← Общие книги

Общие книги · id 95574

تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين

منقذ السقار

Полный текст (306 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

دوام الحال الواحد واستغراقه لكل ذلك اليوم الطويل، فقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٧)، لا يستوعب كل يوم القيامة؛ لوجود أوقات يأمن فيها المرء على نفسه، حين يعلم صلاح مآله ونجاته من النار، كما قال ﷺ في الحديث السالف: «أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً»، مما يعني أن في غيرها من المواطن يتذكر المرء أحبابه وخلانه، لأمنه فيها من العذاب. وكذلك قوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: ٢٣ - ٢٤)، ومن المعلوم أن مجيء النار وتذكر الإنسان لا يستغرق كل يوم القيامة، بل يكون في جزء منه. الإشكال الخامس: هل يتساءل الناس يوم القيامة؟ قالوا: يخبر القرآن عن أهل النار أنهم يوم القيامة يتساءلون: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ﴾ (الصافات: ٢٧)، بينما يخبر في سورة (المؤمنون) أنهم لا يتساءلون: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، وهذا - بحسب زعمهم - من التناقض الصريح الذي يمنع نسبة القرآن إلى الله العليم. وفي الجواب ذكر العلماء وجهين صحيحين: الأول: وهو ما ذكرناه في الإشكال السابق، ويتلخص في أنهم عند النفخة وقيام الأشهاد واضطراب الخلائق لا يتساءلون لهول المطلع ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، فهذا الوقت عصيب، وهو وقت فزع وخوف ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء الله وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (النمل: ٨٧)، مثله في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم

стр. 247

بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ (الحج: ١ - ٢)، ثم يفيق العباد من هول المطلع فيكون بعد ذلك التلاوم والتساؤل. الثاني: أن القرآن نزل بلسان العرب، موافقاً لما عهدوه في أساليبهم وطرائقهم في البيان، والعرب تعتبر الفعل الذي لا فائدة منه كالعدم، ولأجل هذا سمى القرآن المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٨)، وهم في الحقيقة يسمعون وينطقون ويبصرون ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ (الأحقاف: ٢٩)، لكنهم صم عن سماع الحق، وعمي عن رؤيته، وبكم عن النطق به ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٩)، وبمثل هذا نقول: إن النظر مع عدم الإفادة منه هو كعدم النظر حكماً، فصاحبه أعمى، وإن كان يرى ما يراه ذو العينين. ولمثل هذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٧٧)، فليس المقصود منه نفي نظر الله إليهم، فالله لا يغيب عنه أحد، وليس المقصود أنه ﵎ لن يكلمهم، فكلامه لهم ثابت في عشرات الآيات التي تحكي عن توبيخ الله للمشركين وتقريعه لهم، لكن المقصود أنه لا يكلمهم كلاماً ينفعهم، لا يكلمهم بما فيه رحمة لهم، ولا ينظر إليهم نظرة تفيدهم وتنجيهم من عذابهم وخوفهم، فلما لم يكن لها فائدة كانت بمنزلة العدم. ومثله قول الله تعالى عن الكافر: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى﴾

стр. 248

(طه: ٧٤)، أي لا يحيى فيها حياة طيبة هانئة، وإلا فهو - على الحقيقة - حي فيها لا يموت أبداً. ومثله كذلك قول النبي ﷺ لمن صلى على الحقيقة؛ غير أنه أساء في صلاته: «ارجع فصلِ؛ فإنك لم تصلِ»، فصلاته في حكم العدم لعدم إقامته ركوعها وسجودها (١). ومثله قوله تعالى وهو يصف حال الناس في كربات يوم القيامة: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، فليس معناه أنهم تنقطع الأنساب بينهم، فلا يكون الابن ابناً لأبيه، فإن القرآن أثبت النسب بين الناس في يوم القيامة ونفى الانتفاع به ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: ٣٤ - ٣٧)، فلما كان النسب لا ينفع يومئذ قال الله: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠١)، أي لا ينفعهم النسب حينذاك، كما لا ينفعهم التساؤل (٢). وإلا فإن التساؤل بينهم من غير منفعة واقع، وقد ذكره القرآن في غير آية ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (الصافات: ٢٧ - ٣٣)، لكنه تساؤل التلاوم الذي لا فائدة فيه ولا نفع، فوجوده وعدمه بالنسبة لهم سواء، لذا قال الله: ﴿فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ﴾.

стр. 249

قال الشنقيطي: "المراد بنفي الأنساب انقطاع فوائدها وآثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا؛ من العواطف والنفع والصلات والتفاخر بالآباء، لا نفي حقيقتها" (١). الإشكال السادس: هل يسأل الله عن الذنوب أم لا يسأل؟ قالوا: تناقض القرآن في مسألة السؤال عن ذنوب المجرمين، فنفاه في قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص: ٧٨)، وقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (الرحمن: ٣٩)، وأثبته في مواضع أخرى فذكر أنه يسألهم: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: ٦) فهذه الآية تدل على سؤال الجميع يوم القيامة، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الحجر: ٩٢ - ٩٣). وفي الجواب نقول: السؤال على أنواع، فبعضه للاستفسار والتعلم، وبعضه للتقريع والتوبيخ، وبين هذا وهذا بون شاسع، فالأول منتف في حق الله تعالى علام الغيوب، فهو لن يسأل أحداً عن ذنبه سؤال تعرف واستخبار، بل يعاقب الله تعالى العبد بما عرف من ذنوبه ومعاصيه ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة: ٦)، كما صنع مع قارون والجبابرة من قبلهم؛ حين فجأهم ببأسه وإهلاكه ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص: ٧٨)، فالله لا يسأل المجرمين ولا يستفسر منهم عن ذنوبهم حين يريد عقوبتهم. وكذلك فإن الملائكة حين تنزل بالعذاب فإنها لا تسأل المجرمين ولا تسأل عنهم، لأنها تعرفهم بسيماهم ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ

стр. 250

آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ (الرحمن: ٣٩ - ٤١). قال الربيع بن أنس: " قوله: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾: لا يسألون عن إحصائها، يقول: هاتوا فبينوها لنا، ولكن أُعطوها في كتب فلم يشكوا الظلم يومئذ، ولكن شكوا الإحصاء" (١). وقال الحليمي: "لا يُسألون سؤال التعرف لتمييز المؤمن عن الكافر، أي إن الملائكة لا تحتاج أن تسأل أحداً يوم القيامة، فتقول: ما كان ذنبك، وما كنت تصنع في الدنيا حتى يتبين له بإخباره عن نفسه أنه كان مؤمناً أو كافراً، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه مشروحي الصدور، والمشركين يكونون سود الوجوه زرقاً مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، وتمييزهم في الموقف عن المؤمنين كفتهم مناظرهم عن تعرف ذنوبهم" (٢). وأما سؤال الحساب والتوبيخ والتقريع فهذا نوع آخر من السؤال، يسأله الله ﵎ المجرمين، بل ويسأل الأنبياء ليقرع المجرمين ويقيم عليهم الشهود ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: ٦). وقد ذكر القرآن في مواضع عديدة صوراً من هذه الأسئلة التقريعية التوبيخية التي سيسألها الله للمجرمين على سبيل التوبيخ، كما في قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ (الصافات: ٢٥) , وكقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ (الطور: ١٥)، وكقوله: ﴿ألم يأتكم رسلٌ منكم﴾ (الأنعام: ١٣٠)، وكقوله: ﴿ألم يأتكم نذيرٌ﴾ (الملك: ٨)، فهذا كله مثبت معلوم.

стр. 251

الإشكال السابع: ألف سنة أم خمسون ألف سنة؟ قالوا: تناقض القرآن في حديثه عن طول يوم القيامة، فذكر في موضع أنه ألف سنة ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (السجدة: ٥)، وذكر في آخر أنه خمسون ألف سنة ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (المعارج: ٤). والجواب: إن القارئ للآيتين يدرك أن التباين بينهما مرده اختلاف موضوعهما، فالخمسون ألف سنة هي مقدار يوم القيامة، فقد نصت عليه الآيات بعدها ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ﴾ (المعارج: ٧ - ٨)، وقد أكد النبي ﷺ هذا الطول ليوم القيامة، وهو يحكي عن عذاب تارك الزكاة: «كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ حتى يقضى بين العباد, فيرى سبيله: إما إلى الجنة، وإما إلى النار» (١). وأما الألف سنة فلا علاقة لها بيوم القيامة، وإنما وردت في سياق الحديث عن مدة نزول الأمر من الله ثم عروجه إليه (٢)، وهو منطوق الآية وصريحها، لأن الله يقول: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ (السجدة: ٥). ومصداقه في قول النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده إن ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمس مائة سنة»، فنزول الأمر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ في خمسمائة عام، ومثلها في صعوده ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾، فهذه الألف سنة. قال ابن عباس: "المعنى ينفذ الله ما قضاه من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره لو سِيَر فيه السير المعروف من البشر

стр. 252

ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، فالألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء" (١). بقي لنا أن نهمس في آذان أصحاب هذه الشبهة، فنقول: الحديث في مسألة الزمن نسبي، فحين نتحدث عن أعمار البشر فإنا نتحدث عن أيام وسنين أرضية؛ لأن البشر يعيشون على الأرض، ولكن لو فرضنا أن مخلوقاً يعيش على القمر فإن حساب سني عمره يكون بالسنين القمرية لا الأرضية، فيختلف عمره القمري عن الأرضي باختلاف السنين القمرية عن الأرضية. وهكذا يكون الحال حين نبتعد أكثر، فنتحدث عن عروج الملائكة في السماوات أو نزولهم فيها، فأيامهم ليست أياماً أرضية، ولا قمرية، ولا شمسية، والألف منها باعتبار قد يعدل الألفين أو العشرة باعتبارات أخرى، فيكون الإخبار عن هذا كله صحيحاً رغم اختلاف الأرقام. الإشكال الثامن: هل تتبدل كلمات الله؟ قالوا: اختلف القرآن في مسألة تبديل كلام الله، فحين يكون المقصود فيه التوراة والإنجيل فإن المسلمين يقولون بوقوع التبديل والتحريف محتجين بقول القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩)، في حين أن آيات أخرى تذكر أن كلمات الله لا تتبدل ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ (يونس: ٦٤)، وكذا قوله: ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ (الأنعام: ٣٤)، وكذا قوله: ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: ١١٥)؛ إذ لا يقوى البشر على ذلك ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الكهف: ٢٧). وتساءلوا: كيف يقدر البشر على تحريف كتاب الله، ورأوا أن قول القرآن ومعتقد المسلمين في ذلك يحط من قدر الله العظيم الذي لا يعجزه حفظ كتبه وصيانتها عن عبث البشر وزياداتهم ونقصهم!! والجواب: لقد كان القرآن الكريم صريحاً في تشنيعه على أهل الكتاب تحريفهم لكتبهم، وتلاعبهم بها زيادة ونقصاً ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: ٧٨). والحق أن الله على كل شيء قدير، ولو تعلقت مشيئته بحفظ كتبه لحفظها؛ ولما استطاع تحريفها إنس ولا جان، وأيضاً لو أراد حفظ أنبيائه من القتل والاضطهاد؛ لفعل، لكنه لم يشأ ذلك، فتعرض السفهاء لأنبيائه بالقتل والتنكيل، ولكتبه بالتبديل والتحريف، فمسألة تحريف كتب الله مطابقة لمسألة قتل الأنبياء، فكما أقدر الله عتاة بني إسرائيل على قتل أنبيائه؛ فإنه أقدرهم على تحريف كتبه، من غير ضعف منه ﵎، فهو فعال لما يريد.

стр. 253

وأما اللبس الذي ذكروه في مسألة تبديل كلام الله فقد وقع لاجتزائهم النصوص وإخراجها لها من مساقها، وتحويرها وتحريف معناها لتدل على غير ما تحدثت عنه، فالقرآن - كما أسلفت - صريح في وقوع التحريف في كتبهم، وليس هذا موضع بسطه (١). وفي مقابله ذكر القرآن نوعين من كلمات الله لا تتبدل: الأول: القرآن، وهو وإن كان من جنس ما نزل على أهل الكتاب؛ إلا أن الله خصه بالحفظ دون سائر كتبه ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (الكهف: ٢٧)، فالكلام الذي لا يبدل هو ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾، أي القرآن الذي قال الله عنه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: ٤١ - ٤٢). وأما قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: ١١٤ - ١١٥)، فقد اختلف العلماء في المراد بـ ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾ فقال بعضهم: هو القرآن، وقال بعضهم: المقصود نواميسه الكونية، والسياق محتمل للمعنيين، وكلا الأمرين لا يبدله أحد، ولا يقدر على تبديله.

стр. 254

وقد جمع بين المعنيين أبو جعفر الطبري بقوله: "يقول تعالى ذكره: وكملت ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، يعني القرآن .. ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾، يقول: لا مغير لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقع فيه، وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ الله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِن قَبْلُ﴾ (الفتح: ١٥)، فكانت إرادتُهم تبديلَ كلام الله، مسألتَهم نبيَّ الله أن يتركهم يحضرون الحرب معه" (١). الثاني: موعود الله وقضاؤه، فالله لا يخلف الميعاد، ولا يقوى أحد على تغيير قضائه وموعوده ﵎، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٤)، فما لا يتبدل هو موعود الله لأنبيائه بالنصر، ومثله في موعود الله للمؤمنين بالجنة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (يونس: ٦٣ - ٦٤)، فالحديث في الآيات المانعة من تبديل كلام الله يتعلق بالقرآن أو بموعود الله لعباده، ولا يتحدث عن الكتاب المقدس الذي توعد الله محرفيه ومبدليه بالويل والثبور: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (البقرة: ٧٩). الإشكال التاسع: عروبة القرآن مع عُجمة بعض كلماته قالوا: تناقض القرآن في قوله بأنه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍ مُبِيْنٍ﴾ (الشعراء: ١٩٥)، في حين أنا نجد فيه كلمات أعجمية كأسماء بعض الأعلام (إبراهيم، إسماعيل، إسحاق)، أو أسماء بعض الأشياء مستعارة من لغات أخرى كالسريانية

стр. 255

والعبرية والنبطية، وأوصلوها إلى ما يقرب من أربعين كلمة، منها (القرآن - سكينة - زكاة- سرادق- الحور- مشكاة- إستبرق- السبت - زنجبيل - سجيل). والجواب: نزل القرآن بلسان عربي مبين، لذا لا يوجد في سطر من سطوره جملة واحدة غير عربية، ولا يوجد جملة واحدة مركبة بما يخالف أساليب العرب وطرائقها في البيان. إن وجود كلمات فرنسية متفرقة في كتاب مكتوب بالإنجليزية، لن تجعل الكتاب فرنسياً، ولن تشكك في إنجليزية الكتاب ولا الكاتب، وبخاصة حين تكون هذه الكلمات أسماء لأعاجم، فهذه الكلمات تنقل كما هي من لغة إلى أخرى من غير ترجمة معانيها. ثم إن كثيراً من هذه الكلمات - التي استعجموها- عربية في جذورها واشتقاقاتها، وجهل البعض بها لقلة استخدامها أو غيره لا يعني أعجميتها، ومن ذلك كلمة (قرآن - سكينة - حور)، فكلمة (قرآن) ليست من الكلمة العبرية (?????) قارا، ولا من السريانية (قرُا)، بل هي من الجذر العربي (قرأ)، وهذا التشابه في جذور كلمات اللغات السامية كبير ومعروف عند علماء اللغات، وصوره أكثر من أن تحصى في اللغات السامية، وبسببه أخطأ البعض في نسبة بعض الكلمات العربية الأصيلة إلى لغات أخرى (١). ولو ضربنا لذلك مثلاً بكلمة (قرآن)، فإنا نقول بأنها مشتقة عربية على وزن

стр. 256

(فعلان) من (قرأ، قرآن)، ومثل هذا الاشتقاق كثير في لغة العرب (رحمن - فرقان - رضوان - حيوان - حيران - غضبان). وكلمة (قرآن) مصدر آخر من الفعل (قرأ)، وهو يختلف في معناه عن المصدر (قراءة)، كما يفترق (رحمن عن رحيم، وفرقان عن فرق، ورضوان عن رضا، وحيوان عن حياة، وحيران عن حائر)، فالمصدر (فعلان) يفيد معنى زائداً، فالقراءة في أي كتاب هي صورة للقراءة، أما القرآن فهو حقيقة القراءة، وكذلك (الحياة) تدل على أي صورة من صور الحياة، بينما (الحيوان) تدل على الحياة الحقيقية، لذلك قال الله عن الآخرة: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٤)، وكذلك الفرق بين الرضى والرضوان، وبين الفرق والفرقان (١). لكن العرب أيضاً استخدمت كلمات وفدت إلى العربية من لغات أخرى، وهي في غالبها تتعلق بمسميات وافدة على العرب، فاستوردها العرب في رحلاتهم إلى الشام وفارس مع أسمائها كـ (سندس، إستبرق، زنجبيل)، فأصبحت عربية بالتعريب واستخدام العرب لها، ويشبه هذا استخدامنا اليوم لبعض الكلمات المتعلقة بمصنوعات وفدت إلينا من الغرب، كـ (التلفزيون، الفيديو، الراديو). واستعمال العرب ثم القرآن لأمثال هذه الكلمات لن يقلل من عروبة القرآن، فعروبة أساليبه وفصاحة كلماته لم ينكرهما حتى عرب الجاهلية، وهم من هم في الفصاحة والجزالة، وكذلك في الحرص على الوقوف على زلل في القرآن أو خطأ.

стр. 257

سوء الفهم لبعض آيات القرآن الكريم وألفاظه ١. قالوا: القرآن يستخدم كلمات لا تليق وتخدش الحياء، مثل كلمة (النكاح) أو (الغائط) أو (الفرج)، ومفهوم كلمة النكاح عندهم (الجماع)، وأما (الغائط) فرأوه اسماً صريحاً لما يخرج في الخلاء، وكذلك الحال في (الفرج) الذي اعتبروه لفظاً صريحاً في الدلالة على محل الجماع. والجواب: لعل من نافلة القول أن نقرر أن الباحث في كتب أهل الأديان اليوم لن يجد كتاباً مثل القرآن في عنايته بالآداب وانتقائه لأجود الكلمات والألفاظ، لأنه كتاب الرب الحكيم العليم، تعالى عن كل نقيصة ومثلبة. لكن الجماع والتبول والتبرز عمليات حيوية لا يخلو عن التطرق إليها كتاب يتناول توجيه المناشط الإنسانية، بيد أن عظمة القرآن عرضت ما يتعلق بهذه المعاني في قالب أدبي رصين لا مثيل له، فذكرها بطريق الاستعارة والكناية استعلاءً وترفعاً عن اللفظ الصريح المستقبح. ومن ذلك أنه ﵎ عبر بالمماسة والملامسة عن الجماع، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ (المجادلة: ٣ - ٤)، ومثله قوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ (البقرة: ٢٣٧)، وقوله: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ (النساء: ٤٣). وفي مواضع أخرى استعاضت الآيات عن ذكر الجماع بألفاظ عامة كالرفث والإفضاء والمباشرة والاعتزال، ومن ذلك قوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٧)، قال ابن عباس: "الرفث، الجماعُ، ولكن الله كريم يَكني" (١)، وأصل الرفث كما قال أبو عبيدة هو: "اللغا من الكلام، وأنشد:

стр. 258

ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم" (١) وأما التكنية عن الجماع بالإفضاء، ففي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٢١)، وفي آية أخرى كنَّى الله تعالى عنه بالمباشرة؛ لما فيه من التقاء البشرتين ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنّ﴾ (البقرة: ١٨٧). وأما لفظة (النكاح) فهي في لغة العرب بمعنى الاختلاط والتضام، كما تستعمل العرب (النكاح) بمعنيين مجازيين: أولهما: للدلالة على عقد النكاح. والثاني: هو الجماع. قال الفيومي: " تناكحَتِ الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض إذا اختلط بثراها، وعلى هذا فيكون (النِّكَاحُ) مجازاً في العقد والوطء جميعاً، لأنه مأخوذ من غيره، فلا يستقيم القول بأنه حقيقة، لا فيهما، ولا في أحدهما، ويؤيده أنه لا يفهم العقد إلا بقرينة نحو (نَكَحَ) في بني فلان ولا يفهم الوطء إلا بقرينة نحو (نَكَحَ) زوجته، وذلك من علامات المجاز" (٢). وحين استخدم القرآن هذه اللفظة (النكاح) أراد المعنى المجازي الأول (عقد النكاح)، ولم يرد (الجماع)، وهذا يتبين لمن تأمل الآيات القرآنية، كمثل قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (النور: ٣٢)، فالمعنى: زوجوهم، ومثله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ (الأحزاب: ٤٩)، فالآية صريحة في طلاق الزوجة بعد العقد عليها وقبل الدخول فيها، فقوله: ﴿نَكَحْتُمُ﴾ أي عقدتم. ومثله قوله ﷺ : «تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر

стр. 259

بذات الدين تربت يداك» (١) أي تخطب المرأة ويطلب الزواج منها لهذه الأمور. وكذلك كنّى القرآن عن محل الجماع بالحرث والتغشي، فأما الحرث ففي قوله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٣)، والتغشي في قوله: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ (الأعراف: ١٨٩). وكذلك كنَّى القرآن عن مقدمات الجماع بالمراودة، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ (يوسف: ٢٣)، فهو كناية عما تطلب المرأة من الرجل وما يطلبه الرجل من المرأة. وبمثل هذا الأدب كنى القرآن عن محل الجماع بـ (الفرج)، في قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (الأنبياء: ٩١)، وهو لفظ كناية، وليس بلفظ صريح، كما توهم الجهلة من أعاجم العربية، فالفرج عند العرب يراد به أصلاً فرج القميص، أي شقه، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ (ق: ٢٦)، والتعبير به عن موضع العفة من ألطف الكنايات وأحسنها. قال الجرجاني: "فرج بالسكون، والفرجة الشق بين الشيئين، والفرج ما بين الرجلين .. وقال بعضهم أصله الشق، وكني به عن السوأة، وكثر حتى صار كالصريح" (٢). وحين تحدث القرآن عن التبول والتغوط لم يصرح بهما، بل ذكر لازمهما، وهو الطعام والشراب، فقال عن المسيح وأمه: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: ٧٥). وأما لفظة (الغائط) فهي أيضاً من ألفاظ الكناية، وهي صورة أخرى من صور الأدب القرآني، لأن الغائط في لغة العرب ليس اسماً للعذرة التي تخرج من

стр. 260

الإنسان، بل هو المكان المنخفض من الأرض، ولما كانوا يقضون حوائجهم فيها؛ فقد استعملوه للدلالة على العذرة، لكراهية العرب للتصريح باسمها. قال عمرو بن معدي كرب الزبيدي: فكم من غائط من دون سلمى ... قليل الأنس ليس به كتيع ومراده كثرة الوديان التي تفصله عن سلمى. وفي مقابل هذا الأدب القرآني الجمِّ؛ فإننا نذكر المرددين لهذه الشبهة ببعض ما في كتبهم مما تستقبح ذكره الطباع: فقد ورد ذكر (الخرء) في سفر حزقيال حين زعموا أن الله قال لنبيه حزقيال: "وتأكل كعكاً من الشعير، على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم" (حزقيال ٤/ ١٢). ووردت المضاجعة صريحة في كتبهم في مواضع لا تحصى لكثرتها، بل ورد ذكر تفاصيل فاضحة عن العلاقة الجنسية، ومنه قول التوراة: "وزنتا بمصر في صباهما زنتا. هناك دغدغت ثديّهما، وهناك تزغزغت ترائب عذرتهما" (حزقيال ٢٣/ ٣)، ومثله في قولها: "حبيبي لي، بين ثديي يبيت" (نشيد ١/ ١٥)، وأمثال هذا كثير، يطول المقام بتتبعه. وهكذا فإن أدب العبارة القرآنية لا يبارى ولا يجارى، لأنه كتاب الله وكلامه، وما وقع فيه الآخرون من اتهام القرآن بذكر القبيح؛ إنما كان لعدم فهم هذه الألفاظ، فقد فاتهم أنها ألفاظ كناية تستخدمها العرب لتوري بها عن الصريح المستقبح، فلما غلب استعمالها على ما أطلقت عليه كناية؛ ظنها الجاهلون بلغة العرب من ألفاظ الفحش والقباحة ومما لا يليق. ٢. قالوا: القرآن يحرم إكراه العفيفات على البغاء، ويجيز إكراه غير العفيفات، وذلك في قوله: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفورٌ رحيمٌ﴾ (النور: ٣٣). والجواب: المتأمل للمعنى المقلوب الذي فهمه الشانئون من هذه الآية يدرك المأزق الذي يعانيه أعداء القرآن، إذ لا يستقيم عند عاقل تحريم إكراه العفيفة وجواز إكراه غيرها، فإن البغيَّ لا تكره على البغاء، فإنما يكره على الشيء من يكرهه. ومن لم تُرِد التحصن بغت طوعاً (١). ولو شاء الطاعنون في القرآن نصفته لشهدوا أنه ما من دين أرسى من مبادئ العفة ما أرساه الإسلام، هل رأيت في دين من أديانها أنه يعاقب على الزنا بالقتل ويحرم حتى النظر إلى الأجنبية، ويأمرها بالستر بين الرجال، ويمنع اختلاط النساء بالرجال حتى في المساجد وفي حال العبادة والطهر والسمو الروحي الذي تغور - عادة - عنده دواعي الشهوة. ولو أرادوا الحقيقة لما أعياهم الرجوع إلى سبب نزول الآية، واستجلاء الوقائع التي أنزل الله معالجتها في تلكم الآيات التي لووها لمزاً للقرآن وطعناً فيه، فقد نزلت في جاريتين (مُسيكة وأُميمة) كانتا لرأس النفاق والمنافقين عبد الله بن أُبي ابن سلول، وكان يكرههما على الزنى، ليتكسب من أجره، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله الآية (٢). والسؤال: ما الذي يفيده قول الله تعالى: ﴿إن أردن تحصناً﴾؟ والجواب: أن هذا ما يسميه العلماء (صفة كاشفة)، أي: ولا تكرهوا على البغاء فتياتكم اللاتي أردن التحصن، كما يراد منه زيادة التأكيد على التحريم، فلئن كان البغاء محرماً في كل حال؛ فإنه أشد حرمة وقبحاً حين يكون إكراهاً وإجباراً للمستعفَّات على فعل الفاحشة التي يكرهونها. ومثل هذا الوصف الكاشف استخدمه القرآن في مواضع كثيرة، فقد عدَّد الله المحرمات من النساء، وذكر منهن: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ (النساء: ٢٣) وربيبة المرء [ابنة زوجته من غيره] تحرم على المرء ولم تسكن في بيته، فقوله: ﴿في حجوركم﴾ لا مفهوم له، وخرج مخرج الغالب. ومثله قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ (النساء: ١٠١)، ومن المعلوم أن قصر المسافر الصلاة لا يتعلق بحال الخوف دون الأمن، لكنه كما قال ابن كثير: «فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية. إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة. بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله. والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له .. ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمناً أم خائفاً» (٣)، وهكذا فقوله: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ لا مفهوم له. ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿أضعافاً مضاعفة﴾ فهو لا مفهوم له في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾ (آل عمران: ١٣٠)، فالربا كله حرام، سواء كان الربا أضعافاً مضاعفة أم دون ذلك، وهو قيد للتعليل، وليس للاحتراز. ٣. قالوا: آيات القرآن تصف غير المسلمين بأنهم نجس، وذلك في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (التوبة: ٢٨)، ورأوا في هذا ظلماً وانتهاكاً لإنسانية غير المسلم. والجواب: المؤمن والكافر لا يستويان في ميزان الله ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾ (القلم: ٣٥ - ٣٦)، ولا ريب أن المؤمن حبيب الله بما يمتاز به من نقاء الظاهر والباطن. ولما كان تعظيم بيوت الله من شعائر الله وتوقيره؛ فإن صونها عن النجس أول حقوقها «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» (٤)، وتحقيقاً لهذا الصون نهى النبي ﷺ عن نشدان الضالة في المسجد وأمثاله مما هو متعلق بالدنيا. وقد أمر الله المسلم بالتجمل للمساجد والتزين قبل دخولها ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ﴾ (الأعراف: ٣١)، ومنع المسلم والمسلمة- في حال الحيض أو الجنابة أو أكل الثوم والبصل - من دخول المساجد صيانة لها عن الأذى وتعظيماً لها عن الأحوال الدنيئة، والكافر أولى بهذا المنع؛ إذ لا يغتسل من جنابة، ولا يحترز من خمر أو غيره من دقيق النجاسة التي يتوقى منها المسلم بموجب دينه وشريعته؛ حرصاً على صحة صلاته وسلامة دينه. وهذا كله لا يمنع من القول بنجاسة الكافر معنوياً أيضاً؛ بما يحمله في قلبه من تعظيم لغير الله وعبادة لمن لا يستحق العبادة، ومثل هذا المعنى كثير في كتب الطاعنين في القرآن، فقد وصف سفر إشعيا غير المؤمنين بأنهم نجس «وتكون هناك سكة وطريق يقال لها الطريق المقدسة. لا يعبر فيها نجس بل هي لهم» (إشعيا ٣٥/ ٨)، وكذلك «البسي ثياب جمالك يا أورشليم المدينة المقدسة، لأنه لا يعود يدخلك فيما بعد أغلف ولا نجس» (إشعيا ٥٢/ ١). ومثل هذا المعنى ورد في العهد الجديد «إنكم تعلمون هذا أن كل زان أو نجس أو طماع الذي هو عابد للأوثان ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله» (أفسس ٥/ ٥)، وكذلك «لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا دُرركم قدام الخنازير» (متى ٧/ ٦).

стр. 261

المرأة في القرآن قالوا: القرآن يمتهن المرأة، ويحط من منزلتها بالعديد من تشريعاته التي قدمت الرجل على المرأة، فالقرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (النساء: ٣٤)، وأصر على تقديم الرجل عليها بقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: ٢٢٨). والجواب: إن المتفوه بمثل هذا جاهل بالتكريم الذي خص الله به النساء في شريعته وسنة نبيه ﷺ . ولعل من المناسب قبل الخوض في تفاصيله أن نلقي نظرة على وضع المرأة عند الأديان التي سبقت الإسلام، ففي سفر الجامعة، وهو من الأسفار المقدسة عند اليهود والنصارى نقرأ: "فوجدت أمرَّ من الموت: المرأة التي هي شباك، وقلبها أشراك، ويداها قيود، الصالح قدام الله ينجو منها. أما الخاطئ فيؤخذ بها ... رجلاً واحداً بين ألف وجدت، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد" (الجامعة: ٧/ ٢٦). وفي سفر اللاويين حديث مسهب في غاية القسوة على المرأة حال حيضتها؛ حتى أن مجرد مسها ينجس الماس إلى المساء، كما ينجس كل من مس فراشها أو شيئاً من متاعها (انظر اللاويين ١٥). وأما سفر الخروج فيجيز للأب بيع ابنته "وإذا باع رجل ابنته أمةً لا تخرج كما يخرج العبيد" (الخروج ٢١/ ٧)، وطبق هذا الحكم بوعز في عهد القضاة؛ حين اشترى جميع أملاك أليمالك ومحلون، ومن ضمن ما اشتراه راعوث المؤابية

стр. 262

امرأة محلون (انظر راعوث ٤) (١). وفي المسيحية كانت المرأة على موعد مع إساءة أكبر، فقد حمل بولس المرأة خطيئة آدم، ولأجل ذلك يأمرها فيقول: "لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تعلّم، ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن المرأة أغويت، فحصلت في التعدي " (تيموثاوس (١) ٢/ ١١ - ١٤)، فسبب هذه الإهانة وقوعها (حواء) في إغواء الشيطان. وفي سفر حكمة يشوع بن سيراخ يؤكد على دور المرأة في خروج الجنس البشري من الجنة: "من المرأة نشأت الخطيئة، وبسببها نموت أجمعون" (ابن سيراخ ٢٥/ ٢٤). وقد ترك هذا الاتهام للمرأة أثراً بالغاً في الحياة المسيحية، عبّر عنه أحد أعظم آباء الكنيسة، وهو الأب ترتليان في القرن الميلادي الثالث بقوله عن المرأة: "ألستن تعلمن أن كل واحدة منكن هي حواء؟! ... إنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان، ناقضة لنواميس الله، مشوهة لصورة الله (الرجل) ". ويقول آخر من أهم الآباء، وهو يوحنا فم الذهب عن المرأة: "إنها شر لا بد منه، وآفة مرغوب فيها، وخطر على الأسرة والبيت، ومحبوبة فتاكة، ومصيبة مطلية مموهة" (٢).

стр. 263

لكن أبشع ما تعرضت له المرأة من الاضطهاد حدث في ظل سيطرة الكنيسة على أوربا في القرن السادس عشر والسابع عشر؛ حيث انعكست الصورة السوداوية التي تنظر بها الكنيسة إلى المرأة بظهور فكرة اجتاحت أوربا، وهي وجود نساء متشيطنات، أي تلبسهن روح شيطانية، فهن يعادين الله، ويعادين المجتمع، تقول كارن ارمسترنج في كتابها "إنجيل المرأة": "لقد كان تعقب المتشيطنات بدعة مسيحية، وكان ينظر إليها على أنها واحدة من أخطر أنواع الهرطقات ... ومن الصعب الآن معرفة عدد النساء اللائي قتلن خلال الجنون الذي استمر مائتي عام، وإن كان بعض العلماء يؤكد أنه مات في موجات تعقب المتشيطنات بقدر ما مات في جميع الحروب الأوربية حتى عام ١٩١٤م ... يبدو أن الأعداد كانت كبيرة بدرجة مفزعة" (١). أما إذا عدنا إلى حال المرأة عند عرب الجاهلية؛ فإنا سنجد أن حالها لم يكن أفضل بكثير مما عند الأمم الأخرى، فقد انتشر في بعض قبائلهم وأد البنات ومنعهن من الميراث، ويصور لنا عمر بن الخطاب - بكلمات جامعة - حال المرأة عند العرب قبل الإسلام، فيقول: (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً؛ حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) (٢).

стр. 264

لقد قرر الإسلام تساوي الذكر بالأنثى في إنسانيتهما وكافة الأمور العبادية، ولم يميز بينهما في شيء إلا حال التعارض مع الطبيعة التكوينية والنفسية والوظيفية للذكر أو الأنثى. فأما تساويهما في الإنسانية، فقد قرره النبي ﷺ بقوله: «إنما النساء شقائق الرجال» (١)، كيف لا يتساويان وهما معاً أصل الجنس البشري ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ (الحجرات: ١٣)، ويشملهما جميعاً تكريم الله للجنس البشري ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠). ويقرر القرآن أهلية المرأة للإيمان والتكليف والعبادة، ومن ثم المحاسبة والجزاء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧)، فهي كالرجل سواء بسواء، وهذا التساوي يسري في المسؤولية الشرعية ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران: ١٩٥)، حيث إن الله يساوي بين الرجال والنساء في ثواب وعقاب أفعال الإنسان، بلا تمييز لجنس أو لون ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الأحزاب: ٣٥).

стр. 265

ويبرأ الإسلام من تفضيل الذكر على الأنثى، ويعد النبي ﷺ بالجنة من أكرمها ولم يفضل الذكور عليها: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يهنها ولم يؤثر ولده عليها؛ أدخله الله الجنة» (١). وما زال ﷺ يوصي بحق المرأة ويحذر الرجل من الاغترار بقوته وظلمها، فيشهد الله على تأكيده على حقها: «اللهم إني أحرج (أي أشدد) حق الضعيفين: اليتيم والمرأة» (٢)، فمثل هذا يتناقض مع القول بظلم الإسلام للمرأة. ولسوف نعرض تفصيلاً لأهم ما يثار حول المرأة في الإسلام وما زعمه المبطلون من انتقاص الإسلام كرامتها وأنه ظلمها.

стр. 266

أولاً: القوامة وظلم الزوجة قالوا: القرآن ظلم المرأة حين جعل القوامة في المجتمع للرجل دون المرأة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤). والجواب: إن نظرة سريعة إلى المنهج الإسلامي في التعامل مع المرأة ستكشف عن القدر العظيم للمرأة في الإسلام، فما زال النبي ﷺ يوصي بحسن عشرة النساء، ففي حجة الوداع وأمام جموع الصحابة وقف النبي ﷺ فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوان عندكم [أي مثل الأسيرات عندكم] .. ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشَكُم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنَّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كِسوتهن وطعامهن» (١). وأمر النبي ﷺ بحسن العشرة للنساء والصبر على ما يصدر منهن من أذى اللسان، فإن المرأة بحسب جِبِلَّتها تأخذ حقها بلسانها، فقد قال ﷺ : «واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضِلَع، وإن أعوج شيء في الضِلَع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً» (٢). ولما كانت الأسرة كسائر المؤسسات المجتمعية والاقتصادية تحتاج إلى قائد يقودها؛ فإن القرآن جعل القوامة في الأسرة للرجل دون المرأة ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤)، فالآية تحدد صاحب المسؤولية الأولى في الأسرة، وهو الرجل، إذ أي مجتمع إنساني - صغر أم كبر - لا يخلو من قيِّم مسؤول يقود من تحت ولايته بما يمتاز به

стр. 267

عن الآخرين، ككبر سنه أو امتلاكه حصة أكبر في الأسهم أو خبرة وأقدمية في العمل، لكن - على كل حال - لابد من وجود مدير أو مسؤول أول أو قائد لهذه المؤسسة. وفي حالتنا هذه نحن أمام أحد خيارين: إما أن تكون المسئولية الأولى للمرأة، أو أن تكون للرجل. إن نظرة بسيطة تتفحص عالمنا - الذي ما فتئ ينادي ويصرخ بالمساواة العمياء بين الرجل والمرأة - لتكشف لنا عن حقيقة تميز الرجل عنها في مختلف بلدان الداعين إلى المساواة، لذلك أسأل القارئ الكريم: كم نسبة الوزيرات إلى الوزراء في دول العالم الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين؟ وكم نسبة الملوك والرؤساء من النساء في تلك البلاد؟ وكم نسبة نساء الدولة والبرلمان وقادة الأحزاب إلى الرجال في هذه الدول؟! لا ريب أننا جميعاً متفقون على تقدم الرجل - في كل هذا - على المرأة وبفارق كبير، فكيف وقع هذا عند من يدعون المساواة؟. إن الدول الإسكندنافية حققت أعلى الأرقام العالمية في تولية المرأة مناصب قيادية، لكنها لم تتجاوز نسبة الـ٣٠ %، لماذا؟ القرآن يجيبنا: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤)، نعم لقد خلق الله الرجال لغاية، وأعطاهم من المَلكات والإمكانات ما يعينهم عليها، ومن ذلك مسؤولية القيادة في الأسرة والمجتمع، لأنه مسؤول عن رعاية البيت ونفقته، فالزوجة دُرة مصانة، ليس واجباً عليها ولا مطلوباً منها أن تكدح وتشقى بالعمل لتضمن مكاناً لها في بيت الزوجية، فهذا ليس من واجباتها، ولا هو متناسب مع أنوثتها وطبيعتها الحانية العاطفية التي فطرها الله عليها لتناسب مهمتها السامية في إدارة بيتها

стр. 268

وتربية أبنائها وإعطائهم حقهم من الحنو والرعاية «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته .. والرجل راعٍ في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها» (١). والمرأة مكفولة النفقة، أمّاً كانت أو زوجة، أختاً كانت أو ابنة «يد المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» (٢)، فواجب الرجل الإنفاق على الأسرة عموماً، وعلى الزوجة خصوصاً، ولو كانت ذات مال ووظيفة، فقد أمر النبي ﷺ بذلك: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (٣). والعلاقة الزوجية جملة متبادلة من الحقوق والواجبات، وهي قائمة على مبدأ الأخذ والعطاء ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: ٢٢٨)، وهذه الدرجة (القوامة) ليست لقعود جنس النساء عن جنس الرجال، بل تفضيل متناسب مع ما أودعه الله في الرجل من استعدادات فطرية تلائم مهمته وتتناسب مع إنفاقه على الأسرة. وقوامة الرجل على المرأة والأسرة لا تعني تفرده بالقرار، فها هو ﷺ أكمل الرجال وسيدهم يستشير أم سلمة في مسألة تتعلق بالأمة، لا بالأسرة فحسب، فقد أمر أصحابه يوم الحديبية أن يحلقوا رؤوسهم ويحلوا من عمرتهم؛ ليعودوا إلى المدينة المنورة، فكرهوا ذلك ولم يقم منهم أحد، فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: (يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالِقَك فيحلِقَك، فخرج، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بُدْنَه، ودعا حالِقه فحلَقه، فلما رأوا ذلك قاموا

стр. 269

فنحروا، وجعل بعضهم يحلِق بعضاً حتى كاد بعضُهم يقتل بعضاً غماً) (١). بقي أن نهمس في آذان أصحاب هذه الأبطولة، فنسألهم: من القيم على الأسرة في كتابكم الرجال أم النساء؟ وما رأيكم في قول بولس: "الرجل ليس من المرأة، بل المرأة من الرجل، ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة، بل المرأة من أجل الرجل" (كورنثوس (١) ١١/ ٨ - ٩)، وهذا النص وأمثاله يفيد قوامة الرجل، ويفيد أيضاً ما لا نقبله، ونراه إزراء بالمرأة التي لم تخلق للرجل، فهي ليست كسائر ما سخره الله لنا من متاع، بل هي كالرجل مخلوقة لعبادة الله وعمارة الأرض بمنهجه ﵎.

стр. 270

ثانياً: الأمر بضرب الزوجة قالوا: القرآن ظلم المرأة حين أجاز لزوجها أن يضربها: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ (النساء: ٣٤). والجواب: سبق لنا التعرف على منهج القرآن في التعامل مع المرأة، ورأينا ما فيه من التكريم والإجلال الذي عزَّ أن نجد مثيله في كتب الآخرين، فهذا هو الأصل في معاملة المرأة، والنبي ﷺ كان نموذجاً لهذا الأصل «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (١)، وصفته أم المؤمنين عائشة: (ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله (٢). وهكذا، فالأصل تكريم المرأة، لكن للقاعدة شواذ، فالإنسان مكرم، لكن اللص والمجرم يهان، والأصل- في الإنسان- حفظ حياته، أما القاتل فيقتل، والأصل في المرأة تكريمها، لكن الناشز المستخفة برباط الزوجية تُضرب وتؤدب إذا لم تنفع معها وسائل الإصلاح، ولو قَتلت تُقتل. وقد أذن القرآن الكريم للزوج بتأديب زوجه، بل أوجب عليه ذلك، فلو كانت زوجة الواحد منا لا تصلي مثلاً أو امرأة ناشزاً؛ فإن الزوج يندب إلى وعظها، ثم هجرها إن أصرت على النشوز وتدمير الحياة الأسرية، فإن لم ترعوي فإن الله أذن له بضربها ضرباً خفيفاً غير مبرح. وهذا التأديب- كما سبق - ليس أصلاً في معاملة المرأة، بل هو خاص بالزوجة الناشز سيئةِ الخلق والدين، وهو نوع من الرحمة بها والوقاية لها من حساب الله

стр. 271

وعقابه، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ الله وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ (النساء: ٣٤)، فالضرب آخر وسائل الإصلاح، ويكون بعد الوعظ والهجر واستفراغ الجهد في التقويم والإصلاح. وحين نتحدث عن الضرب تدور في مخيلة البعض النماذج السيئة التي يئن العالم في شرقه وغربه منها، فقد أصبح العنف مع النساء والقسوة معهن مرضاً عالمياً مزرياً بالإنسان اليوم، وهو بالطبع مما يحرمه القرآن الذي لا يأذن بالضرب المبرح، فالجائز في ضرب الناشز؛ الضرب غير المبرح، وقد مثلوا لها بضربها بالسواك، وهو عود صغير لو ضرب به طفل لما تأذى، وقد قال النبي ﷺ منبهاً على قدر الضرب المسموح به: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف» (١). أما الضرب المبرح الذي يترك أثراً على الجسد فهو حرام، وبخاصة إذا كان على الوجه، فقد لعن النبي ﷺ من ضرب الحيوان على وجهه، فما بالنا بالزوجة: «أما بلغكم أني قد لعنت من وسم البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها» (٢). ولما دخل معاوية القشيريُ على النبي ﷺ سمعه يؤكد على حقوقها ويقول: «لا تضربِ الوجه، ولا تقبِّحْ، وأطعمْ إذا أُطعمت، واكسُ إذا اكتسيت، ولا تهجُر إلا في البيت، كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض؛ إلا بما حل عليهن» (٣).

стр. 272

وذماً من النبي ﷺ لأولئك الذين يضربون زوجاتهم وقف ﷺ على المنبر يوصي بالنساء، فيقول: «يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه» (١). وذات مرة جاء إلى النبي ﷺ رجل يشكو زوجته، فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة فذكر من طول لسانها وإيذائها؟ فقال ﷺ : «طلقها». فقال: يا رسول الله، إنها ذات صحبة وولد؟ قال: «فأمسكها وأْمُرها، فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك ضربَك أَمتَك» (٢)، فنهاه ﷺ عن ضربها رغم سوء معاملتها وخلقها. وخشية من وقوع بعض الأزواج في الظلم والتعدي والتعسف في التأديب قال ﷺ : «لا تضربوا إماء الله»، لكن بعض الزوجات أسأن إلى أزواجهن، إذ لا يصلح حالهن إلا التأديب، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئِرنَ النساءُ على أزواجهن (أي نفرن واجترأن)، فرخص ﷺ في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي ﷺ : «لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم» (٣). وهكذا نرى وصاة النبي ﷺ لكل حر شريف أن يتقي الله تعالى في زوجه، وأن يعف لسانه ويكف يده بالأذى عنها، كما كان يفعل رسول الله ﷺ الذي ما ضرب زوجاً ولا قبحها، وأما أولئك المسيئون الذين يضربون زوجاتهم فحسبهم حكم النبي ﷺ عليهم أنهم ليسوا من خيار المؤمنين، فخيرهم خيرهم لأهله، ورسول الله ﷺ خيرنا لأهله. لقد أوجب القرآن العشرة بالمعروف حال الحب والكراهية ﴿عَاشِرُوهُنَّ

стр. 273

بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (النساء: ١٩)، فإن وقع طلاق ثم انتهت عدتها؛ فإما أن يمسكها بمعروف أو يسرحها بإحسان ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (البقرة: ٢٢٩). وهذه العشرة بالمعروف للزوجة تصبح ميزاناً للخيرية عند الله يستبق فيه المسلمون إلى محبة الله ورضاه، فقد قال ﷺ : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (١)، وفي رواية: «إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهم خلقاً وألطفُهم بأهله» (٢).

стр. 274

ثالثاً: تعدد الزوجات قالوا: القرآن ظلم المرأة حين أباح للرجل أن يتزوج عليها، وفي هذا إضرار بمصلحتها. والجواب: قبل التعرف على حكم الإسلام في المسألة نقرر أن الإسلام لم يكن أول من شرع هذه الشرعة التي شرعتها الأمم والملل قبل الإسلام، فقد عرفت الأمم جميعاً التعدد، لكنها ترددت بين نوعيه: تعدد الزوجات وتعدد الخليلات، فقد أجاز الإسلام الأول منهما، وحرم الثاني لما فيه من إزراء بالمرأة وظلم فادح لها، فهو يجردها من جميع الحقوق الزوجية، فالعشيق لا يلتزم للخليلة بما يلتزم به الزوج لزوجاته من نفقة وسكن ورعاية للزوجات ولأبنائهن من غير تفريق بينهم. والرسالات السماوية قبل الإسلام أباحت تعدد الزوجات، ويكفي في إثبات ذلك أن نذكر أن العهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى يقر بأن إبراهيم كان متزوجاً من ثلاث زوجات (سارة وهاجر وقطورة)، وأما يعقوب فكان متزوجاً من الأختين (ليئة وراحيل)، والأَمتين (زلفة وبلهة)، (انظر التكوين ٢٩)، ويذكر الكتاب المقدس أن داود كان له سبع زوجات، وأن ابنه سليمان النبي: "كانت له سبع مائة من النساء السيدات، وثلاث مائة من السراري" (سفر الملوك (١) ١١/ ٣)، فالتعدد مشروع في شرائع التوراة ومن غير ضوابط ولا شروط. وأما المسيحية فهي تحرم تعدد الزوجات رغم أنه لم يرد عن المسيح ما يبطل هذه الشريعة التوراتية، فالمسيح يقول: "ما جئت لنقض الناموس أو الأنبياء، بل لأكمل" (متى ٥/ ١٧). بل إن العهد الجديد يشير إلى مشروعية التعدد، حيث يقول بولس في

стр. 275

(تيموثاوس (١) ٣/ ١٢): " فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعلَ امرأة واحدة ... ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة"، ويفهم منه منع تعدد الزوجات للشماس، وجوازه لغيره. وقد بقيت قضية تعدد الزوجات صيحة تنادي بها فرق مسيحية شتى مثل "تجديدية العماد" "الأنا بابتيست" في ألمانيا في أواسط القرن السادس عشر للميلاد، وكان القس اللامعمداني جان بوكلسون الشهير بيوحنا الليداوي حاكم مدينة مونستر الألمانية التي أسماها (أورشليم الجديدة) (١٥٣١م) يقول: من يريد أن يكون مسيحياً حقيقياً فعليه أن يتزوج عدة زوجات. وبمثله نادت فرقة المورمون في مطلع القرن التاسع عشر، ولم يتخلوا عنه إلا بضغط من السلطات المدنية في أواخر القرن التاسع عشر. وقد بلغت الدعوة إلى إباحة تعدد الزوجات مبلغاً ملحوظاً عند مفكري الغرب وعلمائهم؛ وبخاصة بعد أن عانت أوروبا من نقص شديد في عدد الرجال نتيجة للحربين العالميتين التي قتل فيهما أكثر من ٤٨ مليون رجل، وكذلك لانتشار الفواحش والزنا وزيادة عدد اللقطاء (١). ولو عدنا للحديث عن عرب الجاهلية لرأينا أن التعدد شائع عندهم من غير ضوابط، فكان لبعضهم عشر زوجات، فقد أسلم غيلان بن سلمة الثقفي، وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : «اختر منهن أربعاً» (٢)، وأما عميرة الأسدي فيقول: أسلمت وعندي ثماني نسوة , فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «اختر منهن أربعاً» (٣).

стр. 276

وهكذا فالتعدد موجود قبل الإسلام، ومن غير ضوابط، وذلك لواقعية هذه الشرعة، وحاجة بعض الأزواج إلى الزواج بغير زوجته لمرضها أو لعدم قدرتها على الإنجاب أو توقفها، أو لغير ذلك من الأسباب، ولولا تعدد الزوجات لما تزوجت الكثير من العوانس والمطلقات وذوات الأمراض. لقد كان الإسلام واقعياً حين أقر شريعة التعدد، فتزوج الزوج بأخرى أولى من طلاق الأولى، وأولى من العلاقة المحرمة، فالتعدد المشروع يغلق الباب أمام تعدد العشيقات غير المشروع الذي يجتاح المجتمعات الإنسانية التي ترفض التعدد. جاء في إحصائية عن الخيانة الزوجية منشورة في مايو ١٩٨٠م أن ٧٥% من الأزواج في أوروبا يخونون زوجاتهم، وأفادت إحصائية أخرى أن مليون امرأة تقريباً عملن في البغاء بأمريكا خلال الفترة من (١٩٨٠م إلى ١٩٩٠م)، والإحصائيات الأحدث أسوأ وأفظع، فما هو السبب في كل هذا البلاء؟. ولنسمع إلى المصلح الشهير مارتن لوثر مؤسس فرقة البرتستانت وهو يجيب: "إن نبضة الجنس قوية لدرجة أنه لا يقدر على العفة إلا القليل .. من أجل ذلك الرجل المتزوج أكثر عفة من الراهب ... بل إن الزواج بامرأتين قد يسمح به أيضاً، كعلاج لاقتراف الإثم، كبديل عن الاتصال الجنسي غير المشروع" (١). إن البشرية لا غناء لها عن تعدد الزوجات إذا شاءت أن تحيا حياة العفة والطهر، وهذا ما ستقودنا إليه دراسة بسيطة للإحصاءات العالمية التي تشير إلى زيادة مطردة لنسبة النساء، فإذا كان عدد الإناث في الولايات المتحدة الأمريكية يزيد على عدد الذكور بأربعة ملايين امرأة، فإن المجتمع الأمريكي مخير بين القبول بأربعة ملايين بغي أو بأربعة ملايين أسرة شرعية تتعدد فيها الزوجات.

стр. 277

وهكذا فإن إباحة القرآن لتعدد الزوجات صورة من حكمة الله الحكيم، إذ واقع الأرض لا يصلح إلا بمثل هذا التشريع، فعدد نساء البشر اليوم يربو على رجالها بأربعمائة مليون امرأة، مما يجعل تعدد الزوجات ضرورة ملحة لكل مجتمع يخشى الفساد ويحذر الانحلال، لذلك تقول المستشرقة الإيطالية الشهيرة لورافيشيا فاغليري": "إنه لم يَقُم الدليل حتى الآن بأي طريقة مُطْلَقَة على أن تعدد الزوجات هو بالضرورة شرّ اجتماعي وعقبة في طريق التّقدّم .. وفي استطاعتنا أيضا أن نُصرّ على أنه في بعض مراحل التّطور الاجتماعي عندما تنشأ أحوال خاصة بعينها، كأن يُقتل عدد من الذكور ضخم إلى حدّ استثنائي في الحرب مثلاً؛ يُصبح تعدد الزوجات ضرورة اجتماعية" (١). لكن واقعية الإسلام في إباحة التعدد لم تخلَّ بمثاليته في التشريع، فقد حدده بأربع زوجات فقط؛ حتى يقدر الرجل على الوفاء بحقوقهن، كما سيَّج الإسلام هذه الشرعة وزانها بجملة من الآداب والضوابط، التي تلزم المنصف بتبرئة القرآن من مسؤولية الممارسات الخاطئة التي يقع بها بعض المعددين الذين لم يتأدبوا بآدابه، ولم يفقهوا أن تعدد الزوجات ليس شهوة عابرة، بل هو مزيد من المسئوليات التي يجب على الزوج القيام بها والوفاء بكل متطلباتها المالية والاجتماعية والإنسانية. ومن آداب الإسلام في هذا الخصوص أنه كتب على الزوج العدل بين نسائه أو الامتناع عن التعدد: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (النساء: ٣)، والعدل يشمل السكن والنفقة وغيرها من مستحقات الزوجية. وحذر النبي ﷺ من صورة كثيراً ما نراها عند المعددين، وهي الميل إلى

стр. 278

إحدى الزوجتين، فهذا النوع من الظلم توعد الله فاعله بعقوبة خاصة يوم القيامة: «من كان له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى؛ جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» (١). ولو عدنا إلى قول القائلين أن تعدد الزوجات فيه ظلم للزوجة الأولى وإهانة لكرامتها، فجوابه: فإن التعدد فيه مصلحة للزوجة الأخرى وإكرام لها، فكيف تفوت هذه المصلحة؟ ثم إن الزوجة الثانية ستغدو شريكة الأولى بمباركة أسرتها من الرجال والنساء الذين رأوا أن تزوجها من متزوج بغيرها خير لها من أن تكون بلا زوج، وهو صيانة لها، ويؤهلها لتكون زوجة فاضلة بدلاً من أن تكون خليلة أو عشيقة بلا حقوق ولا كرامة، ثم لا تلبث أن تصير إلى الشارع. ولذلك يرى الكاتب الإيرلندي "برنارد شو" أن إباحة تعدد الزوجات هو العلاج لمشاكل الغرب، فيقول: "إن أوروبا لو أخذت بهذا النظام لوفرت على شعوبها كثيراً من أسباب الانحلال والسقوط الخلقي والتفكك العائلي". ويقول المستشرق الشهير "هك فارلين": "إذا نظرنا إلى تعدد الزوجات في الإسلام من الناحية الاجتماعية أو الأخلاقية أو المذهبية، فهو لا يعد مخالفاً -بحال من الأحوال - لأرقى أسلوب من أساليب الحضارة والمدنية، بل هو علاج عملي لمشاكل النساء البائسات والبغاء، واتخاذ المحظيات، ونمو عدد العوانس المطرد في المدنية الغربية بأوروبا وأمريكا" (٢).

стр. 279

رابعاً: حقوق المرأة والميراث قالوا: القرآن يغبن المرأة حين يجعل لها من الميراث نصف ما للرجل، وفي ذلك انتقاص من أهلية المرأة، ومعاملتها على أنها نصف إنسان!! .. والجواب: سبق بيان صور التساوي بين الجنسين في الإنسانية، ورأينا تساويهما في المنزلة عند الله وجزائه وعقابه، واستقر لدينا أن التفاضل بينهما إنما هو لدواع مادية بحتة، فالأصل في المسألة قوله ﷺ : «إنما النساء شقائق الرجال» (١). وقبل أن نقف على سبب اختلاف الذكور عن الإناث في المواريث أود تذكير الطاعنين على القرآن بأن كتبهم المقدسة تحرم المرأة من الميراث كلية حال وجود أشقاء لها "فكلم الرب موسى قائلاً ... أيما رجل مات وليس له ابن؛ تنقلون ملكه إلى ابنته" (العدد ٢٧/ ٨)، ويفهم من السياق التوراتي - الذي يؤمن به اليهود والنصارى - أن وجود الابن يمنع توريث الابنة (وانظر يشوع ١٧/ ١ - ٣). وحين جاء الإسلام كان عرب الجاهلية يحرمون المرأة من الميراث، يقول عمر: (والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً؛ حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم) (٢)، فألغى الإسلام شرعة الجاهلية، وأحل بدلاً عنه نظام الإرث الإسلامي المبني وفق قواعد ثلاثة: أولاً: مراعاة درجة القرابة بين الميت والوارث، فكلما اقتربت الصلة بالميت زاد النصيب في الميراث، وكلما ضعفت الصلة قلَّ النصيب في الميراث، دونما اعتبار لجنس الوارثين، فابنة المتوفى تأخذ أكثر من والد المتوفى أو جده أو أخيه، وهي تنال نصف التركة لو ورثت مع الأب والأم.

стр. 280

ثانياً: مراعاة موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال، فالأجيال الناشئة تقدم على الأجيال الكبيرة، لأنها تستقبل الأعباء والنفقات من دراسة وزواج وإنفاق على الأبناء، بعكس الكبار الذين غالباً ما تخف نفقاتهم، ومرة أخرى لا أثر للذكورة والأنوثة، فبنت المتوفى ترث (النصف) أي أكثر من أم المتوفى وأبيه، وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التي للابن. ثالثاً: مراعاة العبء المالي الذي سيتحمله الوارث، وفق قاعدة الغُنم بالغُرم، فكلما كانت الأعباء عليه أكثر فإنه يرث أكثر، وبسبب هذا يتفاوت الذكر والأنثى، لأن الأعباء المالية على الذكر أكثر، فالذكر مكلف بإعالة الأنثى؛ زوجة كانت أم أختاً أم بنتاً، فهي ترث من أبيها، ويرعاها أخوها وزوجها وابنها (١). ولو شئنا أن نضرب مثلاً بأخ وأخت ورثا عن أبيهما، فلو ورث الذكر عن أبيه ١٠٠ ألف والأنثى ٥٠ ألفاً، فالأخ مطلوب منه أن ينفق على عائلته كساء وغذاء وسكناً، بينما أخته مكفولة النفقة في بيت زوجها، وإذا كان الأخ يدفع مهراً، فإن الأخت تأخذ مهراً، علاوة على النفقات الأخرى التي يختص بها الرجال دون النساء، كتحمل دفع دية قتل الخطأ مع العصبة والأقارب، فهذا وأمثاله واجب على الأخ دون أخته الوارثة لنصف ما ورث. وهكذا، حين جعل الله للذكر مثل حظ أنثيين من الميراث لم يقض بذلك لهوان النساء أو ظلمهن، بل قسم المال ووزعه تقسيماً مادياً بحتاً يتناسب والمسئوليات المنوطة بكل منهما في المجتمع والأسرة. ثم إن الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل لا تعدو ثلاث حالات (٢):

стр. 281

أ) أولاد المتوفى، فالذكور يرثون ضعف الإناث، لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١). ب) التوارث بين الزوجين، حيث يرث الزوج من زوجته ضعف ما ترثه هي منه، لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: ١٢). ج) يأخذ أبو المتوفى ضعف زوجته (أم المتوفى) إذا لم يكن لابنهما وارث، فيأخذ الأب الثلثين وزوجته الثلث. وفي مقابل هذه الحالات الثلاث فإن الأنثى ترث مثل الذكر في حالات، كما في مسألة الكلالة ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ (النساء: ١٢). كما قد قضى عمر بالتساوي بين الأخوة لأم ذكوراً وإناثاً، قال الزهري: "ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم ذلك من رسول الله ﷺ ، ولهذه الآية التي قال الله تعالى: ﴿فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ﴾ (النساء: ١٢) " (١). ومرة أخرى ساوى القرآن بين الوالدين في إرثهما من ولدهما؛ إذا كان له ولد ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (النساء: ١٢). وهناك أحوال كثيرة ترث الأنثى فيها أكثر من الرجل، فتقدم الابنة مثلاً على الأب والأخ والعم والخال، بل قد ترث هي، ولا يرثون. وهكذا فالتفاوت في قسم الميراث بين الذكور والإناث ليس مطرداً، وهو متعلق بمنظومة الإسلام الاجتماعية ومقتضياتها في توزيع المسؤوليات والنفقات،

стр. 282

ووفق هذه الالتزامات يتوزع الإرث بين الذكور والإناث. ونختم الرد على هذه الأُبطولة بشهادة المستشرق غوستاف لوبون، حيث يقول: "والإسلام قد رفع حال المرأة الاجتماعي وشأنها رفعاً عظيماً بدلاً من خفضها، خلافاً للمزاعم المكررة على غير هدى، والقرآن قد منح المرأة حقوقاً إرثية أحسن مما في أكثر قوانيننا الأوربية". ويقول: "وتعد مبادئ الميراث التي نص عليها القرآن بالغة العدل والإنصاف .. ويظهر من مقابلتي بينها وبين الحقوق الفرنسية والإنجليزية أن الشريعة الإسلامية منحت الزوجات - اللائي يُزعم أن المسلمين لا يعاشرونهن بالمعروف - حقوقاً في الميراث لا نجد مثلها في قوانيننا" (١).

стр. 283

خامساً: شهادة المرأة قالوا: جعل القرآن شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (البقرة: ٢٨٢)، فزعموا أن في ذلك انتقاصاً للمرأة، واستهانة بها. والجواب: الأمر الوارد في الآية ليس موجهاً إلى القاضي والحاكم، كما يظن الكثيرون، إنما هو لصاحب المال الذي يداين آخر، فأمره الله بكتابة الدَيْن لحفظه؛ فإن عجز عن ذلك، فليستشهد عليه شهيدين من الرجال، أو رجلاً وامرأتين، حتى لا يضيع حقه بنسيان المرأة الواحدة لمثل هذا الأمر، الذي لا تضبطه النساء عادة. وقد عللت الآية السبب الذي لأجله طلب الله من صاحب الدين الاستيثاق لماله بشهادة امرأتين أو رجل واحد ﴿أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ (البقرة: ٢٨٢)، أي خوف نسيانها فحسب، لأن المسائل المالية مما لا تضبطه النساء ولا تعنى به عادة. وضلالها وخطؤها ينشأ من أسباب مادية بحتة، لعل أهمها قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد، مما قد يجعلها غير حافظة لكل دقائقه وملابساته. لكن هذا لا يعني أن شهادة المرأة في المحاكم والقضاء بنصف شهادة الرجل، فالقاضي يقضي بما يتيسر له من الأدلة، عملاً بقوله ﷺ : «البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه» (١)، وقد يقضي القاضي بشهادة رجل واحد أو بشهادة امرأة واحدة، أو بأقل من ذلك، كما يوضحه ابن القيم بقوله: "إن البينة في الشرع اسم لما يبين الحق ويظهره، وهي تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة،

стр. 284

بالنص في بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكولاً [امتناعاً عن اليمين] .. فقوله ﷺ : «البينة على المدعي»، أي عليه أن يظهر ما يبين صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكم له" (١). ويقول وهو يرد هذه الشبهة: "فإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدل عن الشاهدين، قيل: القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها .. وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم، وإنما أرشدنا إلى ما يُحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تُحفظ بها الحقوق" (٢). ويقول مبيناً علة التمييز بين شهادة الرجل والمرأة: "والمرأة العدل كالرجل في الصدق والأمانة والديانة إلا أنها لما خيف عليها السهو والنسيان قويت بمثلها، وذلك قد يجعلها أقوى من الرجل الواحد أو مثله، ولا ريب أن الظن المستفاد من شهادة مثل أم الدرداء وأم عطية أقوى من الظن المستفاد من رجل واحد دونهما ودون أمثالهما" (٣). ومما يشهد لصحة هذا الفهم أن مجمل الشهادات تتساوى فيها شهادة الذكر والأنثى، ففي شهادات اللعان بين الأزواج تتساوى شهادة الرجل وزوجته، فشهاداتها الأربع في اللعان تعدل شهادات زوجها الأربع، وذلك مقرر في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ

стр. 285

الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (النور: ٦ - ٩). ولن يفوتنا التنبيه إلى أمر مهم، وهو تساوي شهادة المرأة بالرجل في أهم الشهادات التي لا مدخل فيها للعاطفة الغالبة على المرأة أو قلة الخبرة، أي حين يكون الاعتماد على مجرد الذكاء والحفظ، وذلك في الأمور الدينية، فتقبل رواية المرأة للحديث كالرجل تماماً، ومثله في سائر العلوم. وقد جعل الشارع شهادة المرأة معتبرة في بعض المسائل التي قد لا يقبل فيها شهادة الرجال، كالأمور النسائية التي لا يطلع عليها الرجال عادة، كإثبات الولادة وحيضة المطلقة وطهرها في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (البقرة: ٢٢٨). وفي الصحيح أن النبي ﷺ قبل شهادة امرأة واحدة في الرضاع، ففي حديث عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فذكر ذلك للنبي ﷺ ، ففرق بينهما (١). إن التشريع القرآني الذي جعل شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل في مسائل الدَيْن وأمثالها لم يصنعه إجحافاً بحقها أو استهانة بمقامها وإنسانيتها، وإنما هو مراعاة لقدراتها ومواهبها، وإلا فإن أهليتها كأهلية الرجل تماماً في كثير من المعاملات كالبيع والشفعة والإجارة والوكالة والشركة والوقف والعتق ...
следующие страницы →