(ت٤٠م)، يقول فيلسيان شالي: "فكرة الكلمة التي جاءت من فلاسفة رواقيين ومن فلسفة يهودي (فيلون)، ومستعارة من هذه العقائد أو النظريات على يد القديس جوستين ويد مؤلف الأسطر الأولى من الإنجيل الذي يعزى إلى القديس يوحنا" (١).
ويرى العلماء أن مصطلح "الكلمة" بتركيباته الفلسفية غريب عن بيئة المسيح وبساطة أقواله وعامية تلاميذه، وخاصة يوحنا الذي يصفه سفر أعمال الرسل بأنه عامي عديم العلم، فيقول: "فلما رأوا مجاهرة بطرس ويوحنا، ووجدوا أنهما إنسانان عديما العلم وعاميان تعجبوا" (أعمال ٤/ ١٣).
- كما ينبه ديدات إلى أن ثمة تلاعباً في الترجمة الإنجليزية، وهي الأصل الذي عنه ترجم الكتاب المقدس إلى لغات العالم.
ولفهم قول المسيح على حقيقته نعود إلى الأصل اليوناني، حيث النص في الترجمة اليونانية يستخدم كلمة (الله) بصيغة التعريف
(??? ????) في قوله: "والكلمة كانت عند الله"، وتترجم إلى كلمة ( God) في الترجمات الإنجليزية، وكتابتها بحرف كبير ( G) للدلالة على أن الألوهية حقيقة، هذا في المقطع الأول.
ثم يمضي النص اليوناني، ليعرِّفنا بصفة الكلمة وخصائصها فيقول: "وكان الكلمة (الله) " (??? ???? ?? ? ?????)، ويستخدم النص اليوناني كلمة (الله) بصيغة تنكير????)) بمعنى إله، وكان ينبغي أن يستخدم في الترجمة الإنجليزية كلمة ( god) بحرف صغير للدلالة على أن الألوهية مجازية، كما وقع في نص سفر الخروج "جعلتك إلهاً لفرعون" (???? ?????? ?? ???? ????? ???) (الخروج ٧/ ١)، فكلمة (الله) في هذا المقطع من قول يوحنا جاءت نكرة، فهي لا تفيد العَلَمية التي هي اسم الله .
لكن المفاجأة أن هذه الصيغة التعريفية لاسم الألوهية (? ????) لم تعط في الكتاب المقدس للمسيح ﵇، لكنها منحت للشيطان حين أسماه بولس "إله الدهر الذي أعمى أذهان غير المؤمنين" (كورنثوس (٢) ٤/ ٤) فاستخدمت التراجم العربية صيغة تنكير "إله"، وكذلك التراجم الإنجليزية ( a god) ؛ مع أن النص اليوناني جاء معرفاً (?? ??? ? ???? ??? ??????).
стр. 72
وهكذا فاستخدام التراجم العربية والعالمية اسم (الله) في قول يوحنا: "وكان الكلمة الله"، نوع من التلبيس والتحريف في النص (١).
وقد استدركت بعض الترجمات العربية والعالمية الخطأ، فغيرت النص، منها نسخة ترجمة العالم الجديد في ترجماتها العالمية المختلفة، وقد جاء في نسختها العربية: "وكان الكلمة إلهاً".
كما أفردت ملحقاً خاصاً بتبيان التحريف الذي وقعت فيه النسخ المخالفة في قراءة هذه الكلمة، ومما جاء فيه: "إن عبارة يوحنا أن الكلمة أو لوغوس كان (إلهاً) أو (إلهياً) أو (كإله)، لا تعني أنه كان (الله) الذي كان هو معه، إنها تعبر فقط عن صفة معينة للكلمة أو لوغوس، ولكنها لا تحدد هويته أنه الله نفسه".
ونقلت عن فيليب هارنر الكاتب في مجلة أدب الكتاب المقدس (المجلد ٩٢/ ٨٧) قوله: "أنا أرى أن القوة الوصفية للمُسند في (يوحنا ١:١) بارزة جداً بحيث إنه لا يمكن اعتبار الاسم معرفة".
ويقول الأب متى المسكين في شرحه لإنجيل يوحنا: "هنا كلمة (الله) جاءت في الأصل اليوناني غير معرفة بـ (الـ) ... ، وحيث (الله) المعرف بـ (الـ) يحمل معنى الذات الكلية، أما الجملة الثانية فالقصد من قوله: "وكان الكلمة الله" هو تعيين الجوهر أي طبيعة (الكلمة)، أنها إلهية، ولا يقصد تعريف الكلمة أنه هو الله من جهة الذات.
стр. 73
وهنا يُحذَّر أن تقرأ (الله) معرفاً بـ (الـ) في "وكان الكلمة الله"، وإلا لا يكون فرق بين الكلمة والله، وبالتالي لا فرق بين الآب والابن، وهذه هي بدعة سابيليوس الذي قال أنها مجرد أسماء، في حين أن الإيمان المسيحي يقول: إن الأقانيم في الله متميزة، فالآب ليس هو الابن، ولا الابن هو الآب، وكل أقنوم له اختصاصه الإلهي، كذلك فالله ليس هو الكلمة، والكلمة ليس هو الله الكلي" (١).
ونوافق الأب المسكين في كثير مما قاله عن تنكير الكلمة المستخدمة، ولا نوافقه على قوله: "وهنا يقابلنا قصور مكشوف في اللغة العربية فلا توجد كلمة (الله) بدون تعريف (الـ) .. " إذ كلامه يوهم القارئ اضطرارهم إلى استخدام اللفظة المعرّفة (الله) في غير معناها بسبب قصور اللغة العربية، وهو غير صحيح، فذكرها إلباس وتحريف، بدليل وقوعه في سائر التراجم العالمية، وفي مقدمتها الترجمة الإنجليزية التي تعرض عن استخدام اللفظ النكرة ( god a) ، وتصر على تعريف الكلمة ( God) .
- ولو غض المحققون طرفهم عن ذلك كله، فإن في النص أموراً مُلبِسة تمنع استدلال النصارى به على ألوهية المسيح:
أولها: ما معنى كلمة "البدء"؟ ويجيب النصارى: أي الأزل.
لكن ذلك لا يسلم لهم، فإن الكلمة وردت في الكتاب على معانٍ منها:
- وقت بداية الخلق والتكوين كما جاء في " في البدء خلق الله السموات والأرض" (التكوين ١/ ١)، فوقت الخلق قديم لكنه في لحظة مخلوقة، وليس في الأزل، ومثله قول المسيح عن إبليس أنه كان منذ البدء: " أنتم من أب هو إبليس وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا، ذاك كان قتالاً للناس من البدء، ولم يثبت في الحق، لأنه ليس فيه حق" (يوحنا ٨/ ٤٤)، فإبليس قتال للناس منذ البدء أي بداية الخليقة، ولا يعني النص أنه كان في الأزل، فالشيطان ليس أزلياً.
стр. 74
ومثله قاله متى على لسان المسيح، وهو يحاجج اليهود "قالوا له: فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلّق، قال لهم: إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا" (متى ١٩/ ٧ - ٨)، ومعناه أن ذلك لم يكن مأذوناً به عند بداية الخليقة، وبداية الخلق لحظة مخلوقة، وليست الأزل الذي يسبق كل زمان.
- وترد كلمة البدء أيضاً، ويراد منها فترة معهودة من الزمن كما في قول لوقا: "كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء" (لوقا ١/ ٢)، فالبدء هنا يعني أول رسالة المسيح.
ومثله قول يوحنا: "أيها الإخوة لست أكتب إليكم وصية جديدة، بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء. الوصية القديمة هي الكلمة التي سمعتموها من البدء" (يوحنا (١) ٢/ ٧).
ومثله قوله في جواب اليهود لما سألوه: "فقالوا له: من أنت؟ فقال لهم يسوع: أنا من البدء ما أكلمكم أيضاً به" (يوحنا ٨/ ٢٥)، فكل هذه الاستعمالات لكلمة البدء لا يراد منها الأزل، بل أوقات معينة حادثة.
وعليه فلا يقبل قول النصارى بأن الأزل هو المراد في قوله "في البدء كان الكلمة"، فهذه اللفظة استخدمت في مواضع أخرى بمعان أخرى، فلا يصار إلى المعنى الذي أرادوه إلا بدليل مرجح.
ويرجح الشيخ العلمي في كتابه الفريد "سلاسل المناظرات" بأن معنى النص يتحدث عن بدء تنزل الوحي على الأنبياء، أي أنه ﵇ كان بشارة صالحة عرفها الأنبياء كما في (إرميا ٣٣/ ١٤) (١).
ثانيها: ما المقصود بـ (الكلمة)؟ هل هو المسيح ﵇؟ أم أن اللفظ يحتمل أموراً أخرى، وهو الصحيح. فلفظة (الكلمة) لها إطلاقات في الكتاب المقدس:
стр. 75
منها: كتاب الله أو وحيه "وكانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا" (لوقا ٣/ ٢)، " أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لوقا ٨/ ٢١) "لكن ليس هكذا حتى إن كلمة الله قد سقطت، لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون" (رومية ٩/ ٦).
ومنها: الأمر الإلهي الذي به صنعت المخلوقات، كما جاء في المزامير "بكلمة الرب صنعت السموات، وبنسمة فيه كل جنودها .. لأنه قال فكان، هو أمر فصار" (المزمور ٣٣/ ٦ - ٩)، ولهذا المعنى سمي المسيح ﵇ كلمة، لأنه خلق بأمر الله، من غير سبب بشري قريب (أي من غير أب) ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩)، أو لأنه - حسب المعنى الأول - أظهر كلمة الله، أي وحيه وكتابه.
كما قد يسمى وعيد الله كلمته؛ كما حكى النبي إرمياء استعجال بني إسرائيل ليوم البلاء والعذاب الذي أوعدهم الله إياه: "ها هم يقولون لي: أين هي كلمة الرب؟ لتأت. أما أنا فلم أعتزل عن أن أكون راعياً وراءك، ولا اشتهيت يوم البلية " (إرمياء ١٧/ ١٥ - ١٦)، والمسيح يعتبر وفق هذا المعنى أيضاً (كلمة الله)؛ أي أنه الكلمة الموعودة المبشر بها على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وأما المعنى الذي يزعمون النصارى للكلمة (اللوغس)، وأنها الأقنوم الثاني للثالوث الأقدس، فلم يرد في كتب الأنبياء البتة، لذلك يقول الدكتور جردوم عن (الرؤيا ١٩/ ١٣) وعن مقدمة يوحنا: "تشكلان الموضعين الوحيدين في الكتاب المقدس اللذين يشيران إلى ابن لله بصفته الكلمة أو كلمة الله" (١).
ثالثها: "وكان الكلمة الله" غاية ما يمكن أن يستدل به من هذه الفقرة أن المسيح ﵇ أطلق عليه: (الله)،
стр. 76
كما أطلق على القضاة في التوراة "الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي، حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار" (المزمور ٨٢/ ١)، وكما سمي به أشراف اليهود في قول داود: " أحمدك من كل قلبي، قدام الآلهة أرنم لك" (المزمور ١٣٨/ ١)، وقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فماً، وأنت تكون له إلهاً " (الخروج ٤/ ١٦). وغيرهم كما سبق بيانه
رابعها: قوله: "والكلمة كان عند الله"، والعندية لا تعني المثلية ولا المساواة. إنما تعني أن الكلمة خلقت من الله كما في قول حواء: "اقتنيت رجلاً من عند الرب" (التكوين ٤/ ١)، فقايين ليس مساوياً للرب، ولا مثله، وإن جاءها من عنده، وجاء في موضع آخر " وأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من عند الرب" (التكوين ١٩/ ٢٤)، فالكبريت والنار أتيا من عند الله أي بأمره، وليسا مساويين لله .
وهكذا يتبين فساد الاستدلال بمقدمة يوحنا على ألوهية المسيح ﵇.
стр. 77
خامساً: نسبة أفعال الله إلى المسيح
أ. إسناد الخالقية لله بالمسيح
كما أسندت بعض النصوص الخالقية لله بالمسيح، فتعلق النصارى بها، ورأوها دالة على ألوهيته ومنها قول بولس عن المسيح: "فإن فيه خلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء أن كان عروشاً أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق" (كولوسي ١/ ١٦ - ١٧)، وفي موضع آخر يقول: "الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أفسس ٣/ ٩)، ومثله ما جاء في مقدمة يوحنا "كان في العالم، وكوِّن العالم به، ولم يعرفه العالم" (يوحنا ١/ ١٠)، ومثله في (عبرانيين ١/ ٢) وغيرها.
ونلحظ ابتداءً أن الخلق في كافة النصوص الكتابية مسند لله تعالى فقط، فقد قال سفر التكوين "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (التكوين ١/ ١)، ولم يذكر خالقاً شارك الله بالخلق أو كان واسطة تم الخلق من خلاله، وفي سفر إشعياء "هكذا يقول الله الرب خالق السموات" (إشعيا ٤٢/ ٥)، كما وقد قال بولس وبرنابا لأهل مدينة لسترة: "نبشركم أن ترجعوا من هذه الأباطيل إلى الإله الحي الذي خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها" (أعمال ١٤/ ١٥)، فلم يذكر الكتاب خالقاً سوى الله العظيم.
وما بين أيدينا من أقوال بولس ويوحنا فإنها إنما تتحدث عن الله الذي خلق بيسوع كما صنع المعجزات بيد يسوع (انظر أعمال ٢/ ٢٢)، ولا تذكر أنه هو الخالق أبداً، فغاية ما تحتمله هذه النصوص - لو سلم بصحتها - أن يقال بأن الله خلق بالمسيح ما خلق من الكائنات والمخلوقات.
يقول القس جيمس أنِس متحدثاً عن الأقانيم وأعمالها المختلفة: "ومن أمثلة التميز في الأعمال أن الآب خلق العالم بواسطة الابن" (١).
стр. 78
وهذا المعنى للخلق جدُّ غريب لم تنطق به أنبياء العهد القديم، ولا ذكره المسيح ﵇، إنما ورد من كلام بولس ومقدمة يوحنا الفلسفية المستمدة من الفكر الأفلوطيني والفلسفات الغنوصية التي تعتقد أن الله أشرف من يخلق الخلق بنفسه، لذا ينيط هذا الفعل بمخلوق أول؛ بكر الخلائق، ويسمونه العقل الكلي أو الملائكة.
ولا يمكن أن يكون المسيح ﵇ خالقاً للسماوات والأرض وما بينهما، إذ هو ذاته مخلوق، وإن زعمت النصارى أنه أول المخلوقين، لكنه على كل حال مخلوق، والمخلوق غير الخالق، إنه فحسب " صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي ١/ ١٥).
ثم إن الذي عجز عن رد الحياة لنفسه عندما مات لهو أعجز من أن يكون خالقاً للسماوات والأرض، أو أن تخلق به "فيسوع هذا أقامه الله" (أعمال ٢/ ٣٢)، ولو لم يقمه الله لما عاد من الموتى، وفي موضع آخر: "ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات " (أعمال ٣/ ١٥)، ومثله قول بولس: "والله الآب الذي أقامه من الأموات" (غلاطية ١/ ١).
ويرى المحقق في هذه النصوص أن المقصود منها أن المسيح خُلقت به الخلائق خِلقة الهداية والإرشاد، لا الإيجاد والتكوين، فخلقة الإيجاد والتكوين الله فحسب، والخلقة التي خلقها الله بالمسيح ﵇ هي الخِلقة الجديدة، خِلقة الهداية، التي تحدث عنها داود، وهو يدعو الله: "قلباً نقياً اخلق فيّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدد في داخلي" (المزمور ٥١/ ١٠).
ومثله قال بولس عن المؤمنين بالمسيح: "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة" (كورنثوس (٢) ٥/ ١٧)، وقال: "لأنه في المسيح ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغُرلة، بل الخليقة الجديدة" (غلاطية ٦/ ١٥).
стр. 79
وفي موضع آخر يقول: "تلبسوا الإنسان المخلوق الجديد بحسب الله في البر" (أفسس ٤/ ٢٤).
وعلى هذا الأساس اعتبر يعقوب التلاميذ باكورة المخلوقات فقال: "شاء فولدنا بكلمة الحق، لكي نكون باكورة من خلائقه" (يعقوب ١/ ١٨) أي أوائل المهتدين الذين تلبسوا بالخليقة الجديدة.
وعليه فإن المقصود من خلق المسيح للبشر هو الخلق الروحي، إذ جعله الله محيياً لموات القلوب وقاسيها.
لكن قائلاً قد يورد على استدلالنا وتأولنا للنصوص، فيحتج بما يجده في الكتاب من حديث عن خلق السماوات والأرض وما فيهما بالمسيح"فإن فيه خلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء أن كان عروشاً أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خلق" (كولوسي ١/ ١٦ - ١٧)، فيرى أن نصوص الخالقية بالمسيح لا تتعلق بالبشر فقط، إذ فيها أن الله خلق به ما في السماوات والأرض، وهذا قد يراه البعض - ممن لم يعتد طريقة الأسفار في التعبير - مانعاً من صرف النص عن الخلق التكويني إلى الخليقة الجديدة.
أما الذين اعتادوا على طريقة الأسفار في التعبير، فإنهم يرون في هذه النصوص مبالغة معهودة، حملتها مراراً الأسفار التوراتية والإنجيلية، ومن ذلك وصف العهد الجديد المسيحَ ﵇ والتلاميذ أنهم نور العالم، يقول يوحنا: "ثم كلمهم يسوع أيضاً قائلاً: أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة" (يوحنا ٨/ ١٢)، وقال لتلاميذه: "أنتم نور العالم" (متى ٥/ ١٤).
ومن المعلوم أنهم جميعاً كانوا نوراً استنار به المؤمنون، وأعرض عنه غيرهم، فأظلمت قلوبهم، ولا يمكن أن يدعى ظهور النور في الجماد والحيوان الموجودين في العالم، فكما وصف النص يوحنا الإنجيلي المسيحَ وتلاميذَه بنور العالم من غير أن يكون لهم أثر في إنارة غير قلوب المؤمنين من الكافرين أو الجمادات، فإنه وصف المسيح بأنه
стр. 80
كان واسطة الخليقة الجديدة للعالم، والمقصود المؤمنون في العالم فحسب.
ومثله أيضاً قول بولس (١) عن المصالحة التي تمت بدم المسيح فإنه يقول: " وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أم ما في السموات" (كولوسي ١/ ٢٠)، مع أن المصالحة خاصة بشعبه المفديين دون الجمادات والكائنات الكافرة التي في السماوات والأرض، فهؤلاء لاحظَّ لهم في المصالحة، التي قد يفهم من النص شمولها إياهم، كما قد يفهم من نصوص الخلق شموله غير المؤمنين.
ومثله أيضاً قول بولس عن الذين أرسل الله المسيح لفدائهم، فقد أرسله: " لتدبير ملء الأزمنة، ليجمع كل شيء في المسيح، ما في السموات، وما على الأرض " (أفسس ١/ ١٠)، وكما يقول القس جيمس أنِس: "لا يمكن أن يكون معنى (كل شيء) العالمين، حيُّها وجمادها، كالشمس والقمر والنجوم، لأنها ليست قابلة للمصالحة مع الله، ولهذا السبب عينه لا يمكن أن يقصد بها كل الحيوان، ولا يمكن أن يقصد بها كل الخلائق العاقلة الساقطة، لأن المسيح لم يأت ليفتدي الملائكة الساقطين (عبرانيين ٢/ ١٦) ولا يقصد بها جميع البشر، لأن الكتاب يعلم أن ليس كل البشر يتصالحون مع الله" (٢).
ومثله أيضاً قوله: "لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع" (كورنثوس (١) ١٥/ ٢٢)، فلئن كان الموت يشمل جميع البشر بسبب خطية آدم، فإن
стр. 81
الذين يحيون بالمسيح الجميع من المؤمنين فحسب، لا جميع البشر الأموات الذين ماتوا بسبب خطيئة آدم.
وهكذا رأينا في هذه النصوص عموماً غير مقصود من جهة المعنى؛ فظاهر المعنى - الذي يفيد العموم - غير مراد في جميعها، ومثله هداية الله بالمسيح (الخليقة الجديدة) كل ما في السماوات والأرض، فهو عموم يراد به الخصوص فحسب، أي أن الله خلق المؤمنين بالمسيح؛ الخلقة الجديدة، خلقة الإيمان والتجديد، لا خلقة الإيجاد والتكوين.
كما يمكننا اعتبار قوله: "فإن فيه خلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى" نوعاً من المبالغة في التعبير، وهو أسلوب معهود ومألوف في الكتاب، إذ يقول موسى لبني إسرائيل: "هوذا أنتم اليوم كنجوم السماء في الكثرة، الرب إلهكم يزيد عليكم مثلكم ألف مرة" (التثنية ١/ ١٠ - ١١).
ومثله من المبالغة قوله: " وكان المديانيون والعمالقة وكل بني المشرق حالّين في الوادي كالجراد في الكثرة، وجمالهم لا عدد لها، كالرمل الذي على شاطئ البحر في الكثرة" (القضاة ٧/ ١٢).
وتصل المبالغة عند يوحنا أقصاها حين قال: "وأشياء أُخر كثيرة صنعها يسوع، إن كتبت واحدة واحدة؛ فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يوحنا ٢١/ ٢٥)، فهذه المبالغة في الحديث عن خلقة الكون بالمسيح إنما هي بعض ما تعودناه من كُتّاب الكتاب المقدس.
ب. إسناد الدينونة إلى المسيح
وتتحدث الأسفار عن المسيح ﵇، وأنه ديان الخلائق يوم القيامة، يقول بولس: "أنا أناشدك إذاً أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته" (تيموثاوس (٢) ٤/ ١)، فيرى المسيحيون فيه دليلاً على ألوهيته،
стр. 82
لأن التوراة تقول: "الله هو الديان" (المزامير ٥٠/ ٦).
لكن ثمة نصوص تمنع أن يكون المسيح ﵇ هو الديان "لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم، الذي يؤمن به لا يدان، والذي لا يؤمن قد دين، لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد" (يوحنا ٣/ ١٧)، فالمسيح لن يدين أحداً.
وهو ما أكده يوحنا: "وإن سمع أحد كلامي ولم يؤمن فأنا لا أدينه، لأني لم آت لأدين العالم بل لأخلص العالم، من رذلني ولم يقبل كلامي فله من يدينه [أي الله وشرعه]؛ الكلام الذي تكلمت به هو يدينه في اليوم الأخير" (يوحنا ١٢/ ٤٧ - ٤٨).
ولا نستطيع أن نغفل أن المسيح ﵇ الذي يزعمون أنه ديان الجميع - لم يستطع أن يضمن الجنة لابني خالته وتلميذيه، ابني زبدي، لأن الله لم يأذن له بذلك، ومن كان هذا حاله فإنه عن الدينونة المطلقة أعجز، فقد جاءته أم ابني زبدي "فسألها ما تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع ... وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدّ لهم من أبي" (متى ٢٠/ ٢٠ - ٢٢).
وإن أصر النصارى على أن الدينونة من أعمال المسيح ﵇، فإن الكتاب يخبرنا أن آخرين يشاركونه فيها، وهم تلاميذه الاثنا عشر، بما فيهم الخائن يهوذا الأسخريوطي " فقال لهم يسوع: الحق أقول لكم: إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده؛ تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسياً، تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر" (متى ١٩/ ٢٨)، (وانظر لوقا ٢٢/ ٣٠).
وبولس أيضاً وغيره من القديسين سيدينون، لكن دينونتهم ليست قاصرة على البشر فقط، بل تشمل العالم كله بما فيه حتى من الملائكة، حيث يقول: "ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟ ... ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة" (كورنثوس (١) ٦/ ٢ - ٣). فبولس وغيره من
стр. 83
القديسين سيدينون الملائكة والعالم، وهم ليسوا آلهة، فدل ذلك على أن الدينونة لا تصلح دليلاً على الألوهية، إلا إذا قيل بأن الجميع (المسيح وبولس والقديسين) آلهة.
ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن دينونة المسيح للبشر - إن صحت - قد دفعها الله للمسيح الإنسان، فهو يصنعها بمقتضى إنسانيته " وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً، لأنه ابن الإنسان " (يوحنا ٥/ ٢٧).
ج. غفران المسيح الذنوب
ومما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح ﵇ ما نقلته الأناجيل من غفران ذنب المفلوج والخاطئة على يديه، والمغفرة - كما يرون - من خصائص الألوهية، وعليه فالمسيح إله يغفر الذنوب، فقد قال للخاطئة مريم المجدلية: "مغفورة لك خطاياك " (لوقا ٧/ ٤٨)، كما قال للمفلوج: " ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك "، وقد اتهمه اليهود لما سمعوا ذلك منه بالتجديف فقالوا: " قالوا في أنفسهم: هذا يجدّف " (متى ٩/ ٣)، أي أنه يدعي الإلهية حين يغفر للناس.
لكنا إذا رجعنا إلى قصتي الخاطئة والمفلوج فإنا سنرى وبوضوح أن المسيح ﵇ ليس هو من غفر ذنبيهما، ففي قصة المرأة لما شكّ الناس بالمسيح وكيف قال لها: "مغفورة خطاياك"، وهو مجرد بشر، أزال المسيح ﵇ اللبس، وأخبر المرأة أن إيمانها هو الذي خلصها، ويجدر أن ننبه إلى أن المسيح لم يدع أنه هو الذي غفر ذنبها، بل أخبر أن ذنبها قد غُفر، والذي غفره - بالطبع - هو الله تعالى.
والقصة بتمامها كما أوردها لوقا: "وأما هي فقد دهنت بالطيب رجليّ، من أجل ذلك أقول لك: قد غُفرت خطاياها الكثيرة، لأنها أحبت كثيراً، والذي يغفر له قليل يحب قليلاً، ثم قال لها: مغفورة لك خطاياك، فابتدأ المتكئون معه يقولون في أنفسهم: من هذا الذي يغفر خطايا أيضاً؟! فقال للمرأة: إيمانك قد خلّصك، اذهبي بسلام"
стр. 84
(لوقا ٧/ ٤٦ - ٥٠)، فقد غفر الله لها بإيمانها، والمسيح أخبرها برحمة الله التي وسعتها، وأفهم الحاضرين بوضوح أنه لم يجدف ولم يدعِّ لنفسه مغفرة الخطايا.
وكذلك لم يدع المسيح في قصة المفلوج أنه غفار الذنوب، فقد قال للمفلوج: "ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك" فأخبر بتحقق الغفران، ولم يقل: إنه هو الغافر لذنوب المفلوج، لم يقل: "غفرتُ لك ذنوبك".
ولما أخطأ فهم اليهود، ودار في خلدهم أنه يجدف حين قال: "مغفورة لك خطاياك"، وبخهم المسيح على الشر الذي في أفكارهم، وصحح لهم الأمر، وشرح لهم أن هذا الغفران ليس من فعل نفسه، بل هو من سلطان الله، لكن الله أذن له بذلك، كما سائر المعجزات والعجائب التي كان يصنعها، وقد فهموا منه المراد، وزال اللبس من صدورهم، "فلما رأى الجموع تعجبوا، ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطاناً مثل هذا "، لقد تيقنوا أنه إنسان فحسب.
والقصة بتمامها كما أوردها متى تقول: " قال للمفلوج: ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك، وإذا قوم من الكتبة قد قالوا في أنفسهم: هذا يجدّف، فعلم يسوع أفكارهم فقال: لماذا تفكرون بالشر في قلوبكم؟ أيما أيسر أن يقال مغفورة لك خطاياك، أم أن يقال قم وامش؟ ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا، حينئذ قال للمفلوج: قم احمل فراشك، واذهب إلى بيتك، فقام ومضى إلى بيته، فلما رأى الجموع تعجبوا، ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطاناً مثل هذا" (متى ٩/ ٣ - ٨).
وهذا السلطان ليس خصيصة ذاتية من خصائص المسيح، بل هو سلطان دُفع إليه من الله الذي خصه بهذه المزية: "التفت إلى تلاميذه وقال: كل شيء قد دفع إليّ من أبي" (لوقا ١٠/ ٢٢)، وإلا فهو لا حول له ولا قوة، قد قال في موضع آخر: "دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى ٢٨/ ١٨).
стр. 85
فهذا ليس سلطانه الشخصي، بل قد دُفع إليه من الله، ولو كان إلهاً لكان هذا من خصائصه وقدراته الذاتية، لكنه يعجز عنه ﵊ إلا بعون الله ومدده، لأنه عبد الله الذي يقول عن نفسه: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً" (يوحنا ٥/ ٣٠)، فلولا دفع الله بهذا السلطان إليه لما قدر على غفران ذنب أو خطيئة.
وسأل اليهود المسيح ﵇ "وكلموه قائلين: قل لنا: بأي سلطان تفعل هذا؟ أو من هو الذي أعطاك هذا السلطان؟ " فلم يزعم المسيح ﵇ أن سلطان ذاتي امتلكه بموجب لاهوته الأزلي، بل سألهم عن السلطان الذي كان ليوحنا المعمدان في معمودية غفران الذنوب، من أين هو؟ فقال: "قولوا لي: معمودية يوحنا المعمدان، من السماء كانت أم من الناس؟ " (لوقا ٢٠/ ٢ - ٤)، أي أنه يصنع الغفران وغيره بذات السلطان الذي كان للمعمدان، إنه سلطان النبوة فحسب.
وسلطان غفران الخطايا دُفع أيضاً إلى غير المسيح ﵇، فقد دُفع إلى التلاميذ من غير أن يصيروا آلهة، على الرغم من أنه أصبح بمقدورهم غفران الذنوب التي تتعلق بحقوقهم الشخصية، بل وكل الذنوب والخطايا، فأما مغفرتهم للذنوب المتعلقة بحقوقهم الشخصية فيقول عنه المسيح: "إن غفرتم للناس زلاتهم؛ يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي، وإن لم تغفروا للناس زلاتهم؛ لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم" (متى ٦/ ١٤ - ١٥).
لكن يوحنا يعطي التلاميذ صكاً مفتوحاً في غفران أي ذنب وخطيئة: "من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت " (يوحنا ٢٠/ ٢٣)، فهُم يغفرون الذنوب كالمسيح ﵇، ومع ذلك فإن أحداً من النصارى لا يقول بألوهيتهم!
وقد ورَّثت الكنيسة نفسها مجد بطرس والتلاميذ، وادعت نوال هذا السلطان، فأصبح القسس يغفرون للخاطئين عن طريق الاعتراف أو صكوك الغفران، واعتمدوا في إقرار ذلك على وراثتهم للسلطان الذي دفع لبطرس "أنت بطرس ... وأعطيك مفاتيح
стр. 86
ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات .. " (متى ١٦/ ١٩)، فلو غفر بطرس أو البابا - وارث كرسيه ومجده - لإنسان؛ غفرت خطيئته؛ من غير أن يقتضي ذلك ألوهية بطرس أو البابا أو القسيس.
وهذا السلطان ليس خاصاً ببطرس وورثته، بل دفع لكل التلاميذ " الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحلّونه على الأرض يكون محلولاً في السماء، وأقول لكم أيضاً: إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه؛ فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السموات" (متى ١٨/ ١٨ - ٢٠)، وهو - كما لا يخفى - لا يعني ألوهيتهم، لأن هذا السلطان ليس حقاً شخصياً لهم، بل هبة إلهية وهبت لهم ولمعلمهم المسيح، هذا ما يذكره الكتاب المقدس.
ولما كان المسيح ﵇ لا يملك هذا السلطان من تلقاء نفسه فقد طلب من الله أن يغفر لليهود، ولو كان يملكه لغفر لهم ولما طلبه من الله "فقال يسوع: يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا ٢٣/ ٣٤).
стр. 87
سادساً: دلالة معجزات المسيح على ألوهيته
وتذكر الأناجيل خمساً وثلاثين معجزة من معجزات المسيح ﵇، وتستدل بها على ألوهيته ومن هذه المعجزات ولادته من غير أب وإحياؤه للموتى وشفاؤه للمرضى وإخباره بالغيوب ...
المعجزات هبة إلهية
ذكر القرآن وأكد صدور المعجزات العظيمة عن المسيح ﵇، وأخبر أنه يصنعها بتأييد من الله، فقال: ﴿أنّي قد جئتكم بآيةٍ من ربّكم أنّي أخلق لكم من الطّين كهيئة الطّير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأُبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم﴾ (آل عمران: ٤٩).
وهو ما أكدته النصوص الإنجيلية، ونقلته عن المسيح، فعندما أتى المسيح بما أتى به من المعجزات كان يؤكد أنها من الله ، ولم ينسبها إلى نفسه فقال: "أنا بروح الله أخرج الشياطين" (متى ١٢/ ٢٨).
وقال: "كنت بإصبع الله أخرج الشياطين " (لوقا ١١/ ٢٠).
وعندما جاء لإحياء لعازر " رفع يسوع عينيه إلى فوق، وقال: أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمتُ أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني" (يوحنا ١١/ ٤٠ - ٤١)، لقد شكر الله أن قبِل منه تضرعه ودعاءه حين رفع عينيه إليه متوسلاً ضارعاً، فاستجاب الله له، وأحيا على يديه لعازر.
وأيضاً استلهم من الله القدير العونَ لما أراد إطعام الجمع من الأرغفة الخمس "رفع نظره نحو السماء، وبارك وكسر" (متى ١٤/ ١٩).
стр. 88
ولما جيء له بالأصم "رفع نظره نحو السماء وأنَّ، وقال: افثأ، أي انفتح، وفي الوقت انفتحت أذناه، وانحل رباط لسانه، وتكلم مستقيماً" (مرقس ٧/ ٣٤ - ٣٥)، فأنينه تضرع واستغاثة بالله لم يخيبه الله فيهما.
وقال متحدثاً عن سائر معجزاته وأعاجيبه: "دُفع إليَّ (أي من الله) كل سلطان في السماء وعلى الأرض" (متى ٢٨/ ١٨)، فكل ما يؤتاه هبة الله، ولو كان إلهاً لكانت معجزاته ذاتية تنبع من طبيعته الإلهية، ولا يحتاج إلى من يهبها له أو يمنعه إياها.
ويجدر بالذكر هنا أن مثل هذا السلطان دفع للشيطان من غير أن يقتضي ألوهيته، فقد قال للمسيح وهو يغويه بجميع ممالك الأرض: "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ، لأنه إليّ قد دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد" (لوقا ٤/ ٦).
وأكد المسيح ﵇ أيضاً أنه لا حول له ولا قوة بغير تأييد الله له، فقال: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً" (يوحنا ٥/ ٣٠)، وأن هذه المعجزات عطية الله التي تدل على رسالته فحسب: "الأعمال التي أعطاني الآب لأكمّلها، هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها؛ هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني" (يوحنا ٥/ ٣٦ - ٣٧).
وأما الذين رأوا معجزات المسيح فقد عرفوا أنما يصنعه ﵇ هو من المعجزات التي يعطيها الله لأنبيائه، ولم يفهم أحد منهم ألوهية صاحب هذه المعجزات، فعندما شفي الصبي من الروح النجس "بهت الجميع من عظمة الله" (لوقا ٩/ ٣٤).
ولما شفى المرأة المقوسة الظهر " استقامت (أي المرأة بظهرها) ومجدت الله" (لوقا ١٣/ ١٣).
ولما أقام المفلوج ورأت الجموع ذلك "تعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى الناس سلطاناً مثل هذا" (متى ٩/ ٨)، فاعتبروا المسيح من الناس لا الآلهة، وأن سلطان الشفاء قد أوتيه من قبل الله الشافي.
стр. 89
وهو ما قاله عنه الأعمى الذي شفاه المسيح ورد له بصره "فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له يسوع .. قالوا أيضاً للأعمى: ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك؟ فقال: إنه نبي" (يوحنا ٩/ ١٠ - ١٧)، فهل المستدلون لألوهية المسيح برده بصر الأعمى أكثرة معرفة وغَيرة ومحبة للمسيح من ذلك الأعمى الذي شهد له بالنبوة والإنسانية فحسب؟!
وحين انتهر البحر والرياح وأطاعته؛ لم يفهم الراؤون لهذا ألوهيته رغم عظم هذه المعجزة، بل عجبوا لقدرة المسيح الإنسان، يقول متى: " فتعجب الناس قائلين: أي إنسان هذا؟ فإن الرياح والبحر جميعاً تطيعه" (متى ٨/ ٢٧).
ولما أرادت مرثا أخت لعازر منه أن يحيي أخيها أكدت معرفتها بأن هذه المعجزات هي من الله، وأنه يؤيد بها المسيح، فقالت له: " أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه" (يوحنا ١١/ ٢٢).
وهذا تلميذه بطرس كبير الحواريين يخاطب الجموع مؤكداً هذا المفهوم: "يسوع الناصري رجل قد تبرهن من قبل الله بقوات وعجائب صنعها الله بيده" (أعمال ٢/ ٢٢).
وأيضاً نيقوديموس معلم الناموس أدرك سر هذه المعجزات العظيمة التي يصنعها المسيح، وأنها من قِبل الله، وبسبب عونه وتأييده، فقال للمسيح ﵇: " يا معلّم، نعلم أنك قد أتيت من الله معلّماً، لأن ليس أحد يقدر أن يعمل هذه الآيات التي أنت تعمل؛ إن لم يكن الله معه" (يوحنا ٣/ ٢).
وتحكي الأناجيل ما يؤكد أن هذه المعجزات لم تكن إلا هبة من الله، وكان المسيح يحذر أن لا يؤتاها في بعض المواطن، لذلك لما تقدم إلى لعازر الميت خاف أن لا يتمكن من صنع معجزة "قال بعض منهم: ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضاً لا يموت؟ فانزعج يسوع أيضاً في نفسه" (يوحنا ١١/ ٣٧ - ٣٨).
وفي مرات أخر طلب منه الفريسيون آيات، فلم يقدر على صنعها، أو لم يصنعها
стр. 90
"فتنهد بروحه، وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية، ثم تركهم ودخل السفينة ومضى" (مرقس ٨/ ١١ - ١٣).
ولما تكاثرت جموع اليهود عليه تطلب آية لم يجبهم إلى طلبهم، بل قال: "جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية" (متى ١٢/ ٣٨ - ٣٩)، فلم يظهر لهم في ذلك الموطن معجزة.
ثم لو كان ما يصدر من المسيح من آيات تدل على ألوهيته فلِمَ يأمر بإخفائها، وهي السبيل الذي يدل الناس على حقيقته؟ فقد قال المسيح للأبرص لما شفاه "انظر، لا تقل لأحد شيئاً" (مرقس١/ ٤٤). ولما شفى الأعميان قال: "انظرا، لا يعلم أحد" (متى ٩/ ٣١).
وقال للأعمى الثالث لما شفاه: "لا تدخل القرية، ولا تقل لأحد في القرية" (مرقس ٨/ ٢٦).
وتكرر منه ذلك "فعلم يسوع وانصرف من هناك، وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعاً، وأوصاهم أن لا يظهروه" (متى ١٢/ ١٥ - ١٦)، فالمسيح ﵇ بإخفائه للمعجزات يريد أن لا ينشغل الناس بالمعجزات عن دعوته وجوهرها، ولو كانت دليل ألوهيته لوجب أن ينبههم إلى ذلك.
المعجزات لا تدل - حسب الكتاب المقدس- على النبوة فضلاً عن الألوهية
والعجب - كل العجب - أن يعتبر النصارى معجزات المسيح ﵇ دالة على ألوهيته، والكتاب مصرح بقدرة غيره من البشر على صنع مثل هذه المعجزات العظيمة، من غير أن يكون ذلك دالاً على ألوهية هؤلاء.
فقد أثبت الكتاب هذه المعجزات وما هو أعظم منها لكل المؤمنين بالمسيح، فقال: "الحق أقول لكم: من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً، ويعمل أعظم منها" (يوحنا ١٤/ ١٢)، أي يستطيع المؤمنون شفاء المرضى بل ويستطيعون إحياء الموتى،
стр. 91
بل ويقدرون صنع ما هو أعظم من ذلك، وعليه لا تصلح في الدلالة على الألوهية.
وفعل العجائب - حسب الكتاب المقدس - لا يصح في الدلالة على صدق أو حتى على صحة إيمان أصحابها، فضلاً عن النبوة أو الألوهية، فإن المسيح ﵇ ذكر بأن كذبة سيفعلون المعجزات، ويزعمون أنهم يصنعونها باسم المسيح، فقد ذكر متى أن المسيح قال: "ليس كل من يقول لي: يا رب يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات، كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة، فحينئذ أصرّح لهم: إني لم أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم" (متى ٧/ ٢١ - ٢٣)، فهؤلاء المنافقون الكذبة قدروا على فعل المعجزات، ولم تدل على صلاحهم وإيمانهم، فضلاً عن نبوتهم وألوهيتهم.
وأيضاً إنسان الخطيئة يصنع الكثير من المعجزات والعجائب، من غير أن يعني ذلك صدقه أو ألوهيته، إذ يصنعها بعون الشيطان وقوته، يقول عنه بولس: "الذي مجيئه بعمل الشيطان، بكل قوة وبآيات وعجائب كاذبة" (تسالونيكي (٢) ٢/ ٩).
اشتراك غير المسيح مع المسيح في معجزاته
ولاحظ المحققون - من قراء الكتاب المقدس - أن الكثير مما صنعه المسيح ﵇ من عجائب ومعجزات قد شاركه فيه غيره من الأنبياء، وسواهم، ولم يقل أحد من النصارى بألوهيتهم، فدل ذلك على أن غاية ما تدل عليه المعجزات نبوة أصحابها، وإلا لزم القول ألوهية كل من شارك المسيح في الأعاجيب التي صنعها الله على يديه.
أ. الميلاد العذراوي
لقد كانت ولادة المسيح ﵇ من غير أب بشري إحدى أعظم معجزاته ﵇،
стр. 92
وقد تعلق بها القائلون بألوهيته، يقول البابا أثناسيوس: "من ذا الذي يرى جسداً يأتي من عذراء وحدها بدون رجل، ولا يدرك أن من ظهر في الجسد لابد أن يكون هو صانع ورب باقي الأجساد؟ " (١).
ويقول يسّى منصور: "لو لم يولد المسيح من عذراء لكان مجرد إنسان" (٢)، وهو بحق كذلك، بدليل أن بعض المخلوقات شارك المسيح في صورة هذه المعجزة الباهرة، أي ولادته من عذراء، من غير أب، فأصول سائر المخلوقات - ومنهم البشر - لا أب لهم ولا أم، ووجود آدم خلقاً سوياً أكبر وأكمل من خلقة المسيح الذي خلق جنيناً في بطن أمه، ثم كبر بعد ذلك ونما.
والميلاد من غير أب أعجوبة ولا ريب، لكنها لا تقتضي الألوهية بحال، ولو اقتضاها لاقتضى ألوهية أصول جميع الحيوانات، وألوهية أبوينا آدم وحواء، فقد ولد آدم من غير أب ولا أم، وولدت حواء من آدم، ولا أم لها.
وذلك المعنى هو ما أرشدنا إليه الله بقوله: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩).
ورغم المثلية القائمة بين آدم وعيسى من جهة ميلادهما من غير أب، إلا أن آدم يتميز عن عيسى بأمور، منها أن آدم ﵇ لم يخرج من بين نجو وطمث، وأيضاً فإن الله أسجد له ملائكته، وعلمه الأسماء من علمه تعالى، كما كانت الجنة منزله، وقد تولى الله مناجاته بنفسه دون أن يرسل إليه رسولاً، إلى غير ذلك مما لم يكن لعيسى ولا غيره. فإذا تميز
стр. 93
آدم بكل هذه المميزات، فلم لا تقول النصارى بألوهيته؟!
وممن فاق المسيح في هذه المعجزة - حسب الكتاب المقدس - ملكي صادق كاهن ساليم في عهد إبراهيم، فقد ولد من غير زرع رجل، وينقل بولس أن لا أب له ولا أم، ولا بداية ولا نهاية: "ملكي صادق هذا ملك ساليم كاهن الله العلي ... بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداءة أيام له، ولا نهاية حياة، بل هو مشبه بابن الله، هذا يبقى كاهناً إلى الأبد" (عبرانيين ٧/ ١ - ٣)، فلم لا يقول النصارى بألوهية ملكي صادق (١)، وهو الذي لا أب له ولا أم، لأنه ولد بعد وفاتها؟
وكذلك الملائكة خُلِقوا من غير أب ولا أم، ولا تعتبرهم النصارى آلهة.
وهكذا فالميلاد العذراوي لا يصلح دليلاً على الألوهية، وإن كان حدثاً فريداً - نسبياً - في تاريخ البشرية.
ب. معجزة إحياء الموتى
لا ريب أن معجزة إحياء الموتى معجزة عظيمة من معجزات المسيح ﵇، وقد أثبتها القرآن له، وأخبر بأنها من عند الله ﴿وأحيي الموتى بإذن الله﴾ (آل عمران: ٤٩).
لكن النصارى يرفضون تعليق قدرات المسيح بمشيئة الله وإذنه، ويرون أنه صنع هذه المعجزات بقدرته ومشيئته الخاصة، لأنه "كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء ... لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته" (يوحنا ٥/ ٢١، ٢٧).
ولو تأملنا النص في سياقه لرأيناه يتحدث عن مواهب المسيح التي أعطاه الله إياها "كذلك أعطى الابن"، فكل مواهب المسيح هي عطية الله التي ما كان له حول ولا طول فيها لولا هبة الله إياها له.
стр. 94
ولو أكملوا النص لوجدوا جواب المسيح على شبهتهم واضحاً، فقد قال: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً" (يوحنا ٥/ ٣٠).
وأكمل حديثه فذكر لهم أن مشيئته التي بها يحيي من يشاء مقيدة بمشيئة الله: " لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا ٥/ ٣٠).
لكن النصارى يصرون على أن إحياء الموتى يدل على ربوبية المسيح وألوهيته، ويتجاهلون نصوصاً كتابية أسندت ذات الفعل لغير المسيح. فلِم لا تقول النصارى بألوهيتهم؟!
إن إعراض النصارى عن القول بألوهية هؤلاء إنما هو دليل على بطلان الاستدلال لألوهية المسيح بمعجزة الخلق، فلئن كان المسيح أحيا لعازر (انظر يوحنا ١١/ ٤١ - ٤٤)، فإن النبي إلياس أحيا ابن الأرملة "وقال: أيها الرب إلهي، أيضاً إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأتَ بإماتتك ابنها [وحاشا لله أن يسيء]، فتمدد على الولد ثلاث مرات، وصرخ إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه. فسمع الرب لصوت إيليا، فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش" (الملوك (١) ١٧/ ١٩ - ٢٤)، لذا خاطبه يشوع بن سيراخ: "أنت الذي أقمت ميتاً من الموت" (ابن سيراخ ٤٨/ ٥).
واليسع أيضاً أحيا - بإذن الله - ميتين، أحدهما أحياه حال حياته، والآخر بعد وفاته، فقد أحيا ابن الإسرائيلية التي جاءته "دخل أليشع البيت، وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره، فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما، وصلّى إلى الرب، ثم صعد واضطجع فوق الصبي، ووضع فمه على فمه، وعينيه على عينيه، ويديه على يديه، وتمدّد عليه، فسخن جسد الولد، ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هنا وتارة إلى هناك، وصعد وتمدّد عليه، فعطس الصبي سبع مرّات، ثم فتح الصبي عينيه" (الملوك (٢)
стр. 95
٤/ ٣٢ - ٣٦).
كما أحيا اليسع بقدرة الله بعد موته ميتاً وضعه أهله على قبر اليسع، فعاد حياً " فيما كانوا يدفنون رجلاً إذا بهم قد رأوا الغزاة، فطرحوا الرجل في قبر أليشع، فلما نزل الرجل ومس عظام أليشع؛ عاش وقام على رجليه" (الملوك (٢) ١٣/ ٢١).
والعجب من استدلال النصارى بإحياء الموتى لإثبات ألوهية المسيح ﵇ مع أنهم أثبتوا هذه القدرة للحواريين، والمقصود ما جاء قصة إحياء بطرس لطابيثا. فقد جاء في أعمال الرسل أن بطرس أحيا طابيثا بعد أن ماتت وغسلها أهلها "وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثا الذي ترجمته غزالة ... وحدث في تلك الأيام أنها مرضت وماتت، فغسلوها ووضعوها في عليّة ... فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلّى، ثم التفت إلى الجسد وقال: يا طابيثا قومي، ففتحت عينيها، ولما أبصرت بطرس جلست" (أعمال ٩/ ٣٦ - ٤١)، فأي فرق بين ما فعله المسيح وما فعله بطرس، فكل ذلك بإذن الله وقدرته.
وكل التلاميذ - حسب الكتاب المقدس - يقدرون على إحياء الموتى، فقد قال لهم المسيح: "فيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات، اشفوا مرضى، طهروا برصاً، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين" (متى ١٠/ ٧ - ٨)، فهل كل هؤلاء آلهة؟
كما يغفل النصارى المتحدثون عن ألوهية المسيح الذي أحيا الموتى، يغفلون عن تلك النصوص التي تتحدث عن موت المسيح، وعجزه عن دفع الموت عن نفسه، كما عجز عن ردها إلى الحياة من جديد، حتى أعاده الله وأقامه من الأموات.
وقد تكاثرت النصوص على إيراد هذه الحقيقة حتى بلغت خمسة عشر نصاً، منها
стр. 96
"فيسوع هذا أقامه الله" (أعمال ٢/ ٣٢)، ومنها "ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات " (أعمال ٣/ ١٥)، وكذا "المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه الله" (أعمال ٤/ ١٠).
وهكذا بطل الاستدلال بهذه العجيبة على ألوهية المسيح، ولكنها بحق أعجوبة عظيمة دفعها الله للمسيح ليقيم بها الحجة على نبوة هذا النبي العظيم، عليه صلوات الله وسلامه.
ج. معجزة شفاء المرضى
ويستدل النصارى على ألوهية المسيح ﵇ بقدرته على شفاء المرضى، فيقول البابا أثناسيوس: "من ذا الذي يراه وهو يشفي الأمراض التي يخضع لها الجنس البشري ويستمر في ظنه عنه بأنه إنسان وليس إلهاً؟ فقد طهر البرص، وجعل العرج يمشون" (١).
لكن أثناسيوس ومن وافقه من النصارى المؤلهين للمسيح يعرضون عن ذكر الحقيقة التي ذكرها الكتاب، وهي أن المسيح كان يشفي المرضى بتأييد الله؛ لا بقوته الذاتية "يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة، الذي جال يصنع خيراً، ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس، لأن الله كان معه" (أعمال ١٠/ ٣٨)، فالله كان مع المسيح، ولم يكن المسيح (الله).
ولئن كان عيسى ﵇ قد شفى الأبرص (انظر متى ٨/ ٣) فإن اليسع شفى أبرصاً، وأمرض آخر وذريته من بعده بالبرص "فأرسل إليه أليشع رسولاً يقول: اذهب واغتسل سبع مرّات في الأردن، فيرجع لحمك إليك، وتطهر ... فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد، وخرج من أمامه أبرص كالثلج" (الملوك (٢) ٥/ ١٠ - ٢٧).
د. التنبؤ بالغيوب
وقد تنبأ المسيح ﵇ بكثير من الغيوب، فكانت كما قال، فقد أخبر التلميذان اللذان أرسلهما لذبح فصح العيد بما سيكون لهما (انظر مرقس ١٤/ ١٢ - ١٦)، وقد قال له بطرس: "يا رب أنت تعلم كل شيء" (يوحنا ٢١/ ١٧)، كما علم بأن الجحش المربوط في قرية بيت فاجي لم يركب عليه أحد، وهو كما يقول القس إبراهيم سعيد: "دليل جديد على أن المسيح يعلم بالغيب علماً دقيقاً مفصلاً، لا يقبل شكاً ولا تأويلاً،
стр. 97
وفي هذا برهان آخر على المجد الوضيع [هكذا] الذي كان يحف بالمسيح" (١).
لكن ليس المسيح وحده من قد تنبأ بالمغيبات، فقد تنبأ قبله يعقوب ﵇ فقال لأبنائه: "اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام ... " (انظر التكوين ٤٩/ ١ - ٢٧).
ومثله تنبأ صموئيل وإيليا (انظر صموئيل (١) ١٠/ ٢ - ٩، الملوك (١) ٢١/ ٢١ - ٢٤)، وقد تحققت نبوءتهما في (الملوك (٢) ١٠/ ١ - ١٧، ٩/ ٣٠ - ٣٧).
ومثل هذا كثير في الأسفار المقدسة. (انظر صموئيل (١) ١٩/ ٢٣ - ٢٤، الملوك (٢) ٤/ ٨ - ١٨، ٨/ ١٢ - ١٣، يوحنا ١١/ ٤٩ - ٥٢).
وقد جاء في وصف بلعام بن بعور المتنبئ الكافر الذي قتله موسى ﵇ بأنه " الذي يسمع أقوال الله، ويعرف معرفة العلي، الذي يرى رؤيا القدير" (العدد ٢٤/ ١٦)، وذكرت الأسفار التوراتية عدداً من تنبؤاته التي تحققت.
ثم إن المسيح ﵇ كما تنبأ بالغيوب فإنه عجز عن أُخر، وجهلها، إذ لم يعرف بالخبز وعدده (انظر متى ١٥/ ٣٤)، كما جهل موعد الساعة (انظر مرقس ١٣/ ٣٢ - ٣٣).
وينبه العلامة ديدات أنه لا يجوز للنصارى أن يذكروا شيئاً عن مغيبات أخبر عنها المسيح وهم ينسبون إليه الكذب - وحاشاه - عندما تنبأ بعودته السريعة قبل انقضاء جيله. (انظر مرقس ١٣/ ٢٦، ٣٠، متى ١٠/ ٢٣) وهو ما لم يحدث حتى يومنا هذا.
هـ. التسلط على الشياطين
وكذلك أوتي المسيح ﵇ سلطاناً على الشياطين (انظر متى ١٢/ ٢٧ - ٢٨)، ولكنها معجزة قام بها غيره، فعندما اتهمه اليهود بأنه يخرج الشياطين بمعونة رئيسهم
стр. 98
قال: "إن كنت أنا أخرج الشياطين ببعلزبول، فأبناؤكم بمن يخرجونهم؟ " (متى ١٢/ ٢٧)، فأثبت لأبناء اليهود مثل قدرته.
كما وقد حذر ﵇ من الكذبة الذين سينجحون في إخراج الشياطين فقال: " كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا رب، يا رب، أليس باسمك تنبأنا؟ وباسمك أخرجنا شياطين؟ وباسمك صنعنا قوات كثيرة؟ " (متى ٧/ ٢٢ - ٢٣)، فالأنبياء الكذبة يخرجون الشياطين، من غير أن يدل ذلك على نبوتهم أو صلاحهم، فضلاً عن القول بألوهيتهم.
و. عجائب مختلفة
وتذكر الأناجيل عجائب متفرقة للمسيح ﵇، كتحويله الماء إلى خمر (انظر يوحنا ٢/ ٧ - ٩)، وإطعامه الجمع كبير من خمسة أرغفة (انظر متى ١٤/ ١٩ - ٢١)، ويباس شجرة التين بقوله. (انظر متى ٢١/ ١٨ - ١٩)، يقول البابا أثناسيوس: "من ذا الذي يرى تغيير طبيعة المياه وتحولها إلى خمر ولا يدرك أن من فعل هذا هو سيد طبيعة هذه المياه وخالقها؟ .. وعندما أشبع جمعاً غفيراً من طعام قليل، وقدم لهم الكثير من لا شيء، فأطعم خمسة آلاف من خمسة أرغفة، وشبعوا، وفضل عنهم الكثير، ألم يظهر ذاته أنه لم يكن آخر سوى الرب نفسه المعتني بالجميع؟ " (١).
كما لا يفوت النصارى التنبيه إلى الظلمة العظيمة التي أعتمت الأرض عند موته المزعوم على الصليب (انظر متى ٢٧/ ٤٥)، فدلت هذه العجائب المختلفة على ألوهيته وأنه ابن الله.
وأيضاً يستدل القائلون بألوهيته ﵇ بإطاعة الرياح والبحر له، فقد أوتي سلطاناً
стр. 99
على العناصر الطبيعية، فالرياح والبحر يطيعه "وإذ اضطراب عظيم قد حدث في البحر حتى غطت الأمواج السفينة، وكان هو نائماً. فتقدم تلاميذه وأيقظوه قائلين: يا سيد نجنا فإننا نهلك. فقال لهم: ما بالكم خائفين يا قليلي الإيمان؟ ثم قام وانتهر الرياح والبحر، فصار هدوء عظيم. فتعجب الناس قائلين: أي إنسان هذا؟ فإن الرياح والبحر جميعا تطيعه" (متى ٨/ ٢٣ - ٢٨)، فمن ذا الذي تطيعه الرياح والبحار، ولا يجد القائلون بألوهية المسيح من إجابة - حسب فهمهم البسيط - إلا أن يقولوا: إنه الله المسيح.
وكذا فإن المسيح صام أربعين يوماً لم يجع خلالها، وهو ما لا يطيقه بشر، فدل ذلك على أنه الله. (انظر متى ٤/ ١ - ٢).
كما صعد المسيح إلى السماء، وجلس عن يمين الله. (انظر مرقس ١٦/ ١٩)، وهو كما يرى النصارى منزل لم يصل إليه أحد من العالمين إلا المسيح بما له من خواص الألوهية.
ولكن أمثال هذه المعجزات بل وأعظم منها جرت على يدي غيره، ولم تقتض ألوهيتهم.
فلئن كان المسيح ﵇ قد حول الماء إلى خمر (انظر يوحنا ٢/ ٧ - ٩)، فإن موسى ﵇ حول الماء إلى دم كما في سفر الخروج "تأخذ من ماء النهر، وتسكب على اليابسة، فيصير الماء الذي تأخذه من النهر دماً على اليابسة" (الخروج ٤/ ٩).
وأما أليشع فقد صنع أعظم من ذلك، إذ ملأ قدور العجوز الفارغة زيتاً، من غير أن يكون فيها شيء "قال: اذهبي استعيري لنفسك أوعية من خارج من عند جميع جيرانك أوعية فارغة، لا تقللي، ثم ادخلي وأغلقي الباب على نفسك وعلى بنيك، وصبّي في جميع هذه الأوعية، وما امتلأ انقليه، فذهبت من عنده وأغلقت الباب على نفسها وعلى بنيها، فكانوا هم يقدمون لها الأوعية وهي تصب. ولما امتلأت الأوعية قالت لابنها: قدم لي أيضاً وعاء. فقال لها: لا يوجد بعد وعاء، فوقف الزيت، فأتت
стр. 100
وأخبرت رجل الله فقال: اذهبي بيعي الزيت، وأوف دينك، وعيشي أنت وبنوك بما بقي" (الملوك (٢) ٤/ ٣ - ٧).
وإن طعم ببركة المسيح ﵇ خمسمائة شخص من خمسة أرغفة (انظر متى ١٤/ ١٩ - ٢١)، فقد أطعم الله بني إسرائيل - وهم زهاء ستمائة ألف - المن والسلوى أربعين سنة، وكل ذلك ببركة موسى ﵇. (انظر الخروج ١٦/ ٣٥ - ٣٦).
ولئن كان المسيح ﵇ قد حول شجرة التين إلى يابس. (انظر متى ٢١/ ١٨ - ١٩)، فإن موسى ﵇ حول العصا اليابسة إلى حية. (انظر الخروج ٧/ ٩)، وهو أعظم، إذ قد يدخل يبس الشجرة في قانون الطبيعة، لكن تحويل العصا إلى حية معجز بكل حال.
وأما الظلمة التي يدعي النصارى حصولها عند صلب المسيح، فهي ليست - بأي حال - بأكبر من الظلمة التي استمرت على أرض مصر ثلاثة أيام بسبب كفرهم بموسى، "فمدّ موسى يده نحو السماء، فكان ظلام دامس في كل أرض مصر ثلاثة أيام، لم يبصر أحد أخاه، ولا قام أحد من مكانه ثلاثة أيام" (الخروج ١٠/ ٢٢ - ٢٣).
وأيضاً فإن يشوع لما حارب الأموريين وكادت ليلة السبت أن تدخل ناجى ربه فقال: "أمام عيون إسرائيل: يا شمس دومي على جبعون، ويا قمر دوم على وادي أيلون، فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب ... فوقفت الشمس في كبد السماء، ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل" (يشوع ١٠/ ١٢ - ١٣)، وهذا الذي حصل ليشوع لا يقتضي ألوهيته، وهو أعظم من غياب الشمس ثلاث ساعات، فإنها قد تغيب بالغيوم، وهو داخل في السنن المعهودة، أما توقف دوران الكرة الأرضية فهو أعظم من ذلك بكثير.
وأعظم منهما ما صنعه النبي إشعيا، فقد أعاد الله بدعائه الشمس إلى الوراء، ليبرهن للملك حزقيا على صدق مواعيد الرب. (انظر: الملوك (٢) ٢٠/ ١٠ - ١١)،
стр. 101
وقال عنه ابن سيراخ: "في أيامه رجعت الشمس إلى الوراء" (ابن سيراخ ٤٨/ ٢٣)، ورغم هذا كله فإن أحداً لا يقول بألوهية النبي إشعيا.
ثم لئن كانت الطبيعة تطيع المسيح فإن ذلك قد حصل مع الأنبياء أيضاً، فإيليا أطاعته النار حتى قال: " إن كنت أنا رجل الله فلتنزل نار من السماء تأكلك أنت والخمسين الذين لك، فنزلت نار الله من السماء وأكلته هو والخمسين الذين له" (الملوك (٢) ١/ ٩ - ١١).
وكذا أطاع البحر إيليا "وأخذ إيليا رداءه، ولفّه، وضرب الماء، فانفلق إلى هنا وهناك، فعبر كلاهما (أليشع وإيليا) في اليبس" (الملوك (٢) ٢/ ٧ - ٨)، وقد رأينا كيف أطاعت الشمس والقمر يشوع.
وأيضاً يحكي لنا سفر الرؤيا عن منارتين عظيمتين يزعم الشراح أنهما ترمزان لموسى وإيليا، "هذان هما الزيتونتان والمنارتان القائمتان أمام رب الأرض، وإن كان أحد يريد أن يؤذيهما تخرج نار من فمهما وتأكل أعداءهما، وإن كان أحد يريد أن يؤذيهما فهكذا لا بد أن يقتل، هذان لهما السلطان أن يغلقا السماء حتى لا تمطر مطراً في أيام نبوّتهما، ولهما سلطان على المياه أن يحوّلاها إلى دم، وأن يضربا الأرض بكل ضربة كلما أرادا" (الرؤيا ١١/ ٤ - ٦) ورغم كل هذه القوى على مظاهر الطبيعة فإن أحداً لا يقول بألوهية موسى وإيليا، والنص يتحدث عن نبوتهما فحسب "في أيام نبوّتهما". فما بال المسيح يصبح - عند المسيحيين إلهًا - لمجرد إظلام الشمس في زمنه أو لأنه قدر على تحويل الماء إلى خمر؟
وأما صيام المسيح ﵇ أربعين يوماً فلا يدل على ألوهيته إذ أنه "جاع أخيراً" (متى ٤/ ٢)، فلئن كان صومه وصبره يدل على ألوهيته، فإن جوعه يكذب هذه الدعوى، ويدل على بشريته.
وقد كان مثله لموسى ﵇، حيث يقول: "أقمت في الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلة لا آكل خبزاً ولا أشرب ماء" (التثنية ٩/ ٩).
ومثله حصل مع النبي إيليا حين أكل أكلة ثم "سار بقوة تلك الأكلة أربعين نهاراً
стр. 102
وأربعين ليلة إلى جبل الله" (الملوك (١) ١٩/ ٧ - ٨).
ولئن قال النصارى برفع المسيح للسماء وجلوسه عن يمين الله، فإن مثل ذلك حصل مع إيليا الذي رفع من غير أن يصلب أو أن يصفع أو أن يصاب بسوء. (انظر الملوك (٢) ٢/ ١١ - ١٢)، ومثله حصل مع أخنوخ. (انظر التكوين ٥/ ٢٤).
وأما الجلوس عن يمين الله فقد ألحقته الكنيسة بإنجيل مرقس (انظر مرقس ١٦/ ١٩)، فلا يمكن حمله على الحقيقة، بل غايته أن يقال بأنه جلوس معنوي أي برفع مكانته، كما جاء في كلام ميخا "لقد رأيت الرب جالساً على كرسيه، وكل جند السماء وقوف عن يمينه ويساره" (الأيام (٢) ١٨/ ١٨).
стр. 103
النصوص المناقضة لألوهية المسيح
رأى المحققون أن الأحوال البشرية المختلفة التي رافقت المسيح ﵇ طوال حياته تمنع قول النصارى أن المسيح هو الله أو ابنه، إذ لا يليق بالإله أن يولد ويأكل ويشرب ويختن ويضرب و ... ثم يموت.
ولا يشفع للنصارى قولهم بأن هذه الأفعال صدرت من الناسوت لا اللاهوت، لأنهم لا يقولون بأن تجسد الإله في المسيح ﵇ كان كالجبة أو العمامة يلبسها المسيح أحياناً، وينزعها أخرى، فما صدر منه إنما صدر من الإله المتجسد كما زعموا، وإلا لزمهم الاعتراف ببشريته، وهو الصحيح.
يقول العالم أوريجانوس الذي خصى نفسه لأجل الملكوت (ت ٢٥٣م) في تفسيره لرسالة رومية: "بسبب الاتحاد الذي لا ينفك بين الكلمة والجسد، كل شيء يختص بالجسد ينسب أيضاً إلى الكلمة، وكل ما يختص بالكلمة يحمل على الجسد" (١)، وعليه نستطيع القول بأن الكلمة أو اللاهوت الحال في الجسد كان يأكل ويشرب وينام ويتعب، ويخطئ من نسب هذا للجسد دون اللاهوت المزعوم، لذلك يقول المطرانان يوسف ريا وكيرلس بسترس: "يمكننا القول حقاً: إن الله تجسد، وإن الله ولد وعطش وجاع، وإن الله تألم ومات وقام، وإن الله صعد إلى السماوات" (٢).
وممن يقول بالطبيعة الواحدة ورفض بدعة الطبيعتين التي لا نكاد نسمع غيرها اليوم البابا أثناسيوس الرسولي (ت ٣٧٣م) صاحب قانون الإيمان في مجمع نيقية: "هذا الواحد الإله هو ابن الله بالروح، وهو ابن الإنسان بالجسد، ليس أن الابن الواحد له طبيعتان، إحداهما مسجود لها (إلهية)، والأخرى غير مسجود لها (ناسوتية)، بل طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد الذي نسجد له مع جسده سجوداً واحداً"، وكان يقول: "ابن الله هو بعينه ابن الإنسان، وابن الإنسان هو بعينه ابن الله" (٣).
ويقول (القديس) باسيليوس الكبير (٣٧٨ م) أسقف قيصرية: "وليس أننا نقول على الابن الوحيد: إنه إنسان، ولا نقول: إن اللاهوت منفرد بذاته، ولا الناسوت منفرد بذاته. بل نقول: طبيعة واحدة وأقنوم واحد" (٤).
ويقول (القديس) أغريغوريوس أسقف نيصص (ت ٣٩٥م) في سياق تفسيره لقوله: "هذا هو ابني الحبيب": " لا تطلبوا لتجسده على الأرض أباً، ولا تطلبوا له في السماء أماً، لا تفرقوا بين لاهوته وناسوته، لأنه بعد اتحاده غير منفصل، وغير مختلط .. إذا رأيت ابني قد جاع أو عطش أو نام أو تعب ... فلا تحسب ذلك لجسده دون لاهوته، وإذا رأيت ابني يشفي المرضى ويطهر البرص بالقول ويصنع أعيناً من طين .. فلا تحسب
стр. 104
ذلك للاهوته دون ناسوته، لأن الأفعال العالية ليست لواحد والمتواضعة لآخر" (١).
وكذلك قال (القديس) يوحنا فم الذهب (ت ٤٠٧م): "اللاهوت والناسوت اتحدا معاً اتحاداً تاماً في المسيح، حتى أنك تستطيع أن تقول عنه: إن هذا الإنسان هو الله " (٢).
أما (القديس) كيرلس بابا الإسكندرية (ت ٤٤٤م) قائد الكنيسة في مجمع أفسس (٤٣٠م)، فيكتب في رسالته للقيصر ثودوسيوس: "إننا لا نعري الناسوت من اللاهوت، ولا نعري الكلمة من الناسوت، بعد ذلك الاتحاد الغامض الذي لا يمكن تفسيره، بل نعترف بأن المسيح الواحد هو من مشيئتين قد اجتمعتا إلى واحد مؤلف من كليهما، لا بهدم الطبيعتين ولا باختلاطهما، بل باتحاد شريف للغاية، بوجه عجيب" (٣).
وقال: «ربنا يسوع المسيح هو أقنوم واحد، لأن ناسوته متحد مع لاهوته باتحاد إلهي، لا مجال فيه للتفكك أو الانفصال على الاطلاق»، وكان يشبه علاقة الناسوت باللاهوت بعلاقة جسد الإنسان وروحه، فكما لا يعرف للإنسان عمل روحي بحت أو جسدي بحت؛ فكذلك المسيح لا يمكن التفريق في أفعاله بين أفعال تنسب للناسوت وأخرى للاهوت.
وكان كيرلس من أشهر المنادين بعقيدة "تألم الإله" ( Theopaschites) ، وقال في الحرمانات الشهيرة التي أصدرها؛ في الحرمان الثاني عشر: "فليكن محروماً كل من ينكر أن الكلمة الله تألم في جسده، وصلب في جسده، وذاق الموت في جسده، وأصبح باكورة الراقدين"، فهو يرى اشتراك اللاهوت والناسوت في الصفات والخواص، ويؤكد على أن "اللاهوت يشعر بما يشعر به الناسوت، ويشترك في أعماله وكذلك الناسوت، فإن كان الناسوت تألم فإن اللاهوت تألم أيضاً؛ بسبب الوحدة القوية بين الجوهرين"، ولذلك يؤكد كيرلس على استحقاق جسد المسيح للعبادة: "المسيح يسوع، الإبن الوحيد، الذي يكرم بسجدة واحدة مع جسده الخاص" (٤).
وأما خليفته البابا ديسقورس الأول، البطريرك الخامس والعشرون من باباوات كنيسة الإسكندرية الأرثوذكسية (ت ٤٥٧م)؛ فينقل الأنبا غريغوريوس عنه قوله: " فلا اللاهوت امتزج بالناسوت ولا اختلط به، ولا استحال أحدهما إلى الآخر. إنما اللاهوت والناسوت قد اتحدا. ليس من قبيل الإجتماع أو المصاحبة، ولكنه اتحاد بالمعنى الحقيقي لكلمة اتحاد، وإذا كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا فقد صارا واحداً، ولا مجال للقول بعد ذلك أن هناك طبيعتين، وإلا فلا يكون الاتحاد صحيحاً أو حقيقياً" (٥).
وكتب بروكلوس أسقف القسطنطينية (عام ٤٣٥م) رسالته الشهيرة التي أجاب فيها على تساؤلات القادة والأساقفة في كنيسة أرمينيا: "إن اللاهوت اشترك في ضعف الناسوت، أي إنه تألم وعرف بطريقة فعلية حقيقية تألم الجسد والحزن والموت، فإن الذي تألم وعطش وجاع، وفي نهاية المطاف مات وقام من بين الأموات هو يسوع المسيح، هو الكلمة المتجسد، أي الأقنوم الثاني من اللاهوت" (٦).
ووفق هذا المفهوم نستطيع القول: إن التفريق بين الطبيعتين في المسيح تفريق ذهني غير حقيقي، لا يصح أن يتعلق به الذين أذهلتهم الصور الإنسانية الكثيرة للمسيح، فالاتحاد بين الناسوت واللاهوت يمنع الاحتجاج بالطبيعتين، وقد شبهه البابا كيرلس الملقب بعمود الدين باتحاد الروح والجسد، وقال: "إننا لا نجيز الفصل بين الطبيعتين، ونعلِّم فقط بالتمييز بينهما تمييزاً ذهنياً" (٧).
وهكذا فإن عقيدة التي عُبِّر عنها في الفكر المسيحي بالمقولة المشهورة: "واحد من الثالوث تألم في الجسد" (٨) ليست بدعة هرطوقية، بل عقيدة نادى بها آباء الكنيسة قبل الانشقاق الكنسي الكبير الذي أعقب مجمع خليقدونية ٤٥١م (من لدن أوريجانوس مروراً بأثناسيوس ثم كيرلس)، واستمرت بعدهم، فنادى بها الرهبان السكيثيون، والعالم الأفريقي فولجنس، ثم اعترف فيها مجمع القسطنطينية الكاثوليكي سنة ٥٥٣م، وكتب بذلك البابا يوحنا الثاني إلى الامبرطور يوستيتيانوس وإلى مجلس الشيوخ الروماني (٩).
والأرثوذكس الشرقيون (أقباط مصر، والحبشة) يقولون اليوم بالطبيعة الواحدة ليسوع، وهم يرفضون القول بالطبيعتين، ويرونه مخلاً بإحدى أهم العقائد المسيحية، وهي عقيدة صلب المسيح كفارة عن خطايا البشر، إذ لا يقبلون قول الكاثوليك والبرتستانت بأن المصلوب هو ناسوت المسيح دون لاهوته، فـ "إذا كان للسيد المسيح طبيعتان بعد الاتحاد، فمن المنطقي أن عمل الفداء قام به جسد السيد المسيح، لأنه هو الذي وقع عليه الصلب، وعلى ذلك ففداء المسيح ليست له أي قوة على خلاص الجنس البشري، إذ يكون الذي مات من أجل العالم هو إنسان فقط" (١٠)، والناسوت فقط لا يكفي للفداء عن الجنس البشري، لأن ناسوت المسيح محدود، ولا يكفر الخطيئة غير المحدودة، والتي تحتاج لكفارة مكافئة لها، أي صلب شخص غير محدود، ليتم الخلاص، وهذا يستدعي أن يكون المصلوب هو اللاهوت والناسوت المتحدين في طبيعة واحدة.
ويمكننا فهم هذه العلاقة - المدعاة - لامتزاج الناسوت باللاهوت بتأمل لحظة واحدة صدر فيها عن المسيح فعلين متغايرين، أولهما عبر عن ناسوته، والآخر عبر عن لاهوته، وذلك في قصة المرأة النازفة "جاءت من ورائه، ولمست هدب ثوبه، ففي الحال وقف نزف دمها، فقال يسوع: من الذي لمسني؟ وإذ كان الجميع ينكرون، قال بطرس والذين معه: يا معلّم، الجموع يضيّقون عليك، ويزحمونك، وتقول: من الذي لمسني؟ فقال يسوع: قد لمسني واحد، لأني علمتُ أن قوة قد خرجت مني .. " (لوقا ٨/ ٤٤ - ٤٧)، ففي لحظة واحدة يجمع له النصارى بين الألوهية الكاملة والناسوتية التامة، فقد جهل المسيح لامسه بناسوته، وشفاه من مرضه بلاهوته، وذلك في لحظة واحدة.
ولا تجيز فرقة من فرق النصارى الكبرى اليوم القول بأن جسد المسيح الأرضي - الذي اكتسبه من مريم - لا يستحق العبادة، فإن التماهي بين اللاهوت المزعوم والناسوت مما لا يجوز فيه انفصال أو تجزئة.
وقد قال قديسو المسيحية في عصورها المتقدمة بلزوم عبادة الجسد، منهم البابا أثناسيوس (ت ٣٧٣م)، فهو القائل: " الذي نسجد له مع جسده سجوداً واحداً"، وكان يقول: "ابن الله هو بعينه ابن الإنسان، وابن الإنسان هو بعينه ابن الله" (١١)، وكنا قد نقلنا قبلُ قول (القديس) كيرلس عمود الدين: "المسيح يسوع، الإبن الوحيد، الذي يكرم بسجدة واحدة مع جسده الخاص" (١٢)، فالجسد معبود مع أنه مخلوق اكتسبه المسيح من مريم، فالنصارى يعبدون الجسد المخلوق.
وقد استدلت الكنيسة في عبادتها لجسد المسيح أو ناسوته بنصوص كتابية رأت أنها ترتفع بجسد المسيح لتجعله معبوداً من غير أن تفرق بين ناسوته ولاهوته، من ذلك قول بولس: "لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أعمال ٢٠/ ٢٨)، فنسب الدم إلى الله، مع عرفتنا بأن الدم يتبع الناسوت لا اللاهوت، قال أغناطيوس: "دعي يسوع المسيح إلهاً، وقيل في دمه: إنه دم الله" (١٣).
وقال في رسالته إلى أهل رومية: "اسمحوا لي أن أتشبه بأوجاع إلهي"، فالمتوجع من المسيح هو ناسوته ولا ريب، ومع ذلك فهو إله معبود.
واستدلت الكنيسة أيضاً بصعود المسيح إلى السماء بجسده وروحه، فقد رأى التلاميذ لحمه وعظامه حين قال هم: "انظروا يديّ ورجليّ، إني أنا هو، جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا، أراهم يديه ورجليه" (لوقا ٢٤/ ٣٧ - ٤١)، ثم صعد بعد قليل بهذا الجسد الناسوتي.
وقد جاء في إنجيل يوحنا: "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يوحنا ٣/ ١٣)، وهكذا فالمعنى بحسب الكنيسة أن ناسوت المسيح أو جسده "نزل من السماء" ثم ارتفع ثانية إليها، إنه " ابن الإنسان الذي هو في السماء".
ولما قال نسطور بأن مريم هي "أم الإنسان" ورفض أو تلكأ بالقول بأنها "أم الله"؛ أقامت الكنيسة الدنيا عليه ولم تقعدها، لأنه "ميز الإله على حدة، والإنسان على الأخرى، وفصل المسيح إلى طبيعتين وأقنومين، واستنتج من هذه المقدمات أمرين: أحدهما: أن العذراء لم تلد سوى الإنسان، ولذلك لا يجب أن تلقب بـ"أم الإله"، والثاني: أن الإله لم يولد ولم يتألم، ولذلك لا ينبغي أن يقال أن الله مات" (١٤)، فكل جريمته أنه فصل بين الطبيعتين المتحدتين في طبيعة واحدة، فحكمت الكنيسة بهرطقته في مجمع أفسس (٤٣١م) بقيادة كيرلس عمود الدين، ثم أمر البابا ثيودسيوس الثاني بإحراق كتبه.
وما نقلناه في هذا الصدد لا يعني تصديقنا بدعوى الاتحاد الذي أنتج مسيحاً يملك طبيعة واحدة تجتمع فيه الناسوتية واللاهوتية، فهذه الدعوى عجيبة كالقول بالطبيعتين، ويكفي لإبطالهما أن نتخيل اتحاد عنصرين من عناصر المادة اتحاداً كاملاً، فهو لا يبقي لأي منهما خصائصه، كما لو اتحد حامض بحلو، فإن الناتج غلبة أحدهما أو تعادلهما، لكن الاتحاد - وفق المفهوم النصراني - يحتم أن يكون المتحد حلواً حامضاً في نفس اللحظة، ليحقق الناسوتية والألوهية في شخص المسيح طوال حياته على الأرض.
إن عشرات النصوص الإنجيلية تتحدث عن ضعف المسيح البشري، وتحكي قعوده عن مرتبة الألوهية، وترد على أولئك الزاعمين ألوهيته ﵇، وهي على ضروب أربعة:
стр. 105
الضرب الأول: هو تلك النصوص التي تبين عجز المسيح، وقعوده عن مقام الألوهية والربوبية، وعليه فهو ليس بإنسان تام وإله تام كما يقول النصارى، إنما كان فقط إنساناً تاماً. وفي ذلك نصوص كثيرة:
منها جهل المسيح ﵇ بأشياء كثيرة، أهمها جهله بيوم القيامة، فقد قال: "أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب" (مرقس ١٣/ ٣٢)، فكيف تدعي النصارى بعد ذلك ألوهيته، فالجهل بالغيب مبطل لها.
وليس ما يجهله المسيح هو موعد القيامة فحسب، بل كل ما غاب عنه فهو غيب يجهله إلا ما أطلعه الله عليه، ولذلك نجده عندما أراد إحياء لعازر يسأله " فانزعج بالروح واضطرب وقال: أين وضعتموه؟ " (يوحنا ١١/ ٣٣ - ٣٤).
ولما جاءه رجل يريد منه شفاء ابنه من الجنون " فسأل أباه: كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه" (مرقس ٩/ ٢١).
والمسيح أيضاً وهو يظهر معجزاته الباهرة كان يشير إلى افتقاره لله وعجزه عن هذه المعجزات لولا معية الله ونصرته فيقول: " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا ٥/ ٣٠).
ويؤكد هذا المعنى فيقول: " قال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو، ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علّمني أبي، والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الآب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (يوحنا ٨/ ٢٨).
стр. 106
وفي نص آخر يقول لليهود: " الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا ٥/ ١٩).
والمسيح أيضاً لا يملك لنفسه - فضلاً عن غيره - نفعاً ولا ضراً إلا أن يتغمده الله برحمته، وقد كان، إذ لما جاءته أم ابني زبدي وكانا من تلاميذه " فسألها ما تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع ... وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدّ لهم من أبي " (متى ٢٠/ ٢٠ - ٢٢).
كما وقد وصف الكتاب المسيح بصفة العبودية في مواضع عدة، ومن ذلك ما جاء في متى في وصف المسيح "هو ذا عبدي" (متى ١٢/ ١٨)، وفي سفر أعمال الرسل "قد مجد عبده يسوع .. القدوس البار" (أعمال ٣/ ١٣ - ١٤)، "فإليكم أولاً أرسل الله عبده" (أعمال ٣/ ٢٦)، وفي موضع آخر: "عبدك القديس يسوع " (أعمال ٤/ ٣٠).
وقد استبدلت لفظة (عبد) في بعض التراجم العربية الحديثة بكلمة "فتى" الموهمة للعبودية أو البنوة، وذلك في ترجمة الفانديك المشهورة، بينما استخدم الآباء اليسوعيون كلمة "عبد"، وهو كذلك في اللغات العالمية، فالتراجم الإنجليزية تستخدم كلمة ( servant) .
وكتوضيح لهذا الصنيع الموهم ننقل قول متى: "لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل: هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي، أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق" (متى ١٢/ ١٧ - ١٨)، فاستخدم كلمة (فتى)، فيما استخدم سفر إشعيا الذي نقل منه متى كلمة (عبد)، فيقول: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرّت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم" (إشعيا ٤٢/ ١).
стр. 107
الضرب الثاني: هو النصوص التي تحدثت عن أحوال المسيح ﵇ البشرية التي يشترك فيها مع سائر الناس من طعام وشراب وعبادة لله وتذلل و ....
درس المحققون سيرة المسيح ﵇ كما عرضتها الأناجيل - منذ بشارة أمه إلى حمله، وولادته في المزود، ثم لفّه بالخرق، ثم ختانه، ومن ثم نشأته وتعليمه مع الصبيان، ثم تعميده على يد المعمدان إلى أن ذكروا نهايته المزعومة على الصليب بعد أن جزع وتذلل لله ليصرف عنه هذا الأمر ... فوجدوا أن المسيح لا يفرق في شيء عن سائر الناس، فقد ولد وكبر، وأكل وشرب، ومات. فما الذي يميزه بالألوهية عن غيره؟
فقد ولد من فرج امرأة متلبطاً بدمها "وبينما هما هناك تمّت أيامها لتلد" (لوقا ٢/ ٦).
ورضع من ثدييها "وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملك، والثديين اللذين رضعتهما" (لوقا ١١/ ١٧)، فهل علمت مريم أن طفلها الخارج من رحمها والذي كانت تتولى كافة شئونه من نظافة وتربية ورضاع، هل كانت تعلم ألوهيته، أم جهلت ما علمه النصارى بعد ذلك؟ (١).
وقد ختن المسيح ﵇ في ثامن أيام ولادته "ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمي يسوع" (لوقا ٢/ ٢١) فهل دار في خلد الذي كان الذي يختنه أنه يختن إلهاً؟ وماذا عن القطعة التي بانت منه؟ هل غادرتها الإلهية بانفصالها عن الإله المتجسد؟ أم بقيت فيها الإلهية حيث ضاعت أو دفنت؟
стр. 108
وقد عمده يوحنا المعمدان ﵇ في نهر الأردن " جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى ٣/ ١٣)، أفجهل المعمدان أنه يعمد الإله؟ ومن المعلوم أن معمودية المعمدان غفران الذنوب، كما في متى: " واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم .. أنا أعمدكم بماء للتوبة ... حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى ٣/ ٦ - ١٤)،
فهل كان الإله مذنباً يبحث عمن يغفر له ذنوبه؟!
وأصاب المسيح ﵇ ما يصيب كل البشر من أحوال وعوارض بشرية فقد نام " وكان هو نائماً" (متى ٨/ ٢٤)، وتعب كسائر البشر " كان يسوع قد تعب من السفر" (يوحنا ٤/ ٦)، واحتاج إلى حمار يركبه، فأرسل تلاميذه طالباً منهم إحضار الحمار لأن "الرب محتاج إليه" (مرقس ١١/ ٣).
واكتئب المسيح ﵇ لما أصابه "وابتدأ يدهش ويكتئب" (مرقس ١٤/ ٣٣)، وأحياناً كان يجتمع عليه الحزن والاكتئاب "وابتدأ يحزن ويكتئب" (متى ٢٦/ ٣٧).
ولما كان البكاء من عادة البشر إذا ما اعتراهم الضعف والأسى فإنه أحياناً كان يبكي كسائر البشر "بكى يسوع" (يوحنا ١١/ ٣٥) (١).
كما تعرض لمكايد أعدائه فقد حاول الشيطان أن يغويه، فلم يقدر، لقد صعد بالمسيح إلى جبل عال، وأراه جميع الممالك الإنسانية، وقال له "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ، لأنه إليّ قد دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع، فأجابه يسوع وقال: اذهب يا شيطان، إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (لوقا ٤/ ٦ - ٨).
стр. 109
وتعرض للطم والشتم "ولما قال هذا، لطم يسوعَ واحد من الخدام كان واقفاً" (يوحنا ١٨/ ٢٢)، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه إلا بالكلام، لأنه كان موثقاً "قبضوا على يسوع وأوثقوه" (يوحنا ٨/ ١٢).
والمسيح ﵇ قد جاع أيضاً، وبحث عن طعام يأكله "وفي الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع" (متى ٢١/ ١٨).
كما عطش " قال: أنا عطشان" (يوحنا ١٩/ ٢٨).
وقد أكل وشرب، فسد جوعته، وروى ظمأه " فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم" (لوقا ٢٤/ ٤٢ - ٤٣).
والطعام والشراب الذي كان يتقوى به، وينمو به جسمه طولاً وعرضاً " وكان الصبي ينمو " (لوقا ٢/ ٤٠)، ونموه كان بالجسد والعقل " وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لوقا ٢/ ٥٢)، فالطعام ينميه جسدياً، والتعلم في الهيكل من الشيوخ والمعلمين ينميه عقلياً " وجداه في الهيكل جالساً في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم" (لوقا ٢/ ٤٦).
كما ويقتضي الطعام خسيسة أخرى لا يليق أن تذكر في سياق الحديث عن مقام الألوهية وعظمته، ألا وهي التبول والتغوط، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهو ما نبه الله تعالى إليه أذهان العقلاء بقوله: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ فكل من طعم وشرب احتاج لإخراج ما طعم، ولا يليق نسبة هذه المنقصة ولا غيرها إلى الله الذي لا يشارك الناس هذه الدنايا.
وتذكر الأناجيل حزن المسيح ﵇ ليلة الصلب وغيرها " إن نفسي حزينة حتى الموت " (مرقس ١٤/ ٣٢ - ٣٦).
стр. 110
ثم لما جزع ظهر له ملك من السماء ليقويه. (انظر لوقا ٢٢/ ٤٣).
ثم لما وضع - حسب الأناجيل - على الصليب جزع وقال: " إلهي إلهي، لم تركتني " (مرقس ١٥/ ٣٤).
بل وتزعم الأناجيل أنه مات، فهل رب يموت؟ "فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح" (مرقس ١٥/ ٣٧)، وقبل أن يجيبنا أحدهم - ببرود - بأن الذي مات هو الناسوت، وأن اللاهوت لا يموت؛ فإني أذكر القارئ بأن الذي مات على الصليب هو ابن الله، وليس ابن الإنسان، "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به" (يوحنا ٣/ ١٦).
ولا يجد الأسقف ترتليان في القرن الميلادي الثالث ما يدفع به هذه القاصمة إلا أن يقول: " لقد مات ابن الله! ذلك شيء غير معقول، لا لشيء، إلا لأنه مما لا يقبله العقل، وقد دفن من بين الموتى، وذلك أمر محقق، لأنه مستحيل " (١)، ومع ذلك يؤمن به ترتليان والنصارى من بعده.
وذكرت الأناجيل أيضاً تذلَله وخضوعه لله وتضرعه بين يديه " وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن أن تعبر عني هذا الكأس، ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" (متى ٢٦/ ٣٩). "وكان يصلّي هناك" (مرقس ١/ ٣٥).
ويصور لوقا صلاته ﵇، فيقول: " جثا على ركبتيه وصلى" (لوقا ٢٢/ ٤١). وذات يوم وقبل اختياره للتلاميذ " خرج إلى الجبل ليصلّي، وقضى الليل كله في الصلاة لله، ولما كان النهار دعا تلاميذه" (لوقا ٦/ ١٢) فلمن كان الإله يصلي طوال الليل منفرداً؟ هل كان يصلي لنفسه؟ أم للآب الحال فيه؟ وهل تجوز عبادته وهو على هذه