Полный текст (411 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وإن حرف مدّ قبل همز مغيّر ... يجز قصره والمدّ ما زال أعدلا
ذكر ﵀ في هذا البيت قاعدة كلية لكل القراء فأخبر أن حرف المد إذا وقع قبل همز مغير قد غير بالتسهيل أو الحذف ففيه وجهان: أحدهما القصر، والثاني: المد، ورجحه بقوله والمد ما زال أعدلا أي أرجح من القصر؛ فمثال ما جاء قبل المسهل من ذلك من السماء إن أولياء أولئك في قراءة قالون والبزي وإسرائيل والملائكة في وقف حمزة وهشام وها أنتم في قراءة أبي عمرو وموافقيه على رأي الناظم، ومثال ما جاء قبل المحذوف منه جاء أمرنا في قراءة البزي والسوسي وفي قراءة قالون والدوري عند من أخذ لهما بالقصر في المنفصل.
توضيح: إذا سهلت الأولى من نحو هؤلاء إن فلقالون والبزي وجهان القصر والمد، ولحمزة في نحو إسرائيل والملائكة وجاءهم الوجهان القصر والمد مع التسهيل وإذا حذفت نحو جاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف: ٣٤]، فالوجهان لأبي عمرو وقالون والبزي: واعلم، أن هذا عام في كل حرف مد قبل همز مغير فيندرج فيه ألف الفصل بين الهمزتين لأنها حرف مد قبل همز مغير عند من يغير الهمزة الثانية. وحكي أن ابن الحاجب المالكي ﵀ وقع بينه وبين السخاوي خلاف في ألف الفصل فكان ابن الحاجب يقول بالمد من غير نقل ثم عادا واطلعا على النقل فيها فوجدا فيها خلافا. ثم انتقل إلى المختلفتين فقال:
وتسهيل الأخرى في اختلافهما سما ... تفيء إلى مع جاء أمّة أنزلا
أخبر ﵀ أن المشار إليهم بقوله سما، وهم: نافع وابن كثير وأبو عمرو يسهلون الهمزة الأخيرة من الهمزتين في الكلمتين إذا اختلفتا في الحركة وأراد بالتسهيل مطلق التغيير على ما سيأتي. واعلم أن الهمزة الأولى محققة لكل القراء والثانية مختلف فيها وإذا تعين لنافع وابن كثير وأبي عمرو فيها التغيير تعين لغيرهم التحقيق واختلافهما على خمسة أنواع والقسمة العقلية تقتضي ستة إلا أن النوع السادس لم يوجد في القرآن فلذلك لم يذكره أما الخمسة الموجودة في القرآن فهي أن تكون الأولى مفتوحة والثانية مكسورة أو مضمومة وأن تكون الثانية مفتوحة والأولى مضمومة أو مكسورة فهذه أربعة أنواع وسيأتي النوع الخامس
في قوله: يشاء إلى كالياء أقيس معدلا، والنوع السادس الساقط من القرآن هي أن تكون الأولى مكسورة والثانية مضمومة نحو على الماء أمم فذكر في هذا
стр. 72
البيت النوعين الأولين من الخمسة فقوله تفيء إلى مثال الهمزة المكسورة بعد المفتوحة نحو تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩]، شهداء إذ حضر، والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [المائدة: ١٤]، والنوع الثاني مفتوحة بعدها مضمومة وهو جاءَ أُمَّةً رَسُولُها [المؤمنون: ٤٤]، بقد أفلح، وليس في القرآن من هذا النوع غيره ومعنى أنزلا أي أنزل ذلك ولا يتزن البيت إلا بنقل حركة الهمزة إلى الساكن في قوله وتسهيل الأخرى وفي قوله أمة أنزلا.
نشاء أصبنا والسّماء أو ائتنا ... فنوعان قل كاليا وكالواو سهّلا
وهذان نوعان على العكس مما تقدم وهما مضمومة بعدها مفتوحة نحو قوله تعالى:
نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأعراف: ١٠٠] ويا سَماءُ أَقْلِعِي [هود: ٤٤]، ومكسورة بعدها مفتوحة نحو قوله: مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢] ومِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [البقرة: ٢٣٥] أو هؤُلاءِ أَهْدى [النساء: ٥١]، ثم بين ذكر كيفية التسهيل في النوعين الأولين فقال فنوعان قل كاليا وكالواو يعني أن الهمزة الثانية المكسورة من قوله:
تفيء إلى ونحوه تسهل كالياء أي بين الهمزة والياء وأن الهمزة المضمومة من جاءَ أُمَّةً [المؤمنون: ٤٤]، تسهل كالواو أي بين الهمزة والواو. ثم ذكر حكم النوعين الأخيرين
فقال:
ونوعان منها أبدلا منهما وقل ... يشاء إلى كالياء أقيس معدلا
يعني ونوعان من الأنواع الأربعة أبدلا أي أبدل الواو والياء منهما أي من همزتهما يعني أن الهمزة الثانية المفتوحة في نَشاءُ أَصَبْناهُمْ [الأعراف: ١٠٠]، ونحوه أبدلت واوا وأن الهمزة الثانية المفتوحة مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا [الأنفال: ٣٢]، ونحوه أبدلت ياء. ولما انقضى كلامه في حكم الأنواع الأربعة شرع في ذكر النوع الخامس فقال وقل يشاء إلى وهو ما وقع فيه همزة مضمومة بعدها مكسورة نحو قوله تعالى: يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥]، والشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [البقرة: ٢٨٢]، يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [يوسف: ٤٣]، وقوله كالياء أقيس معدلا يعني أن الهمزة الثانية المكسورة في يشاء إلى ونحوه تسهل كالياء أي أن «الهمزة والياء» وهو القياس في تسهيلها ونبه على ذلك بقوله أقيس معدلا: أي أقيس عدولا؛ يعني أن عدوله إلى التسهيل بين «الهمزة والياء»، أقيس من عدوله إلى البدل ومن عدوله إلى التسهيل بين «الهمزة والواو». ثم ذكر مذاهب القراء فقال:
وعن أكثر القرّاء تبدل واوها ... وكلّ بهمز الكلّ يبدا مفصّلا
أخبر ﵀ أن أكثر القراء أبدلوا من الهمزة الثانية واوا في «يشاء إلى»، ونحوه ومن القراء من يجعلها بين «الهمزة والواو» فحصل في تخفيف الهمزة الثانية المكسورة بعد
المضمومة ثلاثة أوجه التسهيل بين «الهمزة والياء» وإبدالها «واوا» والثالث تسهيلها بين «الهمزة والواو» ولم يذكر هذا الوجه في التيسير وهو مذهب القليل من القراء وقد تم الكلام في الهمزتين المختلفتين فعلم ما لنافع وابن كثير وأبي عمرو
стр. 73
من التغيير على اختلاف أنواعه.
وعلم أن للباقين وهم الكوفيون وابن عامر التحقيق في الأنواع الخمسة وقوله: «وكل بهمز الكل يبدأ مفصلا». أي كلّ من سهل «الهمزة الثانية»، من المتفقتين أو المختلفتين إنما ذلك في حال وصلها بالكلمة قبلها. فأما إذا وقف على الكلمة الأولى، فقد انفصلت «الهمزتان»، فإذا ابتدأ بالثانية حققها؛ ومعنى مفصلا، مبينا لما هو أصلها من الهمز.
والإبدال محض والمسهل بين ما ... هو الهمز والحرف الذي منه أشكلا
بيّن ﵀ بهذا البيت حقيقة الإبدال والتسهيل، فأخبر أن الإبدال محض أي تبدل «الهمزة» حرف مد محض ليس يبقى منه شائبة من لفظ الهمز فتكون «ألفا أو واوا أو ياء ساكنين أو متحركين». والتسهيل أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي تولدت منه حركة الهمزة فتسهل الهمزة المفتوحة، بين «الهمزة والألف»، والمضمومة بين «الهمزة والواو» والمكسورة، بين «الهمزة والياء» هذا معنى قوله منه أشكلا. قال الجوهري: شكلت الكتاب أي قيدته بالإعراب. وأشكلته أزلت إشكاله.
باب الهمز المفرد
يعني بالمفرد الذي لم يجتمع مع همز آخر بخلاف البابين المتقدمين فقال:
إذا سكنت فاء من الفعل همزة ... فورش يريها حرف مدّ مبدلا
أخبر أن الهمزة إذا سكنت وكانت «فاء من الفعل» فإنّ ورشا يبدلها حرف «مدّ ولين»، ولا يبدلها إلا بهذين الشرطين. أحدهما: «كونها ساكنة»، والثاني: كونها «فاء الكلمة»، فيبدلها على قاعدة الإبدال فيما سكن من «الهمز»، فإنه يبدل بعد الفتحة «ألفا»، وبعد الكسرة «ياء» وبعد الضمة «واوا». وفاء الفعل عبارة عما يقابل «الفاء»، بما جعل معيارا لمعرفة الأصلي والزائد من لفظ الفعل وتعرف «الهمزة» التي هي فاء الفعل بثلاثة أشياء.
أحدها أن يقال كل ما كان وقوعه بعد همزة وصل فهو فاء الفعل نحو «ائت وأمر وائتمن وائتمروا»، ألا ترى أن أوزانها أفعل وأفعل وافتعل وافتعلوا. والثاني: أن يقال كل ما كان ساكنا بعد ميم في اسم الفاعل أو المفعول فهو فاء الفعل نحو «المؤمنون والمؤمنين ومأمون ومأكول»، ألا ترى أن أوزانها المفعلون والمفعلين ومفعول. الثالث: أن كل ما كان منه بعد حرف المضارعة فهو فاء الفعل نحو، «يؤمن وتألمون ويألمون»، ألا ترى أن أوزانها «يفعل وتفعلون ويفعلون» وتقريبه على المبتدئ أن كل همزة ساكنة بعد همزة وصل أو تاء أو ياء أو نون أو واو أو فاء أو ميم فإنها همزة فاء الفعل ثم استثنى فقال:
стр. 74
سوى جملة الإيواء والواو عنه إن ... تفتّح إثر الضّمّ نحو مؤجّلا
أي استثنى ورش من الهمز الساكن الذي هو فاء الفعل جميع ما وقع من لفظ الإيواء نحو «تؤوى وتؤويه والمأوى ومأواهم ومأواكم وفأووا إلى الكهف» فقرأه بالهمزة ولم يبدله؛ ثم استأنف كلاما آخر بقوله والواو عنه أي عن ورش إن تفتح يعني الهمز الذي هو فاء الفعل أثر الضم أي بعد الضم نحو مؤجلا، مثال ما وجد فيه ذلك يعني أن الهمز الذي وجد فيه ما ذكر من الشروط الثلاثة الانفتاح وكونه فاء الكلمة وكونه بعد الضم فإن ورشا يبدله واوا نحو
يؤاخذ يؤلف ويؤخر ومؤذن ومؤجلا فإن لم يجتمع فيه الشروط الثلاثة حققه ولم يبدله نحو وَلا يَؤُدُهُ [البقرة: ٢٥٥] وتَؤُزُّهُمْ [مريم: ٨٣] ووَ أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى [القصص: ١٠] وظَلَمَكَ بِسُؤالِ [ص: ٢٤] وتأذن، وما تأخر، ألا ترى أن المثالين الأولين وإن كانت الهمزة فيهما فاء الفعل فإنها مضمومة وما قبلها مفتوحة وأن المثالين الثانيين وإن كانت الهمزة فيهما مفتوحة وما قبلهما مضموم فليست بفاء الفعل وأن المثالين الثالثين وإن كانت الهمزة فيهما فاء الفعل وهي المفتوحة فإن ما قبلها غير مضموم:
ويبدل للسّوسيّ كلّ مسكّن ... من الهمز مدّا غير مجزوم اهملا
أخبر عفا الله عنه أن السوسي أبدل له كل مسكن أي كل همز ساكنة على قاعدة الإبدال كما تقدم سواء كانت فاء أو عينا أو لاما مثال الفاء نحو ما تقدم لورش ومثال العين نحو البأس والرأس وبئر وبئس وما تصرف من ذلك ومثال اللام نحو قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢] وجئت وشِئْتَ [الأعراف: ١٥٥]، وما تصرف من ذلك، وقوله غير مجزوم أهملا استثناء يعني أن السوسي يبدل له الهمز الساكن إلا المجزوم منه فإنه أهمل من البدل فبقي محققا على أصله. ثم ذكر المجزوم منه فقال:
تسؤ ونشأ ستّ وعشر يشأ ومع ... يهيّئ وننسأها ينبّأ تكمّلا
اعلم أن هذا المستثنى على خمسة أنواع: الأول ما سكونه علامة للجزم وهو جميع المذكور في هذا البيت. والنوع الثاني ما سكونه علامة للبناء. والثالث ما همزه أخف من إبداله. والنوع الرابع ما ترك همزة يلبسه بغيره. والخامس ما يخرجه الإبدال من لغة إلى لغة أخرى وعد في هذا البيت الكلم المجزوم وهي تسع عشر كلمة فمنها تسؤ في ثلاثة مواضع تسؤهم في آل عمران والتوبة وتسؤكم بالمائدة ومنها نشأ في ثلاثة مواضع إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ [الشعراء: ٤]، وإِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ [سبأ: ٩] وإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ [يس:
٤٣] ومنها يشأ في عشرة مواضع إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ [النساء: ١٣٣]، [الأنعام: ١٣٣]، [إبراهيم: ١٩]، [فاطر: ١٦]، مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ [الأنعام: ٣٩]، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ [الإسراء: ٥٤] وفَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ [الشورى: ٢٤] وإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ [الشورى: ٣٣]، وبالشورى وعد في جملتها مكسورتين في الوصل لالتقاء الساكنين وهما: من يشأ الله يضلله وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ [الشورى:
٢٤] والجزم فيهما يظهر في الوقف ومنها يهيئ في الكهف وننسأ بالبقرة وينبأ بالنجم فالهمزة في جميع ذلك ساكنة للجزم وقوله: تكملا أي تكمل المجزوم الذي لا يبدله السوسي. وأما قوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧]، فالسوسي يبدل همزه وليس من المستثنى لأن سكون الهمز فيه لأجل ضمير الفاعل لا للجزم.
стр. 75
وهيّئ وأنبئهم ونبّئ بأربع ... وأرجئ معا واقرأ ثلاثا فحصّلا
ذكر في هذا البيت النوع الثاني وهو ما سكونه علامة للبناء أي واستثنى لأبي عمرو هذه الكلمات المذكورة أيضا، وهي إحدى عشرة كلمة وجميعها مبني على السكون وهي: هيئ لنا بالكهف وأنبئهم بأسمائهم بالبقرة وقوله ونبىء بأربع أي في أربع كلمات نبئنا بتأويله بيوسف ونبىء عبادي ونبئهم عن ضيف إبراهيم كلاهما بالحجر ونبئهم أن الماء قسمة بالقمر وأرجئ معا أي في موضعين أرجئه وأخاه وأرسل في الأعراف وأرجئه وأخاه وابعث في الشعراء واقرأ ثلاثا أي في ثلاث مواضع أولها في الإسراء اقرأ كتابك والثاني والثالث بالعلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] واقْرَأْ وَرَبُّكَ [العلق: ٣]، فجميع هذا يقرأ لأبي عمرو بتحقيق الهمزة وإبقائه على حاله وليست الفاء من قوله فحصلا رمزا أي فحصل العلم.
وتؤوي وتؤويه أخفّ بهمزه ... ورئيا بترك الهمز يشبه الامتلا
ذكر في هذا البيت النوع الثالث والرابع، فأخبر أن تُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ [الأحزاب:
٥١] وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [المعارج: ١٣]، مما استثنى لأبي عمرو أيضا فهمزه على الأصل ولم يخفف بالإبدال وذكر أن علة استثنائه فيه كونه بالهمز أخف من الابدال، ثم أخبر أن رئيا مستثنى له أيضا فهمزه على الأصل ولم يخفف بالإبدال وذكر أن علة استثنائه ما يؤدي إليه الإبدال من التباس المعنى واشتباهه وذلك أنه لو أبدل الهمزة ياء لوجب إدغامها في الياء التي بعدها كما قرأ قالون وابن ذكوان فكان يشبه لفظ الري وهو الامتلاء بالماء، ورئيا بالهمز من الرؤية وهو ما رأته العين من حالة حسنة وكسوة ظاهرة وبترك الهمز يحتمل المعنيين فترك أبو عمرو إبداله لذلك:
ومؤصدة أوصدت يشبه كلّه ... تخيّره أهل الأداء معلّلا
ذكر في هذا البيت النوع الخامس وأخبر أن عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ [البلد: ٢٠]، وإِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ [الهمزة: ٨]، بالهمزة مما استثنى لأبي عمرو أيضا فهمز على الأصل ولم يخفف بالإبدال. واختلف أهل العربية في اشتقاقه فذهب قوم وأبو عمرو منهم إلى أن أصله أأصدت أي أطبقت فله أصل في الهمزة وقال آخرون هو من أوصدت ولا أصل له في الهمز فاختار أبو عمرو همزه لئلا يتوهم أنه قرأ بلغة أوصدت كما يقرأ غيره وليس هو عنده كذلك فلهذا قال الناظم أوصدت يشبه أي موصدة بترك الهمز يشبه لغة أوصدت ثم قال كله أي كل هذا المستثنى تخيره المشايخ وأهل الأداء القراءة كابن مجاهد ومن وافقه كانوا يختارون تحقيق الهمزة في ذلك كله معللا بهذه العلل المذكورة.
تنبيه: المراد أكثر أهل الأداء ومعنى اختيار أهل الأداء يعني اختيار ابن مجاهد أنه قد روى عن أبي عمرو تحقيق الهمز الساكن مطلقا وروى عنه تخفيفه مقيدا فاختار ابن مجاهد وحذاق الناقلين رواية التقييد على الإطلاق لا أنهم قرءوه برأيهم كما توهم.
وبارئكم بالهمز حال سكونه ... وقال ابن غلبون بياء تبدّلا
أخبر ﵀ أن بارئكم قرأ للسوسي في موضعي البقرة بالهمز الساكن على الأصل وقوله حال سكونه فيه تنبيه على قراءته إياه بالسكون كما سيأتي في قوله وإسكان بارئكم وبذلك دخل في هذا الباب فكأنه قال استثنى له بارئكم في حال كونه ساكنا في قراءته ثم أخبر أن أبا الحسن طاهر بن غلبون
стр. 76
روى البدل قال في تذكرته وكذا السوسي أيضا بترك همز بارئكم في الموضعين. قلت حصل للسوسي وجهان: أحدهما بهمزة ساكنة وهو زائد على التيسير، والثاني: إبدالها ياء ساكنة فجملة المستثنى
عند الناظم اتفاقا واختلافا سبعة وثلاثون موضعا وعند صاحب التيسير خمسة وثلاثون لإخراجه موضعي بارئكم وروايته في النظم بإسكان الهمزة وضم الميم وبكسر الهمزة وإسكان الميم.
وولاه في بئر وفي بئس ورشهم ... وفي الذّئب ورش والكسائي فأبدلا
وولاه أي تابعه يعني أن ورشا تابع السوسي على إبدال وبئر معطلة بالحج وبئس حيثما وقع وسواء اتصلت به في آخره «ما» أو في أوله فاء أو واو أو لام أو تجرد عنها نحو لبئسما وفبئسما وفلبئس وبئس ولبئس ذلك من أصل ورش لأن الهمزة في الجميع ليست بفاء الفعل بل هي عينه فأما الذي في الأعراف بِعَذابٍ بَئِيسٍ [الأعراف: ١٦٥]، فليس من هذا الباب ونافع بكماله أبدله ثمت. قوله وفي الذئب ورش والكسائي أخبر أن ورشا والكسائي وافقا السوسي على إبدال همزة الذئب ياء وهو موضعان بيوسف:
وفي لؤلؤ في العرف والنكر شعبة ... ويألتكم الدّوريّ والإبدال يجتلا
أخبر ﵁ شعبة عن عاصم تابع السوسي في إبدال الهمزة الأولى من لؤلؤ واوا ساكنة سواء كانت الكلمة معرفة باللام نحو يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن:
٢٢]، أو منكرة نحو مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً [الحج: ٢٣]، [فاطر: ٣٣]، ثم أخبر أن الدوري عن أبي عمرو قرأ لا يألتكم من أعمالكم بهمزة ساكنة وفهم ذلك من لفظه فلم يحتج إلى تقييد، ثم أخبر أن الإبدال فيه للمشار إليه بالياء من يجتلا وهو السوسي فإبداله فيه على قاعدته؛ ولما تعين أن لفظ يألتكم للدوري بالهمز وأن السوسي أبدلها ألفا تعين للباقين ضد ذلك وهو ترك الهمز وحذف الألف المبدلة منه فصار لفظه يلتكم بغير همز ولا ألف وهي قراءة الباقين ومعنى قوله يجتلا أي ينكشف وبالله التوفيق:
وورش لئلّا والنّسيء ببائه ... وأدغم في ياء النّسيّ فثقّلا
أخبر ﵁ أن ورشا قرأ ليلا بياء مفتوحة حيث وقع نحو «ليلا يكون، ليلا يعلم»، وقرأ في التوبة إِنَّمَا النَّسِيءُ [التوبة: ٣٧] بإبدال الهمزة ياء وإدغام الياء التي قبلها فيها فصارت ياء واحدة مشددة مرفوعة، وقرأ الباقون لئلا بهمزة مفتوحة بين اللامين والنسيء
بياء ساكنة خفيفة بعدها همزة مرفوعة تمد الياء لأجلها، وقوله فثقلا أي فشدد ولأن الإدغام يحصل بذلك وليست الفاء رمزا والرواية في النسيء الأول بالهمز والحكاية والثاني بالإدغام والإعراب.
وإبدال أخرى الهمزتين لكلّهم ... إذا سكنت عزم كآدم أوهلا
ذكر ﵀ قاعدة كلية لكل القراء وليست في التيسير، يقول: إذا اجتمع همزتان في كلمة والثانية ساكنة فإبدالها عزم أي واجب لا بد منه لكل القراء فتبدل حرف مد من جنس حركة ما قبلها، فإن كانت قبلها فتحة أبدلت ألفا نحو آدم وآزر وآتى وآمن، وإن كان قبلها ضمة أبدلت واوا نحو أوتي وأوذي، وإن كان قبلها كسرة أبدلت ياء نحو لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ [قريش: ١ - ٢]، وايت بقرآن إذا
стр. 77
ابتدئ به ومثل الناظم بمثالين أحدهما آدم وأصله على رأي الأكثرين أأدم ووزنه أفعل ولم يتأت له من القرآن مثال يكمل به البيت فأتى بمثال من كلام العرب وهو أوهلا قالوا وفيه بدل من همزة هي فاء الفعل يقال أو هل فلان لكذا أي جعل أهلا له ومثاله من القرآن أُوتِيَ مُوسى [البقرة: ١٣٦]، وأُوذِينا مِنْ قَبْلِ [الأعراف: ١٢٩] واؤتمن، إذا ابتدأ بها.
باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها
هذا نوع من أنواع تخفيف الهمز المفرد وأدرج معه في الباب مذهب حمزة في السكت فقال:
وحرّك لورش كلّ ساكن آخر ... صحيح بشكل الهمز واحذفه مسهلا
وصف الساكن بوصفين: أحدهما أن يكون آخرا ويعني به أن يكون آخر كلمة، والهمز أول الكلمة التي بعدها. والثاني: أن يكون الساكن الآخر صحيحا أي ليس بحرف مد ولين نحو من آمن وقد أفلح فإن كان قبل الهمز واو أو ياء ليس بحرفي مد ولين وذلك بأن ينفتح ما قبلهما فإنه ينقل حركة الهمزة إليهما نحو خَلَوْا إِلى [البقرة: ١٤]، وابْنَيْ آدَمَ [المائدة: ٢٧]، وقد استعمل الناظم هنا قوله: ساكن آخر صحيح باعتبار أنه ليس بحرف مد ولين ولم يرد أنه ليس بحرف علة وهذا بخلاف استعماله في باب المد والقصر حيث قال أو بعد ساكن صحيح فإنه احترز بذلك عن حرف العلة مطلقا ودخل في الضابط أنه ينقل حركة الهمزة من أَحَسِبَ النَّاسُ [العنكبوت: ٢]، إلى الميم من الم فاتحة العنكبوت وينقل إلى لام التعريف نحو الأرض والآخرة لأنها منفصلة مما بعدها فهي وهمزتها كلمة مستقلة وينقل إلى تاء التأنيث نحو قالَتْ أُولاهُمْ [الأعراف: ٣٩] وقالَتْ إِحْداهُما [القصص:
٢٦]، وينقل إلى التنوين لأنه نون ساكنة نحو من شيء إذ كانوا كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:
٤]، قوله بشكل الهمز أي حرك ذلك الساكن الذي هو آخر الكلمة بحركة الهمز الذي بعده أي حركة كانت، قوله واحذفه يعني الهمز بعد نقل حركته وقوله مسهلا أي راكبا للطريق السهل والرواية بنقل حركة همزة آخر إلى التنوين قبلها من قوله ساكن آخر.
وعن حمزة في الوقف خلف وعنده ... روى خلف في الوصل سكتا مقلّلا
ويسكت في شيء وشيئا وبعضهم ... لدى اللّام للتّعريف عن حمزة تلا
وشيء وشيئا لم يزد ولنافع ... لدى يونس الآن بالنّقل نقّلا
أخبر ﵁ أن حمزة اختلف عنه في الوقف على الكلمة التي نقل همزها لورش، فروى عنه النقل كقراءة ورش وروى عنه ترك النقل كقراءة الجماعة. وقال الفاسي:
فإن قيل ما حكم ميم الجمع في البابين قبل الخروج من باب النقل والدخول في باب السكت يعني أن حمزة يسكت عليها ولا ينقل إليها وورش يصلها بواو فيمد الهمزة التي بعدها. وقال السخاوي فأما قوله تعالى: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المائدة: ١٠٥] وضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [التوبة: ١١٨]، فلا خلاف في تحقيق مثل هذا في الوقف، انتهى كلامه، وذكر أبو بكر بن مهران النقل وذكر فيه ثلاثة مذاهب أحدها وهو الأحسن نقل حركة الهمزة إلى الميم مطلقا فتضم تارة وتفتح تارة وتكسر تارة نحو وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ [البقرة: ٧٨] وعَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [المنافقون: ٦] وذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١]، والثاني أنها تضم مطلقا وإن كانت الهمزة مفتوحة أو مكسورة حذرا من تحريك الميم بغير حركتها الأصلية، والثالث أنها تنقل في الضم والكسر دون الفتح لئلا يشبه لفظ التثنية، وقال الجعبري: أسكنها حمزة
стр. 78
على أصله فدخلت في ضابط النقل لأنها ساكن صحيح آخر لفظا وقد نص ابن مهران على نقله فلا وجه حينئذ لمنع بعض الشراح النقل وقوله: وعنده أي وعند الساكن الذي نقل إليه ورش وهو كل ساكن آخر صحيح روى خلف في الوصل سكتا أي روى خلف عن سليم عن حمزة أنه يسكت عليه قبل النطق بالهمزة سكتا مقللا أي قليل من غير قطع نفس استعانة على النطق بالهمزة يعني إذا وصل الكلمة التي آخرها ذلك الساكن بالكلمة التي أولها همزة يسكت بينهما على الساكن، ثم أخبر أنه يزيد أيضا في السكت فيسكت على ساكن لم ينقل إليه ورش فقال ويسكت في شيء وشيئا أي روى خلف أيضا عن حمزة أنه يسكت على الساكن من لفظ شيء وشيئا في جميع القرآن وهو الياء فحصل لخلف السكت في الساكن الذي تقدم ذكره لورش وفي لفظ شيء وشيئا وتعين لخلاد ترك السكت في ذلك كله كالباقين هذا آخر الطريق الأول في التيسير وهي طريقة أبي الفتح فارس، ثم ذكر طريق ابن غلبون وهو الطريق الثاني في التيسير فقال وبعضهم أي وبعض أهل الأداء يعني ابن غلبون لدى اللام للتعريف عن حمزة تلا وشيء وشيئا يعني أن ابن غلبون روى السكت عن حمزة في لام التعريف وشيء وشيئا لم يزد أي لم يسكت فيما عدا لام التعريف وشيء وشيئا هذا تمام الطريق الثاني إشارة إلى قول الداني في التيسير وقرأت على أبي الحسن يعني ابن غلبون في الروايتين يعني في رواية خلف وخلاد بالسكوت على لام التعريف وعلى شيء وشيئا حيث وقع انتهى.
стр. 79
توضيح: قد عرفت أن مذهب أبي الفتح ترك السكت لخلاد في جميع القرآن والسكت لخلف في جميع القرآن أيضا ومذهب ابن غلبون ترك السكت لهما إلا على لام التعريف وشيء وشيئا من الطريقين فقد صار لخلف وجهان ولخلاد وجهان؛ وذلك أن خلفا ليس له
في لام التعريف وشيء وشيئا من الطريقين إلا السكوت بلا خلاف وله فيما بقي من الساكن المذكور بشرطه وجهان السكت وترك السكت ولخلاد في لام التعريف وشيء وشيئا وجهان السكت وتركه وله فيما بقي من الساكن المذكور ترك السكت لا غير فتأمل ذلك:
تفريع: على الطريقين إذا وقفت على شيء وشيئا سقط السكت وإذا وقفت على نحو قَدْ أَفْلَحَ [المؤمنون: ١]، فلخلف ثلاثة أوجه: النقل والسكت وتركهما ولخلاد وجهان:
النقل وتركه بلا سكت، وإذا وقفت على نحو «الأرض» فلخلف وجهان النقل والسكت ولخلاد ثلاثة أوجه النقل والسكت وعدمهما فإذا اجتمعا وصلا نحو إذ أنذر قومه بالأحقاف فلخلف وجهان: السكت عليهما وعلى الثاني فقط ولخلاد وجهان ترك السكت عليهما وتركه على الأول فقط وترجع الأربعة إلى ثلاثة: لاتحاد الأخيرين وقوله: ولنافع لدى يونس «آلآن» بالنقل أخبر أن نافعا من طريق ورش وقالون قرأ في يونس بنقل حركة الهمز إلى اللام في «آلآن» وقد كنتم وآلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس: ٩١]، وقوله: نقلا أي نقل من قوم إلى قوم حتى وصل إلينا على هذه الصفة.
تفريع: اعلم أن لورش في آلآن ستة أوجه لأن همزة الوصل لكل القراء فيها وجهان:
стр. 80
التسهيل والبدل كما تقدم في قوله وإن همز وصل وورش من جملتهم فيكون له فيها وجهان وله في حرف المد الذي وقع بعد همز ثابت أو مغير ثلاثة أوجه المد والقصر والتوسط فتأخذ الأوجه الثلاثة مع إبدال همزة الوصل ومع تسهيلها أيضا فيكون المجموع ستة على رأي من لم يستثن آلآن كما تقدم في قوله وابن غلبون طاهر بقصر جميع الباب، ولقالون وجهان:
القصر في حرف المد مع تسهيل همزة الوصل وإبدالها وكذلك لبقية القراء إلا أن حمزة ينقل في حال الوقف بخلاف عنه ويسكت في حال الوصل أيضا بخلاف عنه.
وقل عادا الأولى بإسكان لامه ... وتنوينه بالكسر كاسيه ظلّلا
وأدغم باقيهم وبالنّقل وصلهم ... وبدؤهمو والبدء بالأصل فضّلا
لقالون والبصري وتهمز واوه ... لقالون حال النّقل بدءا وموصلا
وتبدأ بهمز الوصل في النّقل كلّه ... وإن كنت معتدّا بعارضه فلا
أمر ﵀ بالإخبار عن حكم عاداً الْأُولى [النجم: ٥٠] بالنجم للمشار إليهم بالكاف والظاء في قوله: كاسيه ظللا وهم ابن عامر وابن كثير والكوفيون وحكم ذلك في قراءتهم إسكان لام التعريف وكسر التنوين
стр. 81
في عادا لالتقاء الساكنين هو واللام ثم قال وأدغم باقيهم أخبر أن من بقي من السبعة وهما نافع وأبو عمرو أدغما تنوين عادا في لام التعريف من الأولى بعد ما نقلا إلى اللام حركة الهمزة في الوصل والابتداء ويعني بالوصل وصل الأولى بعادا فالنقل لهما فيه لازم لأجل أنهما أدغما التنوين في
اللام، فإن وقفا على عادا ابتدأ الأولى بالنقل أيضا ليبقى حاكيا بحاله في الوصل فأما ورش فتعين له النقل على أصله؛
وأما قالون وأبو عمرو فالأولى أن يبتدئا بالأصل كما يقرأ الكوفيون وابن كثير وابن عامر لأنهما ليس من أصلهما النقل فهذا معنى قوله والبدء بالأصل فضلا لقالون والبصري، ثم قال وتهمز واوه لقالون حال النقل بدءا وموصلا: أي إن قالون يهمز واو الولي إذا ابتدأ بالنقل وفي الوصل مطلقا أي حيث قلنا بالنقل لقالون سواء ابتدأ كلمة لولي أو وصلها بعادا فواو الولي مهموز بهمزة ساكنة، وإن قلنا يبتدئ بالأصل فلا يهمز لئلا يجتمع همزتان فهذا معنى قوله حال النقل؛ ثم ذكر كيفية البدء في حال النقل فقال: وتبدأ بهمز الوصل في النقل كله يعني همزة الوصل التي تصحب لام التعريف؛ يقول إذا ابتدأت كلمة دخل فيها لام التعريف على ما أوله همز قطع نحو الإنسان والأرض والآخرة فنقلت حركة الهمز إلى اللام ثم أردت الابتداء بتلك الهمزة بدأت بهمزة الوصل كما تبتدئ بها في صورة عدم النقل لأجل سكون اللام فاللام بعد النقل إليها كأنها تعد ساكنة لأن حركة النقل عارضة فتبقى همزة الوصل على حالها لا تسقط إلا في الدرج فهذا هو الوجه المختار فتقول الرض النسان، ثم ذكر وجها آخر فقال: وإن كنت معتدا بعارضه فلا نهي عن الابتداء بهمزة الوصل مع الاعتداد بحركة النقل العارضة، يعني إن كنت منزلا حركة النقل منزلة الحركة الأصلية فلا تبتدئ بهمز الوصل إذ لا حاجة إليه لأن همزة الوصل إنما اجتلبت لأجل سكون اللام وقد زال سكونها بحركة النقل العارضة فاستغنى عنها فتقول لرض للسان ثم قال في النقل كله يشمل جميع ما ينقل إليه ورش لام المعرفة ويدخل في ذلك الأولى من عادا الأولى.
توضيح: تلخص مما ذكر في الأبيات الأربعة أن ابن كثير وابن عامر والكوفيين يقرءون في الوصل عادا الأولى بكسر التنوين وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة ويبتدئون بهمزتين بينهما لام ساكنة وأن قالون يقرأ في الوصل عادا لولي بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها وهمز الواو بعدها، وله في الابتداء ثلاثة أوجه أحدها الولي بالنقل مع همزة الوصل، والثاني: لولي بالنقل دون همز الوصل ولا بد في كليهما من همز الواو، والثالث: الأولى كابتداء ابن عامر ومن ذكر معه وأن ورشا يقرأ في الوصل عاد الولي بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها؛ وله في الابتداء وجهان: أحدهما الولي بالنقل مع همز الوصل، والثاني: لولي بالنقل دون همز الوصل وأن
стр. 82
أبا عمرو يقرأ عاد الولي في الوصل بنقل حركة الهمزة إلى اللام وإدغام التنوين فيها، وله في الابتداء ثلاثة أوجه:
أحدها: كابن عامر ومن ذكر معه. والثاني: الولي بالنقل مع همز الوصل، والثالث: لولي بالنقل دون همز الوصل وهم على أصولهم في الفتح والإمالة وبينهما.
ونقل ردا عن نافع وكتابيه ... بالإسكان عن ورش أصحّ تقبّلا
أخبر ﵀ أن نافعا نقل حركة الهمزة إلى الدال وحذفها من رد أيصدقني بالقصص فتعين للباقين القراءة بالهمز ثم أخبر أن إسكان الهاء من كتابيه بالحاقة وإبقاء همزة إني ظننت
على حالها محققة بعد الهاء كقراءة الباقين أصح تقبلا من نقل حركة همزة إني ظننت إلى الهاء من كتابيه وقوله: أصح تقبلا فيه إشارة إلى صحة الوجهين وذلك أن الإسكان تقبله قوم والتحريك تقبله قوم ولكن الإسكان أصح عند علماء العربية والتحريك من زيادات القصيد:
باب وقف حمزة وهشام على الهمز
قد تقدم الكلام على مذهب حمزة في الهمزات المبتدآت في شرح قوله: في الباب الذي قبل هذا وعن حمزة في الوقف خلف والكلام في هذا الباب على المتوسط والمتطرف الذي في آخر الكلمة:
وحمزة عند الوقف سهّل همزه ... إذا كان وسطا أو تطرّف منزلا
أخبر ﵀ أن حمزة كان يسهل الهمز المتوسط والمتطرف في الكلمة الموقوف عليها ومراده بالتسهيل هنا مطلق التغيير، والتغيير ينقسم إلى التسهيل بين بين وإلى البدل وإلى النقل فأطلق التسهيل ليشمل هذه الأنواع والهمزة المتوسطة هي التي ليست أول الكلمة ولا آخرها وقوله: منزلا أي تطرف منزله أي موضعه.
فأبدله عنه حرف مدّ مسكّنا ... ومن قبله تحريكه قد تنزّلا
اعلم أن هذا الهمز ينقسم إلى ساكن ومتحرك وكلامه في هذا البيت على الساكن والساكن
стр. 83
ينقسم إلى متوسط نحو «يؤمنون، ويألمون، والذئب»، وإلى متطرف والمتطرف ينقسم إلى ما سكونه أصلي وإلى ما سكونه عارض؛ فالأصلي ما يكون ساكنا في الوصل والوقف نحو «اقرأ، ونبئ، وهيئ»، والعارض ما يكون متحركا في الوصل فإذا وقف القارئ عليه سكنه للوقف وذلك نحو «قال الملأ، ولكل امرئ، وملجأ»، ويستوي في ذلك المنون وغيره، وقوله: فأبدله أي أبدل الهمز المتوسط والمتطرف الساكن الأصلي والعارض عن حمزة حرف مد ولين من جنس حركة ما قبله، فإن كان قبله ضمة أبدله واوا، وإن كان قبله كسرة أبدله ياء، وإن كان قبله فتحة أبدله ألفا، وقوله: مسكنا بكسر الكاف ليحصل تقييد الهمز بالسكون، أي أبدل الهمز في حال كونك مسكنا له سواء كان ساكنا قبل
نطقك به أو سكنته أنت للوقف وقوله: ومن قبله تحريكه قد تنزلا شرط للبدل شرطين:
أحدهما أن يكون الهمز ساكنا والثاني أن يتحرك ما قبله واشتراط تحرك ما قبل الهمز إنما يحتاج إليه في المتحرك الذي يسكنه القارئ للوقف نحو قالَ الْمَلَأُ [الأعراف: ٦٠]، ليحترز به من نحو يشاء وقروء وهنيئا وسيأتي أحكام ذلك كله، وأما الهمزة الساكنة قبل الوقف فلا يكون ما قبلها إلا متحركا وليس في القرآن همزة ساكنة متطرفة في الوقف والوصل وقبلها ضمة فاعلم ذلك.
وحرّك به ما قبله متسكّنا ... وأسقطه حتى يرجع اللّفظ أسهلا
لما انقضى كلامه في الهمز الساكن انتقل إلى الهمز المتحرك، وهو ينقسم إلى ما قبله ساكن وإلى ما قبله متحرك، فالذي قبله متحرك يأتي ذكره والذي قبله ساكن ينقسم إلى ما يصح نقل حركته إلى ذلك الساكن وإلى ما لا يصح نقل حركته إليه وسيأتي ذكره، وكلامه في هذا البيت على الهمز المتحرك الذي قبله ساكن ويصح نقل حركته إليه وكل ساكن يصح نقل الحركة إليه إلا الألف على الإطلاق والواو والياء المشتبهتين بالألف الزائدتين، وإذا اعتبر ما يصح نقل الحركة إليه من الساكن وجد على ثلاثة أقسام: صحيح وحرف لين ويعني به الواو والياء المفتوح ما قبلهما وحرف مدّ ولين ويعني به الياء المكسور ما قبلها والواو المضموم ما قبلها الأصليتين وكلا النوعين يجري مجرى الصحيح في صحة نقل الحركة إليه وكل قسم من هذه الأقسام يقع متوسطا ومتطرفا، فمثال الصحيح متوسطا يجأرون ويسأمون ومسئولا ومذءوما والقرآن والظمآن ومثاله متطرفا دفء والخبء والمرء ومثال حرف اللين متوسطا «سوآتهما وموئلا، وكهيئة الطير وشيئا»، ومثاله متطرفا «سيىء وشيء وظن السوء»، ومثال حرف المد واللين متوسطا سيئت وجوه والسوأى ومثاله متطرفا جيء وسيىء والسوء.
أخبر الناظم أن جميع ذلك حكمه النقل فقال: وحرك به أي بحركته يعني بحركة الهمز ما قبله متسكنا أي الحرف الساكن الذي يأتي قبل الهمز ويعني بذلك ما يصح النقل إليه لا غير وأسقطه يعني أسقط الهمز كما تقدم في باب نقل الحركة حتى يرجع اللفظ أسهلا أي أسهل مما كان قبل التغيير ويحذف التنوين إن كانت الكلمة منونة ثم استثنى من هذا أن يكون الساكن قبل الهمز ألفا فقال:
سوى أنّه من بعد ما ألف جرى ... يسهّله مهما توسّط مدخلا
لما انقضى الكلام في حكم ما يصح نقل الحركة إليه من السواكن انتقل إلى الكلام في حكم
стр. 84
ما لا يصح نقل الحركة إليه منها وقد تقدم أنه الألف على الإطلاق وحرفا المد واللين الزائدان وكلامه في هذا البيت في حكم الهمز الواقع بعد الألف في وسط الكلمة الذي لا يصح نقل حركته إلى الألف فأخبر أن حكمه التسهيل فإن كان مفتوحا سهل بين الهمزة والألف وإن كان مضموما سهل بين الهمزة والواو وإن كان مكسورا سهل بين الهمزة والياء
وذلك نحو «جاءهم وآباءهم وآباؤهم وآباؤكم ونساؤكم، وبأسمائهم، ولآبائهم، وغثاء، ودعاء، ونداء لأن الهمز في هذا متوسط لأجل لزوم الألف التي هي عوض من التنوين»، وقوله: سوى أنه معناه أن حمزة سهل الهمز المتحرك الجاري أي الواقع من بعد الألف مهما توسط مدخلا أي محلا ولا فرق في هذا الضرب بين ألف زائدة أو مبدلة من حرف أصلي ولذلك قال من بعد ألف جرى فأطلق وإذا سهلت الهمزة بعد الألف إن شئت مددت وإن شئت قصرت لأن الألف حرف مد قبل همز مغير. ثم ذكر المتطرفة فقال:
ويبدله مهما تطرّف مثله ... ويقصر أو يمضي على المدّ أطولا
كلامه في هذا البيت في حكم الهمز الواقع بعد الألف في طرف الكلمة التي لا يصح نقل حركته إلى الألف وذلك نحو جاء وشاء والسماء والماء والعلماء والسراء والضراء، فأخبر الناظم أن حمزة يبدله فقوله ويبدله مهما تطرف مثله أي مثل الألف ألفا والهاء في مثله تعود على الألف في قوله في البيت الذي قبل هذا من بعد ما ألف جرى وقوله ويقصر إلخ يعني أن الهمزة المتطرفة إذا سكنت للوقف أبدل منها ألفا وألف قبلها فاجتمع ألفان، فإما أن تحذف إحداهما فتقصر أي إن قدرنا أن المحذوف هي الأولى بقرينة ما يأتي ولا تمد أو تبقيهما لأن الوقف يحتمل اجتماع ساكنين فتمد مدا طويلا، ويجوز أن يكون متوسطا لقوله في باب المد والقصر وعند سكون الوقف وجهان أصلاه وهذا من ذلك، ويجوز أن تمد على تقدير حذف الثانية لأن حرف المد موجود والهمزة منوية فهو حرف مد قبل همز مغير، وإن قدر حذف الألف الأولى فلا مدّ والمد هو الأوجه وبه ورد النص عن حمزة من طريق خلف وغيره، وهذا كله مبني على الوقف بالسكون، فإن وقف بالروم كما سيأتي في آخر الباب فله حكم آخر، وإن وقف على اتباع الرسم أسقط الهمزة فيقف على الألف التي قبلها فلا يمد أصلا.
ويدغم فيه الواو والياء مبدلا ... إذا زيدتا من قبل حتى يفصّلا
لما انقضى كلامه في حكم الهمزة الواقعة بعد الألف انتقل إلى الكلام في حكم الهمزة الواقعة بعد الواو المضموم ما قبلها والهمزة الواقعة بعد الياء المكسور ما قبلها إذا كانتا زائدتين نحو «قروء وخطيئة وبريء والنسيء وهنيئا ومريئا فأخبر أن حمزة يبدل الهمزة الواقعة بعد الواو المذكورة واوا ويدغم الواو الزائدة في الواو المبدلة ويبدل الهمزة الواقعة بعد الياء المذكورة ياء ويدغم الياء الزائدة في الياء المبدلة وقوله: حتى يفصلا معناه حتى يفرق بين الزائد والأصلي فإن الواو والياء الأصليتين تنقل إليهما الحركة ويعرف الزائد من الأصلي بأن الزائد ليس بفاء الكلمة ولا عينها ولا لامها بل يقع ذلك بين ذلك وفي هذه الكلمات وقع بين العين واللام لأن قروء فعول وخطيئة فعيلة وبريء والنسيء فعيل وهنيئا ومريئا فعيلا والأصلي بخلافه نحو «هيئة، وشيء»، لأن وزنهما فعلة وفعل فهذا النوع تنقل
стр. 85
إليه الحركة كما تقدم وبعضهم أجرى الأصلي مجرى الزائد في الإبدال والإدغام وسيأتي ذلك في قوله: «وما واو وأصلي تسكن قبله»، أو الياء.
ويسمع بعد الكسر والضّمّ همزه ... لدى فتحه ياء وواوا محوّلا
لما انقضى كلامه في حكم الهمز المتحرك بعد أنواع الساكن انتقل إلى الكلام في حكم الهمز المتحرك بعد الحركة وهي تنقسم تسعة أقسام مفتوحة بعد الحركات الثلاثة نحو:
«سألتهم، ويؤيد، خاطئة»، ومكسورة بعد الحركات الثلاث نحو «خاطئين، وبئيس وسئلوا» ومضمومة بعد الحركات الثلاث نحو رءوسكم ورءوف ومستهزءون ذكر في هذا البيت قسمين من الأقسام التسعة وهما المفتوحة بعد الكسر نحو «خاطئة وناشئة ومائة فئة»، والمفتوحة بعد الضم نحو يؤيد ويؤلف ويؤخر ومؤجلا أخبر أن
حكمهما في التخفيف البدل تبدل الهمزة في النوع الأول ياء وفي الثاني واو فقال ويسمع أي ويسمع حمزة همزة المفتوح بعد الكسر ياء وبعد الضم واوا محولا من الهمز أي مبدلا منه.
وفي غير هذا بين بين ومثله ... يقول هشام ما تطرّف مسهلا
هذا في قوله وفي غير هذا إشارة إلى الهمز المفتوح بعد الكسر والضم والمراد بغيره الأقسام الباقية من التسعة وهي المفتوحة بعد الفتح والمكسورة بعد الحركات الثلاثة والمضمومة بعد الحركات الثلاث فأخبر أن الحكم في جميعها أن تجعل الهمزة بين بين يعني أن تجعل الهمزة بين لفظها وبين الحرف الذي منه حركتها فتجعل الهمزة المفتوحة بعد الفتحة نحو «سأل، ومآرب، وتأذن» بين الهمزة والألف، وأما الهمزة المكسورة الواقعة بعد الحركات الثلاث فمثالها بعد الفتحة يومئذ وبعد الكسرة خاسئين وبعد الضمة سئلوا فتسهيلها بين الهمزة والياء في الأنواع الثلاثة، وأما الهمزة المضمومة الواقعة بعد الفتحة نحو «رءوف» وبعد الكسرة نحو «فمالئون» وبعد الضمة نحو «برءوسكم» فتسهيلها بين الهمزة والواو في الأحوال الثلاثة فهذه أصول مذهب حمزة في تخفيف الهمز على ما اقتضته لغة العرب ثم قال ومثله يقول هشام ما تطرف أي ومثل مذهب حمزة مذهب هشام فيما تطرف من الهمز أي كل ما ذكرناه لحمزة في الهمزة المتطرفة فمثله لهشام ويقع في النسخ مثله بضم اللام ونصبها أجود، ومسهلا حال من هشام أي راكبا للسهل. ثم ذكر فروعا للقواعد المتقدمة وقع فيها الخلاف فقال:
ورئيا على إظهاره وادّغامه ... وبعض بكسر الها لياء تحوّلا
كقولك أنبئهم ونبّئهم وقد ... رووا أنّه بالخطّ كان مسهّلا
يريد «أحسن أثاثا ورئيا» أي على إظهاره قوم وعلى إدغام قوم آخرون وقياس تخفيف همزه أن يفعل فيه ما تقدم من إبدال الهمزة ياء ساكنة لسكونها بعد الكسر وإذا فعل ذلك
اجتمع فيه ياءان ففيه حينئذ وجهان فروي الإدغام لأنه قد اجتمع مثلان أولهما ساكن ولأنه رسم بياء واحدة وروي الإظهار نظرا إلى أصل الياء المدغمة وهو الهمز لأن البدل عارض والحكم في تؤوي وتؤويه بعد الإبدال كالحكم في رئيا لاجتماع واوين وقد نص في التيسير على ذلك ولم يذكره الناظم لما في رئيا من التنبيه عليه ثم قال «وبعض بكسر الها لياء تحولا»، كقولك: أنبئهم ونبئهم. أخبر أن بعض أهل الأداء يكسرها الضمير المضمومة لأجل ياء قبلها تحولت تلك الياء عن همزة أي أبدلت الهمزة الساكنة المكسور ما قبلها ياء على ما تقدم
стр. 86
ومثل بأنبئهم بالبقرة ونبئهم بالحجر والقمر فيقول أنبيهم ونبيهم بكسر الهاء وقبلها ياء ساكنة كما يقول فيهم ويزكيهم، ويفهم مما ذكر أن البعض الآخر يبقون الهاء على ما كانت عليه من الضم لأن الياء قبل هاء عارضة في الوقف فحصل في أنبئهم ونحوه وجهان صحيحان وهاتان المسألتان رئيا وأنبئهم فرعان لقوله: فأبدله عنه حرف مد مسكنا، ثم ذكر قاعدة أخرى مستقلة فقال: وقد رووا أنه بالخط كان مسهلا يعني أن حمزة كان يعتبر تسهيل الهمزة بخط المصحف على ما كتب في زمن الصحابة ﵃ وضابط ذلك أن ينظر في القواعد المتقدم ذكرها فكل موضع أمكن إجراؤها فيه من غير مخالفة للرسم لم يعدل إلى غيره نحو جعل بارئكم بين الهمزة والياء وإبدال همزة أبرئ ياء وإبدال همزة ملجأ ألفا وإن لزم منها مخالفة الرسم فتسهل على موافقة الرسم فاجعل همزة تفتؤا بين الهمزة والواو ومن نبأني بين الهمزة والياء ولا تبدلها ألفا وكان القياس على ما مضى ذلك لأنهما يسكنان للوقف وقبلهما فتح فيبدلان ألفا وهذا الوجه يأتي تحقيقه في قوله فالبعض بالروم سهلا. ثم بين كيفية اتباع الرسم فقال:
ففي اليا يلي والواو والحذف رسمه ... والأخفش بعد الكسر ذا الضّمّ أبدلا
بياء وعنه الواو في عكسه ومن ... حكى فيهما كاليا وكالواو أعضلا
معنى يلي يتبع يعني أن حمزة يتبع رسم المصحف في الياء والواو والحذف فما كان صورته ياء أبدله ياء وما كان صورته واوا أبدله واوا، وما لم يكن له صورة حذفه فيقول نسايكم وأبنايكم ومويلا بياء خالصة ويقول نساوكم وأبناؤكم ويذروكم بواو خالصة، وأما الحذف ففي كل همزة بعدها واو جمع نحو فمالون وبطون ومستهزون، وإنما ذكر هذه الأقسام الثلاثة ولم يذكر الألف وإن كان تصويره كثيرا لأن تخفيف كل همزة صورت ألفا على القواعد المتقدمة لا يلزم منه مخالفة الرسم لأنها إما أن تسهل بين الهمزة والألف نحو سأل أو تبدل ألفا نحو ملجأ وهذا موافق للرسم وإنما تجري المخالفة في رسمها بالياء والواو وفي عدم رسمها، وقد بينت المخالفة في الياء والواو في كلمتي تفتؤا ومن نبأ. ثم بين الناظم مذهب الأخفش النحوي، وهو أبو الحسن سعيد بن مسعدة وهو الذي يأتي ذكره في سورة الأنعام وغير الذي ذكره في سورة النحل فقال: والأخفش بعد الكسر ذا الضم أبدلا بياء، أخبر أن الأخفش كما يبدل ذا الضم يعني الهمز المضموم إذا وقع بعد الكسر ياء نحو أأنبئكم
وسنقرئك ومستهزءون ونحوه بياء مضمومة خالصة وقوله وعنه الواو في عكسه: أي وعن الأخفش إبدال الواو في عكس ذلك وهو أن تكون الهمزة مكسورة بعد ضم وهو عكس ما تقدم فيقول سولوا ونحوه بواو خالصة وهما من الأقسام التسعة التي تقدم أن الحكم فيها أن تجعل بين بين فتكون في القسم الأول بين الهمزة والواو، وفي القسم الثاني بين الهمزة والياء وهو مذهب سيبويه وخالفه الأخفش فيهما فأبدلها في القسم الأول ياء وفي الثاني واوا فتصير مواضع الإبدال على قول الأخفش أربعة هذان القسمان وقسمان وافق فيهما سيبويه وهما المذكوران في قوله:
«ويسمع بعد الكسر والضم همزه»، ثم قال: ومن حكى فيهما أي في المضمومة بعد الكسر والمكسورة بعد الضم كالياء وكالواو أي يجعل المضمومة كالياء والمكسورة كالواو أي تسهل كل واحدة منهما بينها وبين حرف من جنس حركة ما قبلها لا من جنس حركتها فمن حكى ذلك أعضل
стр. 87
أي أتى بمعضلة وهو الأمر الشاق لأنه جعل همزة بين بين مخففة بينها وبين الحرف الذي منه حركة ما قبلها والوجه تدبيرها بحركتها. ثم بين شيئا من مواضع الحذف فقال:
ومستهزءون الحذف فيه ونحوه ... وضمّ وكسر قبل قيل وأخملا
هذا مفرع على القول بالوقف على رسم المصحف، وقد عرف مما تقدم تسهيل الهمزة المضمومة المكسور ما قبلها وإنما أراد بهذا البيت بيان الحركة لما قبل الواو بعد حذف الهمزة وهذه مسألة ليست في التيسير وقوله: ومستهزءون الحذف فيه ونحوه. أخبر ﵀ أن مستهزون ذكر فيه الحذف لأن الهمزة فيه ليس لها صورة ومحلها بين الواو والزاي والواو المرسوم فيه واو الجمع قوله ونحوه يعني أن كل همزة مضمومة ليس لها صورة قبلها كسرة وبعدها واو نحو «ليطفوا، وليواطوا، ويستنبونك، وخاطون»، وما أشبه ذلك فإن فيه الحذف بناء على ما تقدم من أنواع الرسم، وقوله: وضم وكسر قبل قيل يعني قيل بالضم قبل الواو وقيل بالكسر قبل الواو أيضا أخبر أن في ذلك وجهين بعد حذف الهمزة وذلك أن الهمزة إذا حذفت على ما روي من حذف الهمز الذي ليس له صورة بقيت الواو ساكنة قبلها كسرة فمن الناس من يحرك الحرف المكسور بالحركة التي كانت على الهمزة وهي الضمة ومنهم من يبقيه مكسورا على حاله وقوله وأخملا قال السخاوي يعني هذين المذهبين المذكورين وإنما أخملا لأن حركة الهمزة ألقيت على متحرك وفي الوجه الآخر أنها واو ساكنة قبلها كسرة وليس ذلك في العربية اه كلامه، أما هذا الوجه أعني الواو الساكنة المكسور ما قبلها فحقيق بالإخمال وهو الذي أراد الناظم وأما ضم ما قبل الواو فوجه جيد وعليه قرأ نافع والصابون فلا وجه لإخمال هذا الوجه، فالألف في أخملا للإطلاق لا للتثنية. والخامل: الساقط الذي لا نباهة له فقد اجتمع في مستهزءون ونحوه خمسة أوجه ما بين مستعمل ومتروك: أحدها
تسهيل الهمزة على ما تقدم أولا بين الهمزة والواو وهو مذهب سيبويه. والثاني إبدال الهمزة ياء مضمومة وهو مذهب الأخفش. والثالث تسهيلها بين الهمزة والياء وهو الذي حكى أن صاحبه أعضل. والرابع حذف الهمزة وتحريك الحرف الذي قبلها بحركتها والخامس حذف الهمزة وإبقاء ما قبلها على حاله من الكسر، وهذان الوجهان المخلان على رأي بعضهم، وقال الفاسي ويتأتى في ذلك وجه سادس إبدال الهمزة واوا مضمومة وذلك أن هذا النوع رسم بواو واحدة، واختلف فيها فقيل هي صورة الهمزة وواو الجمع محذوفة وقيل هي واو الجمع وصورة الهمزة محذوفة فيجوز على اعتماد أنها صورة الهمزة إبدالها واوا فيقول مستهزون كما يقال أبناوكم ونساوكم على الوجه المذكور في اتباع الخط.
وما فيه يلقى واسطا بزوائد ... دخلن عليه فيه وجهان أعملا
كما ها ويا واللّام والبا ونحوها ... ولا مات تعريف لمن قد تأمّلا
الهمز المتوسط على قسمين: متوسط لا ينفصل من الحرف الذي قبله نحو الملائكة وأبناؤكم ونساؤكم فوجهه التسهيل على ما تقدم بلا خلاف. والقسم الآخر متوسط بسبب ما دخل عليه من الزوائد وهو المشار إليه بقوله وما فيه: أي وما في الهمز يلفي أي يوجد أي واللفظ الذي فيه يوجد الهمز متوسطا بسبب حروف زوائد دخلن عليه واتصلن به خطأ أو لفظا ففي الوقف عليه لحمزة وجهان مستعملان وهما التحقيق والتخفيف ولا ينبغي أن يكون الوجهان إلا تفريعا على قول من
стр. 88
لا يرى تخفيف الهمزة المبتدأة لحمزة المأخوذ من قوله وعن حمزة في الوقف خلف، أما من يرى ذلك فتسهيله لهذا أولى لأنه متوسط صورة ثم أتى بأمثلة الزوائد المشار إليها فقال كما هاويا، وما في قوله كما زائدة: أي الزائد من لفظ ها وياء أما ها ففي هؤلاء وها أنتم ويا نحو «يا أيها، ويا آدم، ويا إبراهيم ويا أخت»، واللام نحو لَأَنْتُمْ أَشَدُّ [الحشر: ١٣] ولِأَبَوَيْهِ [النساء: ١١] ولَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [آل عمران: ١٥٨]، والياء نحو بأنهم وبآخرين ولبإمام وفبأي وقوله ونحوها أي ونحو هذه الزوائد الواو نحو وأنتم وأمر والفاء نحو «فآتوهن، وفآمنوا، وفأووا، وفأنت»، والكاف نحو «كأنهم فكأنها وكأنهن»، والسين نحو سَأُرِيكُمْ [الأعراف: ١٤٥]، [الأنبياء: ٣٧] وسَأَصْرِفُ [الأعراف: ١٤٦]، والهمزة نحو «أأنذرتهم، وأ ألد، وأ ألقي»، فجميع هذه الأمثلة ونحوها فيها وجهان التحقيق والتخفيف بحسب ما تقتضيه حركة الهمزة وحركة ما قبلها من أنواع التخفيف على ما تقدم، وقوله: ولا مات تعريف يريد به نحو الأرض والإنسان والأولى والأخرى ففي جميع ذلك التحقيق والنقل وهذا مفهوم من قوله وعن حمزة في الوقف خلف ولكنه ذكره هنا ليعلم أنه من هذا النوع فلهذا قال لمن قد تأملا.
توضيح: المراد بالزوائد المشار إليها ما إذا حذف بقيت الكلمة بعد حذفه مفهومة نحو ما ذكرته من الأمثلة هنا، فأما إذا بقيت الكلمة بعد حذفه غير مفهومة نحو «يؤمن، ويؤتى،
ويؤيد، والمؤمنون، والمؤتون، ومؤجلا»، فلا خلاف في تحقيق الهمز في ذلك كله على ما سبق والهمز في نحو «وأمر، وفأووا»، ابتداء باعتبار الأصل ومتوسطا باعتبار الزائد الذي اتصل به وصار كأنه منه بدليل أنه لا يتأتى الوقف عليه وقد يشتبه به نحو الَّذِي اؤْتُمِنَ [البقرة: ٢٨٣] ويا صالِحُ ائْتِنا [الأعراف: ٧٧] والْهُدَى ائْتِنا [الأنعام: ٧١]، لأن الكلمة التي قبل الهمزة قامت مقام الواو والفاء في وأمر وفأووا، فإن قيل ما الحكم في هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩]، قيل التسهيل بلا خلاف لأن همزة هاؤم متوسطة لأنها من تتمة كلمتها بمعنى خذ ثم اتصل بها ضمير الجماعة ويوقف على هاؤم على الرسم وهاؤمو على الأصل لأن الواو حذفت في الوصل للساكن بعدها.
واشمم ورم فيما سوى متبدّل ... بها حرف مدّ واعرف الباب محفلا
أمر بالإشمام والروم لحمزة وهشام فيما لا تبدل الهمزة المتطرفة فيه حرف مد ولين يعني أن في كل ما قبله ساكن غير الألف الروم والاشمام وهو نوعان أحدهما ما ألقى فيه حركة الهمزة على الساكن نحو «دفء والمرء والسوء»، والثاني ما أبدل فيه الهمزة حرفا وأدغم فيه ما قبله نحو «قروء وشيء» وكل واحد من هذين النوعين قد أعطى حركة فترام تلك الحركة وضابطه كل همز طرف قبله ساكن غير الألف وأما ما يبدل طرفه بالهمز حرف مد ولين ألفا أو واوا أو ياء سواكن وقبلهن حركات من جنسهن نحو «الملأ ولؤلؤ والبارئ ويشاء والسماء والماء»، فلا يدخله روم ولا إشمام لأن الألف والواو والياء فيه كألف يخشى وياء يرمي وواو يغزو وضابطه كل
همز طرف قبله متحرك أو ألف، وقوله: واشمم معناه حيث يصح الإشمام من المرفوع والمضموم ورم معناه حيث يصح الروم من المرفوع والمضموم والمجرور والمكسور، وقوله فيما سوى متبدل بها حرف مد فيما سوى طرف متبدل الهمز فيه حرف مد وقوله واعرف الباب محفلا أي مجتمعا ومحفل القوم مجتمعهم أي هذا الباب موضع اجتماع تخفيف الهمز عن حمزة:
وما واو اصلي تسكّن قبله ... أو اليا فعن بعض بالإدغام حمّلا
قد تقدم أن الواو والياء الساكنتين قبل الهمز المتحرك ينقسمان إلى زائد وأصلي وأن حكم
стр. 89
الزائد إبدال الهمزة بعده حرفا مثله وإدغامه فيه نحو «قروء وخطيئة» وأن حكم الأصلي أن تنقل حركة الهمزة سواء كان حرف لين نحو «سوأة» وكهيئة أو حرف مد ولين نحو «السوأى وسيئت» وأتى في الواو والياء الأصليتين هنا بوجه آخر فأخبر في هذا البيت أن من الرواة من نقل عنه إجراء الأصلي مجرى الزائد فيوقف على ذلك سوة وهية والسوى وسيت بالبدل والإدغام حملا أي نقل عن حمزة ﵀:
وما قبله التّحريك أو ألف محرّ ... ركا طرفا فالبعض بالرّوم سهّلا
ومن لم يرم واعتدّ محضا سكونه ... وألحق مفتوحا فقد شذّ موغلا
كلامه فيما امتنع رومه وإشمامه على ما تقدم بيانه وهو إذا كان الهمز طرفا متحركا وقبله حركة نحو بدأ ويبدئ ويبدأ أو كان طرفا محركا وقبله ألف نحو السماء والماء والدعاء فحكمه أن يبدل حرف مد ولين من جنس الحركة التي قبله بعد تقدير سكونه للوقف على ما تقدم وهو مذهب سيبويه وقد ذكر الناظم النوع الأول في قوله: «فأبدله عنه حرف مد مسكنا»، والنوع الثاني في قوله: «ويبدله مهما تطرف مثله»، وذكر هنا وجها آخر، وهو الروم وهو ما روى سليم عن حمزة أنه كان يجعل الهمزة في جميع ذلك بين بين أي بينها وبين الحرف المجانس لحركتها ولا يتأتى ذلك إلا مع روم الحركة لأن الحركة الكاملة لا يوقف عليها ولأن الهمزة الساكنة لا يتأتى تسهيلها بين بين لما تقدم. ثم لأهل الأداء فيما روي من هذا الوجه ثلاثة مذاهب: منهم من رده ولم يعمل به واعتل بأن الهمزة إذا سهلت بين بين قربت من الساكن وإذا قربت من الساكن كان حكمها حكم الساكن فلا يدخلها الروم كما لا يدخل الساكن فلم يرم المفتوحة ولا المكسورة ولا المضمومة واقتصر في الجميع على البدل ومنهم من يعمل بعموم ما روي من ذلك في الحركات الثلاث واعتل بأن الهمزة المسهلة بين بين وإن قربت من الساكن فإنه يزنه بزنة المتحرك بدليل قيامه مقامه في الشعر وإذا كان بزنة المتحرك جاز رومه واعتذر عن روم المفتوح لأنه دعت الحاجة إليه عند إرادة التسهيل مع جوازه في العربية ومنهم من اقتصر فأجاز ذلك في الضم والكسر دون الفتح واحتج بجوازه فيهما وهو الوجه المختار من الأوجه الثلاثة فقول الناظم وما قبله التحريك أو ألف محركا طرفا يعني به النوعين المذكورين نحو بدأ ويبدأ ويبدئ ونحو السماء والماء والدعاء وقوله: فالبعض بالروم سهلا يعني به حيث يصح الروم وأطلق اللفظ وهو يريد ما ذكرناه وهذا الوجه المذكور وهو الذي اقتصر عليه من قال به ولذلك قدمه. قوله ومن لم يرم يعني في شيء من الحركات الثلاث لما ذكرناه من العلة وإليه أشار الناظم بقوله واعتد محضا سكونه لأنه لما أعطاه حكم الساكن كان عنده من جملة السواكن في الحكم وقوله والحق مفتوحا فيه حذف والتقدير ومن الحق المفتوح بالمضموم والمكسور في الروم فقد شذ موغلا أي مبعدا في شذوذه وأصل الإيغال الإبعاد في السير والإمعان فيه فحاصله أنه نقل في المخصص ثلاث مذاهب: الأول روم الضم والكسر وإسكان الفتح وهو معنى قوله فالبعض بالروم سهلا. والثاني الوقف بالسكون في الضم والكسر والفتح وهو معنى قوله: ومن لم يرم واعتد محضا سكونه. الثالث: الروم في الأحوال الثلاثة وهو معنى قوله والحق مفتوحا أي بالمضموم والمكسور وهذان المذهبان اللذان غلا من قال بهما وهما زائدان على التيسير.
стр. 90
وفي الهمز أنحاء وعند نحاته ... يضيء سناه كلّما اسودّ أليلا
أي روي في تخفيف الهمز وجوه كثيرة وطرائق متعددة، والأنحاء المقاصد والطرائق واحدها نحو: وهو القصد والطريقة وقد ذكر الناظم ﵀ من تلك الطرق أشهرها وأقواها لغة ونقلا، وقد ذكر شيئا من الأوجه الضعيفة ونبه على كثرة ذلك في كتب غيره
والهاء في نحاته وسناه للهمز أي يضيء ضوءه عند النحاة لمعرفتهم به وقيامهم بشرحه كل ما اسود عند غيرهم لأن الشيء الذي يجهل كالمظلم عند جاهله واستعار الإضاءة للوضوح عند العلماء والاسوداد للغموض عند الجاهلين، والأليل: الشديد السواد يقال ليل أليل ولائل:
أي شديد الظلمة.
باب الإظهار والإدغام
قدم الإظهار على الإدغام لأنه الأصل وهذا الإدغام هو الإدغام الصغير وأخره أول باب الإمالة وهو إدغام الحروف السواكن فيما قاربها. ثم ذكر مقدمة فقال:
سأذكر ألفاظا تليها حروفها ... بالإظهار والإدغام تروى وتجتلا
وعد ﵀ بذكر ألفاظ يرتب أحكامها عليها والألفاظ هي الكلمات التي تدغم أواخرها السواكن هي لفظ إذ وقد وتاء التأنيث وهل وبل وقوله تليها حروفها أي يتبع كل لفظ منها الحروف التي تدغم أواخر هذه الألفاظ فيها وتظهر على اختلاف القراءة في ذلك، وإنما يذكر تلك الحروف في أوائل كلمات على حد ما مضى في شفا لم تضق وللدال كلم ترب سهل ونحو ذلك، وقوله: تروى أي تروى بالإظهار والإدغام وتجتلا أي وتكشف في كتب القراءات.
فدونك إذ في بيتها وحروفها ... وما بعد بالتّقييد قده مذلّلا
فدونك أي خذ إذ في بيتها وحروفها في أوائل الكلم التي تليها يعني أنه يذكر إذ وحروفها بعدها في بيت واحد، وقوله: وما بعد بالتقييد قده مذللا أي وما بعد البيت
الذي فيه إذ وحروفها قده إليك منقادا بالتقييد الذي تقدم ذكره أو بالتقييد الآتي ذكره فأما بالتقييد الذي تقدم ذكره فهو أنه إذا قال أظهر لفلان فإن الباقين يتعين لهم الإدغام وإذا قال أدغم لفلان فإن الباقين يتعين لهم الإظهار ومعنى قده مذللا أي خذ مسهلا بسبب التقييد الذي أبينه به وهو من قولهم بعير مذلل إذا كان سهل الانقياد وهو الذي خزم في أنفه ليطاوع قائده، وأما التقييد الآتي ذكره فهو قوله:
سأسمي وبعد الواو تسمو حروف من ... تسمّى على سيما تروق مقبّلا
اعلم أن هذه الترجمة تخالف بعض الترجمة الأولى التي بنيت عليها القصيدة أعني قوله: ومن بعد ذكري الحرف أسمي رجاله، فلأجل ذلك احتاج إلى بيانها لأن القاعدة في الرمز الصغير إذا انفرد إنما يذكره بعد حرف القرآن وتقييده في الغالب. وفي هذا الباب الأمر بالعكس أول ما يذكر أسماء القراء إما رمزا وإما صريحا ثم يأتي بعدها بواو فاصلة إيذانا بأن القراء انقضت رموزهم ثم يأتي بعد الواو بالحرف المختلف في الإظهار والإدغام فيه لمن تقدم ذكره قبل الواو، فقوله سأسمي معناه سأذكر أسماء القراء، ثم آتي بالواو ثم آتي بعد الواو بحروف من سميت من القراء يعني التي يظهر ذلك القارئ نحو ذال إذ عندها أو يدغم. واعلم أن هذا إنما يفعله فيمن لم يطرد أصله في إظهار
стр. 91
جميعها أو إدغامه، وأما من طرد أصله فإنه لم يسلك فيه هذا المسلك فليأت برمزه بعد الحرف وكذلك من صرح باسمه لم يأت بعده بالواو وإنما احتاج إلى الإتيان بالواو لئلا تلتبس أسماء القراء بالحروف المختلف فيها في الإظهار والإدغام فإذا صرح باسم القارئ عدم اللبس لأنه لا يجمع بين الرمز والصريح في مسألة واحدة في ترجمة واحدة كما تقدم بيانه. فحاصل الأمر أنه احتاج في هذا الباب إذا ذكر القارئ المفصل بالرمز إلى واوين فاصلتين الأولى بين القارئ والحروف والثانية بين المسائل وهذه الثانية هي المذكورة في قوله: «متى تنقضي آتيك بالواو فيصلا»، فهي دائرة في القصيد جميعه، وقوله: تسمو أي تعلو حروف من تسمى قبل الواو على سيما أي على علامة تروق مقبلا أي يروق تقبيلها والتقبيل للثغر استعاره هنا للعلامة.
ثم قال:
وفي دال قد أيضا وتاء مؤنّث ... وفي هل وبل فاحتل بذهنك أحيلا
أي وفي هذه الألفاظ افعل مثل ذلك، يعني أن اصطلاحه في دال قد وتاء التأنيث ولامي هل وبل كاصطلاحه في دال إذ، وقوله فاحتل فعل أمر من الحوالة، والذهن الفطنة:
أي فاحتل بفطنتك لما أخبرك بما رتبه من المعاني أحالك على استخراج ما لكل قارئ من الإظهار والإدغام، والأحيل: الكثير الحيل، يقال رجل أحيل إذا صدقت حيلته.
ذكر ذال إذ
نعم إذ تمشّت زينب صال دلّها ... سميّ جمال واصلا من توصّلا
كأنّ الناظم ﵀ قدّر أن مستدعيا استدعى منه الوفاء بما وعده في قوله: سأذكر ألفاظا فقال مجيبا له نعم ثم أتى بإذ وحروفها الستة في بيت على ما وعد به وحروف إذ الستة هي أوائل الكلم الست التي تلي إذ وهي التاء من تمشت والزاي من زينب والصاد من صال والدال من دلها والسين من سمى والجيم من جمال، وأمثلتها على الترتيب فالتاء إذ تبرأ إذ تخلق ونحوه والزاي إذ زين وإذ زاغت ليس غيرهما والصاد وإذ صرفنا ولا ثاني لها والدال إذ
دخلوا بالحجر وص والذاريات وإذ دخلت جنتك ليس غيرها والسين لولا إذ سمعتموه ظن ولولا إذ سمعتموه قلتم ليس غيرهما والجيم وإذ جعلنا وإذ جاءتهم ونحوه والواو في قوله واصلا فاصلة وما بعدها تمم به البيت وصال بمعنى استطال والدل: الدلال، والسمي:
الرفيع:
فإظهارها أجرى دوام نسيمها ... وأظهر ريّا قوله واصف جلا
أخبر أن المشار إليهم بالهمزة والدال والنون في قوله: أجرى دوام نسيمها وهم نافع وابن كثير وعاصم أظهروا ذال إذ عند حروفها الستة وأتى بالرموز مؤخرة لعدم الالتباس، وقوله: وأظهر ريا إلى آخره. أخبر أن المشار إليهما بالراء والقاف في قوله ريا قوله وهما الكسائي وخلاد أظهرا الذال عند الجيم خاصة فتعين لهما الإدغام في باقي الحروف وأتى بما شرط من تقديم الرمز ثم أتى بالواو ثم أتى بالحرف المختلف في إدغامه والواو في وأظهر وفي واصف للفصل، والنسيم: الريح الطيبة، والريا، بالقصر. الرائحة الطيبة، وجلا أي كشف:
стр. 92
وأدغم ضنكا واصل توم درّه ... وأدغم مولى وجده دائم ولا
أخبر ﵀ أن المشار إليه بالضاد في قوله: ضنكا وهو خلف أدغم في التاء والدال فتعين له الإظهار عند الأربعة الباقية، وقوله: وأدغم مولى إلى آخره أخبر أن المشار إليه بالميم من قوله مولى وهو ابن ذكوان أدغم في الدال فتعين له الإظهار عند الخمسة الباقية وتعين لباقي القراء وهما أبو عمرو وهشام إدغام ذال إذ في حروفها الستة والواو في وأدغم في الموضعين وفي ولا للفصل والواو في واصل وفي وجده للفصل بين الرمز والحروف المختلف في إدغامها، والضنك: الضيق، والتوم: جمع تومة والتومة: خرزة تعمل من الفضة كالدرة والدر معروف، والمولى هنا الولي والوجد الغني والرواية بضم الواو وقد تكسر وعليه قرأ روح من وجدكم، والواو بكسر الواو: المتابعة.
توضيح: القراء في فصل ذال إذ على ثلاث مراتب: منهم من أظهرها عند حروفها الستة وهم نافع وابن كثير وعاصم ومنهم من أدغمها في حروفها الستة وهما أبو عمرو وهشام ومنهم من أظهرها عند بعضها وأدغم في بعضها وهم الكسائي وخلف وخلاد وابن ذكوان فأما الكسائي وخلاد فإنهما أظهراها عند الجيم وأدغماها فيما بقي، وأما خلف فإنه أدغم في التاء والدال وأظهر عند ما بقي وأما ابن ذكوان فإنه أدغم في الدال وأظهر عند ما بقي.
ذكر دال قد
وقد سحبت ذيلا ضفا ظلّ زرنب ... جلته صباه شائقا ومعلّلا
أتى بدال قد وحروفها في بيت واحد كما فعل في إذ، أي والحروف التي تدغم فيها دال قد وتظهر عندها هي هذه الثمانية المضمنة أوائل الكلم التي وليتها وهي السين من سحبت والذال من ذيلا والضاد من ضفا والظاء من ظل والزاي من زرنب والجيم من جلته والصاد من صباه والشين من شائقا وأمثلتها السين نحو قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ [المائدة: ١٠٢] ولَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ [آل عمران: ١٨١]، [المجادلة: ١]، والذال وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ [الأعراف: ١٧٩]، ليس غيره والضاد نحو فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا [النساء: ١١٦، ١٣٦] ولَقَدْ ضَرَبْنا [الروم: ٥٨]، [الزمر: ٢٧]، والظاء نحو فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: ٢٣١] ولَقَدْ ظَلَمَكَ [ص: ٢٤]، والزاي وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ [الملك: ٥]، ليس غيره ولجيم نحو قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣] ولَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ [التوبة: ١٢٨]، والصاد نحو وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ [آل عمران: ١٥٢] ولَقَدْ صَرَّفْنا [الإسراء: ٨٩، ٤١]، والشين قَدْ شَغَفَها حُبًّا [يونس: ٣٠]، ولا نظير له والواو في ومعللا فاصلة يقال علله إذا سقاه مرة بعد أخرى، وقوله: ضفا أي طال وقوله ظل يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وقد يراد به مداومة الفعل والزرنب: شجر طيب الرائحة يعمل منه أنفس الطيب، والانجلاء:
الانكشاف، والصبا: اسم للريح الشرقية، وإنما سميت صبا لأنها تصبو لوجه الكعبة.
فأظهرها نجم بدا دلّ واضحا ... وأدغم ورش ضرّ ظمئان وامتلا
أخبر أن المشار إليهم بالنون والباء والدال في قوله نجم بدا دل وهم عاصم وقالون وابن كثير أظهروا دال قد عند حروفها الثمانية وأتى بالرموز مؤخرة لعدم الالتباس. قوله:
وأدغم ورش ضر ظمئان أخبر أن ورشا أدغم في الضاد والظاء فتعين له الإظهار فيما بقي وأتى باسمه صريحا فلم يحتج إلى الواو الفاصلة بين الاسم والحرف لعدم الالتباس والواو في واضحا وامتلا للفصل بين المسائل، وقد تكرر في الموضعين بواو وأدغم بعدهما في هذا البيت والذي بعده فحصل أربع واوات، والنجم
стр. 93
يكنى به عن العالم، وبدا معناه ظهر ودل من قولك دللته على كذا أي أرشدته، والواضح الظاهر البين: والضر سوء الحال، والظمآن:
العطشان وامتلا: من الامتلاء.
وأدغم مرو واكف ضير ذابل ... زوى ظلّه وغر تسدّاه كلكلا
أخبر ﵀ أن المشار إليه بالميم في قوله مرو وهو ابن ذكوان أدغم دال قد في الضاد والذال والزاي والظاء فتعين له الإظهار عند الأربعة الباقية وأتى بما شرط من تقديم الرمز والإتيان بالواو ثم بحروف من رمزه والواو في واكف وفي وغر فاصلة وقوله: تسداه كلكلا تمم به البيت ولم يتعلق به حكم وقوله مرو اسم فاعل من أروى يروي، والواكف:
الهاطل: يقال وكف البيت أي هطل والضير: الضرر، والذابل: النحيف وزوى من زويت الشيء إذا جمعته ومنه الزاوية التي تزوي الفقراء أي تجمعهم. والظل معروف والوغر جمع
وغرة، وهي شدة توقد الحر، وتسدّاه أي علاه والكلكل: الصدر من أي حيوان كان ابن آدم أو غيره:
وفي حرف زيّنّا خلاف ومظهر ... هشام بصاد حرفه متحمّلا
أي اختلف عن ابن ذكوان في قوله: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ [الملك:
٥]، فروي عنه الإظهار والإدغام وقوله: ومظهر هشام إلى آخره أخبر أن هشاما أظهر لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ [ص: ٢٤]، وليس في ص غير هذا الموضع فلهذا قال بص ولم يعينه فتعين لهشام الإدغام في السبعة الباقية وبقي من لم يسمعه في هذا الباب على الإدغام في الجميع، وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي وقوله: متحملا حال أي تحمل هشام ذلك ونقله والهاء في حرفه تعود على هشام لأنه لم يظهر إلا في هذا الموضع فهو حرفه الذي اشتهر بإظهاره.
توضيح: القراء في دال قد على ثلاث مراتب: منهم من أظهرها عند حروفها الثمانية بلا خلاف، وهم قالون وابن كثير وعاصم. ومنهم من أدغمها في حروفها الثمانية بلا خلاف وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي. ومنهم من أظهر عند بعضها وأدغم في بعضها وهم ورش وابن ذكوان وهشام. أما ورش فإنه أدغم في الضاد والظاء وأظهرها عند الستة الباقية وأما ابن ذكوان فإن الأحرف الثمانية عنده على ثلاث مراتب: منها أربعة أظهر عندها بلا خلاف وهي السين والصاد والجيم والشين، ومنها ثلاثة أدغم فيها بلا خلاف وهي الضاد والظاء والذال، ومنها حرف واحد اختلف عنه فيه وهو الزاي وأما هشام فإنه أظهر قال لقد ظلمك وأدغم في السبعة البواقي.
ذكر تاء التأنيث
وأبدت سنا ثغر صفت زرق ظلمه ... جمعن ورودا باردا عطر الطّلا
التاء في قوله: وأبدت هي تاء التأنيث أتى بها وحروفها الستة في بيت واحد وهي السين من سنا والثاء من ثغر والصاد من صفت والزاي من زرق والظاء من ظلمة والجيم من جمعن وأمثلتهما عند السين أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة: ٢٦١]، والثاء كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٤١]، ونحوه والصاد حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: ٩٠] ولَهُدِّمَتْ
стр. 94
صَوامِعُ [الحج: ٤٠]، وليس غيرهما، والزاي كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ [الإسراء: ٩٧]، لا غير والظاء نحو قوله تعالى: وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها [الأنعام:
١٣٨]، والجيم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [الحج: ٤٠] ووَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج:
٣٦]، ليس غيرهما، والواو في ورودا فاصلة وقوله باردا عطر الطلا لم يتعلق به حكم وإنما
تمم به البيت، والسنا: الضوء، والثغر: ما تقدم من الأسنان، وزرق جمع أزرق يوصف به الماء لكثرة صفائه، والظلم ماء الأسنان، والورود الحضور والعطر الطيب الرائحة والطلاء بالمد. ما طبخ من عصير العنب وقصره ضرورة:
فإظهاره درّ نمته بدوره ... وأدغم ورش ظافرا ومخولا
أخبر ﵀ أن المشار إليهم بالدال والنون والباء من قوله: درّ نمته بدوره، وهم ابن كثير وعاصم وقالون أظهروا تاء التأنيث عند حروفها الستة وأخر الرمز لعدم الالتباس.
وقوله: وأدغم ورش ظافرا أخبر أن ورشا أدغم في الظاء خاصة فتعين له الإظهار عند الخمسة البواقي ولم يحتج إلى الواو الفاصلة لصريح الاسم، والنمو الزيادة والظافر الفائز والمخول المملك يقال خولك الله كذا أي ملكك إياه.
وأظهر كهف وافر سيب جوده ... زكيّ وفيّ عصرة ومحلّلا
وأظهر راويه هشام لهدّمت ... وفي وجبت خلف ابن ذكوان يفتلا
أخبر ﵀ أن المشار إليه بالكاف في قوله كهف وهو ابن عامر أظهر تاء التأنيث عند ثلاثة أحرف السين والجيم والزاي والواو من قوله وافر ومن قوله وفيّ فاصلة وقوله وأظهر راويه أي راوي ابن عامر المسمى بهشام لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ [الحج: ٤٠]، وقوله وفي «وجبت» خلف بن ذكوان. يعني أن الراوي الثاني عن ابن عامر وهو ابن ذكوان قرأ وَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج: ٣٦] بالإظهار والإدغام، وقوله: يفتلا من فليت الشعر إذا تدبرته، وإنما قال ذلك لأن الإظهار هو المشهور عن ابن ذكوان ولم يذكر في التيسير غيره.
توضيح: القراء في تاء التأنيث على ثلاث مراتب: منهم من أظهرها عند جميع حروفها وهم: عاصم وقالون وابن كثير، ومنهم من أدغمها في حروفها الجميع وهم أبو عمرو وحمزة والكسائي، ومنهم من أظهرها عند بعضها وأدغمها في بعضها وهما ورش وابن عامر فأما ورش فإنه أدغمها في الظاء خاصة وأظهرها عند الخمسة الباقية، وأما ابن عامر فإن الحروف المذكورة عنده على ثلاث مراتب: منها ما أظهر عنده قولا واحدا وهما السين والزاي، ومنها ما أدغم فيه قولا واحدا وهما الطاء والثاء، ومنها ما عنده فيه تفصيل وهما الصاد والجيم، فأما الصاد فإنه أدغم فيه بلا خلاف في قوله تعالى: حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: ٩٠]، واختلف راوياه عنه في قوله تعالى: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ [الحج: ٤٠]، فأظهر هشام وأدغم ابن ذكوان، وأما الجيم فإنه أظهر عندها بلا خلاف في نضجت جلودهم وأما وَجَبَتْ جُنُوبُها [الحج: ٣٦]، فإنه أظهرها من رواية هشام وعنه فيها الإظهار والإدغام من رواية ابن ذكوان، وظاهر البيت ثناء على ابن عامر، أخبر الناظم عنه بأنه كهف تأوي إليه الناس وقوله: وافر سيب جوده أي زائد عطاء كرمه؛ وقوله: زكي وفيّ أي صادق الوعد عصرة أي ملجأ في وقت الشدة ومحللا أي منزله محل الضيف.
стр. 95
ذكر لام هل وبل
قدم هل على بل في الترجمة وعكس ذلك في البيت ليعطي كل واحد من الحرفين حظا من التقديم والتأخير فقال:
ألا بل وهل تروي ثنا ظعن زينب ... سمير نواها طلح ضرّ ومبتلا
أتى بلام بل وهل وحروفها الثمانية وهي التاء من تروي والثاء من ثنا والظاء من ظعن والزاي من زينب والسين من سمير والنون من نواها والطاء من طلح والضاد من ضر وأمثلتها عند التاء نحو بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً [الأنبياء: ٤٠] وبَلْ تَحْسُدُونَنا [الفتح: ١٥]، والظاء بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ [الفتح: ١٢]، ليس غيره والزاي بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ [الرعد: ٣٣] وبَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ [الكهف: ٤٨]، ليس غيرها والسين بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [يوسف: ١٨، ٨٣]، موضعان بيوسف ليس غيرهما. والنون قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا [لقمان: ٢١] وبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ [الواقعة: ٦٧]، ونحوه والطاء بَلْ طَبَعَ اللَّهُ [النساء: ٥٥]، والضاد بل ضَلُّوا عَنْهُمْ [الأحقاف: ٢٨]، ولا ثاني له والثاء هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ [المطففين: ٣٦]، ليس غيره والتاء هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا [المائدة: ٥٩] وهَلْ تَعْلَمُ لَهُ [مريم: ٦٥]، والنون هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ [الكهف: ١٠٣] وهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ [الشعراء: ٢٠٣].
تنبيه: ظاهر عبارة الناظم ﵀ توهم أن كل واحدة تدغم في الثمانية وليس كذلك بل لام بل تدغم في سبعة النون والضاد والطاء والظاء والتاء والسين والزاي، ولام هل تدغم في ثلاثة النون والتاء والثاء ولام بل تختص بخمسة الضاد والطاء والظاء والزاي والسين وتختص هل بحرف الثاء ويشتركان في حرفين النون والتاء وقد نظم بعض الشراح على هذا التفصيل فأحسن حيث قال:
ألا بل وهل تروي نوى هل ثوى وبل ... سرى ظل ضر زائد طال وابتلا
أي لام هل وبل لهما التاء والنون ولهل وحدها الثاء ولبل الخمسة البواقي والظعن السير والسمير المحدث ليلا والنوى البعد والطلح الذي تعب وأعيا والضر ضد النفع والمبتلى المختبر.
فأدغمها راو وأدغم فاضل ... وقور ثناه سرّ تيما وقد حلا
أخبر ﵀ أن المشار إليه بالراء في قوله راو وهو الكسائي أدغم لام هل وبل في حروفهما وأخر الرمز لعدم الالتباس وقوله: وأدغم فاضل إلخ أخبر أن المشار إليه
بالفاء في قوله فاضل وهو حمزة أدغم في الثاء والسين والتاء المشار إليهن في قوله ثناه سر تيما وأتى بما شرط من تقديم الرمز وتأخير الحروف المختلف فيها والواو في قوله وأدغم فاصلة بين
المسألتين والواو في قوله وقور فاصلة بين الحرف الدال على القارئ وبين الحروف المختلف في إظهارها وإدغامها. والوقور ذو الحلم والرزانة وتيما اسم قبيلة ينتسب إليها حمزة والواو في قوله وقد فاصلة وحلا تمم به البيت أي ثناء حمزة سر قومه وحلا.
وبل في النّسا خلّادهم بخلافه ... وفي هل ترى الإدغام حبّ وحمّلا
أخبر أن خلادا قرأ في سورة النساء قوله: بل طبع الله عليها بالإظهار والإدغام، وهذا معنى قوله: بخلافه وأتى باسمه صريحا فلم يحتج إلى الواو الفاصلة وقوله وفي هل ترى الإدغام حب. أخبر أن المشار إليه بالحاء في قوله حب وهو أبو عمرو وأدغم هل ترى من فطور بالملك وأدغم فهل ترى لهم من باقية في الحاقة وحملا أي نقل عن أبي عمرو.
стр. 96
وأظهر لدى واع نبيل ضمانه ... وفي الرّعد هل واستوف لا زاجرا هلا
أمر بالإظهار للمشار إليه باللام في قوله لدى وهو هشام عند الحرفين المذكورين بعد الواو وهما النون والضاد وعند التاء في حرف واحد بالرعد أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ [الرعد: ١٦]، ولم يدغمه أحد لأن حمزة والكسائي يقرءان يستوي بالياء المعجمة الأسفل وهم أصحاب الإدغام وقوله: واستوف لا زاجرا هلا كمل به البيت والواو في واع واستوف فاصلة أي استوف ما ذكرت لك من الفوائد غير زاجر بهلا وهي كلمة يزجر بها الخيل.
توضيح: القراء في لام هل وبل على ثلاث مراتب: منهم من أدغم في الجميع وهو الكسائي وحده ومنهم من أظهر الجميع وهم نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم ومنهم من أدغم في البعض وأظهر عند البعض وهم أبو عمرو وهشام وحمزة؛ أما أبو عمرو فإنه أدغم هل ترى بالملك والحاقة خاصة وأظهر عند البواقي خاصة، وأما هشام فإنه أظهر عند النون والضاد وعند التاء بالرعد خاصة وأدغم فيما سوى ذلك وأما حمزة فإنه أدغم في الثاء والسين والتاء وأدغم من رواية خلاد بخلاف عنه في الطاء من بل طبع في النساء.
باب اتفاقهم في إدغام إذ وقد وتاء التأنيث وهل وبل
إنما احتاج إلى ذكر اتفاقهم في هذه الكلمات لأنه قد وقع في بعضها اختلاف بين الرواة في الكتب المبسوطات غير هذا القصيد كإظهار دال عند التاء من طريق أبي حمدون والمروزي عن المسيبي نحو قد تبين وتاء التأنيث عند الدال فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ [الأعراف: ١٨٩]، ومحمد عنه في نحو فَآمَنَتْ طائِفَةٌ [الصف: ١٤]، والفضل بن شاهي عن حفص غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ [الكهف: ١٧]، والبرجمي عن أبي بكر لام بل وقل عند الراء نحو قوله تعالى: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٨] وقُلْ رَبِّي أَعْلَمُ [الكهف: ٢٢]، كل هذا نقل فيه الإظهار.
ولما كان هذا ونحوه متفقا على إدغامه في هذا القصيد نبه عليه بقوله:
ولا خلف في الإدغام إذ ذلّ ظالم ... وقد تيّمت دعد وسيما تبتّلا
أخبر أنه لا خلاف في إدغام ذال إذ في الحرفين المذكورين في الكلمتين اللتين بعدها وهما الذال من ذل والظاء من ظالم نحو إذ ذهب وإذ ظلموا. قوله: وقد تيمت أي لا خلاف أيضا في إدغام دال قد في الحرفين المذكورين بعدها وهمت التاء من تيمت والذال من دعد نحو قد تبين وقد دخلوا. ومعنى تيمت أمرضت من الحب ودعد امرأة والوسيم الحسن الوجه والتبتل الانقطاع.
وقامت تريه دمية طيب وصفها ... وقل بل وهل رآها لبيب ويعقلا
أي لا خلاف في إدغام تاء التأنيث في الأحرف الثلاثة المذكورة بعدها وهي التاء من تريه والدال من دمية والطاء من طيب نحو فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦] وأُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما [يونس: ٨٩] وفَآمَنَتْ طائِفَةٌ [الصف: ١٤]، والواو في وصفها فاصلة وقد تكررت. والدمية صورة تشبه المرأة، وقوله وقل بل وهل إلخ أي لا خلاف في إدغام اللام
من قل وبل وهل في الحرفين الأولين من الكلمتين اللتين بعدهن وهما الراء واللام من قوله رآها لبيب نحو قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ [الكهف: ٢٢] و (قل للذين هل لكم)، (بل لا يكرمون) [الفجر: ١٧] وبَلْ رَبُّكُمْ [الأنبياء: ٥٦]، وقوله: رآها بالقصر من غير همز ولبيب أي عاقل أي وهل رأى هذه الحسناء عاقل ويثبت عقله؟
стр. 97
وما أوّل المثلين فيه مسكّن ... فلا بدّ من إدغامه متمثّلا
أي إذا اجتمع حرفان متمثلان وسكن الأول منهما وجب إدغامه في الثاني لغة وقراءة وسواء كانا في كلمة نحو قوله تعالى: يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء: ٧٨] أو في كلمتين نحو وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ [النحل: ٥٣]، ولا يخرج من هذا العموم إلا حرف المد نحو آمنوا وعملوا الَّذِي يُوَسْوِسُ [الناس: ٥]، فإنه واجب الإظهار فيمد ولا يدغم وقوله متمثلا أي متشخصا.
باب حروف قربت مخارجها
جميع ما سبق هو إدغام حروف قربت مخارجها فكأنه يقول في باب إدغام حروف أخر قربت مخارجها والمذكور في هذا الباب ثمانية أحرف الباء واللام والفاء والدال والتاء والراء والنون والذال وقد قدم الكلام في الباء فقال:
وإدغام باء الجزم في الفاء قد رسا ... حميدا وخيّر في يتب قاصدا ولا
أخبر أن الباء المجزومة تدغم في الفاء للمشار إليهم بالقاف والراء والحاء في قوله:
قد رسا حميدا وهم خلاد وأبو عمرو والكسائي، وجميع ما في القرآن خمسة مواضع أولها قوله تعالى: أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ٧٤]، إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ [الرعد: ٥] وقالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ [الإسراء: ٦٣] وقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ [طه:٩٧] ومَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ [الحجرات: ١١] بالحجرات. ثم أخبر أن المشار إليه بالقاف من قاصدا وهو خلاد له وجه آخر وهو الإظهار في قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ [الحجرات: ١١] فأمرك أن تخير في إدغامه وإظهاره لأن الكل صحيح وتعين لمن لم يذكره الإظهار في الخمسة ومعنى رسا حميدا أي ثبت محمودا والولا بالفتح النصر:
ومع جزمه يفعل بذلك سلّموا ... ونخسف بهم راعوا وشذّا تثقّلا
أخبر أن اللام من يفعل إذا كان مجزوما يدغم في الذال من ذلك للمشار إليه بالسين في قوله سلموا وهو أبو الحارث وجميع ما في القرآن ستة مواضع أولها بالبقرة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [البقرة: ٢٣١]، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمران: ٢٨] ووَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً [النساء: ٣٠]، وفيها وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [النساء: ١١٤]، وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان: ٦٨] وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [المنافقون: ٩]، وتعين للباقين الإظهار، فإن لم يكن
يفعل مجزوما لم يدغمه أحد نحو فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ [البقرة: ٨٥]، وقوله:
ونخسف بهم راعوا. أخبر أن المشار إليه بالراء في قوله راعوا وهو الكسائي أدغم الفاء في الباء من نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ [سبأ: ٩]، في سبأ فتعين للباقين الإظهار. ومعنى راعوا أي راقبوا الإدغام فقرءوا به. قوله: وشذا تثقلا الألف في قوله وشذا ضمير يفعل ونخسف أي وشذ إدغام هذين الحرفين عند النحاة إلا القراء لأن الشاذ عند القراء ما لم يتواتر وهذان تواترا»، والشاذ عند النحاة: ما خرج عن قياسه أو ندر.
وعذت على إدغامه ونبذتها ... شواهد حمّاد وأورثتمو حلا
له شرعه والرّاء جزما بلامها ... كو اصبر لحكم طال بالخلف يذبلا
أخبر أن المشار إليهم بالشين والحاء في قوله شواهد حماد وهم حمزة والكسائي وأبو عمرو أدغموا الدال في التاء من كلمتين إحداهما: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي [غافر: ٢٧]، [الدخان: ٢٠]، والثانية فَنَبَذْتُها [طه: ٩٦] فتعين
стр. 98
للباقين الإظهار فيهن، والشواهد الأدلة والحماد الكثير الحمد، وقوله: وأورثتمو حلا له شرعه. أخبر أن المشار إليهم بالحاء واللام والشين في قوله حلاله شرعه وهم أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي أدغموا الثاء في التاء من (أورثتمو) [الأعراف: ٤٣]، [الزخرف: ٧٢]، فتعين للباقين الإظهار ومعنى حلا عذب والشرع الطريق وقوله والراء جزما بلامها إلخ. أخبر أن الراء المجزومة تدغم في اللام للمشار إليه بالطاء في قوله طال وهو الدوري بخلاف عنه أي للدوري الإظهار والإدغام وأن المشار إليه بالياء في قوله يذبلا وهو السوسي يدغم الراء في اللام بلا خلاف ومثل ذلك بقوله تعالى: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ [الطور: ٤٨]، ونظيره أَنِ اشْكُرْ لِي [لقمان: ١٤] ويَغْفِرْ لَكُمْ [الحديد: ٢٨] ونحوه. ويذبل: اسم جبل معروف.
وياسين أظهر عن فتى حقّه بدا ... ونون وفيه الخلف عن ورشهم خلا
أمر بإظهار النون من يس عند الواو من والقرآن وإظهار النون من هجاء نون عند الواو من والقلم للمشار إليهم بالعين والفاء والحاء والباء في قوله: عن فتى حقه بدا وهم حفص وحمزة وابن كثير وأبو عمرو وقالون ونون معطوف على قوله: ويس يعني أن الذين أظهروا يس والقرآن أظهروا نون والقلم ثم قال وفيه الخلف يعني في نون والقلم عن ورش وجهان:
الإظهار والإدغام وتعين للباقين الإدغام فيهما، وخلا أي مضى.
وحرميّ نصر صاد مريم من يرد ... ثواب لبثت الفرد والجمع وصّلا
أخبر أن المشار إليهم بحرمي وبالنون في قوله حرمي نصر وهم نافع وابن كثير وعاصم أظهروا الدال من هجاء صاد من كهيعص عند ذال ذكر وأظهروا الدال أيضا عند الثاء من قوله تعالى: يُرِدْ ثَوابَ [آل عمران: ١٤٥]، حيث وقع وأظهروا الثاء عند التاء من لبثت كيفما
تصرف فردا وجمعا نحو كَمْ لَبِثْتَ [البقرة: ٢٥٩]، إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:
٥٢]، وتعين للباقين الإدغام فيهن.
وطاسين عند الميم فاز اتّخذتمو ... أخذتم وفي الإفراد عاشر دغفلا
أخبر أن النون من هجاء طسم في أول الشعراء والقصص تظهر عند الميم للمشار إليه بالفاء في قوله: فاز وهو حمزة فتعين للباقين الإدغام، وقوله عند الميم احترز به من
طس تلك أول النمل فإنها مخفاة للكل كما سيأتي وقوله اتخذتم إلى آخره: أخبر أن الذال تظهر عند التاء فيما كان مسندا إلى ضمير الجمع نحو اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ [الجاثية: ٣٥] وأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١]، وفي الإفراد نحو اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي [الشعراء: ٢٩] ولَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ [الكهف: ٧٧]، للمشار إليهما بالعين والدال في قوله عاشر دغفلا وهما حفص وابن كثير وتعين للباقين الإدغام. ودغفلا من قولهم عام دغفل، أي خصب.
وفي أركب هدى برّ قريب بخلفهم ... كما ضاع جا يلهث له دار جهّلا
وقالون ذو خلف وفي البقرة فقل ... يعذّب دنا بالخلف جودا وموبلا
أخبر أن إظهار الباء عند الميم من يا بنيّ اركب معنا للمشار إليهم بالهاء والباء والقاف في قوله هدى بر قريب، وهم البزي وقالون وخلاد بخلاف عنهم، أي لكل منهم الإظهار والإدغام وأن المشار
стр. 99
إليهم بالكاف والضاد والجيم في قوله كما ضاع جا وهم ابن عامر وخلف وورش أظهروا الباء عند الميم من أركب معنا بلا خلاف فتعين للباقين إدغامه وقوله يلهث له دار جهلا. أخبر أن إظهار الثاء من يلهث عند الذل في ذلك مثل القوم للمشار إليهم باللام والدال والجيم في قوله له دار جهلا وهم هشام وابن كثير وورش. ثم قال وقالون ذو خلف يعني أن قالون له في يلهث ذلك وجهان الإظهار والإدغام وتعين للباقين الإدغام.
والبر الصلاح وضاع أي انتشر من ضاع الطيب إذا فاحت رائحته ودار فعل أمر من داري يداري وجهلا جمع جاهل. وقوله وفي البقرة إلخ أمر بإظهار الباء عند الميم من يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: ٢٨٤]، بالبقرة للمشار إليه بالدال في قوله: دنا وهو ابن كثير بالخلف أي عنه وجهان الإظهار والإدغام، وللمشار إليه بالجيم في قوله جودا بلا خلاف وهو ورش أي عنه الإظهار لا غير وتعين للباقين الإدغام وسكن الناظم الهاء من البقرة ضرورة ودنا قرب.
والجود: المطر الغزير وموبلا من أو بل المطر إذا اشتد وقعه.
باب أحكام النون الساكنة والتنوين
هذا الباب أيضا من إدغام حروف قربت مخارجها. وأحكام جمع حكم وإنما جمع لأن للنون الساكنة والتنوين هنا أحكاما من الإظهار والإدغام والقلب والإخفاء، وقد أفردت لهما تصنيفا وقدم الكلام في الإدغام فقال:
وكلّهم التّنوين والنّون أدغموا ... بلا غنّة في اللّام والرّا ليجملا
أخبر أن القراء كلهم يعني السبعة أدغموا التنوين والنون الساكنة المتطرفة في اللام والراء من غير غنة نحو هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وثَمَرَةٍ رِزْقاً [البقرة: ٢٥] ولكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] ومِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥]، وقوله: ليجملا أي ليجملا في اللفظ بهما من غير كلفة وسيأتي بيان الغنة في باب مخارج الحروف.
وكلّ بينمو أدغموا مع غنّة ... وفي الواو واليا دونها خلف تلا
أخبر أن كل القراء السبعة أدغموا النون الساكنة والتنوين في حروف ينمو الأربعة وهي الياء والنون والميم والواو إدغاما مصاحبا للغنة فالياء نحو من يقول وبرق يجعلون والنون نحو من نور ويَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ [الغاشية: ٨]، والميم نحو مِمَّنْ مَنَعَ [البقرة: ١١٤] ومَثَلًا ما بَعُوضَةً [البقرة: ٢٦]، والواو نحو مِنْ والٍ [الرعد: ١]، وغِشاوَةٌ [البقرة: ٧]، [الجاثية: ٢٣]، ولهم وقوله وفي الواو واليا إلخ أخبر أن خلفا قرأ بإدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء بدون غنة أي بغير غنة:
وعندهما للكلّ أظهر بكلمة ... مخافة إشباه المضاعف أثقلا
أمر ﵀ بإظهار النون الساكنة لكل القراء عندهما أي عند الياء والواو وإذا جاءت النون قبلهما في كلمة واحدة نحو الدنيا وبنيان وقنوان وصنوان فلا يدخل التنوين في ذلك لأنه مختص بالأواخر ثم علل بقوله مخافة أشباه المضاعف يعني أن النون الساكنة إذا وقعت
مع الياء والواو في كلمة واحدة وأدغمت النون فيهما فإنه يشبه المضاعف الذي أدغم فيه الحرف في مثله فيصير لفظ صنوان صوان وبنيان بيان فيقع الالتباس ولم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف فأبقيت النون مظهرة مخافة أن يشبه المضاعف في حال كونه ثقيلا والمضاعف هو الذي في جميع تصرفاته يكون أحد حروفه الأصول مكررا نحو حيان ورمان وشبه ذلك.
стр. 100
وعند حروف الحلق للكل أظهرا ... ألا هاج حكم عمّ خاليه غفّلا
أخبر أن النون الساكنة والتنوين أظهرا لكل القراء السبعة إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق وسواء كان ذلك في كلمة أو في كلمتين، ثم بين حروف الحلق بأوائل هذه الكلمات وهي الهمزة من قوله: ألا والهاء من قوله هاج والخاء من قوله حكم والعين من قوله عم والخاء من قوله خاليه والغين من قوله غفلا، فمثال النون الساكنة والتنوين عند الهمزة من آمن وكل آمن وينأون وعند الهاء من هاجر وجرف هار ومنها وعنها وعند الحاء مَنْ حَادَّ اللَّهَ [المجادلة: ٢٢] ونارٌ حامِيَةٌ [القارعة: ١١] ولِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: ٢]، وعند العين وَمَنْ عاقَبَ [الحج: ٦٠] وبُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة: ١٨] وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]، وعند الخاء من خزي يومئذ ويومئذ خاشعة والمنخنقة وعند الغين من غل قولا غير فسينغضون وشبه ذلك:
وقلبهما ميما لدى البا وأخفيا ... على غنّة عند البواقي ليكملا
أخبر أن النون الساكنة والتنوين يقلبان ميما عند الباء لجميع القراء إذا وقعت الباء بعدهما نحو من بعدهم وأنبئهم وصُمٌّ بُكْمٌ [البقرة: ١٨]، وقوله: وأخفيا على غنة إلخ الإخفاء حالة بين الإظهار والإدغام وهو عار من التشديد. أخبر أن النون الساكنة والتنوين يخفيان مع بقاء غنتهما عند باقي حروف المعجم غير الثلاثة عشر المتقدمة
وهي ستة الإدغام وستة الإظهار وواحد للقلب فالذي بقي من حروف المعجم خمسة عشر حرفا جمعتها في أوائل كلمات هذا البيت فقلت:
تلائم جادر ذكا زاد سل شذا ... صفا ضاع طاب ظل في قرب كملا
وهي التاء والتاء والجيم والدال والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والفاء والقاف والكاف فهذه حروف الإخفاء لا خلاف بين القراء في إخفاء النون الساكنة والتنوين عند هذه الحروف وسواء اتصلت النون بهن في كلمة أو انفصلت عنهن في كلمة أخرى، فالإخفاء عند التاء نحو من تحتها وينتهون وجنات تجري، وعند الثاء نحو من ثمرة ومنثورا وجميعا ثم، وعند الجيم إن جاءكم فأنجيناكم وشيئا جنات وعند الدال نحو من دابة وأندادا وقنوان دانية وعند الذال نحو من ذكر ومنذرون وسراعا ذلك وعند الزاي فإن زللتم فأنزلنا ويومئذ زرقا، وعند السين أن سلام ومنسأته وعظيم سماعون، وعند الشين نحو
من شاء وينشأ وعليم شرع وعند الصاد نحو أن صدوكم وينصركم ورِيحاً صَرْصَراً [القمر: ١٩]، وعند الضاد نحو إن ضللت ومنضود وقوما ضالين وعند الطاء نحو وإن طائفتان وينطقون وقَوْماً طاغِينَ [الصافات: ٣٠]، وعند الظاء نحو إِنْ ظَنَّا [البقرة:
٢٣٠]، وينظرون وقوما ظلموا وعند الفاء نحو وإن فإنكم وانفروا وعمى فهم وعند القاف نحو لئن قلت ومنقلبون وشيء قدير وعند الكاف نحو من كان وينكثون وعادا كفروا وشبه ذلك فذلك خمسة عشر حرفا وخمسة وأربعون مثالا للإخفاء. وقوله: ليكملا أي الأحكام:
باب الفتح والإمالة وبين اللفظين
أي فتح الصوت لا الحرف والفتح هنا ضد الإمالة، وقدمه لأنه الأصل والإمالة فرع عنه فكل ما يمال يجوز فتحه وليس كل ما يفتح يجوز إمالته لأن الإمالة لا تكون إلا لسبب من الأسباب، وهي
стр. 101
تنقسم إلى كبرى وصغرى، فالكبرى متناهية في الانحراف والصغرى متوسطة بين اللفظين أي بين لفظ الفتح ولفظ الإمالة المحضة، وقد أفردت للإمالة تصنيفا مرتبا على سور القرآن:
وحمزة منهم والكسائيّ بعده ... أمالا ذوات الياء حيث تأصّلا
وحمزة منهم أي من السبعة والكسائي بعده يعني بعد حمزة لأنه قرأ عليه واختار بعده هذه القراءة. أخبر الناظم أن حمزة والكسائي أمالا ذوات الياء أي كل ألف منقلبة عن ياء من الأسماء والأفعال حيث تأصلا أي حيث كان الياء أصلا وانقلبت الألف عنه وهذا أحد أسباب الإمالة. وأسباب الإمالة عند القراء ثمانية كسرة موجودة في اللفظ أو عارضة في بعض الأحوال أو ياء موجودة في اللفظ أو انقلاب عنها أو تشبيه بالانقلاب عنها أو تشبيه بما أشبه المنقلب عن الياء أو مجاورة إمالة وجميعها راجعة إلى الكسرة والياء. الثامن أن تكون الألف رسمت بالياء وإن كان أصلها الواو. ولما توقفت الإمالة على معرفة أصل الألف ذكر له ضابطا فقال:
وتثنية الأسماء تكشفها وإن ... رددت إليك الفعل صادفت منهلا
أي تكشف لك ذوات الواو من ذوات الياء، يريد أنك إذا ثنيت الاسم الذي فيه الألف فإن ظهرت في التثنية ياء أملتها وإن ظهرت واوا لم تمل، وكذلك إذا وجدت في الفعل ألفا ورددته إلى نفسك فإن ظهرت واوا لم تمل وإن ظهرت ياء أملتها. وقوله: صادفت منهلا أي
وجدت مطلوبك شبه الطالب بالظمآن الذي يجد منهل الماء. ثم مثل فقال:
стр. 102
هدى واشتراه والهوى وهداهم ... وفي ألف التّأنيث في الكلّ ميّلا
أي بمثالين في الأفعال وهما هدى واشتراه ومثالين في الأسماء وهما الهوى وهداهم لأنك إذا رددت هدى إلى نفسك قلت هديت وكذلك اشترى تقول اشتريت وإذا ثنيت الأسماء تقول هويان وهديان، فعلمنا من هذه الأمثلة أن الألف لا بد أن تكون لاما في الأسماء والأفعال. ثم انتقل إلى الأصل الثاني فقال: وفي ألف التأنيث في الكل ميلا، يعني أن حمزة والكسائي أمالا ألفات التأنيث كلها والألف من قوله ميلا ضمير حمزة والكسائي.
ثم بين محل ألفات التأنيث فقال:
وكيف جرت فعلى ففيها وجودها ... وإن ضمّ أو يفتح فعالى فحصّلا
أي وجود ألف التأنيث في موزون فعلى ساكنة العين كيف جرت بضم الفاء وفتحها وكسرها فالذي بضم الفاء نحو الدنيا والأنثى والسوأى والأخرى والبشرى والكبرى والذي بفتح الفاء نحو التقوى والنجوى وشتى وأسرى وسكرى والذي بكسر الفاء نحو إحدى وسيماهم والشعرى والذكرى والحق بهذا الباب موسى ويحيى وعيسى، وقوله: وإن ضم أو يفتح فعالى أي وكذلك تجري ألف التأنيث في موزون فعالى أي بضم الفاء وفتحها فالذي بضم الفاء نحو سكارى وكسالى وفرادى والذي بفتح الفاء نحو اليتامى والأيامى والنصارى وقوله فحصلا أي فحصل ذلك والفاء ليست برمز:
стр. 103
وفي اسم في الاستفهام أنّى وفي متى ... معا وعسى أيضا أمالا وقل بلى
أخبر أن حمزة والكسائي أمالا كل اسم مستعمل في الاستفهام وهو أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] وأَنَّى يَكُونُ لِي [آل عمران: ٤٠، ٤٧] وأَنَّى يُحْيِي هذِهِ [البقرة:
٢٥٩] وأَنَّى لَكِ هذا [آل عمران: ٣٧] وأَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [آل عمران: ٤٠] وأَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ [آل عمران: ٤٧] وقُلْتُمْ أَنَّى هذا [آل عمران: ١٦٥] وأَنَّى يُؤْفَكُونَ [المائدة: ٧٥] وفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [الأنعام: ٩٥] وأَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ [الأنعام: ١٠١] وأَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة: ٣٠] وأَنَّى يُصْرَفُونَ [يونس: ٣٢] وفَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [يونس: ٣٤] وقالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ [مريم: ٢٠] وفَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون: ٨٩] وفَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت: ٦١] ووَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ [سبأ: ٥٢] و (فأنى يؤفكون) [فاطر: ٣] وفَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس: ٦٦]
وفَأَنَّى تُصْرَفُونَ
[الزمر:
٦] و (فأنى يؤفكون) [غافر: ٦٢] وأَنَّى يُصْرَفُونَ [غافر: ٦٩] وفَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف: ٨٧] وأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى [الدخان: ١٣] وفَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ [محمد: ١٨] وأَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤٠] وأَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى [الفجر: ٢٣]، فهذه جميع ما في القرآن وهي ثمانية وعشرون موضعا، وقوله: وفي متى معا وعسى إلخ،
يعني أن حمزة والكسائي أمالا متى وعسى وبلى حيث وقعن نحو متى هذا الوعد، وعسى ربكم، وبلى من كسب سيئة:
وما رسموا بالياء غير لدى وما ... زكى وإلى من بعد حتى وقل على
أي وأمال حمزة والكسائي كل ألف متطرفة كتبت في المصحف العثماني ياء في الأسماء والأفعال مما ليس أصله الياء بأن تكون زائدة أو عن واو في الثلاثي إلا ما يختص نحو: يا ويلتي ويا أسفي ويا حسرتي وضحى ولا تضحي ثم استثنى خمس كلمات اسم وفعل وثلاثة أحرف فلم تمل فالاسم الذي رسم بالألف في يوسف أعني لدا الباب واختلفت المصاحف فيه بغافر أعني لدا الحناجر فرسم في بعضها بالألف وفي بعضها بالياء، والفعل ما زكى منكم من أحد وهو من ذوات الواو بدليل قولك: زكوت فلم يمله أحد تنبيها على ذلك، والحروف إلى وحتى وعلى فلم تمل لأن الحرف لا حظ له في الإمالة. والله أعلم:
стр. 104
وكلّ ثلاثيّ يزيد فإنّه ... ممال كزكّاها وأنجى مع ابتلى
أي وأما حمزة والكسائي كل ألف هو لام الكلمة منقلب عن واو في الفعل والاسم زائدين على ثلاثة أحرف فصار رباعيا أو أكثر نحو ما مثل به قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس:
٩]، فلما أنجاهم وإذ أنجاكم وفَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ [العنكبوت: ٢٤] ونَجَّانَا اللَّهُ مِنْها [الأعراف: ٨٩]، وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: ١٢٤]، واستعلى، وفي المضارع نحو يتلى ويدعى، والاسم نحو الأدنى والأعلى وأزكى. والناظم لم يمثل الفعل المضارع ولا الاسم. فإن قيل من أين تأخذ العموم في الفعل المضارع والاسم قيل من قوله وكل ثلاثي يزيد فإنه يشمل الفعل الماضي والمضارع والاسم. فإن قيل تمثيله بالماضي فقط يقتضي اختصاص الحكم به. قيل الأصل العمل بالعموم. وما ذكرته لا يصح أن يكون مختصا ونبه بالأمثلة على إرادة اللام الواوية فلا يرد عليه نحو فَأَثابَهُمُ اللَّهُ [المائدة:
٨٥]، فإن الألف فيه ليست لام الكلمة فلا تمال.
ولكنّ أحيا عنهما بعد واوه ... وفيما سواه للكسائيّ ميّلا
قوله: عنهما أي عن حمزة والكسائي أخبر أنهما أمالا أحيا إذا كان قبلها واو: يريد ويحيى من بالأنفال ونموت ونحيى بقد أفلح والجاثية وأَماتَ وَأَحْيا [النجم: ٤٤] ولا يَحْيى، وسَبِّحِ [الأعلى: ١]. ثم قال: وفيما سواه للكسائي ميلا، أخبر أن الكسائي انفرد دون حمزة بإمالة ما سوى ذلك يريد فأحياكم وفأحيا به وثم أحياهم بالبقرة ومن أحياها بالمائدة، وفأحيا به الأرض بالنحل. والعنكبوت والجاثية، وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ [الحج: ٦٦] وإِنَّ الَّذِي أَحْياها [فصلت: ٣٩]، وكذلك إذا وقف على
قوله فكأنما أحيا الناس:
стр. 105
ورؤياي والرّؤيا ومرضات كيفما ... أتى وخطايا مثله متقبّلا
ومحياهمو أيضا وحقّ تقاته ... وفي قد هداني ليس أمرك مشكلا
أخبر ﵀ أن الكسائي انفرد بإمالة رؤياي والرؤيا هاتين اللفظتين ومرضات كيفما أتى نحو مرضت الله ومرضاتي وخطايا مثله أي مثل مرضات كيفما أتت نحو خطاياكم وخطاياهم والإمالة في ألفاتها الأخيرة، وانفرد الكسائي أيضا بإمالة سَواءً مَحْياهُمْ [الجاثية: ٢١] وحَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] وقَدْ هَدانِ [الأنعام: ٨٠]، وقيده بقد احترازا من الذي في آخر السورة قُلْ إِنَّنِي هَدانِي [الأنعام: ١٦١] ولَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي [الزمر: ٥٧]، فإن ذلك ممال لحمزة والكسائي على أصليهما. وقوله: ليس أمرك مشكلا كمل به البيت ولم يكن في البيتين رمز لأحد:
وفي الكهف أنساني ومن قبل جاء من ... عصاني وأوصاني بمريم يجتلا
وفيها وفي طس أتاني الّذي ... أذعت به حتى تضوّع مندلا
أي ومما انفرد به الكسائي دون حمزة إمالة وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [الكهف:
٦٣]، ومن قبل يعني في سورة إبراهيم جاء وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:
٣٦] وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ [مريم: ٣١]، ويجتلا أي يكشف وفيها يعني في مريم آتانِيَ الْكِتابَ [مريم: ٣٠] وفي طس يعني في النمل آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ [النمل: ٣٦]، فهذه خمسة أفعال أمالها الكسائي دون حمزة. وقوله: الذي أذعت به حتى تضوع مندلا لم يتعلق به حكم وكمل به البيت وأذعت: أفشت وتضوع فاح، والمندل العود الهندي وليس في البيتين رمز لأحد:
وحرف تلاها مع طحاها وفي سجى ... وحرف دحاها وهي بالواو تبتلا
أي ومما انفرد بإمالته الكسائي أيضا تَلاها [الشمس: ٢] وطَحاها [الشمس:
٦] وسَجى [الضحى: ٢] ودَحاها [النازعات: ٣٠]، وقوله: وهي بالواو يعني أن ألفها منقلبة عن واو وما تقدم كانت ألفه عن ياء، ومعنى تبتلا: تختر:
стр. 106
وأمّا ضحاها والضّحى والرّبا مع ال ... قوى فأمالاها وبالواو تختلا
أخبر أن هذه الكلم الأربع اتفق حمزة والكسائي على إمالتها وأنها من ذوات الواو ونبه على ذلك بقوله وهي بالواو، يعني وَالشَّمْسِ وَضُحاها [الشمس: ١] والضُّحى وَاللَّيْلِ [الضحى: ١] والربا حيث وقع، والقوى بالنجم وتختلا من قولك: اختليت الحشيش: إذا حززته:
ورؤياك مع مثواي عنه لحفصهم ... ومحياي مشكاة هداي قد انجلا
أراد بقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ [يوسف: ٥] وأَحْسَنَ مَثْوايَ [يوسف:
٢٣]، ومحياي بالأنعام ومشكاة بالنور وفَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ [طه: ١٢٣] وفَمَنْ تَبِعَ هُدايَ [البقرة: ٣٨]، جميع هذا انفرد بإمالته حفص الدوري عن الكسائي دون أبي الحارث. وقوله: قد انجلا أي قد انكشف وليس في البيت رمز لأحد:
وممّا أمالاه أواخر آي ما ... بطه وآي النّجم كي تتعدّلا
وفي الشّمس والأعلى وفي اللّيل والضّحى ... وفي اقرأ وفي والنّازعات تميّلا
ومن تحتها ثمّ القيامة ثمّ في ال ... معارج يا منهال أفلحت منهلا
أخبر أن من جملة ما اتفق حمزة والكسائي على إمالته على الأصول المتقدمة رءوس الآي من إحدى عشرة سورة طه والنجم وسأل والقيامة والنازعات وعبس وسبح والشمس والضحى والليل والعلق ورتبها على ما تأتي له النظم، وآي جمع آية أراد الألفات التي هي أواخر الآيات مما جميعه لأم الكلمة سواء المنقلب فيها عن الياء والمنقلب عن الواو إلا ما سبق استثناؤه من أن حمزة لا يميله فأما الألف المبدلة من التنوين في الوقف نحو همسا وضنكا ونسفا وعلما وعزما فلا تمال لأنها لا تصير ياء في موضع، بخلاف المنقلبة عن الواو فإن الفعل المبني للمفعول تنقلب فيه ألفات الواو ياء فألفات التنوين كألف التثنية لا إمالة فيها نحو فَخانَتاهُما [التحريم: ١٠] وإِلَّا أَنْ يَخافا [البقرة: ٢٢٩] واثْنَتا عَشْرَةَ [البقرة: ٦٠]، وأما المنوّن من المقصور نحو هدى وسوى وسدى ففي الألف الموقوف عليها خلاف ويأتي ذكره في آخر الباب. وقوله: كي تتعدلا أي تتعدل آيها لما في إمالة جميعها من المناسبة وأتى بقوله تتعدلا بعد اي طه والنجم وهو مراده مع ما ذكر من الآي بعد ذلك في السور المذكورة وقوله تميلا أي تميل أواخر آي طه وَالنَّجْمِ [النجم: ١] والشَّمْسِ وَضُحاها [الضحى: ١] وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] واللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: ١] والضُّحى [الضحى: ١] واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] والنَّازِعاتِ [النازعات: ١] ومن تحتها أي والتي تحت والنازعات وهي عبس ثم القيامة أي سورة لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ [القيامة: ١]، ثم المعارج أي سورة سَأَلَ سائِلٌ [المعارج: ١]، وهذا الذي ذكره من إمالة رءوس الآي لا يظهر له فائدة على مذهب حمزة والكسائي لاندراجه في أصولهم المتقررة لهم
стр. 107
وتظهر فائدته على مذهب ورش وأبي عمرو حيث يميلان فيها ما لا يميلانه في غيرها. ثم كل من المميلين إنما يعتد بعدد بلده، فحمزة والكسائي يعتبران الكوفي وأبو عمرو يعتبر المدني الأول لعرضه على أبي جعفر نص عليه الداني وورش أيضا لأنه عن إمامه. واعلم أن الهاء من طه ليست آخر آية عند المدني والبصري وأمالها ورش وأبو عمرو باعتبار كونها حرف هجاء في فواتح السور كهاء مريم
ولهذا أمالاها إمالة محضة وسيأتي الكلام عليها في أول سورة يونس، وقوله: يا منهال أفلحت منهلا كمل به البيت. والمنهال: الكثير الإنهال، والإنهال إيراد الإبل المنهل والمنهال: الكثير العطاء، يقال أنهلت الرجل إذا أعطيته أي يا معطي العلم أفلحت أو كثرت منهلا أي معطيا.
رمى صحبة أعمى في الإسراء ثانيا ... سوى وسدى في الوقف عنهم تسبّلا
أخبر أن المشار إليهم بصحبة وهم حمزة والكسائي وشعبة أمالوا وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] وفَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى [الإسراء: ٧٢]، ثاني سبحان وفي الوقف مكانا سوى بطه وأَنْ يُتْرَكَ سُدىً [القيامة: ٣٦]، وقوله: في الوقف عنهم أي عن حمزة والكسائي وشعبة إمالتهما في الوقف على خلاف يأتي وقوله: تسبلا أي أبيح:
وراء تراءى فاز في شعرائه ... وأعمى في الإسرا حكم صحبة أوّلا
أخبر أن المشار إليه بالفاء في قوله: فاز وهو حمزة أمال الراء من تراء الجمعان ويلزم من إمالة الراء إمالة الألف وقوله في شعرائه تقييد احترز به من تراءت الفئتان بالأنفال فإن الراء فيها لا تمال لأحد من السبعة وأصل تراء الجمعان تراءى على وزن تفاعل فألفه الأولى زائدة والأخيرة منقلبة عن ياء هي لام الكلمة وهو مرسوم في جميع المصاحف بألف واحدة بعد الراء واختلف في هذه الألف هل هي ألف تفاعل ولام الكلمة محذوفة أو لام الكلمة وألف تفاعل محذوفة على قولين؟ فحمزة يميل الراء والألف التي بعدها في الوصل والباقون لا إمالة عندهم في الوصل.
توضيح: أما قالون فلا إمالة له في تراءى الجمعان فإذا وقف يحقق الهمزة وينطق بألفين بينهما همزة محققة ويمد الألف التي قبل الهمزة لقوله: لقي الهمز طولا وكذلك يدخل معه بقية القراء غير ورش وحمزة والكسائي ولا تفاوت بينهم في المد من طريق الناظم ﵀ أما ورش فله ستة أوجه لأي تراءى من ذوات الياء وله في إمالتها بين بين والفتح وجهان وله في حرف المد الواقع بعد الهمزة ثلاثة أوجه المد والتوسط والقصر مع كل من الإمالة والفتح فهذه ستة أوجه. واعلم أن ورشا إذا أمال فإنما يميل الألف الأخيرة والهمزة التي قبلها فقط وأما حمزة إذا وقف فله وجوه كثيرة منها أنه يسهل الهمزة بين بين ويميل الراء والألف التي قبل الهمزة والألف التي بعدها
اتباعا لإمالة فتحة
стр. 108
الهمزة المسهلة فيمد على هذا بعد الراء مدة مطولة في تقدير ألفين ممالين وهذا الوجه هو المختار. الوجه الثاني أن يحذف الهمزة المسهلة فيجتمع ألفان فيحذف إحداهما فتبقى ألف واحدة ممالة. الوجه الثالث إبقاء الألف الأخيرة على حذفها في الوصل فتكون الهمزة على هذا متطرفة فتقف له، ولهشام على هذا بإبدال الهمزة لهشام ألفا ولحمزة ياء لأنها سكنت للوقف وانكسر ما قبلها فتمد على تقدير ألف ممالة بعدها ياء ساكنة. الوجه الرابع تراينا بكسر الراء وإبدال الهمزة ياء وهو
ضعيف وأما الكسائي فإنه إذا وقف أمال الألف الأخيرة إمالة محضة وأمال فتحة الهمزة قبلها وهم على أصولهم في باب المد وقوله: «وأعمى في الأسرا حكم صحبه أولا». أخبر أن المشار إليهم بالحاء وصحبة في قوله حكم صحبة وهم: أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة أمالوا أعمى أول موضعي سبحان وقوله: أولا ليس برمز وإنما هو بيان موضع أعمى:
وما بعد راء شاع حكما وحفصهم ... يوالي بمجراها وفي هود أنزلا
أخبر أن ما وقع بعد الراء من الالفات المتقدم ذكرها أعني مما انقلب عن الياء أو كان للتأنيث أو للإلحاق نحو القرى وأدرى، وقد نرى وأسرى وذكرى وبشرى أماله المشار إليهم بالشين، والحاء في قوله: شاع حكما وهم حمزة والكسائي وأبو عمرو، ونبه بقوله شاع حكما على شهرته عن العرب والقراء ثم قال وحفصهم: أخبر أن حفصا يواليهم أي يتابعهم ويوافقهم في إمالة مجراها في هود ولم يمل غيره:
ناي شرع يمن باختلاف وشعبة ... في الإسرا وهم والنّون ضوء سنا تلا
أخبر أن الألف من ونأي بجانبه في فصلت أمالاها المشار إليهما بالشين في قوله:
شرع وهما حمزة والكسائي بلا خلاف وأن المشار إليه بالياء في قوله: يمن وهو السوسي أمال الألف بخلاف عنه أي عنه وجهان الإمالة والفتح، والفتح عنه أشهر ثم قال: وشعبة في الإسرا وهم أي وأمال الألف من ونأى في سورة سبحان شعبة وهؤلاء المتقدم ذكرهم أي وهم حمزة والكسائي والسوسي يعني على ما تقدم للسوسي من الخلاف ثم قال والنون إلخ.
أخبر أن إمالة النون من ونأى في السورتين للمشار إليهم بالضاد والسين والتاء في قوله:
ضوء سنا تلا وهم خلف وأبو الحارث والدوري عن الكسائي.
توضيح: القراء على خمس مراتب في السورتين: قالون وابن كثير والدوري عن أبي عمرو وهشام وحفص عن عاصم وابن ذكوان على فتح النون والهمزة والألف في السورتين لكن ابن ذكوان يؤخر الهمزة عن الألف لأنهم لم يذكروا فتأخذ لهم ضد الإمالة وهو الفتح وورش يميل الألف والهمزة قبلها بين بين بخلاف عنه لأنهما من ذوات الياء، وخلاد بإمالة فتحة الهمزة فقط
стр. 109
في السورتين والسوسي أيضا، كذلك بخلاف عنه في السورتين وشعبة يميل الألف والهمزة قبلها في سبحان فقط وخلف والكسائي يميلان الألف والهمزة قبلها والنون في السورتين والشرع المذهب والطريقة واليمن البركة والسنا النور وتلا تبع يشير إلى أن إمالة النون تبع لإمالة الألف:
إناه له شاف وقل أو كلاهما ... شفا ولكسر أولياء تميّلا
أخبر أن المشار إليهم باللام والشين في قوله له شاف وهم هشام وحمزة والكسائي أمالوا الألف من ناظرين إناه، وأن المشار إليهما بالشين في قوله شفا وهما حمزة والكسائي
أما الألف من كلاهما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣]، ثم بين سبب الإمالة فقال ولكسر أولياء تميلا أي تميل الألف من كلاهما لوجود الكسرة أولا نقلا به عن ياء:
وذو الرّاء ورش بين بين وفي أرا ... كهم وذوات اليا له الخلف جمّلا
الرواية هنا وذو الراء ورش يمد الراء ورفع ورش من غير لام وفي يونس وذو الرا لورش قصر الراء وجر ورش بلام الجر. أخبر أن ورشا قرأ ذا الراء من ذوات الياء بين بين أي بين لفظي الفتح والإمالة المحضة وعنى بقوله وذو الراء ما كانت الألف الممالة المتطرفة بعد الراء نحو القرى والذكرى وبشرى وهو الذي أماله أبو عمرو جميعه وهو المأخوذ من قوله: وما بعد راء شاع حكما ولا يدخل في ذلك ما بعد راء ترآءى الجمعان فإنها ليست بمتطرفة. واعلم أن جميع ما أماله ورش عن نافع بين بين إلا الهاء من طه وقوله: وفي أراكهم وذوات الياء له الخلف. أخبر أن ورشا عنه خلاف في قوله تعالى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً، روى عنه فيه وجهان: الفتح والإمالة بين بين ولم يختلف عنه في إمالة ما عداه مما فيه راء وكذلك اختلف عنه فيما كان من ذوات الياء من الأسماء والأفعال مما ليس فيه راء روى عنه فيه وجهان: الفتح والإمالة بين بين وليس يريد الناظم بقوله: وذوات الياء تخصيص الحكم بالألفات المنقلبات عن الياء فإن إمالة ورش أعم من ذلك فالأولى حمله على ذلك وعلى المرسوم بالياء مطلقا مما أماله حمزة والكسائي أو انفرد به الكسائي أو الدوري عنه أو زاد مع حمزة والكسائي في إمالة غيرهما نحو أعمى ورمى ونأى وإناه وفعلى وفعالى كيف تحركت الفاء وأنى ومتى وعسى وبلى وأزكى ويدعى وخطايا ومزجاة وتقاة وحق تقاته، والرؤيا كيف أتت ومحياي ومثواي وهداي كل هذا ونحوه لورش فيه وجهان:
الفتح والإمالة بين بين إلا كمشكاة ومرضاة ومرضاتي والربا حيث جاء فإن ورشا قرأها بالفتح لا غير، وأما أو كلاهما فالخلاف الواقع في لفظه يقتضي احتمال الوجهين أعني الفتح والإمالة بين بين وقيل فيه عن ورش بالفتح لا غير:
стр. 110
ولكن رءوس الآي قد قلّ فتحها ... له غير ما ها فيه فاحضر مكمّلا
أخبر أن ورشا أمال رءوس الآي في الإحدى عشرة سورة التي تقدم ذكرها لا يجري فيها الخلاف المذكور لورش بل قراءته فيها على وجه واحد وهو بين اللفظتين وعبر
عن ذلك بقوله: قد قل فتحها أي فتحها ورش فتحا قليلا وتقليل الفتح عبارة عن الإمالة بين بين ويستوي في ذلك ذوات الواو وذوات الياء ثم استثنى ما وقع فيه بعد الألف هاء مؤنث فقال غير ماها فيه يعني فإنه لا يعطي حكم آي السور المذكورة وإنما يعطي حكم ما سواها وحكم ما سواها أن يفتح ما كان من ذوات الواو قولا واحدا نحو عفا وشفا ويقرأ بين اللفظين ما كان من ذوات الياء وقبل ألفه راء قولا واحدا نحو ترى ويقرأ بالوجهين ما كان من ذوات الياء وليس قبل ألفه راء نحو هدى والهدى وليس في الآي المذكورة من ذوات الواو إلا
ضحاها وطحاها وتلاها ودحاها في اللغة الفاشية فتقرأ بالفتح وليس فيها من ذوات الياء وقبل ألفه راء وبعده هاء إلا ذكراها فتقرأ بين بين وما عدا ذلك فجميعه من ذوات الياء مما ليس قبل ألفه راء وذلك نحو بناها وسواها ومرعاها وشبه ذلك فتقرأ بالوجهين فهذه ثلاثة أقسام وقوله فاحضر مكملا: أي أحضر مجالس العلم بقلبك وقالبك لتنال الفوائد والله أعلم.
وكيف أتت فعلى وآخر آي ما ... تقدّم للبصري سوى راهما اعتلا
أخبر أن ما كان على وزن فعلى كيف أتت بفتح الفاء أو بكسرها أو بضمها نحو تقوى وإحدى ودنيا وآخر آي السور الإحدى عشرة المتقدم ذكرها كيف أتت من وجود ضمير المؤنث فيها أو عدمه نحو بناها وطحاها وفسوى وفهدى كل هذا ونحوه يقرأ لأبي عمرو بين بين ثم استثنى من
следующие страницы →