فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ (مريم: ١٧)، فنفخ في جيبها، فسرى المسيح في أحشائها، فالمسيح خلق بنفخة منه ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ (الأنبياء: ٩١).
وهذا المعنى الشريف ورد في حق آدم أيضاً الذي خلق من طين، ثم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ (الحجر: ٢٩)، فإضافة روحه ﵇ إلى الله إضافة تشريف وتكريم، ولو أوجبت هذه الإضافة معنىً خارجاً عن الإنسانية؛ لكان آدم أولى بذلك من المسيح ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩).
ثانياً: هل امتدح القرآن النصارى ؟
قالوا: امتدح القرآن النصارى، وذكر بأنهم في الجنة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢).
والجواب: كما كان القرآن واضحاً في بيان وحدانية الله وعبودية المسيح وبشريته؛ كان صريحاً في إضلال القائلين بألوهيته وربوبيته وتكفيرهم، وهذا منثور في مواضع كثيرة من القرآن، منها قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (المائدة: ١٧)، وقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٣)، فهاتان الآيتان وغيرهما واضحتان في بيان كفر القائلين بعقيدة التثليث وألوهية المسيح.
ولكن هذا الحكم القرآني لا يسري على المسيح الذي تبرأ من هذه المعتقدات ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ (المائدة: ٧٢)، كما لا يسري الحكم بالكفر والنار على أتباعه المخلصين المؤمنين الذين آمنوا بالله وحده،
стр. 177
وشهدوا للمسيح بالرسالة فحسب، واتبعوه ونصروه ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ الله آمَنَّا بِالله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أََََََََََََََََنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران: ٥٢ - ٥٣)، وفي موضع آخر يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١)، فهؤلاء من خيرة لله في خلقه، وهم مؤمنون بالمسيح الرسول، وبريئون من معتقدات النصارى التي استقاها المسيحيون من أقوال بولس والمجامع الكنسية من بعده.
إن هذه الثلة المؤمنة ممدوحة في القرآن ولا ريب، وقد وصفهم الله بقوله: ﴿أنصار الله﴾ (الصف: ١٤)، ومدحة الله لهم في القرآن تسري على كل مؤمن مشى على نهجهم إلى يوم الدين (١).
ولما بعث النبي ﷺ كان لمنهجهم بقايا على الأرض تمثل في أشخاص أحبهم الله؛ لاستقامتهم على التوحيد، وإعراضهم عن مذاهب التثليث والشرك التي كرهها الله، يقول ﷺ : «وإن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» (٢).
فهؤلاء ومن سلفهم من المؤمنين هم الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢)، وقد ذُكر في سبب نزولها أن سلمان حدَّث النبيَّ ﷺ عن أصحابه النصارى الذين كانوا على
стр. 178
الإيمان الخالص بالله قبل مبعث النبي ﷺ ، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبياً. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله ﷺ : «يا سلمان، هم من أهل النار». فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١).
وهذا المعنى بينٌ واضح لمن قرأ الآية في سياقها فتدبر الآيات التي قبلها والتي بعدها، حيث تكفر الآيات قبلها اليهود والنصارى، وتنسب إليهم الإساءة إلى الله، وتتوعدهم بالنكال والعذاب: ﴿وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَالله أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ (المائدة: ٦١ - ٦٤)
ويستمر السياق القرآني بعدها في تكفيرهم مع استثناء المؤمنين منهم ممن كان على منهج الأنبياء ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٨ - ٦٩).
فمن المحتم أن الذين سماهم الله في آخر الآية: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ ليسوا الذين تحدث عنهم صدر الآية التالية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى﴾، فهؤلاء غير الأولين، هؤلاء من المؤمنين بدليل ما ذكر في الآية في
стр. 179
وصفهم: ﴿مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾، والمرء لا يكون مؤمناً بالله بمجرد الإيمان بوجوده، فقد آمن بذلك كفار قريش، ولم يستحقوا هذا الاسم الشريف الذي يختص به من آمن بالله ﵎ وحده رباً وإلهاً، فلم يعبد معه أحداً غيره.
ثم يمضي السياق القرآني ليقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٢ - ٧٥)، ويستمر السياق القرآني إلى آخر آيات السورة وهو يتحدث عن كفر النصارى، فلِم أعرض القائلون بمدحة الله للنصارى عن هذا كله، وبتروا الآية من سياقها؟!.
ثالثاً: من أتباع المسيح ؟
قالوا: وصف القرآن النصارى بأنهم أتباع المسيح الموعودون بالظفر على الكافرين إلى يوم القيامة: ﴿إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: ٥٥)، وهذا كله يدل على صحة طريقتهم ودينهم؛ خلافاً لما يقوله المسلمون من تكفيرهم، وأنهم من أهل النار.
стр. 180
والجواب: قد سبق لنا بيان الموقف القرآني من النصارى القائلين بألوهية المسيح والتثليث.
وأما بخصوص هذه الآية فهي تمتدح أتباع المسيح ﵇، وهم المسلمون الذين يصدقون أقواله: ﴿وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٦ - ١١٧)، والمسلمون هم الذين يقولون: ادعاء الألوهية للمسيح ليس بحق، في حين يزعم النصارى أنه إله معبود بحق.
ووفق هذا فإن المسلمين هم أتباع المسيح، وقد قال ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» (١).
إن الدلالة على اتباع المسلمين للمسيح ومفارقة النصارى له ليست من القرآن فحسب، بل هي في كتابهم أيضاً؛ فإن قارئ العهد الجديد (الإنجيل) لن يجد فيه حرفاً واحداً يتحدث فيه المسيح عن ألوهية نفسه، بل على العكس من ذلك تجده يصرح بما ينقضها، فيقول عن نفسه: "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله" (يوحنا ٨/ ٤٠)، كما يجده ﵇ يخبر عن كونه رسولاً لله فحسب، مما يقتضي التنديد بأهل التثليث؛ والحكم بحرمانهم من الحياة الأبدية، فيقول مخاطباً الله: "هذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا ١٧/ ٢ - ٣)، وهذا معنى صريح في أن الجنة مدخرة فقط لمن يقول:
стр. 181
(لا إله إلا الله، المسيح رسول الله)، وهذا بالحقيقة قول المسلمين؛ لا النصارى، فتبين أننا أتباعه ﵊ الموعودون بالعلو على الكافرين إلى يوم القيامة، وقد علوناهم بالحجة والدليل والبرهان بالأمس واليوم وغداً بإذن الله ومِنَّته.
ولئن غابت شمس المسلمين اليوم عن قيادة الحضارة الإنسانية المادية (لا الروحية) فقد كان لهم شرف ريادتها زهاء ثمانية قرون، وإنها سُحب توشك أن تنبلج، لتشرق شمسنا من جديد، وما هذه الصحوة الإسلامية المباركة التي تهدر في عالم اليوم إلا طلائع هذا الفجر الآتي القريب بإذن الله.
رابعاً: سؤال أهل الكتاب
قالوا: طلب القرآن من النبي أن يسأل النصارى فيما يشكل عليه، وفيما يقع له من الريبة في دينه بقوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (يونس: ٩٤)، وكما طلب هذا من النبي؛ فإنه طلبه من المسلمين حين أمرهم بسؤال أهل الذكر، أي الكتب السابقة في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣).
والجواب: أن الآية الكريمة ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (يونس: ٩٤)، لا تتحدث عن مشركي النصارى المنكرين لنبوته، ولا تجعلهم مرجعاً للنبي ﷺ ، بل تتحدث عن الذين يشهدون له بأنه أتاه الحق من ربه.
كما يلزم التنويه أيضاً إلى أن النبي ﷺ لم يشك في شيء من نبوته، ولم يسأل أهل الكتاب ولا غيرهم، بل نقل عن بعض التابعين أن النبي ﷺ قال: «لا أشك ولا أسأل» (١).
стр. 182
فلفظة (إنْ) لا تفيد أي تحقق لوقوع الشك من النبي ﷺ ، إذ قد يعلق المحال بـ (إنْ)، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ (الزخرف: ٨١)، وقوله: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾ (الأنعام: ٣٥).
وقد فسر العلماء مقصود الآية بقولين يكمل أحدهما الآخر:
الأول: أن المقصود بالسؤال هم المؤمنون من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وهو قول ابن عباس ﵄: (الذين أدركوا محمداً ﷺ من أهل الكتاب فآمنوا به .. فاسألهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم) (١).
الثاني: أن المقصود في الآية ليس أمر النبي ﷺ بالسؤال، بل الخطاب - في ظاهره - للنبي ﷺ ، والمراد به غيرُه من المشركين، على عادة العرب في الخطاب "إياك أعني واسمعي يا جارة" (٢).
ومثله في القرآن كثير، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ الله وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ (الأحزاب: ١)، وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥)، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١).
وهذا الوجه صححه الطبري، واستدل له الرازي بقول الله تعالى في آخر السورة: ﴿يَا أَيُهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكّ مّن دِينِي فلا أَعبُدُ الذِي تَعْبُدونَ مِنْ دُون الله﴾ (يونس: ١٠٤)، وقال: "فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح .. فثبت أن الحق هو أن الخطاب، وإن كان في الظاهر مع الرسول ﷺ ؛ إلا أن المراد الأمة، ومثل هذا معتاد، فإن
стр. 183
السلطان الكبير إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص، فإنه لا يوجه خطابه عليهم، بل يوجه ذلك الخطاب إلى ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم، ليكون ذلك أقوى تأثيراً في قلوبهم" (١).
بقي أن نشير إلى أن الأمر بالسؤال ليس على ظاهره، فإن العرب تستخدم طلب السؤال؛ بمعنى تأكيد الأمر، ولا تريد طلب السؤال حقيقة، ومنه قول الشاعر:
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
وقول الآخر:
سلوا نسمات الريح كم قد تحملت ... محبة صب شوقه ليس يكتم
فهذان وأضرابهما لا يراد منه - في لغة العرب- حقيقة السؤال؛ إذ كيف يُسأل الليل أو نسمات الريح، إنما يراد تأكيد تلك المعاني التي طلب السؤال عنها.
ومثله في القرآن قوله تعالى: ﴿سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ (القلم: ٤٠)، وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ (الزخرف: ٤٥)، وقوله: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ (الأعراف: ١٦٣)، ففي كل هذا لم يطلب الله من النبي ﷺ حقيقة السؤال، إنما قصد الإخبار وتأكيد صدق هذه المعاني والأخبار التي ذكرها الله ﵎ في القرآن.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)، فهو خطاب من الله للمشركين المنكرين للنبوة؛ المستغربين نزول الوحي على رجل، فقد نبههم الله إلى أن نزول الوحي على بشر أمر معهود تعرفه البشرية، ودعاهم إلى سؤال أهل الكتاب للتأكد من حقيقته والوقوف على جلائه، يقول ابن القيم: "فبقاؤهم [أي أهل الكتاب]
стр. 184
من أقوى الحجج على منكر النبوات والمعاد والتوحيد، وقد قال تعالى لمنكري ذلك ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .. يعني سلوا أهل الكتاب: هل أرسلنا قبل محمد رجالاً يوحى إليهم أم كان محمد بدعاً من الرسل لم يتقدمه رسول حتى يكون إرساله أمراً منكراً؟ " (١).
وهكذا فالآية تجعل من شهادة أهل الكتاب دليلاً ناهضاً للاحتجاج على مشركي مكة في مسألة نبوة النبي ﷺ ، وهو معنى تكرر في مواضع أخرى من القرآن، كقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٤٣).
خامساً: التوثيق المزعوم لكتب أهل الكتاب في القرآن
قالوا: في حين أن المسلمين يرمون كتب أهل الكتاب بالتحريف والتبديل فإن القرآن يُعلي من شأن التوراة والإنجيل، ويصفهما بالهدى والنور ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٤)، و ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٦).
وقالوا: ذكر القرآن أن التوراة والإنجيل الموجودين عند أهل الكتاب زمن النبي غير محرفين؛ بدليل أنه دعا إلى تحكيمهما ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ (المائدة: ٦٦)، وقال لهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (المائدة: ٦٨).
وقالوا: شهد القرآن والسنة أن كتبنا فيها حكم الله ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ الله﴾ (المائدة:٤٣)، ولما أخذها النبي بيده نزع الوسادة
стр. 185
من تحته، فوضع التوراة عليها، ثم قال: «آمنت بك وبمن أنزلك» (١).
والجواب: امتدح الله في القرآن ما أنزله على أنبيائه ورسله، وذكر أنه هدى ونور، فكل كتب الله تعالى كذلك، ولو أقام البشر في حياتهم ما أنزل الله إليهم؛ لسعدوا ونجوا، لكن هذه الكتب المنزلة ضاعت وحرفت وبدلت، فما التوراة ولا الإنجيل اللذين بين أيدي اليهود والنصارى بتوراة الله ولا إنجيله؛ وإن كان فيهما بقية أثارة حق مما نزل على الأنبياء، يقول ﷺ : «إن بني إسرائيل لما طال الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون» (٢).
وإثبات تحريف الكتب الموجودة بين أيدي اليهود والنصارى باب يطول، وليس هذا محله (٣)، ويكفي في هذا الموضع أن نؤكد أن التوراة والإنجيل الموجودين اليوم ليسا الكتابين اللذين أنزلهما الله وامتدحهما القرآن.
وإثبات هذا ميسور، فقد نسب القرآن الكريم إلى توراة الله وإنجيله معاني نفتقدها في الكتب الموجودة اليوم عند اليهود والنصارى، ففقدُها دليل على أن هذه الكتب قد غيرت وبدلت، وأنه ضاع منها ما أشار القرآن الكريم إلى وجوده فيها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ (التوبة: ١١١)، فالآية صريحة في أن موعود الله بالجنة للمؤمنين
стр. 186
المجاهدين في سبيله مسطور في التوراة والإنجيل اللذين أنزلهما الله تعالى، ولا وجود لهذه المعاني في العهد القديم ولا الجديد [التوراة والإنجيل المحرفين].
ومثله قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (الأعلى: ١٦ - ١٩)، فهذا المعنى لا وجود له في الأسفار الخمسة المنسوبة إلى موسى ﵇ في العهد القديم، والتي تخلو من الحديث عن الآخرة والقيامة، فضلاً عن المقارنة بينها وبين الدنيا.
ومثله نفقد في الأسفار الحالية ما نسبه الله إلى توراته وإنجيله في سورة الأعراف من حديث عن النبي الأمي الذي يبعثه الله فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحل الطيبات ويحرم الخبائث: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٧).
وهكذا نخلص إلى القول؛ أن التوراة والإنجيل الممدوحين بالقرآن ليسا بالأسفار الموجودة اليوم؛ لفقد هذه المعاني منها.
والقرآن شهد على الأسفار الموجودة بين يدي اليهود والنصارى بأنها محرفة، وقعت فيها الزيادة، كما وقع فيها النقص، فقد قال تعالى عن تحريف النقص: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (المائدة: ١٥)، فما جاء به محمد ﷺ فيه بيان لبعض ما أخفاه أهل الكتاب، وقد عفا عن الكثير مما أخفوه فلم يذكره، قال ابن كثير: "أي: يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه، ولا
стр. 187
فائدة في بيانه" (١).
كما أخبر القرآن الكريم عن وقوع الزيادة في هذه الكتب: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩)، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٨).
لكن وقوع الزيادة والنقص في الكتاب لا يعني - بالضرورة - أن التحريف قد طال كل سطر وكل كلمة في الكتاب، بل القرآن شهد لهذه الكتب أن فيها بقية من الحق الذي أنزله الله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧١).
ومن بقايا الحق الذي شهد القرآن بوجوده حكم الرجم للزاني والزانية، فهو موجود في سفر التثنية في الإصحاح الثاني والعشرين، لذلك قال الله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ﴾ (المائدة: ٤٣)، فكون حكم الله بشأن الزانيين موجوداً فيها لا يعني أن كل ما فيها هو حكم الله تعالى، فاسم التوراة باق عليها رغم تحريفها، فهي التوراة المحرفة؛ لا المنزلة (٢).
стр. 188
وأما قوله تعالى لليهود حين أنكروا أن الأطعمة كانت حلالاً عليهم قبل نزول التوراة: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (آل عمران: ٩٣) فهو لا يفيد سلامة التوراة التي بين أيديهم من التحريف.
فمطالبته بالإتيان بها؛ إنما يريد به إقامة مزيد من الحجة عليهم من كتابهم (التوراة المحرفة)، قال ابن حزم: " إنما هو في كذب كذبوه، ونسبوه إلى التوراة على جاري عادتهم؛ زائد على الكذب الذي وضعه أسلافهم في توراتهم، فبكتهم ﵇ في ذلك الكذب المحدث بإحضار التوراة إن كانوا صادقين، فظهر كذبهم" (١).
وقد دعا الله أهل الكتاب إلى إقامة هذا الحق المتبقي، لأنه كفيل بهدايتهم إلى الإسلام، قال ابن كثير: " أي: إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدقتم ما فيها من الأخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته وصفته والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) " (٢).
وقال القرطبي: " وإقامة التوراة والإنجيل؛ العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما" (٣).
وقال ابن حزم: "وأما قول الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾؛ فحق لا مرية فيه، وهكذا نقول، ولا سبيل لهم إلى إقامتها أبداً، لرفع ما أسقطوا منها، فليسوا على شيء إلا بالإيمان بمحمد ﷺ ، فيكونون حينئذ مقيمين للتوراة والإنجيل، كلهم
стр. 189
يؤمنون حينئذ بما أنزل الله منهما؛ وُجِد أو عُدم، ويكذبون بما بدل فيهما مما لم ينزله الله تعالى فيهما، وهذه هي إقامتهما حقاً" (١).
وهذا الأسلوب في طلب المحال على سبيل التبكيت أسلوب قرآني ونبوي، ومنه قول الله تعالى للمنافقين يوم القيامة: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ (الحديد: ١٣)، ومن المعلوم أنهم لا يقدرون على الرجوع، ولو رجعوا لم يفدهم رجوعهم.
ومثله في التبكيت قول النبي ﷺ : «من تحلم بحلم لم يره؛ كُلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل ... ومن صوَّر صورة؛ عُذب وكُلف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ» (٢).
ويجدر هنا التنبيه على ضعف الحديث الذي رواه أبو داود في سننه، وفيه أنه ﷺ وضع التوراة على وسادة وقال: «آمنت بك وبمن أنزلك» (٣)، فالحديث ورد في قصة رجم اليهوديين الزانيين، وهو مروي في الصحيحين وغيرهما، وليس فيه هذه الزيادة (٤)، وهذه الزيادة غير موجودة حتى في روايات أبي داود الأخرى للقصة (٥).
وقد ضعف هذه الرواية غير واحد من أهل العلم، منهم ابن حزم إذ يقول: "قوله ﵇: «آمنت بما فيك»؛ فإنه باطل لم يصح قط، وكله موافق لقولنا في التوراة والإنجيل بتبديلهما، وليس شيء منه حجة لمن ادعى أنهما بأيدي اليهود والنصارى كما نزلا ... فخبر مكذوب موضوع، لم يأت قط من طرق فيها خير،
стр. 190
ولسنا نستحل الكلام في الباطل، لو صح فهو من التكلف الذي نهينا عنه كما لا يحل توهين الحق ولا الاعتراض فيه" (١).
وهذه الزيادة «آمنت بك وبمن أنزلك» مروية في إسناد ضعيف متهالك لا يصلح للاحتجاج، فهي من رواية هشام بن سعد القرشي، وقد ضعفه العلماء، وترك التحديث عنه جملة من المحدثين، منهم يحيى القطان الذي كان لا يحدث عنه، ومما قاله العلماء عنه:
قال النسائي: "ضعيف"، وقال في موضع آخر: "ليس بالقوي".
وقال يحيى بن معين: "ليس بشيء"، وفي موضع آخر قال: "ليس بذاك القوي".
وأما أحمد بن حنبل فقال عنه: "ليس هو محكم الحديث". وفي موضع آخر قال: "لم يكن بالحافظ".
قال أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
وقال ابن حبان: "كان ممن يقلب الأسانيد، وهو لا يفهم، ويسند الموقوفات من حيث لا يعلم، فلما كَثُر مخالفته الأثبات فيما يروي عن الثقات بطُل الاحتجاج به، وإن اعتبر بما وافق الثقات من حديثه فلا ضير" (٢).
وهكذا فهذه الرواية التي تفرد بها هشام مردودة، ولا يحتج بها إلا الذين يتعلقون بخيوط أوهى من بيت العنكبوت.
كما لن يفوتني تسجيل عجبي من اليهود والنصارى الذين يرومون توثيق كتبهم من القرآن والسنة؛ في حين أن كتبهم تشهد على نفسها بالتحريف في مواضع
стр. 191
كثيرة منها: قول النبي إرمياء: " كيف تقولون: نحن حكماء، شريعة الرب معنا حقاً، إنه إلى الكذب، حوَّلها قلم الكتبة الكاذب " (إرميا ٨/ ٨)، أي أن دعواكم بامتلاك شريعة الرب كذب منكم، لأن هذه الشريعة غيَّرها وبدَّلها الكتبة الكذبة بأقلامهم المحرِِّفة.
ويؤكد النبي إرمياء وقوع التحريف في الكتاب، ويتهدد بالعقوبة أولئك الذين مازالوا يتحدثون عن كلام الرب، فينسبون ما في أيديهم إليه بعد أن حرفوه، فيقول: " وإذا سألك هذا الشعب أو نبي أو كاهن قائلاً: ما وحي الرب؟ فقل لهم: أي وحي؟ إني أرفضكم هو قول الرب، فالنبي أو الكاهن أو الشعب الذي يقول: وحي الرب أعاقب ذلك الرجل وبيته .. أما وحي الرب فلا تذكروه بعد، لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه، إذ قد حرّفتم كلام الإله الحي رب الجنود" (إرمياء ٢٣/ ٣٣ - ٣٦).
سادساً: هل الذكر المحفوظ هو كتب أهل الكتاب ؟
قالوا: سمى القرآن كتبنا ذكراً في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)، فاعتبر الكتب السابقة ذكراً، ثم أخبر أن الذكر محفوظ من التحريف والتبديل ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، فدل ذلك على سلامتها من التحريف والتبديل.
والجواب: أن كل ما ينزله الله تعالى من وحي هو ذكر، يذكِّر الله به عباده.
لكن الله لم يحفظ من الذكر إلا ذكره الأخير، أي القرآن، فهو الذي تكفل الله بحفظه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)، بدلالة السياق الذي وردت فيه الآية، إذ يقول الله: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا
стр. 192
بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٦ - ٩)، فالذكر المحفوظ هو الكتاب المنزل على النبي ﷺ كما هو ظاهر في السياق.
وهكذا تبين وضوح المعتقد الإسلامي بخصوص ما أنزله الله على الأنبياء، وكذلك تبين تحريف الكتب الحالية وتبديلها، وأنها ليست من عند الله.
стр. 193
(*)
سابعاً: هل نسب القرأن إلى المسيح صفة الخالقية ؟
قالوا: القرآن يعتبر المسيح خالقاً محيياً للموتى ﴿ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآيةٍ من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله﴾ (آل عمران: ٤٩)، ولم يشهد بمثل ذلك لغيره من المخلوقات، فالخلق صنعة الله التي لا يشاركه فيها إلا المسيح، وفي هذا دليل ألوهيته واستحقاقه للعبادة، ويوافق ما ذكره العهد الجديد عن المسيح "الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أفسس ٣/ ٩)، وفي إنجيل يوحنا "كان في العالم، وكوِّن العالم به، ولم يعرفه العالم" (يوحنا ١/ ١٠).
والجواب: لا ريب أن الله خالق كل شيء ﴿الله خالق كل شيءٍ وهو على كل شيءٍ وكيلٌ﴾ (الزمر: ٦٢)، فالآيات التي تقرر هذه الحقيقة لا يتسع المقام لتعدادها، وكلها تؤكد على حقيقة تفرد الله بالخالقية التي لم يشاركه فيها أحد من خلقه، ولا المسيح ﵇، فهو مخلوق أكذب الله مؤلهيه، وكفرهم وتوعدهم بالبوار ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيءٍ قديرٌ﴾ (المائدة: ١٧).
وحين تحدثت الآيات القرآنية عن معجزات عيسى ﵇؛ ما فتئت تذكر أن هذه المعجزات عطية الله تعالى لنبيه المسيح ﵇ ﴿قد جئتكم بآيةٍ من ربكم﴾، وقد صنعها وغيرها من المعجزات بإذن الله ﴿أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله﴾، فمعجزاته ﵇ ومعجزات غيره من الأنبياء لا تنفك عن مشيئة الله وإقدارهم عليها.
فهل نسب القرآن الخالقية المطلقة للمسيح حين قال ﴿أخلق لكم﴾؟
والجواب بدون ريب ولا تلكؤ: لا.
ولفهم الآيات يحسن الوقوف على معنى لفظة (الخلق) في لغة العرب، إذ تطلق هذه اللفظة على معان؛ ويهمنا منها معنيان:
الأول: الإيجاد من العدم، والإبداع من غير مثال سابق، فالله ﴿بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولدٌ ولم تكن له صاحبةٌ وخلق كل شيءٍ وهو بكل شيءٍ عليمٌ﴾ (الأنعام: ١٠١)، فهذا خلق يختص به الله وحده.
الثاني: التصوير لما أوجده الله وخلقه، ومنه قول الله: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون: ١٤)، فقد وردت في سياق الحديث عن تصوير الإنسان ونقله من طور إلى طور ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون: ١٤).
قال القرطبي: «أتقن الصانعين. يقال لمن صنع شيئاً خلقه؛ ومنه قول الشاعر:
ولأنت تقري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري
ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع؛ وإنما هي منفية بمعنى الاختراع وإيجاد من العدم» (١).
وبمثل هذا المعنى تحدث القرآن عن صنع عيسى من الطين كهيئة الطير ﴿أني قد جئتكم بآيةٍ من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله﴾ (آل عمران: ٤٩).
قال أبو حيان الأندلسي: «والخلق يكون بمعنى الإنشاء وإبراز العين من العدم الصرف إلى الوجود. وهذا لا يكون إلاَّ لله تعالى. ويكون بمعنى: التقدير والتصوير، ولذلك يسمون صانع الأديم ونحوه: الخالق، لأنه يقدّر، وأصله في الأجرام، وقد نقلوه إلى المعاني، قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ (العنكبوت: ١٧)، ومما جاء الخلق فيه بمعنى التقدير قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي المقدّرين» (٢).
ومن هذا المعنى أيضاً ما يقال يوم القيامة للمصورين، قال ﷺ : «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم» (٣)، أي ما صورتموه من الصور، فهذا معنى الكلمة في لغة العرب لمن أراد تدبراً وحقاً.
وبقي في جواب هذه الأبطولة أن ننبه القائلين بها إلى أن المسيح لم يدع في الإنجيل المنسوب إلى تلاميذه وتلاميذهم أنه خالق، وأن غاية ما ذكره بولس أن الله هو الخالق، ولكنه خلق الخلائق به "الله خالق الجميع بيسوع المسيح" (أفسس ٣/ ٩)، فهو واسطة الخلق، وليس الخالق، يقول القس جيمس أنِس: " الآب خلق العالم بواسطة الابن" (٤).
стр. 194
الأخطاء المزعومة في القرآن الكريم
أولاً: العين الحمئة
استشكل البعض ما ورد في سورة الكهف، في سياق الحديث عن رؤية الملك ذي القرنين الشمس وهي تغرب في عين حمئة، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ (الكهف: ٨٦)، فتساءلوا كيف تغرب الشمس في عين صغيرة على الأرض وهي نجم عظيم يدور في السماء؟
لا ريب أن القول بغياب الشمس في عين أو بحر بعيد كل البعد عن أبسط معارفنا العلمية التي قررها القرآن منذ زمن بعيد؛ فقد ذكر القرآن أن الشمس والقمر والأرض كواكب أو نجوم تسبح في أفلاكها في السماء ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٣)، فلكل فلكه الخاص الذي لا يتداخل مع فلك غيره، فكيف يسوغ - بعد ذلك - أن ينسب إليه القول بغروب الشمس في عين من عيون الأرض.
إن هذا القول أبعد ما يكون عن لفظ القرآن ومعناه، ولو كان هذا الفهم المغلوط مراداً؛ لوجب أن تشرق الشمس من نفس المحل وعلى نفس القوم الذين غربت عليهم، وهو ما لا يظنه عاقل، ولو صغرت سنه، وهو ما ينفيه القرآن في نفس السياق، إذ بعد غياب الشمس انطلق ذو القرنين تجاه مشرقها ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ (الكهف: ٨٩ - ٩٠).
القرآن في هذه الآية وصف ما تبدى لذي القرنين ساعة الغروب، حيث ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، ولم يقل القرآن: إن الشمس تغرب في تلك العين.
стр. 195
ومثل هذا كمثل ما يراه الناظر من غروب الشمس في البحر أو خلف جبل، فهو يجدها كذلك فيما يتبدى له، وهي في حقيقتها ليست كذلك.
وهذا الفهم للآية ليس تأولاً لها في عصر العلم، بل هو قول معروف تداوله العلماء منذ قرون طويلة، فقد نقل القفال (تـ ٥٠٧هـ) عن العلماء قولهم في تفسير هذه الآية: "ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغرباً ومشرقاً حتى وصل إلى جرمها ومسها، لأنها تدور مع السماء حول الأرض، من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، ولهذا قال: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾، ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم" (١).
وقال الرازي: "ثبت بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضاً قال: ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾ ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره.
стр. 196
الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار" (١).
وقال ابن كثير: " ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له. وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم.
وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه" (٢).
وما زال هذا المعنى مشهوراً عند العلماء في القديم والحديث، ومنه قول سيد قطب: "مغرب الشمس هو المكان الذي تغرب عنده وراء الأفق، وهو يختلف بالنسبة إلى المواضع، فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف الجبل، تغرب في الماء كما في المحيطات ... والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي ... فرأى الشمس تغرب فيه، والأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار حيث تكثر الأعشاب، ويجتمع حولها طين لزج هو الحمأ، وتوجد البرك، وكأنها عيون الماء ... عند هذه الحمأة وجد ذو القرنين قوماً ... " (٣).
ولئن كان المدعي لهذه الأبطولة يتحدث عن غروب الشمس في عين؛ فإن
стр. 197
القرآن تحدث عن مغارب الشمس، وأراد بذلك - والله أعلم- ما نعرفه اليوم من دوام الغروب والشروق بدوام دوران الأرض حول محورها.
ويشكل على هذا المعنى ما روي عن النبي ﷺ من حديث أبي ذر ﵁: «يا أبا ذر، هل تدري أين تغيب هذه الشمس؟ .. فإنها تغرب في عين حمئة، تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش، فإذا كان خروجها أذن الله لها، فإذا أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها» (١).
لكن هذا الحديث لا يصح نسبته إلى النبي ﷺ ، لأنه من رواية سفيان بن حسين الواسطي السلمي، وهو راو وهَّى حديثه أهلُ التحقيق والاختصاص.
فقد سأل المروزيُ الإمامَ أحمد عن سفيان بن حسين كيف هو؟ فقال: "ليس بذاك، وضعفه" (٢).
وقال ابن أبي شيبة: "كان ثقة، ولكنه كان مضطرباً في الحديث" (٣).
وقال محمد بن سعد: "ثقة يخطئ في حديثه كثيراً" (٤).
وقال يحيى بن معين عنه: "ليس بالحافظ" (٥).
وعليه فلا اعتداد بروايته، فهي دون مرتبة الاحتجاج، واستبان براءة القرآن من الفهم السخيف بأن الشمس تغرب في بئر ماء.
стр. 198
ثانياً: مريم أخت هارون
قالوا: أخطأ القرآن حين جعل مريم بنت عمران أختاً لهارون في قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ (مريم: ٢٨)؛ إذ المعلوم في علم التاريخ أن مريم كانت بعد هارون بن عمران بما يربو على الألف سنة.
والجواب: أن هذه الأبطولة من أقدم الشبهات المطروحة على القرآن الكريم، وقد تولى الرد عليها وبيان أغلوطة قائلِها النبيُّ ﷺ ، وما يزال أقوام يرددون هذه الشبهة البائدة.
جاء في صحيح مسلم أن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرؤون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله سألتُه عن ذلك فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» (١).
فبهذا البيان النبوي تبين أن هارون أخا البتول مريم ليس بهارون أخي موسى، كما توهم نصارى نجران والمبطلون من بعدهم.
ولو فهموا لغة العرب وسعة ألفاظها لما قالوا ما قالوه، فالعرب تطلق كلمة الأخ على الشبيه وعلى قريب النسب؛ وإن لم يكن أخاً.
فأما الشبيه، فكقول الله : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: ٢٧)، فالمبذر بمثابة أخ للشياطين، لشبهه بفعالهم.
وأما أخوة القرابة فكقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾ (الأعراف: ٧٣).
стр. 199
ثالثاً: هل القلوب العاقلة في الصدور ؟
قالوا: يعرف علماء التشريح اليوم أن القلب عضلة ضاخة للدم فحسب، وأن مراكز الإحساس والتفكير في الدماغ، بينما القرآن يؤكد أن القلوب التي في الصدور هي مركز التفكير ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦).
والجواب: أن ما يتعلق بمسألة علاقة القلب بالفكر مسألة علمية ما زال العلماء والأطباء يراوحون فيها بين مثبت ومنكر، وهي مسائل ظنية لم ترق إلى كونها حقيقة علمية، ومن كان هذا حاله لا ينهض للاحتجاج به إزاء الحق الذي أوحاه الله العليم بخلقه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: ٤).
ثم إن القرآن تحدث عن الأعين والآذان والقلوب المادية، وتحدث أيضاً عن العيون والآذان والقلوب المعنوية، وهذه الأعضاء في حال دلالتها على الهدى تكون أعضاء عاملة، وحين تتنكر للحق وترفضه فإنها تكون في حكم العدم، ولذلك وصف الله الذين لا يبصرون الحق ولا يسمعونه بأنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨)، فهم صم عن الحق، لا عن السماع، وهم بكم وعمي بهذه المثابة أيضاً.
وهذا مثله في القرآن كثير: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (الأنعام: ٣٩).
وهكذا فحين يتحدث القرآن عن العيون والآذان والألسن لا يقصد الجوارح المحسوسة، وإنما يقصد ما وراءها من العقل والإدراك الإيماني، ومنه قول الله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٤).
стр. 200
وهذا المذكور عن هذه الجوارح ينطبق على القلب تماماً، فالقلوب التي يتحدث عنها القرآن هي القلوب المعنوية، لا المضغة الجسدية، ومثاله في القرآن كثير، كقوله: ﴿وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٤٣)، وكقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨).
والمقصود في كل هذا القلوب العاقلة، لا المضغة الصنوبرية التي في الجسم ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: ٤٦).
ومثله في كلام النبي ﷺ : «يا مقلب القلوب» (١)، فالمقصود تقليب القلوب المعنوية من الكفر إلى الإسلام، وليس المقصود تقليب القلوب المادية.
وهذا الفهم ليس بجديد عند العلماء المسلمين، بل هو قديم نقله الرازي في تفسيره عن بعض السابقين، وعزاه ابن أمير الحاج المتوفى سنة ٨٧٩هـ إلى عامة أهل السنة والجماعة بقوله: "ومحلها أي القوة التي هي العقل؛ الدماغ للفلاسفة وخصوصاً الأطباء، وأحمد في رواية، وأبي المعين النسفي، وعزاه صدر الإسلام إلى عامة أهل السنة والجماعة، فقال: وهو جسم لطيف مضيء محله الرأس عند عامة أهل السنة والجماعة، وأثره يقع على القلب، فيصيرُ القلب مدركاً بنور العقل الأشياءَ، كالعين تصير مدركة بنور الشمس وبنور السراج الأشياء" (٢).
وما قلناه عن القلوب والعيون والآذان المعنوية الإيمانية ينطبق تماماً على الصدور، فنقرأ في القرآن والسنة حديثاً متكرراً عن انشراح الصدر وانقباضه
стр. 201
وضيقه وظلمته، وليس المراد الصدر الجسدي، بل المراد الصدر المعنوي ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ (الشعراء: ١٣)، ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ (الزمر: ٢٢)، ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشرح: ١)، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم﴾ (الأعراف: ٤٣) ﴿قُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ (الإسراء: ٤٩ - ٥٠) ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (النمل: ٧٤)، فكل هذا حديث عن الصدر المعنوي لا التجويف المسمى بالقفص الصدري.
وجاءت نصوص قرآنية ونبوية تجمع بين الصدر المعنوي والقلب المعنوي، منها قول الله: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النحل: ١٠٦).
ومثله قوله: ﴿وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَالله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: ١٥٤)، ومثله قول النبي ﷺ : «والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر» (١).
وهكذا تبين أن القرآن حين تحدث عن حواس الإنسان فإنما قصد البُعد الإيماني المعنوي لها، وكذلك نسب التحكم فيها إلى القلب والصدر الإيماني المعنوي، لا الحسي، فثبت بذلك صدق القرآن، وتبين فساد هذه الأبطولة من أباطيل المرجفين.
стр. 202
رابعاً: النجوم التي ترجم بها الشياطين
قالوا: القرآن يتحدث عن النجوم السيارة الهائلة في حجمها، والتي يكبر حجم بعضها الأرض آلاف المرات، وأن الله خلقها ليرجم بها الشياطين، وأنها تتحرك في السماء خلف هذه الشياطين، وهذا المعنى الغريب - ورد حسب اعتقادهم - في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ (الملك: ٥).
والجواب: إن القرآن لم يقل: خلق الله النجوم لأجل هذا، ولم يقل أن النجوم السيارة تتبع الشياطين، بل أخبر تعالى أنه خلق في السماء مصابيح، أي أجساماً منيرة مضيئة تحرق الشياطين.
وهذه المضيئات قد تكون نجوماً، وقد تكون شهباً، فالأمر محتمل للمعنيين لولا أن الآيات القرآنية تبين أن المقصود من المصابيح الشهب؛ لا النجوم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ (الجن: ٩)، وقال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ (الحجر: ١٧ - ١٨)، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات: ١٠)، فالشهب هي الأجسام المضيئة التي تحرق الشياطين، وهذه الشهب منها الكبير، ومنها الصغير، وهي نجوم أو كواكب مفتتة تسبح في الكون الفسيح، فإذا شاء الله عقوبة واحد من الشياطين سلط عليه واحداً من هذه الشهب، فرجمه به، فما الذي يستنكره العاقل في عقوبة الله لهذه المخلوقات بحرقها بشهب السماء؟.
стр. 203
خامساً: هل القرآن يشجع على فعل المعاصي ؟
قالوا: القرآن يشجع على المعاصي من غير الكبائر بقوله: ﴿وَلِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم: ٣١ - ٣٢)، فهذا الوعد الإلهي بالمغفرة لأصحاب الصغائر يغري بها.
والجواب: أن العلماء اختلفوا في اللمم المعفو عنه على أقوال ذكرها الطبري في تفسيره (١):
أ. أنها ذنوب الجاهلية يغفرها الله في الإسلام، قال الطبري: " معنى الكلام: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، إلا اللمم الذي ألمُّوا به من الإثم والفواحش في الجاهلية قبل الإسلام، فإن الله قد عفا لهم عنه، فلا يؤاخذهم به".
ب. أنه ما يلِّم به المرء، أي يصيبه من ذنب صغير أو كبير من غير إصرار عليه، ثم يتوب منه، قال أبو هريرة ﵁: (اللَّمة من الزنى، ثم يتوب ولا يعود، واللَّمة من السرقة، ثم يتوب ولا يعود; واللَّمة من شرب الخمر، ثم يتوب ولا يعود، فتلك الإلمام)، وهذا المعنى مروي عن عامة أصحاب النبي ﷺ ، قال الحسن: (كان أصحاب النبي ﷺ يقولون: هذا الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر، فيخفيها فيتوب منها).
ج. أنها صغار الذنوب مما لا يوجب حداً في الدنيا ولا توعد بعقوبته في الآخرة، وقد رجحه الطبري مستدلاً بقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ (النساء: ٣١)، فاجتناب الكبائر سبب في مغفرة الصغائر، لكن هذا أيضاً معلق بالتوبة وعدم الاسترسال في
стр. 204
الصغيرة، حتى لا تتحول باستمرائها إلى كبيرة، فقد سأل رجل ابن عباس: كم الكبائر؟ سبعاً هي؟ قال: (هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، وإنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار) (١).
ولذا حذر القرآن الكريم من الصغائر، وأخبر أن الله يكتب على العبد الصغير من عمله والكبير، فإذا قامت القيامة وجد العبد الجميع بين يديه ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (الكهف: ٤٩)، ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (الزلزلة: ٨)، ولسوف يحاسب الله العبد المؤمن على هذه الصغائر ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ (الانشقاق: ٧ - ٨).
كما حذر النبي ﷺ من الصغائر في مواضع كثيرة، منها قوله: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم» (٢)، وقوله: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» (٣)، وقال ﷺ : «يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالباً» (٤).
وأود أن أهمس في آذان الطاعنين في القرآن من أبناء الكنيسة، فأقول: ليس من عقيدة في الدنيا تشابه المسيحية التي تريح المؤمن من طرق أبواب الفضيلة بالقدر الذي تفتحه أمامه من مصاريع الشر والرذيلة، فهي تعتبر البشرية خاطئة فاجرة بالفطرة " ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معاً. ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد" (رومية ٣/ ١٠ - ١٢)، ولذلك يقول لوثر أحد مؤسسي المذهب البروتستانتي: " إن الإنجيل لا يطلب منا الأعمال لأجل تبريرنا، بل بعكس ذلك، إنه يرفض أعمالنا ... إنه لكي تظهر فينا قوة التبرير يلزم أن تعظم آثامنا جداً، وأن تكثر عددها "، وهذا المعنى يستوحيه المصلح الإنجيلي الشهير من رسالة بولس إلى أهل رومية: "وأما الناموس فدخل لكي تكثر الخطية، ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً" (رومية ٥/ ٢٠).
ويفتح الإصلاحي الشهير ملانكثون في كتابه " الأماكن اللاهوتية " كل أبواب الرذيلة أمام المؤمنين الذين يغنيهم الغيمان عن كل عمل صالح: " إن كنت سارقاً أو زانياً أو فاسقاً لا تهتم بذلك، عليك فقط أن لا تنسى أن الله هو شيخ كثير الطيبة، وأنه قد سبق وغفر لك خطاياك قبل أن تخطئ بزمن مديد ".
стр. 205
سادساً: الجنة والخمر
قالوا: إذا كان الله لا يجعل المحرم جزاء للمؤمنين، فما باله جعل الخمر جزاء لهم؟!
والجواب: حرم الله الخمر لما فيها من تعطيل لموهبة العقل التي منحها الله للإنسان، والتي ميزه بها عن الحيوان، فقد بعث الله الأنبياء وأنزل الشرائع لحراسة هذا المقصد النبيل، فحرَّم قليل الخمر وكثيرها «ما أسكر كثيره فقليله حرام» (١)، ولعن رسول الله ﷺ في الخمر كل مساهم في شيوع فسادها، يقول أنس ﵁: «لعن رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها وآكل ثمنها، والمشتري لها والمشتراة له» (٢).
فإذا عرفت علة التحريم لخمر الدنيا؛ عرف علة كونها حلالاً بل جزاء للمؤمنين في الآخرة، فخمر الجنة ليس فيها واحدة من المزريات الموجودة في خمر الدنيا، وكما قال ابن عباس ﵄: (ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء) (٣).
ولقد وصف الله خمر الجنة بأحسن الوصف، ونزهها عما يعتري خمر الدنيا من الفساد، فلئن كانت خمر الدنيا مما يستقبح طعمه؛ فإن خمر الجنة لذة للشاربين: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ (محمد: ١٥).
ولئن كانت خمر الدنيا المحرمة تذهب العقل؛ فإن خمر الجنة ليست كذلك:
стр. 206
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ (الصافات: ٤٥ - ٤٦)، فاختلاف الأحكام لاختلاف الخواص والصفات.
ولئن كانت خمر الدنيا تصدع رؤوس أصحابها وتمرضهم؛ فإن خمر الجنة منزهة عن ذلك، فالولدان المخلدون يطوفون عليهم ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ (الواقعة: ١٨ - ١٩).
قال الطبري: " لا في هذه الخمر غول، وهو أن تغتال عقولهم، يقول: لا تذهب هذه الخمر بعقول شاربيها كما تذهب بها خمور أهل الدنيا إذا شربوها فأكثروا منها، كما قال الشاعر:
وما زالت الكأس تغتالنا ... وتذهب بالأول الأول" (١)
وأكد الله هذه الخاصية لخمر الجنة بقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ (الصافات: ٤٧)، قال الطبري: "من الإنزاف بمعنى: ذهاب العقل من السكر، ومنه قول الأبيرد:
لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا " (٢)
وهكذا يستبين للمنصف خطأ وتجني أصحاب الفهوم المعوجة أو المنكوسة على القرآن الكريم الذي أرسى فضائل الأخلاق ومعالي الآداب، وأقام حضارة ذخرت بالقيم التي لم تعرفها من قبل ولا من بعد أمة من أمم العالمين.
стр. 207
(*)
سابعاً: هل أخطأ القرآن في ذكر السامري في عهد موسى ؟
قالوا: تحدث القرآن عن السامري الذي يصنع العجل في زمن موسى ﴿فكذلك ألقى السامري (٨٧) فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوارٌ فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي﴾ (طه: ٨٧ - ٨٩)، أي في حوالي السنة (١٤٠٠ ق م)، في حين أن الكتاب المقدس يذكر أن السامرة هي عاصمة الأسباط العشرة، وتأسست إبان حكم الملك عمري بن آخاب ملك إسرائيل، أي بعد موسى بما يربو على خمسمائة سنة (انظر الملوك (٢) ١٦/ ٢٣ - ٢٥).
الجواب: لا يوجد نص في الكتاب المقدس يتحدث عن تاريخ بناء السامرة، والمذكور في سفر الملوك لم يفهمه العلماء الكتابيون على أنه بناء تأسيس، يقول قاموس الكتاب المقدس: «وقد بنيت المدينة أو أصلح بناؤها أيام عمري بن آخاب ملك إسرائيل (٨٧٦ - ٨٤٢ ق. م)» (١).
ولو فرضنا أن الكتاب المقدس زعم أمراً ما بخصوص هذا الموضوع أو غيره، فهذا لا يحتج به على القرآن، بل ولا على كتب التاريخ، فموثوقية هذه الأسفار ومعلوماتها أقل من أن يستشهد بها؛ فضلاً عن بلوغها درجة الاحتجاج ومحاجة الآخرين أو محاكمة كتبهم.
وأستشهد هنا بإقرار المطران كيرلس سليم بسترس رئيس أساقفة بعلبك وتوابعها للروم الكاثوليك بتعارض الروايات التوراتية ومعطيات العلم الأولية، واعتذاره لذلك بالقول: «لحلّ تلك التناقضات بين الكتاب المقدس والعلم، لا بدّ لنا من التأكيد من جديد أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً يحوي دروساً في علم الكون أو في علم الحياة؛ إنما هو كتاب ديني يحتوي تعاليم عن علاقة الكون بالله خالقه» (٢)، فلا ينبغي اعتبار الكتاب مصدراً معتبراً في العلوم الكونية والإنسانية، ومنها علم التاريخ الذي نحن بصدد دراسة واحدة من مسائله.
وعلى كل حال فإن القرآن سمى صاحب العجل بالسامري، وهو اسم قديم سمي به (شامر بن محلي بن موشي بن مراري بن لاوي)، وهو الجيل الرابع للاوي بن يعقوب ﵇ (انظر: الأيام (١) ٦/ ٤٧)، أي كان معاصراً لموسى (بن عمران بن قهات بن لاوي) (انظر الخروج ٦/ ١٦ - ٢٠)، فدل ذلك على وجود هذا الاسم زمن موسى ﵇، وأن لا ارتباط بينه وبين مدينة السامرة التي ستبنى بعد قرون؛ إلا أن تكون قد سميت نسبة إلى هذا الاسم القديم.
ويصح أن يقال أيضاً بأن موسى ﵇ نادى السامري باسم مهنته (يا حارس)، فلفظة (السامري) مشتقة من الكلمة العبرانية (?????، وتنطق: ها شِمير) معناها: (الحارس).
ويحتمل أيضاً أن السامري كان من أبناء السومريين، وهي حضارة وجدت قبل الميلاد بأربعة آلاف سنة في جنوب العراق، واستمرت قائمة حتى عام ٢٠٠٠ ق. م، ويتعزز هذا الاحتمال بمعرفتنا أن السومريين برعوا بالمصنوعات الخزفية، التي تتوافق مع ما فعله السامري الذي صنع العجل الذهبي لبني إسرائيل (٣).
وفي كل واحد من هذه الاحتمالات ما يدفع هذه الأبطولة ويؤذِن بضعفها، ويكشف عن بوار فكر أصحابها.
стр. 208
ثامناً: هل أخطأ القرآن بذكر هامان المصري ؟
قالوا: أخطأ القرآن فنسب هامان الفارسي إلى أرض مصر، وجعله وزيراً لفرعون إبان حياة موسى ﵇؛ خلافاً لما تذكره التوراة عن هامان الفارسي في سفر إستير، فقد كان وزيراً وخليلاً لأحشوريش (زركيس) ملك الفرس, بعد موسى بـ ١١٠٠ سنة.
والجواب: من عجائب الطاعنين في القرآن أنهم يحاكمونه إلى كتبهم المقدسة، والتي لا يعرف كاتبها في الجملة، ولا يمكن توثيق شيء من صفحاتها، فتصبح هذه الكتب - التي تدعو أحوالها للرثاء - ميزاناً يقيسون عليه كتب الآخرين.
ولو تحدثنا عن سفر إستير تحديداً فإنه سفر مجهول المؤلف، قال الدكتور سمعان كلهون في كتابه " مرشد الطالبين " عن كاتبه: (مجهول)، فهل يليق عند العقلاء محاكة القرآن إلى مرجع لا سند له، وكاتبه مجهول!.
وقد تشكك في مصدر هذا السفر المحققون من أهل الكتاب، فتوقفوا في قداسته وأصالته بل وتاريخيته، ونقل ذلك البروفيسور إسرائيل لركن عن كل النقاد المعاصرين تقريباً. وكان مارتن لوثر في القرن السادس عشر قد سبق إلى القول: «ليت هذا السفر لم يوجد»، متابعاً في قوله من سبقه من الآباء الأوائل المنكرين لقدسية هذا السفر التوراتي الذي خلت من اسمه قائمة الأسقف مليتو أسقف سارديس عام ١٧٠م، وهو صاحب أقدم قوائم الأسفار المقدسة، ولتخلو منه أيضاً بعد ذلك قائمة البابا أثناسيوس نجم مجمع نيقية وواضع قانونه الشهير (١).
ولو سلمنا بصحة القصة الأسطورية التي يحكيها سفر إستير عن هامان الفارسي؛ فإنه ليس ثمة ما يمنع أن يتسمى بهذا الاسم أيضاً واحد من وزراء أو مستشاري فرعون ملك مصر، ولا يمكن إقامة دليل على عدم وجود مستشار بهذا الاسم أو اللقب.
بل الحقيقة بخلافه، فقد ذكر المحققون وجود هامان قريباً من فرعون، ففي كتابه ( Moise et Pharaon) " موسى وفرعون" يقول الدكتور موريس بوكاي ما نصه: «يذكر القرآن الكريم شخصاً باسم هامان هو من حاشية فرعون، وقد طلب إليه هذا الأخير أن يبني صرحاً عالياً يسمح له، كما يقول ساخراً من موسى، أن يبلغ رب عقيدته.
وأردت أن أعرف إن كان هذا الاسم يتصل باسم هيروغليفي من المحتمل أنه محفوظ في وثيقة من وثائق العصر الفرعوني، ولم أكن لأرضى بإجابة عن ذلك إلا إذا كان مصدرها رجلاً حجة فيما يخص اللغة الهيروغليفية وهو يعرف اللغة العربية الفصحى بشكل جيد، فطرحت السؤال على عالم المصريات وهو فرنسي يتوافر فيه الشرطان المذكوران تماماً.
لقد كتبت أمامه اسم العلم العربي (هامان) ولكنني أحجمت عن إخبار مخاطبي بحقيقة النص المعني، واكتفيت بإخباره أن هذا النص يعود تاريخه بشكل لا يقبل النقض إلى القرن السابع الميلادي. كان جوابه الأول أن هذا الأصل مستحيل، لأنه لا يمكن وجود نص يحتوي على اسم علم من اللغة الهيروغليفية، وله جرس هيروغليفي، ويعود إلى القرن السابع الميلادي، وهو غير معروف لحد الآن، والسبب أن اللغة الهيروغليفية نسيت منذ زمن بعيد جداً.
بيد أنه نصحني بمراجعة معجم أسماء الأشخاص في الإمبراطورية الجديدة Dictionary of Personal names of the New والبحث فيه إن كان هذا الاسم الذي يمثل عندي الهيروغليفية موجوداً فيه حقاً. لقد كان يُفترض ذلك.
وعند البحث وجدته مسطوراً في هذا المعجم تماماً كما توقعته، ويا للمفاجأة!! ها أنا فضلاً عن ذلك أجد أن مهنته كما عُبر عنها باللغة الألمانية (رئيس عمال المقالع)، ولكن دون إشارة إلى تاريخ الكتابة إلا أنها تعود إلى الإمبراطورية التي يقع فيه زمن موسى، وتشير المهنة المذكورة في الكتابة إلى أن المذكور كان مهتماً بالبناء مما يدعو إلى التفكير بالمقاربة التي يمكن إجراؤها بين الأمر الذي أصدره "فرعون" في القرآن وبين هذا التحديد في الكتاب».
وهذا الاسم لهامان المصري أشير إليه في لوح أثري في متحف هوف في فينا وفي مجموعة من النقوش كشفت لنا أن هامان كان رئيس عمال محجر البناء، وقد كشف عنه كنت كتشن ( K.A. Kitchen) في كتابه ( Pharaoh Triumphant the life and times of Ramesses II) ، وترجمه إلى العربية أحمد زهير أمين بعنوان " رمسيس الثاني، فرعون المجد والانتصار "، وفيه يتحدث كتشن نقلاً عن المكتشفات المصرية عن الشاب em inet Amen ابن (ون نفر) كبير كهنة آمون.
Amen أو (هامن) كان صديقاً مقرباً للأمير الذي سيصبح بعد برهة الملك الفرعوني رمسيس الثاني، ويتحدث بإسهاب عنه وعن عائلته، وعن المناصب التي تقلدها وأقرباؤه في البلاط الملكي، فقد رقاه رمسيس الثاني إلى قائد المركبات الملكية قبل أن يصبح رسوله ثم مديراً لمشاريعه ومسؤولاً عن قطاع الصناعة في بلاط الملك.
وهكذا فإن القرآن يثبت مرة بعد مرة أنه كلام الله العليم الذي أطلع نبيه ﷺ على أخبار الغيب الحاضرة والمستقبلة ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ (هود: ٤٩).
стр. 209
تاسعاً: هل يؤمن اليهود برسالة المسيح ﵇ ؟
قالوا: أخطأ القرآن حين نسب إلى اليهود القول بأن المسيح رسول الله، وهم يكفرون به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً * وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ (النساء: ١٥٦ - ١٥٧).
الجواب: من المتيقن عندنا أن اليهود كفروا بالمسيح ﵇، واتهموه وأمه بأشنع القبائح، وهو ما حكته الآية الكريمة عنهم حين وصفتهم بالكفر ﴿وبكفرهم﴾، والمقصود كفرهم بالمسيح كما هو واضح من سياق التالية لها: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: ١٥٩).
وأما وصفهم للمسيح بأنه رسول الله فجاء منهم على سبيل التهكم والسخرية منه، أو على معنى مقدر (قتلنا المسيح الذي يزعم أنه رسول الله)، وهو أسلوب في الإضمار معلوم عند أرباب البلاغة، ورد مراراً في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنونٌ (٦) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين﴾ (الحجر: ٦ - ٧)، فكفار قريش يصفون النبي ﷺ بالجنون، ولا يؤمنون بأن القرآن (ذِكر)، ولا يصدقون بنزوله على النبي ﷺ ، وقولهم: ﴿نزل عليه الذكر﴾ خرج مخرج السخرية منه، أو بمعنى: (يا أيها الذي يزعم أنه نزل عليه الذكر).
ومثله ما حكاه الله عن وصف اليهود للقرآن في قوله تعالى: ﴿وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾ (آل عمران: ٧٢)، فوصفهم للفرآن بأنه ﴿أًنزل﴾، وللصحابة بأنهم ﴿الذين آمنوا﴾ خرج مخرج السخرية من القرآن والمؤمنين، أو على سبيل حكاية قولهم، بمعنى: (آمِنوا بالقرآن الذي يزعمون هؤلاء الإيمان به، وأنه منزل من عند الله).
ومثله أيضاً ما حكاه الله تعالى من قول كفار قوم شعيب ﵇ ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ (هود: ٨٧)، أي (أنت الذي تزعم أنك الحليم الرشيد).
ومثله كذلك خرج مخرج السخرية والاستصغار للمشرك حين يدخل النار قولُ الله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم (٤٩) إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ (الدخان: ٤٩ - ٥٠)، أي (كنت تزعم أنك العزيز الكريم).
فمن عرف ما عرف العرب لم ينكر ما سكتوا عنه، فإن القرآن نزل بلسانهم، ووفق طرائقهم في البيان والتعبير، ومنها التهكم والحكاية.
стр. 210
الأخطاء اللغوية المزعومة في القرآن الكريم
أولاً: الأخطاء النحوية المزعومة في القرآن
قال بعض من يزعم أنه من أبناء العربية: إن في القرآن أخطاء نحوية خالف فيها قواعد اللغة العربية، وهذا يدل على أنه ليس من كلام الله، لأن الله لا يخطئ، قالوا هذا حين استشكلوا بعضَ آيات القرآن؛ ورأوها على خلاف ما تعلموه في دراستهم لقواعد النحو في المرحلة الابتدائية، فظنوا أن في هذه الآيات خطأ فات الأولين، وأنهم تنبهوا له - بعبقريتهم - بعد مر القرون.
وقبل أن نعرض لأهم الآيات التي استشكلوها، نجيب بأجوبة إجمالية بين يدي البحث:
أولاً: أن العرب الذين نزل فيهم القرآن كانوا أفصح الناس، وكان فيهم أصحاب المعلقات كلبيد بن ربيعة ﵁ الذي ترك نظم الشعر بعد سماعه للقرآن، ولم يستشكل ما استشكله أعاجم العرب اليوم، كما لم يستشكله مشركو قريش وغيرهم، رغم عداوتهم القرآن وحربهم النبيَّ ﷺ وحرصهم على معاداة دينه ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ (مريم: ٩٧)، لكنهم كانوا عرباً أقحاحاً، فعرفوا ما جهله أهل العُجمة من العرب اليوم.
ثانياً: أن اللغة في أصلها سماعية، لا قاعدية، فالعربي حين كان ينطق بالفاعل مرفوعاً، لا لأن آباءه علَّموه أن الفاعل مرفوع، بل لسليقته العربية التي نشأ عليها منذ طفولته.
لكن في القرن الثاني من بعثة النبي ﷺ دخلت الفرس والروم والترك وغيرهم في الإسلام، وتكلموا بالعربية، فظهر اللحن، وضاعت السليقة، مما دعا العلماء المسلمين لوضع قواعد اللغة المعروفة عندنا اليوم، وقد وضعوها اعتماداً على مصدرين أساسين: الأول: القرآن الكريم، والثاني: ما ورد عن العرب في
стр. 211
أشعارهم وكلامهم، فالقرآن هو المصدر الأول والأساس لقواعد العربية.
لكن العرب الفصحاء قبل وضع هذه القواعد لم يكونوا على نسق واحد في الإعراب والأساليب اللغوية، فلكل قبيلة خصوصيتها اللغوية وفصاحتها وشعراؤها وأدباؤها وإثراؤها للغة الضاد، فعمد مقعدو اللغة إلى الشائع عند عموم العرب، وأهملوا غيره مما هو فصيح تنطق به بعض قبائل العرب.
ولو شئنا أن نضرب مثلاً لقلنا: الشائع في قواعد اللغة حذف ضمير الفاعل من الجملة إذا جاء الفاعل اسماً ظاهراً، فيقول عموم العرب: (جاء المسلمون)، ولا يقولون: (جاؤوا المسلمون)، لكن قبيلة طيء تجيز إثبات ضمير الفاعل، مع وجود الاسم الظاهر، وهي اللغة المشهورة عند النحاة بـ (أكلوني البراغيث)، ومنه قول أبي فراس الحمداني:
نُتِج الربيعُ محاسناً ... ألقحنَها غرُّ السحائب
وكذا قول محمد بن أمية:
رأين الغواني الشيبَ لاح بعارضي ... فأعرضنَ عني بالخدودِ النواضرِ (١)
فالشاعران ذكرا ضمير الفاعل (نون النسوة) في قولهما: (ألقحنها)، و (رأين) مع ذكر الفاعل الظاهر بعده، وهو قولهما: (غرُّ)، (الغواني).
فلا يصح أن يقال عن قوله: (رأين الغواني) بأنه لحن، وأن صحيحه حذف الضمير: رأت الغواني، فقد نطق به الفصحاء من العرب؛ وإن جاء على خلاف قواعد المتأخرين منهم، أو بالأحرى على خلاف الشائع عند الكثير من قبائل العرب.
ومثله شاع اليوم عندنا استخدام كلمة (الذين) في معنى الوصل، وهي لغة فصيحة عند العرب، ومثلها في الفصاحة ما يقوله بنو عقيل وغيرهم من العرب
стр. 212
الذين يستعيضون عنها بكلمة (الَّذُونَ)، وكذلك (الَّذُو)، كما في قول الشاعر:
قومي الذو بعكاظ طيروا شرراً ... من روس قومك ضرباً بالمصاقيل (١)
وقول الآخر:
نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحْوا الصَّبَاحَا ... يَومُ النُّخَيلِ غَارَةً مِلحَاحَا (٢)
ومثله قول الشاعر الهذلي:
هم اللاؤون فكوا الغل عني ... بمرو الشاهجان إلى الجناح (٣)
فهل سيقال عن قبيلة هذيل أنها تلحن لقولهم (اللاؤون)، في حين أن غيرهم من العرب يقول (اللائي)؟.
ومثله حذف بعض العرب نون النسوة من الفعل المرفوع، في حين أن القواعد التي وضعها المقعِّدون بعد ذلك تعتبر إثبات النون علامة على رفع الفعل، بينما حذفها يعني جزمه أو نصبه، فهل سيقول أعاجم العرب اليوم أن هؤلاء العرب الأقحاح يلحنون؟
وهل سيتهمون الشاعر المبدع بشار بن برد باللحن والجهل لأنه حذف نون النسوة في قوله:
فلقد كان ما أكابد منها ... ومن القلب يتركاني وحيداً (٤)
ثالثاً: القرآن نزل بلسان عربي مبين ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (الزمر: ٢٨)، والعرب لم تعرف قواعد اللغة إلا بعد الإسلام، وقد وضعها المسلمون كالخليل بن أحمد وسيبويه وابن نفطويه وأمثالهم، واستنبطوها من القرآن أولاً ثم
стр. 213
من أشعار العرب ومأثوراتها ثانياً، فكيف يحاكم القرآن إلى قواعد وجدت بعده، بل أخذت منه.
إن تقريرنا لهذه القواعد العامة كاف في الرد على كل الأباطيل المتعلقة بالنحو، لكن كفايتها لن تمنعنا من الرد التفصيلي على ما اشتبه على أصحاب الشبهات والأباطيل:
المسألة الأولى: رفع اسم (إنَّ).
قالوا: أخطأ القرآن في قوله تعالى - حسب قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم -: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فقالوا: رفع القرآن اسم إن بالألف، وكان المفروض أن ينصبه بالياء، فيقول: (إن هذين لساحران).
والجواب من وجهين:
الأول: أن قوله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ جاء على لغة بلحارث بن كعب وزبيد وخثعم وهمدان ومن وليهم من قبائل اليمن، حيث يلزمون المثنى الألف مهما كان موقعه من الإعراب، قال ابن جني: "من العرب من لا يخاف اللبس، ويجري الباب على أصل قياسه، فيدع الألف ثابتة في الأحوال، فيقول: قام الزيدان، وضربتُ الزيدان، ومررتُ بالزيدان، وهم بنو الحارث وبطن من ربيعة" (١).
ومن صور ذلك قول شاعرهم هوبر الحارثي:
تزود منا بين أذناه ضربةً ... دعته إلى هابي الترابِ عقيمُ (٢)
стр. 214
فألزم المثنى الألف في قوله: (بين أذناه)، ولم يقل (بين أذنيه) كما هو معهود في قواعد اللغة التي كتبها النحاة بعده حسب الشائع عند غير قبيلته من قبائل العرب.
ومثله قول جرير بن عبد العزى الحارثي:
فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأى ... مَساغاً لِناباهُ الشُّجاعُ لصَمّما (١)
فألزم المثنى الألف في قوله: (لناباه)، مع أنه مجرور باللام، فهذه لغة قومه، وهم من هم في الفصاحة والبلاغة.
ومثله قول الآخر:
أعرف منها الجيدَ والعينانا ... ومَنخران أشبها ظبيانا (٢)
وفيه من شواهد مسألتنا ثلاث كلمات (العينانا) و (منخران) و (ظبيانا)، فهي جميعا مثنى منصوب بالألف؛ خلافاً لما قعَّده العلماء بعد ذلك وفقاً للمشهور في لغة العرب من نصب المثنى بالياء.
الوجه الثاني: أن من العرب الأقحاح الفصحاء من يقلب كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها إلى (ألف).
وبمثل هذا قال أبو النجم العِجْلي:
واهاً لسلمى ثم واهاً واها ... هي المنى لو أننا نلناها
ياليت عينَاها لنا وفاها ... بثمن نُرضي به أباها
إن أباها وأبا أباها قد ... بلغا في المجد غايتَاها
فقد أبدل الشاعر الياء الساكنة المفتوح ما قبلها بالألف في قوله: (عيناها بدلاً من عينَيْها) وكذلك (غايتاها بدلاً من غايتَيْها).
стр. 215
ومثله قول الشاعر:
أي قلوص راكب تراها ... اشْدُدْ بمَثْنَيْ حَقَبٍ حَقْواها
ناجيَةً وناجياً أَباها ... طاروا علاهن فَطِر علاها
قال ابن الحاجب: "القياس: عليهن وعليها، لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها، هذا الشعر من كلامهم" (١).
المسألة الثانية: نصب الفاعل
قالوا: القرآن نصب الفاعل (الظالمين) في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٤). قالوا: والصحيح أن يقول (الظالمون)، فالظالمون لا ينالون العهد. فجعل القرآن الفاعل منصوباً!.
الجواب: أن القرآن الكريم رفع الفاعل في مواضع لا تحصى لكثرتها، ورفع الفاعل أمر يدركه صغار طلاب الكتاتيب، ولا يحتاج في معرفته إلى خبير في اللغة العربية، فإذا علم ذلك فإن الحصيف إذا ما وجد أمراً استغربه - في كتاب ما- لوروده على خلاف المعهود فإنه لن يسارع إلى تجهيل المؤلف أو تغليطه، إذ مثل هذا لا يغلط به أحد.
والحق أن الخطأ وقع فيه المتحذلقون الذين ظنوا أن الفاعل في الآية هو (الظالمون)، والصحيح أن (العهد) هو الفاعل، وقوله: (الظالمين) مفعول به، والمعنى: لا يشمل عهدي واستخلافي الظالمين.
وهذا التعبير شائع عند العرب، فيقولون: هذا ناله خيرٌ، وذاك ناله ظلمٌ.
وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٢)، والمعنى: سينال غضب الله الظالمين، ومثله في قوله تعالى: