وقرأ الباقون الباقون «والأرحام» بنصب الميم، عطفا على لفظ الجلالة، على معنى: واتقوا الأرحام ان تقطعوها.
ويجوز أن يكون معطوفا على محل الجار والمجرور، لأنه في موضع نصب، كما تقول: مررت بزيد وعمرا، لأن معنى «مررت بزيد» جاوزت زيدا، فهو في موضع نصب فحمل «والأرحام» على المعنى فنصب (١).
وقضية العطف على الضمير المخفوض بدون اعادة الخافض، من
القضايا النحوية التي اختلف فيها نحاة الكوفة، والبصرة قديما: (٢) وهذه إشارة الى مذهب كل منهما ودليله:
أولا: ذهب الكوفيون الى أنه يجوز العطف على الضمير المخفوض بدون اعادة الخافض. واحتجوا لرأيهم بأنه قد جاء ذلك في القرآن الكريم، وكلام العرب.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ (٣).
فقد قرأ «حمزة بن حبيب الزيات» ت ١٥٦ هـ أحد القراء السبعة بخفض ميم «والأرحام» عطفا على الضمير المجرور في «به» وقوله تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ (٤).
«فما» اسم موصول في موضع خفض عطفا على الضمير المجرور في فيهن.
стр. 807
ومن كلام العرب قول الشاعر (١).
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
ومحل الشاهد قوله: «فما بك والأيام» حيث عطف «والأيام» على الكاف من «بك» من غير إعادة حرف الجر، والتقدير: فما بك وبالأيام.
وقال الآخر:
أكر على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها
ومحل الشاهد قول الشاعر: «أم سواها» حيث عطف «سواها» على الضمير المجرور في «فيها» دون إعادة الخافض، والتقدير: أفي هذه الكتيبة كان هلاكه أم في كتيبة أخرى.
ثانيا: ذهب البصريون الى أنه لا يجوز العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض، واحتجوا لرأيهم بأن قالوا:
«انما قلنا: انه لا يجوز، وذلك لأن الجار مع المجرور بمنزلة شيء واحد، فاذا عطفت على الضمير المجرور، والضمير اذا كان مجرورا اتصل بالجار، ولم ينفصل منه، ولهذا لا يكون الا متصلا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب، فكأنك قد عطفت الاسم على الحرف الجار، وعطف الاسم على الحرف لا يجوز ومنهم من تمسك بأن قال: انما قلنا ذلك لأن الضمير قد صار عوضا عن التنوين، فينبغي أن لا يجوز العطف عليه، كما لا يجوز العطف على التنوين.
والدليل على استوائهما أنهم يقولون: «يا غلام» فيحذفون الياء كما يحذفون التنوين وانما اشتبها لانهما على حرف واحد، وإنما يكملان الاسم، وأنهما لا يفصل بينهما وبينه بالظرف، وليس كذلك الاسم المظهر.
стр. 808
ومنهم من تمسك بأن قال: «أجمعنا على أنه لا يجوز عطف المضمر المجرور على المظهر المجرور»، فلا يجوز أن يقال: «مررت بزيدوك» فكذلك ينبغي أن لا يجوز عطف المظهر المجرور، على المضمر المجرور، فلا يقال: «مررت بك وزيد» لأن الأسماء مشتركة في العطف، فكما لا يجوز أن يكون معطوفا، فلا يجوز أن يكون معطوفا عليه» أهـ (١).
رأي وترجيح: ونحن اذا ما أمعنا النظر في أدلة كل من:
الكوفيين، والبصريين حكمنا بدون تردد بأن رأى «الكوفيين» هو الصواب، والذي لا يجب العدول عنه، وذلك لمجيء «القرآن» به.
وعلى «البصريين» أن يعدلوا قواعدهم بحيث تتمشى مع لغة «القرآن» الذي يعتبر في قمة المصادر التي يعتمد عليها عند التقنيين.
وقد رجح «ابن مالك» ت ٦٧٢ هـ رأى «الكوفيين» حيث قال:
وعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازما قد جعلتا
وليس عندي لازما اذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتا
«فواحدة» من قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ (٢).
قرأ «أبو جعفر» «فواحدة» برفع التاء، على أنها خبر لمبتدإ محذوف، أي:
فالمقنع واحدة، أو فاعل لفعل محذوف، أي: فيكفي واحدة.
وقرأ الباقون «فواحدة» بنصب التاء على أنها مفعول لفعل محذوف، والتقدير: فانكحوا واحدة (٣).
стр. 809
«الله» من قوله تعالى: فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ (١).
قرأ «أبو جعفر» «الله» بفتح الهاء، و «ما» موصولة، أي بالذي حفظ حق الله، أو أوامر الله، أو دين الله، وتقدير المضاف هنا متعين، لأن
الذات المقدسة لا ينسب حفظها الى أحد، وفي الحديث «احفظ الله يحفظك» والتقدير: احفظ حدود الله، أو أوامر الله.
وقرأ الباقون «الله» بالرفع، و «ما» مصدرية، أي يحفظ الله إياهن (٢) وحينئذ يكون من اضافة المصدر الى فاعله.
«غير» من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ويعقوب» «غير» برفع الراء، على ان «غير أولي الضرر» صفة «القاعدون»، أو بدل من «القاعدون» بدل بعض من كل.
وقرأ الباقون «غير» بنصب الراء، على الاستثناء من «القاعدون» (٤).
تنبيه: فقال ابن مالك:
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما المستثنى بالا نصبا
المعنى: هناك الفاظ استعملت بمعنى «الا» في الدلالة على الاستثناء من هذه الألفاظ «غير» وحكم المستثنى بها الجر لاضافتها اليه، «أما غير» فانها تعرب بما كان يعرب به المستثنى مع «الا» فتقول: «قام القوم غير زيد»
стр. 810
بنصب «غير» كما نقول «قام القوم الا زيدا» بنصب «زيد» وهذا اذا كان الكلام تاما موجبا.
وتقول: «ما قام أحد غير زيد» برفع «غير» على الاتباع، ونصب «غير» على الاستثناء، كما تقول: «ما قام أحد الا زيد، والا زيدا» وهذا اذا كان الكلام تاما غير موجب، مثل ذلك الآية التي نحن بصدد توجيه القراءات التي فيها، فالكلام تام غير موجب، لهذا أجاز في «غير» الرفع، والنصب.
«حصرت» من قوله تعالى: أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ (١).
قرأ «يعقوب» «حصرت» بنصب التاء منونة، والنصب على الحال، ومعنى «حصرت» ضيقة، اذا فيكون المعنى: أو جاءكم حالة كون صدورهم ضيقة من الجبن مبغضين قتالكم ولا يهون عليهم ايضا قتال قومهم معكم، اذا فهم لا لكم ولا عليكم.
قرأ الباقون «حصرت» بسكون التاء، على انها فعل ماض، والجملة في موضع نصب على الحال (٢).
«لا تعدوا» من قوله تعالى: وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ (٣).
قرأ «ورش» «لا تعدوا» بفتح العين، وتشديد الدال، وذلك لأن أصلها «تعتدوا» مضارع «اعتدى يعتدي اعتداء» فنقلت حركة التاء الى العين، ثم أدغمت التاء في الدال، لوجود التجانس بينهما حيث انهما متفقان في المخرج، وفي كثير من الصفات، وبيان ذلك أن التاء والدال يخرجان من طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، كما أنهما متفقان في الصفات الآتية: الشدة، والاستفال، والانفتاح والاصمات.
стр. 811
والاعتداء: مجاوزة الحق، ومنه قوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا (١).
وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها (٢).
وقرأ «أبو جعفر، وقالون» في أحد وجهيه «تعدوا» باسكان العين، وتشديد الدال، وذلك لأن أصلها «تعتدوا» فأدغمت التاء في الدال، لوجود التجانس بينهما.
والوجه الثاني «لقالون» هو اختلاس فتحة العين مع تشديد الدال.
وقرأ الباقون «تعدوا» باسكان العين، وضم الدال مخففة، على أنه مضارع «عدا يعدو عدوا وعدوانا» (٣).
ومنه قوله تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ (٤).
قال «الراغب الاصفهاني» في مادة «عدا»:
«العدو: التجاوز، ومنافاة الالتئام، فتارة يعتبر بالقلب فيقال له العداوة، والمعاداة، وتارة بالمشي فيقال له: العدو، وتارة في الاخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان، والعدو، قال تعالى: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام ١٠٨] (٥).
«وأرجلكم» من قوله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٦).
فقرأ «نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي، ويعقوب» «وأرجلكم» بنصب اللام، وذلك عطفا على الأيدي، والوجوه، وعليه يكون المعنى:
стр. 812
فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم الى المرافق، وأرجلكم الى الكعبين، وامسحوا برءوسكم، وحينئذ يكون هناك تقديم وتأخير في الآية، وذلك جائز في اللغة العربية، لأن الواو لمطلق الجمع فلا تقتضي الترتيب.
وقد جاء ذلك في قوله تعالى: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (١).
والمعنى: واركعي، واسجدي، لأن الركوع قبل السجود.
والسنة المطهرة جاءت بغسل الرجلين، يؤيد ذلك الحديث التالي:
فعن «عبد الله الصنابحي» ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «اذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر (٢) خرجت الخطايا من أنفه، فاذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه (٣) فاذا غسل يديه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج تخرج من أظفار يديه، فاذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فاذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه الى المسجد وصلاته نافلة» (٤).
وقرأ باقي القراء «وأرجلكم» بخفض السلام، وذلك عطفا على «برءوسكم» لفظا ومعنى، ثم نسخ المسح بوجوب الغسل وفقا لما جاءت به السنة المطهرة: العملية، والقولية، كما أجمع المسلمون على غسل الرجلين.
أو بحمل المسح على بعض الأحوال وهو للسن الخف (٥).
قرأ «الكسائي» والعين، والأنف، والأذن، والسن، والجروح» هذه الأسماء الخمسة بالرفع، وذلك على الاستئناف، والواو لعطف جملة اسمية على اخرى، على تقدير أن «أن» وما في حيزها من قوله تعالى:
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ في محل رفع باعتبار المعنى، كأنه تعالى قال:
وكتبنا على بني اسرائيل في التوراة: النفس تقتل بالنفس، والعين تفقا بالعين، والأنف يجدع بالأنف، والأذن تقطع بالأذن، والسن تقلع بالسن، والجروح قصاص، أي يقتص فيها اذا امكن كاليد، والرجل، ونحو ذلك.
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر» بنصب الأربعة الأول، عطفا على اسم «أن» ورفع «والجروح» قطعا لها عما قبلها على أنها مبتدأ و «قصاص» خبر.
وقرأ الباقون بنصب الكلمات الخمس، عطفا على اسم «أن» لفظا، والجار والمجرور بعد خبر، و «قصاص» خبر أيضا، وهو من عطف الجمل على الجمل.
والتقدير: وكتبنا على بني اسرائيل في التوراة ان النفس تقتل بالنفس، وأن العين تفقأ بالعين، وأن الأنف يجدع بالأنف، وأن الأذن تقطع بالأذن، وأن السن تقطع بالسن، وأن الجروح قصاص (١).
«والكفار» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ (٢).
قرأ «أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب» «والكفار» بخفض الراء، وذلك عطفا على «الذين» المجرور بمن، وهو قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.
وقرأ الباقون «والكفار» بنصب الراء، وذلك عطفا على «الذين» الأول الواقع مفعول، وهو قوله تعالى: لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ الخ (٣).
«وعبد الطاغوت» من قوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ (٤).
قرأ «حمزة» «وعبد» بضم الباء، وفتح الدال، و «الطاغوت» بجر التاء، «عبد» مثل «كرم» فهو بتاء للمبالغة والكثرة، والمراد به واحد، وليس بجمع «عبد» و «الطاغوت» مجرور بالاضافة، والمعنى: وجعلنا منهم عبد الطاغوت، والمراد بالطاغوت: الشيطان.
وقرأ الباقون «وعبد» بفتح الباء، والدال، على أنه فعل ماض و «الطاغوت» بنصب التاء، مفعول به للعبد، والمعنى: وجعل منهم من عبد الطاغوت (٥).
стр. 815
«فجزاء مثل» من قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ (١).
قرأ «عاصم، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف العاشر» بتنوين همزة «جزاء» ورفع لام «مثل» على أن «مثل» صفة «الجزاء» و «جزاء» مبتدأ والخبر محذوف، والتقدير: فعلى القاتل جزاء مماثل للمقتول من الصيد في القيمة، أو في الخلقة.
أو على أن «جزاء» خبر لمبتدإ محذوف، اي فالواجب جزاء، أو فاعل لفعل محذوف، أي فلزمه جزاء.
وبعدت الاضافة في المعنى، لأنه في الحقيقة ليس على قاتل الصيد جزاء ما قتل، بل عليه جزاء المقتول بعينه، لا جزاء مثله، لأن مثل المقتول من الصيد لم يقتله.
وقرأ الباقون بحذف «جزاء» وخفض لام «مثل» وذلك على اضافة «جزاء» الى «مثل» وذلك لأن العرب تستعمل في إرادة الشيء مثله
يقولون: «اني اكرم مثلك» أي أكرمك، وقد قال الله تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا (٢) أي بما آمنتم به لا بمثله، لأنهم اذا آمنوا بمثله لم يؤمنوا، فالمراد بالمثل الشيء بعينه.
وحينئذ يكون المعنى على الاضافة: فجزاء المقتول من الصيد يحكم به ذوا عدل منكم (٣).
«كفارة طعام» من قوله تعالى: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ (٤) كفارة «نافع، وابن عامر وابو جعفر» «قرأ» بغير تنوين،
стр. 816
و «طعام» بالخفض على الاضافة، وذلك على أن «كفارة» خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: أو عليه كفارة طعام مساكين.
وقرأ الباقون «كفارة» بالتنوين، و «طعام» بالرفع، وذلك على أن «كفارة» خبر لمبتدإ محذوف، و «طعام» عطف بيان على «كفارة» لأن الكفارة هي الطعام، والتقدير:
أو عليه كفارة هي طعام مساكين (١).
تنبيه: اتفق القراء العشرة على قراءة «مساكين» هذا بالجمع، لأن قتل الصيد لا يجزئ فيه إطعام مسكين واحد، بل جماعة مساكين.
«يستطيع ربك» من قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ (٢).
قرأ «الكسائي» «تستطيع» بتاء الخطاب مع إدغام لام «هل» في تاء «تستطيع» والمخاطب سيدنا «عيسى» ﵇، «ربك» بالنصب على التعظيم، والمعنى: هل تستطيع سؤال ربك، وهو استفهام فيه معنى الطلب، أي: اسأل لنا ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.
وقرأ الباقون «يستطيع» والمعنى: هل يطيعك ربك ويجيبك على مسألتك، واستطاع حينئذ تكون بمعنى أطاع.
ويجوز أن يكونوا سألوه سؤال مختبر هل ينزل أو لا، وذلك لأن الحواريين مؤمنون ولا يشكون في قدرة الله تعالى (٣).
стр. 817
جاء في «المفردات»: «الاستطاعة» من الطوع، وذلك وجود ما يصير به الفعل متأتيا.
وهي عند المحققين اسم للمعاني التي بها يتمكن الانسان مما يريده، من إحداث الفعل أهـ (١).
وجاء في «التاج»: «الاستطاعة»: القدرة على الشيء.
وقيل: هي «استفعال» من «الطاعة».
وفي البصائر للمصنف: الاستطاعة، اصله «الاستطواع» فلما اسقطت الواو جعلت «الهاء» بدلا عنها أهـ (٢).
«يوم» من قوله تعالى: قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ (٣).
قرأ «نافع» «يوم» بالنصب على الظرفية، وهذا مبتدأ، والخبر متعلق الظرف، والتقدير: هذا القول واقع يوم ينفع الصادقين صدقهم.
وقرأ الباقون «يوم» بالرفع، على أنه خبر، و «هذا» مبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول (٤).
«ربنا» من قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٥).
стр. 818
قرأ «حمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «ربنا» بنصب الباء، وذلك على النداء، أو على المدح، وفصل به بين القسم وجوابه، وذلك حسن، لأن فيه معنى الخضوع والتضرع حين لا ينفع ذلك.
وقرأ الباقون «ربنا» بجر الباء، على أنها بدل من لفظ الجلالة «الله» أو نعت، أو عطف بيان (١).
«الرب» في الأصل: «التربية» وهو إنشاء الشيء حالا فحالا الى حد التمام.
يقال «ربه ورباه، ورببه» وقيل: «لأن يربيني رجل من قريش أحب إلي من أن يربيني رجل من «هوازن».
والرب: مصدر مستعار للفاعل.
ولا يقال «الرب» مطلقا الا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات (٢).
والرب: جمعه «أربة» بكسر الراء، وتشديد الباء، وأرباب، «وربوب» بضم الراء، والباء.
قال الشاعر:
كانت أربتهم حفر وغرهم ... عقد الجوار وكانوا معشرا غدرا (٣)
وقال آخر:
وكنت أمرا افضت اليك ربابتي (٤) ... وقبلك ربني فضعت ربوب (٥)
стр. 819
واختص «الرابّ» بتشديد الباء، «والرابّة» بتشديد الباء أيضا بأحد الزوجين اذا تولى تربية الولد من زوج كان قبله.
والربيب، والربيبة بذلك الولد (١).
وجاء في «تاج العروس»: «الرب»: هو الله ، وهو رب لكل شيء، أي مالكه وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك.
قال «أبو منصور الأزهري» ت ٣٧٠ هـ:
الرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والمتمم» أهـ (٢).
«ولا نكذب- ونكون» من قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣).
قرأ «حفص، وحمزة، ويعقوب» بنصب الباء في «ولا نكذب» ونصب النون في «ونكون» على أن «ولا نكذب» منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية في جواب التمني، «ونكون» معطوف عليه.
وقرأ «ابن عامر» برفع الباء في «ولا نكذب» وذلك عطفا على «نرد» ونصب النون في «ونكون» بأن مضمرة بعد واو المعية.
وقرأ الباقون برفع الفعلين، وذلك عطفا على «نرد» والتقدير: يا ليتنا نرد الى الدنيا مرة ثانية ونوفق للتصديق والايمان (٤).
стр. 820
«وللدار الآخرة» من قوله تعالى: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (١).
قرأ «ابن عامر» «ولدار» بلام واحدة، كما هي مرسومة في المصحف الشامي (٢) وهي لام الابتداء، وقرأ كذلك بتخفيف الدال، وخفض تاء «الآخرة» على الاضافة مع حذف الموصوف، والتقدير: ولدار الحياة الآخرة الخير للذين يتقون.
وقرأ الباقون «وللدار» بلامين: لام الابتداء، ولام التعريف، مع تشديد الدال بسبب ادغام لام التعريف في الدال، لوجود التقارب بينهما في المخرج، اذ اللام تخرج من ادنى حافتي اللسان بعد مخرج الضاد الى منتهى طرفه مع ما يليها من أصول الثنايا العليا والدال تخرج من طرف اللسان مع ما فوقه من الحنك الأعلى كما أنهما متفقتان في الصفات التالية الجهر، والاستفال، والانفتاح (٣).
كما قرءوا برفع تاء «الآخرة» على انها صفة «للدار» و «خير» خبرها وهذه القراءة موافقة لرسم باقي المصاحف (٤).
«ولتستبين سبيل» من قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥).
قرأ «نافع، وأبو جعفر» «ولتستبين» بتاء الخطاب، ونصب لام «سبيل» على أن «تستبين» فعل مضارع من «استبنت الشيء» المعدي، و «سبيل» مفعول به والمعنى:
ولتستوضح يا «محمد» سبيل أي طريق المجرمين.
стр. 821
وقرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص، ويعقوب» «ولتستبين» بتاء التأنيث، ورفع لام «سبيل» على أن «تستبين» فعل مضارع من «استبان» اللازم نحو «استبان الصبح» بمعنى: ظهر، وبناء عليه يكون «تستبين» فعل مضارع و «سبيل» فاعل، وجاز تأنيث الفعل
لأن الفاعل مؤنث مجازيا، وعليه قول الله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ (١).
وقرأ «شعبة، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «وليستبين» بياء التذكير، ورفع لام «سبيل» وتوجيهها كتوجيه قراءة «ابن كثير» ومن معه، لكن على تذكير الفعل، وعليه قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا (٢).
«درجات» من قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٣).
ومن قوله تعالى: نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٤).
قرأ «عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف العاشر» «درجات» في السورتين بتنوين التاء، وذلك على أن الفعل مسلط على «من» المرفوع في الحقيقة هو صاحب الدرجات، لا الدرجات، كقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ (٥).
وبناء عليه يكون «درجات» منصوبا على الظرفية، و «من» مفعول «نرفع» والتقدير: نرفع من نشاء مراتب ومنازل.
وقرأ «يعقوب» بتنوين التاء في موضع الانعام فقط.
وقرأ الباقون «درجات» بغير تنوين، وذلك على أن الفعل مسلط على
стр. 822
«درجات» فتكون مفعول «نرفع» ودرجات مضافا و «من» مضافا اليه، لأن الدرجات اذا رفعت فصاحبها مرفوع اليها، كما في قوله تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ [غافر ١٥] فأضاف الرفع الى «درجات».
فالقراءتان متقاربتان في المعنى، لأن من رفعت درجاته فقد رفع، ومن رفع فقد رفعت درجاته.
وقرأ «يعقوب» بغير تنوين في موضع يوسف فقط (١).
«الدرجة» نحو المنزلة درجة اذا اعتبرت بالصعود، دون الامتداد على البسيط كدرجة السلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة.
قال تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (١) تنبيها لرفعه منزلة الرجال على النساء في العقل، والسياسة ونحو ذلك (٢).
وجاء في «التاج»: «ومن المجاز» يقال: «درج الرجل» كسمع: اذا صعد في المراتب، لأن «الدرجة» بمعنى المنزلة، والمرتبة (٣).
«ولتنذر» من قوله تعالى: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (٤).
قرأ «شعبة» «ولينذر» بياء الغيبة، على أن الفعل مسند الى ضمير
«الكتاب» والمراد به «القرآن الكريم» كما قال تعالى في سورة إبراهيم ﵇: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ (٥).
وكما قال تعالى في سورة الأنبياء: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ (٦).
وقرأ الباقون «ولتنذر» بتاء الخطاب، والمخاطب الرسول «محمد»
стр. 823
صلى الله عليه وآله وسلم فهو فاعل الانذار، كما قال تعالى في سورة النازعات: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [الآية ٤٥] (١).
«والانذار»: أخبار فيه تخويف، قال تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (٢).
«بينكم» من قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وشعبة، وحمزة، ويعقوب وخلف العاشر» «بينكم» برفع النون، على أن «بين» اسم غير ظرف معناه «الوصل» فأسند الفعل اليه، والمعنى: لقد تقطع وصلكم، واذا تقطع وصلهم افترقوا، وهو المعنى المراد من الآية.
وانما استعملت بمعنى «الوصل» لأنها تستعمل كثيرا مع السببين المتلابسين بمعنى الوصل، تقول: بيني وبينه رحم وصداقة، أي بيني وبينه صلة، فلما استعملت بمعنى الوصل جاز استعمالها في الآية كذلك.
ويجوز أن نكون «بين» ظرف، وجاء اسناد الفعل اليه لأنه يتوسع في الظروف ما لا يتوسع في غيرها، فأسند الفعل اليه مجازا كما أضيف اليه في قوله تعالى: شَهادَةُ بَيْنِكُمْ (٤).
وقرأ الباقون «بينكم» بنصب النون، على أنها ظرف «لتقطع» والفاعل ضمير والمراد به «الوصل» لتقدم ما يدل عليه وهو لفظ «شركاء» والتقدير: لقد تقطع وصلكم بينكم، ودل على حذف «الوصل» قوله تعالى: وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ فدل هذا على التقاطع، والتهاجر بينهم وبين شركائهم اذ تبرءوا منهم ولم يكونوا معهم، وتقاطعهم لهم هو ترك وصلهم
стр. 824
لهم، فحسن اضمار «الوصل» بعد «تقطع» لدلالة الكلام عليه (١).
جاء في «المفردات»: «بين» موضوع للخلالة (٢) بين الشيئين ووسطهما، قال تعالى: وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣).
«وبين» يستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا:
فمن قرأ «بينكم» برفع النون جعله اسما.
ومن قرأ «بينكم» بنصب النون جعله ظرفا غير متمكن.
فمن الظرف قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٤).
ولا يستعمل «بين» الا فيما كان له مسافة، نحو: «بين البلدين».
أوله عدد ما: اثنان فصاعدا، نحو: «بين الرجلين وبين القوم».
ولا يضاف الى ما يقتضي معنى الوحدة الا اذا كرر، نحو قوله تعالى:
فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً (٥).
«وبين» يزاد فيه «ما» أو «الالف» فيجعل بمنزلة «حين» نحو:
«بينما زيد يفعل كذا» «وبينا يفعل كذا» أهـ (٦).
стр. 825
جاء في «التاج»: قال «ابن سيده» ت ٤٥٨ هـ (١).
«ويكون» «البين» اسما وظرفا متمكنا، وفي التنزيل العزيز، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام ٩٤].
قرئ «بينكم» بالرفع، والنصب.
فالرفع على الفعل، أي تقطع وصلكم.
والنصب على الحذف، يريد ما بينكم (٢).
وقال «ابن الأعرابي» ت ٢٣١ هـ: (٣).
«قراءة النصب معناها: لقد تقطع الذي كان بينكم» أهـ.
وقال «الزجاج»: إبراهيم بن السري ت ٣١١ هـ:
«قراءة النصب معناها: لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم» أهـ (٤). وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ (٥).
قرأ «ابن عامر» «زين» بضم الزاي، وكسر الياء بالبناء للمفعول،
стр. 826
قرأ «قنبل» برفع اللام نائب فاعل «زين» و «أولادهم» بالنصب، مفعول بالمصدر وهو «قتل» و «شركائهم» بالخفض، وذلك على اضافة قتل اليه، وهي من اضافة المصدر الى فاعله.
وقرأ الباقون «زين» بفتح الزاي والياء مبينا للفاعل، و «قتل» بنصب اللام مفعول به، و «أولادهم» بالخفض على الاضافة الى المصدر، و «شركاؤهم» بالرفع فاعل «زين».
والمعنى: زين لكثير من المشركين شركاؤهم قتل أولادهم تقربا لآلهتهم، أو بالوأد خوف العار، أو الفقر (١).
تنبيه: طعن بعض القاصرين من قراءة «ابن عامر» بحجة أنه لا يجوز الفصل بين المتضايفين الا بالظرف وفي الشعر خاصة، لأنهما كالكلمة الواحدة.
واقول لهؤلاء الجاحدين هذا الكلام يعتبر لا قيمة له، واعتراض لا وجه له لأنه ورد من لسان العرب ما يشهد لصحة قراءة «ابن عامر» نثرا ونظما، فقد نقل بعض الأئمة الفصل بالجملة فضلا عن المفرد في قولهم: «غلام ان شاء الله اخيك» وقال ﵊، وهو أفصح العرب على الاطلاق: «فهل أنتم تاركو إلي صاحبي» ففصل بالجار والمجرور.
ومن الشعر قول «الأخفش»: سعيد بن مسعدة: «فزججتها بمزجة زجّ القلوص أبي مزادة» أي زجّ أبي مزادة القلوص، فالقلوص مفعول به للمصدر، وفصل به بين المضافين وهو غير ظرف.
اذا فقراءة «ابن عامر» صحيحة وثابتة بطريق التواتر حتى وصلت الينا وقد تلقيتها والحمد لله عن مشايخي بطريق صحيح.
стр. 827
وهي أيضا موافقة لرسم المصحف الشامي، ولقواعد اللغة العربية نثرا ونظما- والله اعلم- «عشر أمثالها» من قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (١).
قرأ «يعقوب» «عشر» بالتنوين، «وأمثالها» بالرفع، وذلك على أن «عشر» مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور قبله، و «أمثالها» صفة لعشر.
وقرأ الباقون «عشر» بدون تنوين، و «أمثالها» بخفض اللام، وذلك على أن «عشر» مبتدأ مؤخر، خبره الجار والمجرور قبله، وعشر مضاف وأمثال مضاف اليه، وأمثال مضاف والهاء مضاف اليه (٢).
«ولباس» من قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (٣).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، ويعقوب، وخلف العاشر».
«ولباس» برفع السين، على أن «ولباس» مبتدأ.
«والتقوى» مضاف اليه، كما أضيف الى الجوع في قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (٤).
«وذلك» مبتدأ ثان، «وخير» خبر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر «ولباس» والرابط اسم الاشارة.
والمعنى: ولباس التقوى ذلك خير لصاحبه عند الله تعالى: مما خلق له
стр. 828
من لباس الثياب، والرياش، ما يتجمل به في الدنيا.
وقرأ الباقون «ولباس» بنصب السين، عطفا على «لباس» في قوله تعالى: أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً.
والمعنى: أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا وأنزلنا لباس التقوى (١).
تنبيه: اعلم أن خبر المبتدأ يأتي مفردا، ويأتي جملة: فإن كان مفردا فإما أن يكون جامدا، أو مشتقا.
فان كان جامدا فإنه يكون مجردا من الضمير نحو: «زيد اخوك» وذهب «الكسائي» ت ١٨٠ هـ. والرماني، علي بن عيسى ت ٣٨٤ هـ وجماعة من النحاة الى أنه يتحمل الضمير، والتقدير عندهم: «زيد أخوك هو».
أما البصريون فقالوا: اما أن يكون الجامد متضمنا معنى المشتق أو لا:
فان تضمن معنى المشتق نحو: «زيد أسد» - أي شجاع- تحمل الضمير.
وان لم يتضمن معنى المشتق لم يتحمل الضمير.
وهذا الحكم انما هو للمشتق الجاري مجرى الفعل: كاسم الفاعل.
واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل فأما ما ليس جاريا مجرى الفعل من المشتقات فلا يتحمل ضميرا، وذلك كأسماء «الآلة» نحو «مفتاح» فانه مشتق من «الفتح» ولا يتحمل ضميرا، فإن قلت:
«هذا مفتاح» لم يكن فيه ضمير.
وانما يتحمل المشتق الجاري مجرى الفعل الضمير اذا لم يرفع ظاهرا،
стр. 829
فان رفعه لم يتحمل ضميرا، وذلك نحو: «زيد قائم غلاماه» فغلاماه:
مرفوع بقائم فلا يتحمل الضمير (١).
قال ابن مالك:
والمفرد الجامد فارغ وان ... يشتق فهو ذو ضمير مستكن
واذا كان خبر المبتدأ جملة فإما ان تكون هي المبتدأ في المعنى أو لا: فان كانت هي المبتدأ في المعنى لم تحتج الى رابط يربطها
بالمبتدإ، كقولك: «نطقي الله حسبي» «فنطقي» مبتدأ أول، «والله» مبتدأ ثان، «وحسبي» خبر المبتدأ الثاني.
والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، واستغني عن الرابط، لأن قولك: «الله حسبي» هو معنى «نطقي».
وان لم تكن هي المبتدأ في المعنى فلا بد من رابط يربطها بالمبتدإ:
والرابط واحد من أربعة:
الأول: ضمير يرجع الى المبتدأ، نحو: «زيد قائم أبوه».
والثاني: إشارة الى المبتدأ، كقوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ على قراءة من رفع سين «ولباس».
والثالث: تكرار المبتدأ بلفظه، كقوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ.
والرابع: عموم يدخل تحته المبتدأ، نحو: «زيد نعم الرجل» (٢).
قال ابن مالك:
ومفردا يتى ويأتي جملة ... حاوية معنى الذي سيقت له
وان يكن اياه اكتفى ... بها كنطقي الله حسبي وكفى
يقال: «لبست الثوب» بكسر الباء: أي استترت به من باب «تعب» «لبسا» بضم اللام.
«واللبس» بكسر اللام، «واللباس»: ما يلبس.
стр. 830
وجمع «اللباس» «لبس» بضم اللام، والباء، مثل «كتاب وكتب».
ويعدّى بالهمزة الى مفعول ثان، فيقال: «ألبسته الثوب» (١).
وجعل اللباس لكل ما يغطي من الانسان عن قبيح، فجعل الزوج لزوجه لباسا من حيث أنه يمنعها، ويصدها عن تعاطي القبيح، قال تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ (٢).
وجعل التقوى لباسا على طريق التمثيل والتشبيه، قال تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (٣).
«خالصة» من قوله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ (٤).
قرأ «نافع» «خالصة» برفع التاء، على أنها خبر «هي» «وللذين آمنوا» متعلق «بخالصة».
ويجوز أن يكون «خالصة» خبرا ثانيا «لهي» «وللذين آمنوا» الخ الخبر الأول.
والمعنى: قل هي للذين آمنوا في الحياة مشتركة، وهي لهم في الآخرة خالصة.
وقرأ الباقون «خالصة» بالنصب على الحال من المضمر في «للذين» والعامل في الحال «الاستقرار، والثبات» الذي قام «للذين آمنوا» مقامه.
فالظروف، وحروف الجر والمجرور، تعمل في الأحوال اذا كانت أخبارا عن المبتدأ، لأن فيها ضميرا يعود على المبتدأ، ولأنها قامت مقام محذوف جار على الفعل، هو العامل في الحقيقة وهو الذي فيه الضمير فعلى الحقيقة.
قال ابن مالك:
وأخبروا بظرف أو بحرف جر ... ناوين معنى كائن او استقر
стр. 831
والمعنى على هذه القراءة: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشتركة. حال كونها خالصة لهم يوم القيامة (١).
يقال: «خلص» الشيء من التلف- بفتح الخاء، واللام- «خلوصا» من باب «قعد قعودا».
«وخالصة، وخلاصا، ومخلصا»: سلم، ونجا.
«والصافي» قد يقال لما لا شوب فيه (٢).
والخالص كالصافي. الا أن «الخالص» هو ما زال عنه شوبه بعد ان كان فيه.
وخلص الماء من الكدر: «صفا» (٣).
«والشمس والقمر والنجوم مسخرات» من قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ (٤).
قرأ «ابن عامر» برفع الأسماء الأربعة: «والشمس والقمر والنجوم مسخرات» على ان «والشمس» مبتدأ، «والقمر، والنجوم» معطوفان عليه، «ومسخرات» خبر المبتدأ.
وقرأ الباقون بنصب الأسماء الأربعة، على أن «الشمس والقمر، والنجوم» معطوفة على «السموات» الواقعة مفعولا الى «خلق»
стр. 832
«ومسخرات» حال من هذه المفاعيل منصوبة بالكسرة (١).
«نكدا» من قوله تعالى: وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً (٢).
قرأ «ابو جعفر» «نكدا» بفتح الكاف، على أنه مصدر بمعنى ذا نكد.
وقرأ الباقون «نكدا» بكسر الكاف، على الحال (٣).
«والنكد»: كل شيء خرج الى طلبه بتعسير (٤).
ويقال: «نكد» عيشه «كفرح»: اشتد، وعسر (٥).
ويقال أيضا: «نكد» «نكدا» من باب «تعب» فهو «نكد» «تعسر» و «نكد» العيش «نكدا»: اشتد (٥).
«من إله غيره» من قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٦).
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٧).
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٨).
стр. 833
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (١).
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٢).
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٣).
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٤).
ومن قوله تعالى: فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٥).
ومن قوله تعالى: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ (٦).
قرأ «الكسائي، وأبو جعفر» «غيره» في المواضع المتقدمة بخفض الراء، وكسر الهاء بعدها، وذلك على النعت، أو البدل من «اله» لفظا.
وقرأ الباقون «غيره» برفع الراء، وضم الهاء، وذلك على النعت، أو البدل من «اله» محلا، لأن «من» زائدة، «واله» مبتدأ (٧).
قال «ابن هشام» ت ٧٦١ هـ.
«غير»: اسم ملازم للاضافة في المعنى، ويجوز أن يقطع عنها لفظا ان فهم المعنى، وتقدمت عليها كلمة «ليس».
وقولهم: «لا غير» لحن، ويقال: «قبضت عشرة ليس غيرها»
стр. 834
برفع «غير» على حذف الخبر، أي «مقبوضا».
وبنصبها على اضمار «الاسم» أي ليس المقبوض غيرها (١).
ثم قال: «ولا تتعرف» «غير» بالاضافة لشدة ابهامها.
وتستعمل «غير» المضافة لفظا على وجهين:
أحدهما: وهو الأصل: أن تكون صفة للنكرة، نحو قوله تعالى:
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ (٢).
أو صفة لمعرفة قريبة من النكرة، نحو قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (٣).
والثاني: أن تكون استثناء فتعرب باعراب الاسم التالي «الا» في ذلك الكلام، فتقول: «جاء القوم غير زيد» بالنصب، و «ما جاءني أحد غير زيد» بالنصب والرفع.
قال «ابن مالك»:
واستثن مجرورا بغير معربا ... بما لمستثنى بالا نسبا
وقرئ «ما لكم من اله غيره» بالجر على اللفظ.
وبالرفع على الموضع» أهـ (٤).
«أو أمن» من قوله تعالى أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٥).
قرأ «نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر» «أو أمن» بسكون الواو من «أو» غير أن «ورشا» ينقل حركة الهمزة من «أمن» على الواو من «أو» على أصله.
стр. 835
ووجه من أسكن الواو أنه جعلها «أو» التي للعطف، على معنى الاباحة، مثل قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (١).
أي لا تطع هذا الجنس.
فالمعنى: أفأمنوا هذه الضروب من العقوبات، أي: إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الضرب الآخر.
ويجوز أن تكون «أو» لأحد الشيئين، كقولك: «ضربت زيدا أو عمرا» أي: ضربت احدهما، ولم ترد أن تبين المضروب منهما، وأنت عالم به من هو منهما، وليست هي «أو» التي للشك في هذا، إنما هي «أو» التي لأحد الشيئين غير معين، فيكون معنى الآية: أفأمنوا احدى هذه العقوبات.
وقرأ الباقون «أو أمن» بفتح الواو من «أو» على أن «واو» العطف دخلت عليها همزة الاستفهام، كما تدخل على «ثم» في نحو قوله تعالى: أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ (٢).
ومثله قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ (٣).
ويقوّى ذلك أن الحرف الذي قبله، والذي بعده، وهو «الفاء» دخلت عليه همزة الاستفهام:
فما قبله قوله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (٤).
وما بعده قوله تعالى: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ (٥).
فحمل وسط الكلام على ما قبله، وما بعده، للمشاكلة، والمطابقة، في اتفاق اللفظ في دخول همزة الاستفهام (٦).
стр. 836
«معذرة» من قوله تعالى: قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١).
قرأ «حفص» «معذرة» بنصب التاء، على المصدر، كأنهم لما قيل لهم: «لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا» قالوا:
نعتذر من فعلهم اعتذارا الى ربكم، فكأنه خبر مستأنف وقوله منهم.
وقرأ الباقون «معذرة» برفع التاء، على أنه خبر لمبتدإ محذوف دل عليه الكلام، والتقدير: موعظتنا معذرة، كأنهم لما قيل لهم: لم تعظون قوما الله مهلكهم الخ قالوا: موعظتنا معذرة لهم (٢).
واعلم أنه يجوز حذف كل من المبتدأ والخبر اذا دل عليه دليل.
قال ابن مالك:
وحذف ما يعلم جائز كما ... تقول زيد بعد من عندكما
وفي جواب كيف زيد قل دنف ... فزيد استغنى عنه اذ عرف
يقال: «عذرته» فيما صنع «عذرا» بفتح العين من باب «ضرب»: رفعت عنه اللوم، فهو «معذور» أي غير ملوم.
والاسم «العذر» بسكون الذال، ويجوز ضمها للاتباع.
والجمع «أعذار».
و «المعذرة» و «العذرى» بمعنى «العذر».
و «اعذرته» بالألف لغة.
و «اعتذر الى»: طلب قبول «معذرته».
стр. 837
و «اعتذر عن فعله»: أظهر «عذره» (١).
قال «بعضهم»: أصل «العذر» من «العذرة» بفتح العين، وكسر الذال: وهو الشيء النجس، ومنه قيل: «عذرت فلانا»: أي أزلت نجاسة ذنبه بالعفو عنه، كقولك: «غفرت له» أي سترت ذنبه (٢).
وقيل: «العذر»: تحرّي الانسان ما يمحو به ذنوبه، وهو على ثلاثة أضرب:
١ - إمّا أن يقول لم افعل.
٢ - أو يقول فعلت لأجل كذا، فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا.
٣ - أو يقول: فعلت ولا أعود، ونحو ذلك من المقال.
وهذا الثالث هو التوبة، فكل توبة عذر، وليس كل عذر توبة.
«والمعذر» بكسر الذال: من يرى أن له عذرا، ولا عذر له، قال تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ (٣).
قرأ «يعقوب» «المعذرون» بسكون العين، وكسر الذال مخففة.
وقرأ الباقون بفتح العين، وكسر الذال مشددة (٤).
«يغشيكم النعاس» من قوله تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ (٥).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو» «يغشاكم» بفتح الياء، وسكون الغين وفتح الشين، وألف بعدها، على أنه مضارع «غشي يغشى» نحو:
«رضي يرضى»، و «النعاس» بالرفع،
стр. 838
فاعل «يغشاكم».
وقرأ «نافع، وأبو جعفر» «يغشيكم» بضم الياء، وسكون الغين، وكسر الشين، وياء بعدها، مضارع «أغشى يغشي» نحو: «أهدى يهدي» و «النعاس» بالنصب مفعول به، وفاعل «يغشيكم» ضمير مستتر يعود على اللَّه تعالى المتقدم ذكره في قوله تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١).
وقرأ الباقون «يغشيكم» بضم الياء، وفتح الغين، وكسر الشين مشددة، وياء بعدها، مضارع «غشّى يغشّي» بالتشديد، و «النعاس» بالنصب مفعول به، والفاعل ضمير يعود على اللَّه تعالى.
وأعلم أن التخفيف، والتشديد في «يغشى» لغتان بمعنى، فمن التخفيف قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٢).
وقوله تعالى: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً (٣).
ومن التشديد قوله تعالى: فَغَشَّاها ما غَشَّى (٤).
ويقال: «غشى» عليه بالبناء للمفعول «غشيا» بفتح الغين، وسكون الشين، وضم الغين لغة.
و «الغشية، بفتح الغين: المرة، فهو «مغشى» عليه.
ويقال: ان «الغشي» يعطل القوى المحركة، والأوردة الحساسة، لضعف القلب بسبب وجع شديد، أو برد، أو جوع مفرط.
وقبل: «الغشي» هو الاغماء.
стр. 839
و «غشيته إغشاء» من باب «تعب»: «أتيته» والاسم «الغشيان» بالكسر، وكني به عن الجماع فقيل: «غشيها وتغشّاها».
و «الغشاء»: «الغطاء» وزنا ومعنى، وهو اسم من «غشيت» الشيء بالتثقيل: اذا غطيته.
و «الغشاوة» بالكسر: الغطاء أيضا أهـ (١).
ويقال: «نعس ينعس» من باب «قتل يقتل» والاسم «النعاس» فهو «ناعس» والجمع «نعس» مثل: «راكع وركع» والمرأة «ناعسة» والجمع «نواعس».
وربما قيل: «نعسان ونعسى» حملوه على «وسنان ووسنى».
وأول النوم «النعاس» وهو أن يحتاج الانسان الى النوم، ثم «الوسن» وهو ثقل النعاس، ثم «الترنيق» وهو مخالطة النعاس للعين، ثم «الكرى» وهو «الغمض» وهو أن يكون الانسان بين النائم واليقظان، ثم «العفق» وهو النوم وأنت تسمع كلام القوم، ثم «الهجود» و «الهجوع» أهـ (٢).
«وكلمة اللَّه» من قوله تعالى: وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا (٣).
قرأ «يعقوب» «وكلمة اللَّه» بنصب التاء، عطفا على «كلمة» الأولى الواقعة مفعولا «لجعل»، وجملة «هي العليا» في محل نصب مفعول ثان.
وقرأ الباقون «وكلمة اللَّه» برفع التاء، على الابتداء، وجملة «هي العليا» في محل رفع خبر المبتدأ، أو «هي» ضمير فصل، «والعليا» مفعول ثان (٤).
стр. 840
«ورحمة» من قوله تعالى: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ (١).
قرأ «حمزة» «ورحمة» خفض التاء على أنه معطوف على «خير» أي «هو أذن خير، وأذن رحمة، لأن الخير هو الرحمة، والرحمة هي الخير».
وقرأ الباقون «ورحمة» برفع التاء، على أنه معطوف على «أذن» والمعنى: قل «محمد» ﵌ أذن خير لكم ورحمة، أي هو رحمة، وجعل النبي ﵊ رحمة، لكثرة وقوعها على يديه، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (٢) ويجوز أن يكون «ورحمة» خبر المبتدأ محذوف أي هو رحمة (٣).
«والأنصار» من قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ (٤).
قرأ «يعقوب» «والأنصار» بضم الراء، على أنه مبتدأ، خبره قوله تعالى: ﵃.
وقرأ الباقون «والأنصار» بخفض الراء، عطفا على «المهاجرين» (٥).
«متاع» من قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا (٦).
قرأ «حفص» «متاع» بنصب العين، على أنه مصدر مؤكد لعاملة، أي تتمتعون متاع الحيوة الدنيا.
стр. 841
وقرأ الباقون «متاع» بالرفع، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك هو متاع الحيوة الدنيا (١).
«ولا أصغر، ولا أكبر» من قوله تعالى: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٢).
قرأ «حمزة، ويعقوب، وخلف العاشر» «ولا أصغر، ولا أكبر» برفع الراء فيهما، عطفا على محل «مثقال» من قوله تعالى: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ لأن «مثقال» مرفوع محلا، لأنه فاعل «يعزب» و «من» مزيدة فيه مثل زيادة الباء في قوله تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٣).
ويمنع صرفهما للوصفية، ووزن الفعل.
وقرأ الباقون «ولا أصغر، ولا أكبر» بفتح الراء فيهما، عطفا على لفظ «مثقال» أو «ذرة» فهما مجروران بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعهما من الصرف (٤).
تنبيه: اتفق القراء العشرة على رفع الراء من: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥).
وذلك لرفع «مثقال» وهما معطوفان عليه.
«وشركاءكم» من قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ (٦).
стр. 842
قرأ «يعقوب» «وشركاؤكم» برفع الهمزة، عطفا على الضمير المرفوع المتصل في «فأجمعوا».
ويجوز أن يكون مبتدأ حذف خبره، والتقدير: وشركاؤكم كذلك.
وقرأ الباقون «وشركاءكم» بنصب الهمزة، عطف نسق على «أمركم» (١).
«ولا تتبعان» من قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٢).
قرأ «ابن ذكوان، وهشام» بخلف عنه «ولا تتبعان» بتخفيف النون مكسورة، على أن «لا» نافية، ومعناها النهي كقوله تعالى: لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها (٣).
على قراءة رفع الراء.
أو يجعل حالا من الضمير في «فاستقيما» أي فاستقيما غير متبعين سبيل الذين لا يعلمون.
وقيل: هي نون التوكيد الخفيفة وكسرت كما كسرت الثقيلة.
ويحتمل أن تكون النون هي الثقيلة فخففت كما خففت «رب» وحذفت النون الأولى، ولم تحذف الثانية، لأنها لو حذفت لحذفت نون محركة، واحتج الى تحريك الساكنة، وحذف الساكنة أقل تغييرا.
وقرأ الباقون «ولا تتبعان» بتشديد النون مكسورة أيضا، وهو الوجه الثاني «لهشام».
وذلك على الأصل في نون التوكيد الثقيلة التي تدخل الأفعال للتأكيد (٤).
стр. 843
«فلا تسألن» من قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ (١).
القراء فيها على سبع مراتب:
الأولى: «لقالون، والأصبهاني، وابن ذكوان» «تسألن» بكسر النون مشددة، وحذف الياء في الحالين، وفتح اللام.
الثانية: «للأزرق، وأبي جعفر» «تسألن» بكسر النون مشددة، واثبات الياء وصلا، ولا وقفا، مع فتح اللام.
الثالثة: «لابن كثير» «تسألن» بفتح النون مشددة، وحذف الياء في الحالين، مع فتح اللام.
الرابعة: «لأبي عمرو» «تسألن» بكسر النون مخففة، واثبات الياء وصلا، لا وقفا مع اسكان اللام.
السادسة: «لهشام» «تسألن، تسألن» بفتح اللام، وتشديد النون مع فتحها، وكسرها.
السابعة: للباقين «تسألن» بكسر النون مخففة، وحذف الياء في الحالين مع اسكان اللام (٢).
وجه من قرأ بتشديد النون، وفتحها، وفتح اللام، أن النون هي نون التوكيد الثقيلة التي تدخل فعل الأمر للتأكيد، وفتحت اللام التي قبلها، لئلا يلتقي ساكنان، ولأن الفعل المسند الى الواحد مبني على الفتح دائما مع النون الثقيلة، والخفيفة.
стр. 844
وعدّى الفعل الى مفعول واحد وهو «ما».
وكذلك العلة لمن قرأ بتشديد النون وكسرها، مع فتح اللام، غير أنه عدى الفعل الى مفعولين وهما: «الياء» و «ما» فحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها.
وكان أصله ثلاث نونات: نون التوكيد المشددة بنونين، ونون الوقاية، ثم حذفت نون الوقاية لاجتماع الامثال تخفيفا.
ووجه من أسكن اللام وخفف النون، أن الفعل لم تدخله نون التوكيد، ووصل الفعل بضمير المتكلم، وهو المفعول الأول، و «ما» المفعول
الثاني، وأسكن اللام للنهي، وحذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، والفعل على هذه القراءة معرب، وجزم للنهي.
ووجه حذف الياء انها لغة «هذيل».
ووجه اثباتها أنها لغة «الحجازيين».
«يعقوب» من قوله تعالى: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (١).
قرأ «ابن عامر، وحفص، وحمزة» «يعقوب» بالنصب، على أنه مفعول لفعل محذوف دل عليه الكلام، والتقدير:
وهبنا لها يعقوب من وراء اسحاق.
فإن قيل: الا يجوز أن يكون «يعقوب» معطوفا على محل «باسحاق» لأن «اسحاق» في موضع نصب لأنه مفعول به في المعنى) أقول: يجوز ولكن فيه بعدا، وذلك للفصل بين الناصب والمنصوب بالظرف وهو: «ومن وراء اسحاق» ألا ترى أنك لو قلت: «رأيت زيدا وفي الدار عمرا» قبح للتفرقة بالظرف.
وقرأ الباقون «يعقوب» بالرفع، على أنه مبتدأ مؤخر، خبره الظرف الذي قبله وهو: «ومن وراء اسحاق».
стр. 845
ويجوز رفعه بالفعل الذي يعمل في قوله «من وراء» كأنه قال:
«ويثبت لها من وراء اسحاق يعقوب» (١).
«وزرع ونخيل صنوان وغير» من قوله تعالى: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ (٢).
قرأ «ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب» برفع «وزرع، ونخيل» وذلك عطفا على «قطع» ورفع «صنوان» لكونه نعتا الى «نخيل» ورفع «غير» لعطفه على «صنوان».
وقرأ الباقون بخفض الأربعة: «وزرع ونخيل صنوان وغير» وذلك عطفا على «أعناب» (٣).
«اللَّه الذي» من قوله تعالى: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ (٤).
قرأ «نافع، وابن عامر، وأبو جعفر» «اللَّه» برفع الهاء وصلا، وابتداء، على أنه مبتدأ، خبره الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.
أو خبر لمبتدإ محذوف، والتقدير: هو اللَّه، وجملة «الذي له ما في السموات» الخ صفة للفظ الجلالة.