بالالف (١).
وروى عنه ابو العز القلانسي» في «ارشاده» (٢) السكت بين السورتين فخالف الكوفيين» اهـ (٣).
وقد توفي «خلف» في جمادى الآخرة سنة ٢٢٩ هـ تسع وعشرين ومائتين (٤).
شيوخ الامام خلف البزار:
لقد تلقى «خلف» القراءة عن كل من:
١ - سليم بن عيسى، عن «حمزة الكوفي» الامام السادس.
٢ - يعقوب بن خليفة الأعشى، «ابي بكر شعبة بن عياش» ت ١٩٥ هـ ٣ - ابي سعيد بن اوس الانصاري ت ٢١٥ هـ وقد قرأ كل من: «ابي بكر بن عياش، وابي زيد سعيد بن اوس الانصاري» على «عاصم الكوفي» الامام الخامس، وقد تقدم سند عاصم حتى رسول الله ﷺ (٥).
من هذا يتبين ان قراءة «الامام خلف» متواترة وصحيحة، ومتصلة السند بالنبي ﵊.
تلاميذ الامام خلف البزار:
لقد تتلمذ على «خلف» عدد كثير، اذكر منهم:
١ - اسحاق بن إبراهيم بن عثمان الوراق المروزي ت ٢٦٨ هـ
٢ - أبا الحسن ادريس بن عبد الكريم البغدادي- ت ٢٩٢ هـ ٣
стр. 72
- إبراهيم بن القصار، لم اقف له على تاريخ وفاة.
٤ - احمد بن فريد الحلواني ت ٢٥٢ هـ ٥ - ادريس عبد الكريم الحداد، لم اقف له على تاريخ وفاة.
٦ - محمد بن اسحاق شيخ بن شنبوذ ت ٢٢٦ هـ تعقيب: بعد ان قدمت صورة واضحة عن تراجم «الائمة العشرة» وذكرت أسانيدهم في القراءة حتى رسول الله ﷺ بحيث اصبح جليا ان قراءة هؤلاء الائمة التي وصلت الينا ونقرأ بها الآن، ودونها الكثيرون في مصنفاتهم، واصبحت تدرس في دور التعليم هي قراءات صحيحة، ومتواترة، ولا ينبغي لاي شخص مهما كان أن يوجهه اليها أي طعن.
- والله اعلم-
стр. 73
الباب الثاني أثر القراءات في اللهجات العربية القديمة
وقد أدت طبيعة البحث أن يكون هذا الباب في ثلاثة فصول يسبقها تمهيد:
اما «التمهيد» فقد ضمنته عدة نقاط هامة لها اتصال وثيق بموضوع البحث.
واما الفصل الاول فقد خصصته بالحديث عن اللهجات العربية التي يرجع الاختلاف فيها الى الجانب الصوتي.
واما الفصل الثاني فقد تحدثت فيه عن اللهجات العربية التي يرجع الاختلاف فيها الى اصل الاشتقاق.
واما الفصل الثالث فقد ضمنته الحديث عن اللهجات العربية التي يرجع الاختلاف فيها الى الجانب الصرفي.
стр. 74
تمهيد
ان دراستي لهذه اللهجات هي دراسة لغوية وصفية، تحليلية، تسجل اهم الظواهر اللغوية للهجة من النواحي: الصوتية والصرفية. ثم شرحها والتعليل لما يمكن تعليله منها.
وسيكون حديثي في هذا التمهيد عن بعض النقاط الهامة التي لها صلة وثيقة بموضوع البحث مثل:
تعريف كل من اللهجة، واللغة، والعلاقة بينهما، عوامل تكوين اللهجات، الصفات التي تتميز بها اللهجة، المراد من اللهجات العربية القديمة الخ ..
تعريف اللهجة:
اللهجة في الاصطلاح العلمي الحديث:
هي مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي الى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع افراد هذه البيئة (١).
حد اللغة:
قال «ابو الفتح عثمان بن جني» ت ٢٦٢ هـ (٢) «حد اللغة: اصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم» اهـ (٣).
وقيل: هي مجموعة من اللهجات تنتمي الى بيئة معينة اهـ.
стр. 75
ورأى ان التعريف الاخير اوضح واشمل من الاول.
فان قيل: ما هي العلاقة بين كل من اللهجة واللغة؟
أقول: لعل العلاقة بينهما هي العلاقة بين العام والخاص، لان اللغة تشتمل على عدة لهجات لكل منها ما يميزها، وجميع هذه اللهجات تشترك في مجموعة من الصفات اللغوية، والعادات التي تؤلف لغة مستقلة عن غيرها من اللغات.
فان قيل: كيف تتكون اللهجات؟
اقول: هناك عاملان رئيسيان يعزى اليهما تكوين اللهجات في العالم هما:
ا- الانعزال بين بيئات الشعب الواحد.
ب- الصراع اللغوي نتيجة غزو، او هجرات.
وقد شهد التاريخ نشوء هدة لهجات مستقلة واحدة. نتيجة أحد هذين العاملين، او كليهما معا.
فنحن حين نتصور لغة من اللغات قد اتسعت رقعتها، ونصل بين اجزاء
اراضيها عوامل جغرافية، او اجتماعية، نستطيع ان نحكم على امكان تشعب هذه اللغة الواحدة الى عدة لهجات، بناء على هذا الانفصال، وقلة احتكاك ابناء الشعب الواحد بعضهم ببعض.
وخير مثل يمكن ان يضرب لهذا الانعزال الذي يشعب اللغة الواحدة الى عدة لهجات، تلك اللهجات العربية القديمة في جزيرة العرب.
اما العامل الثاني لتكوين اللهجات فمثاله:
ان يغزو شعب من الشعوب ارضا يتكلم اهلها بلغة خاصة بهم: عندئذ يقوم صراع عنيف بين اللغتين: الغازية، والمغزوة.
وتكون النتيجة ان ينشأ من هذا الصراع لهجة مشتقة من كلتا اللغتين معا.
وقد حدثنا التاريخ عن امثلة كثيرة للصراع اللغوي، مثال ذلك: حينما فتح العرب جهات متعددة اللغات استطاعت اللغة العربية آخر الأمر ان تصرع تلك اللغات في مهدها، حيث تغلبت على «الآرامية» في
стр. 76
العراق، والشام، وعلى «القبطية» في مصر، وعلى «البربرية» في بلاد المغرب، وعلى «الفارسية» في بعض بقاع مملكة فارس القديمة (١).
فان قيل: ما هي الصفات التي تتميز بها اللهجة؟
أقول: لعلها تنحصر في الأصوات، وطبيعتها، وكيفية صدورها. اذا فالفرق الذي يفرق بين لهجة واخرى هو بعض الاختلاف الصوتي في غالب الاحيان مثل:
ا- الاختلاف في مخرج بعض الاصوات اللغوية:
ب- الاختلاف في مقاييس بعض اصوات اللين، مثل: الحركات الطويلة، والحركات القصيرة (٢).
ح- الاختلاف في قوانين التفاعل بين الاصوات المتجاورة حين يتأثر بعضها ببعض.
فان قيل: ما هو المقصود من اللهجات العربية القديمة؟
اقول: ليس المراد من ذلك تلك النقوش التي عثر عليها في شمال شبه الجزيرة العربية في العهود التي سبقت الادب الجاهلي منذ زمن بعيد، بل المقصود هو تلك اللهجات التي نقل الينا طرف منها في كتب اللغة، والادب، والتاريخ، الممثلة في شعرهم، ورجزهم، ونثرهم الخ والتي كانت ذات صفات خاصة تتميز بها القبائل العربية قبيل ظهور الاسلام.
فان قيل: نريد ان تبين أثر «القراءات» في اللهجات العربية القديمة؟
أقول: هذا الاثر واضح وجلي كل الوضوح.
ولكن لا يستطيع ان يعرف ذلك، ويكتشفه الا من رزقه الله بسطة في علوم العربية، مع قراءات القرآن الكريم.
وهذا الاثر يتجلى في العديد من الامور، اذكر منها ما يلي:
١ - لقد كان للقرآن الكريم، وقراءاته الاثر الواضح في تهذيب لهجات
стр. 77
الكثير من القبائل التي كانت موجودة وقت نزول القرآن: ومن يقرأ ما اثر عن هذه القبائل من شعر ونثر يلحظ ذلك جليا.
ب- لقد كان لاختلاط العرب بغيرهم من غير الاجناس المختلفة.
اصحاب اللهجات المتعددة الاثر الواضح في ضياع اللهجات العربية القديمة.
ولولا «القرآن» وقراءاته، لضاعت تلك اللهجات التي لا زالت موجودة منذ نزول القرآن الى ان يرث الله الارض ومن عليها.
من هذا يتضح جليا ان «القرآن» وقراءاته، كان لهما الاثر الواضح والفضل الذي لا يختلف فيه اثنان في الحفاظ على الكثير من اللهجات العربية القديمة، التي اصبحت في ذمة
التاريخ.
ح- لولا «القرآن» وقراءاته، ما عرف الكثيرون من بني الانسان هذه اللهجات، التي لا زال يرددها وينطق بها الملايين من شتى بقاع الارض بما فيهم العربي، وغير العربي. الا يعتبر ما ذكرته اثرا واضحا للقراءات على اللهجات العربية؟
فإن قيل: ما هي الحكمة من اشتمال قراءات القرآن على لهجات لمعظم قبائل العربية.
اقول: هذا ان دل على شيء فانما يدل على غاية عظيمة.
وهي: توحيد العرب الذين كانوا متفرقين قبل نزول القرآن بحيث تجد كل قبيلة في «القرآن» الذي هو دستور الجميع، الفاظ من اللهجة التي تتكلم بها، وفي ذلك شرف عظيم للجميع.
ثم لعل هناك هدفا اسمى من هذا، وهو ان «القرآن» لعله يوحي بإيجاد لغة واحدة تكون اللغة النموذجية للعرب جميعا، هي تلك اللغة المتكاملة، والتي تعتبر من أرقى اللغات واعذبها وابلغها، الا فهي لغة «القرآن» التي جاءت ممثلة لمعظم القبائل العربية.
فان قيل: نريد صورة واضحة عن القبائل التي شرفها الله تعالى وانزل القرآن بلهجاتها؟
اقول: لعل هذه القبائل كثيرة، ولكني سأكتفي بذكر ما يلي منها وتتميما للفائدة سأذكر هذه القبائل مرتبة حسب حروف الهجاء:
стр. 78
الأزد:
من اعظم القبائل العربية، واشهرها، تنسب الى «الأزد بن الغوث بن كهلان» من القحطانية، وتنقسم اربعة اقسام:
١ - ازد شنوءة، ونسبتهم الى «كعب بن الحارث» وكانت منازلهم «السراة».
٢ - ازد غسان، وكانت منازلهم في شبه جزيرة العرب، وبلاد الشام ٣ - ازد السراة، وكانت منازلهم في الجبال المعروفة بهذا الاسم.
٤ - ازد عمان، وكانت منازلهم بعمان (١).
أسد:
أسد بن خزيمة: قبيلة عظيمة من العدنانية، تنسب الى «أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر» وهي ذات بطون كثيرة، وكانت منازلهم فيما يلي «الكرخ» من ارضي «نجد» وفي مجاورة «طيء» ثم تفرقوا بعد الاسلام على الاقطار، فنزلوا العراق وسكنوا الكوفة منذ سنة ١٩ هـ (٢) بكر بن وائل:
قبيلة عظيمة من العدنانية، تنسب الى «بكر بن وائل بن نزار بن معد بن عدنان» كانت ديار «بكر بن وائل» من «اليمامة» الى «البحرين» فأطراف سواد العراق، وتقدمت شيئا فشيئا في العراق فقطنت على «دجلة» في المنطقة المدعوة باسم: ديار بكر (٣).
بلحارث:
«بلحارث بن كعب» فخذ من «القحطانية» وهم بنو «بلحارث بن كعب بن عمرو بن .. مذجح» «بنو الاوبر» (٤).
стр. 79
تميم:
قبيلة عظيمة من «العدنانية» تنسب الى «تميم بن مرة بن مضر بن نزار»
كانت منازلهم بأرض «نجد» دائرة من هنا لك على البصرة، واليمامة حتى يتصلوا بالبحرين، ثم تفرقوا في الحواضر، ولتميم بطون كثيرة (١).
بنو الحارث:
من أهم قبائل اليمن، تقع ديارهم بين صنعاء، ومأرب، كانت منازلهم في شعوب مما يلي صنعاء، وتمتد اراضيها الى اطراف بلاد «بني حشيش» في قرية الفرس (٢).
خثعم:
قبيلة من القحطانية، كانت منازلهم بجبال السراة، وما والاها (٣).
ربيعة:
شعب عظيم فيه قبائل عظام، وبطون، وافخاذ، ينتسب الى «ربيعة بن نزار بن سعد بن عدنان» كانت ديارهم من بلاد «نجد. وتهامة» فكانت بقرن المنازل، وعكاظ وحنين، ثم وقعت الحرب بين «بني ربيعة» فتفرقت في تلك الحرب، فارتحلت بطونها الى بقاع مختلفة، فاختار بعضهم «البحرين» و «هجر، ونجد والحجاز» (٤).
زبيد:
«زبيد بن ربيعة» بطن من «زبيد» الاكبر، من «القحطانية» ويعرف هذا بزبيد الاصغر، اما زبيد الاكبر، فهو «زبيد بن صعب» من بلادهم، وقراهم «زغان» ومن حصونهم باليمن «العصم» (٥).
стр. 80
سعد العشيرة:
تعرف بذوي سعد من بني إبراهيم، من بنى مالك، من جهينة، احدى قبائل الحجاز (١).
بنو سعد:
بطن من هوازن بن قيس بن عيلان، من العدنانية، وهم «بنو سعد بن بكر بن هوازن» .. بن قيس عيلان، من أوديتهم: قرن الجبال، وهو واد يجيء من السراة (٢).
طيّئ:
طيّئ بن أدد، قبيلة عظيمة من كهلان، من القحطانية، يتفرع من طيّئ بطون، وأفخاذ عديدة، كانت منازلهم باليمن، فخرجوا منها على اثر خروج «الأزد» ثم ملئوا السهل، والجبل، حجازا وشاما، وعراقا ومصر (٣).
فزارة:
بطن عظيم من غطفان، من العدنانية، وهم بنو فزارة بن ذبيان بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان، وينقسم الى خمسة افخاذ، كانت منازلهم بنجد، ووادي القرى، ثم تفرقوا فنزلوا بصعيد مصر، وضواحي القاهرة في قليوب مصر وما حولها.
وفي المنطقة الواقعة بين برقة، وطرابلس، والمغرب الاقصى (٤).
قريش:
قبيلة عظيمة، وقريش ولد مالك بن النضر بن كنانة، وقالوا هم من ولد فهر بن مالك (٥).
стр. 81
قضاعة:
شعب عظيم، واختلف الناسبون فيه، فقالوا من حمير من القحطانية، وهم بنو قضاعة بن مالك بن مرة بن حمير، وذهب بعضهم الى ان قضاعة من العدنانية، ويقولون هو قضاعة بن معد بن عدنان، كانت منازلهم في «الشحر» ثم في نجران، ثم في الشام، فكان لهم ملك ما بين الشام، والحجاز، الى العراق في أيلة وجبل الكرك الى مشارف الشام (١).
قيس:
بطن من الخزرج من القحطانية، وهم بنو قيس بن معد بن الخزرج.
وغلب اسم قيس على سائر العدنانية حتى جعل في المثل مقابل عرب اليمن قاطبة (٢).
كنانة:
قبيلة عظيمة من العدنانية، وهم بنو كنانة بن خزيمة بن معد بن عدنان كانت ديارهم بجهات «مكة» وقدمت طائفة منهم الديار المصرية (٣).
لخم:
بطن عظيم ينسب الى «لخم»، واسمه مالك بن عدي بن الحارث بن مرة، من القحطانية، كانت مساكنهم متفرقة، واكثرها بين الرملة ومضر
في الجفار، وقد نزل قوم منهم بمنطقة بيت المقدس، ولذا يسميها العامة اليوم «بيت لحم» (٤).
مضر:
هو مضر بن نزار، قبيلة عظيمة من العدنانية، كانت ديارهم حيز الحرم الى السروات وما دونها من الغور، وكانوا من اهل الكثرة،
стр. 82
والغلب بالحجاز، وكانت لهم رئاسة مكة (١).
هذيل:
هذيل بن مدركة: بطن من مدركة، بن الياس، من العدنانية، وهم بنو هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد، كانت منازلهم بالسروات وسرواتهم متصلة بجبل غزوان المتصل بالطائف تفرقوا بعد الاسلام (٢).
همدان:
من قبائل اليمن، تقع ديارهم شمال صنعاء (٣).
هوازن:
هوازن بن منصور، بطن من قيس عيلان، من العدنانية، وهم بنو هوازن ابن منصور بن عكرمة بن قيس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، له افخاذ كثيرة، كانوا يقطنون في «نجد» مما يلي اليمن، ومن اوديتهم حنين (٤).
стр. 83
الفصل الأول من الباب الثاني اللهجات التي يرجع الاختلاف فيها الى الجانب الصوتي
ويتمثل ذلك في توجيه القضايا الآتية:
١ - ظاهرة الاظهار والادغام .
ب- ظاهرة تخفيف الهمز.
ح- ظاهرة الفتح والامالة.
د- ظاهرة الفتح والاسكان في ياءات الاضافة.
هـ- ظاهرة الاشمام وعدمه في لفظي: الصراط وصراط.
وظاهرة الاسكان والتحريك في لفظي «هو وهي» ز- الاشمام وعدمه في لفظ قيل «واخواتها».
كما يتمثل ذلك ايضا في توجيه قراءة كلمات مرتبة حسب ترتيب «القرآن».
وهذا تفضيل الكلام على هذا النوع من اللهجات.
«ظاهرة الاظهار والادغام»
الاظهار، والادغام، احدى الظواهر اللغوية التي اهتم بها العلماء قديما وحديثا، ووضع لها الكثير من الضوابط: والقواعد.
واختلف العلماء في تعليلها، وتفسيرها، وفي أي القبائل العربية التي كانت تميل الى النطق بالاظهار، وأيها كانت تميل الى الادغام الخ ..
وسيرى القارئ من خلال عرضي لهذه الظاهرة محاولة الالمام بشتى جوانبها المبعثرة هنا وهناك.
وفي البداية نتعرف على حقيقة كل من الاظهار، والادغام فنقول:
الاظهار:
لغة البيان، واصطلاحا اخراج كل حرف من مخرجه من غير
стр. 84
عنه في الحرف المظهر (١).
والادغام:
لغة ادخال الشيء، يقال: ادغمت اللجام في فم الدابة اي ادخلته فيه، واصطلاحا: النطق بالحرفين حرفا واحدا كالثاني مشددا (٢).
فان قيل: أيهما الأصل: الاظهار، أو الادغام؟
اقول: لعل الاظهار هو الاصل، حيث لا يحتاج الى سبب في وجوده.
فان قيل: يفهم من كلامك ان الادغام له سبب فما هو؟
اقول: اسباب الادغام ثلاثة: التماثل، او التقارب، او التجانس، وحينئذ اجد سؤالا يفرض نفسه وهو: ما حقيقة كل نوع من هذه الاسباب؟
اقول: التماثل: هو ان يتفق الحرفان في المخرج والصفات معا مثل الباءين في نحو قوله تعالى: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ (٣).
والتقارب:
هو ان يتقارب الحرفان في المخرج، والصفات، مثل:
اللام، والراء، في نحو قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ (٤) وذلك لان مخرج كل من اللام، والراء قريب من مخرج الحرف الآخر، فاللام تخرج من ادنى حافتي اللسان بعد مخرج الضاد الى منتهى طرفه مع ما يليه من اصول الثنايا العليا.
والراء تخرج من طرف اللسان مما يلي ظهره مع ما فوقه من الحنك الاعلى (٥). وهما ايضا متقاربان في الصفات وذلك لاشتراكهما في الصفات الآتية:
الجهر، والتوسط، والاستفال، والانفتاح، والاذلاق، والانحراف (٦)
стр. 85
او يتقارب الحرفان في المخرج، ويتباعدان في الصفات: مثل: «الدال، والسين» في نحو قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها (١) والدال والسين، متقاربان في المخرج.
فالدال تخرج من طرف اللسان مع ما يليه من اصول الثنايا العليا. والسين تخرج من طرف اللسان مع اطراف الثنايا السفلى (٢). وهما متباعدان في الصفات حيث ان الدال مجهورة، وشديدة، ومقلقة. والسين مهموسة، ورخوة، وصفرية (٣).
يتباعدان في المخرج، ويتقاربان في الصفة، مثل: «الذال والجيم» في نحو قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً (٤): فالذال، والجيم
متباعدان في المخرج، ومتقاربان في الصفات: اما التباعد في المخرج، فلأن الذال تخرج من طرف اللسان مع اطراف الثنايا العليا.
والجيم تخرج من وسط اللسان مع ما يليه من الجنك الاعلى (٥).
واما التقارب في الصفات، فلأن كلا منهما مشترك في الصفات الآتية:
الرخاوة، والاستفال، والانفتاح، والاصمات (٦).
والتجانس:
هو ان يتفق الحرفان في المخرج دون الصفات (٧).
مثل: الدال والتاء في نحو قوله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (٨) فالذال، والتاء يخرجان من مخرج واحد وهو طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا (٩).
стр. 86
كما نجدهما مشتركين في الصفات التالية:
الهمس، والشدة، والاستفال، والانتفاح، والاصمات (١). هذا ما قرره علماء التجويد.
وقال علماء الاصوات: الدال صوت شديد مجهور يتكون بأن يندفع الهواء مارا بالحنجرة فيحرك الوترين الصوتيين، ثم يأخذ مجراه في الحلق والفم حتى يصل الى مخرج الصوت فينحبس هناك فترة قصيرة جدا لالتقاء طرف اللسان واصول الثنايا العليا، التقاء محكما، فاذا انفصل اللسان عن اصول الثنايا العليا سمع صوت انفجاري نسميه الدال (٢). وأما التاء فهي صوت شديد مهموس (٣).
شروط الادغام:
ان يلتقي الحرفان المدغم والمدغم فيه خطا ولفظا، او خطا لا لفظا:
ليدخل نحو: «انه هو» لان الهاءين وان لم يلتقيا لفظا لوجود الواو المدية اثناء النطق، فانهما التقيا خطا، اذ الواو المدية لا تكتب في الخط.
اذا فالعبرة في الادغام هو التقاء الحرفين خطا نحو «انه هو» وخرج نحو «انا نذير» لان النونين وان التقيا لفظا الا ان الالف تعتبر فاصلة بينهما، ولذا فان النونين في هذا المثال لا تدغمان، وكذا كل ما يماثلهما.
موانع الادغام:
بالتتبع وجدت موانع الادغام تتمثل فيما يلي:
أولا: كون الحرف الذي يراد ادغامه تاء ضمير، سواء كان للمتكلم.
او المخاطب:
فالأول نحو: كُنْتُ تُراباً (٤) والثاني نحو: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ (٥) ولعل السبب في منع ادغام «تاء الضمير» الحرص على عدم اللبس الذي
стр. 87
يحدث من الادغام، اذ الادغام يجعل النطق بتاء المتكلم، والمخاطب واحدا، اذا فالعلامة الصوتية المميزة بين التاءين هي ان تاء المتكلم مضمومة، وتاء المخاطب مفتوحة، والادغام يذهب هذا الفارق، من اجل ذلك امتنع الادغام حرصا على عدم اللبس.
ثانيا: كون الحرف المدغم مشددا نحو: مَسَّ سَقَرَ (١).
وذلك لان الحرف المشدد بحرفين: الاول ساكن، والثاني متحرك، اذا فالحرف الثاني لا يحتمل أن يدغم فيه حرفان في وقت واحد، لهذا
وجب الاظهار.
ثالثا: كون الحرف الاول متحركا والثاني ساكنا وهما في كلمة واحدة، نحو «يمسك» من قوله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢).
ولعل السبب في منع الادغام في مثل هذا النوع هو الثقل الذي سيتأتى من الادغام، وحينئذ يفوت الغرض الذي من اجله كان الادغام وهو اليسر والسهولة.
رابعا: كذلك لا يدغم حرف في حرف ادخل منه في المخرج، مثل الواو، والقاف. في نحو قوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ (٣). اذ الواو تخرج من الشفتين، والقاف تخرج من اقصى اللسان مع ما فوقه من الحنك الاعلى.
والسبب في منع الادغام في هذا النوع الثقل، لانه يلزم من الادغام انعكاس الصوت، فبعد ان يكون الصوت منبعثا الى خارج الفم نحاول رده مرة اخرى الى الداخل، وفي هذا غاية الصعوبة، ويفوت وجه الادغام وهو التخفيف.
اقسام الادغام:
ينقسم الادغام الى كبير، وصغير:
стр. 88
فالكبير: هو ان يتحرك الحرفان معا المدغم، والمدغم فيه نحو الراءين في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ (١).
والصغير: هو ان يكون المدغم ساكنا، والمدغم فيه متحركا، نحو
التاءين في قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (٢). وسمي الاول كبيرا لكثرة العمل فيه: وهو تسكين الحرف اولا ثم ادغامه ثانيا.
وسمي الثاني صغيرا لقلة العمل فيه، وهو الادغام فقط.
كما ان الادغام ينقسم الى كامل، وناقص:
فالكامل: هو ان يذهب الحرف وصفته، مثل ادغام النون الساكنة في الراء في نحو قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (٣).
والناقص: هو ان يذهب الحرف، وتبقى صفته، مثل ادغام النون الساكنة في الياء، نحو قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ (٤).
على قراءة الجمهور:
مما تقدم تبين ان وجه الاظهار الاصل، لانه لا يحتاج الى سبب. وهو الاكثر في الحروف.
ووجه الادغام إرادة التخفيف: ولا يكون الا بسبب.
وبما ان الادغام ظاهرة صوتية تحدث بسبب تأثر الاصوات المتجاورة بعضها ببعض، وكثيرا ما يحدث ذلك في البيئات البدائية حيث السرعة في النطق ببعض الكلمات، ومزج بعضها ببعض فلا يعطى الحرف حقه الصوتي من تجويد في النطق به.
ونحن اذا ما علمنا ان البيئة «العراقية» قد نزح اليها العديد من القبائل التي هي اقرب الى البداوة مما عاشوا في البيئة الحجازية امكننا ان
стр. 89
نتصور أن «الادغام» كان اكثر شيوعا في لهجات القبائل النازحة الى العراق.
ولعل ذلك هو الذي جعل قراء «الكوفة، والبصرة، والشام» اكثر نقلا للادغام من قراء «مكة، والمدينة».
نظرا لان البيئة الحجازية كانت بيئة استقرار، وبيئة حضارة نسبيا فيها يميل الناس الى التأني في النطق، والى تحقيق الاصوات وعدم الخلط بينها.
- والله اعلم-
ظاهرة تخفيف الهمز
الهمز من أصعب الحروف في النطق، وذلك لبعد مخرجها اذ تخرج من اقصى الحلق، كما اجتمع فيها صفتان من صفات القوة: وهما: الجهر، والشدة.
والهمزة صوت صامت حنجري انفجاري، وهو يحدث بأن تسد الفتحة الموجودة بين الوترين الصوتيين وذلك بانطباق الوترين انطباقا تاما فلا يسمح للهواء بالنفاذ من الحنجرة: يضغط الهواء فيما دون الحنجرة ثم ينفرج الوتران فينفذ الهواء من بينهما فجأة محدثا صوتا انفجاريا (١).
لذلك فقد عمدت بعض القبائل العربية الى تخفيف النطق بالهمز.
فمن الحقائق العامة ان الهمز كان خاصة من الخصائص البدوية التي اشتهرت بها قبائل وسط الجزيرة العربية وشرقيها: «تميم» وما جاورها.
وان تخفيف الهمز كان خاصة حضرية امتازت بها لهجة القبائل في شمال الجزيرة وغربيها.
وقد ورد النص في كلام «ابي زيد الانصاري» ت ٢١٥ هـ ان «اهل الحجاز، وهذيل، واهل مكة، والمدينة المنورة لا ينبرون» (٢).
стр. 90
وقد نسب عدد من العلماء الاوائل ظاهرة تخفيف الهمز الى «الحجازيين». ولكن ينبغي ان لا نأخذ هذا الحكم مأخذ الصحة المطلقة لاعتبارين:
الاول: ان الاخبار تدل على ان بعض «الحجازيين» كانوا يحققون الهمز.
الثاني: ان تخفيف الهمز لم يكن مقصورا على منطقة دون اخرى وانما كان فاشيا في كثير من المناطق العربية وان تفاوتت صوره ودرجاته (١).
واذا كانت القبائل البدوية التي تميل الى السرعة في النطق، وتسلك ايسر السبل الى هذه السرعة فان تحقيق الهمز كان في لسان الخاصة التي تخفف من عيب هذه السرعة، أي ان الناطق البدوي تعود النبر في موضع الهمز، وهي عادة املتها ضرورة انتظام الايقاع النطقي، كما حكمتها ضرورة الابانة عما يريده من نطقه لمجموعة من المقاطع المتتابعة السريعة الانطلاق على لسانه، فموقع النبر في نطقه كان دائما ابرز المقاطع وهو ما كان يمنحه كل اهتمامه وضغطه.
اما القبائل الحضرية فعلى العكس من ذلك، اذ كانت متأنية في النطق، متئدة في ادائها او إذا لم تكن بها حاجة الى التماس المزيد من مظاهر الاناة، فأهملت همز كلماتها، أعني المبالغة في النبر واستعاضت عن ذلك بوسيلة اخرى كالتسهيل، والابدال، والاسقاط (٢).
وبالتتبع وجدت الوسائل التي سلكها العرب لتخفيف الهمز ما يلي: النقل- والابدال- والتسهيل- والحذف.
وقد وردت القراءات القرآنية الصحيحة بكل ذلك:
فالنقل يجوز عند القراء اذا كانت الهمزة متحركة بعد ساكن صحيح، فاذا اريد تخفيفها فانها تحذف بعد نقل حركتها الى الساكن الذي قبلها سواء كانت حركتها فتحة: نحو «قرآن- قد افلح» او كسرة نحو: «من
стр. 91
استبرق» او ضمه نحو: «قل أوحى».
وذلك لقصد التخفيف، ومظهر الصوتيات هنا اننا حذفنا من الكلمة مقطعا صوتيا كما اننا حذفنا صوت الهمزة.
اما الابدال: فان الهمزة الساكنة تقع بعد فتح نحو: «الهدى ائتنا» او كسر نحو: «الذي ائتمن» او ضم نحو: «يقول ائذن لي» ففي هذه الاحوال الثلاثة يجوز عند القراء ابدال الهمزة حرف مد من جنس حركة الحرف الذي قبلها: فاذا كان فتحا تبدل الفا، واذا كان كسرا تبدل ياء، واذا كان ضما تبدل واوا.
وذلك كي يكون الحرف المبدل مجانسا للحركة التي قبله. ومظهر الصوتيات هنا هو اننا احلنا صوت حرف محل الهمزة، فاذا كانت الهمزة مفتوحة فقد احللنا صوت الالف، واذا كانت مكسورة فقد احللنا صوت الياء، واذا كانت مضمومة فقد احللنا صوت الواو.
اما التسهيل والحذف: فان الهمزتين من كلمتين تكونان متفقتين في الحركة سواء كانتا مفتوحتين نحو: «جاء أحدكم» او مكسورتين نحو:
«هؤلاء ان كنتم» او مضمومتين نحو: «اولياء اولئك» وقد اختلف القراء في تخفيف احدى الهمزتين على النحو التالي:
١ - بعضهم قال بحذف احدى الهمزتين في الاقسام الثلاثة، ومظهر الصوتيات هنا هو اننا حذفنا من الكلمة مقطعا صوتيا.
ب- وبعضهم قال بتسهيل احدى الهمزتين «بين بين» في الاقسام الثلاثة، ومظهر الصوتيات هنا هو ان صوت الهمزة المسهلة يختلف عن صوت الهمزة المحققة، وبيان ذلك ان الهمزة المسهلة تعتبر حرفا فرعيا، فاذا
كانت مفتوحة تسهل بين الهمزة والالف، واذا كانت مكسورة تسهل بين الهمزة والياء، واذا كانت مضمومة تسهل بين الهمز والواو.
ج- وبعضهم يبدل الهمزة الثانية حرف مد في الاقسام الثلاثة، ومظهر الصوتيات هنا هو اننا احللنا صوتا مغلقا محل صوت مفتوح.
стр. 92
ظاهرة الفتح والامالة
قضية الفتح والامالة احدى الظواهر اللغوية التي كانت متفشية بين القبائل العربية منذ زمن بعيد قبل الاسلام.
والمراد بالفتح هنا: فتح المتكلم لفيه بلفظ الحرف.
والامالة لغة: التعويج، يقال: املت الرمح ونحوه اذا عوجته عن استقامته.
واصطلاحا: تنقسم الى قسمين: كبرى، وصغرى.
فالكبرى: ان تقرب الفتحة من الكسرة، والالف من الياء من غير قلب خالص، ولا اشباع مبالغ فيه: وهي الامالة المحضة، ويقال لها الاضجاع، والبطح.
والصغرى: هي ما بين الفتح والامالة الكبرى، ويقال لها: «بين بين» اي بين الفتح والامالة الكبرى.
واعلم انه لا يمكن للانسان ان يحسن النطق بالامالة سواء كانت صغرى، او كبرى، الا بالتلقي والمشافهة.
وبالتتبع يمكنني بصفة عامة ان انسب «الفتح» الى القبائل العربية التي كانت مساكنها غربي الجزيرة العربية بما في ذلك قبائل الحجاز امثال:
«قريش- وثقيف- وهوازن- وكنانة».
وان ننسب «الامالة» الى القبائل التي كانت تعيش وسط الجزيرة،
وشرقيها، امثال: «تميم- وقيس- وأسد- وطيء- وبكر بن وائل- وعبد القيس» (١).
فان قيل: ايهما الاصل الفتح او الامالة؟
اقول: هناك رأيان للعلماء: فبعضهم يرى ان كلا منهما اصل قائم بذاته، والبعض الآخر يرى ان الفتح اصل والامالة فرع عنه (٢).
وانني ارجح القول القائل بأن كلا منهما اصل قائم بذاته، اذ كل منهما
стр. 93
كان ينطق به عدة قبائل عربية بعضها في غرب الجزيرة العربية، والبعض الآخر في شرقيها.
واسباب الامالة تتلخص فيما يلي:
١ - كسرة موجودة في اللفظ قبيلة، او بعدية، نحو: الناس والنار، وكلاهما.
٢ - كسرة عارضة في بعض الاحوال نحو: جاء، وشاء، لان فاء الكلمة كسر اذا اتصل بالفعل الضمير المرفوع.
٣ - ان تكون الالف منقلبة عن ياء، نحو: «رمى».
٤ - او تشبيه بالانقلاب عن الياء كألف التأنيث نحو: «كسالى».
٥ - او تشبيه بما اشبه المنقلب عن الياء نحو موسى وعيسى:
٦ - مجاورة امالة وتسمى امالة لأجل امالة نحو: امالة نون «نأى».
٧ - ان تكون الالف رسمت ياء وان كان أصلها الواو نحو «والضحى».
بقي سؤال اخير في هذه القضية وهو: ما فائدة الامالة؟
اقول: سهولة اللفظ، وذلك لان اللسان يرتفع بالفتح وينحدر بالامالة،
والانحدار اخف على اللسان من الارتفاع.
ظاهرة الفتح والاسكان في ياءات الاضافة
ياء الاضافة في اصطلاح القراء هي: الياء الزائدة الدالة على المتكلم، فخرج بقولهم: «الزائدة» الياء الاصلية نحو «وان ادري» وخرج بقولهم:
الدالة على المتكلم الياء في جمع المذكر السالم نحو ياء «حاضري المسجد الحرام» والياء في نحو «فكلي واشربي» لدلالتها على المؤنثة المخاطبة لا على المتكلم.
وتتصل ياء الاضافة بكل من: «الاسم- والفعل- والحرف» فتكون مع الاسم مجرورة المحل نحو: «نفسي» ومع الفعل منصوبة المحل نحوه:
«اوزعني» ومع الحرف مجرورة المحل، ومنصوبته نحو: «لي، واني».
стр. 94
والخلاف في ياءات الاضافة عند القراء دائر بين «الفتح، والاسكان» وهما لغتان فاشيتان عند العرب.
والاسكان فيها هو الاصل، لانها حرف مبني، والسكون هو الاصل في البناء، وانما حركت بالفتح لانها اسم على حرف واحد فقوي بالحركة، وكانت فتحة لخفتها عن سائر الحركات.
وعلامة ياء الاضافة صحة احلال الكاف، او الهاء محلها فتقول في نحو:
«فطرني» فطرك، او فطره.
وبالتتبع تبين ان ياءات الاضافة في «القرآن الكريم» على ثلاثة اضرب:
الاول:
ما اجمع القراء على اسكانه وهو الاكثر لمجيئه على الاصل وجملته ٥٦٦ - خمسمائة وست وستون ياء، نحو قوله تعالى: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (١).
الثاني:
ما اجمع القراء على فتحه، وجملته- ٢١ - احدى وعشرون ياء نحو:
وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٢).
الثالث:
ما اختلف القراء في اسكانه وفتحه، وجملته- ٢١٢ - مائتان واثنتا عشرة ياء.
وينحصر الكلام على الياءات المختلف فيها في ستة فصول:
الفصل الاول:
الياءات التي بعدها همزة قطع مفتوحة، وجملة الواقع من ذلك في القرآن الكريم- ٩٩ - تسع وتسعون ياء نحو: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣).
الفصل الثاني:
الياءات التي بعدها همزة قطع مكسورة، وجملة المختلف فيه من ذلك- ٥٢
стр. 95
- اثنتان وخمسون ياء، نحو مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ (١).
الفصل الثالث:
الياءات التي بعدها همزة قطع مضمومة، وجملة المختلف فيه من ذلك- ١٠ عشر ياءات، نحو إِنِّي أُعِيذُها بِكَ (٢).
الفصل الرابع:
الياءات التي بعدها همزة وصل مع لام التعريف، والمختلف فيه من ذلك- ١٤ - اربع عشرة ياء نحو لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (٣).
الفصل الخامس:
الياءات التي بعدها همزة وصل مجردة عن لام التعريف، والمختلف فيه من ذلك- ٧ - سبع ياءات نحو: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ (٤).
الفصل السادس:
الياءات التي لم يقع بعدها همزة قطع، ولا وصل، بل حرف من باقي حروف الهجاء، وجملة المختلف فيه من ذلك- ٣٠ - ثلاثون ياء: نحو:
وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ (٥).
والفتح والاسكان في ياءات الاضافة من التغييرات الصوتية، وذلك ان المقاطع الصوتية نوعان: متحرك وساكن، فالمقطع المتحرك هو الذي ينتهي بصوت لين، قصير او طويل، اما المقطع الساكن فهو الذي ينتهي بصوت مغلق (٦).
توجيه الاشمام وعدمه في لفظي: الصراط- وصراط
قرأ بعض القراء لفظي: «الصراط- وصراط» معرفا ومنكرا حيث وقع في القرآن الكريم بالسين، وهي لغة عامة العرب. وقرأ البعض الآخر بالصاد المشمة صوت الزاي حيث وقعا كذلك، وهي لغة «قيس».
стр. 96
وقرأ معظم القراء بالصاد الخالصة، وهي لغة «قريش» (١).
وجه من قرأ بالسين انه جاء على الاصل لانه مشتق من «السرط» وهو البلع.
ومما يدل على ان السين هي الاصل انه لو كانت الصاد هي الاصل لم ترد الى السين، وذلك لضعف السين عن الصاد، وليس من اصول كلام العرب ان يردوا الاقوى للاضعف، وانما اصولهم في الحروف عند الابدال ان يردوا الاضعف الى الاقوى.
وحجة من قرأ بالصاد انه اتبع خط المصحف.
وحجة من قرأ بالاشمام انه لما رأى الصاد فيها مخالفة للطاء في صفة «الجهر» اشم الصاد صوت الزاي، وذلك للجهر الذي فيها، فصار قبل الطاء حرف يشبهها في «الاطباق- والجهر» وحسن ذلك لان الزاي تخرج من مخرج السين، والصاد مؤاخية لها في صفتي: «الصفير- والرخاوة» (٢).
توجيه الاسكان والتحريك في لفظي: «هو- وهي»
قرأ بعض القراء باسكان الهاء من لفظي: «واو» نحو: «وهو- وهي» (٣).
وجه من اسكن الهاء لانها لما اتصلت بما قبلها من واو- او فاء او لام- وكانت لا تنفصل عنها، صارت كالكلمة الواحدة مخففة الكلمة فأسكن الوسط: وشبهها بتخفيف العرب للفظ «عضد- وعجز» وهي لغة مشهورة مستعملة.
стр. 97
وأيضا فان الهاء لما توسطت مضمومة بين واوين، او بين واو وياء، ثقل
ذلك، والعرب يكرهون توالي ثلاث حركات فيما هو كالكلمة الواحدة، فأسكن الهاء لذلك تخفيفا.
ووجه من حرك الهاء انه ابقاها على اصلها قبل دخول الحرف عليها، لانه عارض، ولا يلزمها في كل موضع.
وايضا فان الهاء في تقدير الابتداء بها، لان الحرف الذي قبلها زائد، والابتداء بها لا يجوز الا مع حركتها، فحملها على حكم الابتداء بها، وحكم لها مع هذه الحروف على اصلها عند عدمهن.
وحجة من اسكن مع «ثم» انه لما كانت كلها حروف عطف حملها كلها محملا واحدا (١).
ومظهر الصوتيات هنا واضح لان الحرف الساكن صوت مغلق، والحرف المتحرك صوت مفتوح.
توجيه الاشمام وعدمه في لفظ «قيل» واخواتها
اختلف القراء في اشمام الضم في اوائل ستة افعال وهي:
«قيل- وغيض- وحيل- وسيق- وسيء- وجيء» فقرأ بعض القراء باشمام الضم في اوائلها.
وكيفية ذلك ان نحرك الحرف الاول من كل كلمة بحركة مركبة من حركتين: ضمة وكسرة، وجزء الضمة مقدم وهو الاقل، ويليه جزء الكسرة وهو الاكثر.
وقرأ البعض الآخر من القراء بكسر الحرف الاول في كل ذلك كسرة خالصة (٢).
стр. 98
والاشمام لغة: «قيس- وعقيل» وعدم الاشمام لغة عامة العرب. وحجة من قرأ بالاشمام ان الاصل في اوائل هذه الافعال ان تكون مضمومة، لانها افعال لم يسم فاعلها، منها اربعة اصل الثاني منها واو، وهي: «سيء- وسيق- وحيل- وقيل» ومنها فعلان اصل الثاني منها ياء، وهما: «غيض- وجيء» واصلها: «سوئ- وقول- وحول- وسوق- وغيض- وجيء» ثم القيت حركة الحرف الثاني منها على الاول فانكسر، وحذفت ضمته، وسكن الثاني منها، ورجعت الواو الى الياء، لانكسار ما قبلها وسكونها.
فمن اشم اوائلها الضم اراد ان يبين ان اصل اوائلها الضم، ومن شأن العرب في كثير من كلامها المحافظة على بقاء ما يدل على الاصول وايضا فانها افعال بنيت للمفعول، فمن اشم اراد ان يبقى في الفعل ما يدل على انه مبني للمفعول لا للفاعل.
وعلة من كسر اوائلها انه اتى بها على ما وجب لها من الاعتلال (١).
ومظهر الصوتيات هنا واضح، لان صوت الحرف المشم فيه نوع من التسمين، اما صوت الحرف المكسور فإن فيه نوعين من التخفيف.
«للملائكة اسجدوا» حيث جاء في القرآن نحو قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ (٢) «قرأ» «ابو جعفر» بخلف عن «ابن وردان» بضم التاء حالة وصل «للملائكة» باسجدوا، وذلك اتباعا لضم الجيم، ولم يعتد بالساكن، والوجه الثاني «لابن وردان» اشمام كسرة التاء الضم، والمراد بالاشمام هنا مزج حركة بحركة، وهذا لا يعرف الا بالتلقي، والمشافهة من افواه علماء «القرآن».
وقرأ الباقون بكسر التاء كسرة خالصة، على الاصل، وكلها لغات
стр. 99
صحيحة (١).
«بارئكم» من قوله تعالى: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ (٢) «يأمركم» حيثما وقع نحو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً (٣) «يأمرهم» من قوله تعالى: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ (٤) «تأمرهم» من قوله تعالى: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا (٥) «ينصركم» حيثما وقع نحو قوله تعالى: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ (٦) «يشعركم» من قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) قرأ «الدوري» عن أبي عمرو، بثلاثة اوجه:
الاول: اسكان الهمزة من «بارئكم» والراء من «يأمركم، يأمرهم، تأمركم، ينصركم، يشعركم».
والثاني: اختلاس الحركة في جميع الالفاظ المتقدمة.
والثالث: الحركة الخالصة في جميع الالفاظ ايضا.
وقرأ «السوسي» بوجهين: بالاسكان، وبالاختلاس، في جميع الالفاظ وقرأ الباقون بالحركة الخاصة في جميع الالفاظ (٨).
стр. 100
وجه من قرأ بالاسكان التخفيف، وهو لغة «بني أسد، وتميم» وبعض «نجد». قال «العجاج»: «وبات منتصبا» باسكان الصاد.
ووجه الاختلاس التخفيف: وهو لغة لبعض العرب، في الضمات، والكسرات، وهو لا يغير الاعراب، ولا وزن الكلمة. ووجه من قرأ بالحركة الخالصة، انه اتى بالكلمة على اصلها، واعطاها حقها من الحركات، كما يفعل بسائر الكلام، ولم يستثقل توالي الحركات، لانها في تقدير كلمتين، الضمير كلمة، وما قبله كلمة.
«هزوا» حيثما وقع نحوه قوله تعالى: قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً (١) قرأ «حفص» «هزوا» حيثما وقع في القرآن الكريم بابدال الهمزة واوا للتخفيف، مع ضم الزاي وصلا، ووقفا.
وقرأ «حمزة» «هزوا» بالهمزة على الاصل، مع اسكان الزاي وصلا فقط ويقف عليها بنقل حركة الهمزة الى الساكن قبلها، وبابدال الهمزة واوا على الرسم.
وقرأ خلف العاشر «هزوا» مع اسكان الزاي وصلا ووقفا.
وقرأ الباقون «هزؤا» بالهمزة مع ضم الزاي وصلا ووقفا (٢).
وجه الضم في الزاي انه جاء على الاصل.
ووجه الاسكان التخفيف.
حكى «الأخفش الاوسط» عن «عيسى بن عمر الثقفي» ان كل اسم
стр. 101
على ثلاثة احرف اوله مضموم فيه لغتان: الضم، والاسكان نحو: «العسر، والهزؤ». ومثله من الجموع ما كان على وزن «فعل» (١).
«القدس» حيث جاء في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ (٢).
قرأ «ابن كثير» «القدس» حيث جاء في القرآن الكريم باسكان الدال للتخفيف كي لا تتوالى ضمتان نحو: «الحلم- والحلم» وهو لغة «تميم» وقرأ الباقون بضم الدال على الاصل، وهو لغة «اهل الحجاز» (٣) وروح القدس: هو «جبريل ﵇».
قال «ابن كثير» والدليل على ان روح القدس هو جبريل كما نص عليه «ابن مسعود» في تفسير هذه الآية ما قاله «البخاري»:
عن «ابي هريرة» عن «عائشة» ان رسول الله ﷺ وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد فكان ينافح عن رسول الله- ﷺ فقال رسول الله- ﷺ : «اللهم نافح عن حسان كما نافح عن نبيك»
وفي شعر حسان قوله:
وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس به خفاء
وعن «ابن مسعود»: ان رسول الله ﷺ قال «ان روح القدس نفث في روعي انه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها واجلها فاتقوا الله واجملوا في الطلب» (٤).
«أرنا» حيثما وقع نحو قوله تعالى: وَأَرِنا مَناسِكَنا (٥) «ارني» حيثما وقع نحو قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى (٦) قرأ «ابن كثير، ويعقوب، وابو عمرو بخلف عنه» باسكان الراء في
стр. 102
«أرنا، وأرني» حيثما وقعا في القرآن الكريم، والوجه الثاني لأبي عمرو:
اختلاس كسرة الراء.
والاسكان، والاختلاس للتخفيف.
وقرأ الباقون «أرنا، وأرني» بكسر الراء فيهما، على الاصل (١). والكسر والاسكان، والاختلاس لغات.
ومعنى «أرنا»: علمنا (٢) والمراد بالمناسك «مناسك الحج» وقيل: شرائع الدين (٣).
«لرءوف» حيثما وقع نحو قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤) «رءوف» حيثما قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٥) قرأ «ابو عمرو: وشعبة، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «لرءوف، رءوف» حيثما وقعا في القرآن الكريم بحذف الواو التي بعد الهمزة فيصير اللفظ على وزن «عضد».
وقرأ الباقون «لرءوف، رءوف» باثبات الواو التي بعد الهمزة فيصير اللفظ على وزن «فعول».
وهما لغتان في اسم الفاعل (٦).
والرأفة: اشد الرحمة (٧).
стр. 103
«خطوات» حيث وقع نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ (١) قرأ «نافع، وأبو عمرو، وشعبة، وحمزة، وخلف العاشر، والبزي بخلف عنه» باسكان الطاء في «خطوات» حيثما وقعت في القرآن الكريم.
وقرأ الباقون بضم الطاء، وهو الوجه الثاني للبزي (٢).
والضم، والاسكان لغتان:
والضم هو الاصل، لان الاسماء يلزمها الضم في الجمع في نحو: «غرفة وغرفات» فضم الطاء من «خطوات» جاء على الاصل، وهو لغة «اهل الحجاز» واسكان الطاء للتخفيف كي لا يجتمع ضمتان، وواو.
فان قيل: هل سكون الطاء، الموجود في الجمع هو السكون الموجود في المفرد؟
اقول: السكون الموجود في الجمع غير السكون الموجود في المفرد، فالسكون الموجود في المفرد اصلي، والسكون الموجود في الجمع عارض جيء به للتخفيف واصله الضم.
«خطوات» جمع «خطوة» ومعنى «خطوات الشيطان»: طرق الشيطان، والمراد بها «المعاصي» (٣).
«الميتة» المعرفة سواء كانت غير صفة نحو قوله تعالى:
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ (٤) او كانت صفة للارض نحو قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها (٥)
«ميتة» المنكرة نحو قوله تعالى: وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ (٦) «ميتا» المنون المنصوب سواء كان غير صفة نحو قوله تعالى:
стр. 104
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ (١) او كان صفة نحو قوله تعالى: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً [الفرقان ٤٩] «ميت» المنكر الواقع صفة الى «بلد» نحو قوله تعالى:
حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ (٢).
«الميت» المعرف مطلقا سواء كان منصوبا نحو قوله تعالى:
وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (٣) او كان مجرورا نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ (٤) اختلف القراء العشرة في تشديد هذه الالفاظ وتخفيفها:
فقرأ «ابو جعفر» بالتشديد في جميع الالفاظ المتقدمة حيثما وقعت في القرآن الكريم.
وقرأ «نافع» بالتشديد في «الميتة» الواقعة صفة للارض وذلك في قوله تعالى:
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها (٥) وكذا «ميتا» النون المنصوب في سورتي الانعام والحجرات وهو قوله تعالى: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً (٦)
وقرأ «حفص، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بالتشديد في «ميت الواقع صفة الى «بلد» نحو: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ (٧) وفي «الميت» مطلقا سواء كان منصوبا نحو قوله تعالى:
.. وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (٨) او مجرورا نحو قوله تعالى: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ (٩) وقرأ «رويس بالتشديد» في «ميت» الواقع صفة الى «بلد».
وفي «الميت» مطلقا: اي المنصوب، والمجرور.
وقرأ «روح» بالتشديد في «ميتا» بالانعام رقم- ١٢٤ وفي «الميت» المنصوب، والمجرور.
стр. 105
وقرأ الباقون «بالتخفيف في جميع الالفاظ المتقدمة حيثما وقعت في القرآن الكريم (١).
والتشديد، والتخفيف لغتان، وعلى القراءتين جاء قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... انما الميت ميت الاحياء
«تنبيه»: اتفق القراء العشرة على تشديد ما لم يمت نحو قوله تعالى:
.. إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٢)
قال «الراغب» في مادة «موت»: «انواع الموت بحسب انواع الحياة»:
فالاول: ما هو بازاء القوة النامية الموجودة في الانسان، والحيوان:
والنباتات، نحو قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى (٣).
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ (٤).
والثاني: زوال القوة الحاسة، نحو قوله تعالى: قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٥).
والثالث: زوال القوة العاقلة، وهي الجهالة، نحو قوله تعالى:
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها (٦).
والرابع: الحزن المكدر للحياة، نحو قوله تعالى في وصف اهل النار:
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ* يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ
стр. 106
الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ (١) والميت: بسكون الياء- مخفف عن «الميت» بتشديد الياء اهـ (٢) وقال «الزبيدي» في مادة «موت»: «مات، يموت موتا» و «مات، يمات» في لغة «طيء» قال الراجز:
بنيتي سيدة البنات ... عيشي ولا نأمن أن تماتي
ويقال: «مات يميت».
والظاهر ان التثليث في مضارع «مات» مطلقا.
ولكن الواقع ليس كذلك، فالضم انما هو الواوي مثل: «قال يقول قولا» والكسر انما هو في اليائي، نحو «باع يبيع» وهي لغة مرجوحة انكرها جماعة، والفتح انما هو في المكسور الماضي نحو: «علم يعلم» (٣) و «الميت» - بتخفيف الياء- الذي مات بالفعل، و «الميت» بالتشديد:
و «المائت» - على وزن فاعل-: الذي لم يمت بعد، ولكنه بصدد ان يموت.
قال «الخليل»: انشدني «ابو عمرو»:
أيا سائلي تفسير ميت وميت ... فدونك قد فسرت ان كنت تعقل
فمن كان ذا روح فذلك ميت ... وما الميت الا من القبر يحمل
وقال «الزبيدي»: «ميت» بتشديد الياء، يصلح لما قد مات، ولما سيموت.
قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٤).
وقال اهل التصريف: «ميت» كان تصحيحه «ميوت» على وزن «فيعل» ثم ادغموا الواو في الياء (٥).
وقال آخرون: «انما كان في الاصل «مويت» مثل: «سيد وسويد» فأدغمنا الياء في الواو (٦) ونقلناه فقلنا: «ميت».
стр. 107
يقول «الزبيدى»: «قال شيخنا بعد ان نقل قول «الخليل» عن «ابي عمرو»
ما نصه: «وعلى هذه التفرقة جماعة من الفقهاء، والادباء، ثم يقول «الزبيدي»: وعندي فيه نظر فانهم صرحوا بان «الميت» مخفف الياء مأخوذ من «الميت» المشدد، واذا كان مأخوذا منه فكيف يتصور الفرق فيهما في الاطلاق، حتى قال العلامة «ابن دحية» في كتاب «التنوير في مولد البشير والنذير»: بأنه خطأ في القياس ومخالف للسماع:
اما القياس فان المخفف، انما اصله «ميت» المشدد: فخفف، وتخفيفه لم يحدث فيه معنى مخالف لمعناه في حال التشديد، كما يقال: «هين، وهين» فكما ان التخفيف في «هين» لم يحل معناها، كذلك تخفيف «ميت» (١).
واما السماع: فانا وجدنا العرب لم تجعل بينهما فرقا في الاستعمال، ومن أبين ما جاء في ذلك قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... انما الميت ميت الاحياء
وقال آخر:
الا يا ليتني والمرء ميت ... وما يغني عن الحدثان ليت
ففي البيت الاول سوى بينهما، وفي الثاني جعل «الميت» المخفف «للحي» الذي لم يمت، الا ترى ان معناه: والمرء سيموت، فجرى مجرى قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٢).
وقال شيخنا: «ثم رأيت في «المصباح» فرقا آخر وهو انه قال: «الميتة» من «الحيوان» جمعها «ميتات» وأصلها «ميتة» بالتشديد.
وقيل: التزم التشديد في «ميتة» الاناسي: لأنه الاصل، والتزم في
التخفيف في غير الاناسي، فرقا بينهما، ولان استعمال هذا اكثر في الآدميات، وكانت اولى بالتخفيف.
والجمع: «أموات، وموتى، وميتون، وميتون» بتخفيف الياء، وتشديدها.
قال «سيبويه»: «كان بابه الجمع بالواو، والنون، لان الهاء تدخل في انثاه كثيرا.
стр. 108
وفي «المصباح المنير»: «ميت، واموات» كبيت، وابيات، والانثى «ميتة» بالتشديد: والتخفيف، «وميت» مشددا بغير هاء، ويخفف.
وقال «الزجاج»: «الميت» بالتشديد الا انه يخفف، والمعنى واحد يستوي فيه المذكر، والمؤنث» اهـ (١).
الكسر والضم تخلصا من التقاء الساكنين «فمن اضطر» من قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (٢) وبابه مما التقى فيه ساكنان من كلمتين ثالث ثانيهما مضموم ضمة لازمة، ويبدأ بالفعل الذي يلي الساكن الاول بالضم، ويكون اول الساكنين أحد حروف «لتنود» والتنوين:
١ - فاللام نحو قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (٣) ٢ - والتاء نحو قوله تعالى: وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ (٤)
٣ - والنون نحو قوله تعالى: أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ (٥) ٤ - والواو نحو قوله تعالى: أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ (٦) ٥ - والدال نحو قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ (٧) ٦ - والتنوين سواء كان مجرورا نحو قوله تعالى:
كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ (٨) او غير مجرور نحو قوله تعالى: وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً* انْظُرْ (٩)
стр. 109
اختلف القراء العشرة في كيفية التخلص من التقاء الساكنين:
فقرأ «عاصم، وحمزة بالكسر في الحروف الستة قولا واحدا، وذلك على الاصل في التخلص من التقاء الساكنين».
وقرأ «ابو عمرو» بالكسر في اربعة احرف، وهن: «التاء، والنون، والدال، والتنوين».
وضم في حرفين وهما: الواو: ولام «قل».
وقرأ «يعقوب» بالكسر في خمسة احرف، وهن: «اللام، والتاء، والنون، والدال، والتنوين».
وضم في حرف واحد وهو «الواو».
وقرأ «قنبل» بالكسر في الحروف الستة، الا انه اختلف عنه في التنوين والمجرور، فروي عنه فيه الكسر، والضم».
وقرأ «ابن ذكوان» بالكسر في خمسة احرف، وهن حروف «لتنود» واختلف عنه في التنوين مطلقا، سواء كان مجرورا، او غير مجرور.
وقرأ الباقون بالضم في الحروف الستة، وذلك اتباعا لضم ثالث الفعل (١).
«اضطر» حيثما وقع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى:
.. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (٢) قرأ «ابو جعفر» «اضطر» بكسر الراء الاولى، فلما ادغمت الراء الاولى في الثانية نقلت كسرتها الى الطاء بعد حذف حركة الطاء.
وقرأ الباقون «اضطر» بضم الطاء، على الاصل.
стр. 110
من هذا يتبين ان كسر الطاء، وضمها لغتان (١).
«العسر» حيثما وقع نحو قوله تعالى: وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (٢) «عسر» من قوله تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٣)
«عسرا» من قوله تعالى: وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٤) «عسرة» من قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ (٥) «العسرة» من قوله تعالى: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ (٦) «للعسرى» من قوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (٧) «اليسر» من قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ (٨) «يسرا» حيثما وقع نحو قوله تعالى: وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٩) «لليسرى» من قوله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (١٠) ومن قوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (١١) قرأ «ابو جعفر» جميع الالفاظ المتقدمة حيثما وقعت بضم السين واختلف عن «ابن وردان» في «يسرا» من قوله تعالى:
فَالْجارِياتِ يُسْراً بالذاريات- ٣.