبَالِ. قالوا: يارسوًل لله، وما طينَةُ الخَبَال قال: عَرَقُ أهلِ النَار، أو عصَارةُ أهْل النَّارِ). (انظر مسلم: ٢٠٠١ - ٢٠٠٣).
وروى أبو داود(٣٦٨٨) وغيره عن أبي مالك الأشعري ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (لَيشْرَبَن نَاسٌ منِْ أمتيَ الخَمر، يُسمونَهَا بِغَيْرِ اسْمِها).
وروى أبو داود(٣٦٨١) والترمذي(١٨٦٦) وغيرهما، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أسكَرَ كَثيرُهُ فَقَليلُهُ حرَامٌ).(٤) روى مسلم(١٧٠٦) عن أنس ﵁: أن النبي صلى الله
عليه وسلم كان يضرب في الخمر، بالنعال، والجريد، أربعين.
[الجريد: أغصان النخيل إذا جردت من الورق].стр. 211
التعزير (١) .
ويجب عليه بأحد أمرين بالبينة أو الإقرار (٢) ، ولا الحواشي
(١) إن رأى الإمام العدل مصلحة في ذلك، لاسيما إذا انتشر شربها وفشا شرها، ليحصل الردع والزجر.
روى مسلم(١٧٠٦) عن أنس ﵁: أن نبي الله ﷺ جلد في الخمر بالجَرِيد والنعَال، ثم جلد أبوْ بكر أربعين، فلما كان عمر ﵁ ودناَ الناسُ منَ الريف والقرى، قال: ما تَرَوْنَ في جَلدِ الخمرِ؟ فقال عبد الرحمن بنُ عوف: أرى أنْ تَجعَلَها كأخَفَ الحُدُود قال: فجلد عمرُ ثمانين.
[دنَا الناس من الريف والقرى: أي سكنوا مواقع الخصب، وكثرت لديهم الثمار والأعناب، فاصطنعوا الخمر وشربوها، فزيد في العقوبة زجراً لهم. أخف الحدود: هو حد القذف، وهو ثمانون جلدة كما علمت].
ودل على أن الزيادة على الأربعين تعزير وليست بحد: ما رواه مسلم(١٧٠٧) أن عثمانَ ﵁ أمرَ بجلد الوليد بن عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ، فجلده عبدُ الله بن عمر ﵄، علي ﵁ يعُد، حتى بَلغَ أربعين، فقال: أمْسكْ، ثم قال: جَلَدَ النبي ﷺ ، أربعين، وجلد أبو بكرَ أربعينَ، وعمرُ ثمانينَ، وكُلٌ سُنَّةٌ، وهذا أحَبّ إلي. أي الاكتفاء بأربعين، لأنه الذي فعله رسول الله ﷺ ، وهو أحوط في باب العقوبة، من أن يزيد فيها عن المستحَق، فيكون ظلماً.
ولا يقام عليه الحد حال سكره، لأنه لا يحصل به الزجر حينئذ.(٢) أي يثبت الحد على من شرب المسكر إذا شهد عليه رجلان بذلك.
أو أقر هو على نفسه. جاء في حديث مسلم(١٢٠٧) : فشَهِدَ عَلَيْه رجُلان. والإقرار حجة تقوم مقام البينة.стр. 212
يحد بالقييء والاستنكاه (١) .
"فصل" وتقطع يد السارق بثلاثة شرائط (٢) :
١ - أن يكون بالغا
٢ - عاقلا
٣ - وأن يسرق نصابا قيمته ربع دينار (٣) من حرز مثله (٤) لا ملك له الحواشي
(١) هو شم رائحة المسكر من الفم، لاحتمال أن يكون شربه مكرها أو مضطراً أو مخطئاً، ولأن رائحة الخمر قد تشاركها فيها غيرها. فهذه الأمور تورث شبهة في تعديهِ بشرب المسكر، والحدود تسقط بالشبهات.(٢) والأصل في هذا قوله تعالى: " وَالسارِقُ والسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أيدِيَهُمَا جزَاءً بما كَبسَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزيزٌ حَكِيم " / المائدة: ٣٨/.
[السارق: هو من أخذ مال غيره خفية من حرز مثله على سبيل التعدي، وسيأتي معنى الحرز بعد قليل. نكالًا: عقوبة تردع غيره عن ارتكاب مثل جنايته، وتكون عبرة لمن يعتبر].(٣) لما رواه البخاري(٦٤٠٧) ومسلم(١٦٨٤) واللفظ له. عن عائشة ﵂. عن رسول الله ﷺ قال: (لاَ تُقْطَع يَدُ السَارِقِ إلا في ربعُِ ديِنَار فَصَاعِداً). والدينار يساوي نصف ليرة انكليزية ذهبية تقريباً الآن.(٤) الحرز: هو المكان الذي يحفظ به المسروق ونحوه عادة، أو الحال الذى يمنع دخول يد غير مالكه عليه. والعرف هو المرجع في تحديد الحرز وعدمه.
ودل على اشتراط الحرز أحاديث، منها: ما رواه أبو داود(٤٣٩٠) وغيره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ : أنه سُئِلَ عن ٍالثَّمَر المُعَلَّقٍ، فقال: (مَنْ أصَابَ بفيهِ منْ ذِي حَاجَة، غَيْر مُتَّخذ خُبنَةَ، فلا شيء عليه.
ومن خرجَ بشيء منهُ فعلَيهِ غَرَامَةُ مِثْلًيهِ وَالْعُقوبَةُ، ومن سرقстр. 213
فيه (١) ولا شبهة في مال المسروق منه (٢) .
وتقطع يده اليمنى من مفصل الكوع (٣) فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى (٤) فإن سرق ثالثا قطعت يده الحواشي
(١) أي في المسروق، فلو كان للسارق ملك فيه، كما لو سرق الشريك
من مال الشركة، فلا قطع عليه.(٢) أي ليس للسارق شبهة ملك في مال المسروق منه، فلو كان له فيه شبهة ملك، كما لو سرق الوالد من ولده أو الولد من والده، فلا قطع، لشبهة الملك باستحقاق النفقة.(٣) الكوع: هو العظم الناتىء مما يلي الإبهام، في مفصل الكف مع الساعد. ودل على كون اليد اليمنى: قراءة ابن مسعود ﵁: فَاقْطَعُوا أيَمَانَهُمَا. وهي في حكم حديث الآحاد من حيث الاحتجاج بها على الأحكام. عند الطبراني: أن النبي ﷺ أتي بسارق فقطع يمينه. مغني المحتاج: ٤/ ١٧٧.
وكون القطع من مفصل الكوع: لما جاء في حديث سرقة رداء صفوان ابن أمية ﵁، عند الدارقطني (٣/ ٢٠٥): ثم أمرَ بَقطْعِه مِنَ المِفصَلَ.(٤) روى الدارقطني (٣/ ١٠٣) عن علي ﵁ قال: إذا سَرَقَ السارق قطِعت يدُهُ اليُمْنى، فإنْ عادَ قطعَتْ رجلُهُ اليُسرى.
وتقطع من مفصل الساق مع القدم، لفعل عمر ﵁، ولم ينكَر عليه أحد، فكان إجماعاً. نهاية: ٣/ ٦٠.стр. 214
اليسرى (١) فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنى (٢) فإن سرق بعد ذلك عزر (٣) وقيل يقتل صبرا (٤) . الحواشي
(١) روى مالك في الموطأ (٢/ ٨٣٥) والشافعي في مسنده (الأم: ٦/ ٢٥٥ هامش): أن رجلا من أهل اليمن أقْطع اليد والرجل، قَدمَ فنزل على أبي بكر الصَديق، فشكا إليه أنَ عَامِلَ اليَمَنِ قد ظلمه، فكان يُصَلِّي منَ الليل، فيقول أبو بكَر: أبيكَ ما لَيْلك بِلَيلِ سَارِق.
ثُم إنهُمْ فَقَدُوا عِقْداً لأسمَاءَ بنتِ عُمَيسْ، امرأة أبي بكر الصديق فَجعلَ الرجُلُ يَطُوفُ معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيَّتَ أهلَ هذا البيتِ الصالِحِ. فوجدوا الحُليَّ عندَ صَائغٍ، زعمَِ أن الأقْطَع جاءه به، فاعْتَرَف به الأقطع، أو شُهِدَ عليه به، فأمرَ به أبو بكر الصديقُ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ اليُسرَى، وقال أبو بكر: واللهِ لَدُعاؤه على نفسه أشَدٌ عندي عليه من سرقته.
[ظلمه: بقطع يده: رجله بتهمة السرقة. بيت: أغار عليهم ليلاً وأخذ مالهم].(٢) روى الشافعي بإسناده، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال في السارق: (إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله).
مغني المحتاج: ٤/ ١٧٨. وانظر الأم: ٦/ ١٣٨.(٣) عوقب بما يراه الحاكم رادعاً له من ضرب أو سجن أو نفي، لأن السرقة معصية، ولم يثبت فيها حد بعد المرة الرابعة، فتعين التعزير.(٤) لحديث ورد في هذا رواه أبو داود(٤٤١٠) وغيره، وهو قول مرجوح وضعيف لضعف الحديث الوارد فيه، والإجماع على خلاف، وأن الحديث - إن ثبت - فهو منسوخ. وفي بعض النسخ (يقتل صبراً) أي يحبس من أجل أن يقتل ولو يوماً واحداً.стр. 215
"فصل" وقطاع الطريق (١) على أربعة أقسام:
١ - إن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا
٢ - فإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا (٢)
٣ - وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف (٣)
٤ - فإن أخافوا السبيل (٤) ولم يأخذوا مالا ولم يقتلوا حبسوا وعزروا (٥) . الحواشي
(١) هم قوم يجتمعون، لهم منعة بأنفسهم، يحمي بعضهم بعضاً، ويتناصرون على ما قصدوا إليه ويتعاضدون عليه، يترصدون الناس في مكامن الطرق، فإذا رأوهم برزوا، قاصدين أموالهم، وربما أزهقوا نفوسهم.(٢) علقوا على خشبتين متصالبتين ونحوهما، بعد غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم إن كانوا مسلمين، زيادة في التنكيل بهم وشهراً لحالهم، لفظاعة جريمتهم وكِبَرِ إثمهم، ولينزجر بهم غيرهم. ويصلب ثلاثة أيام إن لم يتغير، فإن خيف تغيره أنزل قبلها.(٣) أي تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، فإن عاد ثانية قطعت يده. اليسرى ورجله اليمنى.(٤) أدخلوا الرعب على الناس، لوقوفهم في طريقهم والتعرض لهم.(٥) يعزرون بالضرب ونحوه، مما يراه الحاكم رادعاً لهم وزجراً.
والأولى أن يحبسوا في غير موضعهم، لأنه أكثر إيحاشاً لهم وأبلغ في زجرهم.
ويستمر في حبسهم حتى تظهر توبتهم ويستقيم حالهم احتياطاً في أمن الناس.
والأصل فيما سبق: قوله تعالى: "إنَّمَا جزاءُ الذِينَ يحَاربُون اللهَ وَرَسُولَهُ ويَسْعوْنَ في الأرضِ فسَاداً أنْ يُقَتلُوا أو يصَلَبُوا أو تقَطَّع أيدِيهِمْ وأرجُلُهُم منْ خِلاف أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لهمْ خِزْي في الدنْيَا ولَهم في الآخِرَة عذَابٌ عَظيمٌ " / المائدة: ٣٣/.
[يحاربون الله ورسوله: يخالفون أمرهَما بالاعتداء عَلى خلق الله .
يسعون في الأرض فساداً: يعملون في الأرض بما يفسد الحياة من قتلследующие страницы →