← Тафсир

Тафсир · id 95565

التقييد الكبير للبسيلي

البسيلي

Полный текст (429 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

السلام أفضل منها كما قال صاحب البردة: لو ناسَبَتْ قَدْرَة آياتِه عِظَمًا ... أُحْيَ اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ

стр. 317

قال شيخنا: لا ينبغي الخوض في ذلك، والتفضيل إنما يكون بين متجانسين، والقرآن كلام الله، والنبيّ ﷺ خَلْقُه. قيل له: فلِمَ تكلمتم على ليلة القدر مع ليلة المولد؟. فقال: كُرْها لا اختيارًا.

стр. 318

وحكى ابن الحباب: أن الأستاذ أبا جعفر اللَّبْليِّ سأله ما الأحسن " شَرْحُه للجمل " أو " مقرِّب " ابن عصفور؟. قال: فما تخلصت منه إلا إني قلت: له هذاك تأليف مستقل، وهذا شرح، فذا تأليف، وذا تأليف. ٣٤ - (سميع عليم). السماكي: هذا من نوع التقديم بالرتبة فإن ذلك يتضمن التخويف، والتهديد فبدأ بالسمع؛ لتعلقه بالأصوات، وإن من سمع حسك قد يكون أقرب إليك في العادة ممن يعلم، وإن كان علم الله

стр. 319

يتعلق بما ظهر، وما بطن. ٣٥ - (إني نذرت لك ما في بطني. .). قال ابن عطية، وابن العربي: " نذرت بعد أن حملت ". وقال الزمخشري: قَبْل أن تحمل. والأول ظاهر الآية. ابن العربي: لا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده؛ لأنه لا يملكه فكيف هذا؟. فأجاب: بأن المرء يريد ولده للأنْس به فطلبت هذه المرأة الولد، لتأنس به فلما منّ الله عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك، وهو على خدمة الله موقوف. - (فتقبل مني. . .) حكى ابن دقيق العيد: الخلاف هل القبول أخص من الإِجزاء، أو هما مترادفان، أو متغايران؟. وظاهر كلام الفقهاء أنهما مترادفان بدليل استدلالهم على وجوب الطهارة بقوله صلى الله عليه

стр. 320

وسلم: " لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور "، وعلى أن القبول أخص، فعادتهم يجيبون عن اسْتشْكال استدلال الفقهاء المذكور بأن الإجزاء مجوز للقبول فإجراء الطهارة يجوز قبولها فإذا انتفى القبول انتفى الإجزاء، ولا ينعكس يعني مهما ثبت إمكان القبول ثبت الإجزاء، ومهما انتفى الإِمكان انتفى الإجزاء. ٣٦ - (فلما وضعتها). قيل: (لما) بمعنى حين، وهي لا تعلم هل هي أنثي، أو ذكر إلا بعد الوضع لا حين الوضع. وجوابه: أن المعني فحين تم وضعها، والضمير عائد على مَعْنيٍّ. وبني

стр. 321

أولا على اللفظ، وثانيا على المعنى، وهو الأصح،، والعكس قبيح. - (إني وضعتها. .) قال عبد القاهر: قد تدخل " إن " للدلالة على أن الظن كان من المتكلم في الذي كان، وكان هو يظن أنه لا يكون، فيكون ردًا على نفسه ظنَّه الذي ظنَّ؛ لأن الظن واقع من المُخاطِب كقولك للشيء وهو بمرأَى، ومَسْمَع من المُخَاطَب: " إنه كان من الأمر ما تَرَى، وأحسنت إلى فلان ثم إنه فعل جَزَائي ما ترى ". فتَجْعَلُك كأنك تردُّ على نفسك ظًنَّك الذي ظننتَ وتُبَينُ الخطَأ الذي توهَّمْتَ،، وعليه (رب إنِّي وضعتها أنثى)، و (رب إن قومي كذبون). وقال الزمخشري: قالت ذلك تحسرًا على خيبة رجائها ". - (وليس الذكر كالأنثى. .). ابن عطية: إن قلت: هلَّا قالت: وليست الأنثى كالذكر؛ لأنه إنما ينفي شَبَه المفضول للفاضل لا العكس!. فأجاب: بأنها بدأت بذكر الأهم في نفسها ". انتهى. قال شيخنا: إن كان هذا من كلام الله تعالى فلا سؤال، ويكون أخبر

стр. 322

تعالى أن الذكر الذي تمنته هي ليس هو كالأنثى التي وضعتها، بل هي أشرف، وأحسن، وإن كان كلامها، وهو الأظهر فإمّا أن تكون قالت: ذلك معترفة أن الله لا يريد إلا الحسن، وأن هذه الأنثى أحسن من الذكر الذي تمنته. وإمّا أن يقول: أنها في مقام الدهش فجعلت ما حقه أن يكون اسمًا خبرًا لدَهَشِها؛ لأن قصدها كان في الذكر. ابن العربي: قال بعض الشافعية: الدليل على أن المُطَاوِعَة في نهار رمضان لزوجها على الوطىء لا تشاركه في وجوب الكفارة. قوله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى)، وردّه ابن العربي بوجهين: الأول: أنه لا خلاف بين الشافعية عن بكرة أبيهم أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا. الثاني: " أنّا لا نعلم من أصول الفقه الفرق بين الأقوال الواردة بلفظ العموم [وهي] على قصد الخصوص، وبين ما جاء بلفظ العموم مرادًا به العموم أيضا، وهذه المرأة إنما قصدت بكلامها أنها نذرت خدمة الولد للمسجد، ورأته أنثى فاعتذرت إلى ربها من خروجه على خلاف ما قصدت، وقولها: (ليس الذكر كالأنثى) أرادت أن الأنثى تحيض فلا تصلح في تلك الأيام للمسجد. ويحتمل أن تريد أنها امرأة فلا تصلح لمخالطة الرجال.

стр. 323

٣٧ - (تقبلها. .). وقع الإطناب في الخبر عن القبول من ثلاثة أوجه: لفظ (تقبل) أي: طلب من نفسه قبولها، وذلك يقتضي غاية الاعتناء بها. وتنكير (قبول)، وتنكير (حسن) للتعظيم أي: قبول حَسَن أي حُسْن. - (زكريا). إذا كان عجمياً كما قال ابن عطية فلا يبحث عن وزنه، ولا أصله كما قال الزمخشري في التوراة، والإِنجيل تُكلِف اشتقاقهما من الورى، والنجل، ووزنهما بـ " تفعله "، و " إفعيل " إنما يصح بعد كونهما عربيين. - (وجد عندها رزقاً). الفخر: يؤخذ منه إثبات كرامات الأولياء خلافًا لمن أنكرها ". انتهى. إنما هذا إرهاص لا كرامة والفرق بينهما أن صدور الأمر الخارق للعادة إن كان في زمن النبوة من غير النبيّ أو من النبيّ من غير تحديه، فهو إرهاص، وإلِّا فكرامة.

стр. 324

٣٨ - (هنالك دعا زكريا). هذا الذي طلب زكريا ليس بخارق للعادة، وإنما هو مستبعد؛ لأنَّا قد شاهدنا الشيخ الكبير يولد له، وقد جرى نظيره لأم مريم، فلذلك دعا. وقال القَرَافي: لا يجوز الدعاء بخوارق العادات. وقال الشيخ عزّ الدين: يجوز للإِنسان أن يدعو بالولاية، وإن لم يكن أهلًا لها. وقال شيخنا ابن عرفة: لا ينبغي أن يدعو من ليست فيه قابلية للتدريس، والقضاء بأن يكون مدرسًا أو قاضيًا. - (قال رب). تفسير لقوله: (دعا). - (من لدنك). يقتضي كون الذرية حسنة صالحة. و (طيبة تأكيد. - (إنك سميع الدعاء) من إقامة السبب مقام المسبَّب؛ لأن سماعه للدعاء سبب في الإِجابة، ولا خصوصية توجب تخصيص السماع بالدعاء، بل هو سميع للدعاء ولغيره، فما المراد إلا أنك مجيب الدعاء أي: إني عهدت منك إجابة دعائي، وها أنا دعوتك فاستجب لي، أو أنك معهدي منك إجابة الدعاء المستوفاة فيه شرائطه، وهو الإِخلاص، والخضوع، والإنابة.

стр. 325

الزمخشري: أي: يجيب الدعاء. ابن عطية: (سميع) من سامع ". انتهى. فعلى هذا تكون الألف واللام في (الدعاء) للجنس، وعلى الأول للعهد أي مجيب الدعاء المعهود وهو دعاء الإِخلاص، والتضرع. الفخر: لا يجوز للنبي أن يدعو إلا بإذن خيفة أن يدعو فلا يستجاب له قاله المتكلمون وهو ضعيف ". انتهى. ووجه ضعفه ما في الصحيح من أن النبي صلى اللة عليه وسلم دعى بثلاثة أمور فاستجيب له، في اثنين، ولم يستجب له في الثالث.

стр. 326

٣٩ - (فنادته الملائكة. .). يؤخذ منه جواز نداء المصلي، وإعلامه بما يستبشر به بما فيه عبادة أو مصلحة دينية كهذه. فإن قلت: لعل الصلاة هنا الدعاء!. فالجواب: أن المحراب، والقيام قرينة في أن المراد الصلاة الشرعية؛ ولأنه إذا تعارض حمل اللفظ على حقيقته الشرعية، أو على حقيقته اللغوية فحمله على الشرعية أولى. قال شيخنا: وكان بعضهم يحكى أنه رأى الملائكة، وأن الكلام وقع منهم له، فأنكره عليه بعض علمائنا بأصول الدين، وقال: كذب؛ لأن الملك إنما يكلم نبيًا أو رسولاً فرد عليه ابن عبد السلام بحديث مسلم في " كتاب الزهد " في الثلاثة الذين أحدهم أقرع، والآخر أعمى، والآخر فقير كلمهم الملك.

стр. 327

وأخرجه أيضا البخاري في " كتاب بدء الخلق ". قلت: وأخبرني الشيخ العابد الزاهد الصالح أبو فارس عبد العزيز البسيلي، وهو عم والدي رحمهما الله تعالى أنه كان عند صلاته بالليل، وكان كثير التهجد تأتي إليه الملائكة في صفة طيور كبار ويسلمون عليه " سلام عليكم " ذكر لي ذلك قرب وفاته رحمة الله تعالى عليه. - (يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى). في هذا، ونحوه ردّ على ابن عصفور فإن صاحب

стр. 328

" الجمل " لما قال: والحدث: المصّدر، وهو اسم الفعل، والفعل مشتىّ منه ". قرر ابن عصفور ما يلزمه من التناقض بأن هذا الاسم بعد المسمى. وفي هذه الآية سمى هذا ب (يحيى) قبل أن تحصل النطفة في الرحم، وقد سمى الله نبيه بمحمد قبل أن يوجد. وجوابه: أن الغالب هو ما ذكره ابن عصفور، وإن هذا على سبيل الفرض، والتقدير أي: على تقدير تقدم وجود صورته. - (مصدقًا). ابن عطية: حال مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة، والسلام. انتهى. يريد أنه لا يكون النبيّ إلا مصدقًا. ويحتمل أن تكون مبينة؛ لأنه ما صدق حتى جرى سبب التصديق، لأنه لم يصدق بعيسى حتى أخبرته به الملائكة فإذا أُخبر " الخبرَ " النبيُّ بذلك أصدق بلا شك، وإن لم يُخْبر به فإنه لا يصدق ولا يكذب. فإن قلت: الفرض أنه صدَّق به أولًا؛ لأن الملائكة أخبرته بذلك، في البطن بدليل أن ابن عطية قال: روى ابن عباس: " أن امرأة زكريا قالت

стр. 329

لمريم وكلٌ منهما " حامل ": " إني أجد ما في بطني يتحرك لما في بطنك، وفي رواية: يسجد له ". فالجواب: أنه وإن صح هذا فمرتب على الوحي، والإِخبار بصحة نبوة عيسى، وليس التصديق مخلوقًا في المُصَدِّق بالطبع بخلاف قولك: " الحق مصدقًا ". فإن الحق لا يكون إلا مصدقا. - (وسيدًا). كَرِه في " العتبية " الدعاء بـ (يا سيدي). وحكى ابن رشد فيه قولين، وتكلم ابن عطية هنا في معاوية، وأبي بكر، و " عمر " بكلام صعب لا ينبغي نقله، ولا يحل اعتقاده. - (وحصورًا). الظاهر أن ذلك اختيار منه؛ لأنه نقص في الخلقة؛ لأنه

стр. 330

عيب ينزه عنه النبيّ ﷺ . وقد قال القاضي عياض في " الشفاء ": إن الإِكثار من النكاح وصف كمال. وما ذكره ابن حزم في " النحل والملل " في ذلك الرجل النكَّاح السفَّاح، وذمه إنما هو، لأن ذلك كان منه لمجرد الشهوة البهيمية، وأمّا الإِكثار منه بغير تكثير النسل، والذرية في الإِسلام فلا ذمّ فيه. ابن العربي: الصحيح قول من قال: أن الحصور هو الذي يكف عن النساء عن قدرة منه؛ لوجهين: أحدهما: أنه مدحه، وأثنى عليه بذلك، والمدح إنما يكون على الفعل المكتسب دون الجَبليِّ في الغالب. الثاني: أن (حصورًا) " فعول "، وبناء " فعول " في اللغة من صيغ الفاعلين، قال: وإذا ثبت هذا ف (يحيى) كفَّ عن النساء عن قدرة منه في شرعه. فأما شرعنا فالنكاح رُوِي أن النبيّ ﷺ : " نهى

стр. 331

عثمان بن مضعون عن التبتل "، قال الراوي: ولو أُذن لنا فيه لاخْتصينا ". ولهذا بالغ قوم فقالوا: النكاح واجب، وقصر آخرون فقالوا: مباح، وتوسط علماؤنا فقالوا: مندوب: والصحيح أنه يختلف باختلاف حال الناكح والزمان، وقد بيناه فِي سورة النساء ". انتهى. والبشارة بكل وصف من هذه الأوصاف على حِدَتِه لا بالمجموع والحكم على شيئين تارة يعتبر فيه كونهما مجتمعين، وتارة يراعى فيه كل واحد على حِدَته مثل: " لا تأكل سمكًا، وتشرب لبنا ". ومن كلامهم:

стр. 332

" اللهم ذئبًا وضبعًا "، فإن الذئب وحده، أو الضبع وحده مع الغنم يضرانها فإذا اجتمعا اشتغل بعضهما ببعض فلا يضرانها. ٤٠ - (قال ربِّ. .). هذا انتقال من خطاب الملائكة - لخطاب الله تعالى كقول إبراهيم لجبريل لما رُمي في النار وقد قال له: ألك حاجة؟. فقال: أما إليك فلا. وأخطأ الفخر هنا في قوله: إن المراد بالربّ: الملَك، ولذا قال الزمخشري في مريم: ومن بدع التفاسير أن قولها: (يا رب) نداء لجبريل بمعنى: يا سيدي.

стр. 333

الفخر: كيف دَعا أولًا بالولد ثم استبعد ثانيًا أن يكون له ولد؟!. فأجاب بأوجه، وذكر ابن عطية هنا كلامًا خَلِقا لا يليق بالأنبياء، ولا يحل نقله. وقد يجاب: بأن هذا تحقيق لزيادة الولد لكن لأجل الموانع التي فيه اسْتبْعد كون الولد من صلبه، وعرض له شك ضعيف، واحتمال مرجوح. فقال: لعله من ذرية بعض قرابتي فسأل مستبعدًا كونه له، وقد يكون ظاهر الكلام شيئًا، وباطنه غيره كقول نوح ﵇: (قال رب إن ابني من أهلي). (قال يا نوح إنه ليس من أهلك).

стр. 334

أي الناجين، وإلا فقد عُلِم أنه من أهلك،، وكذلك هذا لما سمع البشارة بكلام ظاهره الاحتمال سأل عنه استغرابًا له، واستبعادًا كونه من صلبة، واحْتَمل عنده أن يكون من صلب غيره. - (وقد بلغني الكبر). الذي يتوقع منه الطلب، والقصد هو " البالغ " تقول: " بلغت المدينة "، ولا يقول: " بلغني المدينة "، فالزمان طريق، والكَبر هو الطالب. ٤١ - (إلا رمزا. .) الرمز: الإِشارة، وجعل الزمخشري الاستثناء منقطعًا؛ لأنه قال: الرمز ليس من جنس الكلام. وهذ يدل على أن إطلاق الكلام عنده على الإِشارة ليس حقيقة، وهو ظاهر كلام ابن التلمساني، لأنه قال: لا خلاف أن إطلاقه على الكناية، والإِشارة، ودلالة الحال مجاز. وظاهر كلام ابن عصفور أنه حقيقة لغوية، وليس بمجاز؛ لأنه جعله لغة يطلق على الكناية، والإِشارة، وما يفهم من حال الشيء. وأعرب أبو حيان (رمزًا) مفعولا على حذف حرف الجرّ أي إلا برمز، وأبطل نصبه على الاستثناء فإن العامل المتقدم مفرغ للعمل فيما بعد (إلَّا). قال:؛ لأن

стр. 335

المفرغ إذا حذف منه حرف النفي، استقام في الكلام مثل: " ما لقيت إلا زيدًا ". تقول: " لقيت زيدًا " بخلاف " ما قام القوم إلا زيدًا ". لا يحسن " قام القوم زيدًا "، وهنا يحسن آيتك أن تكلم الناس رمزًا " انتهى كلامه. ويجاب: بأن غير المفرغ مشتمل على نفي، وإثبات، فنفيتَ القيام عن القوم، وأثبته لزيد فإذا اسقطت حرف النفي لم يستقم بقاء لفظ القوم الذي هو منفي مع زيد الذي هو مثبت، وهنا لا تقول: إنه مستثنى من الناس، بل من الكلام المفهوم من (تكلم)، والمعنى لا تكلم الناس كلامًا إلا رمزًا. فالرمز مخرج من الكلام، والمخرج منه أبدًا أوسع من المخرج إذ لا يجوز استثناء المستغرق، وإذا كان أوسع منه فهو غيره قطعًا؛ لأن الجزء غير الكل، وإذا " كان غيره " استحال حمله عليه، وبيانه أن المعنى: لا تكلم " الناس كلامًا " لفظًا، وغير لفظ إلا رمزًا ولو أسْقطت النفي و (إلا) وقلت: آيتك أن تكلم الناس كلامًا لفظًا، وغير لفظ رمزًا، لقبح ذلك، ولم يحسن إذ لا يوصف " اللفظ بالرمز فلذلك قلنا: إنه استثناء غير مفرغ كما أعربه الزمخشري، وابن عطية. وهذا مع قوله تعالى في سورة مريم (أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، يدل على أن اليوم يشمل الليل

стр. 336

والنهار. واحتج الباجي بهذه الآية على لزوم الطلاق بالإِشارة، والرمز؛ لأنه أطلق عليه كلاما. وسُئل شيخنا ابن عرفة: هل تقبل زيادة التجار للسمسار في السلعة بالإشارة وتلزمهم؟. فقال: نعم إذا فُهمت. فإن قلت: لِمَ قدم هنا (العشي) على (الإِبكار)؟. فالجواب: قال القاضي أبو علي عمر بن عبد الرفيع ﵀ هو مبالغة في الأمر بذلك، وإشعار بتكرره؛ لاقتضائه التسبيح في عشي كل يوم، وبكرة غده، ولو قيل: بالإِبكار، والعشي لما تناول إلا طرفي نهار يوم واحد. وأجاب غيره: بأن ذلك؛ لأن أول ما صلى جبريل بالنبي ﷺ صلاة الظهر "، وهي من العشي.

стр. 337

قال الزمخشري: الإبكار من طلوع الفجر إلى الضحى. وقال غيره: من طلوع الشمس إلى الضحى. ٤٢ - (إن اللَّه اصطفاكِ. .). الاصطفاء الأول: جعلها منذورة لبيت المقدس بعد ما كان النذر في النساء ممنوعًا، أو خاصاً بالرجال، والاصطفاء الثاني: بالولاية، أو النبوة، ولا يفسر الاصطفاء الثاني بولادتها عيسى ﵇؛ لأن البشارة بهذا مقدمة على البشارة بالولادة، والتطهير باعتبار الاعتناء بها في تربيتها في كفالة زكريا، وصونها بموضع مرتفع مغلق عليها بحيث لا يصل إليها أحد، وتربيتها على هذه الصفة موجبة لشرفها، وحسن نشأتها. ابن عطية: اختلفوا هل كانت نبية أو لا " انتهى. الاحتجاج على كونها نبيَّة بكلام الملائكة لها لا يصح بدليل الحديث الذي في " كتاب الزهد، والرقائق " من مسلم في الثلاثة: " أعمى، وأبرص، وأقرع كلمهم الملَك "، ومنهم من فرق بأن النبيّ يعلمه المَلَك بنفسه

стр. 338

وغير النبيّ لا يعلمه. وهو مردود بأن الثالث من المذكورين في حديث مسلم وهو الأعمى علمه المَلَك بنفسه وقال له: " إنما أردت أن أخبر حالكم، وأنا ملك أرسلني الله إليكم "، والصحيح أنها وليّة لا نبيّة وما تنبأت امرأة قط، وإنما هذا إرهاص. قال السُهيلي في كتاب " التعريف والإعلام فيما وقع مبهما من أسماء الأعلام ": إنما عينت مريم باسمها في القرآن، ولم يذكر فيه اسم امرأة فرعون، ولا امرأة نوح، ولا امرأة لوط، ولا أسماء غيرهن من الناس، ردًا على نصارى نجران؛ لأنهم كانوا يضيفونها إلى الله، ويعتقدون أنها زوجة له، وأن عيسى ابنه، وكان من عادة العرب أنهم يكنون عن الزوجات، ولا يذكرونهن بأسمائهن، ويذكرون ما بأسمائهن فذكرت مريم باسمها؛ تنبيها على أنها أمة الله؛ وردّ على النصارى في اعتقادهم ". انتهى كلامه. فائدة التأكيد بيان أنها لما منحها اللَّه تعالى من الخير، والصلاح تستحقر نفسها، وتستعظم ذلك بالنسبة إليها، وتتعجب فنُزِلَتْ منزلةَ المُنْكِر، لذلك.

стр. 339

- (على نساء العالمين). فيه سؤالان: الأول: ما أفاد ذكر (العالمين)، ولو قيل: على النساء لتم الكلام، وأفاد؛ لأن الألف، واللام، للجنس؟. والجواب: أن هذا أبلغ في التفضيل على من تقدم، ومن تأخر. الثاني: أن الشيء إذا كان له جنس بعيد يشمله، ويشمل غيره، وجنس قريب فإضافته إلى الجنس القريب أولى. - (العالمين). جمع عالم، وهو كل ما سوى الله تعالى؛ ليشمل الجن، والإِنس، وجميع أنواع الحيوان فالأصل أن يقال: على نساء بني آدم؛ لأنه أقرب!. فإن أُجيب: بأن إناث غير بني آدم من الحيوان لا يقال: لهن نساء بل إناث، قيل: فلِمَ عدَل عن نساء بني آدم إِلى ما ذكر؟!. والجواب: أن العالمين هنا ليس بجمع عالم كما يقوله أهل أصول الدين، وإنما المراد به بنو آدم خاصة. ٤٣ - (اقنتي. .). ذكر الباجي في تفسير القنوت ثمانية أوجه.

стр. 340

وقال الغِمَارِيِّ: القنوت يراد به الدعاء، والصلاة، والخشوع والسكوت، والإِخلاص، والإقرار بالعبودية، واستدلوا بالآية على إبطال القول بأن الواو تفيد الترتيب. وأجيب: بأن احتمال كون السجود في شرعهم قبل الركوع يبطله. وشرع من قبلنا ليس شرعا لنا. انظر ابن عطية والزمخشري. القَرَافي في " شرح المحصول ": قال سيف الدين نقل عن جماعة أن الواو للترتيب حيث يستحيل الجمع كقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا. .لاقرار. ابن هشام: قول السيرافي: أن النحويين، واللغويين أجمعوا على أنها تفيد الترتيب. مردود، بل قال: بإفادتها إياه قُطْرب، والربعيّ، والفراء،

стр. 341

وثعلب، وأبو عمر الزاهد، وهشام، والشافعي. السماكي: قدم السجود لشرفه؛ لحديث " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". فإن قلت: فالركوع قبل السجود بالزمان، والرتبة والعادة؛ لأنه انتقال من علو إلى انخفاض، والعلو بالرتبة قبل الانخفاض!. قال الفخر: قلت: ليس المراد بـ (اركعي) مجرد الركوع بل مجموع الصلاة فكأنه قيل: صلي مع المصلين، والركوع يعبر به عن مجموع الصلاة، ومنه قوله ﷺ ، لرجل دخل المسجد وهو يخطب فجلس: " قم فاركع ".

стр. 342

وكذلك السجود ولم يرد السجود وحده، فتضمنت الآية صلاتها وحدها في بيتها، وهي التي عبر عنها بالسجود، فإن السجود أفضل حالات العبد، كما أن صلاة المرأة، وحدها أفضل، وصلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع؛ لأنه دون السجود في الفضيلة كما أن صلاتها جمع المصلين دون صلاتها وحدها. انتهى كلامه. وهو على مذهبه؛ لأنه شافعي. وأما مالك فيقول: الصلاة في جماعة أفضل للرجل، والمرأة ". ٤٤ - (وما كنت لديهم. .). كالدليل على أنه من أنباء الغيب. قيل: (لَدَى) أخص من (عند)، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم انظر الجواب عنه. قيل: وخصومتهم إنما هي قبل إلقاء الأقلام فلِمَ أخرت عنها؟. انظره.

стр. 343

ابن عطية: الجمهور على تجويز القرعة فيما يصح فيه التراضي دون قرعة، وأما ما لا يجوز فيها التراضي فجوزها الجمهور، ومنعها أبو حنيفة. ابن العربي: ثبت " أن رجلاً اعتق ستة أعبد في مرضه، ولا مال له غيرهم فأقرع النبي ﷺ بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة ". واحتج أبو حنيفة بأن القرعة في شأن زكريا كانت فيما يجوز فيه التراضي بخلاف حديث الأعبد فإنه لا يصح التراضي في الحرية، والرق، وإنا يثبت بالحكم دون قرعة فجازت، ولا طريق للتراضي فيها، وضعَّفه ابن العربي بأن القرعة فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاحّ

стр. 344

ولا يصحُّ لأحد أن يقول: القرعة تجري في موضع التراضي فإنها لا تكون أبدًا مع التراضي، فكيف يستحيل اجتماعها معه؟. ثم يقال: إنها لا تكون إلّا في محله، هذا بعيد " انتهى كلامه. ويجاب: بأن أبا حنيفة يمنع استحالة اجتماعهما مع التراضي، وقد نص ابن عطية على أن الجمهور على تجويزها فيما يصح فيه التراضي. ٤٨ - (ويعلمه الكتاب. .) أبو حيان: هو معطوف على (كذلك الله يخلق ما يشاء. .). انتهى.

стр. 345

ويلزمه عطف الجملة الفعلية على الاسمية. لا يقال: الأولى فعليه أيضا؛ لتصديرها ب (قال) لأنه لم يجعله معطوفًا على (قال)، بل على ما بعده، وفي عطفه الاسمية على الفعلية؛ والعكس ثلاثة أقوال ذكرها ابن هشام المصري: أحدها: الجواز مطلقًا. قال: وهو المفهوم من قول النحويين في باب الاشتغال. الثاني: المنع مطلقًا حُكِي عن ابن جنيّ. الثالث: لأبي علي يجوز في الواو فقط. قال: وأضعفها الثاني. وقدم (الكتاب)؛ لأن أول ما يتعلم الصغير الكتابة ثم الحكمة: وقدم (التوراة والإِنجيل) على الرسالة؛ لأن كونه رسولًا لا ينافي بأن يكون قبل ذلك نبيًا يُنَزَلُ عليه ثم أرسل؛ لأن الرسول، هو الذي أمر بالتبليغ.

стр. 346

والنبيّ: أنزل عليه الوحي، ولم يؤمر بالتبليغ. وأجاز الزمخشري أن يكون، (ويعلمه) كلامًا مستأنفًا. قال أبو حيان، واعترض بأنه عنى أنه استئناف إخبار، فثبوت الواو ينفيه؛ لأنها تقتضي العطف " انتهى. هذا غير صحيح، وقد ذكر غير واحد أنه يصح وقوع الواو في ابتداء الكلام من غير عطف، بل ذكر ابن التلمساني في باب القياس: أن الفاء يصح وقوعها في ابتداء الكلام ". وقال القرافي في " شرح المحصول ": نقل سيف الدين عن جماعة أن الواو ترد للاستئناف " كقوله تعالى: (والراسخون في العلم).، ونصّ المَازري في " المعلم " في أول " كتاب الجهاد ": على أن " ثم " تكون " للاستئناف ". وقال عياض في " كتاب السلام " في حديث الردّ على الذميِّ أنه يقول

стр. 347

له: " وعليك "، قال: إن الواو فيه للاستئناف ". وقال ابن عصفور: " فيما تأتينا فتحدثنا ". أن الرفع على الاستئناف ".، وذكر ابن هشام المصري من أقسام الواو: واو الاستئناف قال نحو (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ) الحج: هـ، "وتشربُ اللبن" فيمن رفع، و (ونذرُهم في طغيانهم يعمهون) فيمن رفع، ونحو (واتقوا اللَّه ويعلمُكم اللَّه). قال: إذ لو كانت للعطف؛ لانتصب (وَنُقِرُّ)، ولانتصب، أو انجزم " تشربُ "، ولانجزم (ونذرُهم)، وللزم عطف الخبر على الأمر.

стр. 348

وكذلك قولهم: " دعني ولا أعود "؛ لأنه لو نصب كان المعنى: ليجتمع تركك لعقوبتي، وتركي لما تنهاني عنه: وهذا باطل؛ لأن طلبه لترك العقوبة إنما هو في الحال، فإذا تقيد ترك النهي بالحال لم يحصل غرض المؤدب، ولو جزم فإمّا بالعطف، ولم يتقدم جازم أو بـ " لا " على أن تقدر ناهية، ويرده أن المُقتضِي لترك التأديب إنما هو الخبر عن نفي العود لا نهيه نفسه عن العود إذ لا تناقض بين النهي عن العود، وبين العود، بخلاف العود، والإِخبار بعدمه، ويوضحه أنك تقول: " أنا أنهاه وهو يفعل "، ولا تقول: " أنا أفعل وأنا لا أفعل ". ٤٩ - (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ. .). أبو حيان: أجاز أبو البقاء أن يكون موضعه رفعًا أي: هو أني قد جئتكم " انتهى. هذا غير صحيح؛ لأن النحويين يقولون في باب الفرق بين " إن " و " أن " كل موضع يحسن فيه الاسم، والفعل فهي فيه مكسورة، وخبر

стр. 349

المبتدأ يكون اسمًا، ويكون فعلا، وقد جاءت هنا مفتوحة فبطل أن يكون خبر مبتدأ مقدر. ٥١ - (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) وكذا في سورة مريم، وفي الزخرف (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ). قال الفخر: وحكمة ذلك أنه سبق في هذه الآية ما يدل على ربوبية الله تعالى، وأنه الفاعل لكل شيء لقوله: (بإذن اللَّه). وآية مريم قبلها (ما كان للَّه أن يتخذ من ولد) وهي دالة على نفي ما ادعاه المجوسي، وأمّا آية الزخرف فأولها: (ولما جاء عيسى بالبينات)، وليس فيها (بإذن اللَّه)، فناسب فيها التأكيد ب (هو) ردًا على من يدعي الاثنين، وأن عيسى إله، أو ابن. ٥٢ - (نحن أنصار اللَّه. .). فيه سؤال وهو أن الجواب باعتبار الفَهْم لم يطابق السؤال، وإنما تحصل المطابقة لو قال: " نحن أنصارك إلى الله ".

стр. 350

والجواب: أن هذا أبلغ؛ لأنه يفيد أنهم أنصاره، وزيادة اعتصامهم باللَّه، ويدل عليه قولهم: (آمنا باللَّه وأشهد بأنا مسلمون) أي حصَّلنا الإِيمان، وأشهد بأنا متصفون بشرائعه من الصلاة، والحج، وغير ذلك من شرائعهم، وقال في سورة المائدة (بأننا)، بنونين. وأجاب الفخر: بأن تلك جاءت على الأصل غير مخففة؛ لأنه أول كلام الحواريين؛ لأنه أخبر فيها عن الله بقوله: (وإذ أوحيت إلى الحواريين). وهذه حكاية عيسى أنه سألهم فأقروا له بمثل ما كانوا أقروا به لله تعالى، فحذفوا النون من ذلك اختصارًا. ٦٤ - (سواءٍ بيننا وبينكم. .). نقل أبو حيان هنا عن سيبويه أنه أجاز إتيان الحال من النكرة، ولم يبين أين ذكره في " كتابه "، وكلامه يدل على أنه يجوز عنده؛ لأنه قال في " باب المنصوبات ": ويقول: قمت حسناً " فالأظهر في " حسنا " أنه حال من المصدر المقدَّر. فإن قيل: كيف يصح إتيان الحال منه، وهو نكرة؟!.

стр. 351

فالجواب: أنه لما كان مسترًا صار بمنزلة المضمر، والحال يصح إتيانها من المضمر إذ هو معرفة، وكلام سيبويه هذا يدل على أنه لا يجوز عنده أن تأتي الحال من النكرة إلا إذا كانت النكرة مصدرًا غير ملفوظ به. فإن قلت: إنه قد قال في " باب الحال " في قولك: " مررت برجل مع امرأة قائمين "، إن " قائمين " حال. فالجواب: أنه لما أُعْرِبَ حالًا؛ لأن رجلاً موصوف بقوله مع امرأة، والتقدير: " كائن مع امرأة "، فلما وصف قرب من المعرفة فأتت الحال منه، وأتت من المرأة على جهة التغليب، وإلّا فالأصل أن لا تأتي منها لكن تغليب المعرفة غير معروف، ويمكن أن يريد أبو حيان ما حكى سيبويه من قولهم: " له مائة بيضًا "، و"مررت بما قعدةَ رجلٍ ". - (أن لا نعبد إلا اللَّه) أبو حيان: يدل من (كلمةٍ)، وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً من (سواء). قال المختصر: وفيه نظر. انتهى. النظر الذي فيه هو: أن المفسرين قالوا: الكلمة هي قوله: (أن لا نعبد إلا اللَّه). . الخ، و (سواء) صفة (كلمة) فإذا جعلت (أن لا نعبد) بدلًا منه لزم وصف الشيء

стр. 352

بنفسه، لأن البدل على تقدير أن ينوي بالمبدل منه الطرح، وأن البدل كائن في محله، ويحتمل أن يريد المختصر بالنظر هو الفصل بين الصفة والموصوف، أو عدم الرابط بينهما؛ لأنه على هذا يكون (أن لا نعبد) صفة ليس فيها ضمير يعود على (كلمة)، لكنه لو أراد هذا لبينه كما بينه في الردّ على من أجاز أن يكون (ألّا نعبد) مبتدأ، وخبره (بيننا وبينكم)، والجملة صفة لـ (كلمة)، فقال: هو وهم؛ لخلو الجملة من الرابط بين الصفة، والموصوف. وفي الآية أسئلة. الأول: ما أفاد (ولا نشرك به شيئا) وهو معنى ما قبله؟. وجوابه: أن الخلاف بيننا، وبين الحنفية في أصول الفقه في الاستثناء من النفي هل هو إثبات أم لا؟. فكان الإِتيان باللفظ الصريح الذي لا خلاف فيه أولى. الثاني: قال في أول الآية (قل) وفي آخرها (فقولوا). فخاطب أولًا النبي ﷺ وحده، وثانيًا جميع المسلمين!.

стр. 353

وجوابه: أن الأول: خاص به ﵇، وهو دعاء أهل الكتاب إلى الإِيمان. والثاني: إقرار بالإِسلام، وهو عام في جميع المسلمين. ويحتمل وجهًا آخر وهو أن يكون ﷺ أُمر ثانيًا أن يقول للمسلمين: (قولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)، فيكون كالأول في أن الخطاب له ﵇. الثالث: أن الآية إنما أتت في معرض الردّ على الكفار في عبادتهم غير اللَّه، والواقع منهم إنما هو زيادة اثنين خاصة كما في قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة)، فكان الأولى على هذا عدم جمع " أرباب "، وأيضا فنفى الجمع يستلزم نفي المفرد!. وجوابه إمّا بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو كما قال ابن التلمساني في قول الرجل لامرأته: " أتتبرجين للرجال " وهي لم تتبرج إلا لرجل واحد. أو يكون الجمع واقعًا على الكثير لقوله تعالى في سورة براءة (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه. .). الرابع: أن قوله: (ولا يتخذ بعضنا بعضًا) مفهوم من قوله: (ولا نشرك به شيئا) فما أفاد؟. وجوابه: أنه تشنيع عليهم في جعلهم بعضهم آلهة، واتخاذهم من هو مربوب ربا. الخامس: قوله: (من دون الله) يقتضي تخصيصهم بذلك لا أنهم أشركوا بينهم، وبين اللَّه. وجوابه: أنهم جزَّأوا عبادتهم فالجزء الذي خصوا به غير الله عبدوه فيه من دون اللَّه.

стр. 354

السادس: أن ظاهر قوله: (نعبد ... ولا نشرك) تناول ذلك للمسلمين خاصة، وقوله: (فإن تولوا) يقتضي العموم. وجوابه: أن القرينة، والسياق تقتضي تعميم الأول في المسلمين، والكافرين. السؤال السابع: قال في الآية المتقدمة (فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين)، وفي هذه الآية (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)!. وجوابه: أنه قال في الأولى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم. .)، والمجادلة بعد ظهور الدلائل الواضحة من التعنت والمباهتة، والفساد، فناسب قوله: (فإن اللَّه عليم بالمفسدين). وفي هذا أُمِرَ ﷺ أن يدعو أهل الكتاب إلى الايمان، وأنهم إن تولوا فالمسلمون ثابتون على إسلامهم، ولا أثرة لتوليهم في ذلك. السؤال الثامن: لمَ أتى ب (أن) دون (إذ) مع أن الغالب توليهم وعدم إيمانهم؟!. وجوابه: أن حصول. الدلائل الواضحة على التوحيد ينزل غير الغالب منزلة الغالب. وفي هذه الأسئلة، وأجوبتها، وأمثالها مما ذكرنا في كتابنا هذا هو ممَّا كان يقع بين الطلبة في مجلس شيخنا ابن عرفة ﵀، أو بينه، وبينهم،

стр. 355

وذلك مما يدلك على علو مرتبته، وعظم منفعته. ولذلك كان حذاق الطلبة يفضلونه على غيره من مجالس التدريس. وأنشدنا من نظمه في هذا المعنى: إذا لم يكن في مجلس العلم نكتةٌ ... بتقرير إيضاح لمشكل صُورَة وعَزْوِ غريبَ النقل أو حلَّ مشكلٍ ... أو إشكال أبدته نتيجة فكرة فدع سَعْيَه وانظر لنفسك واجتهد ... وإيَّاك تركاً فهو أقبح خُلْةٍ ولتلميذه الفقيه أبي عبد اللَّه محمد بن خُلْفة الأبيِّ جواب لها: يميناً بمن أولاك أرفع رتبة ... وزان بك الدنيا بأكمل زينة لمجلسك الأعلى الكفيل بكلها ... على حين ما عنها المجالس وَلَّت
следующие страницы →