← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 95570

الله جل جلاله واحد أم ثلاثة

منقذ السقار

Полный текст (220 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهو المسيح ﵇ ﴿فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمةٍ من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين﴾ (آل عمران: ٣٩). وفي آيات أخر وصف المسيح بأنه كلمة مخلوقة: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين - ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين - قالت رب أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾ (آل عمران:٤٥ - ٤٧) فصرحت الآيات أنه كلمة من الله وأنه مخلوق، فهل ينطبق هذا على عقل الله الناطق الذي يسمونه بالكلمة (اللوغس). وسبب اختصاص المسيح بهذا الاسم الكريم أنه ليس للمسيح سبب بشري قريب من جهة أبيه ينسب إليه كما الناس، لذا نسب إلى سببه القريب، وهو تخليقه بكلمة الله، التي تخلّق وفق أمرها. وقد يكون المقصود أنه يحمل كلمة الله، كما في العهد الجديد: " وكانت كلمة الله تنمو، وعدد التلاميذ يتكاثر جداً " (أعمال ٦/ ٧)، ومثله قوله: "وإذ كان الجمع يزدحم عليه ليسمع كلمة الله " (لوقا ٥/ ١). وأما قوله ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾ فالمراد بالروح منه جبريل ﵇، كما سماه الله في آية أخرى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ (النحل: ١٠٢). وقد تمثل جبريل (روح الله) للعذراء البتول في صورة رجل ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ (مريم: ١٧)، فنفخ في درعها، فسرى المسيح في أحشائها، فالمسيح خلق بنفحة منه ﴿فنفحنا فيها من روحنا﴾ (الأنبياء: ٩١). وهذا المعنى هو ما ورد في حق آدم أيضاً ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ (الحجر: ٢٩)

стр. 142

فهي إضافة تشريف وتكريم، ولو أوجبت هذه الإضافة معنىً خارجاً عن الإنسانية لكان آدم أولى بذلك. وقوله: ﴿وروح منه﴾ ليست تبعيضية، بل هي لابتداء الغاية، كقوله تعالى: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه﴾ (الجاثية: ١٣)، أي خلقت منه. وتستعمل لفظة الروح بمعنى الملائكة كما في قول موسى ﵇: " قال له موسى: هل تغار أنت لي، يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذا جعل الرب روحه عليهم" (العدد ١١/ ٢٩)، ويقول: "يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة إني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاماًً" (أعمال ٢/ ١٧). وهكذا فإن القرآن كما العهد الجديد متفقان على أن المسيح ﵇ عبد الله ورسوله المجتبى إلى بني إسرائيل، وهو ﵊ النبي المؤيد بالمعجزات الباهرات الدالة على نبوته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

стр. 143

ألوهية الروح القدس الروح القدس عند المسلمين اسم شريف يطلق على الملاك جبريل ﵇، كما يطلق على وحي الله وعلى تأييده الذي يؤيد به أنبياءه وأولياءه. وقد سمى القرآن الكريم الملاك جبريل روحاً في قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق﴾ (النحل: ١٠٢)، ومثله قوله تعالى: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس﴾ (المائدة: ١١٠). وكذا سمّى القرآن الكريم وحي الله على أنبيائه روحاً في قوله: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ (الشورى: ٥٢)، ومثله قوله تعالى: ﴿ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده﴾ (غافر: ١٥). ومن المهم أن نقرر أن روح القدس (????????? ?????) أو روح الله في الكتاب المقدس لا يبعد كثيراً عما ذكرناه في المفهوم القرآني، لكنه على أية حال لا يتفق مع المعنى الذي قدمه مجمع القسطنطينية، فقد ورد هذا الإطلاق (الروح) في الكتاب المقدس على معان متعددة: ١ - الروح الإنسانية التي يخلقها الله في الأحياء، فهي روح الله المخلوقة فيهم، يقول بولس: "وإلى أرواح أبرار مكملين " (عبرانيين ١٢/ ٢٣)، ونحوه دعاء المترنم: " تنزع أرواحها فتموت، وإلى تراب تعود، ترسِل روحك (أي يا الله) فتُخلق (أي الكائنات) وتجدد وجه الأرض" (المزمور ١٠٤/ ٢٩ - ٣٠)، وهذه الروح التي من الله هي النفخة التي أحيت هيكل آدم "ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حياً" (التكوين ٢/ ٧)، وقد دعيت هذه الروح بـ (روح من الله) لأنها صدرت عن الله، وإليه تعود "ترجع الروح إلى الله الذي أعطاها" (الجامعة ١٢/ ٧). ٢ - الوحي الذي تأتي به الملائكة إلى الأنبياء ومنه: "داود قال بالروح القدس"

стр. 144

(مرقس ١٢/ ٣٦)، ومثله "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس" (لوقا ١/ ٦٧)، وقال بطرس: " أيها الرجال الإخوة، كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس فقاله بفم داود " (أعمال ١/ ١٦)، وقد سمى الله الأنبياء وما يأتون به من الوحي روح القدس فقال موبخاً لبني إسرائيل: " يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان، أنتم دائماً تقاومون الروح القدس، كما كان آباؤكم كذلك أنتم، أيُّ الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟! " (أعمال ٧/ ٥١)، وسمى يوحنا الأنبياء أرواحاً، وهذه الأرواح من الله: "أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله، لأن انبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم" (يوحنا (١) ٤/ ١). ٣ - كما يطلق هذا اللفظ (الروح القدس، روح الله) على ما يعطيه الله من قوة وتأييد وفهم وحكمة للأنبياء وغيرهم، ومنه قول المسيح ﵇: "كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين" (متى ١٢/ ٢٨) أي بقوة الله، ومثله قول فرعون لعبيده، وهو يبحث عن رجل حكيم: "هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله" (التكوين ٤١/ ٣٨)، أي حكمة إلهية أعطاه الله إياها كما أعطي سليمان الحكيم، ومثله كذلك ما جاء في سفر النبي حجي: "روحي قائم في وسطكم. لا تخافوا" (حجي ٢/ ٥)، أي قوتي وتأييدي. وقريباً من هذا المعنى يطلق لفظ (الروح القدس)، ويراد به الخيرات الإلهية التي يسديها الله لعباده كما في قول المسيح: "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى ٧/ ١١)، وقد سمى لوقا هذه الخيرات (الروح القدس) وهو ينقل ذلك القول الذي قاله المسيح "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه" (لوقا ١١/ ١٣)، فالروح القدس هو الخيرات التي يهبها الله للذين يسألونه. ومثل هذا المعنى ورد في قول لوقا: "كان الرجل في أورشليم اسمه سمعان، وهذا الرجل كان باراً تقياً ينتظر تعزية إسرائيل، والروح القدس كان عليه" (لوقا ٢/ ٢٥) أي خيرات الله، وكذلك أيد روح القدس أي خير الله وتأييده التلاميذ في اليوم الخمسين "فامتلأ الجميع من الروح القدس، وابتدؤوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (أعمال ٢/ ٤)، وقدا فسر (القديس) الشهير يوحنا ذهبي الفم هذا النص في مقالته الثانية والسبعين في تفسير إنجيل يوحنا بقوله: " إن الروح القدس من الآب ينبثق والروح الذي أعطاه المسيح للرسل عندما نفخ فيهم والذي حل عليهم يوم العنصرة لم يكن جوهر الروح ولا أقنومه بل مواهبه" (١)، والذهبي الفم يؤمن - كسائر المسيحيين - بتميز بألوهية أقنوم الروح القدس، وتميزه عن الآب والابن، لكنه يفسر لفظة الروح القدس الواردة في (أعمال ٢/ ٤) بالمواهب التي ينسبها إليه. ٤ - الرياح الشديدة، ومنه قول التوراة وهي تصف الريح المدمرة: "يبس العشب، ذبل الزهر، لأن روح الرب هب عليه" (إشعيا ٤٠/ ٧)، وهو ينطبق على ما جاء في مقدمة سفر التكوين "وروح الله يرف على وجه الماء" (التكوين ١/ ١ - ٢)، فإن في ترجمته لبساً أوهم هذا الخلط، فالنص كما ينقل الناقد الكبير اسبينوزا عن مفسري اليهود، يقصد منه رياح عظيمة أتت من عند الله، فبددت ظلمات الغمر. ونسبة الروح إلى الله في هذين النصين وأمثالهما نسبة تعظيم وتشريف، لا نسبة تأليه، وهي كقوله: "جبال الله" (المزمور ٣٦/ ٦).

стр. 145

لكن جميع المعاني التي ذكرناها قبلُ للروح القدس غير مرادة عند مؤلهي روح القدس، الذين لا يوافقون على كونه مجرد قوة أو تأثير أو ملاك من الله، فالروح القدس وفق المفهوم النصراني إله، إنه ثالث أطراف الثالوث الأقدس، فمن هو الروح القدس وفق مفهومهم؟ وما أدلة النصارى على تأليهه؟ ومتى تمّ ذلك؟ في عام ٣٨١م وبأمر الامبرطور تاؤديوس انعقد مجمع القسطنطينية للنظر في قول الأسقف مكدونيوس أسقف القسطنطينية الأريوسي، والذي كان ينكر ألوهية الروح القدس ويقول بما تقوله الأسفار عن الروح القدس: "إن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون، وليس أقنوماً متميزاً عن الأب والابن"، وكان يقول عنه: إنه كسائر المخلوقات، ويراه خادماً للابن كأحد الملائكة. وقد حضر المجمع مائة وخمسون أسقفاً، وقرروا حرمان مكدونيوس وتجريده من وظائفه الكنسية، واتخذوا أحد أهم قرارات المجامع الكنسية، وهو تأليه الروح القدس، واعتبروه مكملاً للثالوث الأقدس، وقالوا: "ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس الله شيئاً غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق فقد قلنا: إن الله مخلوق" (١). ويقول القس يسّى منصور: " إن الروح القدس هو الله الأزلي، فهو الكائن منذ البدء قبل الخليقة، وهو الخالق لكل شيء، والقادر على كل شيء، والحاضر في كل مكان، وهو السرمدي غير المحدود ". ويقول في موضع آخر راداً على الأسقف مكدونيوس: "إن الروح القدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، وهو ليس مجرد تأثير أو صفة أو قوة، بل هو ذات حقيقي، وشخص حي، وأقنوم

стр. 146

متميز، ولكنه غير منفصل، وهو وحدة أقنومية غير أقنوم الآب، وغير أقنوم الابن، ومساوٍ لهما في السلطان والمقام، ومشترك وإياهما في جوهر واحد ولاهوت واحد" (١). يتعلق النصارى في تأليه الروح القدس بما جاء في إنجيل يوحنا: "إن الله روح" (يوحنا ٤/ ٢٤)، كما يرونه الروح الموجودة منذ بدء الخليقة "في البدء خلق الله السماوات والأرض ... روح الله يرف على وجه الماء" (التكوين ١/ ١ - ٢)، وكذا كثير من النصوص يتحدث عن الروح أو روح الله أو الروح القدس. نقض أدلة النصارى على ألوهية الروح القدس لقد كان يكفينا ما ذكرنا من معاني الروح القدس في الكتاب المقدس لدفع هذا المعتقد الغريب عن الكتاب، فالمعنى الذي يريده النصارى للروح القدس معدوم في كتابهم، ويتأكد غرابته عند تأملنا لعدد من الشواهد التي تحدثت عن الروح القدس. فالروح القدس كائن متجسد على صور مختلفة، منها نزوله على شكل حمامة على المسيح وهو يصلي " نزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة" (لوقا ٣/ ٢٢)، فهل كانت تلك الحمامة إلهاً مستحقاً للعبادة؟ وهل نستطيع أن ننسب إلى تلك الحمامة ما ننسبه إلى الله من صفات العزة والجلال؟ وفي مرة أخرى أتى الروح القدس على شكل ألسنة نارية، وذلك حين حل على التلاميذ يوم الخمسين "وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة، وملأ البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت في كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس" (أعمال ٢/ ١ - ٤).

стр. 147

ولم لا يكون الروح القدس جبريل ﵇ أو ملاك الله كما جاء كتابهم، فقد جاء الروح إلى كرنيليوس وبطرس، وهو ملاك من ملائكة الله " قال له الروح: هوذا ثلاثة رجال يطلبونك. لكن قم وانزل، واذهب معهم غير مرتاب في شيء، لأني أنا قد أرسلتهم. فنزل بطرس إلى الرجال الذين أرسلوا إليه من قبل كرنيليوس .. فقالوا: إن كرنيليوس .. أوحي إليه بملاك مقدس أن يستدعيك إلى بيته، ويسمع منك كلاماً" (أعمال١٠/ ٢٠ - ٢٢)، فالملاك المقدس هو الروح الذي كلم بطرس، وهو الذي طلب من كرنيليوس أن يرسل رجاله إلى بطرس. وعدو بني إسرائيل من الملائكة جبريل ﵇، فهو الروح القدس الذي خلص بني إسرائيل مراراً، ثم لما أصروا على كفرهم عذبهم وغضب عليهم، وتحول إلى عدو لهم، يقول إشعيا: "وملاك حضرته خلصهم، بمحبته ورأفته هو فكّهم، ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة، ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدواً، وهو حاربهم" (إشعيا ٦٣/ ٨ - ١٠) فقد أحزنوا ملاك حضرته، الروح القدس فتحولت محبته لهم إلى عداوة. والروح القدس كان مع بني إسرائيل حين خرجوا من أرض مصر "ثم ذكر الأيام القديمة، موسى وشعبه. أين الذي أصعدهم من البحر مع راعي غنمه؟ أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه .. الذي شق المياه قدامهم ليصنع لنفسه اسماً أبدياً" (إشعيا ٦٣/ ١١)، لكنه ملاك الله، وليس أقنوماً له، فقد جاء في سفر الخروج "ها أنا مرسل ملاكاً أمام وجهك، ليحفظك في الطريق، وليجيء بك إلى المكان الذي أعددته" (الخروج ٢٣/ ٢٠ - ٢١)، فروح القدس هو الملاك الذي كان معهم. وروح الله ليس اسماً خاصاً بجبريل، بل يطلق على غيره من الملائكة "ورأيت فإذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة، وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح،

стр. 148

له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله، المرسلة إلى كل الأرض" (الرؤيا ٥/ ٦)، فالأرواح التي رآها يوحنا ليست آلهة، وإلا تحول الثالوث النصراني إلى عاشور!! وقد تكرر الحديث عن أرواح الله السبعة في سفر الرؤيا في موضعين آخرين، حيث قال: "ومن العرش يخرج بروق ورعود وأصوات، وأمام العرش سبعة مصابيح نار متّقدة، هي سبعة أرواح الله " (الرؤيا ٤/ ٥)، ويقول: "واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس. هذا يقوله الذي له سبعة أرواح الله، والسبعة الكواكب .. " (الرؤيا ٣/ ١). لكن أياً كان الروح القدس فإنه ليس بإله، فإن مما يدفع ألوهيته جهله - كغيره - بموعد الساعة، الذي لا يعلمه إلا الآب وحده " أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن، إلا الآب" (مرقس ١٣/ ٣٢). ومما يدفع ألوهيته أن النصوص تجعله هبة من الله يعطيها لأوليائه، كما قال المسيح ﵇: "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري الآب الذي من السماء، يعطي الروح القدس للذين يسألونه " (لوقا ١١/ ١٣)، إذ لا يعقل أن يكون الله العظيم ممثلاً بأقنومه الثالث هدية تهدى ويمتلكها بعض البشر. ولو كان الروح القدس إلهاً لوجب القول بألوهية أولئك الذين يحل عليهم، فقد حل على كثيرين، منهم داود حيث "استوت روح الرب على داود" (الملوك (١) ٦/ ١٣)، وأيضاً "سمعان عليه روح القدس" (لوقا ٢/ ٢٥)، وحل الروح القدس على مريم " وقال لها الروح القدس: يحل عليكِ، وقوة العلي تظلِّلك" (لوقا ١/ ٣٥)،

стр. 149

وأحبلها عيسى، فقد " وجدت حبلى من الروح القدس" (متى ١/ ١٨). وكذا حل على التلاميذ " لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهوداً" (أعمال ١/ ٨)، فصاروا يتكلمون بالروح القدس "فمتى ساقوكم ليسلموكم، فلا تعتنوا من قبل بما تتكلمون ولا تهتموا، بل مهما أعطيتم في تلك الساعة فبذلك تكلموا، لأن لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس " (مرقس ١٣/ ١١). وأخيراً، فقد حل على أهل كورنثوس المؤمنين ببولس، لذا يخاطبهم " أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم" (كورنثوس (١) ٦/ ١٩)، فهؤلاء جميعاً يستحقون العبادة لو كان الإله قد حل فيهم، وامتلأوا منه. ومما يدل على أن الروح القدس ليس إلهاً أن الكتاب المقدس يعتبر بعضاً ممن لم يسمعوا بالروح القدس - فضلاً عن الإيمان به - مؤمنين، بل ويعتبرهم تلاميذاً رغم جهلهم بهذا الإله المزعوم، "فحدث فيما كان أبلوس في كورنثوس أن بولس بعد ما اجتاز في النواحي العالية جاء إلى أفسس، فإذ وجد تلاميذ، قال لهم: هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم؟ قالوا له: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس" (أعمال ١٩/ ١ - ٢). وأما ما يتعلق به النصارى على ألوهية روح القدس في قوله: "إن الله روح" (يوحنا ٤/ ٢٤)، فهو استدلال خاطئ، لأن النص ليس إخباراً عن ذات الله وطبيعته، بل هو إخبار عن صفة من صفاته فحسب، كقوله: "الله محبة" (يوحنا (١) ٤/ ١٦) و"الله نور" (يوحنا (١) ١/ ٥). ومقصود يوحنا أن الله لا يُرى، إذ ليس هو جسداً مادياً مكوناً من لحم وعظم، وقد ورد عن لوقا ما يؤكد صحة هذا الفهم: "والروح ليس له لحم أو عظام" (لوقا ٢٤/ ٣٩)،

стр. 150

وهذا المعنى يؤكده صاحبا كتاب شرح أصول الإيمان في إجابتهما على السؤال التالي: "لماذا يقال إنه تعالى روح؟ "، حيث يجيبان: "يقال: إنه روح، لتنزهه عن الهيولية، وعدم قابليته للفساد"؟ (١) ويؤكد هذا الفهم عوض سمعان بقوله: " (الله روح) لا يقصد به أنه روح مثل الأرواح المخلوقة، بل يقصد به فقط أنه ليس مادياً أو مركباً أو محدوداً" (٢). وهكذا يرى المحققون أن الروح القدس هو الآخر ليس بإله، وأن التثليث صياغة بشرية قامت بها المجامع بأهواء البابوات والأباطرة، من غير أن تستند إلى دليل يؤكد أصالة هذا المعتقد، الذي لم يسمع به الأنبياء ولم يذكره المسيح ولم يعرفه الحواريون. وقد صدقت الموسوعة الكاثوليكية الحديثة حين قالت: "إن صياغة الإله الواحد في ثلاثة أشخاص لم تنشأ موطدة وممكنة في حياة المسيحيين وعقيدة إيمانهم قبل نهاية القرن الرابع" (٣).

стр. 151

قراءة في أقوال الآباء في مسألة الأقانيم (*) وتساءل المحققون عن سبب تسمية الأقانيم بهذه الأسماء، فكلمة (الابن والولادة) تلقي بظلال الحدوث والخلق في أذهان السامعين الذين يشغلهم سؤال: هل كان الأب أباً في الأزل، أم صار أباً بعد أن ولد ابناً؟ فالكتاب المقدس لا يذكر شيئاً في إزالة هذا الإشكال، وعن سبب تسمية الآب والابن بهذين الاسمين (١). وكان ترتليانوس يرى في أسماء الأقانيم ما يدل على حدوث فعل الولادة في وقت قديم، لكنه ليس في الأزل، ولذلك فهو يرفض أزلية الابن، فالآب: "كونه إلهاً على الدوام مجرداً، لا يجعله أباً ودياناً دائماً، لأنه لم يكن بمقدوره أن يكون أباً قبل أن يولد الابن، ولا بمقدوره أن يكون حكماً قبل أن تقع الخطيئة، لقد كان هناك زمان لم يكن للخطية وجود معه، ولا كان معه ابن، فالخطية جعلت الرب دياناً، والابن جعله أباً" (٢). وأما الأسقف سابليوس فقد تخلص من المشكلة حين جعل الأسماء دالة على مراحل زمنية لنفس الإله، فالله "ظهر في العهد القديم بصفته آب، وفي العهد الجديد بصفته ابن، وفي تأسيس الكنيسة بصفته روح القدس". ورفضت الكنيسة هذا وغيره، وفضلت الهروب إلى عالم الأسرار، فالقس توفيق جيد يصور رأيها: "تسمية الثالوث باسم الآب والابن والروح القدس تعتبر أعماقاً إلهية وأسراراً سماوية لا يجوز لنا أن نفلسف في تفكيكها وتحليلها، أو نلحق بها أفكاراً من عندياتنا .. "، وبذلك يكون قد تخلص من هذا الكرب الكبير الذي غرق في لجته الآباء الأوائل. لكن المشكلة لن تنتهي بهذه السهولة، فقد حار فلاسفة المسيحية أيضاً في تعريف كلمة (أقنوم)، التي ابتدعوها، ولم يتوصلوا إلى معنى دقيق لها إلا في أواسط القرن الرابع (٣)، فهذه اللفظة (أقنوم) غريبة عن الكتاب المقدس لم يعلِّم عنها الكتاب شيئاً، فالتثليث وفلسفته وكافة مصطلحاته من ابتداعات الكنيسة، وهو نتاج سجال فكري طويل بين الآباء في القرون الثلاثة بعد المسيح ﵇، ولو شئت أن أبرهن ذلك فإنه يمكنني أن أدرج كافة المصطلحات الواردة في قانون الإيمان (الأقانيم - التثليث - الطبيعتين - الناسوت - اللاهوت - الجوهر)، فكل هذه الكلمات مجهولة عند المسيح وعند غيره من كتبة أسفار الكتاب المقدس، إذ لم يعرف الأنبياء ولا المسيح ولا تلاميذه عنها شيئاً. لكن الأغرب من هذا والأعجب أن نعلم أن أسماء الأقانيم (الآب، الابن، الروح القدس) لم ترد أبداً في العهد القديم الذي يمثل رسالة الله إلى بني إسرائيل طوال ١٥٠٠ سنة قبل المسيح، ولو جهدنا في البحث في الكتاب المقدس كله عن المفردات التي تطرحها الكنيسة (الله الابن، الله الروح القدس، الله الكلمة) لما وجدنا لها أثراً في الكتاب كله. تساوي الأقانيم أشرعت المسيحية منذ رفع المسيح وضياع كتابه بعيداً عن هدي الله، واستحسن فلاسفتها ما عند الوثنيات من عقائد أشربوها، فسرت بينهم أفكار لا علاقة للكتاب المقدس بها، وكان من أهمها فكرة الأقانيم ذات الجوهر الواحد، من غير أن يدور بخلدهم أن تكون هذه الأقانيم الإلهية متساوية في قدرها وسلطانها. ولو شئنا أن نذكر القارئ ببعض هؤلاء الآباء فإنه يحسن بنا أن نبدأ بالأب يوستينوس (الشهيد) المقتول في روما سنة ١٦٥، فهذا (الأب) يقول في محاورته لليهودي تريفون: "اللوغوس أصبح ابناً إلهياً، ولكنه خاضع للآب" (٤)، فهو يقول بمذهب (التبني) الذي يرى بأن المسيح صار إلهاً، وقد ربطه بعض العلماء بحادثة العماد خصوصاً حين كلمه الله: "أنت ابني الحبيب بك سررت" (لوقا ٣/ ٢٢)، وما يهمنا هنا قوله: "ولكنه خاضع للآب "، وحجته في ذلك - ولا ريب - قول بولس: "متى أخضع له [أي للابن] الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل (لله)، كي يكون الله الكل في الكل" (كورنثوس (١) ١٥/ ٢٨) (٥). وهكذا فإن "يوستينوس يعتقد بأن الابن أدنى من الآب، وأن الروح القدس أقل من الابن، فقد كتب يقول: (إن الله اللوغوس هو إله وسيد أقل من الله الخالق للكون)، وعندما يتكلم عن الثالوث يضع الله السامي في المرتبة الأولى، والمسيح في المرتبة الثانية، والروح القدس في المرتبة الثالثة" (٦)، ويقول: "يسوع المسيح الذي صلب في عهد بيلاطس البنطي .. نرى فيه ابن الله، ونضعه في المنزلة الثانية، وفي الثالثة الروح النبوي [الروح القدس] ". ثم يرد على سخرية الرافضين لوضع المصلوب المهان في مرتبة بعد مرتبة الله العظيم واعتبارهم ذلك من ضرباً من الجنون، ويقول: "هذا سر لا تفهمونه، سنشرحه لكم، فتفضلوا فاتبعونا" (٧). وعلى خطى يوستينوس مشى ترتليانوس (٢٢٥م) الذي أوجد مصطلح "التثليث" في المسيحية، فهذا "المعلم الأفريقي (ترتليانوس) قد أعطى المكانة الأولى في الثالوث للآب، والمكانة الثانية للابن، والمكانة الثالثة للروح القدس؛ إلا أنه أكد كثيراً وبشدة على حقيقة أن هؤلاء الثلاثة من جوهر واحد"، وكان يشبه الثالوث بنهر فيه ثلاث مجاري صغيرة، فالمجرى الصغير لا يساوي الكبير، مع أن الماء في الجميع واحد (٨).

стр. 152

وأما المعلم الروماني هيبوليتوس (ت ٢٣٥م) الذي أمر البابا فابيوس بإحضار جثته إلى روما تكريماً له؛ فكان أيضاً يؤمن بفكرة (التابعية)، ويعتقد "أن اللوجوس ليس فقط أقنوماً متميزاً عن الآب، ولكنه أقل منه، لأنه ما هو إلا صوت الآب، وما هو إلا انعكاس النور السماوي .. ومع أنه لا يوجد انقسام في اللاهوت فهو يختلف عن الآب" (١). وكذلك اعتقد أيضاً المعلم الروماني نوفاتيانوس (ت ٢٥٨) عقيدة التبعية في كتابه "عن الثالوث"، واستدل له بدليل الانبثاق، فـ "الابن يستمد أصله ووجوده من الآب .. وهذا الابن أو الكلمة هو أقل من الله، إنه يحتل الدرجة الثانية من الثالوث، لأن الآب موجود من ذاته وبذاته، وأما الابن فمنبثق من الآب الذي هو مصدره ومنبعه". كما استدل نوفاتيانوس على عدم التساوي بين الأقانيم بدليل آخر، وهو الإرسالية، فالمرسَل دون المرسِل، و"البراقليطوس [أي الروح القدس] أخذ رسالته من المسيح، فإذا كان قد استلمها من المسيح، فيكون هذا الأخير (المسيح) أعظم منه، فلو لم يكن أعظم منه لما استلم رسالته .. الروح القدس خاضع أيضاً للابن وأقل منه، ومرسل من الابن، ومأمور بأمره" (٢). وأما المعلم أوريجانوس (ت ٢٥٤م) الذي وصفه الخضري بـ "المعلم العظيم .. المؤلفات التي كتبها هذا العبقري حوالي ألفي كتاب [حسب جيروم]، وأما إبيفانوس أسقف قبرص، فقد قال: إن عدد كتبه يزيد على ستة آلاف كتاب؛ على أن المعروف لدينا من هذه الكتب ثمانمائة فقط" (٣)، فاستدل لمعتقده بتفاوت أقدار الأقانيم (التابعية - الدونية) بنصوص الكتاب المصرحة بأن الآب أعظم منه، وقال في رده على كلوس: "فنحن الذين نقول: إن العالم المنظور هو تحت إرادة من خلق كل شيء؛ نعلن أن الابن ليس أقوى من الآب"، ثم يعلق على نص يوحنا: "أبي أعظم مني" (يوحنا ١٤/ ٢٨)، بقوله: "أما نحن الذين نصدق المخلص حين قال: إن الآب الذي أرسلني هو أعظم منه، والذي لا يسمح بأن يلقب بالصالح ناسباً هذا اللقب للآب .. فإنه بهذا يدين الذين يمجدون الآب بإفراط، فنحن نؤمن بأن المخلص والروح القدس يفوقان كل الأشياء المخلوقة، في العظمة والسمو بلا وجه للمقارنة. كذلك الآب يفوقهما في العظمة والسمو بدرجة سموهما وتفوقهما على كل الخلائق الأخرى" (٤)، فالتفاوت في العظمة بين الأب وشريكيه في الألوهية كبير جدا، ولا يعدله شيء إلا التباين بين المسيح الإله وبقية المخلوقات. وكذلك استدل في تفسيره لإنجيل يوحنا بالنصوص التي تعتبر الابن خالق كل شيء (انظر أفسس ٣/ ٩)، "وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن الابن خلق الروح القدس ... "، وكان يعتقد أن "الآب خلق الابن، والابن خلق الروح القدس"، ويضيف ابن المقفع "ولم يقل: إن الآب والابن والروح القدس إله واحد " (٥). ومن القائلين بعدم تساوي الأقانيم أسقف لاوديكيا (اللاذقية) في القرن الرابع أبوليناريوس (ت ٣٩٠م) الذي كان صديقاً حميماً للبابا أثناسيوس، وقد استدل أبوليناريوس لقوله بتمايز أقدار الأقانيم بتباين الأقانيم في جوهرها وصفاتها؛ وبالحري أقدارها، فمع أن أبوليناريوس دافع بحرارة عن ألوهية المسيح ورفض بدعة الأريوسية؛ إلا أنه كان يعلِّم أن "الأقانيم الثلاثة الموجودة في الله متفاوتة القدر، فالروح عظيم، والابن أعظم منه، والآب هو الأعظم ... ذلك أن الآب ليس محدود القدرة والجوهر، وأما الابن فهو محدود القدرة لا الجوهر، والروح القدس محدود القوة والجوهر" (٦). ومن أهم القائلين بعدم تساوي الأقانيم؛ القديس أوغسطينوس، فقد ذكر في كتابه الثالوث أن الابن والآب لا يتساويان، لأن الابن صورة الآب، و"الصورة إذا أشبهت ما هي صورته شبهاً تاماً كانت هي مساوية له، وأما هو فليس مساوياً لها" (٧). لكن الكنيسة التي تملك المجامع التي يحرسها الامبرطور وبيدها الحرمانات والصكوك التي تصدرها بحق مخالفيها؛ استطاعت أن تهدم هذه الآراء التي رأت فيها خطراً على فكرة ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس، فكان في تمام الأمر أن تغلَّب البابا أثناسيوس وموافقوه القائلون بتساوي الأقانيم الثلاثة، فقد كان أثناسيوس يعلِّم بخصوص الأقانيم أن: "لا أكبر ولا أصغر، ولا أول ولا آخر، فهم متساوون في الذات الإلهية والقوة والعظمة"، وكما يقول محررو قاموس الكتاب المقدس: "الكتاب المقدس يقدم لنا ثلاث شخصيات يعتبرهم شخص الله ... شخصيات متميزة الواحدة عن الأخرى .. التثليث في طبيعة الله ليس مؤقتاً أو ظاهرياً، بل أبدي وحقيقي .. التثليث لا يعني ثلاثة آلهة، بل إن هذه الشخصيات الثلاث جوهر واحد ... الشخصيات الثلاث متساوون" (٨). ويلخص القس القبطي الأنبا غريغورس معتقد الأرثوذكس بالثالوث وأقانيمه: "المسيحيون يؤمنون بإله واحد، أحدي الذات، مثلث الأقانيم والخاصيات، فالتوحيد للذات الإلهية، وأما التثليث فللأقانيم، وللأقانيم خاصيات وصفات ذاتية، أي بها تقوم الذات الإلهية، فالله الواحد هو أصل الوجود، لذلك فهو الآب - والآب كلمة ساميّة بمعنى الأصل - .. والله الواحد هو العقل الأعظم .. تجلى في المسيح .. لذلك كان المسيح هو الكلمة .. والكلمة تجسيد العقل، فإن العقل غير منظور، ولكنه ظهر في الكلمة، وهو أيضاً الابن- لا بمعنى الولادة في عالم الإنسان -، بل لأنه صورة الله غير المنظور، والله هو الروح الأعظم، وهو آب جميع الأرواح، ولهذا فهو الروح القدس، لأن الله قدوس" (٩). أما وقد تبين لنا أقوال الأقدمين في قصة الأقانيم والمصطلحات التي دارت حولها، فالسؤال الذي نود الإجابة عنه: ماذا يقول الكتاب عن التثليث؟ ماذا يقول عن الأقانيم المثلثة ذات الجوهر الواحد؟

стр. 153

أدلة النصارى على عقيدة التثليث إن من الطبيعي والمتوقع ونحن نتحدث عن أهم عقائد النصرانية، أي التثليث أن نجد ما يؤصله في عشرات النصوص الواردة على لسان الأنبياء ثم المسيح ثم تلاميذه من بعده. لكن التصفح الدقيق لما بين دفتي الكتاب المقدس يكشف لنا غياب الدليل الصريح الذي نبحث عنه، في العهد القديم، وأيضاً في الجديد، ولم العجلة في إصدار الأحكام، هلم نتأمل ما جاء في الكتاب المقدس من تأصيل لهذا المعتقد الهام. أولاً: النصوص التوراتية وعقيدة التثليث لم يرد في العهد القديم نص واحد يتحدث عن الثالوث الذي يشكل جوهراً واحداً، بل نستطيع القول بأن (الابن والروح القدس) اسمان لم يردا أبداً في العهد القديم؛ فضلاً عن الحديث عن الثالوث الجامع الذي تنادي به الكنيسة، فكيف يمكن الإيمان بعقيدة لم يعرفها الأنبياء خلال ١٥٠٠ سنة من الوحي الإلهي؟. هذه الحقيقة المذهلة لن تمنع الغريق من التعلق بقشة، فقد تعلق النصارى ببعض النصوص التوراتية، وزعموا أنها إشارات ورموز إلهية إلى التثليث، منها استخدام بعض النصوص التوراتية صيغة الجمع العبري (ألوهيم) عند الحديث عن الله كما في مقدمة سفر التكوين "في البدء خلق الله السماء والأرض" (التكوين ١/ ١)، وفي النص العبري "إلوهيم" أي: (الآلهة)، ومثله في استخدام ما يدل على الجمع في أفعال منسوبة لله، كقول التوراة أن الله قال: "هلم ننزل ونبلبل" (التكوين ١١/ ٧). ومن الإشارات التوراتية أيضاً لتثليث الأقانيم قول الملائكة: "قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود" (إشعيا٦/ ٣)، فقد كرر ذكر كلمة (قدوس) ثلاث مرات، ومثله قالت الحيوانات التي رآها يوحنا في رؤياه: "قدوس، قدوس، قدوس، الرب الإله القادر على كل شيء" (الرؤيا ٤/ ٨)، فزعموا أنها تعني: (قدوس الآب، قدوس الابن، قدوس الروح القدس). نقد الاستدلال بالنصوص التوراتية بداية يعترف النصارى بأن ليس في هذه النصوص ما نستطيع أن نعتبره دليلاً

стр. 154

صريحاً على التثليث الذي تنقضه النصوص التوحيدية الصريحة، كما لم يفهم سائر قراء العهد القديم - من لدن الأنبياء الأوائل لبني إسرائيل - شيئاً عن تلك التي يعتبرها النصارى إشارات على التثليث، ويعترف بذلك القس بوطر: "بعدما خلق الله العالم، وتوج خليقته بالإنسان لبث حيناً من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بالوحدانية، كما تبين ذلك من التوراة، على أنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذ قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات "كلمة الله" أو "حكمة الله" أو "روح الله" ولم يعلم من نزلت إليهم التوراة إلا في ضوء الإنجيل المعنى المراد ... فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل" (١). ويقول الدكتور واين جردوم: "أما في العهد القديم فالطبيعة الثالوثية لم تكن قد أعلنت بوضوح بعد، فإنه من غير المستغرب أن لا نجد أدلة على أن الصلاة كانت ترفع مباشرة إلى الله الابن أو الروح القدس قبل زمن المسيح" (٢). ويبرر عوض سمعان عدم وجود التثليث صراحة في العهد القديم: "نظراً لانتشار الوثنية في الأزمنة الغابرة، واحتمال إساءة اليهود فهم حقيقة التثليث وقتئذ، وجواز اتخاذهم إياها أساساً للاعتقاد بصدق عقيدة تعدد الآلهة التي كان الوثنيون يؤمنون بها؛ كان من البديهي ألا يقوم الله بإعلان حقيقة كونه ثلاثة أقانيم دفعة واحدة" (٣). وهنا يتساءل المرء: هل كان هذا السبب كافياً لإلغاز الله تثليث أقانيمه عن نوح وموسى وبني إسرائيل، فقد كان سبب ضلالهم وتيههم عن التثليث؛ فقد لبَّسه عليهم ما يقرؤونه في الكتاب من نصوص موحدة، جعلتهم يحاربون عقيدة التثليث ويرفضونها، فهل سيغفر لهم ولغيرهم أنهم لم يهتدوا إلى حقيقة المراد من هذه الألغاز؟. ونظر المحققون فيما أسمته النصارى إشارات التوراة، فوجدوها محض تمحل لا تقبله الأذواق السليمة، ولا ترتضيه دلالات الكلام وتناسق السياق. ثم إن غاية ما يمكن أن تدل عليه هذه النصوص تعدد الآلهة، من غير تحديد لها بالتثليث أو التربيع أو غيره، فالجمع الوارد في مثل قوله: (إلوهيم، هلم، ننزل، ونبلبل) لو أفاد جمع العدد فإنه يحتمل التربيع والتخميس وغيرهما، ولا يفيد التثليث بالضرورة. لكن هذه الألفاظ يراد منها جمع التعظيم لا التكثير والتعدد، وقد اعتادت الأمم التعبير عن عظمائها باستخدام جمع التعظيم، فيقول

стр. 155

الواحد: نحن، ورأينا، وأمرنا، ومقصده نفسه، ولا يفهم منه مستمع أنه يتحدث عن ذاته وأقانيمه الأخرى. واستخدام صيغة الجمع للتعظيم لا العدد معروف عند اليهود، ويسمونه (رِيبُويْ هَكَبود)، أي جمع التعظيم أو الشرف، ويستعملونه في لغتهم؛ وبخاصة فيما يتعلق باسم الجلالة (إلوهيم ?????)، يقول البروفيسور الرابي مناحيم كوهين الأستاذ في جامعة بار إيلان في كتابه: (مِكرأوت جدولوت)، ومعناه (القراءات الكبيرة): "لقد فسر (الرابي إبراهام بن عزرا ١٠٨٩ - ١١٦٦) سبب تكلم الله بصيغة الجمع في عدة أماكن في التوراة , وأكثر الرابيين على طول الأجيال تبنوا رأيه , إن رأيهم بأن استعمال كلمة (إلوهيم) بصيغة الجمع هي لسان جمع لجلالة الملك, كما هي العادة في خطاب الملوك وأرباب المناصب. وببساطة إلوهيم يتكلم عن نفسه بلسان الجمع حتى يُفخم نفسه". ويقول الرابي اليهودي توفيا سينجر في موقعه على شبكة الإنترنت ( Outreach Judaism) : " من الخطأ الفادح للمبشرين أن يترجموا اسم (إلوهيم ?????) على أنه يمثل نوعاً من المجموع بالنسبة للربوبية، وإلا فكيف يمكن للمبشرين أن يفسروا لنا الكلمة المقابلة لإلوهيم الواردة في (سفر الخروج ٧: ١) وهي تشير إلى موسى؟ "فقال الرب لموسى انظر. أنا جعلتك إلهاً (إلوهيم) لفرعون". ويقول الدكتور جرهاردوس فوس: "وأما لقب (إلوهيم ?????) فهو صيغة جمع تدل على الجلال والعظمة والغنى والسمو والكمال" (١). ويقول القديس توما الأكويني: "قوله: (سماوات السماوات) بالجمع؛ فذلك من خاصية اللغة العبرانية التي جرت فيها العادة أن يعبر عن السماء الواحدة بصيغة الجمع" (٢). ويقول المطران كرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك: "في العهد القديم استعمل الشعب اليهودي كلمتين للإشارة إلى الله، كلمة (إلوهيم) وهي اسم جمع أو تفخيم لكلمة (إيل) التي استعملتها مختلف الشعوب الساميّة للدلالة على الله" (٣). ونختم بالأب متى المسكين حيث يقول: "و (إلوهيم) تأتي بالجمع في تكوينها، ولكن على مدى الكتاب تأتي بالمعنى المفرد لتدلّ على الله الحقيقي الفعّال، ليظهر الجمع أنه جمع المجد والجلال والعظمة، ولا دخل له بتعدد الآلهة على وجه الإطلاق" (٤). وصيغة جمع التعظيم معروفة أيضاً في الكتاب المقدس، ولها صور عديدة، منها قصة المرأة العرافة التي رأت روح صموئيل بعد وفاته، فعبرت عنه باستخدام صيغة الجمع، تقول التوراة: "فلما رأت المرأة صموئيل صرخت بصوت عظيم .. فقالت المرأة لشاول: رأيت آلهة (?????) يصعدون من الأرض، فقال لها: ما هي صورته؟ فقالت: رجل شيخ صاعد، وهو مغطي بجبّة. فعلم شاول أنه صموئيل" (صموئيل (١) ٢٨/ ١٢ - ١٤)، فقد كانت تتحدث عن صموئيل، لقد رأته على هيئة رجل شيخ، وتستخدم مع ذلك صيغة الجمع (آلهة ?????)، فالجمع لا يفيد العدد بالضرورة، بل هو جمع التعظيم. وعندما عبد بنو إسرائيل العجل، وهو واحد سمته التوراة آلهة مستخدمة صيغة الجمع في ثلاثة مواضع، تقول: "فأخذ ذلك من أيديهم وصوّره بالإزميل، وصنعه عجلاً مسبوكاً، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر ... صنعوا لهم عجلاً مسبوكاً، وسجدوا له، وذبحوا له، وقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر" (الخروج ٣٢/ ٤ - ٨). ويمضي السفر ليؤكد ثالثة أصالة استعمال الجمع الذي يراد منه الواحد، فيقول: "رجع موسى إلى الرب، وقال: آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة، وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب" (الخروج ٣٢/ ٣١). ومثله تجد هذا الاستخدام شائعاً في لغة العرب، كما في قول الله: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحِجر: ٩)، فالمقصود هو الله الواحد العظيم. وأما التكرار ثلاث مرات في قول الملائكة أو حيوانات رؤيا يوحنا وأمثال ذلك،

стр. 156

فلا يصلح في الدلالة في شيء. فلو اطرد الاستدلال على هذه الكيفية فلسوف نرى تربيعاً وتخميساً وغير ذلك من التعداد للآلهة، فلئن وردت كلمة (قدوس) مثلثة مرتين في الكتاب المقدس، فإنها وردت مفردة نحو أربعين مرة، وإنما يراد من التكرار التأكيد فحسب، كما في نصوص إنجيلية وتوراتية كثيرة (١)، منها قول اليهود: "فصرخوا قائلين: اصلبه، اصلبه" (لوقا ٢٣/ ٢١). ونحوه في سؤال المسيح لبطرس، فقد كرره ثلاث مرات " فبعدما تغدوا قال يسوع لسمعان بطرس: يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء؟ قال له: نعم يا رب، أنت تعلم أني أحبك ... قال له أيضاً ثانية: يا سمعان بن يونا أتحبني؟ ... قال له ثالثة: يا سمعان بن يونا أتحبني؟ فحزن بطرس لأنه قال له ثالثة: أتحبني" (يوحنا ٢١/ ١٥ - ١٧). وهكذا تبين للقارئ الباحث عن الحق بطلان الاستدلال بالتوراة على عقيدة التثليث. ثانياً: النصوص الإنجيلية وعقيدة التثليث ويعتقد النصارى أن القول بالتثليث "حق سماوي أعلنه لنا الكتاب في العهد القديم بصورة غير واضحة المعالم، لكنه قدمه في العهد الجديد واضحاً" (٢)، فهم يعتقدون أن ثمة أدلة في أسفار العهد الجديد أصرح وأوضح في دلالتها على التثليث من تلك التي وردت ملغزة في التوراة، منها أنه " لما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة، وآتياً عليه، وصوت من السماء قائلاً: هذا هو ابني الحبيب والروح الذي سررت به" (متى ٣/ ١٦ - ١٧)، فقد جمع النص الآب والابن الحبيب والروح النازل مثل الحمامة في سياق واحد. ومثله قول بولس: "بنعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم. آمين" (كورنثوس (٢) ١٣/ ١٤). لقد أرست التوراة والإنجيل رفض الشرك والتنديد به، واعتباره من أعظم الآثام، فهل تختلف الوحدة الجامعة للتثليث عن صور الشرك الذي حذر منها الكتاب في مواضع لا تحصى لكثرتها؟ إنه حين يسمع المؤمنون في الكنيسة أسماء (الآب، الابن، الروح القدس) ينقدح في ذهن كل منهم تصور ذهني لثلاث هيئات مختلفة، ولن تخطئه عيوننا حين نرى الصور المسيحية التي تصور لنا المسيح على هيئة شاب وسيم بشعر ناعم طويل، وتصور لنا الآب على هيئة رجل عجوز بلحية بيضاء وشعر أبيض، وأما الروح القدس فتصوره على شكل حمامة بيضاء، فيجزم كل منا أن الأقانيم ثلاثة أشخاص متمايزون في كل شيء. والمتأمل في نص متى في قصة عماد المسيح (انظر متى ٣/ ١٦ - ١٧) يستطيع رؤية ثلاث ذوات تمايزت بالأسماء والأعمال والمكان، فلكل منها

стр. 157

وجود ذاتي يختلف عن الباقين، فأحدها الشاب الخارج من الماء بعد التعميد، وثانيها النازل على شبه هيئة حمامة، وثالثها الذي في السماء يقول: "هذا هو ابني الحبيب "، فكيف بعد ذلك يقال عنها بأنها وحدة واحدة. هذا ولم يرد في الكتاب المقدس ذكر عناصر التثليث الثلاث جنباً إلى جنب إلا في نصين فقط، وهما نص الشهود الثلاثة في رسالة يوحنا الأولى، وخاتمة إنجيل متى، فماذا نرى في هذين النصين؟ أ. الاستدلال بنص الشهود الثلاثة على التثليث يعتبر نص الشهود الثلاثة أهم النصين وأصرحهما، وهو ما جاء في رسالة يوحنا الأولى في قول يوحنا: "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم الواحد" (يوحنا (١) ٥/ ٧)، فهذا النص صريح في جعل الثلاثة إلهاً واحداً، غير أنه غير موجود في سائر المخطوطات القديمة للكتاب المقدس، بل ومفقود حتى في أول نص مطبوع، فقد أضيف لاحقاً، ومن أراد دليل إلحاقية هذا النص، فليخرجه من السياق وليقرأ ما قبله وما بعده فلن يجد أي خلل في السياق، لأن النص مقحم فيه "هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح، لا بالماء فقط بل بالماء والدم، والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق [نص الشهادة المقحم]. والذين يشهدون هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم في الواحد" (يوحنا (١) ٥/ ٦، ٨)، فقد أقحمت شهادة الشهود السماويين المزعومة بطريقة فجَّة وسط النص الذي يتحدث عن شهادة الماء والدم والروح. وقد اعترف بإضافة هذه الفقرة في رسالة يوحنا علماء النصرانية ومحققوها ومنهم هورن، وجامعو تفسير هنري واسكات، وآدم كلارك، وبافندر، وغيرهم، وخلت ردود (القديس) أغستين (ق٤) من هذا النص على الرغم من مناظرته لفرقة ايرين المنكرة للتثليث، كما قد كتب عشر رسائل في شرح رسالة يوحنا لم يذكر في أيها هذا النص. ومن الآباء الذين لم يسمعوا بهذا النص المهم ديونسيوس؛ إذ يقول في كتابه "الأسماء الإلهية": "والكتاب المقدس ليس يصرح في موضع بأن الآب والابن والروح القدس ذوو ذات واحدة، فإذاً ليس يجب القول بذلك " (١) .. وهذا النص الذي لم يعرفه العلماء حذفته النسخة القياسية المنقحة ( R S V) من نسختها الإنجليزية، كما حذفته بعض التراجم العالمية، واعتبرته نصاً دخيلاً على الكتاب المقدس، وما يزال موجوداً في كثير من النسخ والتراجم، ومنها النسخ

стр. 158

العربية، وقد حذفه بعضها، كنسخة الرهبانية اليسوعية والترجمة العربية المشتركة؛ فإنهما اتفقتا على حذفه، والنص في الأولى: "لأن الروح هو الحق، والذين يشهدون ثلاثة: الروح والدم والماء، وهؤلاء الثلاثة متفقون" (يوحنا (١) ٥/ ٦ - ٨)، وقد ذكرت في مدخلها سبب حذفها لهذا النص فقالت: "لم يرد هذا النص في المخطوطات فيما قبل القرن الخامس عشر، ولا في الترجمات القديمة، ولا في أحسن أصول الترجمة اللاتينية، والراجح أنه ليس سوى تعليق كتب في الهامش، ثم أقحم في النص أثناء تناقله في الغرب". ومثله ما قاله بنيامين ولسن مترجم المخطوطات اليونانية: "إن هذه الآية التي تشمل على الشهادة بالألوهية غير موجودة في أي مخطوط إغريقي مكتوب قبل القرن الخامس عشر، إنها لم تذكر بواسطة أي كاتب إكليركي (إغريقي) أو أي من الآباء اللاتينيين الأولين حينما يكون الموضوع الذي يتناولونه يتطلب بطبيعته الرجوع إليها، لذلك فهي بصراحة مختلقة" (١). ويقول الدكتور واين جردوم: "تكمن المشكلة المتعلقة بهذه الترجمة في كونها مبنية على عدد قليل جداً من المخطوطات اليونانية غير الموثوقة، والتي يعود أقدمها إلى القرن الرابع عشر الميلادي، ولا توجد ترجمة إنجليزية حديثة تتضمن هذه الآية، بل تحذفها جميع الترجمات الحديثة .. خلت منها اقتباسات آباء الكنيسة مثل إيريناوس ٢٠٢م وأكليمنس ٢١٢م وترتليانوس ٢٢٠م وأثناسيوس المدافع العظيم عن عقيدة الثالوث ٣٧٣م" (٢). ب. نقد الاستدلال بخاتمة متى على التثليث وأما النص الثاني فهو ما جاء في خاتمة متى من أن المسيح قبيل صعوده إلى السماء "كلمهم قائلاً: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن وروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر. آمين" (متى ٢٨/ ١٨ - ٢٠). وأول نقد يتوجه لهذه الفقرة أنها رغم أهميتها لم ترد في الأناجيل الثلاثة الأخرى التي اتفقت على إيراد قصة دخول المسيح أورشليم راكباً على جحش. فهل كان ركوبه

стр. 159

على جحش أهم من ذكر التثليث، فلم يذكره سوى متى؟ بل إن خاتمة إنجيل مرقس نقلت ذات الوصية التي أوصاها للتلاميذ فلم تذكر صيغة التثليث التي انفرد بذكرها متى، حيث يقول مرقس: "وقال لهم: اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن" (مرقس ١٦/ ١٥)، وهذا دال على إلحاقية نص التثليث وعدم أصالتها. وهذه الفقرة دخيلة بدليل قول علماء الغرب أيضاً، يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز في كتابه "معالم تاريخ الإنسانية": "ليس دليلاً على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث". ويقول أدولف هرنك في كتابه "تاريخ العقيدة": "صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب والابن والروح القدس، غريب ذكرها على لسان المسيح، ولم يكن لها وجود في عصر الرسل ... كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح وهو يلقي مواعظ ويعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن بولس لا يعلم شيئاً عن هذا " (١)، إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه إلى المسيح يحض على نشر النصرانية بين الأمم. ويؤكد عدم أصالة هذه الفقرة مفسرو الكتاب المقدس ومؤرخو المسيحية كما نقل ذلك المطران كيرلس سليم بسترس - رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها للروم الكاثوليك - بقوله: "يرجّح مفسرو الكتاب المقدس أنّ هذه الوصية التي وضعها الإنجيل على لسان يسوع ليست من يسوع نفسه، بل هي موجز الكرازة التي كانت تُعِدُّ الموعوظين للمعمودية، في الأوساط اليونانية. فالمعمودية في السنوات الاولى للمسيحية كانت تعطى (باسم يسوع المسيح) (أع ٢/ ٣٨؛ ١٠/ ٤٨) أو (باسم الرب يسوع) (أع ٨/ ١٦؛ ١٩/ ٥) .. من هنا يرجّح المؤرخون أن صيغة المعمودية الثالوثية هي موجز للكرازة التي كانت تُعِدُّ للمعمودية. وهكذا توسّع استدعاء اسم يسوع ليشمل أبّوة الله وموهبة الروح القدس" (٢). وحين نقل المؤرخ يوسابيوس القيصري هذه الفقرة من إنجيل متى لم يذكر فيها الآب ولا الروح القدس، بل قال: "فقد ذهبوا إلى كل الأمم ليكرزوا بالإنجيل معتمدين على قوة المسيح الذي قال لهم: (اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم باسمي) " (٣). ومما يؤكد هذا أن المخطوطات العبرية المكتشفة حديثاً لإنجيل متى - الذي كتب أصلاً بالعبرانية - ليس فيها هذا النص، وهذا الأمر اعتبره الدكتور ج ريكارت - أستاذ اللاهوت في الكلية الإرسالية الإنجيلية ( Kaufman, Texas) في كوفمان في ولاية

стр. 160

تكساس - دليلاً قاطعاً على إلحاقية هذا النص بإنجيل متى، وقال: "إن الكنيسة الكاثوليكية بالإضافة إلى أرثوذكس المشرق قد كذبوا على العالم فيما يخص هذا النص من متى، وذلك لأن كل من عمد بهذه الطريقة قد عُمد كذباً ومات من غير خلاص" (١). ويذكرنا الدكتور ريكارت بالعديد من النصوص الإنجيلية التي تتحدث عن التعميد بيسوع المسيح فقط، كما في قول بطرس في خطبته الشهيرة: "توبوا، وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أعمال ٢/ ٣٨)، والسامريون اعتمدوا بمعمودية يوحنا المعمدان، فلما سمعوا بطرس " اعتمدوا باسم الرب يسوع " (أعمال ١٩/ ٥)، فلم يطالبهم بطرس بالتعميد باسم الآب والروح القدس، واكتفى بالتعميد باسم يسوع (٢). ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص، إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح في هذا النص المزعوم، بل إنه أمرهم باجتناب دعوة غير اليهود "هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع، وأوصاهم قائلاً: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (متى ١٠/ ٥ - ٦). ويتطابق هذا مع شهادة تاريخية تعود للقرن الثاني تناقض الأمر المزعوم بدعوة الأمم وتعميدها باسم الثالوث، إذ يقول المؤرخ الكنسي أبولونيوس في القرن الثاني: "إني تسلمت من الأقدمين أن المسيح قبل صعوده إلى السماء كان قد أوصى رسله أن لا يبتعدوا كثيراً عن أورشليم لمدة اثنتي عشرة سنة" (٣).

стр. 161

وقد التزم التلاميذ بأمر المسيح ﵇، ولم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج "وأما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس، فاجتازوا إلى فينيقية وقبرص وأنطاكيا، وهم لا يكلمون أحداً بالكلمة إلا اليهود فقط" (أعمال ١١/ ١٩)، ولو كانوا سمعوا المسيح يأمرهم بدعوة الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لخرجوا امتثالاً لقوله، من غير إكراه، ولبشروا الأمم بدعوته، لكنهم لم يفعلوا!. ولما حدث أن بطرس استدعي من قبل كرنيليوس الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه. لما حصل ذلك لامه التلاميذ فقال لهم: "أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، وأما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس" (أعمال ١٠/ ٢٨)، ولو كان بطرس قد سمع نص التثليث في خاتمة إنجيل متى لألجمهم الحجة، ولقال لهم: ألا تذكرون ما قاله المسيح لنا بعد قيامته من الأموات وقبيل صعوده للسماء! لقد فعلتُ ما فعلت إنفاذاً لأمر المسيح الذي أمرنا بتبشير الأمم وتعميدهم باسم الآب والابن والروح القدس. لكن بطرس لم يقل شيئاً من ذلك، لأنه لم يسمع المسيح بعد القيامة يدعو لتبشير الأمم باسم الثالوث، بل سمع منه شيئاً آخر: "نحن الذين أكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الأموات، وأوصانا أن نكرز للشعب" (أعمال١٠/ ٤٢)، لقد سمعه بعد القيامة يدعو لكرازة اليهود فقط. ولما رجع بطرس إلى أورشليم تعرض لمزيد من اللوم من تلاميذ المسيح، فقد " خاصمه الذين من أهل الختان، قائلين: إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة، وأكلت معهم! " (أعمال ١١/ ٢ - ٣)، فلم يجد نصاً من المسيح يرد به عليهم، فبدأ يحكي لهم عن رؤيا منامية رآها سوغت له الأكل مع الأمميين (أعمال ١١/ ٤ - ١٠)، ثم حكى لهم كيف جاءه الروح القدس، وأمره بالذهاب "قال لي الروح أن أذهب معهم غير مرتاب في شيء، وذهب معي أيضاً" (أعمال ١١/ ١٢). وبعد هذا العرض الإقناعي المسهب من بطرس رضي التلاميذ عن ذهابه إلى الغلف "فلما سمعوا ذلك سكتوا، وكانوا يمجدون الله قائلين: إذا أعطى الله الأمم أيضاً التوبة للحياة" (أعمال ١١/ ١٨).

стр. 162

وعليه فهؤلاء جميعاً - بما فيهم بطرس - لا يعلمون شيئاً عن نص متى الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الآب والابن والروح القدس، لماذا؟ لأن المسيح لم يقله، وهم لم يسمعوه، ولو كان المسيح قاله لما احتاج فعل بطرس إلى عتاب وملامة. وأيضاً، اتفق التلاميذ مع بولس على أن يدعو الأمميين، بينما هم يدعون أهل الختان أي اليهود، يقول بولس: "رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة (الأمم) كما بطرس على إنجيل الختان ... أعطوني وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم، وأما هم فللختان" (غلاطية ٢/ ٧ - ٩)، فكيف لهم أن يخالفوا أمر المسيح - لو كان صحيحاً نص متى - ويقعدوا عن دعوة الأمم وتعميدهم باسم الثالوث، ثم يتركوا ذلك لبولس وبرنابا فقط؟ فكل هذه الشواهد تكذب نص متى، وتؤكد أنه نص مختلق لم يعرف التلاميذ عنه شيئاً، ولا تصح نسبته إلى المسيح. ثم عند غض الطرف عن ذلك كله، فإنه ليس في النص ما يسلم بأنه حديث عن ثالوث أقدس اجتمع في ذات واحدة، فهو يتحدث عن ثلاث ذوات متغايرة، قرن بينها بواو عاطفة دلت على المغايرة، والمعنى الصحيح لخاتمة متى: "اذهبوا باسم الله ورسوله عيسى والوحي المنزل عليه بتعاليم الله ". ولهذه الصيغة الواردة في متى مثل لا يصرفه النصارى للتثليث، فقد جاء في بعض رسالة بولس إلى تيموثاوس: "أناشدك أمام الله والرب يسوع المسيح والملائكة المختارين ... " (تيموثاوس (١) ٥/ ٢١) فإن أحداً لم يفهم من النص ألوهية الملائكة أو أنهم الأقنوم الثالث، ويقال في نص متى ما يقال في نص بولس. ويشبهه ما جاء سفر الخروج من دعوة بني إسرائيل للإيمان بالله وبموسى من غير أن يفهم تساوي المعطوفين في قوله: "فخاف الشعب الرب، وآمنوا بالرب وبعبده موسى" (الخروج ١٤/ ٣١).

стр. 163

وهذا الأسلوب في التعبير معهود في اللغات والكتب، وقد نزل في القرآن مثله ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ (النساء: ١٣٦) وغير ذلك من الآيات القرآنية.

стр. 164

التوحيد في الكتاب المقدس وإذا لم نجد للتثليث دليلاً صريحاً واحداً ينهض للاستدلال، فهل ترانا نجد لنقيضه، وهو التوحيد دليلاً في ثنايا الكتاب المقدس؟ إن المتأمل في الأسفار المقدسة يرى بوضوح غرابة دعوة التثليث وتسطع أمامه أصالة التوحيد في النصرانية وبهاؤه، فقد دلت عليه عشرات النصوص الصريحة الناصعة في وضوحها، والتي تؤكد بأن معتقد المسيح وتلاميذه، ومن قبلهم أنبياء الله هو توحيد الله . أولاً: النصوص الموحدة في العهد القديم تتلألأ دعوة التوحيد في العهد القديم، وتنطق بها النبوات، وتكثر حولها وصاياهم، وتتسابق النصوص، وهي تؤكد أصالة هذا المعتقد، منها: - ما جاء في سفر التثنية من وصايا موسى ﵇ التي كتبها الله لموسى على لوحي الحجر، وأمر بني إسرائيل بحفظها، وجاء المسيح بعده فأكد عليها "اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا واحد، فتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك، ولتكن هذا الكلمات التي أوصيك بها اليوم على قلبك، وقُصّها على أولادك، وتكلم بها حين تجلس في بيتك، وحين تمشي في الطريق وحين تنام وحين تقوم، واربطها علامة على يديك، ولتكن عصائب بين عينيك، واكتبها على قوائم أبواب بيتك وعلى أبوابك" (التثنية ٦/ ٤ - ٩). - " أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (التثنية ٥/ ٦). - ومنها وصية الله لموسى ﵇ وبني إسرائيل: " أنا الرب إلهك الذي أخرجك من

стр. 165

أرض مصر، من بيت العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة ما، مّما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض" (الخروج ٢٠/ ٢ - ٤). - وفي سفر الملوك: "ليعلم كل شعوب الأرض أن الرب هو الله، وليس آخر" (الملوك (١) ٨/ ٦٠). - وجاء في مزامير داود: "كل الأمم الذين صنعتهم يأتون ويسجدون أمامك يا رب، ويمجدون اسمك، لأنك عظيم أنت، وصانع العجائب، أنت الله وحدك" (المزمور ٨٦/ ٩ - ١٠) هو وحده الله، وليس يشاركه في اسمه أو ألوهيته أحد، بما في ذلك المسيح ﵇. - وجاء في إشعيا: "يقول الرب: .. قبلي لم يصور إله، وبعدي لا يكون، أنا أنا الرب، وليس غيري مخلص، أنا أخبرت وخلصت .. " (إشعيا ٤٣/ ١٠ - ١٢). - "أيها الرب إلهنا، خلصنا من يده، فتعلم ممالك الأرض كلها أنك أنت الرب وحدك" (إشعيا ٣٧/ ٢٠). - "أنا الرب صانع كل شيء، ناشر السماوات وحدي باسط الأرض، من معي؟! " (إشعيا ٤٤/ ٢٤)، فأين هذا ممن جعل الواحد ثلاثة، وأوكل الخلق إلى غيره؟ - "أنا الرب وليس آخر، لا إله سواي" (إشعيا ٤٥/ ٥). - وجاء في نبوة إشعيا أيضاً " يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر، ولا إله غيري. ومن مثلي ينادي، فليخبر به ويعرضه لي .. هل يوجد إله غيري، ولا صخرة لا أعلم به" (إشعيا ٤٤/ ٦ - ٩). - ومثله كثير في أسفار العهد القديم. (انظر ملاخي ٢/ ١٠، الملوك (١) ٨/ ٢٧ ... ).

стр. 166

ثانياً: النصوص الموحدة في العهد الجديد وكذا جاءت أسفار العهد الحديد تؤكد تفرد الخالق بالألوهية والربوبية، وتذكر ذلك على لسان المسيح وحواريه، فمما ورد على لسان المسيح: - " ولا تدعوا لكم أباً على الأرض، لأن أباكم واحد، الذي في السماوات. ولا تدعوا معلمين، لأن معلمكم واحد، المسيح" (متى ٢٣/ ٩ - ١٠). - ومن ذلك أيضاً ما جاء في متى: " وإذا واحد تقدم وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحاً، ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله" (متى ١٩/ ١٧). - وكذا قول يوحنا " كلم يسوع بهذا، ورفع عينيه نحو السماء وقال: أيها الآب قد أتت الساعة، مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضاً، إذ أعطيته سلطاناً على كل جسد، ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته، وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧/ ٢ - ٣)، فليس من إله على الحقيقة إلا واحد، وهو الآب الذي كان المسيح يخاطبه في أول الفقرة "أيها الآب"، وأما سائر الأقانيم فقد أنكر المسيح ألوهيتها، حين قال بأن الآب وحده هو الإله الحقيقي "لكن لنا إله واحد؛ الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له" (كورنثوس (١) ٨/ ٦)، وثبت بطلان ألوهية الابن والروح القدس. - ولما جرب الشيطان يسوع ﵇ وقال له: " أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان. لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى ٤/ ١٠، ومثله في لوقا ٤/ ٨). - وقال المسيح ﵇ لليهود: "أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو الله. فقال لهم يسوع: لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني، لأني خرجت من قبل الله وأتيت، لأني لم آت من نفسي، بل ذاك أرسلني" (يوحنا ٨/ ٤١ - ٤٢).

стр. 167

والتوحيد معتقد تلاميذ المسيح وتلاميذهم، كما نقل عنهم ذلك العهد الجديد مراراً: - ومنه ما جاء على لسان التلميذ يعقوب: "أنت تؤمن أن الله واحد. حسناً تفعل" (يعقوب ٢/ ١٩)، وأما القول بألوهية غير الله فليس من الحُسن في شيء. - ويقول: "واحد هو واضع الناموس القادر أن يخلص ويهلك" (يعقوب ٤/ ١٢). - ويقول يهوذا: "الإله الحكيم الوحيد مخلصنا" (يهوذا ٢٥). - بل وحتى بولس نجد له بعض النصوص التي تعترف لله بالوحدانية، ومن ذلك قوله: "يوجد إله واحد ووسيط بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (١) ٢/ ٥) إله واحد، له رسول واحد يبلغ الله من خلاله وحيه وهديه، هذا الرسول هو الإنسان يسوع. ويقول واصفاً الله بالوحدانية وغيرها من صفات الجلال والكمال: "المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت، ساكناً في نور، لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس، ولا يُقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية" (تيموثاوس (١) ٦/ ١٥ - ١٦). - ويقول: "لكن الله واحد" (غلاطية ٣/ ٢٠). فهذه النصوص وكثير مثلها تتحدث عن الإله الواحد، وليس في واحد منها أو غيرها حديث عن الإله المتعدد الأقانيم المتوحد في الجوهر الذي يدعيه النصارى. التثليث سر لا يطيقه العقل وإزاء هذا التناقض بين قرارات المجامع المثلثة والنصوص الموحدة كان لابد أن يعمل النصارى عقولهم على جمع هذه المتناقضات التي يستحيل تصورها معاً، وعلى تفهيم البشر قضية الثلاثة الذين هم واحد، والواحد الذي هو ثلاثة.

стр. 168

وأمام ضعف هذه العقيدة وعجز العقل البشري عن تصورها، بل رفضه لها لا يجد النصارى من سبيل إلا القول بأن تثليثهم سر من الأسرار التي لا يمكن للعقل أن يقف على كنهها، بل يعترف البعض منهم بتعارض المسيحية والعقل فيقول (القديس) سان أوغسطين: "أنا مؤمن، لأن ذلك لا يتفق والعقل". ويقول كير كجارد: "إن كل محاولة يراد بها جعل المسيحية ديانة معقولة لابد أن تؤدي إلى القضاء عليها". وقد جاء في "التعليم المسيحي": لا يجوز التدخل في أسرار الله، لأننا لا نستطيع إدراك أسرار الإيمان". ويقول القس دي جروت في كتابه "التعاليم الكاثوليكية": "إن الثالوث الاقدس هو لغز بمعنى الكلمة، والعقل لا يستطيع أن يهضم وجود إله مثلث، ولكن هذا ما علمنا إياه الوحي". ويقول زكي شنودة: "وهذا سر من أسرار اللاهوت الغامضة التي لا يمكن إدراك كنهها بالعقل البشري". ويقول الأب جيمس تد: "العقيدة المسيحية تعلو على فهم العقل". ويقول القس أنيس شروش: " واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، سر ليس عليكم أن تفهموه، بل عليكم أن تتقبلوه". أما القس توفيق جيد في كتابه "سر الأزل" فإنه يجعل فهم سر التثليث من المستحيلات، التي لا طائل من محاولة فهمها، لأن "من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفة" (١).

стр. 169

ووراء هذه الحجب تختفي الحقيقة، وهي أن التثليث عقيدة يستحيل على العقل البشري فهمها، لا لضعف العقل البشري، لا بل لتناقضها مع أبسط المسلَمات الفطرية والمعارف الإنسانية.

стр. 170

نشأة التثليث في النصرانية تؤمن سائر الفرق المسيحية الكبرى بأن الله واحد من حيث جوهره، لكنه ثالوث من حيث أقانيمه، فلكل أقنوم وظيفته واختصاصه، فالآب خلق العالم، والابن يفدي البشر ويكفر الذنوب، وأما الروح القدس فيتولى تثبيت قلب الإنسان على الحق وتحقيق الولادة الروحية الجديدة. والحق أن كل ما يقوله النصارى من أدلة على التثليث لا يسوغ الاستدلال بها، لأن من تنسب إليهم هذه الأسفار لم يعلموا عن التثليث شيئاً. فأول من أدخل تعبير (الثالوث) إلى النصرانية ترتليان (٢٢٥م) الذي ستعتبره الكنيسة فيما بعد هرطوقياً، كما ذكر ذلك عنه قاموس الكتاب المقدس، (١) وقد لقيت هذه العقيدة معارضة كبيرة من الذين تسميهم اليوم الكنيسة بالهراطقة، وكانت موضع سجال عنيف بينهم، انعقدت لأجله المجامع، وصدرت فيه الحرمانات الكنسية، وحكم بالهرطقة على كثيرين من آباء الكنيسة "وكان معظم الذين حُكِم عليهم بالهرطقة من أفاضل وأعظم المعلمين" (٢)، هؤلاء الأفاضل الذين قد يعتبرهم البعض اليوم في عداد الهراطقة رفضوا بعض الأفكار والفلسفات التي بدأت تسري في الكنيسة، وهم بالطبع لم يخالفوا الكتب المقدسة، إذ تخلو هذه الكتب من تقرير هذه العقائد، بل قد تدل على ضدها، وهذا في الحقيقة ما دفع المسيحيين الأوائل إلى التنكر لأفكار مسيحية مهمة كالتجسد وأزلية الابن وتساوي الأقانيم. لكن هذه المعارضت تلاشت وتهاوت تبين مطارق الحرمانات الكنسية وسندان وعصا الامبرطورية الرومانية؛ التي دعت أو سهلت انعقاد العديد من المجامع الكنسية التي قررت أهم المسائل العقدية كألوهية المسيح والتثليث، فقد أصبح التثليث عقيدة رسمية في أعقاب مجمعين مهمين؛ قرر في الأول منهما (مجمع نيقية) تأليه المسيح، وفي الثاني (مجمع القسطنطينية) تم تأليه روح القدس. أولاً: مجمع نيقية: انعقد مجمع نيقية عام ٣٢٥م بأمر من الامبرطور الوثني قسطنطين الذي كان قد أعلن قبل بضع سنوات قانون التسامح الديني في الامبرطورية، ورأى قسطنطين النزاعات بين الكنائس النصرانية تفتت شعب الامبرطورية وترهق كيان الدولة، فقرر الدعوة إلى مجمع عام تحضره الطوائف النصرانية المختلفة، وقد عقد المجمع بإشرافه الشخصي، وقام بافتتاحه، وحضره ٣١٨ أسقفاً من مختلف الكنائس المسيحية الشرقية، ولم يحضره من الغربيين إلا ثمانية فقط، واستمرت المداولات ثلاثة أشهر من غير أن يصل المجتمعون إلى رأي موحد.

стр. 171

وقد كان المجتمعون على ثلاثة محاور رئيسة: أ- موحدون منكرون لألوهية المسيح يتزعمهم آريوس الاسكندراني ومعه زهاء ألف من الأساقفة. ب- القائلون بأن للمسيح وجوداً أزلياً مع الأب وأنه من ذات جوهره وإن مثّل أقنوماً مستقلاً عنه، وذكر هؤلاء بأن المسيح لو لم يكن كذلك لما صح أن يكون مخلصاً، ومن القائلين بهذا الرأي بابا روما الاسكندروس، والشاب الوثني المتنصر أثناسيوس الذي يقول عنه كتاب التربية الدينية المسيحية: "كلنا يعلم ما للقديس أثناسيوس الرسول من مكانة ممتازة في الكنيسة المقدسة على مر العصور ... لقد حضر هذا القديس مع البابا الاسكندروس مجمع نيقية ... فكان القديس أثناسيوس هو الجندي الصالح ليسوع المسيح، وكان للقديس أثناسيوس أيضاً الفضل في صياغة قانون الإيمان ... وفي أواخر سنة ٣٢٩م بطريركاً خليفة للبابا الكسندروس". ج- وأراد بعضهم التوفيق بين الرأيين ومنهم أوسايبوس أسقف قيسارية، حيث قال بأن المسيح لم يخلق من العدم، بل هو مولود من الآب منذ الأزل، وعليه ففيه عناصر مشابهة لطبيعة الآب. ولا يخفى أن هذا الرأي - الذي زعم التوفيق - لا يكاد يختلف عن رأي أثناسيوس، وقد مال الملك إلى هذا الرأي الذي مثله ثلاثمائة وثمانية عشر قساً، وخالف بقية المجتمعين الذين كانوا يشايعون آريوس أو مجموعات تتبنى آراء أضعف في المجمع، كالقائلين بألوهية مريم أو أن الآلهة ثلاثة صالح وطالح وعدل أو غير ذلك. وقد أصدر القسس الثلاثمائة والثمانية عشر قرارات مجمع نيقية والتي كان من أهمها إعلان الأمانة التي تقرر ألوهية المسيح، كما أمر المجمع بحرق وإتلاف كل الكتب والأناجيل التي تعارض قراره،

стр. 172

وأصدر قراراً بحرمان آريوس والقائلون برأيه، وقراراً آخر بكسر الأصنام وقتل من يعبدها، وأن لا يثبت في الديوان إلا أبناء النصارى (١). وحصل لآريوس وأتباعه ما كان المسيح قد تنبأ به: "سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله، وسيفعلون هذا لكم، لأنهم لم يعرفوا الآب ولم يعرفوني" (يوحنا ١٦/ ٢ - ٣)، فلو عرفوا الله حق معرفته وقدروه حق قدره لما جرؤوا على نسبة الولد إليه، ولما قالوا بألوهية المصفوع المولود من امرأة. وقد أغفل مجمع نيقية الحديث عن الروح القدس ولم يبحث ألوهيته، فاستمر الجدل حوله بين منكر ومثبت حتى حسم أمره في مجمع القسطنطينية، فأضحى ثالث أقانيم اللاهوت الأقدس. ثانياً: مجمع القسطنطينية: انعقد المجمع عام ٣٨١م للنظر في قول مكدونيوس أسقف القسطنطينية الأريوسي والذي كان ينكر ألوهية الروح القدس ويقول: "إن الروح القدس عمل إلهي منتشر في الكون، وليس أُقنوماً متميزاً عن الأب والابن". وقد أمر بعقد المجمع الامبرطور تاؤديوس (ت ٣٩٥م)، وحضره مائة وخمسون أسقفاً قرروا فيه: ١ - عدم شرعية المذهب الأريوسي، وفرضوا عقوبات مشددة على أتباعه. ٢ - أن روح القدس هو روح الله وحياته، وزادوا في قانون الإيمان فقرة تؤكد ذلك، وبذلك أصبح التثليث ديناً رسمياً في النصرانية، وقد ذكر القائلون بألوهية روح

стр. 173

القدس في المجمع بأنه "ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس الله شيئاً غير حياته، فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق، فقد قلنا أن الله مخلوق". ٣ - لعن مكدونيوس وأشياعه. ٤ - وضعت بعض القوانين المتعلقة بنظام الكنيسة وسياساتها (١).

стр. 174

التوحيد في التاريخ النصراني رأينا فيما سبق شهادة أسفار العهد القديم والجديد على أن التوحيد هو دين الله الذي نادت به الرسل، وأن عيسى هو عبد الله ورسوله. وإذا كان الأصل في ديانة عيسى كذلك، فأين أتباع المسيح؟ ومتى انضوى التوحيد عن الوجود في حياة الملة المسيحية؟ وهل من الممكن أن لا يكون لكل تلك الدلائل الموحدة أثر في النصرانية على مر العصور؟ للإجابة عن هذه الأسئلة قلَّب المحققون صفحات التاريخ القديم والجديد وهم يبحثون عن عقيدة التوحيد وتاريخها خلال عشرين قرناً من الصراع مع وثنية بولس، فماذا هم واجدون؟. أولاً: التوحيد فيما قبل مجمع نيقية نشأ الجيل الأول بعد المسيح مؤمناً بتوحيد الله وعبودية المسيح، وأنه كان نبياً رسولاً، ورأينا ذلك في ما سطره الإنجيليون والقديسون بما فيهم بولس من نصوص موحدة. كما نستطيع القول بأن الجيل الأول من تاريخ النصرانية كان موحداً بشهادة التاريخ حيث يقول بطرس قرماج في كتابه " مروج الأخبار في تراجم الأبرار " عن بطرس ومرقس: "كانا ينكران ألوهية المسيح"، فهذا معتقد تلاميذ المسيح المقربين. وتقول دائرة المعارف الأمريكية: "لقد بدأت عقيدة التوحيد كحركة لاهوتية بداية مبكرة جداً في التاريخ أو في حقيقة الأمر فإنها تسبق عقيدة التثليث بالكثير من عشرات السنين"، وذلك لأنها بدأت مع بدء النبوات، واستنارت وتلألأت ببعثة عيسى ﵇ وتعاليمه الموحدة لله.

стр. 175

وتقول دائرة معارف لاروس الفرنسية: "عقيدة التثليث وإن لم تكن موجودة في كتب العهد الجديد ولا في عمل الآباء الرسوليين ولا عند تلاميذهم المقربين إلا أن الكنيسة الكاثوليكية والمذهب البروتستنتي يدعيان أن عقيدة التثليث كانت مقبولة عند المسيحيين في كل زمان ... إن عقيدة إنسانية عيسى كانت غالبة طيلة مدة تكون الكنيسة الأولى من اليهود المتنصرين، فإن الناصريين سكان مدينة الناصرة وجميع الفرق النصرانية التي تكونت عن اليهودية اعتقدت بأن عيسى إنسان بحت مؤيد بالروح القدس، وما كان أحد يتهمهم إذ ذاك بأنهم مبتدعون وملحدون، فكان في القرن الثاني مبتدعون وملحدون، فكان في القرن الثاني مؤمنون يعتقدون أن عيسى هو المسيح، ويعتبرونه إنساناً بحتاً .. وحدث بعد ذلك أنه كلما نما عدد من تنصر من الوثنيين ظهرت عقائد لم تكن موجودة من قبل". ويقول عوض سمعان مؤكداً براءة أصحاب المسيح من الشرك والوثنية زمن المسيح: " إذا رجعنا إلى تاريخ علاقة الرسل بالمسيح، وجدنا أنهم لم يجرؤوا في أول الأمر على الاعتراف بأنه هو الله ... لأنهم كيهود كانوا يستبعدون أن يظهر الله في هيئة إنسان. نعم كانوا ينتظرون المسيّا، لكن المسيا بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله، وليس هو بذات الله" (١). وتؤكد دائرة المعارف الأمريكية بأن الطريق بين مجمع أروشليم الأول الذي عقده تلاميذ المسيح ومجمع نيقية لم يكن مستقيماً، ويتحدث الكاردينال دانيلو عن انتشار التوحيد حتى في المواطن التي بشر بولس بها كأنطاكية وغلاطية حيث واجهته مقاومة عاتية. وكشف مؤخراً عن وثيقة مسيحية قديمة نشرت في جريدة "التايمز" في ١٥

стр. 176

يوليو ١٩٦٦م وتقول: إن مؤرخي الكنيسة يسلمون أن أكثر أتباع المسيح في السنوات التالية لوفاته اعتبروه مجرد نبي آخر لبني إسرائيل. ويقول برتراند رسل الفيلسوف الإنجليزي: "تسألني لماذا برتراند رسل لست مسيحياً؟ وأقول رداً على سؤالك: لأنني أعتقد أن أول وآخر مسيحي قد مات منذ تسعة عشر قرناً، وقد ماتت بموته المسيحية الحقة التي بشر بها هذا النبي العظيم" (١). لكن أصالة التوحيد في الجيل الأول وقوته لم تمنع من انتشار دعوة بولس الوثنية في أوساط المتنصرين من الوثنين الذين وجدوا في دعوته مبادئ الوثنية التي اعتادوها، إضافة إلى بعض المُثل والآداب التي تفتقرها الوثنيات الرومانية واليونانية. وقد عورضت دعوة بولس من لدن أتباع المسيح، واستمر الموحدون يواجهون أتباع بولس، وظهر ما تسميه الكنسية في تاريخها بفرق الهراقطة، وهم الخارجون عن أراء الكنيسة الدينية، ومنهم الفرق التي كانت تنكر ألوهية المسيح. ومن أهم هذه الفرق: الأبيونية وتنسب إلى قس اسمه أبيون، وقيل: الأبيونية هم: الفقراء إلى الله، فسموا بذلك لفقرهم وزهدهم. وقد ظهرت هذه الفرقة في القرن الأول الميلادي من أصل يهودي، وقد نشطت هذه الفرقة بعد عام ٧٠م. وقد ذكر معتقدات هذه الفرقة المؤرخون الأوائل خلال نقدهم لعقائد فرقة الأريوسية المتأخرة، فيقول بطريرك الإسكندرية (عام ٣٢٦م) عن عقيدة آريوس:

стр. 177

"فهذا التعليم الثائر على تقوى الكنيسة هو تعليم أبيون وأرطيماس، وهو نظير تعليم بولس السمياطي". ويقول كيرلس الأورشليمي (٣٨٨م) عن الهراقطة: "فكرنثوس صنع خراباً في الكنسية، وأيضاً ميناندر وكربو قراط وأبيون". ويقول ايريناوس في كتابه "ضد الهرطقات" (١٨٨م): "والذين يدعون باسم الأبيونية يوافقون على أن الله هو الذي خلق العالم، ولكن مبادئهم عن الرب مثل كرنثوس ومثل كربو قراط .. وهم يستخدمون إنجيل متى فقط، ويرفضون بولس الرسول، ويقولون عنه: إنه مرتد عن الناموس، يحفظون الختان، وكل العوائد المذكورة في الشريعة". ويقول أوسابيوس القيصري (ت٢٤٠م) في تاريخه: "قد كان الأقدمون محقين إذ دعوا هؤلاء القوم (أبيونيين)، لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة، فهم اعتبروه إنساناً بسيطاً عادياً قد تبرر فقط بسبب فضيلته السامية" (١) كما كان الأبيونيون يقولون بردة بولس وكانوا يتهمونه بالتحريف. وتذكر المصادر أن هؤلاء استخدموا إنجيل متى أو إنجيل العبرانيين - ولعل الاسمين لمسمى واحد، فلعلهم استخدموا الأصل العبراني لمتى - ولم يبالوا بغيره، ويرى بعض المؤرخين أنه بسبب هذه الفرقة دعي يوحنا لكتابة إنجيله الذي يقرر فيه لاهوتية المسيح. وقد كان لهذه الفرقة شأن، إذ كثروا حتى شمل نفوذها- باعتراف أعدائهم - فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى ووصل إلى روما، واستمر وجودهم إلى القرن الرابع

стр. 178

الميلادي حيث يفهم من كلام (القديس) جيروم في القرن الرابع أنهم كانوا في حالة من الضعف والاضطهاد، وذلك بعد مخالفتهم لأوامر قسطنطين ومجمع نيقية (١). ويرى بعض المحققين المسلمين أن هذه الفرقة هي التي عناها الله بقوله ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ (الصف: ١٤)، ويرون أنهم من عناهم المسيح بقوله: "طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض، طوبى للحزانى فإنهم يتعزون، طوبى للجياع والعطاش فإنهم يشبعون ... " (متى ٥/ ٣ - ٩). وفي فترة نشأة هذه الفرقة (٧٣م) ظهر الداعية - الذي سبق ذكره - كرنثوس، ويسميه المؤرخ أوسابيوس: زعيم الهراقطة، وقد كان يعتقد أن المسيح كان مجرد إنسان بارز، كما رفض الأناجيل عدا متى (أي النص العبراني المفقود). وفي أواخر القرن الثاني ظهر أمونيوس، فادعى بأن المسيح إنسان خارق للعادة حبيب لله، عارف بعمل الله بنوع مدهش، وأن تلاميذه أفسدوا دعوته، وبمثل هذا نادى كربو قراط، ويعرف أتباعه بالمعلمين أو المستنيرين، لكنهم بالغوا في إثبات بشرية المسيح حتى قالوا كان كسائر الحكماء، ويقدر جميع الناس أن يفعلوا مثله، ويسلكوا سلوكه، فكانت ردة فعلهم على قول القائلين بألوهيته غير صحيحة، ففي زحمة إنكارهم لألوهيته هضموه وأنقصوه عن حقه ﵊ (٢). وفي أواسط القرن الميلادي الثالث ظهرت فرقة البولينية وهم أتباع بولس

стр. 179

الشنشاطي، والذي تولى أسقفية إنطاكية عام ٢٦٠م كما كان يشغل منصباً كبيراً في مملكة تدمر. ويلخص القس كيرد (ت ١٣٢٤م) عقيدة الشنشاطي، فيقول في كتابه "مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة": "ملة تدعى البولية أو البوليانيون، وهي ملة بولس السميساطي بطريك إنطاكية، وهم الذين يؤمنون بأن الله إله واحد، جوهر واحد، أقنوم واحد، ولا يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمون بالكلمة أنها مخلصة، ولا أنها من جوهر الأب، ولا يؤمنون بروح القدس المحيي، ويقولون: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت مثل خلق آدم، وكمثل واحد منا في جوهره، وأن الابن ابتداؤه من مريم ... ونظروا إلى كل موضع من الكتب فيه ذكر أزلية الابن ولاهوته وأقانيم ثالوثه، فغيروا وكتبوا مكانه غيره كما يحبون، وعلى ما يوافق ديانتهم، ولم يغيروا أسماء الكتب ولا أسماء الرسل ولا حديثهم". وقد عقدت الكنسية ثلاث مجامع خلال خمس سنوات لإقناعه بالعدول عن مذهبه، آخرها مجمع في إنطاكية عام ٢٦٨م، وحضره بولس، ودافع فيه عن مذهبه، فطرد وعزل من جميع مناصبه، لكن أتباعه استمر وجودهم إلى القرن الميلادي السابع (١). كما ظهر في بداية القرن الميلادي الرابع عالم مترهب يدعى لوسيان، وكان يرى أن المسيح كائن سماوي أخرجه الله من العدم إلى الوجود، وتجلى فيه العقل الإلهي في كيفيته الشخصية، فكانت روحه غير بشرية، لكنه لم يكن الإله على الإطلاق (٢).

стр. 180

ويظهر في هذه الفرقة أثر العقائد المنحرفة الطاغية حينذاك، إذ لا يخلو قولهم في المسيح من شيء من الغلو في المسيح ﵇. ثانياً: التوحيد فيما بعد مجمع نيقية أ. الأريوسية في عام ٣٢٥م صدر أول قرار رسمي يؤله المسيح بعد تبني الامبرطور الوثني قسطنطين لهذا الرأي، ورفض ما سواه، واعتبر آريوس- الذي عقد المجمع من أجله - هرطوقياً. وآريوس من رهبان الكنيسة المصرية، وكان يقول: "إن الابن ليس مساوياً للأب في الأزلية، وليس من جوهره، وقد كان الأب في الصل (١) وحيداً، فأخرج الابن من العدم بإرادته، والآب لا يمكن أن يراه أو يكيفه أحد، ولا حتى الابن، لأن الذي له بداية لا يعرف الأزلي، والابن إله بحصوله على لاهوت مكتسب" (٢). وقد توفي آريوس ٣٣٦م، لكن دعوته انتشرت بعد وفاته، وأصبحت كما يقول الأستاذ حسني الأطير في كتابه الماتع "عقائد الفرق الموحدة في النصرانية": "أوشك العالم أن يكون كله أريوسياً - حسب قول الخصوم - لولا تدخل الأباطرة في العمل على ضرب تلك العقيدة واستئصال تبعيتها". ويقول أسد رستم في كتابه "كنيسة مدينة الله العظمى": "كان آريوس فيما يظهر عالماً زاهداً متقشفاً يجيد الوعظ والإرشاد، فالتف حوله عدد من المؤمنين، وانضم إليه
следующие страницы →