← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 95570

الله جل جلاله واحد أم ثلاثة

منقذ السقار

Полный текст (220 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يوليو ١٩٦٦م وتقول: إن مؤرخي الكنيسة يسلمون أن أكثر أتباع المسيح في السنوات التالية لوفاته اعتبروه مجرد نبي آخر لبني إسرائيل. ويقول برتراند رسل الفيلسوف الإنجليزي: "تسألني لماذا برتراند رسل لست مسيحياً؟ وأقول رداً على سؤالك: لأنني أعتقد أن أول وآخر مسيحي قد مات منذ تسعة عشر قرناً، وقد ماتت بموته المسيحية الحقة التي بشر بها هذا النبي العظيم" (١). لكن أصالة التوحيد في الجيل الأول وقوته لم تمنع من انتشار دعوة بولس الوثنية في أوساط المتنصرين من الوثنين الذين وجدوا في دعوته مبادئ الوثنية التي اعتادوها، إضافة إلى بعض المُثل والآداب التي تفتقرها الوثنيات الرومانية واليونانية. وقد عورضت دعوة بولس من لدن أتباع المسيح، واستمر الموحدون يواجهون أتباع بولس، وظهر ما تسميه الكنسية في تاريخها بفرق الهراقطة، وهم الخارجون عن أراء الكنيسة الدينية، ومنهم الفرق التي كانت تنكر ألوهية المسيح. ومن أهم هذه الفرق: الأبيونية وتنسب إلى قس اسمه أبيون، وقيل: الأبيونية هم: الفقراء إلى الله، فسموا بذلك لفقرهم وزهدهم. وقد ظهرت هذه الفرقة في القرن الأول الميلادي من أصل يهودي، وقد نشطت هذه الفرقة بعد عام ٧٠م. وقد ذكر معتقدات هذه الفرقة المؤرخون الأوائل خلال نقدهم لعقائد فرقة الأريوسية المتأخرة، فيقول بطريرك الإسكندرية (عام ٣٢٦م) عن عقيدة آريوس:

стр. 177

"فهذا التعليم الثائر على تقوى الكنيسة هو تعليم أبيون وأرطيماس، وهو نظير تعليم بولس السمياطي". ويقول كيرلس الأورشليمي (٣٨٨م) عن الهراقطة: "فكرنثوس صنع خراباً في الكنسية، وأيضاً ميناندر وكربو قراط وأبيون". ويقول ايريناوس في كتابه "ضد الهرطقات" (١٨٨م): "والذين يدعون باسم الأبيونية يوافقون على أن الله هو الذي خلق العالم، ولكن مبادئهم عن الرب مثل كرنثوس ومثل كربو قراط .. وهم يستخدمون إنجيل متى فقط، ويرفضون بولس الرسول، ويقولون عنه: إنه مرتد عن الناموس، يحفظون الختان، وكل العوائد المذكورة في الشريعة". ويقول أوسابيوس القيصري (ت٢٤٠م) في تاريخه: "قد كان الأقدمون محقين إذ دعوا هؤلاء القوم (أبيونيين)، لأنهم اعتقدوا في المسيح اعتقادات فقيرة ووضيعة، فهم اعتبروه إنساناً بسيطاً عادياً قد تبرر فقط بسبب فضيلته السامية" (١) كما كان الأبيونيون يقولون بردة بولس وكانوا يتهمونه بالتحريف. وتذكر المصادر أن هؤلاء استخدموا إنجيل متى أو إنجيل العبرانيين - ولعل الاسمين لمسمى واحد، فلعلهم استخدموا الأصل العبراني لمتى - ولم يبالوا بغيره، ويرى بعض المؤرخين أنه بسبب هذه الفرقة دعي يوحنا لكتابة إنجيله الذي يقرر فيه لاهوتية المسيح. وقد كان لهذه الفرقة شأن، إذ كثروا حتى شمل نفوذها- باعتراف أعدائهم - فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى ووصل إلى روما، واستمر وجودهم إلى القرن الرابع

стр. 178

الميلادي حيث يفهم من كلام (القديس) جيروم في القرن الرابع أنهم كانوا في حالة من الضعف والاضطهاد، وذلك بعد مخالفتهم لأوامر قسطنطين ومجمع نيقية (١). ويرى بعض المحققين المسلمين أن هذه الفرقة هي التي عناها الله بقوله ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ (الصف: ١٤)، ويرون أنهم من عناهم المسيح بقوله: "طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض، طوبى للحزانى فإنهم يتعزون، طوبى للجياع والعطاش فإنهم يشبعون ... " (متى ٥/ ٣ - ٩). وفي فترة نشأة هذه الفرقة (٧٣م) ظهر الداعية - الذي سبق ذكره - كرنثوس، ويسميه المؤرخ أوسابيوس: زعيم الهراقطة، وقد كان يعتقد أن المسيح كان مجرد إنسان بارز، كما رفض الأناجيل عدا متى (أي النص العبراني المفقود). وفي أواخر القرن الثاني ظهر أمونيوس، فادعى بأن المسيح إنسان خارق للعادة حبيب لله، عارف بعمل الله بنوع مدهش، وأن تلاميذه أفسدوا دعوته، وبمثل هذا نادى كربو قراط، ويعرف أتباعه بالمعلمين أو المستنيرين، لكنهم بالغوا في إثبات بشرية المسيح حتى قالوا كان كسائر الحكماء، ويقدر جميع الناس أن يفعلوا مثله، ويسلكوا سلوكه، فكانت ردة فعلهم على قول القائلين بألوهيته غير صحيحة، ففي زحمة إنكارهم لألوهيته هضموه وأنقصوه عن حقه ﵊ (٢). وفي أواسط القرن الميلادي الثالث ظهرت فرقة البولينية وهم أتباع بولس

стр. 179

الشنشاطي، والذي تولى أسقفية إنطاكية عام ٢٦٠م كما كان يشغل منصباً كبيراً في مملكة تدمر. ويلخص القس كيرد (ت ١٣٢٤م) عقيدة الشنشاطي، فيقول في كتابه "مصباح الظلمة في إيضاح الخدمة": "ملة تدعى البولية أو البوليانيون، وهي ملة بولس السميساطي بطريك إنطاكية، وهم الذين يؤمنون بأن الله إله واحد، جوهر واحد، أقنوم واحد، ولا يسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمون بالكلمة أنها مخلصة، ولا أنها من جوهر الأب، ولا يؤمنون بروح القدس المحيي، ويقولون: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت مثل خلق آدم، وكمثل واحد منا في جوهره، وأن الابن ابتداؤه من مريم ... ونظروا إلى كل موضع من الكتب فيه ذكر أزلية الابن ولاهوته وأقانيم ثالوثه، فغيروا وكتبوا مكانه غيره كما يحبون، وعلى ما يوافق ديانتهم، ولم يغيروا أسماء الكتب ولا أسماء الرسل ولا حديثهم". وقد عقدت الكنسية ثلاث مجامع خلال خمس سنوات لإقناعه بالعدول عن مذهبه، آخرها مجمع في إنطاكية عام ٢٦٨م، وحضره بولس، ودافع فيه عن مذهبه، فطرد وعزل من جميع مناصبه، لكن أتباعه استمر وجودهم إلى القرن الميلادي السابع (١). كما ظهر في بداية القرن الميلادي الرابع عالم مترهب يدعى لوسيان، وكان يرى أن المسيح كائن سماوي أخرجه الله من العدم إلى الوجود، وتجلى فيه العقل الإلهي في كيفيته الشخصية، فكانت روحه غير بشرية، لكنه لم يكن الإله على الإطلاق (٢).

стр. 180

ويظهر في هذه الفرقة أثر العقائد المنحرفة الطاغية حينذاك، إذ لا يخلو قولهم في المسيح من شيء من الغلو في المسيح ﵇. ثانياً: التوحيد فيما بعد مجمع نيقية أ. الأريوسية في عام ٣٢٥م صدر أول قرار رسمي يؤله المسيح بعد تبني الامبرطور الوثني قسطنطين لهذا الرأي، ورفض ما سواه، واعتبر آريوس- الذي عقد المجمع من أجله - هرطوقياً. وآريوس من رهبان الكنيسة المصرية، وكان يقول: "إن الابن ليس مساوياً للأب في الأزلية، وليس من جوهره، وقد كان الأب في الصل (١) وحيداً، فأخرج الابن من العدم بإرادته، والآب لا يمكن أن يراه أو يكيفه أحد، ولا حتى الابن، لأن الذي له بداية لا يعرف الأزلي، والابن إله بحصوله على لاهوت مكتسب" (٢). وقد توفي آريوس ٣٣٦م، لكن دعوته انتشرت بعد وفاته، وأصبحت كما يقول الأستاذ حسني الأطير في كتابه الماتع "عقائد الفرق الموحدة في النصرانية": "أوشك العالم أن يكون كله أريوسياً - حسب قول الخصوم - لولا تدخل الأباطرة في العمل على ضرب تلك العقيدة واستئصال تبعيتها". ويقول أسد رستم في كتابه "كنيسة مدينة الله العظمى": "كان آريوس فيما يظهر عالماً زاهداً متقشفاً يجيد الوعظ والإرشاد، فالتف حوله عدد من المؤمنين، وانضم إليه

стр. 181

عدد كبير من رجال الاكليروس". ويؤكد كثرة الأريوسيين المؤرخ ابن البطريق، وينقل أن أكثر أهل مصر كانوا أريوسيين، بل يقول القس جيمس أنِس: "فإن التاريخ يروي كيف أن الكنيسة المنظورة وقادتها أخطأوا وانحرفوا عن الحق، منها قبول أغلب الأساقفة ضلالة آريوس" (١). ومما يؤكد قوة مذهب آريوس إبان حياته وبعد موته، أن الكنيسة عقدت مجامع عدة لبحث عقيدته، كما كان لآريوس وأتباعه مجامع منها، مجمع قيسارية ٣٣٤م، وصور ٣٣٥م، وقد قرر المجتمعون في مجمع صور عزل أثناسيوس البابا - الداعي لألوهية المسيح والذي كتبت أمانة النصارى بإشرافه في مجمع نيقية-كما نفوه إلى فرنسا، ثم عقدوا مجمعاً آخر في إنطاكية عام ٣٤١م حضره سبع وتسعون أسقفاً أريوسياً، قرروا فيه مجموعة من القوانين التي تتفق مع مبادئهم ومعتقداتهم. إن كثرة الأريوسيين وقوتهم جعلت البابا أثناسيوس - داعية تاليه المسيح - يبدو وحيداً، حتى "قيل له مرة: العالم كله أصبح ضدك يا أثناسيوس ... ثم عرف في الغرب بهذا اللقب Athanasius contra mundum أثناسيوس المضاد للعالم" (٢). ويقول الأنبا غريغوريوس: "كاد الإيمان في لاهوت المسيح أن يفنى لو لم يهب الله للكنيسة (القديس) أثناسيوس الرسولي، فقد كان له من صفات الثبات والصمود والعناد في الحق ما كفل له الانتصار الحاسم على أكبر بدعة كادت أن تمحو كيان الكنيسة المسيحية من كل الأرض .. وقد أنصف من دعاه من المؤرخين بمؤسس المسيحية الثاني" (٣). ثم أعاد الامبرطور الروماني الأسقف أثناسيوس إلى كرسي البابوية، فاحتج

стр. 182

الأريوسيون لذلك، وأثاروا اضطرابات عدة، ثم عقدوا مجمعاً في آرلس بفرنسا عام ٣٥٣م، وقرروا فيه بالإجماع - عدا واحداً - عزل أثناسيوس. ثم أكدوا ذلك في مجمع ميلانو ٣٥٥م فعزل، وتولى الأسقف الآريوسي جاورسيوس كرسي الإسكندرية، وفي عام ٣٥٩م عقد الامبرطور مجمعين أحدهما للغربيين في "ريمني"، والآخر للشرقيين في "سلوفيا"، وقرر المجمعان صحة عقائد الأريوسية، وباتت الكنائس الغربية آريوسية. ويذكر المؤرخ ناسيليف أن الامبرطور قسطنطين نفسه قد تحول إلى المذهب الأريوسي ممالأة لأفراد شعبه، وذلك بعد نقل عاصمته إلى القسطنطينية، وقد تعلق بذلك الأنبا شنودة وهو يبرر كثرة أتباع المذهب الأريوسي، فذكر بأنه بسبب معاضدة الامبرطور له. وفي مجمع إنطاكية ٣٦١م وضع الأريوسيون صيغة جديدة للأمانة، ومما جاء فيها: "الابن غريب عن أبيه، ومختلف عنه في الجوهر والمشيئة"، وفي نفس العام عقدوا مجمعاً في القسطنطينية وضعوا فيه سبعة عشر قانوناً مخالفاً لما صدر عن مجمع نيقية. وفي هذا العام أيضاً تولى الامبرطورية يوليانوس الوثني، فأعاد أثناسيوس وأساقفته إلى أعمالهم، وجاهر بعبادة الأصنام، وسلم الكنائس للنصارى الوثنيين، ثم خلفه الامبرطور يوبيانوس ٣٦٣م، فأكمل ما بدأه سلفه، وعادى الأريوسيين، وفرض عقيدة النصرانية الوثنية، ومما قاله مخاطباً شعبه وأركان دولته: " إذا أردتم أن أكون امبراطوركم كونوا مسيحيين مثلي"، ثم حرم مذهب الأريوسيين، وتبنى قرارات نيقية، وطلب من الأسقف أثناسيوس أن يكتب له عن حقيقة الدين المسيحي الذي كان قد أجبر الناس عليه قبل أن يقف على حقيقته (١). وقد تم القضاء على الأريوسية بقوة السيف، فقد حكم مجمع نيقية بنفي آريوس و>حرق كتبه وبإعدام من يتستر عليها<، ونفذ هذا في أتباعه في القرن التالي كما نقل القس منسى يوحنا بقوله: >أيام ثيوديسيوس الثاني صدر أمر باستئصال الأريوسية وإبادتها بموجب قانون تقرر في السلطنة الرومانية، وذلك سنة ٤٢٨م، ومن ذلك العهد إلى الآن لم تعرف فرق بالحقيقة أريوسية حسب تعاليم آريوس< (٢)، وقد كان من نتيجة هذا الاضطهاد أن >فقدت أفريقيا خمسة ملايين من سكانها، إذ قضى على الأريوسية في تلك الأرجاء< (٣).

стр. 183

ب. النسطورية وامتداداً لآريوس وفرقته، وفي القرن الخامس ظهرت فرقة النسطورية على يد أسقف القسطنطينية نسطور الذي شايعه بعض الأساقفة والفلاسفة، وكان يرى أن في المسيح جزء لاهوتياً، لكنه ليس من طبيعة المسيح البشرية، فلم يولد هذا الجزء من العذراء التي لا يصح أن تسمى أم الله، وكان يقول: > إني أعترف موافقًا أن كلمة الله هو قبل كل الدهور، إلا أني أنكر على القائل بأن مريم والدة الله، فذلك عين البطلان، لأنها كانت امرأة، والحال أنه من المستحيل أن يولد الله من امرأة، ولا أنكر أنها أم السيد المسيح، إلا أن الأمومة من حيث الناسوت< (١). ويعتقد نسطور أن اتحاد اللاهوت بعيسى الإنسان ليس اتحاداً حقيقياً، بل ساعده فقط، وفسر الحلول الإلهي بعيسى على المجاز أي حلول الأخلاق والتأييد والنصرة. وقال في إحدى خطبه: "كيف أسجد لطفل ابن ثلاثة أشهر؟ " وقال: "كيف يكون لله أم؟ إنما يولد من الجسد ليس إلا جسداً، وما يولد من الروح فهو روح. إن الخليقة لم تلد الخالق، بل ولدت إنساناً هو إله اللاهوت". وقد عقد في أفسس ٤٣١م مجمع قرر عزله ونفيه، فمات في صحراء ليبيا، يقول المؤرخ سايرس ابن المقفع: >إن المسيح إنسان فقط, وإنه نبي لا غير، وقد جاء إلى العالم أنبياء كثير، ولم يُعبَد أحد منهم، فإذا كان هذا يعبد إنساناً فقد صار عابد وثن<. وذكر ابن المقفع أنه عند نفيه أرسل له البطارقة أن إذا اعترف بأن المصلوب إله متجسد فسوف يعفون عنه، فيقول ابن المقفع: >فقسا قلبه مثل فرعون، ولم يجبهم بشيء< (٢). وقد تغير مذهب النسطورية بعد نسطور فأشبه مذاهب التثليث، إذ يقول النسطورية: إن المسيح شخصية لها حقيقتان: بشرية وإلهية، فهو إنسان حقاً، إله حقاً،

стр. 184

ولكنه ليس شخصية قد جمعت الحقيقتين، بل ذات المسيح كانت تجمع شخصيتين!! (١). ثالثاً: الطوائف النصرانية الموحدة بعد ثورة الإصلاح الديني وطوال قرون تعاقبت على النصرانية في ظل سيطرة الكنيسة لم ينقطع تواجد الموحدين، وإن ضعف نشاطهم وتواجدهم بسبب محاكم التفتيش وقوة الكنيسة وسلطانها. وعندما ضعف سلطان الكنسية واضمحل، عادت الفرق الموحدة للظهور، وبدأت عقيدة التثليث بالاهتزاز، وهو ما عبر عنه لوثر بقوله: "إنه تعبير يفتقد إلى القوة، وإنه لم يوجد في الأسفار". فيما قال عنه فالبر في كتابه "تاريخ الموحدين": "إن كالفن قد أعلن قانون الإيمان الذي صدر عن مجمع نيقية كان يناسبه أن يغنى كأغنية بدلاً من أن يحفظ كبيان عن العقيدة". وعندما ألف كالفن كتابه "خلاصة العقيدة" (١٥٤١م) لم يذكر فيه التثليث إلا نادراً. وشيئاً فشيئاً عادت الفرق الموحدة للظهور وازدهر نشاط الموحدين في أوربا، حتى إن ملك المجر هوجون سيجسموند (ت١٥٧١م) كان موحداً. وفي ترانسلفانيا ازدهر التوحيد كما تذكر دائرة المعارف الأمريكية، وكان من الموحدين المشهورين فرانسس داود الذي أدخل السجن بعد وفاة الملك جون وتولي الملك ستيفن باثوري الكاثوليكي، وتوفي سنة ١٥٧٩م، وكان الملك الجديد قد منع

стр. 185

الموحدين من نشر كتبهم دون إذن منه (١). كما ظهر في هذا القرن سوسنس الموحد في بولندا (ت ١٦٠٤م)، وكان له أتباع يعرفون بالسوسنيون أنكروا التثليث، ونادوا بالتوحيد، وفر بعضهم من الكنسية إلى سويسرا. ونادى سرفيتوس بالتوحيد في أسبانيا فأحرق حياً عام ١٥٥٣م، وكان يقول في كتابه "أخطاء التثليث": "إن أفكاراً مثل الثالوث والجوهر وما إلى ذلك إنما هي اختراعات فلسفي، لا تعرف عنها الأسفار شيئاً" (٢). كما ظهر في ألمانيا مذهب الأناباست الموحد، واستطاعت الكنيسة سحقه. ثم ظهرت جمعيات تحارب التثليث منها "الحركة المضادة للتثليث"، وأنشأت في شمال إيطاليا في أواسط القرن السادس عشر، تلتها" الحركة المعادية للتثليث" والتي ترأسها الطبيب المشهور جورجيو بندراثا عام ١٥٥٨م، وفي عام ١٥٦٢م عقد مجمع بيزو، وكان القسس يتكلمون عن التثليث فيما كان غالبية الحضور من المنكرين له (٣). وفي القرن السابع عشر قويت بعض الكنائس الموحدة على قلة في أتباعها، وأصدر الموحدون عام ١٦٠٥م مطبوعاً مهماً جاء فيه "الله واحد في ذاته، والمسيح إنسان حقيقي، ولكنه ليس مجرد إنسان، والروح القدس ليس أقنوماً، لكنه قدرة الله". وفي عام ١٦٥٨م صدر مرسوم طردت بمقتضاه جماعة موحدة في إيطاليا. وكان من رواد التوحيد يومذاك جون بيدل (ت ١٦٦٢م)، وسمي: "أبو التوحيد

стр. 186

الإنجليزي". وكان قد توصل من خلال دراسته إلى الشك في عقيدة التثليث، فجهر بذلك وسجن مرتين، ثم نفي إلى صقلية. وفي عام ١٦٨٩م استثنى مرسوم ملكي الموحدين من قانون التسامح الديني. وذلك لا ريب يعود لكثرة هؤلاء وتعاظم أثرهم، وهو ما يعبر عنه بردنوفسكي في كتابه "ارتقاء الإنسان"، فيقول: "كان العلماء في القرن السابع عشر يشعرون بالحرج من مبدأ التثليث" (١). وفي القرن الثامن عشر سمي هؤلاء الموحدون بالأريوسيين، ومنهم الدكتور تشارلز شاونسي (ت ١٧٨٧م) راعي كنيسة بوسطن، وكان يراسل الأريوسيين الإنجليز. وكذا ناضل الدكتور يوناثان ميهيو بشجاعة ضد التثليث، ونشر الدكتور صموئيل كتابه "عقيدة التثليث من الأسفار" ووصل فيه إلى نتيجة: "أن الآب وحده هو الإله الأسمى، وأن المسيح أقل منه رتبة"، ورغم إنكاره بأنه آريوسي، فإنه يصعب التميز بين أقواله وتعليم آريوس، ومثله العالم الطبيعي جون بربستلي (ت ١٧٦٨م)، وقد طبع رسالته "التماس إلى أساتذة المسيحية المخلصين الموقرين" ووزع منها ثلاثين ألف نسخة في إنجلترا، فأرغم على مغادرتها، فقضى في بنسلفانيا. واعتزل ثيوفليس ليندساي (ت ١٨١٨م) الخدمة الكنيسة، ثم ما لبث أن تحول إلى كنيسة موحدة، كما عين زميله الموحد توماس بلشام في منصب كبير في كلية هاكني اللاهوتية، ثم أسسا معاً "الجمعية التوحيدية لترقي المعرفة المسيحية وممارسة الفضيلة عن طريق توزيع الكتب".

стр. 187

ثم بعد إقرار الحقوق المدنية كون الموحدون اتحاداً أسموه "الاتحاد البريطاني الأجنبي للتوحيد" (١). وفي القرن التاسع عشر الميلادي أسس في مناطق متعددة عدد من الكنائس الموحدة التي اجتذبت شخصيات مهمة مثل وليم شاننج (ت ١٨٤٢) راعي كنيسة بوسطن، وكان يقول: بأن الثلاثة أقانيم تتطلب ثلاثة جواهر، وبالتالي ثلاثة آلهة. وكان يقول: "إن نظام الكون يتطلب مصدراً واحداً للشرح والتعليل، لا ثلاثة، لذلك فإن عقيدة التثليث تفتقد أي قيمة دينية أو علمية". ومثله قال القس جارد سباركس راعي كنيسة الموحدين في ليتمور والذي صار فيما بعد رئيساً لجامعة هارفرد. وتكونت عام ١٨٢٥م جمعية التوحيد الأمريكي، وفي منتصف هذا القرن أضحت مدينة ليدن الهولندية وجامعتها مركزاً للتوحيد، وكثر عدد الموحدين الذين عرفوا باللوثريين أو الإصلاحيين. ومع مطلع القرن العشرين تزايد الموحدون، وزادوا نشاطهم، وأثمر بوجود ما يقرب من أربع مائة كنيسة في بريطانيا ومستعمراتها، ومثلها في الولايات المتحدة إضافة إلى كليتين لاهوتيتين تعلمان التوحيد هما مانشستر وأكسفورد في بريطانيا، وكليتين في أمريكا، إحداهما في شيكاغو، والأخرى في بركلي في كاليفورنيا، وما يقرب من مائة وستين كنيسة أو كلية في المجر، وغير ذلك في كافة دول أوربا النصرانية (٢). وفي عام ١٩٢١م عقد مؤتمر حضره عدد كبير من رجال الدين في أكسفورد

стр. 188

برئاسة أسقف كارليل الدكتور راشدل الذي ذكر في خطاب ألقاه فيه: أن قراءته للكتاب المقدس لا تجعله يعتقد أن عيسى إله، وأما ما جاء في يوحنا مما لم تذكره الأناجيل الثلاثة فلا يمكن النظر إليه على أنه تاريخي، ورأى أن كل ما قيل في ميلاد المسيح من عذراء أو شفائه الأمراض أو القول أن روحه سابقة للأجساد، كل ذلك لا يدعو للقول بألوهيته. وقد شاركه في آرائه عدد من المؤتمرين. ويقول إيميل لورد فيج: "لم يفكر يسوع أنه أكثر من نبي، وليس بقليل أن يرى نفسه في بعض الأحيان دون النبي، ولم يحدث أبداً من يسوع ما يخيل به إلى السامع أن له خواطر وآمال فوق خواطر البشر وآمالهم ... يجد يسوع كلمة جديدة صالحة للتعبير عن تواضعه بقوله: إنه ابن الإنسان، وقديماً أراد الأنبياء أن يلفتوا الأنظار إلى الهوة الواسعة التي تفصلهم عن الله، فكانوا يسمون أنفسهم بأبناء الإنسان ... ". وفي عام ١٩٧٧م اشترك سبعة من علماء اللاهوت في كتاب مشهور عنونوا له "أسطورة الإله المتجسد" ومما فيه عن هذه المجموعة "أنها قبلت التسليم بأن أسفار الكتاب المقدس كتبها مجموعة من البشر في ظروف متنوعة، ولا يمكن الموافقة على اعتبار ألفاظها تنزيلاً إلهياً ... إن المشتركين في هذا الكتاب مقتنعون أن تطوراً لاهوتياً آخر لا بد منه في آخر هذا الجزء الأخير من القرن العشرين". ثم أصدر ثمانية من علماء اللاهوت في بريطانيا كتابا أسموه "المسيح ليس ابن الله"، أكدوا فيه ما جاء في الكتاب الأول، وقالوا: "إن إمكانية تحول الإنسان إلى إله لم تعد بالشيء المعقول والمصدق به هذه الأيام". (١) وفي مقابلة تلفزيونية جرت في إبريل ١٩٨٤م في محطة تلفزيون "لندن لنهاية

стр. 189

الأسبوع" ( London`s Weekend Television) ذكر الأسقف ديفيد جنكنز - الذي يحتل المرتبة الرابعة بين تسعة وثلاثين أسقفاً يمثلون رأس هرم الكنيسة الأنجليكانية - أن ألوهية المسيح ليست حقيقة مسلماً بها، وقال: إنه لا يعتقد أن الولادة العذراوية وقيامة المسيح من الموت أحداث تاريخية (أي حقيقية). وكان لكلماته صدى كبير بين أتباع الكنيسة البرتستانتية، فقامت صحيفة "ديلي نيوز" باستطلاع رأي واحد وثلاثين أسقفاً - من الأساقفة التسعة والثلاثين- حول ما قاله الأسقف ديفيد، ثم نشرت نتيجة الاستطلاع في عددها الصادر في ٢٥/ ٦/١٩٨٤م، وكانت نتيجته أن "أصر ١١ فقط من الأساقفة على القول بأنه يجب على المسيحيين أن يعتبروا المسيح إلهاً وإنساناً معاً، بينما قال ١٩ منهم بأنه كان كافياً أن ينظر إلى المسيح باعتباره الوكيل الأعلى لله"، وتشكك ٩ أساقفة من فكرة قيامة المسيح من الموت، وقالوا بأنها سلسلة من التجارب أو المشاعر التي أقنعت أتباعه أنه كان حياً في وسطهم، وأكد ١٥ أسقفاً منهم "أن المعجزات المذكورة في العهد الجديد كانت إضافات ألحقت بقصة يسوع فيما بعد". أي أنها لا تصلح في الدلالة على الألوهية (١). وهكذا تشكك الكنيسة ممثلة بأساقفتها في مسألة ألوهية المسيح، وترفضها، وتقر أنها عقيدة دخيلة على النصرانية، لم يعرفها المسيح ولا تلاميذه، إذ هي من مبتدعات بولس والذين تأثروا به ممن كتبوا الأناجيل والرسائل ثم المجامع الكنسية. ومن كل ما ذكرنا يتبين لنا أن التوحيد حركة أصيلة في المجتمع النصراني، تتجدد كلما نظر المخلصون منهم في أسفارهم المقدسة، فتنجلي عن الفطرة غشاوتها، وتعلن الحقيقة الناصعة أن لا إله إلا الله.

стр. 190

مصادر القول بألوهية المسيح ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب - ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧). وإذا لم يكن المسيح قد قال بألوهية نفسه، ولم يقل بها معاصروه، فمن أين وفدت هذه العقائد على النصرانية؟ وفي الجواب نقول: إنه بولس عدو النصرانية، اليهودي الذي ادعى رؤية المسيح في السماء بعد رفعه، وقد نحل ذلك من الوثنيات المختلفة التي كانت تقدس بعض البشر وتعتبرهم أبناء الله. ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (التوبة: ٣٠). أهمية بولس في الفكر النصراني بولس أشهر كتبة العهد الجديد، وأهم الإنجيليين على الإطلاق، فقد كتب أربع عشرة رسالة، تشكل ما يقارب النصف من العهد الجديد، وفيها فقط تجد العديد من العقائد النصرانية، إنه مؤسس النصرانية وواضع عقائدها، وهو الوحيد الذي ادعى النبوة، دون سائر الإنجيليين. فالنصرانية المحرفة عمادها الرئيس رسائل بولس، التي كانت رسائله أول ما خط من سطور العهد الجديد الذي جاء متناسقاً إلى حد ما مع رسائل بولس، لا سيما إنجيل

стр. 191

يوحنا، فيما رفضت الكنيسة النصرانية تلك الرسائل التي تتعارض مع نصرانية بولس التي طغت على النصرانية الأصلية التي نادى بها المسيح ﵇ وتلاميذه من بعده. وهذا الأثر الذي تركه بولس في النصرانية لا يغفل ولا ينكر، مما حد بالكاتب مايكل هارت في كتابه "الخالدون المائة" أن يجعل بولس أحد أهم رجال التاريخ أثراً، إذ وضعه في المرتبة السادسة بينما كان المسيح في المرتبة الثالثة. وقد برر هارت وجود النبي ﷺ في المرتبة الأولى من قائمته، وتقدمه على المسيح الذي يعد المنتسبون لدينه الأكثر على وجه الأرض، فقال: "فالمسيحية لم يؤسسها شخص واحد، وإنما أقامها اثنان: المسيح ﵇ والقديس بولس، ولذلك يجب أن يتقاسم شرف إنشائها هذان الرجلان. فالمسيح ﵇ قد أرسى المبادئ الأخلاقية للمسيحية، وكذلك نظراتها الروحية وكل ما يتعلق بالسلوك الإنساني. وأما مبادئ اللاهوت فهي من صنع القديس بولس". ويقول هارت: "المسيح لم يبشر بشيء من هذا الذي قاله بولس، الذي يعتبر المسئول الأول عن تأليه المسيح". وينبه هارت إلى أن بولس لم يستخدم لقب "ابن الإنسان" الذي كان كثيراً ما يطلقه المسيح على نفسه. يقول السير آرثر فندلاي في كتابه "الكون المنشور": "إن بولس هو الذي وضع أساس الدين الذي يسمى بالدين المسيحي ". وقد خلت قائمة مايكل هارت من تلاميذ المسيح الذين غلبتهم دعوة بولس مؤسس المسيحية الحقيقي، فيما كان الامبرطور قسطنطين صاحب مجمع نيقية (٣٢٥م) في المرتبة الثامنة والعشرين (١).

стр. 192

وقد تعرض المحققون بالذكر للعديد من البدع التي أحدثها بولس في عقائد النصرانية وشرائعها، وبينوا اعتماداً على كتب العهد الجديد براءة المسيح من هذه البدع. بولس وألوهية المسيح وإذا خلت الأناجيل- سوى ما قد يقال عن إنجيل يوحنا - من تقرير عقيدة ألوهية المسيح فإن رسائل بولس تمتلئ بالغلو في المسيح، والنصوص التي تعتبر المسيح كائناً فريداً عن البشر. فماذا في أقوال بولس عن المسيح؟ وهل يعتبره رسولاً أم إلهاً متجسداً أم ... عند التأمل في رسائل بولس نجد إجابة متناقضة بين رسالة وأخرى، إذ ثمة نصوص تصرح ببشرية المسيح، وثمة أخرى تقول بألوهيته، فهل هذا التناقض يرجع إلى تلون بولس حسب حالة مدعويه أم أنه متوافق مع تطوير بولس لمعتقده في المسيح؟ أم أن التناقض يرجع إلى ما تعرضت له الرسائل من تغير وتبديل ... هذا كله يبقى محتملاً من غير ترجيح. فمن النصوص التي تحدثت عن المسيح كعبد من البشر يتميز عنهم بمحبة الله له واصطفائه قول بولس: "يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس: الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (١) ٢/ ٥). ومثله يقول معترفاً بوحدانية رب الأرباب "أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذي سيبينه في أوقاته، المبارك، العزيز، الوحيد، ملك الملوك، ورب الأرباب، الذي وحده له عدم الموت .. " (تيموثاوس (١) ٦/ ١٤ - ١٦)، فالمسيح رب، لكن الله وحده رب الأرباب.

стр. 193

والمسيح بشر متميز بتقديم الله له يقول عنه بولس: "مدعو من الله رئيس كهنة على رتبة ملكي صادق" (عبرانيين ٥/ ١٠)، وهو أي المسيح "الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد ودموع طلبات، وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت، وسمع له من أجل تقواه" (عبرانيين ٥/ ٧). ويقارن بولس بين منزلته ومنزلة مخلوقات مثله يفضلها عليه تارة، ويفضله عليها أخرى فيقول: "لكن الذي وضع قليلاً عن الملائكة: يسوع، نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت" (عبرانيين ٢/ ٩). وفي مواضع آخر يقارن بينه وبين موسى ﵇ فيقول: "لاحظوا رسول اعترافنا ورئيس كهنته المسيح يسوع حال كونه أميناً للذي أقامه كما كان موسى .. موسى كان في كل بيته كخادم ... وأما المسيح فكابن على بيته، وبيته نحن إن تمسكنا بثقة الرجاء .. " (عبرانيين ٣/ ١ - ٦). فهذه النصوص وغيرها تحدث بها بولس عن المسيح كبشر متميز بمحبة الله له واختياره ليكون وسيلة في إبلاغ وحيه. لكن لبولس نصوص أخرى تبالغ في وصف المسيح حتى تكاد تجعله ابناً حقيقياً لله لكثرة ما فيها من الغلو والتأكيد على خصوصية المسيح، مما قد يفهم منه أن البنوة هنا تختلف عن سائر ما ورد في الكتاب المقدس، ويتضح ذلك من مواضع أخرى يعتبره فيها صورة لله، أو الجسد الذي تجسد فيه الإله. يقول بولس: "فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة" (رومية ٨/ ٣). ويقول: "الذي لم يشفق على ابنه، بل بذله .. " (رومية ٨/ ٣٢). ويقول: "أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة" (غلاطية ٤/ ٤)، ويفهم من النص

стр. 194

بنوة حقيقية يراها بولس للمسيح، وإلا فجميع المؤمنين أبناء الله (على المجاز) مولودون من جنس النساء. ويقول: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرقٍ كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عبرانيين ١/ ١ - ٤). فهو كما يرى بولس نوع مختلف عما سبق من الأنبياء السابقين، والذين هم جميعاً أبناء الله بالمعنى الكتابي المجازي للكلمة. ويقول بولس عن المسيح ﵇: " هو صورة الله الغير المنظور، بكر كل خليقة" (كولوسي ١/ ١٥). ويقول: "إذ كان في صورة الله لن يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبده، صائراً في شبه الناس" (فيلبي٢/ ٦ - ٧). ويقول: "أظهر كلمته في أوقاتها الخاصة بالكرازة التي أؤتمنت أنا عليها بحسب أمر مخلصنا: الله" (تيطس ١/ ٣). وتحدث المحققون أيضاً عن البيئة التي جعلت بولس يندفع للقول بألوهية المسيح، وتحدثوا عن المصادر التي استقى منها بولس هذه العقيدة. أما البيئة التي بشر بها بولس فقد كانت بيئةً مليئة بالخرافات التي تنتشر بين البسطاء والسذج الذين هم غالب أفراد مجتمع ذلك الزمان، يضاف إليه أن تلك المجتمعات وثنية تؤمن بتعدد الآلهة وتجسدها وموتها، ففي رحلة بولس وبرنابا إلى لستر، صنعا بعض الأعاجيب "فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا أصواتهم بلغة ليكاونية قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس، ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا: زفس، وبولس:

стр. 195

هرمس" (أعمال ١٤/ ١١ - ١٢)، وزفس وهرمس كما أوضح محررو قاموس الكتاب المقدس: اسمان لإلهين من آلهة الرومان: أولهما: كبير الآلهة. والثاني: إله الفصاحة. وهكذا اعتقد هؤلاء البسطاء الوثنيون أن بولس وبرنابا إلهان، بمجرد أن فعلا بعض الأعاجيب، بل ويحكي سفر الأعمال أيضاً أن الكهنة قربوا إليهما الذبائح، وهموا بذبحها، لولا إنكار بولس وبرنابا عليهم. (انظر أعمال ١٤/ ١٣ - ١٨). فماذا يكون قول هؤلاء في الذي كان يحيي الموتى، وأشيع أنه قام من الموتى، وأتى بالأعاجيب والمعجزات. وفكرة تجسد الآلهة مقبولة عند الوثنين الذين حددوا مواسم وأعياد معروفة لولادة الآلهة المتجسدة وموتها، وبعثتها، لذلك فإن بولس أنزل الإله للأرض ليراه الرومان، ويكون قريباً منهم. ويرى الأستاذ حسني الأطير في كتابه القيم " عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية " أن الذي دفع بولس لإظهار ألوهية المسيح هو الامبرطور الروماني طيباروس قيصر (٣٧م). ويستدل لذلك بما أورده المؤرخ أوسابيوس القيصري (٣٤٠م)، عن طيباروس حيث بلغته أخبار المسيح، فأراد إضافته إلى الآلهة، ولكن وحسب المتبع لا بد أن يحال الأمر إلى مجلس الأعيان للمصادقة عليه، إذ لا يجوز للامبرطور أن يضيف إلهاً إلا بواسطتهم، لكن المجلس رفض ذلك، وبقي طيباروس متمسكاً برأيه. ويوافق أوسابيوس بذلك ما جاء عن المؤرخ ترتليانوس (ق٣م) إذ يقول: "وطيباروس نفسه لو أمكن أن يكون قيصراً ومسيحياً معاً لكان آمن به". ويفترض الأطير أن بولس ربما كان أحد أهم أدوات اتخذها الامبرطور لنشر فكرته الجديدة عن المسيح كإله، وبقي هذا الوضع قائماً بعد طيباروس حتى تولى

стр. 196

القيصرية نيرون، فكان - كما يقول أوسابيوس - "أول امبرطور أعلن العداء للديانة الإلهية" (١). وأما استخدام مصطلح "ابن الله" من قبل بولس فيراه شارل جنيبر غير كاف للحكم بأنه أراد الإلهية منه، فقد "بدا تصور بولس له مشوباً بالكثير من التردد والنقص بحيث لم يقدر له مقاومة الزمن، واتجهت تقوى المؤمنين في قوة - دونما إدراك للعقبات - إلى تنشيط الإيمان بالوحدة بين السيد والله". وفسر شارل جنيبر ذلك بأن لفظ البنوة معروف في الفكر اليهودي، وقد أطلق على كثيرين أنهم أبناء الله، لكن ظهر للكلمة مفهوم البنوة الحقيقية في مرابع الفكر اليوناني في طرسوس التي كانت مركزاً للثقافات المختلفة، ومنها نقل بولس كثيراً مما أدخله في النصرانية (٢). ويحاول النصارى تأصيل فكرة ألوهية المسيح وردها إلى المسيح وتلاميذه، وتبرئة بولس منها، مستدلين بما جاء في (متى ١٦/ ١٦)، والذي يقضي بأن بطرس أول من قال بتأليه المسيح، ولم ينكر عليه المسيح إذ لما سألهم المسيح: " أنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحي. فأجاب يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا ... " (متى ١٦/ ١٥ - ١٦). لكن الأطير يعتبر ما جاء في متى محرفاً بدلالة ما جاء في وصف الحدث نفسه عند غيره من الإنجيليين، ففي مرقس "فأجاب بطرس، وقال له: أنت المسيح" (مرقس

стр. 197

٨/ ٢٩)، ولم يذكر البنوة، وفي لوقا: "فأجاب بطرس، وقال: مسيح الله" (لوقا ٩/ ٢٠). وبذلك يكون متى قد خالف مرقس وهو ينقل عنه، كما لا يمكن قبول ما جاء في متى لفقد أصله العبراني، فلا نعلم مدى الدقة التي التزمها المترجم في ترجمة العبارة (١). وبالعموم فإنا لو افترضنا أن إجابة بطرس هي ما ذكره متى أي " أنت هو المسيح ابن الله الحي"، فإن هذا ليس فيه أي دعوى للألوهية، بل هو مطابق لقول سفر هوشع عن بني إسرائيل: "يكون عدد بني اسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ، ويكون عوضاً عن أن يقال لهم: لستم شعبي؛ يقال لهم: أبناء الله الحي" (هوشع ١/ ١٠)، فكما دعي شعب إسرائيل في التوراة بأنهم أبناء الله الحي؛ فإن بطرس يدعو المسيح ابن الله الحي، سواء بسواء. بولس والتثليث دأب الكثير من الكُتاب على اتهام بولس بوضع التثليث في النصرانية من غير أن يقدموا على ذلك دليلاً من أقوال بولس، مكتفين بما عرف عن دور بولس في صياغة سائر المعتقدات النصرانية، وهذا الاتهام لا أراه محقاً، إذ خلت رسائل بولس من تأليه الروح القدس، كما خلت من ذكر عناصر التثليث مجتمعة إلا في نص واحد، لا يفهم منه خالي الذهن ما يعتقده النصارى من التثليث، وقد جاء ذلك في قوله: "نعمة ربنا يسوع ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم" (كورنثوس (٢) ١٣/ ١٤)، فليس في النص ما يفيد ألوهية الروح القدس، ولا أن الثلاثة المذكوين هم واحد. ومما يؤكد غفلة بولس عن التثليث التأمل في ترتيب عناصر التثليث المذكورين في

стр. 198

النص، إذ يقدم المسيح على الأب، وهو ما تعتبره الفرق النصرانية هرطقة. ويضاف إلى ذلك أنه سمى الأقنوم الأول: الله. فيما تسميه صيغة التثليث: الآب، كما سمى الأقنوم الثاني: المسيح، فيما هو عندهم: الابن أو الكلمة. والصحيح أن التثليث لا علاقة له ببولس، فقد كان ظهوره في مرحلة متأخرة جداً عن بولس، وأول من ذكره هو ترتليان (٢٢٥م)، وأصبح عقيدة رسمية عام (٣٨١م) في مجمع القسطنطينية، ولم يرد له ذكر حتى في قرارات مجمع نيقية (٣٢٥م).

стр. 199

ألوهية المسيح والتثليث عقيدتان منحولتان من الوثنيات القديمة تكاملت عقائد النصارى في القرن الرابع الميلادي بتأليه المسيح ثم روح القدس وإقرار الكتاب المقدس، ونشأت مسيحية جديدة صنعها بولس ومن بعده، فمن أين استقى بولس ثم المجامع الكنسية المتأخرة هذه المعتقدات الجديدة؟ في الإجابة عن هذا السؤال ننقل ما قاله شارل جنيير في كتابه "المسيحية نشأتها وتطورها": "والدراسة المفصلة لرسائل بولس الكبرى تكشف لنا النقاب عن مزيج من الأفكار الغريبة جداً، فهي مزيج من الأفكار اليهودية والمفاهيم الوثنية اليونانية". ولمزيد من البيان نستعرض بعضاً من آثار الديانات السابقة للمسيحية، لنقف على التشابه الكبير بين هذه الوثنيات القديمة والوثنية المسيحية، وهذا التشابه طال الأصول والفروع، وبهذا نعرف الأصل والمصدر الذي نقلت عنه المسيحية معتقداتها وشرائعها. أولاً: تجسد الإله في الوثنيات القديمة القول بإله متجسد يمثل الأقنوم الثاني من الإله، وأنه تجسد من أجل غفران خطايا العالمين قول قديم ومعروف في كافة الوثنيات البدائية، ومنها وثنيات الهنود حيث يقول المؤرخ ألن في كتابه "الهند": "أما كرشنا فهو أعظم من كافة الآلهة التي تجسدت، ويمتاز عنها كثيراً، لأنه لم يكن في أولئك إلا جزء قليل من الألوهية، أما هو (كرشنا) فإنه الإله فشنوَ ظهر بالناسوت". وجاء في كتاب "بهاكافات بورون" الهندي أن كرشنا قال: "سأتجسد في متوار بيت يادوا، وأخرج من رحم ديفاكي، أولد وأموت، قد حان الوقت لإظهار قوتي،

стр. 200

وتخليص الأرض من حملها". وكذلك فإن الهندوس اعتبروا أوتار تجسداً إلهياً يجعله أهلاً للعبادة. أما بوذا فيقول عنه المؤرخ دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى": "الإله بوذا المولود من العذراء مايا الذي يعبده بوذيو الهند وغيرهم ويقولون عنه: إنه ترك الفردوس، ونزل وظهر بالناسوت رحمة بالناس كي ينقذهم من الآثام، ويرشدهم صراطاً مستقيماً". ويذكر المؤرخ دوان أن الأوربيين اندهشوا عندما ذهبوا إلى رأس كومورين جنوب الهند من رؤية السكان يعبدون إلهاً مخلصاً يدعونه سليفاهانا المولود من عذراء. ومن البشر الذين قيل بتجسدهم الإله فوهي في الصين، وكذا وستين نونك وهوانكتي وغيرهم، وأما الإله برومسيوس فقد قيل عنه: كان إنساناً حقيقياً وإلهاً حقيقياً (١). وهكذا نستطيع القول بأن القول بإله متجسد أمر تكاثرت على الإيمان به الوثنيات القديمة السابقة للمسيحية، وعنه نقل بولس والمجامع بعده معتقدهم في المسيح. ثانياً: التجسد من أجل الخلاص والغفران وكذا يوافق النصارى في الهدف والغرض من التجسد ما جاء في الوثنيات القديمة، فالنصارى يقولون: إن التجسد كان ليموت المسيح ويفدي خطايا البشرية. ومثله ينقل العلامة هوك عن آلهة الهنود المتجسدة، فيقول: "يعتقد الهنود بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن الناس من الخطيئة".

стр. 201

وينقل قريباً منه عن بوذا الذي يقول عنه المؤرخ موريس وليمس في كتابه "ديانة الهنود": "ومن رحمته (أي بوذا) تركه للفردوس ومجيئه إلى الدنيا من أجل خطايا بني الإنسان وشقائهم كي يبرئهم من ذنوبهم، ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه". وينقل دوان في كتابه " خرافات التوراة والإنجيل وما يماثلها من الديانات الأخرى" تسمية الهنود لبوخص ابن المشتري بفادي الأمم. ومثله قيل في هيركلوس، ومترا فادي الفرس، وباكوب إله المكسيكيين المصلوب، وسواهم من البشر الذين اعتقد أتباعهم أنهم آلهة تجسدت لمغفرة الخطايا (١). ثالثاً: الإله المتجسد والخالقية وكما اعتقد النصارى بأن المسيح الابن هو الخالق كانت الوثنيات قد اعتقدت من قبل في آلهتها المتجسدة فقد جاء في كتب الهنود "كرشنا ابن الإله من العذراء ديفاكي، وهو الأقنوم الثاني من الثالوث المقدس، خلق السماوات والأرض بما فيها، وهو عندهم الأول والآخر". وفي كتاب "بهكوات جيتا" المقدس أن كرشنا قال لتلميذه أرجون: "أنا رب كل المخلوقات ومبدعها، خلقت الإنسان ... فاعرفني، أنا المصور والخالق للإنسان". ويعتقد الصينيون أن الأب لم يخلق شيئاً، وأن الابن لاتوثو المولود من عذراء خلق كل شيء. وفي صلوات الفرس لادرمزد يقولون: "إلى أدرمزد أقدم صلواتي، فهو خالق كل شيء مما هو كان وما سيكون إلى الأبد، وهو الحكيم القوي خالق السماء والشمس

стр. 202

والقمر والنجوم ... ". ومثله يعتقد الآشوريون في الابن البكر"نرودك"، وكذا مؤلهو"أدوني"، و "لاؤكيون" وغيرهما. ومثله في التراث المصري القديم أن الإله "أتوم" خلق كل شيء حي بواسطة الكلمة التي خلقت كل قوى الحياة، وكلما يؤكل، وكل ما يحبه أو يكرهه الإنسان (١). رابعاً: الأزلية والأبدية للآلهة المتجسدة ووصف يوحنا في رؤياه المسيح بأنه الأول والآخر والألف والياء. وهذا وصف يتطابق تماماً مع وصف الوثنيين آلهتهم المتجسدة التي يعتقدون أزليتها وأبديتها، ففي كتاب "كيتا" الهندي أن كرشنا قال: "لم يأت زمان لم أكن فيه موجوداً، أنا صنعت كل شيء، أنا الباقي والأبدي، والمبدئ والكائن قبل كل شيء، أنا الحاكم القوي على الكون، أنا الأزل ووسط وآخر كل شيء". ومن توسلات أرجون لكرشنا: "أنت الباقي العظيم، الواجبة معرفتك، أنت القابض على الكائنات ... أنت الإله الكائن قبل الآلهة". ويصفه كتاب "فشنو بوراني": "إنه بغير ابتداء ووسط وانتهاء". وجاء في كتابات الهنود عن بوذا: " هو الألف والياء، ليس لوجوده ابتداء ولا انتهاء، وهو الرب المالك القادر الأبدي". ومثله قيل في لاؤكين ولاوتز وارمزد وزوس المدعو "الألف والياء"، وغيرهم كثير (٢).

стр. 203

خامساً: تاريخ ميلاد الآلهة والعبادات والطقوس وكما تشابهت عقائد النصارى الوثنية هنا وهناك، تشابهت عباداتها وتواريخها، إذ يعتقد الوثنيون على اختلاف في آلهتهم أن آلهتهم المتجسدة ولدت في ٢٥ ديسمبر، منهم الإله الفارسي مثرا وغيره. وهو ما يقوله النصارى الأرثوذكس في تورايخهم أيضاً، وقد جرى تحديده بهذا اليوم الموافق لأعياد الوثنين عام ٥٣٠م على يد الراهب ديونيسيوس اكسيجوس، وأراد منه إبعاد المتنصرين عن احتفالات الوثنيين، وشغلهم باحتفال مسيحي، وهو ما تكرر فعله في عدة أعياد وثنية أخرى استعار النصارى منها التواريخ والطقوس ... وينقل الراهب بيد في كتابه "تاريخ الكنيسة الإنجيلية" خطاباً للبابا جريجوري الأول (٦٠١م) يستشهد فيه بنصيحة المستشار البابوي مليتس الذي كان ينهى عن هدم المعابد الوثنية، ويرى تحويلها من عبادة الشيطان إلى عبادة الإله الحق، كي يهجر الشعب خطايا قلبه، ويسهل عليه غشيان المعاهد التي تعود ارتيادها (١). وهكذا لا يجد المتنصر كبير فرق في المكان والمضمون بين النصرانية وبين ما كان يعتقده من قبل، ويكون ذلك ادعى في انتشار النصرانية.

стр. 204

سادساً: التثليث في الوثنيات القديمة وكما نقل النصارى عن الوثنيات ما يقولونه عن ألوهية المسيح وتجسد الإله فإنهم نقلوا معتقداتهم في التثليث. ولإثباته نقلب صفحات الأمم الوثنية قبل المسيحية لنجد أن الكثيرين من الوثنيين قد سبقوا المسيحيين إلى القول بالتثليث، وما قول النصارى بالتثليث إلا قول منحول عن هذه الأمم مع تعديل بسيط في صيغ الثالوث الوثنية، وذلك بإبدال أسماء الثالوث الوثني بالثالوث النصراني. فالقول بإله مثلث يعود إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، فقد قال به البابليون، حين قسموا الآلهة إلى ثلاثة مجموعات (إله السماء، إله الأرض، إله البحر). ثم تبلور التثليث على نحو ما اتخذته النصرانية في القرن العاشر قبل الميلاد حين قال الهنود بثالوثهم (براهما- فشنو- سيفا)، وهؤلاء الثلاثة هم إله واحد. جاء في ابتهالات التقي أتنيس: "أيها الأرباب الثلاثة. اعلموا أني اعترف بوجود إله واحد، فأخبروني أيكم الإله الحقيقي لأقرب له نذري وصلاتي؟ فظهرت الآلهة الثلاثة وقالوا له: اعلم يا أيها العابد أنه لا يوجد فرق حقيقي بيننا، وأما ما تراه من ثلاثة فما هو إلا بالشبه أو الشكل، والكائن الواحد الظاهر بالأقانيم الثلاثة هو واحد بالذات". وقد وجد في آثار الهنود صنم له ثلاثة رؤوس على جسد واحد تعبيراً منهم عن الثالوث. وسرت عقيدة التثليث في الوثنيات القديمة كالمصرية المتمثلة في الثالوث (أوزيريس، ايزيس، حورس)، وكذا عند الفرس (أورمزد، متراس، أهرمان)،

стр. 205

والاسكندنافيين (أووين، تورا، فري) والمكسييكيين (تزكتلبيوكا، اهوتزليبوشتكي، تلاكوكا)، ثم فلاسفة الإغريق الذين كانت وثنية النصارى أشبه بهم من سائر الوثنيات الأخرى، فقالوا بثالوثهم المكون من (الوجود، العلم، الحياة). عدا ذلك يوجد كثيرون يطول المقام بذكرهم (١). وحتى صيغة الأمانة التي انتهى إليها مجمع نيقية هي صيغة منحولة عن الوثنيات السابقة، فقد نقل المؤرخ مالفير عن كتب الهنود أنهم يقولون: "نؤمن بسافستري (الشمس) إله ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، وبابنه الوحيد آني (النار)، نور من نور، مولود غير مخلوق، مساوٍ للأب في الجوهر، تجسد من فايو (الروح) في بطن مايا العذراء، ونؤمن بفايو الروح المنبثق من الأب والابن الذي هو الأب، والابن يسجد له ويمجد" (٢). وتذهب دائرة المعارف البريطانية إلى أن "القالب الفكري لعقيدة التثليث هو يوناني الأصل، وصيغت فيه تعليمات يهودية، فهي من ناحية التركيب مركب عجيب للمسيحيين، لأن التصورات الدينية فيها مأخوذة من الكتاب المقدس، ولكنها مغموسة في فلسفات أجنبية. واصطلاحات (الأب والابن والروح القدس) تسربت من اليهود، والاصطلاح الأخير (الروح القدس) لم يستعمله المسيح إلا نادراً". ويقول ليون جوتيه: "إن المسيحية تشربت كثيراً من الآراء والأفكار في الفلسفة

стр. 206

اليونانية، فاللاهوت المسيحي مقتبس من نفس المعين الذي صبت فيه نظرية أفلاطون الحديثة، ولذا نجد بينهما متشابهات كثيرة". وقد انتقلت فلسفة اليونان عن طريق الاسكندرية حيث ظهر أفلوطين الإسكندري (ت ٢٠٧م) وكان يقول بالثالوث (الله، العقل، الروح)، ولذا كان أساقفتها (الإسكندرية) من أوائل المؤمنين بالتثليث والمدافعين عنه. ويقال أيضاً أن الوثنيات قد تسربت إلى النصرانية عبر روما، وممن يقوله ول ديورانت حيث يقول: "لما فتحت المسيحية روما انتقل إلى الدين الجديد دماء الدين الوثني القديم: لقب الحبر الأعظم، عبادة الأم العظمى ... ". ويؤيد هذا الأستاذ روبرتسون في كتابه "وثنية المسيحيين" ويرى أن هذه المعتقدات وصلت إلى روما من الفرس عام ٧٠ ق. م. ويرى آخرون أن هذه المعتقدات انتقلت عن طريق الفكر الفرعوني القديم والذي انتقل إلى النصرانية بسبب ظروف الجوار. فيما يرى آخرون من المحققين بأن التسرب لهذه الأفكار كان عن طريق طرسوس والتي كانت مدرسة كبرى للأدب الإغريقي، ونشأ فيها بولس، وانعكست تعاليمها فيه (١). ولما كان تسرب المعتقدات الوثنية إلى النصرانية حقيقة ساطعة كالشمس كان لا بد أن تعترف بها بعض الأقلام الجريئة المنصفة. فمن هؤلاء المهتدية إلى الإسلام مريم جميلة التي تقول: "لقد تتبعت أصول

стр. 207

المسيحية القائمة، فوجدتها مطابقة لمعظم الديانات الوثنية القديمة، ولا يكاد يوجد فرق بين هذه الديانات وبين المسيحية سوى فروق شكلية بسيطة في الاسم أو الصورة ". ويقول أستاذ الحفريات جارسلاف كريني في كتابه "ديانة قدماء المصريين": "إن التثليث دخيل على النصرانية الحقة، وإنه مستورد من الوثنية الفرعونية". ويقول العلامة روبرتسون في كتابه "وثنية المسيحيين"، الذي تحدث فيه ملياً عن اقتباس عقائد النصرانية من الوثنيات فيقول: "يسرني أن أسجل أن من بين المسيحيين الذين تعرضوا لكتابي هذا بالنقد والمناقشة لا يوجد واحد عارض الحقائق التي ذكرتها به، تلك التي قادتني إلى أن أقرر أن أكثر تعاليم المسيحية الحالية مستعار من الوثنية". ويقول كُتّاب "أسطورة تجسد الإله" بمثل ذلك فيقولون: "إن الاعتقاد بأن المسيح هو الله أو هو ابن الله أو تجسد فيه الله ليست سوى خرافة من خرافات الوثنيين وأساطيرهم الأولى" (١). من ذلك كله لا يسعنا إلا القول أن التثليث عقيدة منحولة من تلك الديانات الوثنية التي ضلت عن الفطرة، وابتعدت عن هدي النبوات وعبدت غير الله العظيم. وصدق الله العظيم وهو يخبرنا عن مصدر الكفر الذي وقع به النصارى فيقول: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (التوبة: ٣٠).

стр. 208

العبادات الوثنية الكاثوليكية لم تكن عبادة المسيح الصورة الوحيدة للشرك والوثنية في النصرانية، فقد عبد إلى جانب المسيح والروح القدس الصليب ومريم العذراء والصور التي نصبت في الكنائس للقديسين. أولاً: تأليه مريم عند الكاثوليك يعتبر الكاثوليك مريم ﵍ إلهاً مستحقاَ للعبادة، وإن لم يعتبروها أحد أطراف الثالوث الأقدس، ويعتمدون في تقديسها على ما جاء في النص الكاثوليكي لإنجيل لوقا، وفيه: "فلما دخل إليها الملاك قال: السلام عليك يا ممتلئة نعمة، الرب معك، مباركة أنت في النساء" (لوقا ١/ ٢٨). وقد تمثلت عبادة الكاثوليك لمريم في عدد من الصلوات التي تؤدى لها، ومنها "صلاة مريم" وفيها يقولون: "يا خطيبة مختارة من الله، يا أيتها المستحقة الاحترام من الجميع ... يا باب السماء ... يا ملكة السماء التي جميع الملائكة يسجدون لها، وكل شيء يسبحها ويكرمها ... فاستمعينا يا أم الله، يا ابنة، يا خطيبة الله، يا سيدتنا ارحمينا وأعطينا السلام الدائم ... لك نسجد ولك نرتل". ويقول القس توما اللاهوتي: "أما العذراء الطاهرة المجيدة، وهي الممتلئة من الاستحقاقات فلها أن تخلص جميع البشر". ويقول (القديس) لويس ماريدي: " التكريم أن نهب ذواتنا بكليتها إليها، كأسرى لمريم وليسوع بواسطتها على أن تقوم جميع أعمالنا مع مريم، وبواسطة مريم، وفي مريم، ولأجل مريم". وينقل الأب يعقوب ملطي في تفسيره عن الأب ثيودسيوس أسقف أنقرة قوله

стр. 209

عن مريم: "التحفت بالنعمة الإلهية كثوب، امتلأت نفسها بالحكمة الإلهية، في القلب تنعمت بالزيجة مع الله، وتسلمت الله في أحشائها"، فهي - حسب رأيه - زوجة الله بقلبها، وتحمل الله في أحشائها، كما امتلأت بحكمة الله والتحفت بنعمه. وفي مجمع أفسس ٤٣١م سميت مريم " والدة الإله"، وزيد في أمانة نيقية فقرة تخصها، فيها "نعظمك يا أم النور الحقيقي، ونمجدك أيتها العذراء القديسة، والدة الإله ... ". وفي هذا القرن أيضاً ظهرت جماعة وثنية - تعبد الزهرة - اعتنقت النصرانية، واعتقدوا أن مريم ملكة السماء أو آلهة السماء بدلاً عن الزهرة، وأصبح تثليثهم (الله، مريم، المسيح)، وقد حاربت الكنيسة هذه البدعة، فاندثرت في القرن السابع الميلادي. يقول الأنبا غريغوريوس الأرثوذكسي عن مريم: " إننا لن نرفعها إلى مقام الألوهية كما فعل الكاثوليك ... وكما أخطأ الكاثوليك فرفعوها إلى مقام الألوهية والعصمة، كذلك ضل البروتستانت ضلالاً شنيعاً حين احتقروها، وجهلوا وتجاهلوا نعمة الله عليها وفيها، ولكن الكنيسة الأرثوذكسية قد علمت العذراء تعليماً مستقيماً، فلا نؤلهها ولا نحتقرها" (١). وهذا الذي ذكرناه مصدق لما جاء في القرآن عن اتخاذ النصارى مريم إلهاً، ومكذب لجحد بعض النصارى له، وصدق الله إذ يقول: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ (المائدة: ١١٦).

стр. 210

ثانياً: عبادة الصليب والصور والتماثيل كما سرت في القرن الميلادي الرابع عبادة الصليب، وكان أول من أوجدها الملك قسطنطين حين زعم أنه رأى في المنام صليباً في السماء مكتوباً عليه أو حوله: "بهذا تنتصر"، فجعل الصليب شعاراً لجيشه في معركة ملتيوس التي انتصر فيها على خصمه مكنتيوس، ثم بدأت والدته هيلانة في البحث عن صليب المسيح، وادعت أنها وجدته، ومن ثم بدأ تعظيم الصليب، وعظموا جنس الصليب، وعللوا ذلك بأنه كان وسيلة خلاصهم. وتعظم الكنائس النصرانية - عدا البروتستانت - الصليب، وتعتبر منكر عبادته مرتداً، وتصنع لذلك الصلبان الذهبية والمعدنية والخشبية، ويسجدون لها، ومن صلواتهم قولهم في ترنيمة السبت (بعد جمعة الآلام): "للثالوث الأقدس، ولصليب ناسوت ربنا يسوع المسيح، وللعذراء المباركة الدايمة البتولية، ولجميع القديسين ليكن الحمد الدائم والكرامة والثناء والمجد في كل الخليقة، ولنا مغفرة جميع خطايانا إلى أبد الآبدين". وينقل كرنيلوس فانديك في كتابه "كشف أباطيل عن عبادة الصور والتماثيل" ينقل ترنيمة أخرى تقال في السبت الذي يلي جمعة الآلام "السلام لك أيها الصليب والرجاء الوحيد، زد نعمة الأتقياء، وهب للمذنبين مغفرة الخطايا". يقول فانديك: "لكن كهنة الرومانيين يقولون هذا باللاتينية الميتة، وعامة الشعب لا يفهمون ما يبربرون به"، ويقول: "إن ثلثي النصارى في عصرنا هذا هم عبدة أصنام". وفي القرن الرابع أيضاً كان الشرارة التي عنها نشأت عبادة الصور والتماثيل، فقد أمرت أم الامبرطور - هيلانة - بإحضار جثة النبي دانيال، وبعدها أحضرت جثث

стр. 211

لوقا واندرواس وتيموثاوس في عهد الامبرطور قسطنس. وفي عهد أركاديوس أحضروا جثة صموئيل، ثم إشعيا في عهد ثيودوسيوس، وأحضرت جثة مريم المجدلية ولعازر في عهد لادن السادس، ثم نعلي المسيح ورداء إيليا و ... وقد وضعت هذه الجثث والمتعلقات الشخصية للأنبياء في الكنائس، وتسابق الناس إليها طلباً للشفاء والبركة، واختص بعض هذه الأضرحة بعلاج بعض الآفات، فالقديس أوتيميوس اختص ضريحه بالرجال الذين لديهم مشكلات جنسية، فيما يذهب النساء إلى قبر القديسة ميزونيا، وسادت الامبرطورية قصص الخرافات والتنبؤ بالغيب، وغير ذلك مما يظهر في مثل تلك الأجواء الوثنية. وفي مجمع قسطنطينية ٧٥٤م حضرت وفود شرقية وغربية تفاوضت لمدة ستة أشهر، ثم قررت أن استعمال الصور والتماثيل في العبادة مطلقاً رجوع للوثنية ومناقض للنصرانية. وفي مجمع نيقية الثاني ٧٨٧م وبأمر من الملكة إيرينا انعقد المجمع، وقرر ٣٥٠ أسقفاً غربياً وجوب استعمال الصور والتماثيل في الكنائس، ثم قرر البابا جريجوري الثاني والثالث حرمان ومروق الجماعات التي تناهض وجود التماثيل والصور في الكنائس، وهو ما أكده مجمع القسطنطينية عام ٨٤٢م. وهكذا تلاعبت الأهواء بالمجامع النصرانية في هذه المسألة، فأحدها يوجب، والآخر يكفر، ولا ندري كيف يستقيم هذا مع قول النصارى بعصمة المجامع، لاعتقادهم بحلول الروح القدس على أصحابها. وقد نقل عن المسيحيين الأوائل إنكار هذه المظاهر الوثنية، فقد مر أسقف قبرص ايفانيوس بمكان في فلسطين، ورأى سترة عليها صورة للمسيح، فمزقه قائلاً: "إن

стр. 212

مثل هذا عيب على الشعب المسيحي" (١). ويذكر المعلم ميخائيل مشاقه صوراً مزرية لهذه الوثنية في كتابه "أجوبة الإنجيليين على أباطيل التقليدين" فيقول: "وربما صوروا بعض قديسين على صورة لم يخلق الله مثلها، كتصويرهم رأس كلب على جسم إنسان يسمونه القديس خريسطفورس، ويقدمون له أنواع العبادة، ويطلقون البخور، ويتلمسون شفاعته. فهل يليق بالمسيحيين الاعتقاد بوجود العقل المنطقي والقداسة في أدمغة الكلاب؟ أين هي عصمة كنائسهم من الغلط". كما ذكر المعلم ميخائيل تصويرهم الآب والابن والروح القدس في صور وتماثيل يقومون بعبادتها. واستنكاراً من العلامة رحمة الله الهندي لعبادة الصليب، فإنه يتساءل: لم لا يعبد النصارى جنس الحمير، فقد ركب المسيح على حمار وهو يدخل أورشليم، وليس الخشب (في حادثة الصلب) بأولى بالعبادة والتقديس من الحمار، إذ هو حيوان، بينما الخشب جماد لا حياة فيه. فإن كان عبادتهم للصليب لأنه كان سبيل نجاتهم، فكذلك كان يهوذا الاسخريوطي، فلولا تسليمه المسيح لما أمكن صلبه وحصول الفداء، ثم هو مساوٍ للمسيح في الإنسانية، وممتلئ من روح القدس قبل خيانته. فلم كانت هذه الواسطة (يهوذا) ملعونة وتلكم مباركة؟!. وإن قيل: سال دمه على الصليب، فكذلك الشوك الموضوع على رأسه، فلم لا يعبد؟ (٢)

стр. 213

وهكذا نرى أن الوثنية في النصرانية والشرك في عباداتها وتصوراتها لم يكن محصوراً في عبادة المسيح والروح القدس، بل انضاف إليه الكثير من ضروب الوثنية والشرك، والتي تتوعد الأسفار المقدسة فاعلها بأليم العقاب الذي لم تبال فيه الكنيسة حين عمدت بقراراتها إلى مخالفة ما جاء في الناموس من وصايا، ففي التوراة: " لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة ما، مّما في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض" (الخروج ٢٠/ ٤). كما قد توعدت التوراة باللعن أولئك الذين يصنعون التماثيل " فيصرخ اللاويون، ويقولون لجميع قوم إسرائيل بصوت عال: ملعون الإنسان الذي يصنع تمثالاً منحوتاً أو مسبوكاً رجساً لدى الرب عمل يدي نحات، ويضعه في الخفاء. ويجيب جميع الشعب ويقولون: آمين" (التثنية ٢٧/ ١٤ - ١٥)، (وانظر ٤/ ١٥ - ٢٤). ثالثاً: العشاء الرباني تؤمن الكنائس المسيحية عامة بسر العشاء الرباني، وتسميه بأسماء كثيرة منها (الأفخارستيا) أي الشكر و (الليتورجيا) أي الخدمة، وتختلف في فاعليته. وتستند المسيحية في إقرار هذه الشريعة إلى العشاء الذي تناوله المسيح مع تلاميذه قبيل حادثة الصلب، فقد قال لهم وهو يناولهم الخبز: "هذا هو جسدي"، ولما ناولهم الخمر قال: "هذا هو دمي" (مرقس ١٤/ ٢٢ - ٢٤). ويذكر يوحنا أن المسيح قال لتلاميذه في مطلع خدمته: " من يأكل هذا الخبز النازل من السماء لا يموت، أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء: والخبز الذي أعطيه هو جسدي: الحق الحق أقول لكم: إن كنتم لا تأكلون جسد ابن الإنسان ولا تشربون دمه، فلن تكون فيكم الحياة، ولكن من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبدية ... " (يوحنا ٦/ ٥٠ - ٥٤).

стр. 214

وزعموا أن المسيح أمر بتجديد العشاء وفعله، فقال: " هذا هو جسدي الذي يبذل من أجلكم، اعملوا هذا لذكري " (لوقا ٢٢/ ٢٠). ويجدر هنا التنبيه إلى أن قصة تجديد العشاء الأخير على أهميتها لم يذكرها يوحنا التلميذ في إنجيله، وأن ما جاء في (يوحنا ٦/ ٥٠ - ٥٤) لا علاقة له بالعشاء الرباني، بل هو جزء من عظة قديمة للمسيح. وأما أمر التجديد في لوقا "اعملوا هذا لذكري" مدسوس على الإنجيل، وقد حذفته نسخة الرهبانية اليسوعية وكذلك النسخة القياسية المراجعة النص من نسختها، واعتبرتاه نصاً دخيلاً. ويقول المفسر جورج كيرد في تفسيره لإنجيل لوقا (٢٣٦):" إن قصة العشاء الأخير في لوقا تعتبر كابوساً, فهي تثير مشاكل في أغلب مواضيع دراسة العهد الجديد, كما أنها أعطت الأساس لطوفان من النظريات المتصارعة .. ويبدو أن النصين ١٩ و ٢٠ قد أخذا مما جاء في مرقس (١٤/ ٢٤) و (كورنثوس (١) ١١/ ٢٤ - ٢٥) ثم أدخلا إلى النص في عهد مبكر على يد كاتب اعتقد أن قصة لوقا خاطئة، إن الفقرة أدخلت في زمن مبكر، وقد اقتبسها أحد الكتبة من (مرقس ١٤/ ٢٤) و (كورنثوس (١) ١١/ ٢٤ - ٢٥) " (١). وقد اختلفت الكنائس المسيحية في فاعلية العشاء الرباني، فالكنائس الإنجيلية ترفض مبدأ الاستحالة إلى جسد ودم المسيح من خلال الخبر والخمر، واعتبر المصلح زونجلي ممارسة طقوس الأفخارستيا مجرد تذكار لموت المسيح، وأما المصلح كالفن فيرى أن حضور المسيح في الخبز والخمر حضور روحي فحسب، وزعم اللوثريون أن

стр. 215

المسيح يحضر هذا العشاء بطريقة سرية، وقال لوثر بحضور حقيقي للمسيح، وهو قريب مما يقوله الكاثوليك. وأما سائر الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية فتقول بالاستحالة "فالشخص المشترك يتناول أو بالمعنى الأصح يأكل بطريقة فعلية وحقيقية جسد المسيح في شكل الخبز والخمر" (١). وقد كان من أوائل من أصّلها باسخاسيوس في منتصف القرن التاسع في كتابه "جسد الرب ودمه"، وقد أقرها المجمع اللاتراني برئاسة البابا إنوسنت الثالث عام ١٢١٥م، كما أقرتها الكنائس الأرثوذكسية صراحة بعد ظهور الإصلاحيين في القرن السادس عشر الميلادي. وذكر المحققون من البرتستانت أن هذه الفكرة المناقضة للعقل والحس مبتدعة لا تجد لها أثراً عند الآباء الأقدمين (٢). وتنبه المحققون إلى مصدر هذه الفكرة الغريبة، فهي وثنية المنشأ، صنعتها العديد من الأمم الوثنية، ومنهم الفرس الذين اعتقدوا أن متراس يمنح البركة للخبز والخمر في العشاء. وكما كان عُباد يونيشس وأتيس يجتمعون في عيد الحب في مساء أحد السبوت صنع النصارى أيضاً، حيث كان العشاء ينتهي بقراءة فقرات الكتاب المقدس، وفي آخر الطقوس قبلة الحب بين الرجال والنساء.
следующие страницы →