Полный текст (429 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فالجواب: أنه لما كان مسترًا صار بمنزلة المضمر، والحال يصح إتيانها من المضمر إذ هو معرفة، وكلام سيبويه هذا يدل على أنه لا يجوز عنده أن تأتي الحال من النكرة إلا إذا كانت النكرة مصدرًا غير ملفوظ به.
فإن قلت: إنه قد قال في " باب الحال " في قولك: " مررت برجل مع امرأة قائمين "، إن " قائمين " حال.
فالجواب: أنه لما أُعْرِبَ حالًا؛ لأن رجلاً موصوف بقوله مع امرأة، والتقدير: " كائن مع امرأة "، فلما وصف قرب من المعرفة فأتت الحال منه، وأتت من المرأة على جهة التغليب، وإلّا فالأصل أن لا تأتي منها لكن تغليب المعرفة غير معروف، ويمكن أن يريد أبو حيان ما حكى سيبويه من قولهم: " له مائة بيضًا "، و"مررت بما قعدةَ رجلٍ ".
- (أن لا نعبد إلا اللَّه) أبو حيان: يدل من (كلمةٍ)، وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً من (سواء).
قال المختصر: وفيه نظر. انتهى. النظر الذي فيه هو: أن المفسرين قالوا: الكلمة هي قوله: (أن لا نعبد إلا اللَّه). . الخ، و (سواء) صفة (كلمة) فإذا جعلت (أن لا نعبد) بدلًا منه لزم وصف الشيء
стр. 352
بنفسه، لأن البدل على تقدير أن ينوي بالمبدل منه الطرح، وأن البدل كائن في محله، ويحتمل أن يريد المختصر بالنظر هو الفصل بين الصفة والموصوف، أو عدم الرابط بينهما؛ لأنه على هذا يكون (أن لا نعبد) صفة ليس فيها ضمير يعود على (كلمة)، لكنه لو أراد هذا لبينه كما بينه في الردّ على من أجاز أن يكون (ألّا نعبد) مبتدأ، وخبره (بيننا وبينكم)، والجملة صفة لـ (كلمة)، فقال: هو وهم؛ لخلو الجملة من الرابط بين الصفة، والموصوف.
وفي الآية أسئلة. الأول: ما أفاد (ولا نشرك به شيئا) وهو معنى ما قبله؟.
وجوابه: أن الخلاف بيننا، وبين الحنفية في أصول الفقه في الاستثناء من النفي هل هو إثبات أم لا؟. فكان الإِتيان باللفظ الصريح الذي لا خلاف فيه أولى.
الثاني: قال في أول الآية (قل) وفي آخرها (فقولوا). فخاطب
أولًا النبي ﷺ وحده، وثانيًا جميع المسلمين!.
стр. 353
وجوابه: أن الأول: خاص به ﵇، وهو دعاء أهل الكتاب إلى الإِيمان. والثاني: إقرار بالإِسلام، وهو عام في جميع المسلمين. ويحتمل وجهًا آخر وهو أن يكون ﷺ أُمر ثانيًا أن يقول للمسلمين: (قولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)، فيكون كالأول في أن الخطاب له ﵇.
الثالث: أن الآية إنما أتت في معرض الردّ على الكفار في عبادتهم غير اللَّه، والواقع منهم إنما هو زيادة اثنين خاصة كما في قوله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة)، فكان الأولى على هذا عدم جمع " أرباب "، وأيضا فنفى الجمع يستلزم نفي المفرد!.
وجوابه إمّا بناء على أن أقل الجمع اثنان، أو كما قال ابن التلمساني في قول الرجل لامرأته: " أتتبرجين للرجال " وهي لم تتبرج إلا لرجل واحد. أو يكون الجمع واقعًا على الكثير لقوله تعالى في سورة براءة (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه. .).
الرابع: أن قوله: (ولا يتخذ بعضنا بعضًا) مفهوم من قوله: (ولا نشرك به شيئا) فما أفاد؟.
وجوابه: أنه تشنيع عليهم في جعلهم بعضهم آلهة، واتخاذهم من هو مربوب ربا.
الخامس: قوله: (من دون الله) يقتضي تخصيصهم بذلك لا أنهم أشركوا بينهم، وبين اللَّه.
وجوابه: أنهم جزَّأوا عبادتهم فالجزء الذي خصوا به غير الله عبدوه فيه من دون اللَّه.
стр. 354
السادس: أن ظاهر قوله: (نعبد ... ولا نشرك) تناول ذلك للمسلمين خاصة، وقوله: (فإن تولوا) يقتضي العموم.
وجوابه: أن القرينة، والسياق تقتضي تعميم الأول في المسلمين، والكافرين.
السؤال السابع: قال في الآية المتقدمة (فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين)، وفي هذه الآية (فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون)!.
وجوابه: أنه قال في الأولى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم. .)، والمجادلة بعد ظهور الدلائل الواضحة من التعنت والمباهتة، والفساد، فناسب قوله: (فإن اللَّه عليم بالمفسدين). وفي هذا أُمِرَ ﷺ أن يدعو أهل الكتاب إلى الايمان، وأنهم إن تولوا فالمسلمون ثابتون على إسلامهم، ولا أثرة لتوليهم في ذلك.
السؤال الثامن: لمَ أتى ب (أن) دون (إذ) مع أن الغالب توليهم وعدم إيمانهم؟!.
وجوابه: أن حصول. الدلائل الواضحة على التوحيد ينزل غير الغالب منزلة الغالب.
وفي هذه الأسئلة، وأجوبتها، وأمثالها مما ذكرنا في كتابنا هذا هو ممَّا كان يقع بين الطلبة في مجلس شيخنا ابن عرفة ﵀، أو بينه، وبينهم،
стр. 355
وذلك مما يدلك على علو مرتبته، وعظم منفعته. ولذلك كان حذاق الطلبة يفضلونه على غيره من مجالس التدريس.
وأنشدنا من نظمه في هذا المعنى:
إذا لم يكن في مجلس العلم نكتةٌ ... بتقرير إيضاح لمشكل صُورَة
وعَزْوِ غريبَ النقل أو حلَّ مشكلٍ ... أو إشكال أبدته نتيجة فكرة
فدع سَعْيَه وانظر لنفسك واجتهد ... وإيَّاك تركاً فهو أقبح خُلْةٍ
ولتلميذه الفقيه أبي عبد اللَّه محمد بن خُلْفة الأبيِّ جواب لها:
يميناً بمن أولاك أرفع رتبة ... وزان بك الدنيا بأكمل زينة
لمجلسك الأعلى الكفيل بكلها ... على حين ما عنها المجالس وَلَّت
стр. 356
فأبقاك من رقاك، للخلق رحمة ... وللدين سيفاً قاطعاً كل بدعة
وقد أساء الأدب بعض من ينتمي إلى العلم، ووصف الجهل أليق به فذم هذا المجلس بشعر سخيف لا يليق كتبه، ولم يشعر بقلب النكتة عليه حسبما قرره الجدليون، وقال فيه شيخنا ﵀ منظومًا يتضمن " لزوم " فسقه بدليل قياسي، وهو هذا:
وما حال من يهجو أخاه بلفظة ... كذا ذاكرُ المرويِّ عنه الأئمة
وعلم أصول الفقه والبحث والنظر ... سواء حال من قد ساءه قلب نكتة
فباء بفسق قاله سيدٌ أتى ... بذكر وقرآن ووعظ وحكمة
روى مسلم عن شيخه عند قوله ... سباب لدى الإسلام فسق بحجة
بصغرى وكبرى ينتجان فسمومه ... فباللَّه أعرض عنه وادفعه بالتي.
قوله: مع شيخه: يريد البخاري، والصغرى: من هجو المسلم سباب للمسلم، والكبرى: لفظ الحديث.
стр. 357
٦٧ - (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). فيه أسئلة الأول: قال: (وما كان من المشركين).
ولم يقل: وما كان مشركاً، كما قال: (ما كان يهوديًا ولا نصرانيًّا) أو يقول: وما كان من اليهود، ولا من النصارى كما قال: (من المشركين)؟!.
وجوابه: أن اليهودية، والنصرانية طريق واحد؛ لأن لهما كتابًا يرجعان إليه، وطرق الشرك كثيرة متشعبة لا تنحصر، فناسب الجمع وهو جواب الزمخشري في قوله تعالى: (وجعل الظلمات والنور. .)، قال: لمَ جمع (الظلمات)، وأفرد (النور)؟. فأجاب: بأن الظلمات كثيرة مختلطة، والنور واحد.
الثاني: المناسب أن يقال: ما كان يهوديًا أو نصرانيًا وما كان من المشركين، ولكن كان حنفيا مسلمًا، فيذكر النفي مع النفي ثم يثبت!.
وأجيب بوجهين:
الأول: لما كانت الآية ردًا على اليهود، والنصارى، وكان الكلام معهم نفى أولًا: كونه منهم، " ثم " أثبت له الإِسلام؛ لأنه الأهم، والمقصود بالذات ثم بالغ فنفى عنه الشرك.
стр. 358
الجواب الثاني: لمَّا كان دين اليهود والنصارى يشبه دين المسلمين في الاستناد للكتب، والشرك ليس كذلك ذكر الثلاثة أولًا، وأخر الشرك.
السؤال الثالث: لمَ أثبت ياء النسب في يهودي، ونصراني وحذفها من حنيف؟.
والجواب: أن هذا هو المناسب لادعاء اليهود، والنصارى أنه على دينهم، وأنه نسب إليه، والمسلمون ما ادعوا ذلك وإنما قالوا: إنهم على دين مثل دينهم.
٦٨ - (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه. .)، أورد الفخر هنا سؤالاً، وأجاب: وهو أنه ﵇ إمّا أن يكون متبعًا، لإِبراهيم في أصول الشريعة، أو في فروعها، فإن كان الأول فلا خصوصية له بذلك على غيره من البشر. وإن كان في الفروع فيلزم أن يكون مقررًا لشريعته لا ناسخًا.
وأجاب بوجهين: إمّا إنه مُتّبع له في أكثر الفروع وزاد عليه بأشياء
اختص بها. وإمّا أن شريعة موسى، وعيسى نسخت شريعة إبراهيم ثم نسختها شريعة نبينا ﷺ ، وقرَّرت شريعة إبراهيم.
٦٩ - (ودت طائفة من أهل الكتاب). أبو حيان (مِن) للتبعيض، وأجاز ابن عطية كونها لبيان الجنس، قال أبو حيان: وفيه بعد ". انتهى.
стр. 359
قيل:؛ لأنها إذا كانت لبيان الجنس يكون لفظ (طائفة) مجرد تأكيد لتمام الكلام دونه. وردّ بإفادته الإِبهام، والتفسير وذلك من البلاغة كقول الزمخشري في (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت).
٧١ - (وأنتم تعلمون). قيل: لِمَ قال أولا: (وأنتم تشهدون).
وثانيا: (وأنتم تعلمون)؟!.
أجيب: بأن المراد أولاً حضورهم، لصدور المعجزات. والكفر: الجحد، والتغطية. فناسب ذلك، وهنا التلبيس، والكتم يناسب العلم.
قال ابن عطية: وفي قوله: (وأنتم تعلمون) توقيف على العناد ظاهرًا " انتهى.
اختلف في وقوع الكفر عنادًا، والصحيح جواز وقوعه، وعليه يدل كلام ابن عطية هنا، وهذا إنما هو باعتبار الحكم الشرعي مثل الذي يعلم الحق، ويحيد عنه في الظاهر، فهذا هو الكفر عنادًا. وأما عقلًا فيستحيل الكفر عنادًا؛ لأنه يستحيل أن يجتمع في عقله، وباطنه الحق، وعدمه؛ لأن ما في الباطن شيء واحد.
стр. 360
٧٢ - (من أهل الكتاب. . .) لم يقل منهم؛ لأنهم قالوا: إن الاسم إذا أريد تحقيره لا يكنى عنه إشارة إلى أنه كالعدم فلا يكون للضمير ما يعود عليه، ووصفهم ب (أهل الكتاب)، وتكرار ذلك، [إشارة] إلى إقامة الحجة عليهم.
(والطائفة): حكى فيها أهل أصول الفقه خلافا ذكره الفخر في المسألة الرابعة من باب الأخبار من " معالمه الفقهية ".
٧٧ - (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) فيها أسئلة: الأول: ِ لمَ أضيف (العهد) إلى اللَّه، و (الأيمان) إليهم، والأصل المشاكلة؟!.
وجوابه: أن المراد (بعهد اللَّه): آياته، ويدل عليه قوله في سورة براءة (اشتروا بآيات اللَّه ثمنًا قليلًا)، وإحدى الآيتين تفسر الأخرى.
الثاني: لمَ جمع (الأيمان)، وأفرد العهد؟.
وجوابهَ: أنه إشارة إلى اتحاد طريق الحق، وتشعب طرق الباطل كما أجاب الزمخشري في جمع (الظلمات) وتوحيد (النور)،
стр. 361
وإشارة، لكثرة أيمانهم، وإن كان بصيغة جمع القلة؛ لأنه هنا واقع " موقع " جمع الكثرة، أو يكون جمع (الأيمان) على معنى التوزيع، أو المراد (بالعهد) المصدر الواقع على القليل، والكثير فلا يحتاج إلى جمعه بخلاف الأيمان، فهذه أربعة أوجه في جواب السؤال الثاني.
الثالث: قال في براءة: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم).
فأضاف العهد إليهم، وهنا أضافه للَّه تعالى.
وجوابه: أن المراد (بالعهد) المذكور في براءة المصدر، وإضافته إليهم بمعنى عهدهم اللائق بهم. والمراد به هنا الآيات كما تقدم، والآيات مضافة إلى اللَّه تعالى لا غير.
٧٩ - (ما كان لبشر. .). هذا كما يقوله المنطقيون من أن الموجبة الجزئية تناقضها السالبة الكلية؛ لأنهم إنما ادعوا عبادة " عزير "، و " المسيح "، فأتى بالنفي عامًا.
- (من دون الله). أتى به، وإن كان النفي " دونه " أبلغ؛ لأنه الواقع منهم.
стр. 362
١٠٤ - (ويأمرون بالمعروف. .). ابن العربي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر واجب على الكفاية، ومنه نصر الدين بإقامة الحجة على المخالفين، وقد يكون فرض عين إذا علم المرء من نفسه صلاحيته للنظر، واستقلاله بالجدل، وثبت عنه ﷺ أنه قال: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". وفيه من غريب الفقه أنه بدأ بالتغيير باليد، وهو في ثاني رتبة عن التغيير باللسان، لأن أول ما يبدأ في التغيير بالقول " انتهى.
стр. 363
ويجاب: أن التقديم على أقسام:
الزمخشري: الأمر بالمعروف تابع للمأمور به إن كان واجبًا، فواجب وإن كان ندبًا فندب، وأما النهي عن المنكر فواجب كله؛ لأن ترك المنكر واجب؛ لاتصافه بالقبح " انتهى كلامه.
قال ابن بشير في الصلاة: الثاني: " لما تكلم على الوتر "، اختلف الأصوليون هل يجب الأمر بالمعروف فيما طريقه الندب، أو يكون الأمر بذلك مندوباً.
١٠٥ - (أولئك لهم عذاب عظيم). يحتمل أن يكون من حذف التقابل والتقدير: وأولئك لهم أجر كريم، وهم المفلحون، وأولئك لهم عذاب عظيم، وهم الخاسرون.
١٠٦ - (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ). يحتمل كونه من آثار الوضوء قاله ابن عطية، ويلزم عليه أن من لم يتوضأ قط وهو غير جاحد الوجوب أن
стр. 364
يكون كافرًا؛ لأن الآية من التقسيم المستوفى، ويلزم عليه أيضا أن من لم يفرض عليهم من الأمم قبلنا وضوء لا يدخلون في الآية، وهذا باطل.
الزمخشري: من كان من أهل الحق وُسم ببياض اللون، وإشراقه، وابيضت صحيفته، وسعى النور بين يديه بيمينه، ومن كان من أهل الباطل وُسم بسواد اللون، وكسوفته، وكمده، واسودت صحيفته.
- (فاما الذين اسودت وجوههم. .) ابن عطية: بدأ بذكر البياض لشرفه فلما فُهِم المعنى، وتعين به الكفار، والمؤمنون أبدأ، بذكر الذين اسودت وجوههم للاهتمام بالتحذير من حالهم.
السماكي: لو بدأ بحكم الأول لزم منه أن ينفصل الحكم عن كل واحد منهما وهو تفسير لا لف ونشر، قال: وإنما اللف، والنشر: أن يَذْكرَ شيئين ثم يُرْمى بتفسيرهما جملة ثقة بأن السامع يرد كل تفسير إلى اللائق به كقوله تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ).
قال: ونظير هذه قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا. .).
قال: ومعنى التفسير: أن يذكر شيئًا لم يقصد تخصيصه، فيعيده مع ذلك
стр. 365
المخصص.
١١١ - (ثم لا ينصرون). جعل المفسرون المهلة معنوية، ويحتمل أن تكون زمانية، وهو أبلغ؛ لأن من هُزِمَ حين المقاتلة يتوقع نصره بعد ذلك، ولا يقطع بأنه لا ينصر على من هزمه، فأفادت (ثم) أنهم لا ينصرون بعد الانهزام بوجه.
١١٢ - (إلَّا بحبلٍ. .) من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح (وكانوا يعتدون). الاعتداء أخص، قال المَازَري في " كتاب النكاح " من " المُعْلِم ": قال بعض البغداديين: لا يمنع أن يطلق على من أخل بالمندوب أنه عاص؛ لأن المعصية مخالفة الأمر، والمندوب مأمور به ". انتهى.
стр. 366
ويحتمل أن يكون من باب اللف والنشر فالعصيان راجع للكفر بآيات الله بالقول، والاعتداء راجع؛ لقتل الأنبياء.
١١٧ - (مثل ما ينفقون. .). إن قلت: لمَ عبر في المشبه بلفظ المضارع فقال: (ينفقون)، وفي المشبه به بلفظ الماضي فقال: (أصابت)؟.
стр. 367
فالجواب: أن المشبه به لا بدّ أن يكون أعرف عند المخاطب من المشبه، فناسب الماضي؛ لأنه معلوم.
١٢٠ - (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ. .). في الآية أسئلة الأول: لمَ كان الشرط ب (إن) دون (إذا) المقتضية لتحقيق الوقوع؟.
وجوابه: أنه إشارة إلى تأثرهم و (لو) بما لا يتحققونه.
الثاني: لمَ قدم " الحسنة " على " السيئة "؟.
وجوابه: أن تأثرهم لها أشد.
الثالث: لمَ نكرهما؟.
وجوابه: أَنه إشارة إلى التقليل، وأنهم يتأثرون لأدنى شيء.
الرابع: لمَ عبر في الأولا بالمس "، والثاني بالإِصابة؟.
وجوابه: أن ابن عطية قال: المس: هو أوائل الملاقاة، والمخالطة.
والإِصابة: منتهى ذلك ". انتهى كلامه.
стр. 368
فجاءت الآية على الوجه الأبلغ بمعنى أنهم يتأثرون بأول مبادئ حصول الحسنة. وأما السيئة فإنما غرضهم منتهى حصولها لا مبادئه.
الخامس: لِمَ قال في الثاني: يفرحوا بها، ولم يقل تسرهم في مقابلة (تسؤهم)؟ يقتضي - اغتمامهم لذلك، وإخفاؤهم إياه حسدًا؛ لأن العادة أن الإِنسان إذا سمع بحسنة نالت عدوه فإنه يغتم لذلك، ويخفيه، ولا يتحدث به حسدًا له. وإذا سمع بمصيبة نزلت به فإنه يفرح بها، ويظهرها، ويتحدث بها تشفيًا فيه.
وأجاب الزمخشري: عن هذا بأن المس مستعار، لمعنى الإِصابة فالمعنى فيهما واحد.
وقال بعضهم: الإِصابة أعم؛ لاستعمالها في الحسيّ، وفي المعنوي، ومنه قول الأصوليين: اختلف هل كل مجتهد مصيب، أو المصيب واحد.
و" المس " خاص بالمحسوسات. وفرق ابن راشد في " المقدمات " بين المس، واللمس فجعل اللمس: لا يكون عن قصد. والمس: يكون مقصوداً، أو غير مقصود. تقول: " تماس الحجران " ولا يقال: " تلامس الحجران ".
وفي سورة براءة نظير هذه الآية (إن تصبك حسنة).
١٢١ - (مقاعد للقتال. . .) الزمخشري: اتُسع في " قعد "، و " قام " حتى أُجْريا مجرى " صار ". واستعمل " المقعد "، و " المقام " في معنى المكان كقوله:
стр. 369
(في مقعد صدق. .). واعترضه أبو حيان: بأن الأصحاب قالوا: لم يجئ " قعد " بمعنى " صار " إلا في قوله: " شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة " أي: صارت، قال: وأمّا إجراء " قام " مجرى " صار " فلم يعدها أحد في أخوات " كان " أولا تأتي بمعنى " صار "، ولا أن لها خبرًا إلَّا ابن هشام الخضراوي جعلها من أفعال المقاربة في قول الشاعر:
على ما قام يشتمني لئيم ... انتهى.
وكذا ابن مالك في " تسهيل الفوائد " في أفعال المقاربة قال: منها: للشروع في الفعل " طَفِق "، و " جعل "، و " أخذ "، و " علق "، و " هبّ "، و " قام ".
١٣٥ - (إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم. .) يحتمل أن يكون المراد (الفاحشة): المعاصى المتعدية؟ للغير. و (الظلم): المعاصي القاصرة
стр. 370
على النفس. وهو أحد تفسير الزمخشري في قوله: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه. .).
- (ولم يصروا على. .). عدم الإِصرار شمل ما إذا نوى عدم العودة إلى الذنب، أو لم يستحضر ذلك.
فإن قلت: ما أفاد (ولم يصروا) بعد قوله: (ذكروا اللَّه فاستغفروا. .) وفي الحديث: " ما أصر من استغفر. . "؟.
فالجواب: أن المعنى (لم يصروا) على ما فعلوه في الماضي، وحالهم في المستقبل أنهم إذا فعلوا فاحشة فإنهم يستغفرون اللَّه منها، وهذا نحو جواب الفخر: في قوله تعالى: (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. .)، أو يجاب: بأن الأول أفاد استغفارهم عن الفعل الواقع منهم، ويبقى اللمم بالفعل، والعزم على العودة، فأفادهم قوله: (ولم يصروا) أو يجاب: بأنهم إذا فعلوا واستغفروا لا
стр. 371
يعودون إلى الذنب مرة أخرى لكن إذا عادوا إليه فهو ذنب آخر، وفاحشة أخرى ليست منفية بعدم الإِصرار.
- (وهم يعلمون). قال الزمخشري: حال من فعل " الإِصرار "، وحرف النفي منصب عليهما معا، وفسره بوجوه:
منها: قول بعضهم (وهم يعلمون) أن باب التوبة مفتوح ". انتهى. النفي على هذا التفسير منصب على الأول فقط دون الثاني.
١٣٦ - (ونعم أجر العاملين). الفخر: عن القاضي عبد الجبار من المعتزلة: فيها دليل عك أن الثواب مرتبط بالعمل. انتهى. إنما يدل على أن هذا الثواب الخاص على العمل لا على أن لا ثواب إلا على العمل. وأيضا العمل يصدق على الإِيمان، ونحن نقول: إذا لم يحصل الإِيمان فلا ثواب.
واعتزل الزمخشري هنا ورقق على مذهبه بآثار ذكرها، وخلط الصحيح منها
стр. 372
بالسقيم، وما يوافق عليه أهل السنة بما يخالفون فيه حيلة منه؛ ليموه على الناظر، وقوله عن رابعة:
ترجو النجاة ..................
قال الطيِّبي قبله:
ما بال نفسك تبغي أن تدنسها ... وثوب جسمك مغسول من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
وفى سورة العنكبوت (نعم أجر العاملين)، بغير واو العطف!.
فأجاب أبو جعفر الزبير: بأن هنا وقع ذكر الجزاء مفصلًا، ومعطوفَّا فناسب العطف بخلافه في آية العنكبوت.
١٣٨ - (هَذَا بَيَانٌ). كقول سيبويه هذا باب كذا قيل: فيه دليل على امتناع، ورود المجمل فيه.
стр. 373
وأجيب: بأن المراد دلالته على وجود الله تعالى، ووحدانيته، وما يجب له، وما يستحيل عليه، والعطف ترقى، و " البيان " راجع للتصوير، و " الهدى " للتصديق بالحق، و " الموعظة " راجعة لاتباع الأوامر، والنواهي، والاتعاظ بالخوف من عقاب اللَّه.
١٣٩ - (ولا تهنوا. .) ابن عطية: هو من " وهن "، ومن كلامهم لا المؤمن هين لين، انتهى. يردّ بأن " وهن " معتل الفاء " وهن " معتل العين فالمادة مختلفة. والعجيب من أبي حيان كيف سكت عنه، ولم يتعقبه.
وقول ابن عطية: ومنه فعل عمرو بن سعيد مع عبد الملك بن مروان عند قتله إياه، يوهم أن عمرًا مكر بعبد الملك، وليس كذلك، بل المنقول العكس فالصواب العكس وهو أن يقول: فعل عبد الملك بعمر.
١٤٠ - (إِنْ يَمْسَسْكُمْ. .) فعل الشرط مستقبل وهو هنا ماضٍ، لأن
стр. 374
مس القرح لهم قد وقع، ومضى فيرجع إلى المسبَّب؛ لأن " المس " سبب في التألم وهو دائم مستمر في المستقبل، والمعنى: أن ينلكم تألم في المستقبل بسبب مسّ القرح لكم. وجواب الشرط إمّا المذكور في الآية، أو لازمه أي: " فلكم في الكفار إسوة، وتسلٍ ". فقلنا لهم: مثل ذلك، فانظر ما تقدم في الكلام على قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ). وخلط ابن عطية في لفظ (قرح) فحكم للمجاور لحرف الحلق بحكم حرف الحلق؛ لأن ما وسطه حرف حلق يجوز فتحه، وتسكينه، وما آخره حرف حلق فيه خلاف.
- (وليعلم الله الذين آمنوا. .) قول الزمخشري: أي ليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء، يوهم أن ثم علمًا لا يتعلق به الجزاء. وقوله: الفرق بين العلم، والمعرفة أن المعرفة من التصورات. والعلم: تصديق.
إن قيل: يُردّ بأن قولك: " عرفت زيدًا " تصديق، لا تصور. أجيب: بأن مراده: أن متعلق العلم التصديق، ومتعلق المعرفة تصور.
стр. 375
١٤١ - (وليمحص اللَّه الذين آمنوا ويمحق الكافرين). عبّر عن المؤمنين بالفعل، وعن الكافرين بالاسم إشارة إلى أن من اتصف بأدنى الإِيمان مغفور له، والمغضوب عليه إنما هو من صَمَّم على الكفر، وداوم عليه. وهذا معنى قوله في الحديث: " سبقت رحمتي غضبي ". وعبر في القسمين: بالوصف دون الاسم إشارة إلى الصفة التي لأجلها مدح هؤلاء وذم هؤلاء.
فإن قلت: قال الفخر: هي خاصة بكفار بدر. ففيها امتحق الكافرون!.
فأجيب: بأن المحق قسمان: حسيّ، ومعنوي؛ لأن محق البعض يوجب إذلال الباقين، وحسرتهم، فهو محق لهم بالمعنى.
стр. 376
١٤٢ - (أن تدخلوا الجنة. .) أي: دخولًا أوليًا، وهو الدخول المسبَّب عن الجهاد. وعبّر عن المجاهدين " بالفعل و " عن الصابرين بالاسم؛ لأن الصبر عام لا توجد عبادة بدونه فعّبر عنه بما يقتضي الثبوت، واللزوم لعمومه، أو يكون المراد: الصابرين على الجهاد. فعبّر عنه بالاسم؛ لأن الجهاد متلف للنفس فالصبر عليه أقوى من الصبر على غيره من العبادات المشقة غير المتلفة للنفس.
١٤٣ - (ولقد كنتم تمنون الموت. .). إن قلت: هذا كيف يفهم مع قوله ﷺ : " لا تمنوا لقاء العدو وسلوا اللَّه العافية "؟.
فالجواب: أن ذلك كان في أول الإِسلام حيث كان الكفر كثيرًا، والإِسلام قليلًا فنهوا عن تمني لقاء العدو، أو المراد هنا: أن الشهادة
стр. 377
والهجوم على القتال حين اللقاء، أو تكون هذه نزلت أولًا وجرتِ الآية مجرى العتاب لهم؛ لأن عتاب من تمنى لقاء العدو ثم قعد، وكزّ عن قتاله حِين اللقاء أشد من عتاب غيره.
١٤٤ - (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ. .). تضمنت أمرين: كونه من البشر، وذم من همّ بالردّة يوم أحد.
قيل: الحصر على بابه، وحقيقته؛ لأن وصف الرسالة يستلزم جميع أوصاف الكمال. ورُدَّ بأنه لم يكن قبل البعثة رسولا فالقضية حينية، لا دائمة.
- (أفإن مات. .). قول أبي حيان: الشرط ب (إن) دخل على (انقلبتم) لا على (موته). يرُدُّ بأنه دخل على مجموع القضية؛ لأن أصله " إن مات انقلبتم "، وهذا شرط لازم قد دخل عليه الاستفهام بمعنى الإنكار على الملازمة الشرطية، وموته ممكن، وقتله ممكن، غير واقع؛ لقوله تعالى: (واللَّه يعصمك من الناس. .).
- (شيئًا) تأكيد بالمصدر دخل على النفي فهو نفي أخص.
стр. 378
١٤٥ - (وما كان. .). الزمخشري: إن أريد نفي ما هو منفي بذاته أتى بأداة النفي فقط مثل: " ما يطير زيد "، ولا يحتاج لنفي القابلية، لأن العقل يصدق ذلك النفي، وإن أريد نفي ما هو ممكن الوقوع، أو قريب من الإِمكان أتى بـ " كان " التي تقتضي نفي القابلية مثل: " ما كان لزيد أن يقوم "، فهو قابل لذلك باعتبار جنسه غير قابل له بذاته فدخلت (كان) هنا على النفي، وأتى به في صورة الممكن؛ ليكون أبلغ في النفي.
١٤٦ - (وكأين. .). أنشد ابن عطية هنا:
وكأين ترى من صامت لك مُعْجبِ ... زيادَتُهُ أو نَقْصُهُ في التَّكلًّمِ.
قال أبو عبيد في " الأمثال ":
стр. 379
البيت للأحنف بن قيس كان مجالسه رجل يطيل الصمت حتى أُعْجِبَ به الأحنف ثم إنه تكلم يومًا فقال: يا أبا سرّ أتقدر أن تمشي على سرْدق المسجد، فعندها تمثل الأحنف بالبيت بعده:
لسانُ الفَتى نِصْفٌ ونِصْفٌ فؤادهُ ... فلم يَبْقَ إلَّا صُورَةُ اللَّحم والدّمِ
قال شيخنا ابن عرفة " أخبرني شيخنا ابن الحُبَاب " قال: أخبرني شيخنا أبو العباس أحمد السُّلَميّ قال: قلت: لشيخنا الأستاذ أبي الحسن علي بن عصفور لِمَ أكثرت من الشواهد في " شرحك للإِيضاح " على
стр. 380
(كأين)؟. قال:؛ لأني دخلت على السلطان أبي عبد الله المنتصر فألفيت ابن هشام خارجًا من عنده فأخبرني أنه سأله عما يحفظ من الشواهد في شرحك للإِيضاح " على قراءة، (كأين) فلم يستحضر غير بيت الإِيضاح:
وكأين بالأباطح من صديق ... يراني لو أُصِبْتُ هو المصابا
قال ابن عصفور: فلما سألني أنا قلت له: احفظ فيها خمسين بيتًا فلما
стр. 381
أنشدته نحو العشر، قال: حسبك ثم أعطاني خمسين دينارًا فخرجت فوجدت ابن هشام " المصري " جالسًا بالباب فأعطيته شطرها.
ابن هشام المصري، (كأين): اسم مركب من كاف التشبيه وأيّ المنونه؛ ولذا جاز الوقف عليها بالنون؛ لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية؛ وكذا رُسِمَ في المصحف نونا، ومن وقف حذفه اعتبر حكمه في الأصل، وهو الحذف في الوقف. وتوافق " كأيّ "، " كم " في خمسة أمور: الإِبهام، والافتقار إلى التمييز، والبناء، ولزوم التصدير، وإفادة التكثير تارة وهو الغالب نحو: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)، والاستفهام أخرى، وهو نادر، ولم يثبته إلا ابن قتيبة، وابن عصفور، "
стр. 382
وابن مالك، واستدل عليه بقول أبي بن كعب لابن مسعود ﵄: " كأيّ تقرأ سُورةَ الأحزاب آيةً "؟. فقال: " ثلاثا " وسبعين ".
وتخالفها في خمسة أمور: أنها مركبة، وكم بسيطة على الصحيح خلافًا لمن زعم أنها مركبة من الكاف، و " ما " الاستفهامية ثم حذفت ألفها؛ لدخول الجار، وسُكِنَتْ ميمها؛ للتخفيف؛ لثقل الكلمة بالتركيب. وكون مميزها مجرورًا بـ " من " غالبًا حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرُده قول سيبويه: " وكأيّ رجلًا قد رأيت " زعم ذلك يونس إلا أن أكثر العرب لا يتكلمون
стр. 383
به إلا مع " من ". وكونها لا تقع استفهامية عند الجمهور. وقد مضى. ولا تقع مجرورة خلافًا لابن قتيبة، وابن عصفور أجازا بـ " كأيَّن تبيع هذا الثوب "؟. وأن خبرها لا يقع مفردا.
- (فما وهنوا. .). الضمير إمّا عائد على لفظ: " الربيين " دون معناه مثل: " عندي درهم ونصفه "؛ لأن من مات لا يوصف بعدم الوهن، وإما عائد عليه لفظًا، ومعنى، والمعنى: أنهم ماتوا على حالة التجلد، والشدّة من غير ضعف في قلوبهم، وجاءت الآية على أحسن ترتيب؛ لأن الوهن أشدّها، ويليه الضعف، ويليه الاستكانة فنفى أولا الأبلغ ثم ما دونه ثم ما دونه؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، وفيه الحذف من الثاني؛ لدلالة الأول عليه وهو (لما أصابهم)، ويدل على أن من فعل شيئًا من الطاعات، وترك شيئًا من المعاصي من غير مشقة عليه في ذلك أنه يسمى صابرًا؛ لأن هؤلاء لم ينلهم وهن، ولا خوف فسماهم صابرين.
١٤٧ - (. . وإسرافنا.). يحتمل أن يكون المراد بالإِدراف: عدم اجتناب النواهي؛ لأنه لغة: الزيادة على الشيء. قال تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا)، وقال تعالى: (وكذلك نجزي من
стр. 384
أسرف ولم يؤمن. .). وقرئ (قولُهُم) بالرفع. وقول ابن عطية الخبر فيما بعد (إلَّا). يردّ بما في " الإِيضاح "، وغيره: أنه لا يجوز " أن الذاهبة جاريته صاحبها "، فالمعنى: كان قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا قولهم.
والجواب: إما أنه على قراءة الرفع وهي الشاذة يكون الخبر أعم من المبتدأ فيصح الإِخبار به عنه؛ لأنه أعم منه؛ لأن قولهم مضاف لضميرهم، وإن قالوا أعم منه، والتقدير: وما كان قولهم إلَّا قول (ربنا اغفر لنا ذنوبنا) و " قول " أعم من " قولهم "، وأمّا على القراءة المشهورة فيكون من باب " فأنكرت الوجوه "، وقلت: " هم هم "، ومثل " جَدّ جدّه " فهو تأكيد، وإطناب.
١٥٢ - (. . وَعْده إذ تحسونهم. .). قول أبي حيان: العامل في (إذ)، (وعده)،. يرد بأن الوعد قديم. فإن قلت: المراد متعلقه. قلنا:
стр. 385
متعلقه الصدق؛ لأن الوعد إذا وقع الموعود به كان صدقًا، وإلّا كان كذبًا.
فالعامل فيه صدق مع أن الصدق قديم، لكن المراد ظهور الصدق للوجود.
- (منكم من يريد الدنيا. .) المناسب أن يكون المعنى يريد الدنيا والآخرة؛ لأنهم مسلمون (ومنكم من يريد الآخرة) فقط.
١٥٣ - (إذ تصعدون. .). ضعف أبو حيان كون العامل في (إذ) اذكر " مقدر، بأن " اذكر " مستقبل و (إذ تصعدون) ماضٍ!.
ويجاب بجوابين:
أحدهما: أنه عامل فيه عمل الفعل في المفعول به لا عمله في الظرف.
الثاني: أنه عامل فيما يتعلق به أي: اذكر حالكم (إذ تصعدون).
- (والرسول). أي رسول الله ﷺ أو رَسُوله (في أخراكم)؛ لأنهم لما انهزموا، ورجعوا وثبت هو في موضعه صار في أخراهم بعد أن كان في وَسَطهم، ومقدمهم.
стр. 386
١٥٤ - (نعاسًا. .). أبو حيان: يمتنع كونه مفعولًا من أجله؛ لأنه ليس مفعولًا لفاعل الفعل المعلل يريد من " نعس " ففاعله ليس الله بخلاف فاعل الإِنزال، ولو كان إنعاسًا من أنعس لاتحد الفاعل!.
قيل: مذهب الأشعرية: أن لا فاعل حقيقة إلَّا الله تعالى، ونسبة الفعل إلى العبد مجاز.
أجيب: بأن المفعول من أجله إنما ينسب الفعل لمن يصح وقوع الحدث منه. والنعاس يستحيل وقوعه من الله تعالى، وفي الأنفال (إِذْ يَغْشَاكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ)، فقدم النعاس!.
والجواب: أن الفاعل هناك هو النعاس، وقدم، وفاعل الإِنزال هنا هو اللَّه، والمنزَّل هو النعاس لم يكن إنزاله لذاته، بل لكونه أمنا.
واختلف الزمخشري، وابن عطية نقل الزمخشري: أن النعاس غشيهم في مصافهم. وقال ابن عطية: أن ذلك كان بعد ارتحال أبي
стр. 387
سفيان من موضع الحرب، وانفصال القتال، وهو ظاهر الآية للعطف بـ (ثم).
- (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم. .). الزمخشري: (قد أهمتهم) صفة لـ (طائفة) و (يظنون) صفة أخرى، أو حال بمعنى ظانين، أو استئناف على وجه البيان للجملة قبلها.
- و (يقولون). بدل من (يظنون). ابن هشام: كأنه نسي المبتدأ فلم يجعل شيئًا من هذه الجملة خبرًا له، فلعله رأى أن خبره محذوف أي: ومنكم طائفة صفتهم كيت، وكيت. والظاهر أن الجملة الأولى خبر، وأن الذي سَوَّق الابتداء بالنكرة صفة مقدرة أي: وطائفة من غيركم مثل: " السمن مَنَوانِ بدرهم " أي: منوان منه. واعتماده على واو الحال كما جاء في الحديث وهو قوله: " دخل وبُرْمةٌ على النَّارِ. . ".
стр. 388
- (في أنفسهم. .). إن قلت: ما أفاد مع أن الإِخفاء لا يكون إلّا في النفس؟!.
فالجواب: أن الإِخفاء قد يكون بين رجلين يُسِر أحدهما إلى الآخر حديثاً أخفياه عن غيرهما، وقد يكون في حديث النفس.
- (يقولون). ليست مفسره للتي قبلها؛ لأن القول في الاصطلاحِ حقيقة في النطق اللفظىِّ، وكذلك قال الفقهاء: إذا حلف ألَّا يقول شيئًا فإنه لا يحنث إلا بالنطق " اللفظي " فهما جملتان مستقلتان.
- (قل لو كنتم في بيوتكم. .) هذا إمّا تكذيب للقضية المتقدمة بصدق نقيضها، وإمّا إبطال لإِحدى مقدمتي القياس، وهي الكبرى فمعنى الأول: لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا، ولو لم نخرج ما قتلنا، فأبطلت القضية كلها.
فإن قيل لهم: بل لو كان لكم من الأمر شيء لخرجتم. ومعنى الثاني: أن تمنع الكبرى، وهي كلما لم يخرجوا لم يقتلوا بصدق ما هو أخص منها؛ لأن كونهم في بيوتهم أخص من قولهم (لو كان لنا من الأمر شيء) فإذا ترتب الموت على كونهم في بيوتهم فأحرى أن يترتب على عدم خروجهم.
قال ابن عطية: هذا من المنافقين قول بأن للإِنسان أجلين. انتهى. إنما هو منهم وقوف مع الأمور العادية، فلعلهم لم يعتقدوه مذهبًا.
стр. 389
- (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ. .). إن قلت: لمَ أسند الابتلاء إلى الصدور، والتمحيص للقلوب وهو سؤال مذكور في جنس الابتلاء؟.
" فالجواب أن الابتلاء " هو الاختبار فهو إشارة إلى كمال تعلق علم الله تعالى، وعمومه فناسب أن يسند إلى الأعم، وهو الصدر. وأما التمحيص: فهو: تخليص شيء من شيء، وتصفيته. فناسب تعلقه بالمقصود من الإِنسان، وهو القلب.
١٥٥ - (إن الذين تولوا. .). في هذه الآية من التلطف ما ليس في آية الأنفال وهو قوله: (ومن يولهم يومئذ دبره. .).
ذكر في تلك لفظ: " الدبر " دون هذه، وعبر هنا ب (تولوا) الدال على تكلف الفعل إشارة إلى أن لهم في ذلك عذرًا للفرق بين " ولى " و " تَوَلى " كما فرقوا بين " كَرُم "، و " تَكَرَّم "، فلذلك رتب عليه الوعيد الأخف مع العفو، وأيضا فهذه إخبار عمّا وقع فناسب التلطف، وتلك تقدير، للوقوع فناسب التخويف، والتشديد فِي الوعيد.
- (إنما استزلهم. .). قال الفخر: احتج به الكعبيّ من المعتزلة على أن الشرك لا يقع من الله تعالى لأجل أداة الحصر. . ". انتهى.
стр. 390
يجاب: بأن نسبته لغيره إنما هي في اللفظ فقط على جهة الأدب، والكل من " الله " خلقه، وفعله، والحصر في الآية إنما هو في لفظ بعض أي: لم يستزلهم الشيطان إلّا ببعض مكسوبهم، لا أنهم لم يستزلهم إلاّ الشيطان.
قال الزمخشري: لِمَ قيل: ب (بعض ما كسبوا)؟. وأجاب: بأنه كقوله تعالى: (ويعفو عن كثير. .)، وهو بناء منه على أن المعنى ما كسبوه من الشر. ونقول: لفظ (كسبوا) صادق على كل مكسوبهم خيرًا، أو شرًا. فالشّر بعضه فلا يَرِدُ السؤال.
١٥٦ - (لا تكونوا كالذين كفروا. .). إذا نُهي الإِنسانُ عن الشبه بمتصف بوصفين صرف النهي لأخصهما، وهو هنا القول، ولأجله وقع النهي. وجملة (إذا ضربوا) حكاية حال ماضية.
الفخر: الآية حجة على الكرَّامية القائلين: بأن مجرد النطق بالشهادتين كاف في حصول الإِيمان، وإن لم يصحبه الاعتقاد القلبي " انتهى.
следующие страницы →