← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 95569

القراءات وأثرها في علوم العربية

محمد سالم محيسن

Полный текст (902 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

قال «الطبري» في تفسير قوله تعالى: قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ الخ. «وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره نبيه ﵌ على حجته على مشركي قومه من عبدة الأوثان، يقول له تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، والأنداد، والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الاصنام معهم، أندعوا من دون الله حجرا أو خشبا لا يقدر على نفعنا، أو ضرنا، فنخلصه بالعبادة دون الله، وندع عبادة الذي بيده الضر، والنفع، والحياة، والموت ان كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر، فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه، ويرهب ضره أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه، ولا يخشى ضره، ونرد على أعقابنا، أي ونرد من الاسلام الى الكفر بعد اذ هدانا الله، فوفقنا له، فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان يهوي في الأرض حيران، بمعنى: تنزع اليهم وتريدهم. وأما حيران: فانه «فعلان» من قول القائل: قد حار فلان في الطريق، فهو يحار فيه، حيرة، وحيرانا، وحيرورة، وذلك اذا ضل فلم يمتد للمحجة، له أصحاب يدعونه الى الهدى، يقول لهذا الحيران الذي قد استهوته الشياطين في الأرض: أصحاب على الحجة، واستقامة السبيل، يدعونه الى المحجة لطريق الهدى الذي هم عليه، يقولون له: ائتنا. وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن كفر بالله بعد ايمانه، فاتبع الشيطان من أهل الشرك بالله، وأصحابه الذين كانوا أصحابه في حال اسلامه المقيمون على الدين الحق، يدعونه الى الهدى الذي هم عليه مقيمون والصواب الذي هم به مستمسكون، وهو له مفارق، وعنه زائل يقولون له: ائتنا فكن معنا على هدى، وهو يأبى ذلك، ويتبع دواعي الشيطان، ويعبد الآلهة، والأوثان أهـ (١).

стр. 667

«تكون» من قوله تعالى: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (١). ومن قوله تعالى: وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ (٢). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكون» في الموضعين بياء التذكير، وذلك لأن «عاقبة» تأنيثها غير حقيقي، ولأنها لا ذكر لها من لفظها. وقرأ الباقون «تكون» في الموضعين بتاء التأنيث، وذلك على تأنيث لفظ «عاقبة». والتذكير والتأنيث في مثل هذه الحالة سواء في اللغة العربية، وقد جاء «القرآن الكريم» بالأمرين معا في غير موضع، فمن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة رقم- ٢٧٥: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ. وقوله تعالى في سورة يونس رقم- ٥٧: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ. وقال تعالى في سورة هود رقم- ٦٧: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ. وقال تعالى في سورة هود رقم- ٩٤: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ (٣). «يكن ميتة» من قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ (٤). قرأ «نافع، وأبو عمرو، وحفص، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكن» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالنصب. ووجه هذه القراءة أن تذكير الفعل لتذكير «ما» في قوله تعالى:

стр. 668

وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا (٢) واسم «يكن» ضمير مستتر يعود على «ما» ونصب «ميتة» على أنها خبر «يكن» والتقدير: وأن يكن ما في بطون الأنعام ميتة فهم في كله شركاء. وقرأ «ابن ذكوان، وأبو جعفر، وهشام» بخلف عنه «تكن» بالتاء على تأنيث الفعل، وميتة بالرفع، وأبو جعفر على قاعدته في تشديد ياء «ميتة». ووجه هذه القراءة أن تأنيث «تكن» لتأنيث لفظ «ميتة» و «يكن» تامة بمعنى حدث ووقع لا يحتاج الى اسم وخبر بل تحتاج الى فاعل فميتة فاعل «تكن». وقرأ «ابن كثير، وهشام» في وجهه الثاني. «يكن» بالياء على التذكير، و «ميتة» بالرفع. ووجه هذه القراءة أن «يكن» تامة تحتاج الى فاعل فقط، و «ميتة» هي الفاعل وبناء عليه ذكر الفعل لأن تأنيث «ميتة» غير حقيقي لأنه يقع على المذكر والمؤنث من الحيوان. وقرأ «شعبة» «تكن» بالتأنيث، و «ميتة» بالنصب. ووجه هذه القراءة أن «تكن» ناقصة تحتاج الى اسم وخبر، واسمها ضمير يعود على «ما» وأنث «تكن» لتأنيث معنى «ما» لأنها هي الميتة في المعنى ولذلك جاء الخبر عنها مؤنثا في قوله تعالى: خالِصَةٌ، و «ميتة» خبر «تكن» (١). «يكون ميتة» من قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً (٢).

стр. 669

قرأ «نافع، وأبو عمر، وعاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكون» بالياء، على تذكير الفعل، و «يكون» بالياء، على تذكير الفعل و «ميتة» بالنصب. ووجه هذه القراءة أن اسم «يكون» ضمير تقديره «هو» والمراد به «الموجود» المفهوم من «لا أجد» والتقدير: قل يا «محمد» لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الا أن يكون الموجود ميتة أو دما مسفوحا فإنه رجس. والموجود مذكر، فذكر الفعل وهو «يكون» و «ميتة» خبر «يكون». وقرأ «ابن عامر، وأبو جعفر» «تكون» بالتاء على تأنيث الفعل. و «ميتة» بالرفع. ووجه هذه القراءة أن «تكون» تامة بمعنى حدث ووقع، فتحتاج الى فاعل فقط، و «ميتة» فاعل، وأنث «تكون» لتأنيث لفظ «ميتة». وقرأ «ابن كثير، وحمزة» «تكون» بالتاء، على تأنيث الفعل، و «ميتة» بالنصب ووجه هذه القراءة أن اسم «تكون» يعود على معنى «محرما» والمحرم لا بد أن يكون عينا، أو نفسا، أو جثة، وهذه كلها مؤنثة، فأنث الفعل لذلك، و «ميتة» خبر «تكون» (١). «تأتيهم» من قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (٢). ومن قوله تعالى: هل ينظرون الا أن تأتيهم الملائكة (٣). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يأتيهم» في الموضعين بالياء، على تذكير الفعل.

стр. 670

وقرأ الباقون «تأتيهم» في الموضعين أيضا بالتاء، على تأنيث الفعل، وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه، لأن الفاعل وهو «الملائكة» جمع تكسير، واذا كان الفاعل جمع تكسير جاز في فعله التذكير، والتأنيث (١). «يتوفى» من قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ (٢). قرأ «ابن عامر» «تتوفى» بالتاء، على تأنيث الفعل، وذلك لأن لفظ الملائكة مؤنث. والمراد به: جماعة الملائكة، ومنه قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (٣). وقرأ الباقون «يتوفى» بالياء، على تذكير الفعل، وذلك لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي، وللفصل بين الفعل والفاعل، ولأن المراد جمع الملائكة، كما تقول: «قال الرجال» أي جمع الرجال. قال «الزجاج» إبراهيم السري ت ٣١١ هـ: «الوجهان جميعا جائزان، لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث لأن معناها معنى جماعة، ويجوز أن يعبر عنها بلفظ التذكير كما يقال: «جمع الملائكة أهـ (٤) «يكن» من قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا (٥).

стр. 671

قرأ «أبو عمرو وعاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «يكن» بالياء، على تذكير الفعل، وذلك للفصل بين «يكن» و «مائة» لأنها اسمها. وأيضا فان «مائة» وان كان لفظها مؤنثا، الا أن معناها مذكر، لأن المراد به «العدد». وقرأ الباقون «تكن» بالتاء، على تأنيث الفعل وذلك لتأنيث لفظ «مائة» (١). «يكن» من قوله تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (٢) قرأ «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكن» بالياء على التذكير، لأن تأنيث «مائة» مجازي، وللفصل بشبه الجملة. وقرأ الباقون «تكن» بتاء، التأنيث لتأنيث لفظ مائة، ولأنها وصفت بصابرة (٣). «يكون» من قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى (٤). قرأ «أبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب» «تكون» بتاء التأنيث، لتأنيث لفظ «الأسرى» بألف التأنيث المقصورة.

стр. 672

وقرأ الباقون «يكون» بياء التذكير، حملا على تذكير معنى «الأسرى» لأن المراد به «الرجال». وأيضا للفصل بين «أسرى» و «يكون» بالجار والمجرور (١) «تقبل» من قوله تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ (٢). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يقبل» بالياء، على تذكير الفعل، لأن «نفقاتهم» تأنيثها غير حقيقي، ولأنه قد فرق بينها وبين الفعل بالجار والمجرور: «منهم» ولأن النفقات أموال، فكأنه تعالى قال: وما منعهم أن يقبل منهم أموالهم، فحمل على المعنى فذكر. وقرأ الباقون «تقبل» بالتاء، على التأنيث، وذلك لتأنيث لفظ «نفقات» فأنث الفعل ليوافق اللفظ المعنى (٣). «يزيغ» من قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (٤). قرأ «حفص، وحمزة» «يزيغ» بالياء، على تذكير الفعل، واسم «كاد» ضمير الشأن، وجملة «يزيغ قلوب فريق منهم» خبر «كاد» وجاز تذكير الفعل لأن الفاعل جمع تكسير، كما قال تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران ٣٩] على قراءة «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر».

стр. 673

وقرأ الباقون «تزيغ» بالتاء، على تأنيث الفعل، وتوجيهه كتوجيه القراءة المتقدمة، وأنث الفعل كما أنث في قوله تعالى: قالَتِ الْأَعْرابُ (١). يقال: زاغت الشمس «تزيغ زيغا»: مالت، وزاغ الشيء كذلك «يزوغ زوغا» لغة (٢). «وتكون» من قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ (٣). قرأ «شعبة» بخلف عنه «ويكون» بياء التذكير لأن اسم «ويكون» جمع تكسير وتأنيثه غير حقيقي. وقرأ الباقون «وتكون» بتاء التأنيث، وهو الوجه الثاني «لشعبة» وذلك لتأنيث اسم «وتكون» نحو: «قالت الأعراب» (٤). «يسقى» من قوله تعالى: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ (٥). قرأ «ابن عامر، وعاصم، ويعقوب» «يسقى» بالياء التحتية على التذكير، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على ما ذكر من قبل في الآية. وقرأ الباقون «تسقى» بتاء التأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر

стр. 674

تقديره «هي» يعود على الأشياء التي سبق ذكرها في الآية (١). «تستوي» من قوله تعالى: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ (٢). قرأ «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يستوي» بالياء التحتية على التذكير، لأن تأنيث «الظلمات» غير حقيقي فجاز تذكير الفعل، مثل قوله تعالى: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ (٣). وأيضا فانه يجوز أن يذهب ب «الظلمات» الى معنى المصدر فيكون بمعنى «الاظلام»، أو «الظلام» فيذكر الفعل حملا على ذلك. وقيل أيضا: ان الجمع بالألف والتاء، يراد به «القلة» والعرب تذكر الجمع اذا قل عدده فذكر الفعل حملا على ذلك المعنى. وقرأ الباقون «تستوي» بالتاء الفوقية على التأنيث، لأن «الظلمات» فاعل، فأنث الفعل تبعا لتأنيث اللفظ (٤). تنبيه «يستوي» من قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (٥). اتفق القراء العشرة على قراءته بالتذكير، اذ لا وجه لتأنيث الفعل. «تتوفاهم» من قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (٦). من قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ (٧).

стр. 675

قرأ «حمزة، وخلف العاشر» «يتوفاهم» في الموضعين بالياء التحتية، على تذكير الفعل، و «الملائكة» فاعل وجاز تذكير الفعل على إرادة جمع الملائكة، ومنه قوله تعالى: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ (١) على قراءة «حمزة والكسائي، وخلف العاشر». وقرأ الباقون «تتوفاهم» في الموضعين أيضا، بالتاء الفوقية على تأنيث الفعل، و «الملائكة» فاعل وأنث الفعل لأن لفظ «الملائكة» مؤنث، والمراد جماعة الملائكة. ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ (٢). «يتفيؤا» من قوله تعالى: أولم يروا الى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله (٣). قرأ «أبو عمرو، ويعقوب» «تتفيؤا» بتاء التأنيث، وذلك على تأنيث لفظ الجمع وهو «الظلال». وقرأ الباقون «يتفيؤا» بياء التذكير، وذلك على تذكير معنى الجمع. ولأن تأنيث الفاعل وهو «ظلال» غير حقيقي (٤). جاء في «تفسير الطبري» عن معنى هذه الآية: «أو لم ير هؤلاء الذي مكروا السيئات، الى ما خلق الله من جسم قائم: شجر، أو جبل، أو غير ذلك يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل، يقول:

стр. 676

يرجع من موضع الى موضع فهو في أول النهار على حال، ثم يتقلص ثم يعود الى حال أخرى في آخر النهار» أهـ (١) «تسبح» من قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ (٢). قرأ «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وشعبة وأبو جعفر، ورويس بخلف عنه» «يسبح» بياء التذكير. وذلك للفصل بين الفعل، والفاعل، وهو «السموات» بالجار والمجرور. ولأن تأنيث الفاعل غير حقيقي. وقرأ الباقون «تسبح» بتاء التأنيث، وهو الوجه الثاني «لرويس» وذلك حملا على تأنيث الفاعل «السموات» (٣). «تكن» من قوله تعالى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ (٤) قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكن» بالياء التحتية على تذكير الفعل، لأنه فرق بين الفعل وفاعله المؤنث وهو «فئة» بالجار والمجرور، ولأن تأنيث «فئة» غير حقيقي. وقرأ الباقون «تكن» بالتاء الفوقية على تأنيث الفعل، وذلك على تأنيث لفظ الفاعل (٥)

стр. 677

«ان تنفد» من قوله تعالى: لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي (١). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ينفد» بالياء التحتية، على تذكير الفعل. وقرأ الباقون «تنفد» بالتاء الفوقية، على تأنيث الفعل. وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه، لأن تأنيث الفاعل، وهو «كلمات» غير حقيقي (٢). «تكاد» من قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ (٣). ومن قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ (٤). قرأ «نافع، والكسائي»: «يكاد» في الموضعين بالياء على التذكير. وقرأ الباقون «تكاد» في الموضعين بالتاء على التأنيث، وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه، لأن الفاعل مؤنث غير حقيقي (٥). المعنى: لقد بلغ الكفار حد البشاعة والفظاعة، فنسبوا الود لله تعالى حيث قال اليهود: عزيز ابن الله، وقال النصارى: المسيح ابن الله، وكل ذلك قول باطل، وكذب مفتر، ما كان لله من ولد، وما كان معه من اله، ان هذا الكلام في غاية الهول والشناعة بحيث لو صورت شناعته، وهو له في صورة محسوسة لم تحتمله السموات والأرض فتنشق السماء، ويختل سير الأجرام، وتسقط الأرض مفتتة مهدمة. لأنهم نسبوا لله ما هو منزه

стр. 678

عنه، وادعوا أن له ولدا، وما يليق بالرحمن أن يكون له ولد، لأن التوالد مستحيل على الله تعالى، لأنه لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص ٣ و ٤] «يخيل» من قوله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (١). قرأ «ابن ذكوان، وروح» «تخيل» بتاء التأنيث، على أن الفعل مسند الى ضمير يعود على «العصي والحبال» وهي مؤنثة، والمصدر المنسبك من «أنها تسعى» بدل اشتمال من ذلك الضمير. وقرأ الباقون «يخيل» بياء التذكير، لأن التأنيث في العصي والحبال غير حقيقي، دوالمصدر المنسبك من «أنها تسعى» بدل اشتمال من الضمير. ويجوز أن يكون الفعل مسندا الى المصدر المنسبك من «أنها تسعى» وهو مذكر، والتقدير: يخيل اليه سعيها (٢). «تأتهم» من قوله تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (٣). قرأ «ابن كثير، وابن عامر، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر وابن وردان» بخلف عنه «يأتهم» بياء التذكير. وقرأ الباقون «تأتهم» بتاء التأنيث، وهو الوجه الثاني لابن وردان، وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه لأن الفاعل مؤنث غير حقيقي (٤).

стр. 679

«لتحصنكم» من قوله تعالى: لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ (١). قرأ «ابن عامر، وحفص، وأبو جعفر» «لتحصنكم» بالتاء على التأنيث، على أنه مضارع مسند الى ضمير الصنعة المفهوم من قوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ وهي مؤنثة. أو الى ضمير «اللبوس» وأنث الفعل لتأويل اللبوس بالدروع، وهي مؤنثة تأنيثا مجازيا. واسناد الفعل الى الصنعة، أو اللبوس اسناد مجازي من اسناد الفعل الى سببه. وقرأ «شعبة، ورويس» «لنحصنكم» بالنون، على أن الفعل مسند الى ضمير العظمة، مناسبة لقوله تعالى: وَعَلَّمْناهُ وهو اسناد حقيقي، لأن الفاعل الله تعالى. وقرأ الباقون «ليحصنكم» بالياء من تحت، على أن الفعل مسند الى ضمير «اللبوس» وهو اسناد مجازي، من اسناد الفعل الى سببه (٢). «ينال، يناله» من قوله تعالى: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ (٣). قرأ «يعقوب» «تنال تناله» بتاء التأنيث فيهما. وقرأ الباقون بياء التذكير فيهما، وجاز تأنيث الفعل وتذكيره لأن الفاعل جمع تكسير (٤).

стр. 680

المعنى: الابل تهدى الى بيت الله الحرام، جعلها الله لكم من أعلام الدين التي شرعها المولى لكم فيها نفع في الدنيا وأجر في الآخرة، واعلموا أنه لن يصل الى الله تعالى لحومها المتصدق بها، ولا دماؤها المراقة بنحرها، ولكن يصل اليه ويرفع اليه تقوى قلوبكم التي تدعوكم الى تعظيمه، والتقرب اليه. «تشهد» من قوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ (١). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يشهد» بالياء التحتية على التذكير، لأن تأنيث الجمع وهو «ألسنتهم» غير حقيقي ولأن الواحد من «الألسنة» «لسان» وهو مذكر. وقرأ الباقون «تشهد» بالتاء الفوقية على التأنيث، وذلك تأنيث لفظ الجمع في «ألسنة». وألسنة جمع «لسان» على لغة من ذكر، كحمار، وأحمرة، واذا جمع على لغة من أنثه قيل: «ألسن» (٢). «يجبى» من قوله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ (٣). قرأ «نافع، وأبو جعفر، ورويس» «تجبى» بتاء التأنيث. وقرأ الباقون «يجبى» بياء التذكير، وجاز تأنيث الفعل وتذكيره، لأن الفاعل وهو «ثمرات» مؤنث غير حقيقي، ولأنه قد فرق بين المؤنث وفعله بالجار والمجرور، وهو «اليه» (٤).

стр. 681

قال «ابن مالك»: وانما تلزم فعل مضمر ... متصل أو مفهم ذات حر وقد يبيح الفصل ترك التاء في ... نحو أتى القاضي بنت الواقف «لا ينفع» من قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ (١). قرأ «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لا ينفع» بالياء التحتية، على تذكير الفعل. وقرأ الباقون «لا تنفع» بالتاء الفوقية، على تأنيث الفعل، وجاز تذكير الفعل وتأنيثه، لأن الفاعل وهو «معذرتهم» مؤنث مجازي، ومع ذلك فهناك فاصل بين الفعل والفاعل (٢). تنبيه: «نذهبن» من قوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ (٣). تقدم حكمه أثناء توجيه القراءات التي في قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (٤). «وتعمل صالحا نؤتها» من قوله تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ (٥). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ويعمل، يؤتها» بالياء فيهما، وتوجيه ذلك أنه حمل الفعل الأول وهو: «ويعمل» على تذكير لفظ «من» لأن لفظه مذكر، وحمل الفعل الثاني وهو «يؤتها» على الإخبار عن الله لتقدم ذكره في قوله: «لله». وقرأ الباقون «وتعمل» بتاء التأنيث، على اسناد الفعل لمعنى «من»

стр. 682

وهن نساء النبي صلى الله عليه وآله، و «نؤتها» مسندا لضمير المتكلم المعظم نفسه وهو الله تعالى، وهو إخبار من الله عن نفسه باعطائهن الأجر مرتين (١). «أن يكون» من قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (٢). قرأ «هشام، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «يكون» بياء التذكير، لأن الفاعل وهو «الخير» مؤنث غير حقيقي، ولأن الخيرة، والاختيار سواء، فحمل على المعنى، وللفصل بين الفعل، والفاعل بالجار والمجرور وهو «لهم». وقرأ الباقون «تكون» بتاء التأنيث، لتأنيث لفظ الفاعل وهو «الخيرة» (٣). «لا يحل» من قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ (٤). قرأ «أبو عمرو ويعقوب» «لا تحل» بتاء التأنيث، لتأنيث الفاعل وهو «النساء» اذ المعنى مؤنث، على تقدير: جماعة النساء. وقرأ الباقون «لا يحل» بياء التذكير، على معنى جمع النساء، وللتفريق بين الفعل والفاعل بالجار والمجرور وهو «لك» (٥).

стр. 683

«لا ينفع» من قوله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ (١). قرأ «نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لا ينفع» بياء التذكير، وذلك للفصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، وأيضا فان تأنيث الفاعل وهو «معذرة» (٢). «يغلي» من قوله تعالى: كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٣). قرأ «ابن كثير، وحفص، ورويس» «يغلي» بياء التذكير، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هو» يعود الى قوله تعالى: طَعامُ الْأَثِيمِ [الآية ٤٤]. وقرأ الباقون «تغلي» بتاء التأنيث، والفاعل ضمير مستتر تقديره «هي» يعود على شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [الآية ٤٣] (٤) والمعنى في القراءتين واحد لأن «الشجرة» هي الطعام. والطعام هو الشجرة. «لا يؤخذ» من قوله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ (٥). قرأ «ابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «لا تؤخذ» بتاء التأنيث. وقرأ الباقون «لا يؤخذ» بياء التذكير. وجاز تأنيث الفعل، وتذكيره، لكون الفاعل مؤنثا مجازيا، وهو «فدية» (٦).

стр. 684

«ما يكون» من قوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ. [المجادلة ٧]. قرأ «أبو جعفر» «ما تكون» بتاء التأنيث. وقرأ الباقون «ما يكون» بياء التذكير. و «يكون» على القراءتين تامة، و «من» مزيد التأكيد، و «نجوى» فاعل «يكون» وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه لأن الفاعل مؤنث مجازيا (١). قال «الشوكاني»: «والنجوى»: السرائر، يقال نجوى، أي ذو نجوى، وهو «مصدر». والمعنى: ما يوجد من تناجي ثلاثة، أو من ذوي نجوى. ويجوز أن تطلق «النجوى» على الأشخاص المتناجين، فعلى الوجه الأول انخفاض «ثلاثة» باضافة «نجوى» اليه، وعلى الوجهين الآخرين يكون انخفاضها على البدل من «نجوى» أو الصفة لها. وقال «القراء»: «ثلاثة» نعت للنجوى فانخفضت، وان شئت أضفت «نجوى» اليها» أهـ (٢). «لا تخفى» من قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (٣). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «لا يخفى» بياء التذكير. وقرأ الباقون «لا تخفى» بتاء التأنيث. وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه، لأن تأنيث الفاعل وهو «خافية» غير

стр. 685

حقيقي، ومفصول من الفعل (١). «تعرج» من قوله تعالى: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج ٤] قرأ «الكسائي» «يعرج» بياء التذكير. وقرأ الباقون «تعرج» بتاء التأنيث، أي تصعد وجاز تذكير الفعل، وتأنيثه، لأن الفاعل وهو «الملائكة» جمع تكسير (٢). «يمنى» من قوله تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣). قرأ «حفص، ويعقوب، وهشام» بخلف عنه «يمنى» بياء التذكير، والفاعل ضمير تقديره «هو» يعود على «مني». وقرأ الباقون «تمنى» بتاء التأنيث، وهو الوجه الثاني «لهشام» والفاعل ضمير تقديره «هي» يعود على «نطفة» (٤).

стр. 686

الباب الثامن «من بلاغة القرآن الكريم» «الالتفات» لقد أدت طبيعة البحث أن يكون هذا الباب في فصلين يسبقهما تمهيد: فالتمهيد: ضمنته عدة نقاط هامة لها صلة وثيقة بموضوع البحث. وأما الفصل الأول فقد ضمنته قضيتين: أ- الالتفات من الغيبة الى الخطاب. ب- الالتفات من الخطاب الى الغيبة. وأما الفصل الثاني فقد ضمنته ثلاث قضايا: أ- الالتفات من الغيبة الى التكلم. ب- الالتفات من التكلم الى الغيبة. ج- الالتفات من التكلم الى الخطاب.

стр. 687

تمهيد سأتحدث في هذا التمهيد عن بعض النقاط الهامة التي لها صلة وثيقة بموضوع البحث مثل: الالتفات عند علماء المعاني- شروط الالتفات- صور الالتفات- فائدة الالتفات: جاء في «لسان العرب»: يقال: لفت وجهه عن القوم صرفه، ويقال: التفت التفاتا، والتفت: أكثر منه. ويقال: لفت فلانا عن رأيه: «صرفته عنه، ومنه الالتفات» أهـ (١). والالتفات بالمعنى الاصطلاحي في عرف علماء المعاني: هو نقل الكلام من أسلوب الى آخر، أعني من التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة، الى واحد من هذه الصيغ، بعد التعبير بالأول، هذا هو المشهور. وقال «السكاكي» ت ٦٢٦ هـ. هو التعبير عن المعنى بطريق مخالف لمقتضى الظاهر من الطرق الثلاثة المتقدمة، سواء سبقه تعبير آخر بطريق أخرى من هذا الطرق، أو لا، كما في قول الشاعر: «الهي عبدك العاصي أتاكا» فهذا التفات عند «السكاكي» لأنه تعبير عن المعنى بما يخالف مقتضى الظاهر، اذ مقتضاه أن يعبر بضمير التكلم لأن المقام له فيقال: «أنا العاصي» فالتعبير بالاسم الظاهر هنا- مخالف لما يقتضيه ظاهرا المقام- ولا يعتبر التفاتا عند الجمهور لعدم وجود تعبير سابق عليه كما هو الشرط عندهم.

стр. 688

فالالتفات عند الجمهور حينئذ أخص منه عند «السكاكي». فكل التفات عند الجمهور التفات عند «السكاكي» ولا عكس. وشرط الالتفات أمران: الأول: أن يكون الضمير في المنتقل اليه عائدا في نفس الأمر الى المنتقل عنه، والا يلزم عليه أن يكون في نحو: «أنت صديقي» التفات. الثاني: أن يكون في جملتين، صرح به صاحب الكشاف، وغيره، والا يلزم عليه أن يكون نوعا غريبا. وللالتفات فوائد منها: تطرية الكلام، وصيانة السمع عن الضجر، والملال، لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات، والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، وهذه فائدته العامة. ويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله. والالتفات بما تعارف عليه البلغاء موجود في «القرآن الكريم» والحديث النبوي الشريف، والأدب العربي: شعره، ونثره. والالتفات عند البلاغيين ستة أقسام: الأول: الالتفات من الغيبة الى الخطاب، مثل قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الى قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (١). فالتفت من الغيبة الى الخطاب، والنكتة فيه: أن العبد اذا ذكر الله تعالى وحده، ثم ذكر صفاته التي تبعث كل صفة منها على شدة الاقبال، وآخرها: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ المفيد أنه مالك الأمر

стр. 689

كله في يوم الجزاء يجد من نفسه حاملا لا يقدر على دفعه على خطاب من هذه صفاته بتخصيصه بغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات. الثاني: الالتفات من الخطاب الى الغيبة، مثل قوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ (١) والأصل: «وجرين بكم» ولكنه التفت من الخطاب الى الغيبة لحكاية حالهم لغيرهم، والتعجب من كفرهم، وفعلهم، واستدعاء الانكار منهم عليه، فلو استمر على خطابهم لفاتت هذه الفائدة. الثالث: الالتفات من الغيبة الى التكلم، مثل قوله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ (٢) اذا الأصل «فساقه». قال الزمخشري» ت ٣٥٨ هـ: (٣). وفائدة الالتفات في هذه الآية، وأمثالها، التنبيه على التخصيص بالقدرة، وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد» أهـ (٤). الرابع: الالتفات من التكلم الى الغيبة، كقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ (٥)

стр. 690

والأصل: «فامنوا بالله وبي» فعدل عن ذلك لنكتتين: ١ - دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها. ٢ - تنبيههم على استحقاقه، لاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة، من النبوة، والأمية التي هي أكبر دليل على صدقه، وأنه لا يستحق الاتباع لذاته، بل لهذه الخصائص. الخامس: الالتفات من التكلم الى الخطاب، ووجهه حث السامع، وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأعطاه فضل عناية تخصيص بالمواجهة، مثل قوله تعالى: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١). والأصل: «واليه أرجع» فالتفت من التكلم الى الخطاب، ونكتته انه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه، وهو يريد نصح قومه تلطفا، واعلاما أنه يريد لهم ما يريد لنفسه ثم التفت اليهم لكونه في مقام تخويفهم، ودعوتهم الى الله تعالى. السادس: الالتفات من الخطاب الى التكلم. وهذا القسم ليس له شاهد من القرآن الكريم. ومثله من الشعر قول: «علقمة بن عبدة» ت ٢٠ قبل الهجرة (٢). طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب (٣) تكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب (٤) الأصل أن يقول «تكلفك» لكنه التفت من الخطاب في «طحا بك» الى التكلم في «تكلفني».

стр. 691

الفصل الأول من الباب الثامن «الالتفات» سأتحدث في هذا الفصل عن قضيتين: الأولى: الالتفات من الغيبة الى الخطاب. والثانية: الالتفات من الخطاب الى الغيبة. [القضية الأولى] أما عن القضية الأولى، فقد تتبعت القراءات واقتبست منها الأساليب البلاغية التي ترجع الى الالتفات من الغيبة الى الخطاب، وهي فيما يلي: «يعملون» من قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١) قرأ «يعقوب» «تعملون» بتاء الخطاب (٢). على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، لأن سياق الآية وهو قوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يقتضي

стр. 692

الغيبة، فيقال: «يعلمون» ولكن التفت الى الخطاب ليكون أعم، وأشمل ولولا الالتفات لفات قوله المعنى. «يعملون» من قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١). قرأ «ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وروح» «يعملون» بالخطاب (٢) على الالتفات من الغيبة الى الخطاب لأن سياق الآية وهو قوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يقتضي الغيبة فيقال: «يعملون» ولكن التفت الى الخطاب ليكون الكلام أوقع في النفس ولو ظل السياق على الغيبة لما تحقق هذا المعنى النبيل. «يبغون» من قوله تعالى: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ (٣). قرأ «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وشعبة، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف العاشر» «تبغون» بتاء الخطاب (٤) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان سياق الآية المتقدمة على هذه الآية وهو قوله تعالى: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥) يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية ومعنى لطيف وهو الاهتمام بشأن المخالفين فوجه الاستفهام الانكاري اليهم كي لا يفكر أحد منهم في شرك الدين الاسلامي الذي هو دين الهداية، ودين الفطرة، الى غيره من سائر الأديان التي لا سند لها ولا دليل عليها فهي كلها أديان باطلة حيث لم يشرعها الله تعالى. «يفعلوا، يكفروه» من قوله تعالى: وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ (٦). قرأ «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بخلف عن الدوري، وابن عامر، وشعبة، وأبو جعفر، ويعقوب» «تفعلوا، تكفروه» بتاء الخطاب فيهما (٧) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان سياق الآيات المتقدمة على هذه الآية وهو قوله تعالى: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ (٨) يقتضي الغيبة ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية وهي

стр. 693

الاهتمام بشأن المخاطبين حيث أخبرهم الله تعالى بأن ما يفعلونه من خير فلن يحرموا ثوابه. «تعملون» من قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١). قرأ «نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف العاشر» «تعملون» بتاء الخطاب (٢). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان سياق الآية وهو قوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية، وهي الاهتمام بشأن المخاطبين أكثر من الغائبين. «ولا تظلمون» من قوله تعالى: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ (٣). قرأ «نافع، وأبو عمر، وابن عامر، ويعقوب بخلف» عن «روح» «ولا تظلمون» بتاء الخطاب (٤). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان صدر الآية، وهو قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً يقتضي الغيبة ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية وهي الاهتمام بشأن المخاطبين أكثر من الغائبين. «أنجانا» من قوله تعالى: لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ

стр. 694

الشَّاكِرِينَ (١). قرأ «نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب» «أنجيتنا» بياء تحتية ساكنة بعد الجيم، وبعدها تاء فوقية مفتوحة، على الخطاب (٢). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث أن صدر الآية وهو قوله تعالى: تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً يقتضي الغيبة ولكنه التفت الى الخطاب حكاية لدعائهم. وفي قوله تعالى: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً (٣). قرأ «القراء العشرة» عدا «ابن كثير، وأبا عمرو» بتاء الخطاب في الأفعال الثلاثة: «تجعلونه، تبدونها، وتخفون» (٤). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث أن صدر الآية وهو قوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الخ. يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب، اهتماما بشأن المخاطبين. «أن تقولوا» من قوله تعالى: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (٥). «أو تقولوا» من قوله تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ (٦). قرأ «القراء العشرة» عدا «أبا عمرو» «أن تقولوا أو تقولوا» بتاء الخطاب فيهما (٧).

стр. 695

وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان صدر الآية الأولى وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية، وهي تقريع المخاطبين، وتوبيخهم على كفرهم. «ما تمكرون» من قوله تعالى: إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (١). قرأ القراء العشرة عدا «روح» «ما تمكرون» بتاء الخطاب (٢). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان صدر الآية وهو قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية، وهي تقريع المخاطبين وتوبيخهم على مكرهم. «ألا تتخذوا» من قوله تعالى: أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٣). قرأ القراء العشرة عدا «أبا عمر» «ألا تتخذوا» بتاء الخطاب. (٤) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان صدر الآية وهو قوله تعالى: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية، وهي نهي المخاطبين عن اتخاذ وكيل، أو معين، من دون الله تعالى و «أن» مفسرة بمعنى «أي» و «لا» ناهية. والمعنى: وقلنا لهم: لا تتخذوا وكيلا من دوني. «فلا يسرف» من قوله تعالى: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (٥). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «فلا تسرف» بتاء الخطاب (٦). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان صدر الآية،

стр. 696

وهو قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية والمخاطب هو «الولي» على معنى: لا تقتل آيها الولي غير قاتل وليك. «تخفون، تعلنون» من قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (١) قرأ «حفص، والكسائي» «تخفون» بتاء الخطاب فيهما (٢) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٣) تقتضي الغيبة ليصير آخر الكلام كأوله ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية، وهي اعلام المخاطبين بأن الله تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وبناء عليه يجب على كل انسان أن يخشى الله ويتقيه. «يدعون» من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ (٤). قرأ «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف العاشر» «تدعون» بتاء الخطاب (٥). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث أن سياق الآية المتقدمة وهي قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ (٦). يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية، لأن المخاطبين المشركون وحسن ذلك: لأن في الكلام معنى التهديد، والوعيد، والتوبيخ لهم، وذلك أبلغ في الوعظ، والزجر.

стр. 697

«ترجعون» من قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (١). قرأ القراء العشرة عدا «شعبة» «ترجعون» بتاء الخطاب (٢). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان صدر الآية: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ يقتضي الغيبة ولكنه التفت الى الخطاب لنكتة بلاغية وهي اشعار المخاطبين بأن مردهم الى الله تعالى وهذا يقتضي الايمان بالله رب العالمين، والاستعداد لليوم الآخر. «ترجعون» من قوله تعالى: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣). قرأ القراء العشرة عدا «أبي عمرو، وشعبة وروح» «ترجعون» بتاء الخطاب. (٤) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان صدر الآية: اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب، لاعلام المخاطبين بأن مصيرهم الى الله تعالى. «تعملون» من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٥). ومن قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٦). قرأ القراء العشرة عدا «أبي عمرو» «تعملون» بتاء الخطاب فيهما (٧). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان سياق الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ (٨).

стр. 698

يقتضي الغيبة ولكنه التفت الى الخطاب كي يدخل الجميع في المخاطبة. «توعدون» من قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (١). قرأ القراء العشرة عدا «ابن كثير، وأبي عمرو» «توعدون» بتاء الخطاب (٢). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث أن السياق المتقدم في قوله تعالى: وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٣). يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب، لأن المقصود بالخطاب المتقون، والخطاب فيه بشارة عظيمة لهم، وادخال السرور عليهم. «يدعون» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ (٤). قرأ «نافع، وهشام، وابن ذكوان» بخلف عنه «تدعون» بتاء الخطاب (٥). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان سياق الآية المتقدم من قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ (٦). يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب، لتوبيخ الذين اتخذوا آلهة من دون الله، والخطاب أبلغ في توبيخهم، وزجرهم. «منهم» من قوله تعالى: كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً (٧). قرأ «ابن عامر» «منكم» بكاف الخطاب موضع الهاء (٨). موافقة لرسم مصحف أهل الشام، وذلك على الالتفات من الغيبة الى

стр. 699

الخطاب، حيث ان سياق الآية: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا الخ يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب، لتقرير المخاطبين، وتخويفهم من غضب الله تعالى ومقته، لأن بطش الله شديد. «تفعلون» من قوله تعالى: وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (١). قرأ «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر، ورويس» بخلف عنه «تفعلون» بتاء الخطاب (٢). وذلك الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان صدر الآية: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ يقتضي الغيبة ولكنه التفت الى الخطاب ليشعر المخاطبين بأنه عالم بكل ما يفعلونه وهذا يقتضي طاعة الله تعالى، والتزام أوامره واجتناب نواهيه والاخلاص في العمل «ترجعون» من قوله تعالى: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣) قرأ «نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم وأبو جعفر، وروح» «ترجعون» بتاء الخطاب (٤) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان سياق الآية من قبل في قوله تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا (٥) يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب ليعلم المخاطبين بأن مردهم الى الله تعالى والخطاب أبلغ في الردع والزجر.

стр. 700

«يعلمون» من قوله تعالى: وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١) قرأ «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «تعلمون» بتاء الخطاب (٢) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان صدر الآية: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ يقتضي الغيبة، ولكنه التفت الى الخطاب تهديدا للمخاطبين والخطاب ألزم للزجر من الغيبة. «ما توعدون» من قوله تعالى: هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣) قرأ القراء العشرة عدا «ابن كثير» «ما توعدون» بتاء الخطاب (٤) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان سياق الآية التي قبل وهي قوله تعالى: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٥) يقتضي الغيبة، فيقال: ما يوعدون، ولكن التفت الى الخطاب على معنى: قل يا «محمد» للمتقين: هذا ما توعدون. «يؤمنون» من قوله تعالى: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) قرأ «ابن عامر، وشعبة، وحمزة، والكسائي، ورويس، وخلف العاشر» «تؤمنون» بتاء الخطاب (٧) وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث أن السياق من قبل وهو قوله تعالى: لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٨) لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٩) يقتضي الغيبة، ولكن التفت الى الخطاب لأنه ألزم في الانكار من الغيبة.

стр. 701

«سيعلمون» من قوله تعالى: سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (١). قرأ «ابن عامر، وحمزة» «ستعلمون» بتاء الخطاب (٢). وذلك على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث أن سياق الآية التي قبل وهي قوله تعالى: فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ الخ (٣) على معنى: «قل لهم يا محمد» ستعلمون غدا من الكذاب الأشر. «ولا يكونوا» من قوله تعالى: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ (٤). قرأ «رويس» «ولا تكونوا» بتاء الخطاب (٥). على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان صدر الآية: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ يقتضي الغيبة، فيقال: «ولا يكونوا» ولكن التفت الى الخطاب لأنه أبلغ في النهي من الغيبة، والمخاطب المؤمنون وهم حضور. «وما يذكرون» من قوله تعالى: وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (٦). قرأ «نافع» «وما تذكرون» بتاء الخطاب (٧). على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث أن سياق الآية من قبل وهي قوله تعالى: كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٨). يقتضي الغيبة فيقال: «وما يذكرون» ولكن التفت الى الخطاب لارادة الحاضرين.

стр. 702

«تحبون» من قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (١). «وتذرون» من قوله تعالى: وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢). قرأ «نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي وأبو جعفر، وخلف العاشر» «تحبون، وتذرون» بتاء الخطاب فيهما (٣). على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان سياق الآيات من قبل في قوله تعالى: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (٤) والانسان وان كان لفظه مفردا الا أن المراد به الجمع لأنه اسم جنس هذا السياق يقتضي الغيبة فيقال: «يحبون، ويذرون» ولكن التفت الى الخطاب على معنى: قل لهم «يا محمد»: بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة. «وما تشاءون» من قوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (٥). قرأ «نافع، وابن عامر بخلف عنه، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر» «وما تشاءون» بتاء الخطاب (٦).

стр. 703

على الالتفات من الغيبة الى الخطاب، حيث ان السياق من قبل في قوله تعالى: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ (١). يقتضي الغيبة فيقال: «وما يشاءون» ولكن التفت الى الخطاب لارادة الحاضرين. «تؤثرون» من قوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢). قرأ القراء العشرة عدا «أبي عمرو» «تؤثرون» بتاء الخطاب (٣) على الالتفات من الغيبة الى الخطاب حيث ان السياق من قبل في قوله تعالى: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (٤) والأشقى اسم جنس يصدق على القليل والكثير. يقتضي الغيبة فيقال: «يؤثرون» ولكن التفت الى الخطاب، لأنه خاص بالذين جبلوا على حب الدنيا. القضية الثانية: «الالتفات من الخطاب الى الغيبة» لقد تتبعت القراءات التي ورد فيها الالتفات من «الخطاب الى الغيبة» فوجدتها فيما يلي: «تعملون» من قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٥). قرأ «ابن كثير» «يعملون» بياء الغيبة (٦) على الالتفات من الخطاب الى الغيبة، اذا ان سياق الآية: وهو قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ. يقتضي الخطاب فيقال: «تعملون» ولكن التفت الى الغيبة، إعراضا عن خطاب هؤلاء الذين قست قلوبهم، وتحقيرا لشأنهم، واشعارا بأنهم في حالة من البعد عن أهلية خطاب الله تعالى لهم. «يدعون» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً (٧). قرأ «عاصم، ويعقوب» «يدعون» بياء الغيبة (٨).

стр. 704

على الالتفات من الخطاب الى الغيبة، اذ ان سياق الآية من قبل في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١). يقتضي الخطاب فيقال: «تدعون» ولكن التفت الى الغيبة إعراضا عن خطاب هؤلاء المشركين، وإشعارا بأنهم لا يستحقون خطاب الله . «يروا» من قوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ (٢). قرأ «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف العاشر» «يروا» بياء الغيبة (٣). على الالتفات من الخطاب الى الغيبة، إذ إن سياق الآية من قبل في قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤). يقتضي الخطاب فيقال: «تروا» ولكن التفت الى الغيبة، لحكاية حال السابقين الى الحاضرين، والتعجب من كفرهم، وعدم تفكرهم في مخلوقات الله تعالى، والاستدلال بها على أنه هو الموجد لكل شيء وأنه لا ينبغي أن يعبد غيره، ولو ظل الأسلوب القرآني على الخطاب لفاتت هذه الفائدة البلاغية. «تغرق» من قوله تعالى: قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها (٥). قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ليغرق» بفتح الياء المثناة ممن تحت، وفتح الراء، على الغيب، مضارع «غرق» الثلاثي و «أهلها» بالرفع فاعل «يغرق» (٦). وذلك على الالتفات من الخطاب الى الغيبة، إذ إن سياق الآية

стр. 705

قالَ أَخَرَقْتَها يقتضي الخطاب فيقال: «لتغرق» ولكن التفت الى الغيبة ليسند «موسى» ﵇ الغرق الى أهل السفينة ولم يسنده الى «الخضر» تأدبا معه، ولو ظل الأسلوب القرآني على الخطاب لفاتت هذه الفائدة. «تصفون» من قوله تعالى: وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١). قرأ «ابن ذكوان» بخلف عنه «يصفون» بياء الغيبة (٢). على الالتفات من الخطاب الى الغيبة، إذ إن سياق الآية من قبل في قوله تعالى: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣). يقتضي الخطاب فيقال: «تصفون» ولكن التفت الى الغيبة لأن المعنى المقصود من قوله تعالى: وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ أي ما يصف هؤلاء الكفار الجاحدين لنبوة نبينا «محمد» ﵊، فالغيبة ألزم بهذا المعنى من الخطاب، ولو سار الأسلوب القرآني على الخطاب لفات هذا المعنى. «تدعون» من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً (٤). قرأ «يعقوب» «يدعون» بياء الغيبة (٥). على الالتفات من الخطاب الى الغيبة، اذ ان سياق الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ يقتضي الخطاب فيقال: «تدعون» ولكن التفت الى الغيبة، لأن لفظ «الناس» عام يشمل المشركين، والموحدين، والمراد تقريع المشركين فقط دون الموحدين، لاتخاذهم آلهة من دون الله، والغيبة ألزم بهذا المعنى، ولو سار الأسلوب القرآني على الخطاب لفاتت هذه الفائدة العظيمة.
следующие страницы →