الأندلسي: "وذكروا في ذلك محاورات جرت بين إبليس وآدم وحواء لم تثبت في قرآن ولا حديث صحيح فأطرحت ذكرها" (١)، وبمثل هذا يتشبث المنصفون في كل عصر وحين.
وقد أطبق العلماء على ضعف حديث سمرة الذي فيه أمر الشيطان لآدم بتسمية ابنه عبد الحارث، لأن في سنده الحسن يرويه عن سمرة بصيغة العنعنة، وهو مدلس، فلا تقبل روايته إلا إذا صرح بالتحديث، قال الذهبي: "كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: عن فلان، ضعف احتجاجه" (٢).
قال البيهقي: "أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن البصري من سمرة في غير حديث العقيقة" (٣).
ولذلك حكم الألباني بضعف الحديث، وقال: " ضعيف .. وأعله ابن عدي في "الكامل" بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال: وحديثه عن قتادة مضطرب" (٤)، واستدل لتضعيفه بما نقله ابن كثير من تفسير الحسن للآية، فقد جاء تفسيره مخالفاً للمروي عنه في هذا الأثر: "قال [أي الحسن]: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم .. عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده"، فقوله هذا مبطل لما روي عنه.
ثم عقب ابن كثير بقوله: " وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵀، أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله ﷺ ، لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما
стр. 142
مع تقواه لله وَوَرَعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، من آمن منهم، مثل: كعب أو وهب بن مُنَبّه وغيرهما" (١).
ولو فرضنا جدلاً صحة القصة التي تنسب إلى آدم؛ فإن غاية ما تذكره القصة أن آدم وقع في شرك التسمية؛ حين سمي الولد "عبد الحارث"، ولكنه لم يقع في شرك العبادة، وبين النوعين فرق كبير، قال قتادة: "فأشركا في الاسم. ولم يشركا في العبادة " (٢).
وقال القرطبي في شرحه: "قال المفسرون: كان شركاً في التسمية والصفة، لا في العبادة والربوبية .. إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد، فسمياه به، كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا على أن الضيف ربه، كما قال حاتم طيء:
وإني لعبد الضيف ما دام ثاوياً ... وما فيَّ إلا تيك من شيم العبد " (٣).
وبالعود إلى الآية المستشكلة في معناها فإن من العلماء من يرى أنها تتحدث إلى قريش، وأن الله خلقهم من نفس واحدة هي نفس أبيهم قصي بن كلاب، وأنها تعنفهم على ما وقعوا فيه من الشرك بعد ذلك (٤).
ولكن جمهور المفسرين يرون أن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ مقصود به آدم
стр. 143
وزوجه، ثم انتقلت الآية للحديث عن ذريته وما وقعوا فيه من الشرك بالأصنام، وهذا التفسير مشهور عند العلماء، نقله المفسرون ومنهم ابن عجيبة بقوله: " ﴿فلما آتاهما﴾ ولداً ﴿صَالِحاً﴾ كما سألا، جعل أولادُهما ﴿لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا﴾، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار. فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك؛ لعصمة الأنبياء، وهذا هو الصحيح. وقد يُعاتبُ المِلكُ الأب على ما فعل أولادهُ، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له: أولادك فعلوا وفعلوا، على عادة الملوك" (١).
وهذا المعنى للآية منقول عن جملة من التابعين، منهم عكرمة القائل: "لم يخص بها آدم، ولكن جعلها عامة لجميع الناس بعد آدم" (٢)، ومنهم الحسن البصري الذي يقول: "كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم"، وكان يقول: "هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا" (٣).
ويرى المفسرون ومنهم البغوي في تفسيره أن في الآية محذوفاً في قوله: ﴿جعلا له﴾: "راجع إلى جميع المشركين من ذريَّةِ آدم .. أي: جعل أولادهما له شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم؛ كما أضاف فعل الآباء إلى الأبْنَاءِ في تعييرهم بفعل الآباء فقال: ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل﴾ (البقرة: ٥١)، ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾ (البقرة: ٧٢)، خاطب به اليهُود الذين كانوا في عهد النبي ﷺ ، وكان ذلك الفعل من آبائهم" (٤).
стр. 144
والالتفات في الخطاب من آدم إلى بنيه من غير التنبيه على فصل في الحديث معهود في القرآن، وأمثلته كثيرة، ذكر السيوطي بعضها بعد أن نقل الآثار السابقة وغيرها من تفسير ابن أبي حاتم (١).
ومن صوره ما جاء في قصة آدم ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: ١٢٣ - ١٢٤)، فالحديث في أول الآية موضوعه آدم وحواء ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً﴾، ثم انتقل بلا فصل للحديث عن ذريته ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
ومما يشهد لصحة هذا التأويل (الانتقال في الخطاب إلى بني آدم) ويدل عليه قوله تعالى في آخر السياق: ﴿فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (الأعراف: ١٩١) وما بعدها، فقد انتقل من الحديث عن الاثنين (آدم وحواء) إلى الحديث عن الجمع (ذريته).
والسياق أيضاً بيِّن وواضح في أن المقصود من الشرك عبادة الأصنام؛ لا عبادة الشيطان المذكورة في قصة آدم ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الأعراف: ١٩٢ - ١٩٤)، فهذا كله في عبادة الأصنام لا الشياطين.
стр. 145
ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ﴾، فقوله ﴿مَا﴾ يبين أن المتحدث عنه مما لا يعقل، وهو الأصنام، ولو كان المتحدث عنه الشيطان لقال: (أيشركون من لا يخلق) (١).
ويدل على صحة هذا التأويل أيضاً أن آدم في حديث الحشر يعتذر عن الشفاعة يوم القيامة متذرعاً بذكر ذنبه الأكبر، فيقول: «ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح» (٢)، فلو كان آدم وقع في الشرك لذكره في هذا الموطن، فهو أعظم من الأكل من الشجرة، وهو أدعى للاعتذار عنه في موطن الخوف والإقرار والبراءة من الذنب، ومحال أن يعتذر آدم عن الصغير ويغفل الكبير، فدل ذلك كله على براءة آدم من الوقوع في الشرك.
ثانياً: هل شك إبراهيم ﵇ ؟
قالوا: القرآن أساء إلى أبي الأنبياء إبراهيم الخليل، حين اتهمه بالشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٠).
كما نقل عنه أنه قال بربوبية الشمس والقمر: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ (الأنعام: ٧٧ - ٧٨).
стр. 146
والجواب: أن إبراهيم ﵇ حسب القرآن - هو المثال الأعلى للمؤمنين، فقد اصطفاه الله ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٣٣)، وأمر جل وعزَّ بالتزام دينه ﴿قُلْ صَدَقَ الله فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران: ٩٥)، فدينه أحسن الأديان، وهو خليل الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ (النساء: ١٢٥)، كما أمر القرآن بالتأسي به ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: ٤)، ففي هذه الآيات وغيرها من بيان فضل إبراهيم الخليل ما يقطع قول كل خطيب.
وأما الشك في الإيمان فهو منفي عن إبراهيم الخليل ﷺ ، بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: ٢٦٠)، فقد آمن ﵊ بقدرة الله على الإحياء، وانعقد قلبه على ذلك، وسؤاله لرؤية عملية الخلق فعل حسن أراد أن يترقى به في معارج الإيمان؛ بالانتقال من حال علم اليقين، وهي حالة ذهنية متيقنة إلى حال عين اليقين، أي مشاهدته، فسؤاله طلب ليقين بعد يقين.
وقد نفى ﷺ الشك عن إبراهيم بقوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (١)، أي أنه منزه عنه كتنزيه النبي ﷺ عنه.
وأما قول الخليل عن الشمس والقمر أنها ربه؛ فكان من باب تبكيت الخصم وإقامة الحجة عليهم، فقد يقول المجادل ما لا يعتقده في إقامة الحجة والبرهان على مجادله ومناظره، قال الرازي: "هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن
стр. 147
يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد، لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه".
وقوله ﵇ عن الشمس والقمر والكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ إنما هو نوع من التدرج في إبطال ربوبيتها بدليل قوله تعالى في السياق: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ (الأنعام: ٨٢).
وقد ذكر الرازي وجوهاً في توجيه قول إبراهيم ﵇ منها " أنه ﷺ أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب، إلا أنه ﵇ كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبُعد طباعهم عن قبول الدلائل؛ أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة، وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب، مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان، ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله، وتمام التقرير أنه لما لم يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق، وكان ﵇ مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر" (١).
وقال ابن تيمية: " قاله على سبيل التقرير، لتقريع قومه أو على سبيل الاستدلال والترقي" (٢)، وقال ابن القيم: "قيل: إنها على وجه إقامة الحجة على قومه، فتصور بصورة الموافق ليكون أدعى إلى القبول، ثم توسل بصورة الموافقة إلى إعلامهم بأنه لا يجوز أن يكون المعبود ناقصاً آفلاً " (٣)، فكل أحد يعلم أن الشمس ستغيب آخر النهار وكذلك الكوكب، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ
стр. 148
الآفِلِينَ﴾ (الأنعام: ٧٦)، ليس لطروء علم جديد على إبراهيم، بل لتبكيت المشركين عبدة الشمس والكواكب بعد إظهار الموافقة على سبيل الجدل والتنزل مع المخالف.
والعودة الفاحصة للآيات تكشف لكل حصيف ما تتضمنه الآيات من تعظيم إبراهيم لله دون سواه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي الله وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام ٧٧ - ٨٣).
ثالثاً: هل شك يونس ﵇ في قدرة الله ؟
قالوا: القرآن يتهم النبي يونس بأنه شك في قدرة الله، وهذا كفر، فحين أرسله الله إلى أهل نينوى لم يذهب إليهم، وذهب إلى البحر ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٧).
والجواب: أن القارئ لن يجد كتاباً عند أمة من الأمم يعظم الأنبياء كما عظمهم القرآن الكريم، فهو الكتاب الوحيد الذي ينزه الأنبياء عن الكبائر والنقائص، فضلاً عن الكفر والشرك بالله تعالى.
стр. 149
وقد فضل الله يونس مع إخوانه الأنبياء على العالمين: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٦).
وإنما أُتي القائل لهذه الشبهة من سوء فهمه للآية، فليس مقصودها أن يونس ظن أنه معجز الله بهربه، بل المعنى أنه ظن أن الله لن يقدر عليه، أي لن يضيق عليه ويلومه في ترك قومه حين لم يستجيبوا لدعوته، فهي كقول الله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ الله﴾ (الطلاق: ٧) أي ضُيِّق عليه، ومثله قوله تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ﴾ (الرعد: ٢٦)، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس ﵁ وعن غيره من التابعين (١).
وحفاظاً على منزلة يونس بن متى في قلوب المؤمنين نهى النبي ﷺ عن تفضيل المرء نفسه على هذا النبي الكريم: «لا ينبغي لعبد أن يقول إنه خير من يونس بن متى» (٢)، وفي رواية: «من قال: أنا خير من يونس بن متى؛ فقد كذب» (٣)، فثبت بذلك براءة القرآن من فرية الإساءة إلى يونس ﵇.
رابعاً: همُّ يوسف ﵇
قالوا: نسب القرآن إلى الصديق يوسف ﵇ الهمَّ في الخطيئة مع زوجة العزيز ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (يوسف: ٢٤)، وقالوا: تمتلئ كتب التفسير بصور مشينة لهذا الهمِّ الفاسد الذي لا يليق بنبي كريم.
والجواب: لو قرأ الطاعنون في القرآن تمام الآية المستشكَلة لأدركوا منزلة يوسف الصديق وعصمة الله إياه من الذنب: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: ٢٤).
стр. 150
وقد شهدت امرأة العزيز له بالخيرية والعصمة بقولها: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: ٣٢).
ولئن همَّت امرأة العزيز بالفاحشة؛ فإن يوسف ﵇ لم يقع منه الهمُّ أصلاً؛ وهذا منطوق الآية لمن فهم لغة العرب وطرائقهم في البيان، فالآية تثبت لامرأة العزيز الهمَّ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾، لكنها تنفي الهمَّ بالمعصية عن الصديق يوسف ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾، و (لولا) عند العرب تفيد امتناعاً لوجود، أي لم يحصل الفعل لوجود ما منعه، فلم يتحقق الهمّ بالخطيئة لأنه رأى برهان ربه.
قال أبو حاتم: "كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن، فلما أتيت على ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: هذا على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولقد همت به، ولولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها" (١).
ومثله في قول الله تعالى عن أم موسى: ﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ (القصص: ١٠)، فهي لم تبد لهم بحقيقة أمومتها لموسى؛ لأن الله ربط على قلبها، وكذلك لم يهم يوسف بالمعصية لأنه رأى برهان ربه.
ومثله أيضاً في قول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٤)، فالركون لم يقع منه ﷺ لوجود التثبيت من الله، وكذلك الهمُّ لم يقع من يوسف ﵇ لوجود برهان الله أي تثبيته وعصمته.
ومثله في كلام الناس معروف: لقد رسبتُ لولا أني درست، فهو يفيد - في ذهن السامع- النجاح لا الرسوب، وأن ذلك سببه الدراسة.
قال أبو حيان: "والذي أختاره: أن يوسف ﵇ لم يقع منه همّ بها
стр. 151
البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله .. ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة، وبراءة يوسف ﵇ من كل ما يشين" (١).
ثم لو فرضنا وقوع الهمِّ بالفاحشة من الصديق يوسف؛ فإن الهمَّ في لغة العرب حديث النفس بمواقعة أمر، فإن كان الهمُّ في أمر حسن فهو حسن، وإن كان في أمر سوء لم يكن سوءاً إلا بترقي الهمِّ إلى العزم أو الفعل (٢)، وإلا كان تركه لله سبباً في اكتساب الحسنات والمنزلة عند الله، يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يقول الله: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه؛ حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف» (٣)، فلو وقع همٌّ بالسوء من يوسف فهو له حسنة، لأنه لم يترقَ إلى فعل، فقد تركه لله وخوفاً منه «وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة».
стр. 152
وأخيراً فإن ما ورد في بعض كتب التفسير من أقوال في همِّ يوسف لم يصح منه شيء عن النبي ﷺ ، وهي ومثلها من الإسرائيليات كثير في كتبهم التي لم تخلُ من أساطير أهل الكتاب وحكاياتهم؛ الغث منها والسمين، ورحم الله أبا حيان الأندلسي فقد أصاب وأجاد في قوله: "طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق .. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضاً، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلاً عن المقطوع لهم بالعصمة .. وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب ومساق الآيات" (١).
وأما الشيخ ابن تيمية، فيرى أن هذه القصص المكذوبة المروية في كتب المسلمين من مرويات وقصص أهل الكتاب "وما ينقل من أنه حلَّ سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه رأى صورة يعقوب عاضّاً على يده وأمثال ذلك، فهو مما لم يخبر اللهُ به ولا رسولُه، وما لم يكن كذلك فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذباً على الأنبياء، وقدحاً فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا ﷺ حرفاً واحداً" (٢).
وهكذا يستبين لكل منصف براءة القرآن من المعاني الباطلة التي حاكها الأفاكون بجهلهم أو بتعاميهم عن معاني الآيات القرآنية التي تعتبر هؤلاء الأنبياء خيرة الله في أرضه، كيف لا! وهم رسل الله الأطهار ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ (ص: ٤٧).
стр. 153
الأباطيل المتعلقة بشخص النبي ﷺ -
أولاً: قصة الغرانيق
قالوا: النبي [ ﷺ ] يعرض له الشيطان كما يعرض لغيره من الناس، فيختلط عليه القرآن بغيره، واستدلوا لهذه الفرية بقصة الغرانيق التي أوردها المفسرون في سياق تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج: ٥٢).
والقصة - كما ذكرها المفسرون - تتلخص في أن النبي ﷺ كان في مجلس قريش، فنزلت عليه سورة النجم، فقرأها على المشركين حتى إذا بلغ قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (النجم: ١٩ - ٢٠)، فألقى الشيطان على لسانه: (تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن لتُرتَجى).
ففرحت قريش، وسجدوا مع النبي ﷺ في آخرها، وقالوا: لقد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر (١).
والجواب: أول ما يجدر التنبيه عليه أن ورود هذه الروايات في كتب المفسرين أو قصاص السير لا يعني صحتها ولا توثيقها بحال من الأحوال، وقد نبه على ذلك غير واحد من العلماء، ومنهم الطبري في تاريخه بقوله: "ما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتِي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنا إنما أدينا ذلك
стр. 154
على نحو ما أُدِي إلينا" (١)، ومثله قول الكمال ابن الهُمام: "كتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة" (٢).
وممن أورد هذه القصة ابن إسحاق في سيرته، مع اعتقاده ببطلانها، وعنه نقلها من نقل، يقول أبو حيان: "سئل عنها الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتاباً" (٣)، فإيراده ﵀ هذه الروايات في كتابه ليس توثيقاً لها، بل هو على عادة قصاص السير في ترك التحري في أخبار السير وقصصها.
وإن قصة الغرانيق من أضعف ما رواه المفسرون في تفاسيرهم، فجميع أسانيدها ضعيفة أو منقطعة، وهي في جملتها موقوفة على جماعة من التابعين الذين لم يشهدوا القصة، ولم يرووها عمن حضرها من الصحابة، فهي موقوفة على التابعين سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية.
ولم تتصل أسانيد هذه القصة إلى الصحابة إلا فيما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (٤)، وما رواه البزار من طريق أمية بن خالد بإسناده إلى ابن
стр. 155
عباس مع تنبيهه إلى شك الراوي في رفعها إلى ابن عباس، فقال: "عن ابن عباس فيما أحسب"، وهذا كما قال البزار: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير" (١). فهذا يؤكد الشك في الرواية المرفوعة المسندة بإسناد مقبول.
ويجدر بالذكر أن البخاري ذكر في صحيحه من رواية ابن عباس قصة سجود المشركين ولم يذكر شيئاً عن موضوع الغرانيق (٢)، ومثله في رواية أبي داود عن ابن مسعود، وكذلك رواية أحمد عن المطلب بن أبي وداعة السهمي، وكان ممن حضر يومئذ مع المشركين (٣).
وقد رد المحققون من أهل العلم قصة الغرانيق، وبالغوا في التحذير من روايتها وبيان ضعفها، قال ابن كثير: "لم أرها مسندة من وجه صحيح"، وقال: "وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات ".
وقال ابن خزيمة: "إنها من وضع الزنادقة".
وقال أبو حيان الأندلسي: "قال البيهقي: هي غير ثابتة من جهة النقل، وقال ما معناه: إن رواتها مطعون عليهم وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثة شيء مما ذكروه فوجب اطّراحه. ولذلك نزهت كتابي عن ذكره فيه".
وأما القرطبي فقال: "وضعف الحديث مُغنٍ عن كل تأويل".
стр. 156
وكذلك ضعفها ابن حزم بقوله: "والحديث الذي فيه: وإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترجى. فكذب بحت لم يصلح من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد" (١).
وقال القاضي عياض: " هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم" (٢).
стр. 157
قال الرازي: "وأما أهل التحقيق فقد قالوا: هذه الرواية باطلة وموضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن والسنة والمعقول" (١).
وإضافة إلى الضعف الذي يكتنف سند القصة؛ فإن في متونها من التناقض والخلل ما يكفي لردها وإبطال الشبهة المثارة من خلالها، ومن ذلك:
١ - ما نبه العلماء عليه من تعارض روايات قصة الغرانيق الضعيفة وغير المتصلة بالإسناد إلى من حضر الواقعة، يقول القاضي بكر بن العلاء المالكي: "لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته، فقائل يقول: إنه في الصلاة، وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سِنة، وآخر يقول: بل حدث نفسه فيها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وأن النبي ﷺ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ﷺ قرأها، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: والله ما هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف الرواة" (٢).
قال الباقلاني: "وهذا الخبر من أخبار الآحاد، مضطرب الرواية، مختلف
стр. 158
الألفاظ" (١).
٢ - أن العرب لا تطلق كلمة (الغرنوق) على الأصنام، بل هو اسم لطائر مائي أبيض أو أسود، وفي ذلك يقول الأصمعي:
يظلّ تغنّيه الغرانيق فوقه ... آباء وغيلٌ فوقه متآصر (٢)
ومثله قول ابن السكيت: الغرانيق: طير مثل الكراكي، الواحد غرنوق، وأنشد:
أو طعم غاديةٍ في جَوفِ ذِى حَدَبٍ ... من ساكن المُزْن يجري في الغَرَانيق (٣)
ومن معاني الغرنوق المذكورة في قواميس العرب: الشاب الأبيض الناعم، ومنه قول الليث:
ألا إنَّ تَطْلاَبِي لمثلك زَلةٌ ... وقد فات ريعانُ الشباب الغُرانِقِ
كما يطلق في لغة العرب أيضاً على النبات اللين (٤).
ولا تشابه بين سائر هذه المعاني العربية والأصنام، وغاية ما وجدته في هذا الصدد ما نقله الزبيدي بصيغة التمريض والتضعيف، وهو قوله: "وقيل: هو الكركي، شبهت الأصنام بالطيور التي تعلو وترتفع في السماء على حسب زعمهم" (٥).
ونقل المفسرون عن الحسن أن المقصود بالغرانيق العلى؛ الملائكة المرتفعة في السماء، وهؤلاء ترتجى شفاعتهم، إذ هم ممن أذن الله لهم في الشفاعة، كما جاء في السياق القرآني في سورة النجم في قوله تعالى: ﴿وكم من ملكٍ في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ (النجم: ٢٦).
стр. 159
٣ - أن السياق القرآني في سورة النجم التي ذكروا أن هذه الكلمات ألقيت على النبي ﷺ فيها يندد بأصنام المشركين ومعبوداتهم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (النجم: ١٩ - ٢٣)، فلو كان النبي ﷺ نطق بتلك الكلمات فإن في السياق ما يبين براءته من الأصنام وكفره بها، فلو كان المشركون سمعوا من النبي ﷺ مدحاً لأصنامهم وهو يقرأ آيات سورة النجم المشنعة على هذه المعبودات الباطلة لقالوا له: ما بالك تشتم آلهتنا وتذكر أنها معبودات باطلة نعبدها نحن وآباؤنا من غير سلطان من الله، ثم أنت تقول: شفاعتهن ترتجى! لكن شيئاً من ذلك لم يكن، لأن القصة مختلقة وغير صحيحة.
يقول ابن كثير: " استحالة هذه القصة نظراً وعرفاً، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي ﷺ ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه" (١).
٤ - لا علاقة بين أسطورة الغرانيق المكية وآيات سورة الحج المدنية، والتي ورد فيها قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج: ٥٢)، فقد ربط بينهما من وصفهم القاضي عياض بأنهم "المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم" (٢).
стр. 160
ولو أغمضنا الطرف عن مدنية سورة الحج ومباينتها للأسطورة المكية؛ فإن في تمام آيات سورة الحج ما يرد على القادحين بوحي القرآن، ففي تمام الآية السابقة أن الله يحفظ آياته ويحكمها؛ وأنه يبطل عنها ما يلقيه الشيطان ﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج: ٥٢)، فبإحكام الله لآياته يزول كل لبس وتنجلي كل شبهة إلا عند أصحاب القلوب المريضة الذين تصور الآيات افتتانهم بهذا الذي ألقاه الشيطان وأبطله الله ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الله لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحج: ٥٣ - ٥٤).
٥ - تتعارض روايات الغرانيق مع عصمة الله أنبياءه ﵈ من تسلط الشيطان عليهم وتخليط باطله بالوحي المنزل إليهم، فالله يثبت أنبياءه ﵈ ويمنعهم مما يعرض لغيرهم من عوارض الضعف البشري الذي يخل بمنصب النبوة والرسالة، ومن مثل ذلك قول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ (الإسراء: ٧٣ - ٧٥)، فتثبيت الله تعالى له نفى عنه المقاربة والميل إلى الكافرين.
وقد امتن الله على نبيه ﷺ بهذه العصمة الإلهية، فهي بعض فضل الله عليه ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (النساء: ١١٣).
يقول ابن كثير: "قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو
стр. 161
كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ﵇، وذلك كله ممتنع في حقه ﷺ ، أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمداً - وذلك كفر - أو سهواً، وهو معصوم من هذا كله" (١).
وثمة سؤال يطرح نفسه: إذا بطلت قصة الغرانيق وظهر خطأ المعنى الذي تداوله المفسرون فما معنى الآية التي في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (الحج: ٥٢)؟.
وفي الإجابة نقول: إن معنى الآية يدور على فهم معنى قوله تعالى: ﴿إذا تمنى﴾، وقد ذكر جمهور المفسرين أنه بمعنى (قرأ) أو (تلا)، وهذا التأول للتمني بمعنى التلاوة جائز من الناحية اللغوية، ويتساوق مع روايات الغرانيق الضعيفة التي أوردوها في كتبهم، وقد يشهد له قوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾.
لكن المعنى الذي اختاره جماعة من المحققين أن قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾ على ظاهره، من الأمنية كما ذهب إليه الفراء والكسائي وغيرهما (٢).
قال الرازي بعد أن ذكر ارتباط معنى التمني بالتلاوة بسبب روايات الغرانيق الباطلة: "وأما إذا فسرناها [أي قوله: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾] بالخاطر وتمني القلب؛ فالمعنى أن النبي ﷺ متى تمنى بعض ما يتمناه من الأمور؛ يوسوس الشيطان إليه بالباطل ويدعوه إلى ما لا ينبغي؛ ثم إن الله تعالى ينسخ ذلك ويبطله ويهديه إلى ترك الالتفات إلى وسوسته" (٣).
стр. 162
ثانياً: سحر النبي ﷺ -
قالوا: تعرض النبي [ ﷺ ] للسحر، وهذا يلقي بظلال الشك على ما أتى به من أخبار، إذ قد يكون بعض ما يقرأه على أنه من القرآن إنما هو من تأثير السحر، وهذا يوجب الشك في كل القرآن.
وقالوا: إن سحر النبي يدل على تسلط الشيطان عليه، وهذا يقدح في أهلية الرسول لحمل الرسالة الإلهية، فالقرآن يجزم أن الشيطان لا يتسلط إلا على أوليائه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: ٩٩ - ١٠٠).
وفي الجواب نقول: إن الأنبياء بشر، يعرض لهم ما يعرض لسائر البشر من مرض وهم وحزن وغضب وابتلاء وقتل، ولا يمتازون عنهم إلا بما خصهم الله من الوحي وما يستلزمه ذلك من تأييد بالحجة والبرهان ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ (فصلت: ٦).
وقد تعرض الأنبياء لصنوف البلاء التي صبها عليهم شياطين الإنس والجن ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: ١١٢)، لكن هذا التسلط الشيطاني لم يجاوز أجسادهم، ولم يصل - لعصمة الله لهم- إلى أرواحهم؛ لأنهم أولياء الله ﵎ يصدق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (الحجر: ٤٢)، فلم يقع منهم كبير ذنب ولا قبيحه، لأنهم رسل الله، والرسول على قدر المرسِل.
ووفق هذا المبدأ يرفض المسلمون ما تطفح به كتب أهل الكتاب من اتهام الأنبياء بالزنا أو السكر أو عبادة الأصنام، فهذا كله إنما يقع بتسلط الشيطان، وهم معصومون منه بقوة الله وحفظه.
стр. 163
وكذلك كان نبينا ﷺ ، فلم يتسلط شيطان عليه، ولم تقع منه القبائح قبل السحر ولا بعده، وغاية الأمر في حادثة سحره ﷺ أن الشيطان آذاه في جسده، كما تؤذيه - وإخوانه الأنبياء- شياطينُ الإنس، بل والجراثيم، فيصاب بالأمراض والأذى وغيرهما من العوارض التي لا يسلم منها بشر، لكن ذلك لا يخلُّ - بحال من الأحوال - بأهليته للرسالة وعصمته عن الخطأ في البلاغ عن الله، فما ينقله النبي ﷺ عن ربه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ - ٤).
ولهذا كان عبد الله بن عمرو يكتب كل شيء يسمعه من رسول الله ﷺ ليحفظه، فنهته قريش، وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ يقول عبد الله: فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" (١)، فهو ﷺ معصوم في كل أحواله من الزلل والغلط.
والسحر على أنواع بعضها دون بعض، ومن أنواعه سحر التخييل، حيث يتخيل المسحور أنه فعل شيئاً من غير أن يكون قد فعله حقيقة، كما وقع لموسى ﵇ حين ألقى سحرة فرعون حبالهم وعصيهم ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (طه: ٦٦).
وهذا النوع من السحر هو ما أصاب النبي ﷺ حين سُحر، وقد انحصر أثره في علاقة النبي ﷺ الجسدية مع أزواجه، فكان يخيل إليه أنه يجامع نساءه من غير أن يكون ذلك حقيقة، تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: (مكث النبي ﷺ كذا وكذا يخيل إليه أنه يأتي أهله، ولا يأتي) (٢)، قال القاضي عياض: "فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه؛ لا على تمييزه ومعتقده" (٣).
стр. 164
ويجدر التنبيه هنا إلى أنه لا يلزم من تخيله ﷺ أنه فعل الشيء الذي لم يفعله أن يجزم بتخييله ذاك، فقد يكون تخييله من جنس الخاطر الذي يخطر على باله ولا يثبت (١)، وهو أمر قد يحصل لأي أحد من غير سحر ولا نفث عقد.
وقد اعتبرت الملائكة ما أصاب النبي ﷺ من السحر من جنس المرض الذي يصيب الأنبياء وغيرهم، فقال «أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟» فاعتبراه مريضاً، وكذلك اعتبره النبيُّ ﷺ ، فقد قال في آخر الحديث: «فأما أنا فقد شفاني الله» (٢)، وفي رواية: «إن الله أنبأني بمرضي»، وكذلك ورد في حديث عائشة قولُها: (فكان يدور ولا يدري ما وجعه) (٣)، وقال ابن عباس: (مرض النبي ﷺ ، وأُُخذ عن النساء والطعام والشراب) (٤).
وفي قصة سحره ﷺ فوائد، منها: قطع ذرائع الغلو في شخصه ﷺ ، والإيمان أنه بشر كسائر البشر ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ (الإسراء: ٩٣).
ومنها الدلالة على نبوته ﷺ (٥)، فقد قالت أخت الساحر لبيد: "إن يكن نبياً فسيُخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله" (٦)، وقد كانت الأُولى حين أخبر، ثم شفي لما أنزل الله عليه المعوذتين.
стр. 165
ثالثاً: هل النبي ﷺ مصاب بالصرع ؟
قالوا: النبي ﷺ مصاب بالصرع، وهذا الذي يأتيه فيزعم أنه من الوحي إنما هو بعض آثار هذا المرض، واحتجوا لذلك بما كان يرافق النبي ﷺ من أحوال غير معتادة، وقعت له ﷺ بسبب ثقل الوحي عليه.
والجواب: لكم يعجب المرء لهذه الأُبطولة، فلئن أنكر القوم نبوته ﷺ أفتراهم ينكرون أنه غيَّر واقع العرب من قبائل متناحرة؛ لاحظ لها بالعلم والمعرفة والمدنية فأقام منهم أمة قادت الحضارة الإنسانية ثمانية قرون!؟ أم تراهم ينكرون ما قدمه ﷺ من إصلاح اجتماعي وأخلاقي جعل المسلمين أفضل الأمم أخلاقاً وأحسنهم أوضاعاً من الناحية الاجتماعية!؟ أفيصنع هذا مريض بالصرع يحتاج من يعينه على تدبر أمره وإصلاح حاجاته الشخصية!؟ ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (النساء: ٧٨).
لقد صدق المستشرق نورمان في شهادته التي تنبئ عن عقل ودراية بأحوال الأمم وتطور الشعوب، حيث يقول: "لو كان محمد يعاني منذ طفولته من مرض عضال حقاً، لما تخلى عن تلك الذريعة أبداً، بل من غير المعقول أن ينجز رجل مريض ما أنجز محمد، فقد كان تاجراً موهوباً هادئ الطبع، وقراراته عادة ما تصدر عن غريزة سياسية ذكية متبصرة .. وكان قائداً بعيد النظر للدولة ولمجتمع ديني نامٍ على حد سواء، وهذه كلها تظهر بما لا يدع مجالاً للشك أنه كان سليماً معافى .. والذين يقولون بهذا الكلام لم يحلُّوا المشكلة بقدر ما زادوها تعقيداً، ويجب أن يساورنا الشك مستقبلاً في إمكانية أي ظاهرة خلل في سلوك محمد" (١).
ويقول المستشرق الألماني الطبيب ماكس مايرهوف: "أراد بعضهم أن يرى
стр. 166
في محمد رجلاً مصاباً بمرض عصبي أو بداء الصرع، ولكن تاريخ حياته من أوله إلى آخره، ليس فيه شيء يدل على هذا، كما أن ما قام به فيما بعد من التشريع والإدارة يناقض هذا القول" (١).
ثم إن الصرع مرض معروفة أعراضه، كاصفرار الوجه، وذهول العقل، وغياب الذاكرة، وارتعاش الجسد، وفقدان السيطرة على الجسم، وغالباً ما يصحبه تقيؤ وإفرازات لعابية، وقد يصحبه تبول لا إرادي، وغير ذلك مما نعرفه من أحوال المصروعين، فهل كان شأنه ﷺ حال الوحي كحال المصروعين؟
للوقوف على جواب السؤال ومعرفة حقيقة ما يرافق الوحي من أحوال؛ فإننا يمكننا رصد عدة مظاهر:
١ - يُسمع صوت أزيز بجوار أذنه، ثم ينفصل عنه وقد وعى ما أوحي إليه، يقول ﷺ : «أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال» (٢)، ويقول عمر بن الخطاب ﵁: (كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل) (٣).
٢ - يصيبه تعرق شديد حتى في الليلة الباردة، تقول عائشة: (فلقد رأيت رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه؛ وإن جبينه ليتفصد عرقاً) (٤).
٣ - تغشاه السكينة ويطرِق برأسه إلى الأرض، فأما غشيان السكينة عليه فيخبر به زيد بن ثابت بقوله: (إني قاعد إلى جنب النبي ﷺ يوماً إذ أوحي إليه،
стр. 167
وغشيته السكينة، ووقع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة) (١).
وأما إطراقه إلى الأرض ففي قول ابن عباس: (كان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله) (٢)، أي وعده الله أن يمكنه في قلبه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٧)، ويقول عبادة بن الصامت: (كان النبي ﷺ إذا أنزل عليه الوحي؛ نكس رأسه ونكس أصحابه رؤوسهم) (٣).
٤ - يحمر وجهه كأنه غضب، ففي حديث عبادة بن الصامت قال: (كان نبي الله ﷺ إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك، وتربد وجهه) (٤) أي تغير لونه، وفي حديث يعلى بن أمية: فإذا النبي ﷺ محمر الوجه كذلك ساعة، ثم سري عنه) (٥).
ولما ذكرت أم المؤمنين عائشة غضب رسول الله ﷺ ، قالت: (فتمعر وجهه تمعراً ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي) (٦).
٥ - يسمع له ﷺ غطيط، فإذا سري عنه أخبر بما أوحي إليه، يقول يعلى بن أمية: فنظرت إليه له غطيط .. فلما سري عنه قال: «أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» (٧).
٦ - يثقل وزنه، يقول زيد بن ثابت: (فأنزل الله ﵎ على رسوله
стр. 168
- ﷺ وفخذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي) (١).
ويقول عبد الله بن عمرو: (أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها) (٢).
وتقول أم المؤمنين عائشة: (إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها) (٣).
وأما أسماء بنت يزيد فتقول: (إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ إذ أنزلت عليه المائدة كلها؛ فكادت من ثقلها تدق بعضد الناقة) (٤).
وهذه الأحوال المنقولة عن النبي ﷺ هي على خلاف ما نعرفه من أحوال المصروعين، وسببها ثقل الوحي النازل عليه ﷺ : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (المزمل: ٥)، فالوحي هو حالة فريدة لا يعرفها إلا الأنبياء، والموحى به هو كلام الرب الذي ذلت لعظمته الرقاب.
وهذه الحال لم يتفرد بها النبي ﷺ ، بل أصابت من سبقه من الأنبياء، يقول الأب متى المسكين: "الغيبوبة أو اختطاف العقل أو الجذب الروحي عند الأنبياء .. هكذا وصف آباء الكنيسة الأولون حالة الذهن عند الأنبياء .. حيث يكون الوعي بالنفس مغلقاً نوعاً ما، حيث يكون عقل النبي خارج الحدود الطبيعية، ومرتفعاً لمنطقة الإلهام والوعي الفائق للعقل .. والشخص يكون في حالة شبه غيبوبة؛ ليستطيع أن يطلع على ما هو فوق العقل" (٥).
стр. 169
وضرب الأب المسكين أمثلة لهذه الغيبوبة من الكتاب المقدس، ونكتفي بذكر ثلاثة مواضع من الكتاب المقدس تتحدث عن أحوال الأنبياء عند الوحي؛ وإن كنا لا نسلم بنبوة بعضهم، وأولها ما جاء عن بولس (الرسول)، حيث يقول: " وحدث لي بعد ما رجعت إلى أورشليم، وكنتُ أصلّي في الهيكل أني حصلت في غيبة، فرأيته قائلاً لي: أسرع واخرج عاجلاً من أورشليم، لأنهم لا يقبلون شهادتك عني" (أعمال ٢٢/ ١٧ - ١٨)، فبولس يتحدث عن غيبة حصلت له وهو يوحى إليه حسب زعمه.
وفي سفر دانيال يحكي النبي دانيال عن الأثر الكبير الذي تركه الوحي عليه: "فبقيت أنا وحدي، ورأيت هذه الرؤيا العظيمة، ولم تبق فيّ قوة، ونضارتي تحولت فيّ إلى فساد، ولم أضبط قوة، وسمعت صوت كلامه، ولما سمعت صوت كلامه كنت مسبّخاً على وجهي، ووجهي إلى الأرض، وإذ بيد لمستني وأقامتني مرتجفاً على ركبتيّ وعلى كفيّ يديّ" (دانيال ١٠/ ٧ - ١٠).
ومثله في قوله: "أنا دانيال ضعفتُ ونحلت أياماً، ثم قمت وباشرت أعمال الملك، وكنت متحيّراً من الرؤيا ولا فاهم" (دانيال ٨/ ٢٧).
إن تهمة الإصابة بالصرع لم تصدر عن واحد من معاصريه ﷺ رغم استحكام العداء بينهم وبينه، ورغم حرصهم على تلفيق الكاذب من التُّهم كاتهامه ﷺ بالسحر والجنون وقول الشعر، لكن لم يتهموه بالصرع أبداً، فدل ذلك على أن الأمر لا يعدو أن يكون أبطولة من نسج خيال المبطلين المتأخرين.
إن أحداً من العقلاء لن يقبل فكرة أن هذا الرجل الذي أنشأ الأمة التي قادت الحضارة الإنسانية كان مريضاً، ولسوف يصبح مضحكة للصغار قبل الكبار حين يقول: إن هذا القرآن العظيم ببيانه وإعجازه وأسلوبه كان نتيجة وأثراً لمرض عضال.
وهكذا تبين براءة شخص النبي ﷺ مما يقوله الأفاكون عنه، وأن ما يقولونه لا يعدو ما قاله إخوانهم في الإفك من كفار قريش، حين رموه بالجنون والكهانة والشعر، حسداً منهم لشخصه ﷺ ونبوته.
стр. 170
القرآن والمسيحية
أولاً: القرآن وألوهية المسيح
قالوا: القرآن وافق المسيحية في معتقداتها وبخاصة تأليه المسيح، فقد ذكر بأنه كلمة الله وروحه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ (النساء: ١٧١)، فهذا عين ما يقوله النصارى عنه، فكلمة الله ليست مخلوقة، بل هي كلمة أزلية، وكذلك روحه هي حياته، وإذا كان كذلك فالمسيح أزلي، والأزلية من لوازم الربوبية والألوهية.
ومضى بعضهم إلى القول: إن القرآن المكي كان يمتدح النصارى ويتقرب إليهم بسبب علاقة النبي ﷺ بخديجة ابنة عم ورقة بن نوفل وبالنجاشي الذي آوى المسلمين في الحبشة، وأن القرآن المدني هو الذي سجل موقفاً رافضاً للمسيحية، خلافاً للقرآن المكي.
وفي الجواب نقول: القرآن المكي والمدني كلاهما من عند الله، وليس في أي جزء منه ما ينقض الجزء الآخر، بل تتكامل آياته المكية والمدنية في رفض مظاهر الشرك المسيحية المتمثلة في عبادة المسيح ﵇ والقول بالثالوث.
ولعله يحسن أن نبدأ بما جاء في السور المكية حول هذا الموضوع، ثم ننتقل إلى المدنية منها.
ففي الحبشة وقف المسلمون الملتجئون إلى النجاشي بين يديه فسألهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول " (١)، وهذا القول مصداق ما أنزل الله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
стр. 171
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِله أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (مريم: ٣٠ - ٣٧)، فهذه الآيات المكية ناطقة بعبودية المسيح لله، وأنه مخلوق بكلمة (كن)، وأن الله متوعد بعذابه الذين خالفوا الحقيقة وتنكبوها في شخص المسيح.
ومن أراد مزيد بيان فليصخ السمع إلى التقريع الذي ترتجف لقوته الأفئدة وتهتز القلوب، تقريع يشنع فيه القرآن المكي على من زعم أن لله ولداً ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: ٨٨ - ٩٥).
لقد كان القرآن الكريم صريحاً في التشنيع على أقوال النصارى في المسيح، وإثبات عبوديته لله في الآيات المكية والمدنية على السواء، ففي المكي يقول: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الزخرف: ٥٧ - ٥٩).
ثم تمضي الآيات لتقول: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا الله وَأَطِيعُونِ إِنَّ الله هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا
стр. 172
مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (الزخرف: ٦٣ - ٦٥).
وفي المدني يقول الله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ (النساء: ١٧٢)، وفي سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧)، فأي فرق يجده القارئ بين القرآني المكي والمدني؟!
وكما كان القرآن المكي صريحاً في اعتبار المسيح رسولاً من رسل الله الكرام ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦)، فإن القرآن المدني كان كذلك: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٤٦)، وقوله: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَالله هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (المائدة: ٧٥ - ٧٦).
وهكذا تبين بطلان الدعوى باختلاف حديث القرآن المكي عن المدني في المسيح ﵇، فالكل من عند الله علام الغيوب.
وإذا كان كذلك، فكيف يتوافق القول بعبودية المسيح مع القول بأنه كلمة
стр. 173
الله وروح منه؟!
وبداية ننبه إلى أن هذا الاستدلال المغلوط قديم، قاله نصارى نجران بين يدي النبي ﷺ حين سألوه: " ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ فقال: «بلى». قالوا: فحسبنا. فأنزل الله : ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧) (١)، فهذا القول من الفتنة لما فيه من التلبيس اعتماداً على المتشابه من القول، أي ما يحتمل معاني مختلفة.
ولو قرؤوا الآية بتمامها لوجدوا فيها بيان ما تشابه عليهم، فهي تنعى عليهم غلوهم في شخص المسيح، وقولهم بأنه ابن الله، وأنه مشترك مع الله في الثالوث ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِالله وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا الله إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِالله وَكِيلاً لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لله وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ (النساء: ١٧١ - ١٧٢)، فالمسيح عبد الله ورسوله، وهو أيضاً كلمته وروح منه.
فماذا يعني قولنا: المسيح كلمة الله؟ هل يعني أنه ﵇ صفةُ الكلام الأزلية لله؟ بالطبع: لا، فالمسيح كلمة الله المخلوقة، لا الكلمة التي يخلق الله بها خلقه [كن]، وهذا صريح القرآن ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل
стр. 174
عمران: ٤٥ - ٤٧)، فصرحت الآيات أن المسيح ﴿كَلِمَةٍ مِنْهُ﴾، وأكمل السياق القرآني فوصفه بأنه مخلوق ﴿الله يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
فكيف تكون كلمة الله مخلوقة مع يقيننا بأن القرآن كلام الله المنزل غير المخلوق؟
ولتقريب معنى "كلمة الله" نضرب مثلاً بعبارة "اضطهاد اليهود"، فهي تدل على معنيين متغايرين صحيحين:
الأول: "اضطهاد النازيين لليهود"، أي أنها تدل على المفعول.
الثاني: "اضطهاد اليهود للفلسطينيين"، أي أنها تدل على الفاعل.
وهكذا اختلفت دلالة العبارة بين هذين المعنيين.
ومثلها قولنا: "كلمة الله" فيمكن أن تدل على كلمة الله التي خلق بها الأشياء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢)، كما يمكن أن تدل على ما خُلق بهذه الكلمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩)، والباحث عن الحق يختار منهما ما وافق السياق، وانسجم مع المعاني المحكمة؛ خلافاً لأصحاب القلوب المريضة الذين يختارون من المعاني ما يوافق أهواءهم؛ ولو خرج بالنصوص عن مساقها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧).
وسبب اختصاص المسيح بهذا الاسم الشريف دون غيره من المخلوقين بكلمة الله؛ أنه خلق من غير تدخل أبوي، خلق بأمر الله وكلمته التكوينية (كن)، ولما لم يكن للمسيح سبب بشري قريب ينسب إليه من جهة أبيه كغيره من الناس؛ فقد نُسب إلى السبب البعيد، وهو تخليقه بكلمة الله، التي تخلّق وفق إرادة الله
стр. 175
تبارك وتعالى (١).
ومما يؤكد أن مقصود القرآن بالكلمة؛ كلمة الله التي كانت سبباً في وجوده، لا المعنى الفلسفي الذي يزعمه النصارى (اللوغس) (٢) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٤٥)، فهو كلمة من الله، وليس صفة الله الأزلية.
وأما قوله ﵎ عن المسيح ﴿وروح منه﴾ فلا يفيد أن المسيح روح الله أو حياته كما نطق بذلك فلاسفة المسيحية، لأن قوله: ﴿منه﴾ ليست للتبعيض، بل لابتداء الغاية، بمعنى صادرة عنه، فهي كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ (الجاثية: ١٣)، أي خلقت منه.
ويجدر هنا التنبيه إلى أنه ليس من المسلمين أحدٌ يعتقد أن الروح صفة من صفات الله القائمة بذاته، بل الأرواح جميعاً مخلوقاته ﵎، ونسبتها إليه من باب نسبة المخلوق إلى خالقه وموجده، وهو من باب التشريف، كقولنا: بيوت الله، شعب الله، وأمثالهما.
ولا يختص المسيح بأنه روح الله، فقد قال الله عن الصديقة البتول مريم: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ (مريم: ١٧)، فالمراد بالروح في الآية جبريل ﵇، كما سماه الله في آية أخرى روح القدس: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (النحل: ١٠٢)، وفي آية أخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (الشعراء: ١٩٣)، وسبب تسميته بالروح أنه مخلوق روحي غير مادي.
وقد تمثل جبريل (روح الله) للعذراء في صورة رجل ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا
стр. 176
فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ (مريم: ١٧)، فنفخ في جيبها، فسرى المسيح في أحشائها، فالمسيح خلق بنفخة منه ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ (الأنبياء: ٩١).
وهذا المعنى الشريف ورد في حق آدم أيضاً الذي خلق من طين، ثم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (الحجر: ٢٩)، فإضافة روحه ﵇ إلى الله إضافة تشريف وتكريم، ولو أوجبت هذه الإضافة معنىً خارجاً عن الإنسانية؛ لكان آدم أولى بذلك من المسيح ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩).
ثانياً: هل امتدح القرآن النصارى ؟
قالوا: امتدح القرآن النصارى، وذكر بأنهم في الجنة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢).
والجواب: كما كان القرآن واضحاً في بيان وحدانية الله وعبودية المسيح وبشريته؛ كان صريحاً في إضلال القائلين بألوهيته وربوبيته وتكفيرهم، وهذا منثور في مواضع كثيرة من القرآن، منها قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: ١٧)، وقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٣)، فهاتان الآيتان وغيرهما واضحتان في بيان كفر القائلين بعقيدة التثليث وألوهية المسيح.
ولكن هذا الحكم القرآني لا يسري على المسيح الذي تبرأ من هذه المعتقدات ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢)، كما لا يسري الحكم بالكفر والنار على أتباعه المخلصين المؤمنين الذين آمنوا بالله وحده،
стр. 177
وشهدوا للمسيح بالرسالة فحسب، واتبعوه ونصروه ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٥٢ - ٥٣)، وفي موضع آخر يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١)، فهؤلاء من خيرة لله في خلقه، وهم مؤمنون بالمسيح الرسول، وبريئون من معتقدات النصارى التي استقاها المسيحيون من أقوال بولس والمجامع الكنسية من بعده.
إن هذه الثلة المؤمنة ممدوحة في القرآن ولا ريب، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿أنصار الله﴾ (الصف: ١٤)، ومدحة الله لهم في القرآن تسري على كل مؤمن مشى على نهجهم إلى يوم الدين (١).
ولما بعث النبي ﷺ كان لمنهجهم بقايا على الأرض تمثل في أشخاص أحبهم الله؛ لاستقامتهم على التوحيد، وإعراضهم عن مذاهب التثليث والشرك التي كرهها الله، يقول ﷺ : «وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (٢).
فهؤلاء ومن سلفهم من المؤمنين هم الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢)، وقد ذُكر في سبب نزولها أن سلمان حدَّث النبيَّ ﷺ عن أصحابه النصارى الذين كانوا على
стр. 178
الإيمان الخالص بالله قبل مبعث النبي ﷺ ، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله ﷺ : «يا سلمان، هم من أهل النار». فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١).
وهذا المعنى بينٌ واضح لمن قرأ الآية في سياقها فتدبر الآيات التي قبلها والتي بعدها، حيث تكفر الآيات قبلها اليهود والنصارى، وتنسب إليهم الإساءة إلى الله، وتتوعدهم بالنكال والعذاب: ﴿وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَالله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: ٦١ - ٦٤)
ويستمر السياق القرآني بعدها في تكفيرهم مع استثناء المؤمنين منهم ممن كان على منهج الأنبياء ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٨ - ٦٩).
فمن المحتم أن الذين سماهم الله في آخر الآية: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ ليسوا الذين تحدث عنهم صدر الآية التالية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى﴾، فهؤلاء غير الأولين، هؤلاء من المؤمنين بدليل ما ذكر في الآية في
стр. 179
وصفهم: ﴿مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، والمرء لا يكون مؤمناً بالله بمجرد الإيمان بوجوده، فقد آمن بذلك كفار قريش، ولم يستحقوا هذا الاسم الشريف الذي يختص به من آمن بالله ﵎ وحده رباً وإلهاً، فلم يعبد معه أحداً غيره.
ثم يمضي السياق القرآني ليقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٢ - ٧٥)، ويستمر السياق القرآني إلى آخر آيات السورة وهو يتحدث عن كفر النصارى، فلِم أعرض القائلون بمدحة الله للنصارى عن هذا كله، وبتروا الآية من سياقها؟!.
ثالثاً: من أتباع المسيح ؟
قالوا: وصف القرآن النصارى بأنهم أتباع المسيح الموعودون بالظفر على الكافرين إلى يوم القيامة: ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: ٥٥)، وهذا كله يدل على صحة طريقتهم ودينهم؛ خلافاً لما يقوله المسلمون من تكفيرهم، وأنهم من أهل النار.
стр. 180
والجواب: قد سبق لنا بيان الموقف القرآني من النصارى القائلين بألوهية المسيح والتثليث.
وأما بخصوص هذه الآية فهي تمتدح أتباع المسيح ﵇، وهم المسلمون الذين يصدقون أقواله: ﴿وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧)، والمسلمون هم الذين يقولون: ادعاء الألوهية للمسيح ليس بحق، في حين يزعم النصارى أنه إله معبود بحق.
ووفق هذا فإن المسلمين هم أتباع المسيح، وقد قال ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (١).
إن الدلالة على اتباع المسلمين للمسيح ومفارقة النصارى له ليست من القرآن فحسب، بل هي في كتابهم أيضاً؛ فإن قارئ العهد الجديد (الإنجيل) لن يجد فيه حرفاً واحداً يتحدث فيه المسيح عن ألوهية نفسه، بل على العكس من ذلك تجده يصرح بما ينقضها، فيقول عن نفسه: "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (يوحنا ٨/ ٤٠)، كما يجده ﵇ يخبر عن كونه رسولاً لله فحسب، مما يقتضي التنديد بأهل التثليث؛ والحكم بحرمانهم من الحياة الأبدية، فيقول مخاطباً الله: "هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧/ ٢ - ٣)، وهذا معنى صريح في أن الجنة مدخرة فقط لمن يقول: