أشعارهم وكلامهم، فالقرآن هو المصدر الأول والأساس لقواعد العربية.
لكن العرب الفصحاء قبل وضع هذه القواعد لم يكونوا على نسق واحد في الإعراب والأساليب اللغوية، فلكل قبيلة خصوصيتها اللغوية وفصاحتها وشعراؤها وأدباؤها وإثراؤها للغة الضاد، فعمد مقعدو اللغة إلى الشائع عند عموم العرب، وأهملوا غيره مما هو فصيح تنطق به بعض قبائل العرب.
ولو شئنا أن نضرب مثلاً لقلنا: الشائع في قواعد اللغة حذف ضمير الفاعل من الجملة إذا جاء الفاعل اسماً ظاهراً، فيقول عموم العرب: (جاء المسلمون)، ولا يقولون: (جاؤوا المسلمون)، لكن قبيلة طيء تجيز إثبات ضمير الفاعل، مع وجود الاسم الظاهر، وهي اللغة المشهورة عند النحاة بـ (أكلوني البراغيث)، ومنه قول أبي فراس الحمداني:
نُتِج الربيعُ محاسناً ... ألقحنَها غرُّ السحائب
وكذا قول محمد بن أمية:
رأين الغواني الشيبَ لاح بعارضي ... فأعرضنَ عني بالخدودِ النواضرِ (١)
فالشاعران ذكرا ضمير الفاعل (نون النسوة) في قولهما: (ألقحنها)، و (رأين) مع ذكر الفاعل الظاهر بعده، وهو قولهما: (غرُّ)، (الغواني).
فلا يصح أن يقال عن قوله: (رأين الغواني) بأنه لحن، وأن صحيحه حذف الضمير: رأت الغواني، فقد نطق به الفصحاء من العرب؛ وإن جاء على خلاف قواعد المتأخرين منهم، أو بالأحرى على خلاف الشائع عند الكثير من قبائل العرب.
ومثله شاع اليوم عندنا استخدام كلمة (الذين) في معنى الوصل، وهي لغة فصيحة عند العرب، ومثلها في الفصاحة ما يقوله بنو عقيل وغيرهم من العرب
стр. 212
الذين يستعيضون عنها بكلمة (الَّذُونَ)، وكذلك (الَّذُو)، كما في قول الشاعر:
قومي الذو بعكاظ طيروا شرراً ... من روس قومك ضرباً بالمصاقيل (١)
وقول الآخر:
نَحْنُ الَّذُونَ صَبَّحْوا الصَّبَاحَا ... يَومُ النُّخَيلِ غَارَةً مِلحَاحَا (٢)
ومثله قول الشاعر الهذلي:
هم اللاؤون فكوا الغل عني ... بمرو الشاهجان إلى الجناح (٣)
فهل سيقال عن قبيلة هذيل أنها تلحن لقولهم (اللاؤون)، في حين أن غيرهم من العرب يقول (اللائي)؟.
ومثله حذف بعض العرب نون النسوة من الفعل المرفوع، في حين أن القواعد التي وضعها المقعِّدون بعد ذلك تعتبر إثبات النون علامة على رفع الفعل، بينما حذفها يعني جزمه أو نصبه، فهل سيقول أعاجم العرب اليوم أن هؤلاء العرب الأقحاح يلحنون؟
وهل سيتهمون الشاعر المبدع بشار بن برد باللحن والجهل لأنه حذف نون النسوة في قوله:
فلقد كان ما أكابد منها ... ومن القلب يتركاني وحيداً (٤)
ثالثاً: القرآن نزل بلسان عربي مبين ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (الزمر: ٢٨)، والعرب لم تعرف قواعد اللغة إلا بعد الإسلام، وقد وضعها المسلمون كالخليل بن أحمد وسيبويه وابن نفطويه وأمثالهم، واستنبطوها من القرآن أولاً ثم
стр. 213
من أشعار العرب ومأثوراتها ثانياً، فكيف يحاكم القرآن إلى قواعد وجدت بعده، بل أخذت منه.
إن تقريرنا لهذه القواعد العامة كاف في الرد على كل الأباطيل المتعلقة بالنحو، لكن كفايتها لن تمنعنا من الرد التفصيلي على ما اشتبه على أصحاب الشبهات والأباطيل:
المسألة الأولى: رفع اسم (إنَّ).
قالوا: أخطأ القرآن في قوله تعالى - حسب قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم -: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ فقالوا: رفع القرآن اسم إن بالألف، وكان المفروض أن ينصبه بالياء، فيقول: (إن هذين لساحران).
والجواب من وجهين:
الأول: أن قوله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ جاء على لغة بلحارث بن كعب وزبيد وخثعم وهمدان ومن وليهم من قبائل اليمن، حيث يلزمون المثنى الألف مهما كان موقعه من الإعراب، قال ابن جني: "من العرب من لا يخاف اللبس، ويجري الباب على أصل قياسه، فيدع الألف ثابتة في الأحوال، فيقول: قام الزيدان، وضربتُ الزيدان، ومررتُ بالزيدان، وهم بنو الحارث وبطن من ربيعة" (١).
ومن صور ذلك قول شاعرهم هوبر الحارثي:
تزود منا بين أذناه ضربةً ... دعته إلى هابي الترابِ عقيمُ (٢)
стр. 214
فألزم المثنى الألف في قوله: (بين أذناه)، ولم يقل (بين أذنيه) كما هو معهود في قواعد اللغة التي كتبها النحاة بعده حسب الشائع عند غير قبيلته من قبائل العرب.
ومثله قول جرير بن عبد العزى الحارثي:
فأطْرَقَ إطْرَاقَ الشُّجاعِ وَلَوْ رَأى ... مَساغاً لِناباهُ الشُّجاعُ لصَمّما (١)
فألزم المثنى الألف في قوله: (لناباه)، مع أنه مجرور باللام، فهذه لغة قومه، وهم من هم في الفصاحة والبلاغة.
ومثله قول الآخر:
أعرف منها الجيدَ والعينانا ... ومَنخران أشبها ظبيانا (٢)
وفيه من شواهد مسألتنا ثلاث كلمات (العينانا) و (منخران) و (ظبيانا)، فهي جميعا مثنى منصوب بالألف؛ خلافاً لما قعَّده العلماء بعد ذلك وفقاً للمشهور في لغة العرب من نصب المثنى بالياء.
الوجه الثاني: أن من العرب الأقحاح الفصحاء من يقلب كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها إلى (ألف).
وبمثل هذا قال أبو النجم العِجْلي:
واهاً لسلمى ثم واهاً واها ... هي المنى لو أننا نلناها
ياليت عينَاها لنا وفاها ... بثمن نُرضي به أباها
إن أباها وأبا أباها قد ... بلغا في المجد غايتَاها
فقد أبدل الشاعر الياء الساكنة المفتوح ما قبلها بالألف في قوله: (عيناها بدلاً من عينَيْها) وكذلك (غايتاها بدلاً من غايتَيْها).
стр. 215
ومثله قول الشاعر:
أي قلوص راكب تراها ... اشْدُدْ بمَثْنَيْ حَقَبٍ حَقْواها
ناجيَةً وناجياً أَباها ... طاروا علاهن فَطِر علاها
قال ابن الحاجب: "القياس: عليهن وعليها، لكن لغة أهل اليمن قلب الياء الساكنة المفتوح ما قبلها، هذا الشعر من كلامهم" (١).
المسألة الثانية: نصب الفاعل
قالوا: القرآن نصب الفاعل (الظالمين) في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٤). قالوا: والصحيح أن يقول (الظالمون)، فالظالمون لا ينالون العهد. فجعل القرآن الفاعل منصوباً!.
الجواب: أن القرآن الكريم رفع الفاعل في مواضع لا تحصى لكثرتها، ورفع الفاعل أمر يدركه صغار طلاب الكتاتيب، ولا يحتاج في معرفته إلى خبير في اللغة العربية، فإذا علم ذلك فإن الحصيف إذا ما وجد أمراً استغربه - في كتاب ما- لوروده على خلاف المعهود فإنه لن يسارع إلى تجهيل المؤلف أو تغليطه، إذ مثل هذا لا يغلط به أحد.
والحق أن الخطأ وقع فيه المتحذلقون الذين ظنوا أن الفاعل في الآية هو (الظالمون)، والصحيح أن (العهد) هو الفاعل، وقوله: (الظالمين) مفعول به، والمعنى: لا يشمل عهدي واستخلافي الظالمين.
وهذا التعبير شائع عند العرب، فيقولون: هذا ناله خيرٌ، وذاك ناله ظلمٌ.
وهو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ (الأعراف: ١٥٢)، والمعنى: سينال غضب الله الظالمين، ومثله في قوله تعالى:
стр. 216
﴿أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ﴾ (الأعراف: ٣٧)، فالفاعل في الجملة (نصيب)، كما الفاعل في الآية السابقة (غضب)، وفي الآية التي استشكلوها (عهدي)، ولم تظهر عليها علامة الرفع لتعذره بسبب إضافتها إلى ضمير المتكلم (الياء)، إذ يتعذر النطق بـ (عهدُي)، فتبين جهل القائلين بهذه الأبطولة، أو بالأحرى عجزهم عن الإتيان بغلط في القرآن يوافقهم عليه البلغاء والعقلاء.
المسألة الثالثة: عطف المنصوب على المرفوع
قالوا: العرب تعطف مرفوعاً على مرفوع، ومنصوباً على منصوب، في حين أن القرآن عطف على المرفوع منصوباً في قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء: ١٦٢)، فقالوا: يجب أن يرفع المعطوف على المرفوع، فيقول: (والمقيمون الصلاة) بدلاً من نصبه في قوله: ﴿وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾، لأنها معطوفة على مرفوع ﴿وَالمُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وقوله: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾.
والجواب: أن الواو في قوله ﴿وَالمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ ليست واو العطف، بل واو معترضة، وما بعدها منصوب على الاختصاص بالمدح، أي: وأمدح المقيمين الصلاة، وفي هذا مزيد عناية بهم عن المذكورين في الآية، فـ ﴿المُقِيمِينَ﴾ منصوبة على المدح، كما قال إمام اللغة سيبويه (١).
ومثله قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّراء﴾ (البقرة: ١٧٧)، فلم يقل: (والصابرون) وقد سبقها: ﴿الْمُوفُونَ﴾، والتقدير: وأخص بالمدح الصابرين في البأساء.
ونصب ﴿المُقِيمِينَ﴾ خلافاً لنسق ما قبله وما بعده؛ وهي طريقة في الإنشاء
стр. 217
تفعله العرب لفتاً لنظر القارئ أو السامع إلى أهمية ما بعده وخصوصيته، وتفعله بقصد المدح كما في هذه الآية، أو بقصد الذم كما في قوله تعالى: ﴿وامرأتُه حمالةَ الحطب﴾ (المسد: ٤)، أي أعني حمالة الحطب، فنصب ﴿حمالةَ﴾ على الاختصاص بالذم.
والنصب على الاختصاص سائغ ومعروف في كلام العرب، ولم يستنكره إلا أعاجم العربية اليوم، وقد كثر في أشعار العرب وآدابها، ومنه قول الخِرنقُ بنتُ بدر بن هَفَان وهي ترثي زوجها بشر بن عمرو الضبعي:
لا يبعدن قومي الذين هم ... سمُّ العداة وآفةُ الجُزْر
النازلين بكل معترَك ... والطيبون معاقد الأُزْرِ (١)
فقولها: (النازلين) منصوب على الاختصاص، وليس صفة أو معطوفاً على: (سمُّ العداة) و (آفةُ الجزر).
ومثله قول أميةَ بن أبي عائذ:
وَيَأوي إلَى نِسْوَةٍ عُطَّلٍ ... وَشُعْثاً مَرَاضِيعَ مِثْلَ السَّعَالِي
فنصب «شُعْثاً» على الاختصاص، مع أنه معطوف على مجرور.
وهكذا فالقرآن الكريم نصب قوله تعالى: ﴿والمُقِيمِينَ﴾ على الاختصاص، والواو هي واو الاعتراض؛ لا العطف.
المسألة الرابعة: عطف المرفوع على منصوب في قوله ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾
قالوا: المعطوف على المنصوب حقه في لغة العرب النصب، والقرآن رفعه مخالفاً قواعد العربية في قوله: ﴿إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ (المائدة: ٦٩)، والصحيح - حسب حذلقتهم - أن ينصب المعطوف على اسم إنَّ، فيقول: (والصابئين) كما في سورة البقرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا
стр. 218
وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِالله﴾ (البقرة: ٦٢)، وسورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ (الحج: ١٧).
والجواب: أن الواو في الآيتين الأخيرتين للعطف، والمعطوف على المنصوب منصوب، بينما الأمر مختلف في قوله: ﴿إِنَّ الذِينَ آمَنُوا وَالذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾، فالواو فيه استئنافية، وليست للعطف على الجملة الأولى.
وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، قال سيبويه والخليل: "الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا ... والصابئون كذلك"، ومثّل له سيبويه بقول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق (١)
ومثله قول ضابئ البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحلُه ... فإني وقيَّارٌ بها لغريب (٢)
فرفع الشاعر اسم فرسه (قيار)، وهو فيما يظهر معطوف على منصوب (ياء المتكلم في قوله: فإني)، فرفع الشاعر (قيار) على الابتداء، والمعنى: إني غريب، وقيار كذلك غريب، ومثله سواء بسواء رفع ﴿الصَّابِئُونَ﴾ في الآية المستشكلة.
لكن يشكل على هذا التخريج ما أورده أبو عبيد في "فضائل القرآن" من خبر يرويه أبو معاوية الضرير من طريق هشام بن عروة بسنده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: (يا ابن أختي، هذا عمل الكتاب أخطؤوا في الكتاب) (٣)، فهذا الخبر لا يصح سنداً، وهو منكر متناً.
فأما ضعف إسناده فسببه أبو معاوية الضرير، قال عنه المزي: "روى أبو
стр. 219
معاوية عن عبيد الله بن عمر أحاديث مناكير .. قال ابن خراش: صدوق، وهو في الأعمش ثقة، وفي غيره فيه اضطراب" (١).
وأما الذهبي في ميزان الاعتدال فنقل عن الإمام أحمد قوله عنه: "هو في غير الأعمش مضطرب، لا يحفظها حفظاً جيداً، علي بن مسهر أحب إلي منه في الحديث".
ثم قال الذهبي: "وقد اشتهر عنه الغلو، أي غلو التشيع" (٢).
وقال أبو داود: "أبو معاوية إذا جاز حديث الأعمش كثر خطؤه، يخطئ على هشام بن عروة، وعلي بن إسماعيل، وعلى عبد الله بن عمر" (٣)، وهذا الأثر يرويه أبو معاوية عن هشام، فروايته مما يظن فيه الاضطراب.
وأعلَّ يعقوبُ بن شيبة أبا معاوية بعلة أخرى هي التدليس، فقال عنه: "ثقة ربما دلس، وكان يرى الإرجاء" (٤)، ومن المعلوم في قواعد الرواية أن المدلس يقبل حديثه إذا صرح بالتحديث [أي قال: حدثني فلان]، ويتوقف فيه إذا عنعنه [أي قال: عن فلان]، وقد عنعن أبو معاوية في هذه الرواية، وهو ينقلها عن هشام بن عروة.
فهذه العلل ظلمات بعضها فوق بعض، وكلها تضعف الرواية من جهة إسنادها، ولا تشفع لها ولا تقويها رواية ابن شبة (٥) التي يرويها عن أحمد بن إبراهيم الموصلي عن علي بن مسهر، لضعف الموصلي أحمد بن إبراهيم، فقد وصفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين بأنه "لا بأس به"، وهي عند علماء الجرح لا تفيد توثيقاً
стр. 220
لروايته، كما لا تفيد جرحاً.
وأما شيخه في هذه الرواية، ابن مسهر فقال عنه ابن حجر: "قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعد أن أضر" (١)، فمن كان هذا حاله ترد عليه غرائبه، وتطوى ولا تُروى.
ولو فرض المحقق صحة الإسناد فإن في المتن ما يقتضي رده، إذ ينسب إلى عائشة ﵂ جهلها بما ذكرناه من أوجه الإعراب التي لا تخفى على العرب زمن النبي ﷺ ، وقد بيَّن ذلك الإمام أبو عمرو الداني حين أعل الرواية لأنها جعلت "أم المؤمنين ﵂ مع عظيم محلها وجليل قدرها واتساع علمها ومعرفتها بلغة قومها؛ لحَّنت الصحابة وخطّأت الكتبة، وموضعهم من الفصاحة والعلم باللغة، وموضعهم الذي لا يُجهل ولا يُنكر، هذا لا يسوغ ولا يجوز.
وقد تأوّل بعض علمائنا قول أم المؤمنين: (أخطؤوا في الكتاب) أي"أخطؤوا في اختيار الأَولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أن الذين كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز، لأن ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه وعظم قدر موقعه، وتأوّل اللحن أنه القراءة واللغة" (٢).
وأكد على هذا المعنى الزمخشري: "ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً في خط المصحف، وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتتان، وغُبِّي عليه [أي خفي عليه] أن السابقين الأولين - الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل - كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذَبِّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم، وخرقاً يرفوه من يلحق بهم" (٣).
стр. 221
المسألة الخامسة: الجمع بين فاعِلَين في الجملة
قالوا: العرب لا تأتي بضمير فاعل مع وجود الفاعل (اسم ظاهر)، حتى لا يكون في الجملة فاعِلَيْن، بينما القرآن جعل للفعل فاعِلَيْن في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا﴾، ورأى المتحذلقون من أعاجم العرب أن الأولى أن يقول: (وأسر النجوى الذين ظلموا)، أي حذف ضمير الفاعل (الواو) في ﴿أسرّوا﴾ لوجود الفاعل ظاهراً وهو قوله: ﴿الذين﴾.
الجواب: سبقت الإشارة إليه في مقدمة هذا المبحث، فهذا الأسلوب جائز على لغة طيء وأزد شنوءة، وهم من العرب الفصحاء، ويضرب اليوم لهذه اللغة مثلاً، وهو قولهم لغة (أكلوني البراغيث).
والعرب تعرف هذا في آدابها وأشعارها (١)، كما قال الشاعر:
نصروك قومي فاعتززتَ بنصرهم ... ولو أنهم خذلوك كنتَ ذليلا
فقد ألحق الشاعر الواو بالفعل في قوله: (نصروك)، مع أن الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، وهو قوله: (قومي).
ومنه قول عبد الله بن قيس في رثاء مصعب بن الزبير:
تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعدٌ وحميم
فقد وصل الشاعر ألف التثنية بالفعل؛ مع أن الفاعل اسم ظاهر (مبعد)، وكان القياس على القاعدة أن يقول: (وقد أسلمه مبعد وحميم).
ومنه قول الشاعر:
فأدركنه خالاتُه فخذلنه ألا ... إن عرق السوء لا بد مدرِك
فألحق نون النسوة بالفعل في قوله: (فأدركنه)، مع وجود اسم الفاعل ظاهراً (خالاتُه).
стр. 222
وقد تكرر مثل هذا النسق الإعرابي في آيات قرآنية وأحاديث نبوية، منها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ (المائدة: ٧١)، فقد ألحق علامة جمع الذكور (الواو) بالفعل في قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ مع أن هذا الفعل مسند إلى فاعل ظاهر بعده، وهو قوله: ﴿كَثِيرٌ﴾، ومنه قوله ﷺ : «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» (١).
فهل تراه بقي لطاعن ما يتكلم به وقد عرف أصالته في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم.
المسألة السادسة: رفع الفعل المضارع بعد (حتى)
قالوا: أخطأ القرآن حين رفع الفعل المضارع بعد (حتى) في قراءة ورش ﴿حَتَّى يَقُولُ والرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (البقرة: ٢١٤)، ورأوا أنه لا يصح فيها إلا الفتح، وهو الوجه المشهور عند بقية القراء.
والجواب: إن (حتى) من أعجب كلام العرب لكثرة صور إعرابها، وما تدل عليه في استعمالاتها، فمنها ما هو للعطف، ومنها ما هو للابتداء، ومنها ما هو لغير ذلك، ولكثرة معانيها واستخداماتها في لغة العرب قال أبو زكريا الفراء: "أموت وفي نفسي شيء من حتى" (٢).
وللفعل المضارع بعد (حتى) ثلاث حالات:
١ - الفعل المضارع الدال على الاستقبال، ويتعين نصبه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ (الحجرات: ٩).
٢ - المضارع الدال على الحال، ويتعين رفعه، ومثَّل العرب له بقولهم: "شربتِ الإبل حتى يجيءُ البعير يجر بطنه".
стр. 223
٣ - المضارع الدال على الماضي في معناه، ويجوز فيه الوجهان: الرفع والنصب، فأما الرفع فلكونه ماض في معناه، وأما النصب لكونه صيغة مستقبل، وقد جمعها الراجز (١) بقوله:
تلخيص مسألة حتى يا فتى ... رفعك حالاً بعدها إذا أتى
ونصب ما استقبل والوجهان ... في ما مضى معنى فخذ بياني
كشربت حتى تجيئُ الإبل ... وما تلا (فقاتلوا) (وزلزلوا)
وعليه فيجوز الوجهان (الرفع والنصب) في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ (البقرة: ٢١٤)، لأنه ماض في معناه (٢).
وهكذا تبين جهل القائلين بوجود اللحن في القرآن، وتسرعهم في الطعن عليه من غير حجة ولا بينة (٣).
المسألة السابعة: هل أدخل القرآن التنوين على الفعل؟
قالوا: القرآن أدخل التنوين على الفعل، والعرب لا تدخله إلا على الاسم، وذلك في قوله: ﴿لنسفعاً بالناصية﴾ (العلق: ١٥) وقوله: ﴿ليكوناً من الصاغرين﴾ (الأعراف: ١٣)، واستدلوا لقولهم بكتابتهما في المصحف - وفقاً للرسم العثماني - بالتنوين (لنسفعاً، ليكوناً).
الجواب: التنوين هو نون ساكنة من حيث نطقه (كتابٌ، كتاباً، كتابٍ)، فإنها تنطق في أحوالها الثلاثة (كتابنْ)، وما ألحق بالفعلين في الآيتين الكريمتين نون ساكنة؛ وهي نون التوكيد المخففة، وتنطق (لنسفعنْ، ليكوننْ).
وهنا يثور سؤال عن سبب كتابة الصحابة لهذين الموضعين (لنسفعاً، ليكوناً) بالتنوين (الذي ينطق نوناً ساكنة) بدلاً من النون الساكنة.
وفي الجواب نقول بأن العرب إذا أرادت الوقوف على بعض الحروف فإنها تغير الحرف الذي تقف عليه، ليقرأ على غير حالة التحريك، ومن أمثاله التاء المربوطة التي تنطق تاء عند الوصل (القيامة، الجنة)، وهاء عند الوقف (القيامه، الجنه).
ومثله نون التوكيد المخففة، فإن العرب إذا أرادوا الوقف عليها وقفوا بالألف؛ كما في تنوين النصب، ولأجل ذلك كتب الصحابة هذين الموضعين لنون التوكيد المخففة (تنويناً)، لأننا ننطقها (نوناً ساكنة) عند الوصل، و (ألفاً) عند الوقف، كما في تنوين الفتحتين سواء بسواء.
وقد أجمع قراء القرآن على الوقوف على هاتين الكلمتين بالألف (لنسفعا) (ليكونا)، قال ابن الأنباري عن النون المخففة: «تتغير في الوقف، ويُقَفُ عليها بالألف. قال تعالى: ﴿لنسفعاً بالناصية﴾ وقال تعالى: ﴿ليسجنن وليكوناً من الصاغرين﴾ أجمع القراء على أن الوقف فيهما بألف لا غير.
وقال الشاعر: يحسبه الجاهل ما لم يعلما» (٤).
وإذا أردنا التدليل على أصالة ما ننسبه إلى العرب من الوقوف على النون الساكنة بالألف - كالتنوين -؛ فإن شواهده في شعرهم كثيرة، ونبدأ بالبيت الذي ذكره ابن الأنباري من شعر ابن الأعرابي:
يَحسبه الجاهلُ ما لم يَعلما ... شيخاً على كُرسيَه مُعمَّما
فقوله: (يعلما)، أصلها نون ساكنة (يعلمنْ)، وكتبت بالألف كما تنطق حال الوقف.
ومن شواهد هذا الصنيع عند العرب قول ميمون بن قيس الأعشى في مدح النبي ﷺ :
فإياك والميتاتِ لا تأكلَنَّها ... ولا تأخذنْ سهما حديدا لتفصِدا
وذا النُّصُبِ المنصوبَ لا تَنْسُكَنَّه ... ولا تعبُدِ الأَوثانَ واللهَ فاعبُدَا
وصلِّ على حين العشيات والضحى ... ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تقربنّ جارة إنَّ سرَّها ... عليك حرام فانكحن أو تابدا (٥)
وفيه أربعة شواهد (لتصفدا، فاعبدا، فاحمدا، تأبدا)، فهذه الكلمات الأربع تنتهي بنون ساكنة، وهي تكتب ألفاً كما تنطق عند الوقوف عليها؛ كما الحال في تنوين النصب، ولأجله كتبت في هذه المواضع بالألف، كما في الآيتين الكريمتين.
قال ابن منظور: «أَراد (فاعبدنْ)، فوقف بالأَلف كما تقول: رأَيت زيداً» (٦).
وقال الثعالبي: «إنه أراد (والله فاعبدنْ)، فقلب النون الخفيفة ألفاً، وكذلك في قوله عزّوجلّ: ﴿ألقيا في جَهَنَّمَ﴾» (٧).
ومثله في شعر العرب قول الشاعر:
أقصِرْ فلستَ بمُقْصِرٍ جُزْتَ المدَى ... وبلغتَ حيثُ النَّجمُ تحتَكَ فارْبَعا
فقوله: (فاربعا) كتبت بالألف كحالها عند الوقف عليها، وهي في الأصل (فاربعنْ)، ولو وصلت بما بعدها لقرأت بالنون الساكنة (فاربعنْ).
وأيضاً مثله قول امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حَبيبٍ ومنزلِ ... بسِقطِ اللّوى بينَ الدَّخولِ فحومَلِ
قال أبو الحسن المجاشعي: «أراد (قفنْ)؛ لأنه يخاطب واحداً بدلالة قوله في آخر القصيدة:
أحار ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل».
وكذلك قال أبو عكرمة الضبي: «أراد (قفن)، فأبدل الألف من النون الخفيفة» (٨).
стр. 224
ثانياً: الأخطاء البيانية المزعومة
وإذا كان القرآن قد تحدى العرب ببلاغته زمن جزالة اللغة وحجية الناطقين بها؛ فإن بعض أعاجم العرب اليوم يزعمون أن في أساليب القرآن ما لا تجيزه العرب في كلامها، وكأني بهم لم يطلعوا على خبر لبيد بن ربيعة العامري صاحب إحدى المعلقات السبعة، وهو من فحول شعراء العرب، فقد سأله عمر بن الخطاب يوماً: أنشدني من شعرك. فقرأ له لبيد سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتاً من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران.
وقد ترك قول الشعر إعجاباً بالقرآن، حتى قيل أنه لم يقل بعد الإسلام إلا بيتاً واحداً، وهو قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح
وقيل بل قال:
الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالاً (١)
إن عظمة البيان القرآني دعت المستشرق بلاشير إلى الإشادة والإعجاب ببلاغة القرآن، وهو الذي لم يألُ جهداً في الطعن في القرآن ومعاداته في كتابه "القرآن: ترجمة جديدة" Le Coran: Traduction nouvelle)) ،، لكنه قال: "إن القرآن ليس معجزة بمحتواه وتعليمه فقط، إنه أيضاً يمكنه أن يكون قبل أي شيء آخر تحفة أدبية رائعة؛ تسمو على جميع ما أقرته الإنسانية وبجلته من التحف" (٢).
وإذا كان الأمر كذلك فلسوف نتوقف مع أهم ما استشكله عباقرة البيان في هذا العصر، ممن لا يفرق بين المرفوع والمنصوب، والمشبه والمشبه به:
стр. 225
المسألة الأولى: عود الضمائر في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ إلى رسول الله ﷺ .
قالوا: أتى القرآن بتركيب يؤدي إلى اضطراب المعنى، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (الفتح: ٨ - ٩)، فقالوا: الأصل في الضمير عوده على آخر مذكور، بينما نجد أن الضمير في قوله: ﴿تعزّروه وتوقروه﴾ عائد على الرسول المذكور آخراً.
وأما قوله: ﴿تُسَبِّحُوهُ﴾ عائد على اسم الجلالة المذكور أولاً.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بطريقين صحيحين:
الأول: اعتبر ابن الجوزي جمع شيئين مختلفين في سياق واحد من صور بلاغة العرب، فيرد كل واحد منهما إلى ما يليق به، وضرب له أمثلة، منها هذه الآية، وأمثلة أخرى، منها قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤). فالمعنى يقول المؤمنون: ﴿مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾، فيقول الرسول: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾.
ومن أمثلته أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ (القصص: ٧٣)، فالسكن بالليل، وابتغاء الفضل بالنهار، لكنه جاء بالسكن بعد ذكر النهار، لأن السامع يعلم اختصاص الليل بالسكن، والنهار بالبحث عن الرزق وابتغاء فضل الله فيه.
وبمثله يمكن فهم آية سورة البقرة، فالمعنى: لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروا رسوله وتوقروه، فهذان من حق الرسول، ثم شرعت الآية في الحديث عن حق الله فيقول: وتسبحوه، وأهمل التفصيل لأنه مستغنى عن ذكره لكونه معلوماً عند أهل العلم والبيان، ومن المعيب في البيان ذكر ما يستغنى عنه.
стр. 226
ولهذا المعنى حبذ القرطبي الوقوف على قوله: ﴿تُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ ثم الابتداء بقوله: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (١).
الثاني: أنه ليس ما يمنع أن تعود الضمائر كلها على الله، أي لتؤمنوا بالله وتعزروه أي تنصروه، وتوقروه وتسبحوه، فتعزير الله هو نصره ﵎ بنصر دينه، وهو كقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ﴾ (محمد: ٧)، وكقوله ﷺ : «الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، فقال: لله ولرسوله ولكتابه» (٢).
المسألة الثانية: ورود ضمير المفرد في سياق التثنية
قالوا: أتى القرآن بضمير المفرد في حديثه عن المثنى، وذلك في قوله: ﴿والله ورسوله أحق ان يرضوه﴾ (التوبة: ٦٢)، وقالوا مستنكرين: لماذا لم يثنّ الضمير العائد على اثنين (اسم الجلالة ورسوله)؟ فالأولى تثنيتهما، وأن يكون السياق: (أحق أن يرضوهما).
وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة:
أ- إفراد الضمير ليختص بالحديث عن الله، وليدل بذلك على أن إرضاء الله هو عين إرضاء الرسول، فمن أرضى الله فلا ريب أنه أرضى الرسول ﷺ ، ومثله قول الله: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء: ٨٠)، فأفرد الضمير لتلازم الرضائين.
كما أهمل عود الضمير على الرسول لمعنى آخر: وهو التفريق بين الرضائين (رضا الله ورضا رسوله)، فإرضاء الله مقصود لذاته، بينما إرضاء الرسول تبع لرضا الله، لا يستقل، ولو استقل رضاه عن رضا الله - وحاشاه - لما صح أن يطلب رضاه.
стр. 227
ب- الأَولى أن لا يذكر مع اسم الله أحد، فلا يُثنَّى مع اسم الله ملَك ولا رسول، ولا يُذكر الله تعالى مع غيره في صيغة تشرك معه غيره، بل يفرد بالذكر تعظيماً له، ففي صحيح مسلم أن خطيباً قام عند النبي ﷺ فقال في خطبته: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى". فقال النبي ﵊: «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ» (١). فكره النبي ﷺ أن يجمع مع الله غيرُه في ضمير واحد.
ج- وذهب سيبويه في فهم الآية على وجود خبر محذوف للعلم به ضرورة، فالمعنى: (الله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك)، فيكون الكلام جملتين حُذف خبر إحداهما لدلالة الثاني عليه، والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك (٢)، قال أبو عبيدة: "والعرب إذا أشركوا بين اثنين قصَروا، فخبَّروا عن أحدهما استغناء بذلك، وتحقيقاً لمعرفة السامع أن الآخر قد شاركه، ودخل معه في ذلك الخبر، وأنشد:
فمن يك أمسى بالمدينة رحْلُهُ ... فإني وقيَّارٌ بها لغريب" (٣)
ولم يقل: (لغريبان)، فالمعنى: (إني لغريب، وقيار كذلك).
ومثله كثير في أشعار العرب (٤) كقول الفَرَزدق:
إنّي ضَمِنْتُ لِمَنْ أتانِي ما جَنى ... وأَبي فَكانَ وكُنْتُ غَيرَ غَدُورِ
ولم يقل: (غَدُورَيْن)، والمعنى: (فكنت غير غدور، وأبي كذلك).
стр. 228
ومثله قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنتُ منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوى رماني
ولم يقل: (بريئين). والمعنى: (من أجل شجارنا عند بئر الطوى رماني بما أنا بريء منه، وكذلك والدي).
وهذا الذي عرفته العرب (١) من الاكتفاء بأحد المذكورَين، والاستغناء بذكره عن الآخر لشرف الأول أو لغيره من الأسباب البيانية تكرر كثيراً في القرآن: كقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (الجمعة: ١١)، لم يقل: (إليهما)، بل أعاد الضمير إلى التجارة؛ لأنها الأهمّ.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ (النساء: ١١٢)، أي يرمي بالإثم، ولم يقل: (بهما)، بل أعاد الضمير على الإثم دون الخطيئة، لأنه أعظم منها.
المسألة الثالثة: خطاب المثنى بصيغة الجمع
قالوا: أتى القرآن بالمعيب عند أهل البيان حين ذكر المثنى بصيغة الجمع، في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: ٤)، فالخطاب موجّه لحفصة وعائشة. فلماذا لم يقل: (صغا قلباكما)، إذ أنه ليس للاثنتين أكثر من قلبين؟
وفي الجواب ذكر علماء اللغة أجوبة، أهمها:
أ- أن الله قد أتى بالجمع في قوله: ﴿قُلُوبُكُمَا﴾، لأنه يسوغ في لغة العرب؛ لإضافته إلى مثنى، وهو ضميرهما. والجمع في مثل هذا أكثر استعمالاً من المثنى. فإن العرب تكره اجتماع تثنيتين، فيعدلون إلى صيغة الجمع؛ لأن التثنية جمع في المعنى والأفراد.
стр. 229
ب- أن الكثير من العرب يجعل أقل الجمع اثنين، والقرآن وافق العرب في أساليبها في هذا الموضع وفي غيره، فعبر عن المثنى بالجمع، ومنه قول الله لآدم وحواء: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (البقرة: ٣٦)، ووافق أسلوب غيرهم ممن يجعل أقل الجمع ثلاثة في سورة طه، فقال: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (طه: ١٢٣).
ومثله قول الله لموسى وهارون: ﴿قَالَ كَلاَّ فاذهبا بآياتنا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ (طه: ١٥)، ووافق أسلوب الآخرين في سورة طه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى﴾ (طه: ٤٦).
وأمثلته في كلام العرب أكثر من أن تحصى، ومنه قول الأخفش:
لما أتتنا المرأتان بالخبر ... فقلنَ إن الأمر فينا قد شهر
وقال أبو سعيد الزيدي:
يحيِّي بالسلام غنيَّ قوم ... ويَبخلُ بالسلام على الفقير
أليس الموت بينهما سواءً ... إذا ماتوا وصاروا في القبور (١)
فقال: (ماتوا)، ولم يقل: (ماتا)، مع أن واو الجماعة تتعلق باثنين، وهما الغني والفقير.
المسألة الرابعة: تذكير المؤنث
قالوا: أخطأ القرآن حين ذكَّر المؤنث في قوله تعالى: ﴿اللهُ الذِي أَنْزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (الشورى: ١٧)، فقال في سياق حديثه عن (الساعة)، وهي مؤنثة: ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: (قريبة).
ومثله في قوله: ﴿وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين﴾ (الأعراف: ٥٦)، ولم يقل: (قريبة)،
стр. 230
مع أنه يتحدث عن رحمة الله، وهي مؤنثة.
والجواب: أن المعترض يجهل أن العرب تجيز التسوية بين المذكر والمؤنث في مواضع، أهمها خمسة أوزان، وهي: (فعول) كرجل شكور وامرأة شكور، (مِفْعال) كرجل مِقدام وامرأة مِقدام، (مفِعيل) كرجل مسكين وامرأة مسكين، (مِفعَل) كرجل مغشم وامرأة مغشم، (فعيل) كرجل جريح وامرأة جريح (١).
وقوله تعالى: ﴿قريب﴾ على وزن (فعيل)، فيسوى فيها بين الذكر والأنثى.
ومنه قول امرئِ القيس
له الوَيْلُ إِنْ أَمْسَى ولا أُمُّ هاشمٍ ... قَريبٌ ولا البَسْباسةُ ابنةُ يَشْكُرا
ومنه قول قيس بن الخطيم:
فليت أهلي وأهل أثلة في الـ ... دار قريب من حيث نختلف
ومثله قول وضاح:
حين تنبي أن هنداً قريب ... يبلغ الحاجات منها الرسول
ومثله قول عبد الله بن الحجاج:
وأنى ترجي الوصل منها وقد نأت ... وتبخل بالموجود وهي قريب
وقد جمع بين الوجهين (بعيدة، قريب) الشاعر بقوله:
عشية لا عذراءُ منك بعيدة ... فتدنو ولا عذراءُ منك قريب (٢)
المسألة الخامسة: ضمير الجمع والإفراد
قالوا: القرآن يخلط بين المفرد والجمع، وذلك في قوله: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ (البقرة: ١٧)، فصدر الآية يتحدث عن مفرد ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ﴾، لكنه في آخر الآية استخدم ضمير الجمع
стр. 231
﴿بِنُورِهِمْ﴾، والأَولى - حسب زعمهم - أن يقول: (بنوره)، كما استشكلوا أمراً آخر، وهو تشبيه الجماعة بالواحد.
والجواب: أن الله لم يشبه الجماعة بالواحد، وإنما شبه قصتهم بقصة المستوقد، فالمعنى: مَثلُ استضاءة المنافقين بما أظهروه بلسانهم وهُم به مكذبون اعتقاداً؛ كمثَل استضاءة المُوقِد ناراً.
ولن يعترض معترض على قولنا: (كمثل استضاءة)، فالحذف في الكلام معروف عند العرب، إذا فهم المعنى من السياق، كما قال نابغةُ بني جَعْدَة:
وَكَيْفَ تُوَاصِل من أَصْبَحَتْ ... خِلالَتُهُ كَأَبِي مَرْحَبِ (١)
أي: كخِلالة أبي مَرْحب. فأسقط (خِلالة)، لأنها مفهومة من السياق.
وأما تمثيلَ الجماعةَ بالواحد فجائز، ومثاله كثير في القرآن ولغة العرب، كقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ (الجمعة: ٥).
ثم يصح أن يقال: إن الآية تتحدث عن مستوقد واحد أضاء للمجموع، فصار هذا الضوء لهم جميعاً، لأنهم جميعاً منتفعون به.
ووجه آخر لم يعرفه أعاجم العرب الطاعنون في القرآن، وهو أن العرب تأتي بـ (الذي) بمعنى (الذين)، كما قال الأشهب بن رميلة:
وإن الذي حانت بفَلْج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
ومثله قول الشاعر:
ربَّ عَبْس لا تُبارِكْ في أَحَدْ ... في قائمٍ منهم ولا فيمن قَعَدْ
إلاّ الذي قامُوا بأَطرْاف المَسَدْ (٢)
стр. 232
(*)
المسألة السادسة: هل يعود الضمير على غير مذكور في السياق ؟
قالوا: كيف يعود القرآن بالضمير على غير مذكور في القرآن كله، وذلك في آية رفع المسيح وإلقاء شبهه على غيره، وهي قوله تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ (النساء: ١٥٧)، أي: (شُبِّه لهم غيرُ المسيح بالمسيح)، فالهاء في ﴿شُبِّه﴾ تعود على (المصلوب البديل)، وهو غير مذكور في السياق، لا بل هو غير مذكور في القرآن كله؟
والجواب: القرآن نزل في مخاطبة العقلاء، ومن فائق بلاغة البليغ أن يطوي أو يضمر ذكر بعض ما يعرفه السامعون ببداهة عقولهم، فيستغنون بها عما لا يستغني عنه أصحاب البلادة.
وقد كان من عادة العرب في كلامهم العودُ بالضمير على غير مذكور في السياق لاستغناء السامع عن ذكره، لذا وردت أمثلة عديدة له في آيات القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى في صدر سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١)، فالضمير في قوله ﴿أنزلناه﴾ يعود على (القرآن الكريم)، وهو غير مذكور في السورة، لكنه مفهوم من السياق.
ومثله عود الضمير في قوله تعالى: ﴿كلا إذا بلغت التراقي (٢٦) وقيل من راقٍ﴾ (القيامة: ٢٦ - ٢٧)، وقوله: ﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم (٨٣) وأنتم حينئذٍ تنظرون﴾ (الواقعة: ٨٣ - ٨٤)، فالضمير في كلتا الآيتين في قوله: ﴿بلغت﴾ يراد منه (الروح)، وهي غير مذكورة في السياقين، لكنها مما يفهمه السامع، فيستغنى عن ذكرها البلغاء.
وكذلك يقرأ القارئ قوله تعالى: ﴿فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً﴾ (الواقعة: ٣٢ - ٣٦)، فيعرف أن ضمير النسوة في قوله: ﴿أنشأناهن﴾ يراد منه (حوريات الجنة)، رغم أنهن غير مذكورات في السياق.
وهو كذلك يدرك عود الضمير على (الأرض) حين يقرأ قول الله تعالى: ﴿كل من عليها فانٍ﴾ (الرحمن: ٢٦)، وقوله: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ (فاطر: ٤٥)، ومع أن (الأرض) غير مذكورة في السياقين، فإن معنى قوله: (عليها، ظهرها) لم يلتبس على أحد ممن يفقه كلام العرب وأساليبهم، فهذا أسلوب عربي في البيان، سجلوه في الكثير من أشعارهم التي تمثل إحدى ذرى البيان العربي، فمنه قول حميد بن ثور:
وصهباء منها كالسفينة نضجت ... به الحمل حتى زاد شهراً عديدها
فالضمير في قوله: (منها) يراد به (الإبل)، وهن غير مذكورات فيما قبله من أبيات.
ومثله قول حاتم الطائي في مطلع رائيته:
أماويُ ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقوله: (حشرجت وضاق بها) يعني به حشرجة (الروح)، وهي غير مذكورة في هذا البيت الذي استفتح به قصيدته.
وكذلك قول لبيد في معلقته:
حتى إذا ألقت يداً في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها
فالضمير في قوله: (ألقت)، يراد منه (الشمس)، ولم يجر لها ذكر فيما قبله، ولكن يدل عليه عجز البيت، وهو قوله: وأجن عورات الثغور ظلامها.
ومثله كذلك قول طرفة في معلقته:
على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ألا ليتني أفديك منها وأفتدي
فالضمير في قوله (مثلها) عائد على (الفلاة) ولم يرد لها ذكر في الأبيات قبله، لكنه مفهوم من السياق، فاستغنى البلغاء عن التصريح به لاستغناء العقلاء عنه.
وهكذا فإن عود الضمير على غير مذكور في السياق ضرب من ضروب البلاغة التي لم يعرفها الطاعنون في القرآن، فحالنا وحالهم كما قال الشاعر:
إذا حسناتي اللاتي أدل بها ... صارت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
стр. 233
المسألة السابعة: هل في القرآن ما هو لغو ولا معنى له ؟
قالوا: إن في القرآن ما يعتبر لغواً في الكلام، ولا فائدة من ذكره، ومقصدهم ما جاء في قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم تلك عشرةٌ كاملةٌ﴾ (البقرة: ١٩٦)، فقالوا: ﴿عشرة كاملة﴾ لا داعي لها، لأن كل سامع للآية يعرف أن ٧+٣=١٠.
والجواب:
كلام العقلاء والبلغاء قائم على الاختصار غير المخل والإسهاب غير الممل، فثمة مواضع يحلو فيها الكلام بذكر بعض لا يخلو من بعض التفاصيل، فنقول: رأيته بعيني. وسمعته بإذني. والرؤية لا تكون إلا بالعين، والسمع لا يكون إلا بالأذن، ومع ذلك لا يعتبر هذا من لغو الكلام، بل هو متمم لجماله.
والعرب في بليغ كلامها إذا ذكرت عددين فإنها تجمعهما فيما يسمونه الفذلكة (١)، ولا يرون في ذلك لغواً أو عيباً، قال ابن عرفة: «مذهب العرب إِذا ذَكَرُوا عَدَدين أَن يُجْمِلُوهما» (٢)، وبمثله نزل القرآن كما في الآية التي استشكلوها، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (الأعراف: ١٤٢).
وشواهد الفذلكة في شعر العرب كثير، منها قول النابغة:
توهَّمْتُ آياتٍ لها فَعرَفْتُها ... لِسِتَّةِ أَعْوامِ وذا العامُ سابِعُ
وكذلك قوله:
قالت ألا لَيتما هذا الحمامُ لنا ... إلى حمامَتا ونِصْفُهُ فَقَدِ
فحسبوه فألْفَوْه كما حَسِبتْ تسعاً وتسعين لم تنقُص ولم تَزِدِ
فكمّلَتْ مائةً فيها حمامتُها ... وأسرعتْ حِسْبةً في ذلك العدد
فقوله: (سابع) و (فكمّلَتْ مائةً) قد يراه الجاهل بطرائق العرب لغواً يعيب الكلام، لكن هيهات لأعاجم العرب الذين لا يملكون من الذوق اللغوي ما يملكه النابغة أو الفرزدق القائل:
ثَلاثٌ واثْنتانِ فهُنّ خَمْسٌ ... وثالِثةٌ تَميل إِلى السِّهَام
ومثله من الفذلكة كذلك قول الأعشى:
وسِتّ حين يدركني العشاء ... ثلاثة بالغداة فهي حسبي
وشرب المرءِ فوق الريِّ داء فذلك تسعة في اليوم ريّيّ
فهذه الشواهد التي قالها أدباء العربية وأساطينها تبين فناً من فنون البيان جهله الطاعنون في القرآن الذي نزل وفق نسق كلام العرب موافقاً لوجوه بلاغتهم.
وقد ذكر العلماء وجوهاً من المعاني تبين فائدة الفذلكة، منها دفع التوهم بأن الواو التي بين الأرقام بمعنى (أو)، وهو معنى صحيح لها على مذهب علماء العربية الكوفيين، فعن قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجعتم﴾ قال الزجاج: «جَمَعَ العددين لجواز أن يُظَنّ أنَّ عليه ثلاثة أو سبعة، لأن الواو قد تقوم مقام (أو)، ومنه: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (فاطر: ١) , فأزال احتمال التخيير» (٣).
وقال الزمخشري: «فائدة الفذلكة في كل حساب أن يعلم العدد جملة، كما علم تفصيلاً ليحاط به من جهتين، فيتأكد العلم، وفي أمثال العرب: علمان خير من علم».
وقال غيره من العلماء: ذكر الله العشرة لئلا يتوهّم أنَّ العدد سبعة يراد به الكثرة، لا العدد نفسه، كما هو معهود عند العرب، فقد روى أبو عمرو بن العلاء وابن الأعرابي عن العرب: "سَبَّع الله لك الأجرَ"أي أكثر ذلك، يريدون التضعيف.
وقال الأزهري في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (التوبة: ٨٠) هو جمع السبع الذي يستعمل للكثرة (٤)، وهو مشهور في لغة العرب.
ولهذا لما احتمل أن يُتوهّم أنَّ المراد بالسبع ما هو أكثر من السبع, ذكرت الآية الفذلكة، فرفع هذا الاحتمال.
وهكذا ففي كل هذه الوجوه ما يؤكد على حكمة الله البالغة بذكر جمع الأعداد؛ وإن جهل ذلك الطاعنون في القرآن والشانئون له بغير علم ولا بينة.
стр. 234
ومن ذلك كله تبين جهل الطاعنين في بلاغة القرآن وأسلوبه، لقد جهلوا لغة العرب وبلاغة القرآن التي عرفها أعداؤه زمن بلاغة العرب وجزالة اللغة، فقال قائلهم (الوليد بن المغيرة): والله إنَّ لقولِه الذي يقولُ لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلُه، وإنه ليعلو وما يُعلا، وإنه ليَحطِم ما تحته" (١).
стр. 235
التناقضات المزعومة في القرآن الكريم
التناسق الداخلي للنص شرط لا غنى عنه في الكتاب حين ينسب إلى كاتب حصيف، وهو من باب أولى شرط في الكتاب حين ينسب إلى الله ؛ لذا يستحيل أن يوجد التناقض في كلام الله ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ (النساء: ٨٢).
وما ذكره البعض عن تناقضات مزعومة في القرآن لا يعدو أن يكون سوء فهم منهم لآياته أو جهلاً بلغة العرب ومساقات كلامها، وهذا بيِّن لمن تبصر هذه المواضع التي استشكلوها:
الإشكال الأول: هل أقسم الله بمكة أم لم يقسم؟
قالوا: تناقض القرآن في مسألة قسم الله بمكة، فهو أقسم بها في قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (التين: ٣)، وفي موضع آخر ينكر هذا القسم بمكة، فيقول: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ١).
والجواب: لقد أقسم الله بالبلد الأمين (مكة) كما في آية سورة التين.
وما فهمه المعترضون من آية سورة البلد خطأ قادهم إليه جهلهم بلغة العرب وطرائقها في البيان، ففي قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾. (لا) ليست (لا) النافية التي تعني نفي القسم، بل هي (لا) الصلة، ويسميها بعض النحويين (لا) الزائدة، فهي زائدة نحوياً، وإن كانت غير زائدة بلاغياً، لأنها تفيد التأكيد (١).
قال الزجاج: "لا اختلاف بين الناس أن معنى قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وأشكاله في القرآن معناه: أقسم" (٢).
والعرب ما زالت تستخدمها في كلامها من القديم، فهي كقولنا: لا أوصيك بفلان، أي لا أحتاج إلى وصاتك به، فهي نوع من التأكيد على الوصاة، وليست طلباً للإهمال.
ومن طريف الأخبار أن رجلاً سأل أبا العباس بن سريج عن هاتين الآيتين، فقال ابن سريج: أي الأمرين أحب إليك؟ أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال الرجل: بل اقطعني ثم أجبني.
فقال: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله ﷺ بحضرة رجال، وبين ظهراني قوم كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزاً وعليه مطعناً، فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به، وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجَهِلْتَ، فلم ينكروا منه ما أنكرت (٣).
إن العرب قد تدخل (لا) في أثناء كلامها وتلغي معناها، وأنشد فيه أبياتاً (٤).
ومثله كثير في أشعار العرب (٥)، ومنه قول النابغة:
فَلاَ وَحقِّ الَّذِي مَسَّحْت كَعْبَتَهُ ... وَمَا هُرِيق عَلَى الأنْصَابِ مِنْ جَسَدِ
أي: فوحق الذي ...
وقول الآخر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتصدع
стр. 236
أي: يتصدع.
ومثله قول الشاعر:
فَلاَ وَاللهِ لاَ يُلْقَى لمَاِ بي ... وَلاَ لِما ِبهمْ أبَداً دَواءُ
أي: فوالله.
ومثله قول طرفة:
فَلاَ وَأَبِيكِ ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر
أي: وأبيكِ.
وهذا الأسلوب في القسم يفيد تعظيم المقسم به، كما في سورة البلد، وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: ٧٥ - ٧٧)، وكقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: ١ - ٢).
وقد وردت (لا) الصلة في مواضع كثيرة في القرآن الذي نزل بلغة العرب، ومنه قوله: ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ (آل عمران: ١٥٣)، أي (لتحزنوا)، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (طه:٩٢ - ٩٣)، أي (أن تتبعن)، وقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: ٦٥)، أي: (فوربك)، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ (الحديد: ٢٩)، أي: (ليعلم أهل الكتاب).
وقد ورد في سياق قصة آدم إثبات (لا) الصلة في موضع، وحذفها في آخر، لجواز الوجهين وتكامل معنييهما، فأما إثباتها ففي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (الأعراف: ١٢)، وقد حذفت في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ (ص: ٧٥)، والمعنى فيهما واحد، وهو: ما الذي منعك أن تسجد لآدم؟.
стр. 237
الإشكال الثاني: كم عدد الملائكة الذين نزلوا يوم بدر؟
قالوا: اختلفت الآيات في عدد الملائكة النازلين في غزوة بدر، ففي سورة الأنفال أنهم ألف: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِين﴾ (الأنفال: ٩)، وفي سورة آل عمران أنهم ثلاثة آلاف ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٤)، وفي الآية التي بعدها أصبحوا خمسة آلاف ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٥).
والجواب: أما الخمسة الآلاف فجاء ذكرها في تعزية المسلمين في هزيمتهم في غزوة أُحد، فامتن الله على الصحابة بذكر مدد ملائكة بدر، وذكر لهم أن المشركين لو عادوا إليهم فإن الله سيمدهم بخمسة آلاف من الملائكة إذا صبروا على ما فيهم من الجراحات وثبتوا لقتالهم ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٤)، لكن الله منَّ على المسلمين بعد أن أظهروا الثبات وتجهزوا للقتال، فصرف عنهم المشركين، فلم يعودوا لقتالهم، ولم تتنزل الملائكة في أُحد لفوات الشرط ﴿وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ﴾.
وقال بعض أهل العلم: بل كان هذا الوعد في بدر حين بلغ المسلمين أن كرز بن جابر الفهري يمد المشركين، فشق عليهم، فأنزل الله: ﴿أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ بَلَى إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٥)، قال الشعبي: فبلغت كرز الهزيمة فلم يمد المشركين، ولم يمد الله
стр. 238
المسلمين بالخمسة آلاف (١)، فهذا خبر الخمسة آلاف.
والحق أن الله أنزل من الملائكة يوم بدر ثلاثة آلاف، كما قال النبي ﷺ لأصحابه قبل المعركة: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٤)، وقد نزل هؤلاء الملائكة بالترادف ألفاً بعد ألف، كما قال الله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِين﴾ (الأنفال: ٩)، فقوله: ﴿مُرْدِفِين﴾ تعني: ردفهم غيرُهم ويَتْبَعهم ألوف أُخر مثلهم، فالترادف هو التتابع، والرادف: المتأخر، والمردف: المتقدم الذي أردف غيره (٢).
الإشكال الثالث: أيهما خلق أولاً، السماوات أم الأرض؟
قالوا: تناقض القرآن حين تحدث عن ترتيب وجود المخلوقات، فتارة يجعل الأرض مخلوقة قبل السماء ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٩)، وأكد هذا في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (فصلت: ٩ - ١٢)، فهذه الآيات تجعل خلق الأرض قبل خلق السماوات، بدليل قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ في الموضعين.
стр. 239
وتارة يجعل القرآن خلق السماء قبل خلق الأرض ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (النازعات: ٢٧ - ٣٣) (١).
وفي الجواب: عن هذه الشبهة وجوه ثلاثة:
الأول: وهو الذي مال إليه جمهور المفسرين في القديم، ويقوم على أن مادة الأرض خلقت في اليومين الأولين، ثم خلقت السماوات في اليومين الثالث والرابع، ثم دحيت الأرض وجهزت لتصلح لاستقرار حياة الإنسان في اليومين الأخيرين.
وهذا الوجه أخرجه البخاري معلقاً عن ابن عباس ﵄، وفيه أن رجلاً استشكل مسألة ترتيب الخلق بين السماوات والأرض، فسأله عنها؛ فأجابه ابن عباس: (وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء
стр. 240
فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين). (١) وشهرة هذا الوجه عند المفسرين تغني عن تفصيله.
الثاني: وهو الذي ذكره بعض المتأخرين من أهل العلم، وهو ما يترجح لي، وأجمله بالقول: السماوات والأرض خلقتا معاً في اليومين الأولين، ثم تكامل خلق الأرض وإعدادها للإنسان في الأربعة الأخيرة من الأيام الستة.
وتفصيله: الله خلق السموات والأرض معاً مجتمعين ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (الأنبياء: ٣٠)، والرتق ضد الفتق، أي كانتا منضمتين، بعضهما إلى بعض، ثم فتقهما الله، فحدث ما يسمى عند علماء الجيولوجيا والفلك بالانفجار الكبير.
وقد وضحت هذا المعنى الآيات القرآنية كما في قوله تعالى عن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٤)، فالخلق يعود إلى حالته الأولى، فيطوى من جديد ﴿وَجُمِعَ الْشَمْسُ وَالقَمَرُ﴾ (القيامة: ٩).
وأما كون الخلق للسماوات والأرض في يومين فهو لقول الله عن السماوات: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، وعن الأرض: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فهذان هما اليومان الأولان، ثم دحيت الأرض واكتمل إعدادها لصلاح معيشة الإنسان عليها في أربعة أيام أخرى ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾.
وقد يشكل على البعض - ممن قلَّ علمه بلغة العرب ودلالات الألفاظ فيها- أن آيات سورة فصلت تحدثت عن خلق الأرض في يومين، ثم تحدثت عما
стр. 241
خلق الله فيها في أربعة أيام، ثم قال الله بعد ذكر هذا وذا: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾، فاعتقدوا أن ﴿ثُمَّ﴾ تفيد التأخر والتراخي، ومثله فهموه من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (البقرة: ٢٩).
وهكذا ينحصر الإشكال في دلالة كلمة (ثم) على التراخي والترتيب.
لكن أهل البلاغة يعرفون أن (ثم) لا تفيد بالضرورة الترتيب الوجودي الذي نعرفه في المتبادر إلى الذهن، بل لها دلالة أخرى، وهو ما تسميه العرب (الترتيب الذكري).
ولبيان هذا النوع من الدلالة لـ (ثم) نقرأ قول الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده (١)
والمعنى: اذكروا خبر من ساد، ثم اذكروا خبر من ساد أبوه، ثم اذكروا خبر من ساد جده. وليس المعنى أن المرء يسود ثم يسود أبوه ثم يسود جده، بل العكس هو الصحيح، فالمرء يسود بعد سؤدد جده وأبيه.
ويشهد لصحة هذا الفهم قول الشاعر: (ثم ساد قبل ذلك)، فـ (ثم) للترتيب الذكري، لا الوجودي.
ومثله قول طرفة بن العبد وهو يصف راحلته:
جَنُوح دِفاق عَنْدَلٌ ثم أُفرِعَت ... لَهَا كَتِفَاها في مُعَالىً مُصَعَّد
فإنه ذكر جملة من محاسنها، ثم نبه على وصف آخر أهم في صفات عنقها، وهو طول قامتها (ثم أُفرعت)، ولا يقصد أن قامتها طالت بعد اتصافها بهذه
стр. 242
الصفات (١).
وهذه الدلالة لـ (ثم) موجودة في القرآن الكريم في مواضع، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (السجدة: ٧ - ٩)، ومن المعلوم أن التسوية تكون قبل إنجاب النسل، فهذا لا يخفى، ومع ذلك قال القرآن: ﴿جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ فـ (ثم) هنا للترتيب الذكري؛ لا الوجودي، والمعنى: ثم اذكر كيف سواه الله.
ونحو هذا ما جاء في سياق وصايا الله لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وفي آخرها يقول: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ (الأنعام: ١٥٣ - ١٥٤)، ومن المعلوم أن موسى كان قبل وصية الله لنبينا ﷺ ، لكن الترتيب الوجودي غير مراد في قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى﴾.
ومثله أمره ﵎ للمؤمنين بالإفاضة من عرفات بعد حديثه عن المشعر الحرام ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالّينَ﴾ (البقرة: ١٩٨)، ثم عادت الآية التي بعدها للحديث عن مسألة الإفاضة من عرفات ووجوب مخالفة المشركين فيها، وصدرت الآية بـ (ثم)، فقال الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: ١٩٩)، ومن المعلوم أن الوقوف بعرفات سابق على الوقوف بالمشعر الحرام (مزدلفة).
ومثله قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (التكاثر: ٧ - ٨)، والسؤال يكون يوم القيامة قبل رؤية الجحيم، وأمثال
стр. 243
هذا الاستخدام لـ (ثم) كثير في القرآن (١).
وإذا تبين ما تفيده (ثم) عند العرب، فلنقرأ الآيات مع أبي حيان الأندلسي وفق هذا المفهوم: " (ثم) لترتيب الأخبار لا لترتيب الزمان والمهلة، كأنه قال: فالذي أخبركم أنه خلق الأرض وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، ثم أخبركم أنه استوى إلى السماء، فلا تعرض في الآية لترتيب .. فصار كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (البلد: ١٧) بعد قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ (البلد: ١١)، ومن ترتيب الإخبار ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ (الأنعام: ١٥٤) بعد قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ﴾ (الأنعام: ١٥١).
ويدل على أنه المقصود؛ الإخبار بوقوع هذه الأشياء من غير ترتيب زماني قوله في الرعد: ﴿الله الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ (الرعد: ٢) الآية، ثم قال بعد: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً﴾ (الرعد: ٣) الآية. وظاهر الآية التي نحن فيها جعل الرواسي، وتقدير الأقوات قبل الاستواء إلى السماء وخلقها، ولكن المقصود في الآيتين الإخبار بصدور ذلك منه تعالى من غير تعرض لترتيب زماني" (٢).
وهكذا يستبين معنى آيات سورة فصلت التي قد ورد فيها الإشكال، فقد بدأ القرآن بالحديث عن خلق الأرض، لأنها القريب المباشر للإنسان، ثم انتقل للحديث عن البعيد، وهو السموات، من غير أن يكون ذلك مقتضياً خلق الأرض قبل السماء.
وهكذا، فهذان الوجهان مذكوران عند العلماء في القديم والجديد، قد أشار ابن جزيء في تفسيره إلى صحتهما بقوله: " الجواب من وجهين: أحدهما: أن
стр. 244
الأرض خلقت قبل السماء , ودحيت بعد ذلك , فلا تعارض , والآخر: تكون (ثم) لترتيب الأخبار" (١).
الوجه الثالث: أن الخلق على نوعين: خلق إيجاد، وخلق تقدير، فأما خلق الإيجاد فهو الخلق المعلوم، وأما خلق التقدير فكما في قول زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
وضرب الرازي لهذه الخلقة مثلاً بقول الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٥٩)، إذ "لا يقال للشيء الذي وجد: كن، بل الخلق عبارة عن التقدير، وهو في حقه تعالى؛ حكمه أن سيوجد، وقضاؤه بذلك بمعنى خلق الأرض في يومين، وقضاؤه بحدوث كذا، أي مدة كذا، لا يقتضي حدوثه ذلك في الحال، فلا يلزم تقديم إحداث الأرض على إحداث السماء" (٢).
فهذه أوجه ثلاثة من تدبرها استبان له المعنى، وعلم براءة القرآن من الاختلاف والتناقض، وعلم سعة لغة العرب وجهل أعاجم العرب المتحدثين بالسوء عن القرآن العظيم.
الإشكال الرابع: أحوال الناس في يوم القيامة
قالوا: تناقض القرآن وهو يقص أحوال الناس في يوم القيامة، فتارة يقول: إنهم لا ينطقون: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (المرسلات: ٣٥ - ٣٦)، وتارة يذكر أنهم ينطقون ويعتذرون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٢٣)، وأنهم يقولون: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ (النحل: ٢٨).
стр. 245
والجواب: أن يوم القيامة يوم طويل ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: ٤)، وفيه مواقف متباينة، لكل منها ما يخصه من الأحكام والأحوال، ففيه حذر وترقب، وفرج وبشارة، وفيه حزن وهلاك، وأمن وأمان، والناس يتنقلون بين هذه المواقف، بل لربما تنقل المرء فيه من حال إلى حال، ففي حديث عائشة أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك؟»، قالت: ذكرتُ النار فبكيتُ، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم: أيخف ميزانه أم يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾؛ حتى يعلم أين يقع كتابه، أفي يمينه أم في شماله؟ أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط: إذا وضع بين ظهري جهنم» (١)، فهذا لا يتعارض مع قوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٧)، فهذا الذهول لا يستغرق يوم القيامة، بل هو متعلق ببعض مواقفه، وهو لكل بحسب عمله وتقواه.
وهكذا فما يذكر من اختلاف الأحوال لاختلاف المواقف، ولطول ذلك اليوم وعظم شأنه عبَّر القرآن عن كل واحد منها بكلمة ﴿يوم﴾ أو ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، من غير أن تعني استغراق الفعل لكل ذلك اليوم الطويل.
ويدل لذلك قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (عبس: ٣٣ - ٤٢)، فذكرت الآيات في نفس السياق حالين للمؤمنين (الخوف ثم الفرح) وحالين للكافرين (الخوف والكآبة)، وكل هذه الأحوال في يوم القيامة، فالإشارة إلى حدوثها في يوم القيامة لا يعني
стр. 246
دوام الحال الواحد واستغراقه لكل ذلك اليوم الطويل، فقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٧)، لا يستوعب كل يوم القيامة؛ لوجود أوقات يأمن فيها المرء على نفسه، حين يعلم صلاح مآله ونجاته من النار، كما قال ﷺ في الحديث السالف: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً»، مما يعني أن في غيرها من المواطن يتذكر المرء أحبابه وخلانه، لأمنه فيها من العذاب.
وكذلك قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٣ - ٢٤)، ومن المعلوم أن مجيء النار وتذكر الإنسان لا يستغرق كل يوم القيامة، بل يكون في جزء منه.
الإشكال الخامس: هل يتساءل الناس يوم القيامة؟
قالوا: يخبر القرآن عن أهل النار أنهم يوم القيامة يتساءلون: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ (الصافات: ٢٧)، بينما يخبر في سورة (المؤمنون) أنهم لا يتساءلون: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، وهذا - بحسب زعمهم - من التناقض الصريح الذي يمنع نسبة القرآن إلى الله العليم.
وفي الجواب ذكر العلماء وجهين صحيحين:
الأول: وهو ما ذكرناه في الإشكال السابق، ويتلخص في أنهم عند النفخة وقيام الأشهاد واضطراب الخلائق لا يتساءلون لهول المطلع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، فهذا الوقت عصيب، وهو وقت فزع وخوف ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (النمل: ٨٧)، مثله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم
стр. 247
بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ (الحج: ١ - ٢)، ثم يفيق العباد من هول المطلع فيكون بعد ذلك التلاوم والتساؤل.
الثاني: أن القرآن نزل بلسان العرب، موافقاً لما عهدوه في أساليبهم وطرائقهم في البيان، والعرب تعتبر الفعل الذي لا فائدة منه كالعدم، ولأجل هذا سمى القرآن المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨)، وهم في الحقيقة يسمعون وينطقون ويبصرون ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ (الأحقاف: ٢٩)، لكنهم صم عن سماع الحق، وعمي عن رؤيته، وبكم عن النطق به ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وبمثل هذا نقول: إن النظر مع عدم الإفادة منه هو كعدم النظر حكماً، فصاحبه أعمى، وإن كان يرى ما يراه ذو العينين.
ولمثل هذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٧٧)، فليس المقصود منه نفي نظر الله إليهم، فالله لا يغيب عنه أحد، وليس المقصود أنه ﵎ لن يكلمهم، فكلامه لهم ثابت في عشرات الآيات التي تحكي عن توبيخ الله للمشركين وتقريعه لهم، لكن المقصود أنه لا يكلمهم كلاماً ينفعهم، لا يكلمهم بما فيه رحمة لهم، ولا ينظر إليهم نظرة تفيدهم وتنجيهم من عذابهم وخوفهم، فلما لم يكن لها فائدة كانت بمنزلة العدم.
ومثله قول الله تعالى عن الكافر: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾
стр. 248
(طه: ٧٤)، أي لا يحيى فيها حياة طيبة هانئة، وإلا فهو - على الحقيقة - حي فيها لا يموت أبداً.
ومثله كذلك قول النبي ﷺ لمن صلى على الحقيقة؛ غير أنه أساء في صلاته: «ارجع فصلِ؛ فإنك لم تصلِ»، فصلاته في حكم العدم لعدم إقامته ركوعها وسجودها (١).
ومثله قوله تعالى وهو يصف حال الناس في كربات يوم القيامة: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، فليس معناه أنهم تنقطع الأنساب بينهم، فلا يكون الابن ابناً لأبيه، فإن القرآن أثبت النسب بين الناس في يوم القيامة ونفى الانتفاع به ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٤ - ٣٧)، فلما كان النسب لا ينفع يومئذ قال الله: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، أي لا ينفعهم النسب حينذاك، كما لا ينفعهم التساؤل (٢).
وإلا فإن التساؤل بينهم من غير منفعة واقع، وقد ذكره القرآن في غير آية ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (الصافات: ٢٧ - ٣٣)، لكنه تساؤل التلاوم الذي لا فائدة فيه ولا نفع، فوجوده وعدمه بالنسبة لهم سواء، لذا قال الله: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾.
стр. 249
قال الشنقيطي: "المراد بنفي الأنساب انقطاع فوائدها وآثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا؛ من العواطف والنفع والصلات والتفاخر بالآباء، لا نفي حقيقتها" (١).
الإشكال السادس: هل يسأل الله عن الذنوب أم لا يسأل؟
قالوا: تناقض القرآن في مسألة السؤال عن ذنوب المجرمين، فنفاه في قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص: ٧٨)، وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (الرحمن: ٣٩)، وأثبته في مواضع أخرى فذكر أنه يسألهم: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: ٦) فهذه الآية تدل على سؤال الجميع يوم القيامة، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: ٩٢ - ٩٣).
وفي الجواب نقول: السؤال على أنواع، فبعضه للاستفسار والتعلم، وبعضه للتقريع والتوبيخ، وبين هذا وهذا بون شاسع، فالأول منتف في حق الله تعالى علام الغيوب، فهو لن يسأل أحداً عن ذنبه سؤال تعرف واستخبار، بل يعاقب الله تعالى العبد بما عرف من ذنوبه ومعاصيه ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة: ٦)، كما صنع مع قارون والجبابرة من قبلهم؛ حين فجأهم ببأسه وإهلاكه ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص: ٧٨)، فالله لا يسأل المجرمين ولا يستفسر منهم عن ذنوبهم حين يريد عقوبتهم.
وكذلك فإن الملائكة حين تنزل بالعذاب فإنها لا تسأل المجرمين ولا تسأل عنهم، لأنها تعرفهم بسيماهم ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ
стр. 250
آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (الرحمن: ٣٩ - ٤١).
قال الربيع بن أنس: " قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا، ولكن أُعطوها في كتب فلم يشكوا الظلم يومئذ، ولكن شكوا الإحصاء" (١).
وقال الحليمي: "لا يُسألون سؤال التعرف لتمييز المؤمن عن الكافر، أي إن الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحداً يوم القيامة، فتقول: ما كان ذنبك، وما كنت تصنع في الدنيا حتى يتبين له بإخباره عن نفسه أنه كان مؤمناً أو كافراً، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه مشروحي الصدور، والمشركين يكونون سود الوجوه زرقاً مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، وتمييزهم في الموقف عن المؤمنين كفتهم مناظرهم عن تعرف ذنوبهم" (٢).
وأما سؤال الحساب والتوبيخ والتقريع فهذا نوع آخر من السؤال، يسأله الله ﵎ المجرمين، بل ويسأل الأنبياء ليقرع المجرمين ويقيم عليهم الشهود ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: ٦).
وقد ذكر القرآن في مواضع عديدة صوراً من هذه الأسئلة التقريعية التوبيخية التي سيسألها الله للمجرمين على سبيل التوبيخ، كما في قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (الصافات: ٢٥) , وكقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (الطور: ١٥)، وكقوله: ﴿ألم يأتكم رسلٌ منكم﴾ (الأنعام: ١٣٠)، وكقوله: ﴿ألم يأتكم نذيرٌ﴾ (الملك: ٨)، فهذا كله مثبت معلوم.