فالعطف «بل» و «لا» رد لما قبلها، وليست عاطفة.
واذا قلت: «ما جاءني زيد ولا عمرو» فالعاطف «الواو» و «لا» توكيد النفي.
الشرط الثالث: أن يتعاند متعاطفاها، فلا يجوز «جاءني رجل لا زيد» لأنه يصدق على «زيد» اسم الرجل، بخلاف «جاءني» رجل لا امرأة» (١).
* وأما ورود «لا» ناهية- ونافية في أسلوب واحد فانه يتمثل في قراءات الكلمات الآتية:
«ولا تسأل» من قوله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (٢) قرأ «نافع، ويعقوب» «ولا تسأل» بفتح التاء، وجزم اللام، وذلك على النهي، وظاهره أنه نهي حقيقة، حيث نهى الله نبيه «محمدا» ﵌ أن يسأل عن أحوال الكفار، لأن سياق الكلام يدل على أن ذلك قائد على اليهود، والنصارى، ومشركي
العرب، الذين جحدوا نبوته ﵌ وكفروا عنادا، وأصروا على كفرهم وكذلك
جاء بعده قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (٣) وقيل: يحتمل أن لا يكون نهيا حقيقة، بل جاء ذلك على سبيل تعظيم ما وقع فيه أهل الكفر من العذاب، كما تقول: «كيف حال فلان» اذا كان قد وقع في «بلية» - والعياذ بالله تعالى- فيقال لك «لا تسأل عنه».
ووجه التعظيم أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما ذلك الشخص فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره.
أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره، لإيحاشه السامع، واضجاره، فلا تسأل.
стр. 772
فيكون معنى التعظيم إما بالنسبة الى المجيب، وإما بالنسبة الى المجاب، ولا يراد بذلك حقيقة النهي.
وقرأ الباقون «ولا تسأل» بضم التاء، ورفع اللام، وذلك على الاستئناف، والمعنى على ذلك: أنك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا، لأن ذلك ليس اليك، إن عليك الا البلاغ، انك لا تهدي من أحببت، انما أنت منذر، وفي ذلك تسلية له ﵌ وتخفيف ما كان يجده من عنادهم فكأنه قيل: لست مسئولا عنهم فلا يحزنك كفرهم، وفي ذلك دليل على أن أحدا لا يسأل عن ذنب أحد، ولا تزر وازرة وزر أخرى (١).
قال ابن الجزري: تسأل للضم فافتح واجزم ان ظللوا.
«السؤال»: استدعاء معرفة، أو ما يؤدي الى المال:
واستدعاء مال، أو ما يؤدي الى المال:
فاستدعاء المعرفة: جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكناية، أو الاشارة.
واستدعاء المال: جوابه على اليد، واللسان خليفة لها، اما بوعد، أو برد.
فان قيل: كيف يصح أن يقال: السؤال يكون للمعرفة، ومعلوم أن الله تعالى يسأل عبادة، نحو قوله تعالى: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (٢).
قيل: ان ذلك سؤال لتعريف القوم وتبكيتهم لا لتعريف الله تعالى، فانه علام الغيوب.
стр. 773
والسؤال للمعرفة يكون تارة للاستعلام وتارة للتبكيت نحو قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (١).
والسؤال اذا كان للتعريف تعدى الى المفعول الثاني تارة بنفسه، نحو قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (٢).
وتارة بالجار، نحو قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (٣).
واذ كان السؤال لاستدعاء مال فانه يتعدى بنفسه نحو قوله تعالى: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا (٤) قال «ابن بري» ت ٥٨٢ هـ: (٥) «سألته الشيء بمعنى استعطيته إياه وسألته عن الشيء استخبرته» أهـ (٦) «لا تضار» من قوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (٧) قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «لا تضار» برفع الراء مشددة، على أنه فعل مضارع من «ضار» مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، ولا نافية ومعناها النهي للمشاكلة.
стр. 774
وقرأ «أبو جعفر» بخلف عنه بسكون الراء مخففة، على أنه مضار من «ضار يضير» ولا ناهية والفعل مجزوم بها.
وقرأ الباقون بفتح الراء مشددة، وهو الوجه الثاني لأبي جعفر، على أنه فعل مضارع من «ضار» ولا ناهية والفعل مجزوم بها ثم تحركت الراء الأخيرة تخليصا من التقاء
الساكنين على غير قياس، لأن الأصل
في التخلص من الساكنين أن يكون للحرف الأول وكانت فتحة لحفظها (١) «ولا يشرك» من قوله تعالى: وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢) قرأ «ابن عامر» «ولا تشرك» بتاء الخطاب وجزم الكاف على أن «لا» ناهية والنهي موجه الى كل مكلف شرعا، والمنهي عنه:
الاشراك بالله تعالى.
والمعنى: قل يا «محمد»: الله أعلم بالمدة التي لبثها أهل الكهف في نومهم وقل: لا تشرك أيها الانسان المكلف في حكم ربك أحدا لأن الشرك من أكبر الكبائر.
وفي الكلام التفات من الغيبة الى الخطاب لأن سياق الكلام للغيبة.
وقرأ الباقون «ولا يشرك» بياء الغيب ورفع الكاف، على أن «لا» نافية، وفاعل «يشرك» ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا.
وجاء الكلام على نسق الغيبة التي قبله في قوله تعالى: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وأفاد نفي الشريك عن الله تعالى (٣).
стр. 775
«فلا تسألني» من قوله تعالى: قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (١).
قرأ «ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر» «تسألني» بفتح اللام، وتشديد النون، على ان الفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. وكسرت نون التوكيد وحقها الفتح لمجانسة الياء، وحذفت نون الوقاية لاجتماع الأمثال، واللام نافية.
وقرأ الباقون «تسألني» باسكان اللام، وتخفيف النون، على أن الفعل مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه السكون، والنون للوقاية، والياء مفعول (٢).
واتفق القراء العشرة على اثبات الياء بعد النون في الحالين، الا «ابن ذكوان» فله الاثبات والحذف في الوصل، والوقف (٣).
قال «ابن الجزري»: «والحذف، والاثبات، كلاهما صحيح عن «ابن ذكوان» نصا، وأداء، ووجه الحذف حمل الرسم على الزيادة تجاوزا في حرف المد، كما قرئ «وتودا» بغير تنوين، ووقف عليه بغير ألف، وكذلك «السبيلا، والظنونا»، وغيرهما من كتب رسما وقرئ بحذفه، وليس ذلك معدودا من مخالفة الرسم» أهـ (٤) «لا تخاف» من قوله تعالى: لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٥).
قرأ «حمزة» «لا تخف» بحذف الألف، وجزم الفاء، على أنه مجزوم في جواب الأمر وهو قوله تعالى قبل:
стр. 776
أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أو فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً.
ويجوز أن تكون «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها، والجملة حينئذ مستأنفة.
وقرأ الباقون «لا تخاف» باثبات الألف، ورفع الفاء، على أن الجملة مستأنفة، أو حال من فاعل «اضرب» أي: فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا حالة كونك غير خائف، وحينئذ تكون «لا» نافية (١).
«فلا يخاف» من قوله تعالى: فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (٢).
قرأ «ابن كثير» «فلا تخف» بحذف الألف التي بعد الخاء، وجزم الفاء، على أن «لا» ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، والجملة في محل جزم جواب الشرط وهو «من» من قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
وقرأ الباقون «فلا يخاف» باثبات الألف، ورفع الفاء، على أن «لا» نافية، والفعل بعدها مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، والجملة في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: فهو لا يخاف ظلما، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط (٣).
وأما ورود «ان» شرطية- و «أن» مصدرية في أسلوب واحد فانه يتمثل في قراءات الكلمتين الآتيتين فقط:
«أن تضل» من قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما (٤).
стр. 777
قرأ «حمزة» «ان تضل» بكسر الهمزة، على أن «ان» شرطية، و «تضل» مجزوم بها، وهي فعل الشرط، وفتحت اللام للادغام تخفيفا (١).
وقرأ الباقون «أن تضل» بفتح الهمزة، على ان «أن» مصدرية.
جاء في «المفردات»: «الضلال»: «العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده «الهداية» قال تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها (٢).
ويقال: الضلال لكل عدول عن المنهج عمدا كان أو سهوا يسيرا كان أو كثيرا (٣).
واذا كان الضلال ترك الطريق المستقيم عمدا كان أو سهوا، قليلا كان أو كثيرا، صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما، وقوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما.
أي تنسى، وذلك من النسيان الموضوع عن الانسان» أهـ (٤).
وجاء في «تاج العروس»: قال «ابن الكمال» ت ٧٠٢:
«الضلال»: فقد ما يوصل الى المطلوب، وقيل: سلوك طريق لا يوصل الى المطلوب» أهـ (٥).
ويقال: «ضللت» «كزللت» «تضل» «كنزل» أي بفتح العين في
стр. 778
الماضي، وكسرها في المضارع، وهذه هي اللغة الفصيحة، لغة «نجد».
ويقال: «ضللت تضل» مثل «مللت تمل» أي بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع، وهي لغة «الحجاز، والعالية».
وروى «كراع» ت ٣٠٧ هـ (١) عن «بني تميم» «كسر الضاد في الأخيرة أيضا» أهـ (٢).
«أن صدوكم» من قوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو» «أن صدوكم» بكسر همزة «ان» على أن «أن» شرطية والصد منتظر في المستقبل، وعليه يكون المعنى:
ان وقع صد لكم عن المسجد الحرام مثل الذي فعل بكم أو لا عام الحديبية سنة ست من الهجرة فلا يحملكم بغض من صدكم على العدوان.
وقرأ الباقون بفتح همزة «أن» على أنها مصدرية، وأن وما دخلت عليه مفعول لأجله.
وعليه يكون المعنى: لا يحملنكم بغض قوم على العدول لأجل
صدهم اياكم عن المسجد الحرام في الزمن الماضي لأنه وقع عام الحديبية سنة ست من الهجرة، والآية نزلت سنة ثمان من الهجرة عام الفتح (٤).
стр. 779
جاء في «المفردات»: «الصدود، والصد» قد يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا، نحو قوله تعالى: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (١).
وقد يكون صرفا، ومنعا، نحو قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٢).
وقيل: «صد يصد صدودا» «وصد يصد صدا» والصد من الجبل: «ما يحول» أهـ (٣).
وجاء في «تاج العروس»: «يقال: صد فلان فلانا عن كذا صدا»:
اذا منعه وصرفه عنه، قال الله تعالى: وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ (٤) أي صدها كونها من قوم كافرين عن الايمان.
ويقال: «صد يصد ويصد» بضم الصاد وكسرها في المضارع، «صدا وصديدا»: «عج وضج» وفي التنزيل: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥) أي يضجون ويعجون.
وقال «الأزهري» «محمد بن حامد أبو منصور» ت ٣٧٠. هـ:
يقال: صددت فلانا عن أمره أصده، صدا، تصديا، يستوي فيه لفظا الواقع، والكلام: فاذا كان المعنى: «يضج ويعج» فالوجه الجيد «صد يصد» مثل: «ضج يضج» أهـ (٦).
* وأما ورود «أن» مخففة- ومصدرية في أسلوب واحد فانه يتحقق في قراءات الكلمة الآتية فقط:
стр. 780
«تكون» من قوله تعالى: وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا (١).
قرأ «أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «تكون» برفع النون على أن «أن» مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف، أي أنه، و «لا» نافية و «تكون» تامة، و «فتنة» فاعلها، والجملة خبر «أن» وهي مفسرة لضمير الشأن، و «حسب» حينئذ لليقين لا للشك، لأن «أن» المخففة من الثقيلة لا تقع الا بعد تيقن.
والمعنى: لقد بالغ بنو اسرائيل في كفرهم وعنادهم بألوان شتى مختلفة، منها أنهم تيقنوا أن لا تحدث، ولا تقع فتنة فعموا عن رؤية الحقيقة، وصمت آذانهم عن قبول نصيحة أنبيائهم.
وقرأ الباقون «تكون» بنصب النون، على أن «أن» حرف مصدري ونصب، دخلت على فعل منفي بلا، و «حسب» حينئذ على بابها للظن، لأن «أن» الناصبة لا تقع الا بعد الظن، و «تكون» تامة أيضا،
و «فتنة» فاعلها، والمعنى: شك هؤلاء اليهود ألا تحدث فتنة فعموا وصموا (٢).
* وأما ورود «الا» الاستثنائية عاملة- وملغاة في أسلوب واحد فانه يتحقق في قراءات الكلمتين الآتيتين فقط:
«قليل» من قوله تعالى: ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ (٣).
قرأ «ابن عامر» «قليلا» بالنصب على الاستثناء، وهذه القراءة موافقة لرسم مصحف أهل الشام (٤).
وقرأ الباقون «قليل» برفع اللام على أنه بدل من الواو في فعلوه، وهذه
стр. 781
القراءة موافقة لرسم بقية المصاحف (١).
تنبيه: اذا وقع المستثنى بعد الا وكان الكلام مسبوقا بنفي، أو نهي، أو استفهام، وكان المستثنى من جنس المستثنى منه جاز في المستثنى منه النصب على الاستثناء، وجاز اتباعه لما قبله في الاعراب (٢).
«الا امرأتك» من قوله تعالى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو» «امرأتك» برفع التاء، على أنها بدل من «أحد» ولتشكل ذلك بأنه يلزم منه انهم نهوا عن الالتفات الا «المرأة» فانها لم تنه عنه، وهذا لا يجوز.
ولذا قيل: «امرأتك» مرفوع بالابتداء، والجملة بعده وهي قوله تعالى: إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ خبر.
وقيل: النهي بمعنى النفي لأنه بمعنى: ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك فانها ستلتفت، فقوله: «امرأتك» بدل من قوله «أحد» كقولك: «ما قام أحد الا زيد، وما رأيت أحدا الا أخاك».
وقال «ابن زنجلة»: «كان أبو عمرو» يتأول أن «لوطا» سار بها في أهله، وحجته ما روي عن «ابن عباس» ﵄ أنه قال: «أنها سمعت الوجبة- أي السقوط مع الهدة- فالتفتت فأصابها العذاب» أهـ (٤).
стр. 782
وقرأ الباقون «امرأتك» بنصب التاء، على أنه مستثنى من «أهلك» في قوله تعالى قبل: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ فهو استثناء من الايجاب واجب النصب، وحجتهم ما روي عن «عبد الله بن مسعود» ﵁ أنه قال: «فأسر بأهلك بقطع من الليل الا امرأتك» والمعنى على هذه القراءة: انه لم يخرج امرأته مع أهله، وفي القراءة الأولى أنه خرج بها فالتفتت فأصابتها الحجارة (١).
* وأما ورود «من» جارة- وموصولة في أسلوب واحد فانه يتحقق في قراءات الكلمة الآتية فقط:
«من تحتها» من قوله تعالى: فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي (٢).
قرأ «نافع، وحفص، والكسائي، وأبو جعفر، وروح، وخلف العاشر» بكسر ميم «من» وجر تاء «تحتها» على أن «من» حرف جر، وما بعدها مجرور، وفاعل ناداها ضمير يعود على «عيسى» ﵇ المعلوم من المقام، أو الملك، والمراد به «جبريل» ﵇، والجار والمجرور متعلق بناداها، ومعنى كون «جبريل» تحتها أي في مكان أسفل من مكانها أي دونها، كما تقول: داري تحت دارك، وبلدي تحت بلدك، أي دونها، وعلى هذا معنى قوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أي: دونك نهرا تستمتعين به، فليس المعنى اذا جعلنا الفاعل «جبريل» أنه تحت ثيابها.
وكون الضمير «لعيسى» ﵇، أبين، وأعظم في زوال وحشتها لتسكين نفسها.
فالمعنى: فكلمها «جبريل» من الجهة المحاذية لها، أو فكلمها «عيسى» من موضع ولادتها، وذلك تحت ثيابها.
стр. 783
وقرأ الباقون بفتح ميم «من» ونصب تاء «تحتها» على أن «من» اسم موصول فاعل «نادى» وتحت ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة.
والمراد بمن «عيسى» ﵇ أو الملك وهو «جبريل» ﵇، فاذا كان «لعيسى» كان معنى «تحتها» تحت ثيابها، من موضع ولادته، واذا كان «لجبريل» كان معنى «تحتها» دونها، أسفل منها (١).
* وأما ورود «الى» جارة- و «الا» الاستثنائية في أسلوب واحد فانه يتحقق في قراءات الكلمة الآتية فقط:
«الا ان» من قوله تعالى: لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ (٢).
قرأ «يعقوب» «الى» بتخفيف اللام، على انها حرف جر.
وقرأ الباقون «الا» بتشديد اللام، على أنها حرف استثناء، والمستثنى منه محذوف، أي: لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت من الأوقات الا وقت تقطيع قلوبهم بحيث لا يبقى لها قابلية الادراك (٣).
стр. 784
الباب الحادي عشر «صنعة الاعراب»
«صنعة الاعراب» لقد تتبعت قراءات القرآن، وخرجتها، وصنفتها، وجعلت كل نوع على حدة، واستخلصت الكلمات التي يرجع توجيه وتخريج الاختلاف فيها الى الموقع الاعرابي، وجعلتها في هذا الباب.
وقبل الدخول في تخريج كلمات هذا الباب، أجد من تمام المنفعة أن القي الضوء على اهتمام العلماء بقضية اعراب القرآن فأقول:
اعراب «القرآن» من الظواهر اللغوية التي اهتم بها العلماء قديما وحديثا، وقد استعان به الكثيرون من المفسرين في مصنفاتهم من أجل توضيح معاني الآيات- فقديما قيل: الاعراب فرع المعنى- اذ بمعرفة حقائق الاعراب، والوقوف على تصرف حركاته وسكناته يسلم اللسان، ويصح الكلام، وتعرف أكثر المعاني، ويحصل المراد، لذلك كان على المعرب أن يفهم معنى ما يريد اعرابه مفردا كان، أو مركبا، قبل الاعراب، حتى يتسنى له اعرابه اعرابا سليما لأنه بمعرفة المعنى يحسن التوجيه ويصح الاعراب واذا استغل المعنى، واستبهم المراد منه صعب فهمه، واشكل اعرابه.
واذا تجاذب الاعراب والمعنى شيئا واحدا بأن دعا اليه المعنى، وأباه الاعراب، فالمعول عليه هو المعنى، ويؤول الاعراب لصحته، واستقامته، مثال ذلك: قوله تعالى: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ* يَوْمَ
تُبْلَى السَّرائِرُ (١) حيث ان المعنى يقتضي أن يتعلق الظرف: «يوم» بالمصدر وهو «رجع» على أن يكون المعنى: انه على رجعه في ذلك اليوم لقادر.
ولكن الاعراب يمنعه لعدم جواز الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي
стр. 785
وهو «لقادر» لذلك أول الاعراب مراعاة للمعنى، فجعل العامل في الظرف فعلا مقدرا دل عليه المصدر، وتقديره: يرجعه يوم تبلى السرائر (١).
والعلماء الذين اشتغلوا بالكشف عن وجوه «إعراب القرآن» كانت لهم اتجاهات مختلفة:
فبعضهم اقتصر على اعراب شكله، مثل: «مكي بن أبي طالب» ت ٤٣٧ هـ.
ومنهم من عرض لاعراب غريبه مثل: «ابن الأنباري» ت ٥٧٧ هـ.
ومنهم من عرض أشكال الاعراب، وجعل لكل شكل بابا على نحو ما فعل «الزجاج» ت ٣١١ هـ.
ومنهم من جمع بين أوجه القراءات، والاعراب مثل: «ابن جني» ت ٣٩٢ هـ.
وممن صنف في اعراب القرآن تأليفا خالصا فيما أعلم:
أبو علي محمد بن المستنير المشهور بقطرب ت ٢٠٦ هـ أبو مروان عبد الملك بن حبيب القرطبي ت ٢٣٩ هـ أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني ت ٢٤٨ هـ أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب ت ٢٩١ هـ
أبو اسحاق إبراهيم بن السري الزجاج ت ٣١١ هـ أبو جعفر محمد بن أحمد بن النحاس ت ٣٣٨ هـ أبو عبد الله حسين بن أحمد بن خالويه ت ٣٧٠ هـ مكي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ أبو طاهر اسماعيل بن خلف الصقلي ت ٤٥٥ هـ أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ت ٥٠٢ هـ أبو القاسم اسماعيل بن محمد الأصفهاني ت ٥٣٥ هـ أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي ت ٥٦٢ هـ
стр. 786
أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري ت ٥٧٧ هـ أبو البقاء عبد الله بن الحسين العكبري ت ٦١٦ هـ منتخب الدين حسين الهمداني ت ٦٤٣ هـ أبو اسحاق إبراهيم بن محمد السفاقسي ت ٧٤٢ هـ أبو أحمد بن مالك بن يوسف الرعيني ت ٧٧٧ هـ بعد ذلك أنتقل الى توجيه الكلمات وتخريجها فأقول وبالله التوفيق:
«آدم» من قوله تعالى:
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ (١).
قرأ «ابن كثير» بنصب ميم «آدم» ورفع تاء «كلمات» على اسناد الفعل الى «كلمات» وايقاعه على «آدم» فكأنه قال:
«فجاءت آدم كلمات» ولم يؤنث الفعل لكون الفاعل مؤنثا غير حقيقي.
وقرأ الباقون برفع ميم «آدم» ونصب تاء «كلمات» بالكسرة، وذلك على اسناد الفعل الى «آدم» وايقاعه على «كلمات» أي أخذ
آدم كلمات من ربه بالقبول ودعا بها، وهي قوله تعالى: قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢).
«حسنا» من قوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (٣).
قرأ «حمزة، الكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «حسنا» بفتح الحاء والسين، على أنه صفة لمصدر محذوف، تقديره:
«وقولوا للناس قولا حسنا».
وقرأ الباقون «حسنا» بضم الحاء واسكان السين، على أنها لغة في «الحسن» مثل «البخل والبخل» «والرشد والرشد» فهو كالأول، وتقدير:
стр. 787
«وقولوا للناس قولا حسنا».
ويجوز أن يكون «حسنا» مصدرا مثل: «الشكر والكفر» فيلزم تقدير حذف مضاف تقديره: «وقولوا للناس قولا ذا حسن» ويؤول في المعنى الى القراءة الأولى (١).
«ليس البر» في قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (٢).
قرأ «حفص، وحمزة» «البر» بنصب الراء، على أنه خبر «ليس» مقدم، «وأن تولوا وجوهكم» الخ في تأويل مصدر اسم «ليس» مؤخرا والتقدير: ليس تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر.
واعلم أن تقديم خبر ليس على الاسم جائز، وذلك اذا لم يجب تقديمه على الاسم أو يجب تأخيره عنه.
وقد أشار الى ذلك «ابن مالك» بقوله:
وفي جميعها توسط الخبر ... اجز وكل سبقه دام حظر.
وقرأ الباقون «البر» بالرفع، على أنه اسم ليس جاء على الأصل في أن يلي الفعل، «وأن تولوا وجوهكم» الخ في تأويل مصدر خبر ليس، والتقدير: ليس البر تولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب (٣).
تنبيه: «البر» من قوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها (٤).
стр. 788
اتفق القراء العشرة على قراءة «البر» هنا برفع الراء، وذلك لأن قوله تعالى: بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها بتعيين أن يكون خبر «ليس» لدخول الباء عليه، وأن القراءة سنة متبعة، ومن شروط القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لقواعد اللغة العربية.
أعلم أن «ليس» كلمة دالة على نفي الحال، وتنفي غيره بالقرينة،
نحو قول «الأعشى»، ميمون بن قيس ت ٧ هـ: (١) في مدح الرسول ﵌:
له نافلات ما يغيب نوالها ... وليس عطاء الله مانعه غدا
وهي فعل جامد لا يتصرف، ووزنه «فعل» بفتح الفاء، وكسر العين، ثم التزم تخفيفه بتسكين العين.
وزعم «ابن السراج، أبو بكر بن محمد بن السري» ت ٣١٦ هـ أن «ليس» حرف بمكانة «ما» وتابعه «الفارسي» أبو علي في «الحلبيات» (٢)، «وابن شقير» أبو بكر بن أحمد بن الحسن ت ٣١٧ هـ وجماعة.
والصواب القول الأول، بدليل أنها تلحقها الضمائر، مثل «لست، ولستما، ولستن» (٣).
стр. 789
ولقد رأيت من تمام المنفعة أن أبين أقوال النحاة في تأخير خبر ليس، وتقديمه، فقلت وبالله التوفيق:
قال «ابن مالك»:
وفي جميعها توسط ... أجز وكل سبقه دام حظر
وقال: ومنع سبق خبر ليس اصطفى.
واعلم أن «ليس» من النواسخ (١) وهي فعل على رأي جمهور النحاة، لقبولها علامات الفعل، فتدخل عليها تاء التأنيث الساكنة وتاء الفاعل، فتقول: «ليست هند مريضة» وتقول: لست، ولست، ولستما، ولستم، ولستن».
وذهب «أبو علي الفارسي» في أحد قوليه، و «أبو بكر بن شقير» في أحد قوليه أيضا الى أنها حرف.
ولكن الصواب ما عليه جمهور النحاة.
وهي ترفع المبتدأ ويسمي اسما لها وتنصب الخبر، ويسمى خبرا لها.
والأصل أن يتقدم اسمها، ويتأخر خبرها، نحو قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (٢).
على قراءة من رفع الراء من «البر».
ويجوز أن يتوسط خبرها بين الفعل، واسمه، نحو قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ على قراءة من نصب الراء من «البر».
ومثل قول «السموأل بن عادياء» أحد شعراء الجاهلية:
стр. 790
سلي ان جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
أما تقدم خبرها على الفعل واسمه، فقد اختلف فيه النحاة:
١ - فذهب «الكوفيون، والمبرد، وابن السراج» الى امتناع ذلك،
لأنها فعل جامد مثل «عسى» وخبر «عسى» لا يتقدم عليها باتفاق.
٢ - وذهب «الفارسي، وابن جني» الى الجواز، مستدلين بقوله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ (١).
وذلك لأن «يوم» متعلق «بمصروفا» وقد تقدم على «ليس» وتقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل.
والجواب على ذلك أنه يتوسع في الظروف ما لم يتوسع في غيرها.
٣ - ونقل عن «سيبويه» ت ١٨٠ هـ.
القول بالجواز، والقول بالمنع.
ولكن المختار لدى الكثيرين من النحاة المنع.
ولذا قال «ابن مالك»: ومنع سبق خبر ليس اصطفى (٢).
«ولا يضار» من قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (٣).
قرأ «أبو جعفر» بخلف عنه «ولا يضار» بسكون الراء مخففة، على أنه مضارع، من «ضار يضير» اللا ناهية، والفعل مجزوم بها.
وقرأ الباقون «ولا يضار» بفتح الراء مشددة، على أن «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها، والأصل «ولا يضارر» براءين، فأدغمت الراء الأولى
стр. 791
ثم الثانية، ثم تحركت الراء الثانية بأن فتح تخلصا من التقاء الساكنين على غير قياس لأن الأصل في التخلص من التقاء الساكنين أن يكون بالكسر، وكان فتحة لخفتها، وهي القراءة الثانية «لأبي جعفر» (١).
قال «الطبري» ت ٣١٠ هـ (٢).
«اختلف أهل التأويل» في تأويل قوله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ:
فقال بعضهم: «ذلك نهي من الله لكتاب الكتاب بين أهل الحقوق، والشهيد أن يضار أهله، فيكتب هذه ما لم يمله المملي، ويشهد هذا بما لم يستشهده الشهيد» أهـ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: «ولا يضار كاتب ولا شهيد بالامتناع عمن دعاهما الى أداء ما عندهما من العلم أو الشهادة» أهـ (٤).
وأصل الكلمة على هذين المعنى: «ولا يضارر» بكسر الراء الأولى، وسكون الثانية، ثم أدغمت الراء الأولى في الثانية لتماثلهما، وحركت الراء الثانية الى الفتح وموضعها الجزم، لأن الفتح أخف الحركات.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: «ولا يضار المستكتب والمستشهد
стр. 792
الكاتب والشهيد، بمعنى أن يدعو الرجل للكاتب، أو الشاهد، وهما على حاجة مهمة، فيقولان:
أنا على حاجة مهمة، فاطلب غيرنا، فيقول الرجل. «الله أمركما أن تجيبا، فأمره الله أن يطلب غيرهما ولا يضارهما، يعني لا يشغلهما عن حاجتهما المهمة، وهو يجد غيرهما»
أهـ (١).
وأصل الكلمة على هذا المعنى: «ولا يضار» بفتح الراء الأولى، وسكون الثانية، على وجه ما لم يسم فاعله، ثم ادغمت الراء الأولى في الثانية.
ثم قال «الطبري»:
«والقول الأخير هو الأولى بالصواب، لأن الخطاب من الله في هذه الآية من مبتدئها الى انقضائها على وجه ما فعلوا أو لا تفعلوا» انما هو خطاب لأهل الحقوق، والمكتوب بينهم الكتاب، والمشهود لهم، أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون، فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم، فانما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب، كقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ وكقوله تعالى: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وما أشبه ذلك، فالواجب اذا كان المأمورون فيها مخاطبين بقوله:
وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ أشبه منه بأن يكون مردودا على الكاتب والشهيد، ومع ذلك ان الكاتب والشهيد لو كانا هما المنهيين عن «الضرار» لقيل: «وان يفعلا فانه فسوق بهما» لأنهما اثنان، وانهما غير مخاطبين بقوله: «ولا يضار» بل النهي بقوله: «ولا يضار» نهي للغائب غير المخاطبين فتوجه الكلام الى ما كان نظيرا
لما في سياق الآية أولى من توجيه الى ما كان منعدلا عنه» (٢) «فدية طعام مسكين» من قوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ (٣).
стр. 793
قرأ «نافع، وابن ذكوان، وأبو جعفر» «فدية» بحذف التنوين، و «طعام» بجر الميم على الاضافة، و «مساكين» بالجمع وفتح النون بلا تنوين، لأنه اسم لا ينصرف.
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» «فدية» بالتنوين مع الرفع مبتدأ مؤخر، خبره متعلق الجار والمجرور قبله، و «طعام» بالرفع بدل من «فدية» و «مسكين».
بالتوحيد وكسر النون منونة.
وقرأ «هشام» بالتنوين مع الرفع، و «طعام» بالرفع بدل من «فدية»، و «مساكين» بالجمع وفتح النون بلا تنوين (١).
«والملائكة» من قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ (٢).
قرأ «أبو جعفر» «والملائكة» بخفض التاء، عطفا على «ظلل».
وقرأ الباقون برفع التاء، عطفا على لفظ الجلالة: «الله» (٣).
«العفو» من قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٤).
قرأ «أبو عمر» «العفو» برفع الواو، على ان «ما» استفهامية، و «ذا» موصولة، فوقع جوابها مرفوعا، وهو خبر لمبتدإ محذوف، أي الذي ينفقونه «العفو».
وقرأ الباقون بنصب الواو، على أن «ماذا» مفعول مقدم، والتقدير:
стр. 794
أي شيء ينفقونه، فوقع الجواب منصوبا بفعل مقدر أي انفقوا العفو (١).
المعنى: تضمن هذا الجزء من الآية الاجابة عن سؤال مضمونه ما الذي ينفقونه أو أي شيء ينفقونه، فأجابهم الله بقوله «العفو» أي أنفقوا العفو وهو ما فضل عن حاجة الانسان وحاجة من يعولهم.
اعلم أن «ذا» تستعمل موصولة، وتكون مثل «ما» في أنها تستعمل بلفظ واحد: للمذكر، والمؤنث، مفردا كان، أو مثنى، أو مجموعا.
وشرط استعمالها موصولة أمران.
الأول: أن تكون مسبوقة ب «ما» أو «من» الاستفهاميتين، نحو:
«من ذا جاءك»،وماذا فعلت.
والثاني: اذا لم تلغ في الكلام، بمعنى: اذا لم تجعل «ما» مع «ذا» أو «من» مع «ذا» كلمة واحدة للاستفهام (٢).
والى ذلك أشار ابن مالك بقوله:
ومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من اذا لم تلغ في الكلام
«وصية» من قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ (٣).
قرأ «نافع، وابن كثير، وشعبة والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر» «وصية» برفع التاء، على أنها خبر مبتدأ محذوف،
стр. 795
أو مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: عليهم وصية، أو فاعل الفعل محذوف، والتقدير: تلزمهم وصية.
وقرأ الباقون «وصية» بالنصب، على أنها مفعول مطلق، أي يوصون وصية (١).
«ويكفر» من قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ (٢).
قرأ «نافع، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف العاشر» «ونكفر» بنون العظمة وجزم الراء لأن الفعل معطوف على محل «فهو خير لكم».
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة، ويعقوب» «ونكفر» بنون العظمة، ورفع الراء، على أنها جملة مستأنفة، والواو لعطف جملة على أخرى.
وقرأ «ابن عامر، وحفص» «ويكفر» بالياء، ورفع الراء، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ [البقرة ٢٧٠].
وهي جملة على أخرى مستأنفة، والواو لعطف جملة أخرى (٣).
جاء في «أساس البلاغة»: «كفر الشيء» بتخفيف الفاء، «وكفره» بتشديد الفاء: «غطاه».
стр. 796
يقال: «كفر السحاب السماء، وكفر الليل بظلامه، وكفر الفلاح الحب» ومنه قيل للزارع: الكفار (١).
ويقال: «كفر الله عنك خطاياك».
كما يقال: «اكفره، وكفره»: نسبه الى الكفر» أهـ (٢).
«فتذكر» من قوله تعالى:
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «فتذكر» باسكان الذال، وتخفيف الكاف مع نصب الراء عطفا على «تضل» وهو مضارع «ذكر» مخففا نحو «نصر».
وقرأ «حمزة» «فتذكر» بفتح الذال وتشديد الكاف ورفع الراء، على انه مضارع «ذكر» مشددا نحو: «كرم» لم يدخل عليه ناصب ولا جازم.
وقرأ الباقون «فتذكر» بفتح الذال، وتشديد الكاف، ونصب الراء، عطفا على «تضل» وهو مضارع «ذكر» مشددا ايضا (٤).
جاء في «المفردات»: «التذكرة»: ما يتذكر به الشيء، وهو أعم من الدلالة، والأمارة، قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥).
стр. 797
وقوله تعالى: فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى (١).
قيل معناه: تعيد ذكره، وقد قيل: تجعلها ذكرا: في «الحكم» أهـ (٢).
وجاء في «تاج العروس»: يقال: «اذكره اياه، وذكره تذكيرا» والاسم «الذكرى» بالكسر، تقول: «ذكرته تذكرة» و «الذكرى»:
اسم للتذكير، أي أقيم مقامه.
قال «الفراء» ت ٢٠٧ هـ:
«يكون الذكرى بمعنى الذكر، ويكون بمعنى التذكر» في قوله تعالى:
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٣). أهـ (٤).
«فيغفر، ويعذب» من قوله تعالى: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ (٥).
قرأ «ابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب» «فيغفر ويعذب» برفع الراء من «فيغفر» ورفع الباء من «يعذب» وذلك على الاستئناف، والتقدير: فهو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقرأ الباقون «فيغفر، ويعذب» بجزمهما، وذلك عطفا على قوله تعالى قبل: يُحاسِبْكُمْ الواقع جوابا بالشرط (٦).
«ولا يأمركم» من قوله تعالى: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً (٧).
стр. 798
قرأ «نافع، وابن كثير، والكسائي، وأبو جعفر» «ولا يأمركم» برفع الراء وذلك على الاستئناف، والفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم.
وقرأ «ابن عامر، وعاصم، وحمزة، ويعقوب، وخلف العاشر» «ولا يأمركم» بنصب الراء، وذلك على أنه معطوف على قوله تعالى قبل: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ والتقدير:
ليس للنبي أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولا أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا من دون الله (١).
وقرأ «السوسي» باسكان الراء وباختلاس ضمتها.
وقرأ «دوري أبي عمرو» باسكان الراء، وباختلاس ضمتها، وبالضمة الخالصة (٢).
قال «الراغب» في مادة «أمر»: «الأمر» الشأن وجمعه «أمور» ...
وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا (٣).
ويقال للابداع «أمر» قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ (٤).
«ويختص ذلك بالله تعالى دون الخلائق» أهـ (٥).
стр. 799
وقال «الزبيدي»: في مادة «أمر»: «الأمر»: معروف، وهو ضد النهي ... الى ان قال: «والأمر»: مصدر «أمر» أهـ (١).
«لا يضركم» من قوله تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً (٢).
قرأ «نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب» «لا يضركم» بكسر الضاد، وجزم الراء، على أنها جواب الشرط.
وقرأ الباقون «لا يضركم» بضم الضاد، ورفع الراء مشددة على أن الفعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم والجملة في محل جزم جواب الشرط (٣).
قال «الراغب» في مادة «ضير»: «الضير سوء الحال إما في نفسه لقلة العلم، والفضل، والعفة.
وإما في حالة ظاهرة من قلة مال، وجاه.
يقال: «ضيره ضيرا» أي جلب اليه ضيرا.
والاضرار: حمل الانسان على ضيره أهـ (٤).
وقال «الزبيدي»: في مادة «ضرر»: «الضر» بفتح الضاد، ويضم لغتان:
ضد النفع.
وقيل: «الضر» بالفتح: «مصدر» وبالضم «اسم».
وقيل: هما لغتان كالشهد، والشهد، فاذا جمعت بين الضرر والنفع، فتحت الضاد، واذا أفردت «الضر» ضممت اذا لم تستعمله مصدرا كقولك
стр. 800
«ضررت ضرا» هكذا تستعمله العرب، كذا في لحن العامة «للزيتون» (١).
والضرر: الضيق، يقال مكان ذو ضرر، أي ذو ضيق (٢).
«كله» من قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (٣).
قرأ «أبو عمرو، ويعقوب» «كله» برفع اللام، وذلك على أنها مبتدأ، ومتعلق «لله» خبر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل رفع خبر «ان».
وقرأ الباقون «كله» بالنصب، وذلك على أنها تأكيد لكلمة «الأمر» التي هي اسم «إنّ» ومتعلق «لله» خبر «ان» (٤).
اعلم ان لفظ «كل» موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (٥).
ولاستغراق أفراد المعرف، نحو قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٦).
ولاستغراق اجزاء المفرد المعرف نحو قولك: «كل زيد حسن» (٧).
واعلم ان «كل» ترد باعتبار ما قبلها على ثلاثة أوجه:
الأول: تكون نعتا لنكرة، أو معرفة، فتدل على كماله، وتجب اضافتها الى اسم ظاهر يماثله لفظا ومعنى، نحو قولك:
«أطعمنا شاة كل شاة».
стр. 801
ونحو قول «أشهب بن رميلة»:
والذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم القوم يا أم خالد
والثاني: أن تكون توكيد المعرفة، نحو قوله تعالى:
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (١) وقوله تعالى: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (٢).
والثالث: ألا تكون تابعة، بل تالية للعوامل، فتقع مضافة الى الظاهر، نحو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣) وتقع غير مضافة، نحو قوله تعالى: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ (٤) وترد باعتبار ما بعدها على وجهين:
الأول: تضاف الى ظاهر، وحكمها أن يعمل فيها جميع العوامل، نحو قولك: «أكرمت كل المجتهدين».
والثاني: أن تضاف الى ضمير ملفوظ به، وحكمها ألا يعمل فيها سوى الابتداء، نحو قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٥).
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (٦). على قراءة من رفع الكلام (٧).
واعلم أن لفظ «كل» حكمة الإفراد والتذكير.
وأن معناها بحسب ما تضاف اليه، فان كانت مضافة الى منكر وجب مراعاة معناها:
ولذلك جاء الضمير مفردا في نحو قوله تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٨) وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ (٩).
стр. 802
وجاء الضمير مفردا مؤنثا في نحو قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (١) وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ (٢).
«وجاء الضمير مجموعا ومذكرا في نحو قوله تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣) ومجموعا مؤنثا في نحو قول «قيس بن ذريح»:
وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب (٤)
«مهمة» قال علماء البيان: اذا وقعت «كل» في حيز النفي كان النفي موجها الى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومة ثبوت الفعل لبعض الأفراد، نحو قولك: «ما جاء كل القوم» «ولم آخذ كل العلم».
وان وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد نحو قوله ﵊ لما قال له «ذو اليدين» (٥).
أنسيت أم قصرت الصلاة-: «كل ذلك لم يكن» (٦).
«قاتلوا، قتلوا، يقتلون» من قوله تعالى: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ (٧).
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (٨).
قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» بتقديم «قتلوا» وتقديم «يقتلون» الفعل المبني للمجهول فيهما، وتوجيه ذلك ان الواو لا تفيد ترتيبا، أو على التوزيع لأن منهم من قتل ومنهم من قتل.
وقرأ الباقون بتقديم الفعل المسمي للفاعل فيهما، وذلك لأن الفاعل
стр. 803
يكون عادة قبل الفعل (١).
وقرأ «ابن كثير، وابن عامر» «وقتلوا» بتشديد التاء، لارادة التكثير.
وقرأ الباقون بتخفيف التاء، على الأصل (٢).
«لا يغرنك» ومن قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (٣).
«لا يحطمنكم» من قوله تعالى: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٤).
«ولا يستخفنك» من قوله تعالى: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٥).
«نذهبن» من قوله تعالى: فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٦).
«أو نرينك» من قوله تعالى: أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ (٧).
قرأ «رويس» «لا يغرنك، لا يحطمنكم، ولا يستخفنك، فأما نذهبن، أو نرينك» بتخفيف النون مع سكونها في الكلمات الخمس، على أنها نون التوكيد الخفيفة واذا وقف على «نذهبن» وقف بالألف، وذلك على اصل في الوقف في نون التوكيد الخفيفة.
وقرأ الباقون بتشديد النون في الكلمات الخمس، على أنها نون
стр. 804
التوكيد الثقيلة (١).
قال «الراغب» في مادة «غرر»: «الغرة- بكسر الغين-: غفلة في اليقظة، والغرار: غفلة مع غفوة» وأصل ذلك من «الغرة».
بضم الغين: وهو الأثر الظاهر من الشيء ومنه غرة الفرس ... الى أن قال: «غره كذا غرورا كأنما على غرة- بفتح الغين- قال تعالى:
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ أهـ (٢).
وقال في مادة «حطم»: «حطم: كسر الشيء مثل الهشم، ونحوه، ثم استعمل كل كسر معناه، قال الله تعالى:
لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ وحطمته فانحطم حطما! أهـ (٣).
وقال في مادة «خف»: «الخفيف بإزاء الثقيل، ويقال ذلك تارة باعتبار المضايقة بالوزن، وقياس شيئين احدهما بالآخر، نحو: درهم
ثقيل ... الى أن قال: يقال: خف يخف خفا وخفة، وخففته تخفيفا، وتخفف تخففا، واستخففته.
وقوله تعالى: وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ أي لا يزعجنك ويزيلنك عن اعتقادك بما يوقنون الشبه»! أهـ (٤).
وقال في مادة «ذهب»: «الذهاب: المضي، يقال: ذهب بالشيء، واذهبه، ويستعمل ذلك في الأعيان، والمعاني، قال تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (٥).
وقال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
стр. 805
تَطْهِيراً (١).
وقال «الزبيدي» في التاج مادة «ذهب»: «ذهب به: أزاله كاذهبه غيره، واذهبه به، قال «أبو اسحاق» وهو قليل ... الى ان قال:
«وقال بعض ائمة اللغة، والصرف»: ان عدي الذهاب الياء فمعناه الإذهاب، أو بعلى فمعناه النسيان، أو بعن فالترك، أو بالى فالترك، وقد أورد «أبو العباس ثعلب» ذهب، وأذهب في الفصيح وصحح التفرقة» أهـ (٢).
«والأرحام» من قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (٣)! قرأ «حمزة» «والأرحام» بخفض الميم، عطفا على الضمير المقرون في «به».
قال «مكي بن أبي طالب»: «وهو قبيح عند البصريين، قليل في الاستعمال، بعيد في القياس، لأن المضمر في «به» عوض عن التنوين، ولأن المضمر المخفوض لا ينفصل عن الحرف، ولا يقع بعد حرف العطف، ولأن المعطوف والمعطوف عليه شريكان يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، ويقبح في أحدهما ما يقبح في الآخر، فكما لا يجوز:
واتقوا الله الذي تساءلون بالأرحام، فكذلك لا يحسن: تساءلون به والأرحام، فإن أعدت الخافض حسن» أهـ (٤).
ولقد عجبت من كلام «مكي بن أبي طالب» وهو القارئ اللغوي أشد العجب، كيف لا يرد على البصريين كلامهم، اذا الواجب أن يكون ما جاء به «القرآن الكريم» هو الصواب، لا القواعد التي قعدها علماء البصرة.
كما يجب أن تكون القراءات القرآنية من المراجع الأصلية التي تبنى عليها القواعد النحوية.
стр. 806
وقرأ الباقون الباقون «والأرحام» بنصب الميم، عطفا على لفظ الجلالة، على معنى: واتقوا الأرحام ان تقطعوها.
ويجوز أن يكون معطوفا على محل الجار والمجرور، لأنه في موضع نصب، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، لأن معنى «مررت بزيد» جاوزت زيدا، فهو في موضع نصب فحمل «والأرحام» على المعنى فنصب (١).
وقضية العطف على الضمير المخفوض بدون اعادة الخافض، من
القضايا النحوية التي اختلف فيها نحاة الكوفة، والبصرة قديما: (٢) وهذه إشارة الى مذهب كل منهما ودليله:
أولا: ذهب الكوفيون الى أنه يجوز العطف على الضمير المخفوض بدون اعادة الخافض. واحتجوا لرأيهم بأنه قد جاء ذلك في القرآن الكريم، وكلام العرب.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (٣).
فقد قرأ «حمزة بن حبيب الزيات» ت ١٥٦ هـ أحد القراء السبعة بخفض ميم «والأرحام» عطفا على الضمير المجرور في «به» وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ (٤).
«فما» اسم موصول في موضع خفض عطفا على الضمير المجرور في فيهن.
стр. 807
ومن كلام العرب قول الشاعر (١).
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
ومحل الشاهد قوله: «فما بك والأيام» حيث عطف «والأيام» على الكاف من «بك» من غير إعادة حرف الجر، والتقدير: فما بك وبالأيام.
وقال الآخر:
أكر على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها
ومحل الشاهد قول الشاعر: «أم سواها» حيث عطف «سواها» على الضمير المجرور في «فيها» دون إعادة الخافض، والتقدير: أفي هذه الكتيبة كان هلاكه أم في كتيبة أخرى.
ثانيا: ذهب البصريون الى أنه لا يجوز العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض، واحتجوا لرأيهم بأن قالوا:
«انما قلنا: انه لا يجوز، وذلك لأن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد، فاذا عطفت على الضمير المجرور، والضمير اذا كان مجرورا اتصل بالجار، ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون الا متصلا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب، فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز ومنهم من تمسك بأن قال: انما قلنا ذلك لأن الضمير قد صار عوضا عن التنوين، فينبغي أن لا يجوز العطف عليه، كما لا يجوز العطف على التنوين.
والدليل على استوائهما أنهم يقولون: «يا غلام» فيحذفون الياء كما يحذفون التنوين وانما اشتبها لانهما على حرف واحد، وإنما يكملان الاسم، وأنهما لا يفصل بينهما وبينه بالظرف، وليس كذلك الاسم المظهر.
стр. 808
ومنهم من تمسك بأن قال: «أجمعنا على أنه لا يجوز عطف المضمر المجرور على المظهر المجرور»، فلا يجوز أن يقال: «مررت بزيدوك» فكذلك ينبغي أن لا يجوز عطف المظهر المجرور، على المضمر المجرور، فلا يقال: «مررت بك وزيد» لأن الأسماء مشتركة في العطف، فكما لا يجوز أن يكون معطوفا، فلا يجوز أن يكون معطوفا عليه» أهـ (١).
رأي وترجيح: ونحن اذا ما أمعنا النظر في أدلة كل من:
الكوفيين، والبصريين حكمنا بدون تردد بأن رأى «الكوفيين» هو الصواب، والذي لا يجب العدول عنه، وذلك لمجيء «القرآن» به.
وعلى «البصريين» أن يعدلوا قواعدهم بحيث تتمشى مع لغة «القرآن» الذي يعتبر في قمة المصادر التي يعتمد عليها عند التقنيين.
وقد رجح «ابن مالك» ت ٦٧٢ هـ رأى «الكوفيين» حيث قال:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلتا
وليس عندي لازما اذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا
«فواحدة» من قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (٢).
قرأ «أبو جعفر» «فواحدة» برفع التاء، على أنها خبر لمبتدإ محذوف، أي:
فالمقنع واحدة، أو فاعل لفعل محذوف، أي: فيكفي واحدة.
وقرأ الباقون «فواحدة» بنصب التاء على أنها مفعول لفعل محذوف، والتقدير: فانكحوا واحدة (٣).
стр. 809
«الله» من قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ (١).
قرأ «أبو جعفر» «الله» بفتح الهاء، و «ما» موصولة، أي بالذي حفظ حق الله، أو أوامر الله، أو دين الله، وتقدير المضاف هنا متعين، لأن
الذات المقدسة لا ينسب حفظها الى أحد، وفي الحديث «احفظ الله يحفظك» والتقدير: احفظ حدود الله، أو أوامر الله.
وقرأ الباقون «الله» بالرفع، و «ما» مصدرية، أي يحفظ الله إياهن (٢) وحينئذ يكون من اضافة المصدر الى فاعله.
«غير» من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ويعقوب» «غير» برفع الراء، على ان «غير أولي الضرر» صفة «القاعدون»، أو بدل من «القاعدون» بدل بعض من كل.
وقرأ الباقون «غير» بنصب الراء، على الاستثناء من «القاعدون» (٤).
تنبيه: فقال ابن مالك:
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما المستثنى بالا نصبا
المعنى: هناك الفاظ استعملت بمعنى «الا» في الدلالة على الاستثناء من هذه الألفاظ «غير» وحكم المستثنى بها الجر لاضافتها اليه، «أما غير» فانها تعرب بما كان يعرب به المستثنى مع «الا» فتقول: «قام القوم غير زيد»
стр. 810
بنصب «غير» كما نقول «قام القوم الا زيدا» بنصب «زيد» وهذا اذا كان الكلام تاما موجبا.
وتقول: «ما قام أحد غير زيد» برفع «غير» على الاتباع، ونصب «غير» على الاستثناء، كما تقول: «ما قام أحد الا زيد، والا زيدا» وهذا اذا كان الكلام تاما غير موجب، مثل ذلك الآية التي نحن بصدد توجيه القراءات التي فيها، فالكلام تام غير موجب، لهذا أجاز في «غير» الرفع، والنصب.
«حصرت» من قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (١).
قرأ «يعقوب» «حصرت» بنصب التاء منونة، والنصب على الحال، ومعنى «حصرت» ضيقة، اذا فيكون المعنى: أو جاءكم حالة كون صدورهم ضيقة من الجبن مبغضين قتالكم ولا يهون عليهم ايضا قتال قومهم معكم، اذا فهم لا لكم ولا عليكم.
قرأ الباقون «حصرت» بسكون التاء، على انها فعل ماض، والجملة في موضع نصب على الحال (٢).
«لا تعدوا» من قوله تعالى: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ (٣).
قرأ «ورش» «لا تعدوا» بفتح العين، وتشديد الدال، وذلك لأن أصلها «تعتدوا» مضارع «اعتدى يعتدي اعتداء» فنقلت حركة التاء الى العين، ثم أدغمت التاء في الدال، لوجود التجانس بينهما حيث انهما متفقان في المخرج، وفي كثير من الصفات، وبيان ذلك أن التاء والدال يخرجان من طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، كما أنهما متفقان في الصفات الآتية: الشدة، والاستفال، والانفتاح والاصمات.