وفي نص آخر يقول لليهود: " الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا ٥/ ١٩).
والمسيح أيضاً لا يملك لنفسه - فضلاً عن غيره - نفعاً ولا ضراً إلا أن يتغمده الله برحمته، وقد كان، إذ لما جاءته أم ابني زبدي وكانا من تلاميذه " فسألها ما تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع ... وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدّ لهم من أبي " (متى ٢٠/ ٢٠ - ٢٢).
كما وقد وصف الكتاب المسيح بصفة العبودية في مواضع عدة، ومن ذلك ما جاء في متى في وصف المسيح "هو ذا عبدي" (متى ١٢/ ١٨)، وفي سفر أعمال الرسل "قد مجد عبده يسوع .. القدوس البار" (أعمال ٣/ ١٣ - ١٤)، "فإليكم أولاً أرسل الله عبده" (أعمال ٣/ ٢٦)، وفي موضع آخر: "عبدك القديس يسوع " (أعمال ٤/ ٣٠).
وقد استبدلت لفظة (عبد) في بعض التراجم العربية الحديثة بكلمة "فتى" الموهمة للعبودية أو البنوة، وذلك في ترجمة الفانديك المشهورة، بينما استخدم الآباء اليسوعيون كلمة "عبد"، وهو كذلك في اللغات العالمية، فالتراجم الإنجليزية تستخدم كلمة ( servant) .
وكتوضيح لهذا الصنيع الموهم ننقل قول متى: "لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل: هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي، أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق" (متى ١٢/ ١٧ - ١٨)، فاستخدم كلمة (فتى)، فيما استخدم سفر إشعيا الذي نقل منه متى كلمة (عبد)، فيقول: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرّت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم" (إشعيا ٤٢/ ١).
стр. 107
الضرب الثاني: هو النصوص التي تحدثت عن أحوال المسيح ﵇ البشرية التي يشترك فيها مع سائر الناس من طعام وشراب وعبادة لله وتذلل و ....
درس المحققون سيرة المسيح ﵇ كما عرضتها الأناجيل - منذ بشارة أمه إلى حمله، وولادته في المزود، ثم لفّه بالخرق، ثم ختانه، ومن ثم نشأته وتعليمه مع الصبيان، ثم تعميده على يد المعمدان إلى أن ذكروا نهايته المزعومة على الصليب بعد أن جزع وتذلل لله ليصرف عنه هذا الأمر ... فوجدوا أن المسيح لا يفرق في شيء عن سائر الناس، فقد ولد وكبر، وأكل وشرب، ومات. فما الذي يميزه بالألوهية عن غيره؟
فقد ولد من فرج امرأة متلبطاً بدمها "وبينما هما هناك تمّت أيامها لتلد" (لوقا ٢/ ٦).
ورضع من ثدييها "وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملك، والثديين اللذين رضعتهما" (لوقا ١١/ ١٧)، فهل علمت مريم أن طفلها الخارج من رحمها والذي كانت تتولى كافة شئونه من نظافة وتربية ورضاع، هل كانت تعلم ألوهيته، أم جهلت ما علمه النصارى بعد ذلك؟ (١).
وقد ختن المسيح ﵇ في ثامن أيام ولادته "ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع" (لوقا ٢/ ٢١) فهل دار في خلد الذي كان الذي يختنه أنه يختن إلهاً؟ وماذا عن القطعة التي بانت منه؟ هل غادرتها الإلهية بانفصالها عن الإله المتجسد؟ أم بقيت فيها الإلهية حيث ضاعت أو دفنت؟
стр. 108
وقد عمده يوحنا المعمدان ﵇ في نهر الأردن " جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى ٣/ ١٣)، أفجهل المعمدان أنه يعمد الإله؟ ومن المعلوم أن معمودية المعمدان غفران الذنوب، كما في متى: " واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم .. أنا أعمدكم بماء للتوبة ... حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى ٣/ ٦ - ١٤)،
فهل كان الإله مذنباً يبحث عمن يغفر له ذنوبه؟!
وأصاب المسيح ﵇ ما يصيب كل البشر من أحوال وعوارض بشرية فقد نام " وكان هو نائماً" (متى ٨/ ٢٤)، وتعب كسائر البشر " كان يسوع قد تعب من السفر" (يوحنا ٤/ ٦)، واحتاج إلى حمار يركبه، فأرسل تلاميذه طالباً منهم إحضار الحمار لأن "الرب محتاج إليه" (مرقس ١١/ ٣).
واكتئب المسيح ﵇ لما أصابه "وابتدأ يدهش ويكتئب" (مرقس ١٤/ ٣٣)، وأحياناً كان يجتمع عليه الحزن والاكتئاب "وابتدأ يحزن ويكتئب" (متى ٢٦/ ٣٧).
ولما كان البكاء من عادة البشر إذا ما اعتراهم الضعف والأسى فإنه أحياناً كان يبكي كسائر البشر "بكى يسوع" (يوحنا ١١/ ٣٥) (١).
كما تعرض لمكايد أعدائه فقد حاول الشيطان أن يغويه، فلم يقدر، لقد صعد بالمسيح إلى جبل عال، وأراه جميع الممالك الإنسانية، وقال له "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ، لأنه إليّ قد دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع، فأجابه يسوع وقال: اذهب يا شيطان، إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (لوقا ٤/ ٦ - ٨).
стр. 109
وتعرض للطم والشتم "ولما قال هذا، لطم يسوعَ واحد من الخدام كان واقفاً" (يوحنا ١٨/ ٢٢)، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه إلا بالكلام، لأنه كان موثقاً "قبضوا على يسوع وأوثقوه" (يوحنا ٨/ ١٢).
والمسيح ﵇ قد جاع أيضاً، وبحث عن طعام يأكله "وفي الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع" (متى ٢١/ ١٨).
كما عطش " قال: أنا عطشان" (يوحنا ١٩/ ٢٨).
وقد أكل وشرب، فسد جوعته، وروى ظمأه " فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم" (لوقا ٢٤/ ٤٢ - ٤٣).
والطعام والشراب الذي كان يتقوى به، وينمو به جسمه طولاً وعرضاً " وكان الصبي ينمو " (لوقا ٢/ ٤٠)، ونموه كان بالجسد والعقل " وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لوقا ٢/ ٥٢)، فالطعام ينميه جسدياً، والتعلم في الهيكل من الشيوخ والمعلمين ينميه عقلياً " وجداه في الهيكل جالساً في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم" (لوقا ٢/ ٤٦).
كما ويقتضي الطعام خسيسة أخرى لا يليق أن تذكر في سياق الحديث عن مقام الألوهية وعظمته، ألا وهي التبول والتغوط، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهو ما نبه الله تعالى إليه أذهان العقلاء بقوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ فكل من طعم وشرب احتاج لإخراج ما طعم، ولا يليق نسبة هذه المنقصة ولا غيرها إلى الله الذي لا يشارك الناس هذه الدنايا.
وتذكر الأناجيل حزن المسيح ﵇ ليلة الصلب وغيرها " إن نفسي حزينة حتى الموت " (مرقس ١٤/ ٣٢ - ٣٦).
стр. 110
ثم لما جزع ظهر له ملك من السماء ليقويه. (انظر لوقا ٢٢/ ٤٣).
ثم لما وضع - حسب الأناجيل - على الصليب جزع وقال: " إلهي إلهي، لم تركتني " (مرقس ١٥/ ٣٤).
بل وتزعم الأناجيل أنه مات، فهل رب يموت؟ "فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح" (مرقس ١٥/ ٣٧)، وقبل أن يجيبنا أحدهم - ببرود - بأن الذي مات هو الناسوت، وأن اللاهوت لا يموت؛ فإني أذكر القارئ بأن الذي مات على الصليب هو ابن الله، وليس ابن الإنسان، "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به" (يوحنا ٣/ ١٦).
ولا يجد الأسقف ترتليان في القرن الميلادي الثالث ما يدفع به هذه القاصمة إلا أن يقول: " لقد مات ابن الله! ذلك شيء غير معقول، لا لشيء، إلا لأنه مما لا يقبله العقل، وقد دفن من بين الموتى، وذلك أمر محقق، لأنه مستحيل " (١)، ومع ذلك يؤمن به ترتليان والنصارى من بعده.
وذكرت الأناجيل أيضاً تذلَله وخضوعه لله وتضرعه بين يديه " وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن أن تعبر عني هذا الكأس، ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" (متى ٢٦/ ٣٩). "وكان يصلّي هناك" (مرقس ١/ ٣٥).
ويصور لوقا صلاته ﵇، فيقول: " جثا على ركبتيه وصلى" (لوقا ٢٢/ ٤١). وذات يوم وقبل اختياره للتلاميذ " خرج إلى الجبل ليصلّي، وقضى الليل كله في الصلاة لله، ولما كان النهار دعا تلاميذه" (لوقا ٦/ ١٢) فلمن كان الإله يصلي طوال الليل منفرداً؟ هل كان يصلي لنفسه؟ أم للآب الحال فيه؟ وهل تجوز عبادته وهو على هذه
стр. 111
الحال؟ لِم نترك عبادة المعبود ونعبد العابد؟!
وكان يصلي متوارياً وصار عرقه كعبيط الدم، يقول لوقا: "وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض، ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه" (لوقا ٢٢/ ٤٤)، يقول يوحنا فم الذهب: "من ذا لا يتعجب عندما يرى الله جاثياً ومصلياً" (١).
ومن تضرعه واستغاثته بربه ما ذكره يوحنا عن حال المسيح ﵇ عندما أحيا لعازر " ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني" (يوحنا ١١/ ٤٠ - ٤١).
والتضرع والعبادة نوع من دلائل العبودية لا يجوز نسبته إلى الله أو للمتحد معه.
ويتحدث بولس عن انتصار المسيح ﵇ على الكل بما فيهم الموت، ثم يذكر خضوعه بعد ذلك لله، فيقول: "متى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل (لله)، كي يكون الله الكل في الكل" (كورنثوس (١) ١٥/ ٢٨).
وأخيراً، فإن مما يؤكد بشرية المسيح ما أخبر من أنه ﵇ سيدخل الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين، ومنهم المسيح وتلاميذه، وأنه سيشرب في اليوم الآخر ويأكل معهم، حيث قال: "في بيت أبي منازل كثيرة ... أنا أمضي لأعد لكم مكاناً ... حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً " (يوحنا ١٤/ ٢ - ٣)، وقال: " إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي" (متى ٢٦/ ٢٩).
стр. 112
ومن المعلوم أن ملكوت الله يراد به هنا الجنة، حيث يلقى التلاميذ من جديد، فيشرب معهم في جنة الله، فهل سيتجسد الابن ثانية يوم القيامة؟ وما الحكمة من التجسد حينذاك؟ أم أن المسيح سيعود ككائن بشري عادي يأكل في جنة الله كسائر المؤمنين.
وجماع هذا كله قوله ﵇ عن نفسه: "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا ٨/ ٤٠)، أفلا نقبل شهادته ﵊ عن نفسه؟!
فلو كان إلهاً لما صح منه أن يعمي علينا هذه الحقيقة بمثل هذا القول الصريح الدال على إنسانيته.
وحين يصر النصارى على القول بألوهيته فإنهم يضربون بعرض الحائط قول المسيح وتلاميذه، ويتنكرون بذلك لكل هذه النصوص التي لم تتحدث أبداًَ عن إله متجسد، ولا عن ناسوت حل به الله.
وبذا يكون النصارى قد وقعوا فيما حذر منه مقدسهم بولس الذي ألبسهم هذه العقيدة ثم تبرأ منهم ومن صنيعهم، حيث قال: "إنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم، وأظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى، بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات. لذلك أسلمهم الله أيضاً في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم، الذين استبدلوا حق الله بالكذب، واتقوا، وعبدوا المخلوق دون الخالق، الذي هو مبارك إلى الأبد " (رومية ١/ ٢١ - ٢٥).
الضرب الثالث: هو النصوص التي بينت ذهول معاصريه من حوارييه وأعدائه عن فكرة ألوهيته وربوبيته، مما يدل على أن الفكرة لا علاقة لها بالمسيح ولا أتباعه. بل هي من مخترعات
стр. 113
لاحقة لذلك العهد، وذلك يكفي للإعلان عن بطلانها.
وفي ذلك نصوص كثيرة منها:
- جهل أمه العذراء البتول بألوهيته، إذ لما كان المسيح راجعاً مع والدته ويوسف النجار حصل ما يدل على جهل والدته بمقامه، فإن جهلت والدته الطاهرة ألوهيته، فمن ذا الذي يعلمها، فقد جاء في لوقا: "وبعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم، ويوسف وأمه لم يعلما، إذ ظناه بين الرفقة، ذهبا مسيرة يوم، وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف، ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه، وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل بين المعلمين يسمعهم ويسألهم ... يا بني لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين " (لوقا ٢/ ٤١ - ٤٨)، فلو كانت مريم تعلم أن ابنها هو الله أو ابنه لما كان لهذا الخوف على المسيح أي معنى.
ويجيب المسيح سؤال أمه ويوسف النجار بقوله: " لماذا كنتما تطلبانني! ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي"، فهل فهمت البتول وزوجها من جوابه بأنه يتحدث عن ألوهيته وبنوته الحقيقية للآب؟ بالطبع: لا، فهما لا يعرفان شيئاً عن هذا المعتقد الغريب. يقول لوقا: " فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما" (لوقا ٢/ ٥٠).
وفي مرة أخرى سمعت مريم البتول ورأت فرح سمعان الأورشليمي وهو يحمل وليدها، ويحمد الله على أن عينيه قد اكتحلتا برؤية المعزي المخلص، لكنها والنجار لم تفهمان ما يقوله، فاكتفيا بعلامات العجب وأمارات الاستغراب، يقول لوقا: "وكان يوسف وأمه يتعجبان مما قيل فيه" (لوقا ٢/ ٣٣).
ويذكر يوحنا أن المسيح لما صلب ذهبت والدته لتذرف عليه الدمع. (انظر يوحنا ١٩/ ٢٥)، أفلم تكن تعلم حين ذاك أن ولدها هو الله أو ابنه، وأن الموت لا يضيره؟
стр. 114
- وسمعان الصفا (بطرس)، أقرب التلاميذ إلى المسيح يقول وهو ممتلئ من الروح القدس: "أيها الرجال الإسرائيليون، اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون، هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي آثمة صلبتموه وقتلتموه" (أعمال الرسل ٢/ ٢٢)، فلم يشر في خطبته المهمة - التي كان فيها مؤيداً من الروح القدس - إلى شيء من الألوهية للمسيح، ولم يتحدث عن الناسوت المتأله ولا الإله المتجسد.
ولما عرض المسيح - متنكراً بعد الصلب المزعوم - لرجلين من أصحابه قد حزنا بسبب ما تردد عن صلبه، سألهما عن سبب حزنهما فقالا: " يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت، وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (لوقا ٢٤/ ١٩ - ٢١)، فليس في قولهما حديث عن ناسوت مقتول، ولا عن لاهوت متجسد نجا من الموت، إن غاية ما كانوا يرقبونه فيه، أن يكون مخلص إسرائيل، أي المسيح المنتظر الذي بشرت به الأنبياء، فإن "الإيمان الشائع بين اليهود كان يقتصر على أن المسيح يكون فقط إنساناً مشهوراً وممتازاً في فضائله ووظيفته" (١).
ويقول القس إبراهيم سعيد عن هذين التلميذين: "إلى الآن لم يؤمنا بلاهوته .. لكننا لا ننكر عليهما أنهما كانا مؤمنين بنبوته" (٢).
وأيضاً عجب منه تلاميذه لما رأوا بعض معجزاته، ولو كانوا يرونه إلهاً لما كان في
стр. 115
معجزاته أي عجب، فقد مرّ يسوع ﵇ بالشجرة وقد جاع، فقصدها، فلم يجد فيها سوى الورق. فقال: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست الشجرة لوقتها، فتعجب التلاميذ "قال لها: لا يكون منك ثمر بعد إلى الأبد، فيبست التينة في الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين: كيف يبست التينة في الحال ... " (متى ٢١/ ١٨ - ٢٢). فدل عجبهم على أنهم كانوا لا يدركون شيئاً مما تعتقده النصارى اليوم من ألوهية المسيح، وإلا فإن إيباس الإله للشجرة ليس فيه ما يدعو لأي عجب.
إن غاية ما اعتقده التلاميذ في المسيح أنه المسيا النبي العظيم المنتظر، ولم يدر بخلدهم ألوهيته أو بنوته لله، يقول الأب متى المسكين: "التلاميذ وقف تفكيرهم عند اعتقادهم فيه أنه نبي، ولكن يعمل أعمالاً لم يعملها نبي .. رفع تقديرهم للمسيح عن ما هو أكثر فعلاً من نبي، ولكن ماذا يكون .. فالتلاميذ جمعوا من الأدلة في حياة المسيح ما يؤكد لهم أنه المسيا". (١)
وهذا يوحنا المعمدان (يحيى) ﵇ الذي لم تقم النساء عن مثله. (انظر متى ١١/ ١١)، يرسل إلى المسيح رسلاً بعد أن عمده ليسألوه " أما يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح؛ أرسل اثنين من تلاميذه. وقال له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران، العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون. وطوبى لمن لا يعثر في" (متى ١١/ ٣ - ٦).
فيحيى المعمداني ﵇ مع جلالة أمره لم يظن في المسيح أنه أكثر من النبي المنتظر الذي كانت تنتظره بنو إسرائيل.
стр. 116
وإجابة المسيح لا تدل بحال على ألوهيته، فقد أخبر بمعجزات نبوته، ثم عقب بالتحذير من الغلو فيه - كفعل النصارى -، أو التفريط كفعل اليهود الذين كذبوه وآذوه وهموا بقتله.
ولما جاءته المرأة السامرية ورأت قدراته وأعاجيبه: "قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي" (يوحنا ٤/ ١٩)، وما زادت على ذلك، فما وبخها ولا صحح لها معتقدها، فكان هذا معتقداً يعتقده عامة الناس كما اعتقده تلاميذ المسيح وحواريوه.
وهو ما قاله عنه الأعمى الذي شفاه المسيح ورأى برهان الله على نبوة هذا المبارك "فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له: يسوع" (يوحنا ٩/ ١٠ - ١١)، لكن النصارى اعتقدوا في هذه الحادثة ما لم يعتقده ذاك الذي شفاه المسيح، والذي شهد له بالإنسانية فحسب.
وكذا الجموع التي رأته كثيراً في أورشليم، وخرجت لاستقباله لما دخل أورشليم دخول الأبطال، هذه الجموع كانت تعتقد بشريته ونبوته " فقالت الجموع: هذا يسوع النبي" (متى ٢١/ ١١).
وفي موقف آخر حدَّث المسيح اليهود عن الكرامين الأردياء الذين ينقل الله عنهم ملكوته القادم، فانزعجوا منه، وأرادوا الإمساك به، لكنهم "خافوا من الجموع، لأنه كان عندهم مثل نبي" (متى ٢١/ ٤٥) (١).
وهاهم أعداؤه ﵇ من اليهود يلاحقونه، ويطلبون منه آية، فأخبرهم بأنه لن تأتيهم سوى آية يونان النبي (يونس) ﵇ "أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين:
стр. 117
يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي" (متى ١٢/ ٣٨ - ٣٩).
واليهود ولا ريب يبحثون عن آية تدل على نبوته التي يدعوهم إلى الإيمان بها، ولو كان ما يدعو إليه الألوهية لما رضوا منه بمثل آية يونان، بل ولطالبوه بآيات أعظم من آية يونان، وغيره من الأنبياء.
وفيما أحد الفريسيين يرقب المسيح متشككاً بنبوته تقدمت إليه امرأة خاطئة باكية تمسح رجليه بشعرها، تقبلهما وتدهنهما بالطيب، "فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك، تكلم في نفسه قائلاً: لو كان هذا نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه؟ وما هي؟ إنها خاطئة" (لوقا ٧/ ٣٩). لقد استنكر في نفسه نبوة - لا ألوهية - هذا الذي يجهل حال الخاطئة، مما يؤكد أن دعواه ﵇ بينهم إنما كانت النبوة فحسب، يقول الأب متى المسكين: "فالفريسي إذ رأى المسيح يتقبل من المرأة ما صنعته به أخذها شهادة ضد المسيح أنه ليس نبياً كما كان يذاع عنه". (١)
ولما أراد اليهود قتله، كانت جريمته عندهم دعواه النبوة، لا الربوبية، فقد قالوا لنيقوديموس: "ألعلك أنت أيضاً من الجليل؟ فتّش وانظر. إنه لم يقم نبي من الجليل" (يوحنا ٧/ ٥٢)، إنهم يكذبونه في دعواه النبوة، وهو من الجليل التي لم يسبق أن أتى منها نبي.
والشيطان أيضاً لم ير في المسيح أكثر من كونه بشراً، فاجترأ عليه محاولاً غوايته، لذلك فقد حصره في الجبل أربعين يوماً من غير طعام ولا شراب، وهو في ذلك يمتحنه ويمنيه بإعطائه الدنيا في مقابل سجدة واحدة له "أخذه أيضاً إبليس إلى جبل عال جداً،
стр. 118
وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له: أعطيك هذه جميعها، إن خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى ٤/ ٩ - ١٠)، فهل كان الشيطان يعِد الرب العظيم - مالك كل شيء وواهبه - بالدنيا؟!!.
وينقل القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى عن (القديس) جيروم قوله: "يقصد إبليس بكل هذه التجارب أن يعرف إن كان هو الحق ابن الله، ولكن المخلص كان موفقاً في إجاباته تاركاً إياه في شك"، فالشيطان كان وبقي جاهلاً بألوهية المسيح المدعاة.
ثم إن كان المسيح إلهاً متجسداً فكيف نفهم تبريراً لخيانة يهوذا؟ وهل يخان الإله؟ وكيف نفهم بطرس إنكار بطرس له ثلاث مرات ولعنه في الليلة التي أراد اليهود القبض فيها على المسيح؟
بل إن كل ما قيل في سيرة المسيح يصعب فهمه مع القول بألوهيته، ويترك علامات استفهام لا إجابة عنها.
ثم إن بشرية المسيح ﵇ موجودة ليس في أقوال معاصريه بل حتى في النبوءات السابقة التي يؤمن النصارى بها، ويقولون أنها تحققت فيه ﵇، فهذه النبوءات لم تتنبأ بقيام رب أو إله، وإنما تنبأت بنبي ورسول صالح.
من ذلك ما جاء في كلام عاموس النبي "قال الرب: من أجل ذنوب إسرائيل الثلاثة والأربعة لا أرجع عنه، لأنهم باعوا البار بالفضة ... " (عاموس ٢/ ٦)، فهو لم يقل: في بيعهم إياي، ولا بيع إله متساو معي، بل سماه باراً، وهو وصف يقتضي كمال العبودية لله.
стр. 119
الضرب الرابع: النصوص التي شهدت للمسيح بالنبوة، وإثبات النبوة والرسالة له مبطل للألوهية.
فقد شهد له معاصروه بالنبوة والرسالة، والتي هي صفة البشر، لا الإله، ومن هذه النصوص قوله: " أنتم تدعونني معلّماً وسيّداً، وحسناً تقولون، لأني أنا كذلك" (يوحنا ١٣/ ١٣)، فقد أكد المسيح صحة اعتقاد التلاميذ به، إنهم يرونه معلماً وسيداً لهم، وقد شاع تسميته عندهم بالمعلم، "وقال له: يا معلم " (مرقس ١٠/ ٢٠)، أفكان من حسن الأدب أن يترك التلاميذ نداءه بالألوهية وأن ينادوه بهذا النداء المتواضع: معلم.
وقد بدأت نبوته، وهو في سن الثلاثين "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة " (لوقا ٣/ ٢٣)، وقد كان ثمة وقت لم ينزل عليه الروح القدس "لأن الروح القدس لم يكن قد أعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مجّد بعد" (يوحنا ٧/ ٣٩).
وشهد المسيح ﵇ لربه بالوحدانية، ولنفسه بالرسالة، فقال: " أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته " (يوحنا ١٧/ ٣).
ونحوه قوله عن نفسه: " فكانوا يعثرون به، وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته" (متى ١٣/ ٥٧)، فاعتبر نفسه كسائر الأنبياء، لا يعرف أقوامهم لهم قدرهم ومنزلتهم.
ولما خوفه الفريسيون من هيرودس قال لهم: " ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم. يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين" (لوقا ١٣/ ٣٣ - ٣٤)، فشهد لنفسه بالنبوة، وخاف على نفسه القتل في أورشليم التي اعتاد اليهود على قتل الأنبياء فيها، فالأنبياء لا يقتلون إلا في أورشليم " لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم "، وهو نبي يخشى على نفسه ويؤثِر النجاة، فالتمس أسبابها بالخروج من أورشليم "قاتلة الأنبياء".
стр. 120
ولما أظهر المعجزات لقومه قرنها بدعوى نبوته قائلاً وهو يناجي الله: " ولكن أسألك من أجل هذه الجماعة، ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني " (يوحنا ١١/ ٤٢).
ولما أرادوا قتله قال: "تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا ٨/ ٤٠)، فهو إنسان رسول، وهذا نص صريح بإنسانيته أنه رسول من الله.
ولما بعث تلاميذه للدعوة قال لهم: " فقال لهم يسوع أيضاً: سلام لكم، كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" (يوحنا ٢٠/ ٢١).
وأكد رسالته بقوله: " الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول، وبماذا أتكلم " (يوحنا ١٢/ ٤٩).
وهو في كل ما يقوله عن الله معصوم لأنه ينطق بالوحي، فقد قال: "الكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا ١٤/ ٢٤)، وفي موضع آخر: "تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني" (يوحنا ٧/ ١٦). وقال: " ولا رسول أعظم من مرسله " (يوحنا ١٣/ ١٦).
ومما يبطل قول النصارى بألوهية المسيح النصوص التي جعلته رسولاً خاصاً إلى بني إسرائيل، والإله لا يكون خاصاً بأمة دون أمة.
ومن ذلك قوله: "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى١٠/ ٦).
ومثله قصة المرأة الكنعانية التي رفض شفاء ابنتها أول مرة، لأنها ليست من شعبه. (انظر متى ١٥/ ٢١ - ٢٨).
ومثله الوعد الذي وُعِده كما جاء في لوقا "وسيعطيه الرب الإله عرش داود أبيه، ويملك على آل يعقوب إلى الأبد" (لوقا ١/ ٣٢ - ٣٣)، فهل هو إله خاص ببني
стр. 121
إسرائيل أم رسول خاص بهم؟ فلو كان إلهاً لما صح اختصاصه بشعب دون شعب، فهذا شأن الأنبياء.
ونبوته ﵊ هي معتقد الناس عامة فيه، وقد صرحوا بذلك أمامه فلم يخطئهم، فعندما أحيا المسيح ابن الأرملة في نايين " أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم، وافتقد الله شعبه" (لوقا ٧/ ١٦).
ولما أطعم الخمسة آلاف إنسان من خمسة أرغفة قالوا: " فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم" (يوحنا ٦/ ١٤).
وقد قال بولس معترفاً برسالته وبشريته: "لأنه يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (١) ٢/ ٥).
وقد صدق السير آرثر فندلاي في قوله في كتابه "الكون المنشور": "لا يعتبر عيسى إلهاً أو مخلصاً، إنما هو رسول من الله خدم في حياته القصيرة في علاج المرضى وبشر بالحياة الأخرى، وعلم بأن الحياة الدنيا ما هي إلا إعداد للملكوت الإلهي بحياة أفضل لكل من عمل صالحاً".
وهكذا رأينا من الضروب الأربعة ما قام فيه دليل وبرهان واضح على عبودية المسيح ﵇ لله، وأنه رسول عظيم من لدن ربه جل وعلا، وهذا موافق بل مطابق لما يؤمن به المسلمون ﴿إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل﴾ (الزخرف: ٥٩).
стр. 122
القول بتدرج إعلان ألوهيته
ولما عدِم النصارى الدليل على ألوهية المسيح، ورأوا أن أحداً من معاصريه لم يدرك تلك الألوهية التي يتحدثون عنها صدر بعضهم بقول جديد، مفاده أن المسيح لم يعلن ألوهيته لتلاميذه في بدء دعوته، بل تدرج بهم حتى كشف لهم عنها بعد قيامته، أي لم يدركوا هذا السر إلا بعد موته.
ومن القائلين بهذا الرأي بتر سمث في كتابه الشهير "سيرة المسيح الشعبية"، فيقول عن مريم وموقفها من ابنها: "هل حسبته إلهاً ابن الآب الأزلي ... إن رواية الإنجيل تجعل هذه الفكرة محالة، كما أن العقل لا يسلم بها، وإلا كيف استطاعت أن تؤنبه على توانيه في الهيكل مع أحبار وعلماء اليهود؟ وكيف عالجت شؤونه كلها كطفلها الخاضع لها ...
كلا إن العذراء لم تفكر في ولدها كإله ... لم تدرك سر ألوهيته الهائل الذي لم تفطن إليه ولم تعرفه إلا مؤخراً، وحتى التلاميذ أنفسهم لم يدركوا هذا السر الهائل إلا قبيل نهاية حياته ... لكنهم لم يفطنوا إليه ويدركوه تماماً إلا بعد موته وقيامته وصعوده بمجد وإرساله الروح القدس.
عندئذ أخذوا يرجعون بذكرياتهم إلى الوراء خلال ثلاث سنوات تقضت في صحبته، ويتعجبون كيف أمسكت عيونهم عن معرفة ما عرفوه الآن".
إذاً كانت ألوهية المسيح استنتاجاً عقلياً توصل إليه التلاميذ بعد رفع المسيح، وكل ما ينقل من أدلة كتابية على ألوهيته لم تكن كافية ليصلوا إلى هذا المعتقد أو يدينوا به.
وهذه الدعوى من النصارى تثور في وجهها تساؤلات عدة منها: لمَ أخفى المسيح هذه الحقيقة عن تلاميذه؟ ولم َلم ْيعلنها منذ اليوم الأول؟ إن إخفاءه المزعوم لها جعل
стр. 123
الكثيرين - من معاصريه ومن بعدهم من الذين تسميهم الكنيسة بالهراقطة - يقولون ببشريته، وحُقّ لهم ذلك، إذ لم يقل المسيح عن نفسه أنه إله، ولم يعتقد ذلك أحد من تلاميذه زمن كرازته.
ونتساءل هل كان إخفاؤه لحقيقته خوفاً من اليهود؟ كيف وهو الرب الذي نزل ليصلب كما زعموا؟
والحق أن المتتبع لآخر أحاديث المسيح لا يجد أي مفارقة بين أقوال المسيح أول بعثته وبين أقواله قبل وبعد حادثة الصلب المزعوم، كما لا يجد في أحوال التلاميذ ما يدل على أنهم اكتشفوا ما لم يدروه من قبل، فلوقا يذكر أن المسيح على الصليب قال: "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون" (لوقا ٢٣/ ٣٤)، وكان ينبغي أن يجهر بألوهيته فيقول: سأغفر لكم. لكنه بشر يعجز عن ذلك، فطلب من الله أن يغفر لهم.
وأيضاً قال للص المصلوب: "تكون معي في الفردوس" (لوقا ٢٣/ ٤٣)، ولو كان إلهاً لقال: أنعمت عليك بالفردوس.
وها هو المسيح بعد القيامة المزعومة يقول: "إني ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يوحنا ٢٠/ ١٧).
وها هم تلاميذه بعد قيامته يعتبروه إنساناً فقط، فيقول اثنان منهم: "الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وأمام الناس" (لوقا ٢٤/ ١٩).
وكذلك قال عنه بطرس بعد رفعه وهو ممتلئ من الروح القدس: "يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من الله بقوات وعجائب" (أعمال ٢/ ٢٢).
وقال في مرة أخرى: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة ... " (أعمال ١٠/ ٣٨).
стр. 124
إن مجرد الحديث عن تدرج إعلان ألوهية المسيح يطعن في كل ما تورده النصارى من أدلة على ألوهية المسيح من التوراة والأناجيل، إذ هذه الأدلة كلها وغيرها لم تجعل تلاميذه يقولون بألوهيته، فهم عندما أسموه ابن الله أو الرب أو الله ما كانوا يقصدون الحقيقة، إنما كانوا يريدون المجاز، وهكذا الحال في جميع ما يتعلق به النصارى في موضوع ألوهية المسيح من أدلة.
стр. 125
مبررات تجسد الابن
يعتقد النصارى أن الله تجسد في المسيح، ويحتجون لذلك بقول يوحنا: "والكلمة صار جسداً، وحل بيننا" (يوحنا ١/ ١٤).
ولفهم هذا النص نقرأ ما يقوله محققو الرهبانية اليسوعية تعليقاً على الحكمة المتجسدة المذكورة في (الأمثال ٨/ ٢٢): "إن فكرة الحكمة المجسدة، وهو مجرد فن أدبي في مثل (الأمثال ١٤/ ١)، قد تطورت في إسرائيل ابتداء من زمن الجلاء، حين لم يبق تعدد الآلهة مهدداً الدين القويم .. ففي جميع هذه النصوص التي تجسد فيها الحكمة أو الكلمة أو الروح؛ يصعب علينا أن نميز بين ما هو فن شعري، وما هو تعبير عن مفاهيم دينية قديمة، وما هو شعور بوحي جديد".
وهكذا، فنص تجسد الكلمة يحتمل أن يكون مجرد استعارة فنية أدبية، لا تختلف عن تجسيد الحكمة، حين خرجت "الحكمة تنادي في الخارج، في الشوارع تعطي صوتها، تدعو في رؤوس الأسواق" (الأمثال ١/ ٢٠ - ٢١)، ومثله تجسيد الجهل بامرأة صخابة خادعة (الأمثال ٩/ ١٣ - ١٨) (١).
وقد تساءل المحققون - في هذا الصدد - عن سبب تجسد الابن دون الآب أو روح القدس؟ وتساءلوا لم كان التجسد الإلهي على صورة بشر؟ ما ضرورته؟ لماذا نزل الابن من عليائه ليدخل جوف امرأة ثم يخرج من فرجها؟ لم كان هذا كله؟
اجتهد رجال الكهنوت في الإجابة عن هذه الأسئلة، ولما لم يجدوا لها إجابة في ثنايا كتابهم أعملوا عقولهم، فصدرت عنهم أقوال مختلفة، كلٌ بحسب ما أداه إليه عقله،
стр. 126
إذ كما لم يجدوا في العهد الجديد ما يؤكد قول بولس بأن الإله قد تجسد، أيضاً لم يجدوا في هذه الأسفار تبريراً له.
وقد انحصرت إجاباتهم في أقوال، أهمها:
أولها: أن هذا السر لا نفهمه، وينبغي أن نؤمن به.
ثانيها: أن التجسد كان لردم الهوة بين الله والبشرية وإيناسها برؤية الإله - كما سيمر معنا في كلام البابا أثناسيوس-.
ثالثها: أن التجسد كان طريقة لرد الناس لعبادة الله بعد أن عبدوا المخلوقات والمصنوعات، وتركوا الخالق وهجروا عبادته، فتجسد الله ليعبده الناس، يقول (القديس) أفرام: "إن الله رأى أننا (أي البشر) عبدنا المصنوعات، ولذلك لبس جسداً مصنوعاً، ليقتنصنا به ونتعبد له" (١).
رابعها: أن التجسد كان ضرورة للتوفيق بين عدل الله ورحمته، حيث اقتضى عدل الله موت البشرية وتسلط الموت عليها واقتضت رحمته حياتها، فكان المسيح كبش الفداء.
وفي ذلك يقول البابا أثناسيوس وهو أحد أهم رجال مجمع نيقية: "لهذا كان أمام كلمة الله أن يأتي بالإنسان الفاسد إلى عدم فساد، وفي نفس الوقت أن يؤمن مطالب الأب العادل المطالب به الجميع، وحيث إنه هو كلمة الأب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذي يليق بطبيعته أن يجدد خلقه كل شيء وأن يتحمل الآلام عن الجميع لدى الآب .. لأجل ذلك نزل إلى عالمنا كلمة الله الخالي من الجسد، العديم الفساد وغير المادي .. وإذ لم يتحمل أن يرى الموت تصير له السيادة لئلا تفنى به الخليقة، وتذهب
стр. 127
صنعه أبيه في البشر هباء، فقد أخذ لنفسه جسداً لا يختلف عن جسدنا .. لأنه لو لم يكن الرب مخلص الجميع ابن الله قد جاء إلينا وحل بيننا ليوفي غاية الموت، لكان الجنس البشري قد هلك".
ثم ماذا بعد موت المسيح هل تغير حال البشر فلم يعد الموت متسلطاً عليهم؟
فيجيب أثناسيوس: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم .. وعندما تم ذلك بدأ البشر يموتون، وصار عليهم من الفساد في ذلك الوقت فصاعداً، وصار له سلطان على الجنس البشري أكثر من سلطانه الطبيعي، لأنه أتى نتيجة تهديد الله في حال العصيان".
لكنا لم نعرف ما هو السلطان الطبيعي للموت؟ ولا ندري ما الفرق بين موت الناس قبل المسيح وبعده .. كما يحق لنا أن نتساءل هنا عن سر تسلط الموت على غيرنا كأنواع الحيوانات المختلفة.
كما يذكر أثناسيوس سبباً آخر للتجسد - وهو الإيناس الذي ذكرناه قبلُ - فيقول: "عندما خلق الله الضابط للكل الجنس البشري بكلمته، ورأى ضعف طبيعتهم، وأنها لا تستطيع من نفسها أن تعرف خالقها، أو أن تكون فكرة عن الله على الإطلاق .. لهذا تحنن الله على الجنس البشري على قدر صلاحه ولم يتركهم خالين من معرفته، لئلا يروا أن لا منفعة على الإطلاق من وجودهم في الحياة" (١).
لقد كان الهدف من التجسد إذاً أن تأنس البشرية برؤية ومعرفة ربها وأن تنهدم الهوة الواسعة بين الخالق والمخلوق، وهو ما عبر عنه سنوت في كتابه "المسيحية الأصلية" حيث يقول: "توجد فقط هوة واسعة لا حد لها ... ولو لم يكن الله بادر
стр. 128
وتدراك الأمر لبقيت الحالة على ما هي عليه، ولظل الإنسان بلا رجاء يتخبط في دياجير اللا إرداية، ولكن الله تكلم، ولقد بادر وأعلن عن نفسه" (١).
وهنا يتساءل الدكتور عبد الكريم الخطيب: كيف كانت صلة الأنبياء بربهم مع هذه الهوة؟ هل عرفوا ربهم المعرفة التي تدفعهم لعبادته وطاعته؟ أم كان إيمانهم باهتاً؟ وماذا تغير في حياة البشرية بعد تجسد الإله؟ هل آمن الناس وعرفوا ربهم؟ وهل زال الإلحاد من البشرية؟
ثم أين الإيناس للبشرية في رؤيتها للرب وهو يصفع ويضرب ويجلد. إن هذا من شأنه أن يقلل من مقام الألوهية عندهم، فالنفس البشرية طلعة تتوقد أشواقها إلى المجهول، وتتحرك نزعاتها إلى عالم الغيب، فإذا انكشف لهم المجهول أو ظهر لهم ما وراء الغيب سكنت نزعاتها وبردت أشواقها نحو هذا الشيء الذي كانت تسعى إليه وتجدُّ في البحث عنه.
ثم ماذا عن باقي أجيال البشرية التي لم تأنس بمعرفة هذا المتجسد. هل من العدل أن تحرم منه؟ وكيف لها أن تعرف ربها ولم تراه؟!
ثم لم كان أنسنا بالإله حال طفولته وشبابه فقط، ولم نأنس به أيضاً حال كهولته وهرمه. فلماذا؟!
وهكذا يرفض المسلمون هذه التبريرات المتهافتة التي تسيء إلى عظمة الله، وتجعله عاجزاً عن العفو والغفران، حائراً بين عدله ورحمته، ومثل هذا لا يقع به الحكماء من الناس فضلاً عن رب العالمين، أو تظهره عاجزاً عن هداية خلقه إلى عبادته إلا بموافقتهم على ما ألفوه من صور الشرك.
стр. 129
ويشاركنا شارل جنيبر الرأي في ضعف هذه التبريرات، ويقرر أن بولس هو الذي قرر تجسد الإله، ويوضح الأسباب التي دعته لذلك، لقد ابتكر عقيدة التجسد بعد أن أدرك " أن الأتباع الجدد من المشركين لم يكونوا ليتقبلوا كل القبول فضيحة الصلب، وأنه يجب تفسير ميتة عيسى المشينة - والتي لم يكف الأعداء بطبيعة الحال عن الرجوع إليها - تفسيراً مرضياً، يجعل منها واقعة ذات مغزى ديني عميق.
وأعمل الحواري (بولس) فكره في هذه المشكلة ... ووضع حلاً كان له صدى بالغ المدى قد تجاهل فكرة عيسى الناصري التي أغرم بها الاثنا عشر، ولم يتجه إلا إلى عيسى المصلوب، فتصوره شخصية إلهية تسبق العالم نفسه في الوجود، وتمثل نوعاً من التشخيص ... وقد عثر الحواري على العناصر الجوهرية في الأسرار، عثر عليها في غالب الظن دون أن يبحث عنها ... " (١).
لكن حرجاً آخر واجهه بولس وهو يضع لمساته النهائية على الإله المتجسد المصلوب، وهو كيف يقول بنهاية حياة المسيح على الصليب، والتوراة تنص على لعن كل مصلوب. (انظر التثنية ٢١/ ٢٣)، فهذا يزري بالمسيح ويجعله ملعوناً حسب شرائع اليهود.
لحل هذه القاصمة، رأى بولس أن يجعل من الملعون مثلاً أعلى في التضحية، وأن يجعل منه إلهاً نزل وتجسد ليفدي البشرية من خطاياها، فصار لعنة ليفتديهم من لعنة الناموس، وكما قال بولس: "ولكن الله من محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا، فبالأولى كثيراً ونحن متبررون الآن بدمه، نخلص به من الغضب، إنه وإن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه .. " (رومية ٥/ ٨ - ١٠)، لقد صار لعنة
стр. 130
لأنه حررنا من لعنة الناموس! (١).
وأخيراً، فإن هذا الذي تقوله النصارى في الرب جل وعلا من تعدد وتجسد نوع من العبث الإنساني وجرأة صارخة على مقام الرب جل وعلا وتطاول مستغرب، فإن المثّال كما يقول الأستاذ المهتدي محمد مجدي مرجان "حين يصنع تمثالاً فإنه يستطيع أن يهدمه، ولا يتصور أحد أن يدعي التمثال أنه من جِبلة صانعه، أو أنه جزء أو عنصر من هذا الصانع.
ولكن الإنسان الضعيف - أحد مخلوقات الله - تطاول على صانعه، ثم أخذه الغي، ولعبت برأسه نشوة الضلال، فقلب الوضع وعكس الآية، فقام بإعادة تكوين وتشكيل صانعه، ثم راح يعيد تقسيم خالقه إلى أقسام ثلاثة ابتدعها خياله، جاعلاً كل قسم منها إلهاً قائماً بذاته، محولاً الإله الواحد إلى ثلاثة ... ثم قام بتقسيم الأعمال والأعباء والوظائف بين آلهته الثلاثة التي صنعها عطفاً وإشفاقاً من أن يتحمل كل تلك الأعمال والأعباء والوظائف إله واحد. حقاً ما أشقى الإنسان" (٢).
والحق أن فكرة التجسد النصرانية كانت أحد أهم أسباب انتشار الإلحاد بين المسيحيين، فإن الإنسان يميل بفطرته وعقله إلى تعظيم الخالق وتنزيهه عن الشبيه والمثيل، فيما تجعله النصرانية إنساناً خرج من فرج امرأة من بني إسرائيل.
يقول كيرانس ايرسولد: "أما من وجهة نظر العلم فإنني لا أستطيع أن أتصور الله تصوراً مادياً، بحيث تستطيع أن تدركه الأبصار أو أن يحل في مكان .. " (٣).
стр. 131
وعندئذ يخيَر الناس بين المعتقد الخاطئ والفطرة الصحيحة المؤيدة بسلطان العقل، فلا يجد كثير منهم مفراً من الكفر بإله الكنيسة المصفوع والمصلوب، فيكثر الإلحاد. تعالى الله عما يقول هؤلاء علواً كبيراً.
ومن الآثار السيئة التي تتركها عقيدة التجسد إضعاف المثُل والقيم التي جاء بها المسيح ودعا إليها، ثم كان بسبقهم إليها قدوة صالحة لأتباعه، لكن أثر هذا الخلق يضيع مع القول بالألوهية، إذ لن يتصور البشر إمكانية تطبيق هذه المُثُل التي سبقهم إليها إله.
هذا ما يراه كُتاب دائرة المعارف الأمريكية في قولهم: "لو كان إلهاً فإن المثُل التي ضربها لنا بعيشته الفاضلة يفقد كل ذرة من القيمة، حيث إنه يمتلك قوى لا نملكها. إن الإنسان لا يستطيع تقليد الإله".
ويقول توماس أكمبسفي كتابه "على خطى المسيح": "إذا كان المسيح إلهاً فإن المرء لا يستطيع اقتفاء أثره والسير على منهجه".
стр. 132
هل المسيح هو الله ؟
وقد اهتم المحققون بمناقشة الطبيعة الواحدة للمسيح والتي تقول بها الكنيسة الأرثوذكسية المصرية (المرقسية).
وفي بيان معتقد الكنيسة المصرية يقول حبيب جرجس عميد الكلية الإكليريكية بمصر موضحاً عقيدة الأرثوذكس الشرقيين في مسألة الطبيعة الواحدة: "إن فادينا العظيم قد تنزل عن سماء مجده، وقبِل أن يتحد بالإنسان باتخاذه جسداً حقيقياً بنفس عاقلة ناطقة، فحبل به بقوة الروح القدس ... واتحادهما بدون اختلاط ولا امتزاج، يصيران شخصاً واحداً، ذا طبيعة واحدة ... صار المسيح ذاتاً واحدة جوهراً واحداً طبيعة واحدة، مشيئة واحدة".
ولعل هذا المذهب أشد مذاهب النصارى كفراً، إذ أنه جعل الله هو المسيح ﵇ كما قال الله عنهم: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (المائدة: ١٧).
ويعجب المسلمون كيف جعل أتباع هذا المذهب الله بشراً؟ فالقديم الأزلي لا يصير محدثاً، ولا يجري عليه ما يجري على البشر من عوارض كالنوم والنسيان والأكل والشرب وكونه يرى ...
لكن النصوص المقدسة تثبت أن المسيح ليس الله، فثمة مفارقات واضحة بينهما، فالمسيح بشر، أصابته العوارض التي تصيب سائر البشر، وهي عوارض تنزه النصوص التوراتية، بل والإنجيلية الله عنها.
فالمسيح ﵇ مولود امرأة، وهيهات لمولود المرأة، ابن آدم الدود، أن يكون إلهاً، فقد جاء في التوراة "فكيف يتبرر الإنسان عند الله؟ وكيف يزكو مولود المرأة. هوذا
стр. 133
نفس القمر لا يضيء، والكواكب غير نقية في عينيه. فكم بالحري الإنسان الرمّة وابن آدم الدود! " (أيوب ٢٥/ ٤ - ٥).
والمسيح إنسان، وهو ابن الإنسان "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا ٨/ ٤٠)، بينما الله "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (العدد ٢٣/ ١٩).
والمسيح نام في السفينة. (انظر مرقس ٤/ ٣٥ - ٣٨)، أما الله فهو " لا ينعس ولا ينام حافظ إسرائيل" (المزمور ١٢١/ ٤).
والمسيح ﵇ كان جسداً مرئياً، والله لا يرى "الذي لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه الذي له الكرامة والقدرة الأبدية" (تيموثاوس (١) ٦/ ١٦). وهو ما يقوله يوحنا: " الله لم يره أحد قط " (يوحنا ١/ ١٨).
يمضي يوحنا فيقول: " الله روح" (يوحنا ٤/ ٢٤)، أي ليس جسماً محسوساً، في حين كان المسيح جسماً محسوساً باللمس، والمسيح عن نفسه يقول: " انظروا يديّ ورجليّ، إني أنا هو، جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا، أراهم يديه ورجليه" (لوقا ٢٤/ ٣٧ - ٤١).
بل لا تقدر الأجسام أن ترى الله، ومن رآه يموت. (انظر الخروج ١٠/ ٢٨) فكيف يزعم الزاعمون بأن البشر رأوه؟
والمسيح ﵇ كان صوته مسموعاً، أما الآب فالأسفار تخبر أن أحداً لم يسمع صوته، ولم يره "والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته" (يوحنا ٥/ ٣٧).
وكيف يقول النصارى: إن جسداً بشرياً قد اكتنفه في بطنه إلى حين ولادته، والله يستحيل عليه ذلك، كما تخبرنا التوراة الكاثوليكية حين تقول: " فقال الرب: لا تحل
стр. 134
روحي على إنسان أبداً، لأنه جسد" (التكوين ٦/ ٣)، فروح الله لا تحل في الأجساد، فضلاً عن حلول ذاته العلية، لأن "العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي" (أعمال ٧/ ٤٨).
ومن المحال أن يكتنفه جسد أرضي مهما عظم، فالسماوات والأرض لا تسعه " هل يسكن الله حقاً على الأرض؟ هوذا السماوات وسماء السماوات لا تسعك، فكم بالأقل هذا البيت الذي بنيت" (الملوك (١) ٨/ ٢٧).
والمسيح صلب - كما ذكرت الأناجيل - ومات، والله عن نفسه يقول: "حي أنا إلى الأبد" (التثنية ٣٢/ ٤٠)، ويقول: "أقسم بالحي إلى أبد الآبدين" (الرؤيا ١٠/ ٦)، وهو "الذي وحده له عدم الموت ساكناً في نور، لا يدنى" (تيموثاوس (١) ٦/ ١٦).
كما أفادت نصوص أخرى عجزاً للمسيح ﵇ وقعوداً عن مرتبة الألوهية، فدل ذلك على أنه ليس الله، فقد جهل موعد الساعة " وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات، إلا أبي وحده " (متى ٢٤/ ٣٦).
وقال عن نفسه: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً " (يوحنا ٥/ ٣٠).
لذا عجز أن يعد ابني زبدي بالملكوت (انظر متى ٢٠/ ٢٣)، ولما سماه أحدهم صالحاً قال: "لم تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله" (لوقا ١٨/ ١٨ - ٢٠).
وذكر بولس أن للمسيح شركاء "من أجل ذلك مسحك الله بزيت الابتهاج أكثر من شركائك" (عبرانيين ١/ ٨ - ١٠). فهل هؤلاء شركاء له حتى في الألوهية؟
كما ثمة نصوص أفادت بأن المسيح ﵇ عبد إلهاً غيره، وهو الله، يقول لوقا: "وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلّي، وقضى الليل كله في الصلاة لله" (لوقا ٦/ ١٢)،
стр. 135
وقد ذكر الإنجيليون أنه صرخ إلى ربه مستغيثاً وناداه وهو على الصليب: " إلهي إلهي لماذا تركتني" (متى ٢٧/ ٤٦).
وقال للتلاميذ عن الله: " أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم" (يوحنا ٢٠/ ١٧).
كما كان المسيح ﵇ يعبد ربه ويصلي له، ومن ذلك صلاته ليلة أن جاء الجند للقبض عليه. (انظر متى ٢٦/ ٣٩)، فإذا كان هو الله فلمن كان يصلي؟ هل الله يصلي لله؟ وهل الله يدعو الله؟ ثم هل يستجيب الله لدعاء الله؟!
وقال للشيطان لما طلبه أن يسجد له: "مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى ٤/ ١٠)، فهل كان يتحدث عن نفسه؟
كما تثبت النصوص تغايراً بين المسيح ﵇ والله، وتذكر عشرات النصوص أن المسيح مرسل من الله والمرسَل غير المرسِل، منها "الكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا ١٤/ ٢٤)، ويقول المسيح ﵇ أخرى: "أرسلتني إلى العالم ... ليؤمن العالم أنك أرسلتني ... " (يوحنا ١٧/ ٢١ - ٢٤)، وفي رسالة يوحنا: " الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به" (يوحنا (١) ٤/ ٩).
وأكد يوحنا المغايرة بين الآب والابن، وأنهما ليسا واحداً في قوله على لسان المسيح: "لم أتكلم من نفسي، لكن الأب الذي أرسلني، هو أعطاني وصية ماذا أقول، وبماذا أتكلم" (يوحنا ١٢/ ٤٩)، فإذا كان الابن مساوياً للآب في كل شيء أو هو الآب نفسه، فلم كان الابن لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل لابد له من موافقة الآب الذي أرسله وأعطاه وأوصاه بالكلام الذي ينبغي أن يقوله.
ومن النصوص التي أفادت المغايرة قول بولس عن المسيح: "الذي أقامه من الأموات" (كولوسي ٢/ ١٢)، فالقائم من الموت غير الذي أقامه.
стр. 136
ويقول بولس: "نشكر الله أبا ربنا يسوع المسيح" (كولوسي ١/ ٣)، فالأب ليس الابن، بل أبوه.
ويقول المسيح: "كما أحبني الأب" (يوحنا ١٥/ ٩)، ويقول: " ليفهم العالم أني أحب الآب وكما أوصاني الآب " (يوحنا ١٤/ ٣١)، فالمحب غير المحبوب، والموصي غير الموصى.
ويقول: "ما سمعته من أبي" (يوحنا ١/ ١٥)، فالسامع ليس القائل.
ويؤكد الفرق بينه وبين الله، فيقول: "أبغضوني أنا وأبي" (يوحنا ١٥/ ٢٤).
ومما يفيد أيضاً المغايرة بين الأقانيم الثلاثة قول بطرس: "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيراً" (أعمال ١٠/ ٣٨)، فالله مسح عيسى بالروح القدس، فهم ثلاث شخصيات متمايزة منفصلة.
وجاءت نصوص تقول بأن المسيح ﵇ بعد القيامة "ارتفع وجلس عن يمين الله" (مرقس ١٦/ ١٩). ويقول بولس: "المسيح جالس عن يمين الله" (كولوسي ٣/ ١)، فالذي عن اليمين غير للذي عن شماله.
وقد قال لمريم المجدلية: " وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" (يوحنا ٢٠/ ١٧)، فالصاعد غير الذي يصعد إليه.
كما أن هذه الغيرية تنطوي على عدم تساوٍ بين الله والمسيح، فقد قال المسيح: "أبي أعظم مني" (يوحنا ١٤/ ٢٨)، وقال: "أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل" (يوحنا ١٠/ ٢٩)، وقال: "الحق الحق أقول لكم: إنه ليس عبد أعظم من سيده، ولا رسول أعظم من مرسله" (يوحنا ١٣/ ٢٦)، وقال: "الحق أقول لكم، لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل" (يوحنا ٥/ ١٩).
стр. 137
وأكد بولس خضوع المسيح في النهاية لله فقال: " ومتى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل، (أي لله) كي يكون الله الكل في الكل " (كورنثوس (١) ١٥/ ٢٨)، فهو ولاشك دون الآب، خاضع له، وليس هو الآب، فهل هذان أقنومان متساويان أم شخصان متغايران؟
وأخيراً: الله ليس له شبيه ولا نظير، لا في السماء ولا في الأرض، لا المسيح ولا غيره "قال: أيها الرب إله إسرائيل، لا إله مثلك في السماء والأرض" (الأيام (٢) ٦/ ١٤)، وقال: " لأنه مَن في السماء يعادل الرب؟ من يشبه الرب بين أبناء الله؟ " (المزامير ٨٩/ ٦).
стр. 138
استدلال النصارى بآيات من القرآن على ألوهية المسيح
يورد النصارى ويثيرون في وجه المسلمين شبهات زعموا فيها أن القرآن يصدق عقيدتهم وقولهم في المسيح، وأنه ابن الله. واستندوا في ذلك إلى متشابه الآيات التي فهموها وفق مرادهم، وإلى ما في الآيات الكريمة من ثناء على المسيح وأمه والحواريين والمؤمنين من النصارى.
وفي مواجهة شبهات النصارى واستدلالهم نذكر أنه ثمة آيات كثيرة تكفر النصارى، وتبين فساد عقيدتهم، منها قوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ (المائدة: ١٧)، وقوله: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ - لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثةٍ وما من إلهٍ إلا إلهٌ واحدٌ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذابٌ أليمٌ﴾ (المائدة:٧٢ - ٧٣)، ومثله قوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة: ٢٩).
وقد أنكر القرآن أشد النكير وأغلظه على أهل الكتاب من النصارى ادعاءهم أن المسيح ابن مريم ﵇ ولد الله ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً - لقد جئتم شيئاً إداً - تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً - أن دعوا للرحمن ولداً - وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً - إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً﴾ (مريم: ٨٨ - ٩٣) وقال: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق
стр. 139
الذي فيه يمترون - ما كان لله أن يتخذ من ولدٍ سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ (مريم: ٣٥ - ٣٦).
وذكر القرآن عبودية المسيح ﵇ في آيات كثيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل﴾ (الزخرف: ٥٩)، ولما نطق في مهده ﵇ صرح بهذه الحقيقة، فقال: ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً﴾ (مريم: ٢٠)، ﴿ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون - إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراطٌ مستقيمٌ﴾ (الزخرف: ٦٣ - ٦٤).
وقال القرآن مصرحاً برسالته ﵇: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون﴾ (المائدة: ٧٥).
وكان أهم ما تمسك النصارى وتعلقوا به في شبهتهم قول الله تعالى: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ (التحريم: ١٢). وقوله: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ (النساء: ١٧١).
فلقد فهموا من هذين النصين أن عيسى هو روح الله القائمة به، وهو كلمته، أي عقله الناطق (اللوغس)، وهو تعلق غريق أعياه أن يجد في كتابه دليلاً يصرح بألوهية المسيح، فعمد إلى كتب غيره يحرف معانيها ويتنكب حقائقها.
وهذه الشبهة ألقاها نصارى نجران بين يدي النبي ﷺ فقالوا: " ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ فقال: بلى. قالوا: فحسبنا. فأنزل الله : ﴿فأما الذين في
стр. 140
قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (آل عمران: ٧) (١).
والآية - التي اجتزؤوا منها ما تعلقوا به - تظهر بطلان استدلالهم بتمامها ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً - لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً﴾ (النساء: ١٧١ - ١٧٢)، فتلحظ أن أول الآية وآخرها يكذب النصارى في استدلالهم، ويصرح بعبودية المسيح لله ﵎.
والمسيح ﵇ كلمة الله لأنه خلق بكلمة الله، فهو كلمة الله المخلوقة، وليس كلمة الله الخالقة، التي هي أمر التكوين (كن)، وهذا ما ذكره وبيَّنه القرآن الكريم، حين شبه خلق المسيح ووجوده بخلق آدم ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩).
ومما يؤكد أن مقصود القرآن بالكلمة؛ كلمة الله التي كانت سبباً بوجوده، لا المعنى الفلسفي الذي يزعمه النصارى (اللوغس) قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾ (آل عمران: ٤٥)، فهو كلمة من الله، وليس صفة الله الأزلية.
ولذلك لما بشر الله زكريا ﵇ بمجيء يحيى وصفه بأنه يصدق بكلمة من الله،
стр. 141
وهو المسيح ﵇ ﴿فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمةٍ من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين﴾ (آل عمران: ٣٩).
وفي آيات أخر وصف المسيح بأنه كلمة مخلوقة: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين - ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين - قالت رب أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ (آل عمران:٤٥ - ٤٧) فصرحت الآيات أنه كلمة من الله وأنه مخلوق، فهل ينطبق هذا على عقل الله الناطق الذي يسمونه بالكلمة (اللوغس).
وسبب اختصاص المسيح بهذا الاسم الكريم أنه ليس للمسيح سبب بشري قريب من جهة أبيه ينسب إليه كما الناس، لذا نسب إلى سببه القريب، وهو تخليقه بكلمة الله، التي تخلّق وفق أمرها.
وقد يكون المقصود أنه يحمل كلمة الله، كما في العهد الجديد: " وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جداً " (أعمال ٦/ ٧)، ومثله قوله: "وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله " (لوقا ٥/ ١).
وأما قوله ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ فالمراد بالروح منه جبريل ﵇، كما سماه الله في آية أخرى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ (النحل: ١٠٢).
وقد تمثل جبريل (روح الله) للعذراء البتول في صورة رجل ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ (مريم: ١٧)، فنفخ في درعها، فسرى المسيح في أحشائها، فالمسيح خلق بنفحة منه ﴿فنفحنا فيها من روحنا﴾ (الأنبياء: ٩١).
وهذا المعنى هو ما ورد في حق آدم أيضاً ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ (الحجر: ٢٩)
стр. 142
فهي إضافة تشريف وتكريم، ولو أوجبت هذه الإضافة معنىً خارجاً عن الإنسانية لكان آدم أولى بذلك.
وقوله: ﴿وروح منه﴾ ليست تبعيضية، بل هي لابتداء الغاية، كقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه﴾ (الجاثية: ١٣)، أي خلقت منه.
وتستعمل لفظة الروح بمعنى الملائكة كما في قول موسى ﵇: " قال له موسى: هل تغار أنت لي، يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذا جعل الرب روحه عليهم" (العدد ١١/ ٢٩)، ويقول: "يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماًً" (أعمال ٢/ ١٧).
وهكذا فإن القرآن كما العهد الجديد متفقان على أن المسيح ﵇ عبد الله ورسوله المجتبى إلى بني إسرائيل، وهو ﵊ النبي المؤيد بالمعجزات الباهرات الدالة على نبوته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
стр. 143
ألوهية الروح القدس
الروح القدس عند المسلمين اسم شريف يطلق على الملاك جبريل ﵇، كما يطلق على وحي الله وعلى تأييده الذي يؤيد به أنبياءه وأولياءه.
وقد سمى القرآن الكريم الملاك جبريل روحاً في قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ (النحل: ١٠٢)، ومثله قوله تعالى: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس﴾ (المائدة: ١١٠).
وكذا سمّى القرآن الكريم وحي الله على أنبيائه روحاً في قوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ (الشورى: ٥٢)، ومثله قوله تعالى: ﴿ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ (غافر: ١٥).
ومن المهم أن نقرر أن روح القدس (????????? ?????) أو روح الله في الكتاب المقدس لا يبعد كثيراً عما ذكرناه في المفهوم القرآني، لكنه على أية حال لا يتفق مع المعنى الذي قدمه مجمع القسطنطينية، فقد ورد هذا الإطلاق (الروح) في الكتاب المقدس على معان متعددة:
١ - الروح الإنسانية التي يخلقها الله في الأحياء، فهي روح الله المخلوقة فيهم، يقول بولس: "وإلى أرواح أبرار مكملين " (عبرانيين ١٢/ ٢٣)، ونحوه دعاء المترنم: " تنزع أرواحها فتموت، وإلى تراب تعود، ترسِل روحك (أي يا الله) فتُخلق (أي الكائنات) وتجدد وجه الأرض" (المزمور ١٠٤/ ٢٩ - ٣٠)، وهذه الروح التي من الله هي النفخة التي أحيت هيكل آدم "ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حياً" (التكوين ٢/ ٧)، وقد دعيت هذه الروح بـ (روح من الله) لأنها صدرت عن الله، وإليه تعود "ترجع الروح إلى الله الذي أعطاها" (الجامعة ١٢/ ٧).
٢ - الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء ومنه: "داود قال بالروح القدس"
стр. 144
(مرقس ١٢/ ٣٦)، ومثله "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس" (لوقا ١/ ٦٧)، وقال بطرس: " أيها الرجال الإخوة، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود " (أعمال ١/ ١٦)، وقد سمى الله الأنبياء وما يأتون به من الوحي روح القدس فقال موبخاً لبني إسرائيل: " يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان، أنتم دائماً تقاومون الروح القدس، كما كان آباؤكم كذلك أنتم، أيُّ الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟! " (أعمال ٧/ ٥١)، وسمى يوحنا الأنبياء أرواحاً، وهذه الأرواح من الله: "أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن انبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (يوحنا (١) ٤/ ١).
٣ - كما يطلق هذا اللفظ (الروح القدس، روح الله) على ما يعطيه الله من قوة وتأييد وفهم وحكمة للأنبياء وغيرهم، ومنه قول المسيح ﵇: "كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين" (متى ١٢/ ٢٨) أي بقوة الله، ومثله قول فرعون لعبيده، وهو يبحث عن رجل حكيم: "هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله" (التكوين ٤١/ ٣٨)، أي حكمة إلهية أعطاه الله إياها كما أعطي سليمان الحكيم، ومثله كذلك ما جاء في سفر النبي حجي: "روحي قائم في وسطكم. لا تخافوا" (حجي ٢/ ٥)، أي قوتي وتأييدي.
وقريباً من هذا المعنى يطلق لفظ (الروح القدس)، ويراد به الخيرات الإلهية التي يسديها الله لعباده كما في قول المسيح: "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى ٧/ ١١)، وقد سمى لوقا هذه الخيرات (الروح القدس) وهو ينقل ذلك القول الذي قاله المسيح "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه" (لوقا ١١/ ١٣)، فالروح القدس هو الخيرات التي يهبها الله للذين يسألونه.
ومثل هذا المعنى ورد في قول لوقا: "كان الرجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه" (لوقا ٢/ ٢٥) أي خيرات الله، وكذلك أيد روح القدس أي خير الله وتأييده التلاميذ في اليوم الخمسين "فامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدؤوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (أعمال ٢/ ٤)، وقدا فسر (القديس) الشهير يوحنا ذهبي الفم هذا النص في مقالته الثانية والسبعين في تفسير إنجيل يوحنا بقوله: " إن الروح القدس من الآب ينبثق والروح الذي أعطاه المسيح للرسل عندما نفخ فيهم والذي حل عليهم يوم العنصرة لم يكن جوهر الروح ولا أقنومه بل مواهبه" (١)، والذهبي الفم يؤمن - كسائر المسيحيين - بتميز بألوهية أقنوم الروح القدس، وتميزه عن الآب والابن، لكنه يفسر لفظة الروح القدس الواردة في (أعمال ٢/ ٤) بالمواهب التي ينسبها إليه.
٤ - الرياح الشديدة، ومنه قول التوراة وهي تصف الريح المدمرة: "يبس العشب، ذبل الزهر، لأن روح الرب هب عليه" (إشعيا ٤٠/ ٧)، وهو ينطبق على ما جاء في مقدمة سفر التكوين "وروح الله يرف على وجه الماء" (التكوين ١/ ١ - ٢)، فإن في ترجمته لبساً أوهم هذا الخلط، فالنص كما ينقل الناقد الكبير اسبينوزا عن مفسري اليهود، يقصد منه رياح عظيمة أتت من عند الله، فبددت ظلمات الغمر.
ونسبة الروح إلى الله في هذين النصين وأمثالهما نسبة تعظيم وتشريف، لا نسبة تأليه، وهي كقوله: "جبال الله" (المزمور ٣٦/ ٦).
стр. 145
لكن جميع المعاني التي ذكرناها قبلُ للروح القدس غير مرادة عند مؤلهي روح القدس، الذين لا يوافقون على كونه مجرد قوة أو تأثير أو ملاك من الله، فالروح القدس وفق المفهوم النصراني إله، إنه ثالث أطراف الثالوث الأقدس، فمن هو الروح القدس وفق مفهومهم؟ وما أدلة النصارى على تأليهه؟ ومتى تمّ ذلك؟
في عام ٣٨١م وبأمر الامبرطور تاؤديوس انعقد مجمع القسطنطينية للنظر في قول الأسقف مكدونيوس أسقف القسطنطينية الأريوسي، والذي كان ينكر ألوهية الروح القدس ويقول بما تقوله الأسفار عن الروح القدس: "إن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون، وليس أقنوماً متميزاً عن الأب والابن"، وكان يقول عنه: إنه كسائر المخلوقات، ويراه خادماً للابن كأحد الملائكة.
وقد حضر المجمع مائة وخمسون أسقفاً، وقرروا حرمان مكدونيوس وتجريده من وظائفه الكنسية، واتخذوا أحد أهم قرارات المجامع الكنسية، وهو تأليه الروح القدس، واعتبروه مكملاً للثالوث الأقدس، وقالوا: "ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس الله شيئاً غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق فقد قلنا: إن الله مخلوق" (١).
ويقول القس يسّى منصور: " إن الروح القدس هو الله الأزلي، فهو الكائن منذ البدء قبل الخليقة، وهو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، والحاضر في كل مكان، وهو السرمدي غير المحدود ".
ويقول في موضع آخر راداً على الأسقف مكدونيوس: "إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، وهو ليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة، بل هو ذات حقيقي، وشخص حي، وأقنوم