Полный текст (149 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الشفعة
الشفعة في أصل توت
وسئل في أصل توت مشترك، باع أحد الشريكين حَظَّهُ، فأراد الآخر الشفعة فيه؟
فأجاب: لا شفعة في ذلك على رواية ابن القاسم، وهو المشهور.
سقوط الشفعة
وسئل في فدان مشترك بين أختين محجورتين، فباعت وصي البنت الواحدة على محجورتها النصف الواحد منه لجهة معينة، ثم إنَّ البنتَ الأُخرى قامت بعد أربعة أعوام تريد الشفعة فيما بيع على أختها من ذلك.
فهل تجب لها أم لا؟
فأجاب: لا تثبت الشفعة فيما سئل عنه أعلاه، وبيع الوصي نافذ إلا أن يثبت أنه لمْ يُوافق السَّدَاد.
стр. 107
لا حق في الشفعة في الماء
وسئلفي رجل باع شِرْبَ ماءٍ كان لأخته منه الخمس فأرادت أخذه بالشفعة.
هل لها ذلك أم لا؟
فأجاب: لا شفعة في الماء، قاله ابن سراج.
стр. 108
الشركة والمزارعة
الشركة في عقد اللبن جُبناً
وسئلعن رجلين يشتركان في عقد اللبن، فيجعل هذا من اللبن كيلاً معلوماً ويجعل الآخر بقدر ذلك، ثم يعقدانه جُبْناً ويقتسمانه عند نهوضه جبناً؟
فأجاب: المسألة تجري على الخلاف في خلط الجلجلان والزيتون في المعصرة، والذي يترجح - والله الموفق - جوازُها للحاجة، لكن بشرط أن يُكال اللبن عند الخلط، ويقسم الجبن على حسبه.
الشركةُ في غلة الزيتون
وسئل في الشركة في غلة الزيتون على أن يقول الرجلُ
стр. 109
للرجل: اخدمْ في أصل الزيتون بالموضع بكذا، وأعطيك من غلتها كذا: الربع أو ما يتفقان عليه؟
فأجاب: إن كانت الغلةُ لم تطلب، وعامل صاحب الأرض الآخر على أن يخدمه ويسقيه وغير ذلك، فهي مساقاة جائزة.
وإن كان عامله بعد طيبها على جمعها بالربع فهي ممنوعة، لأنها إجارة مجهولة، إلا أن يحزراها ويخمناها ويكونان عارفين بذلك، أو يقدما عارفا، فيجوز وتكون إجارة بالربع بعد علمه بالتقدير.
الشركة في دودة الحرير
وسئل عن علوفة دودة الحرير وشركتها وإجارتها؟.
فأجاب: عن المسألة: إذا كانت الورق لإنسان فدفعها لآخر يعلف عليها على الثلث للعلاف والثلثين لرب الورق والزريعة بينهما كذلك والمؤونة كلها على العامل، بما نصه:
الشركة في العلوفة إذا وقعت على الوجه المذكور يظهر أنها جائزة بشروط:
الشرط الأول: أن تكون الورق قد ظهرت وبدا صلاحُهَا.
الشرط الثاني: أن ينظر إلى الورق ويحْرزها ويعلم مقدارها بالحزر والتخمين.
стр. 110
الشرط الثالث: أن يشترطا أنهما إن نفدت الورق واحتاجا إلى ورق آخر أنْ يشترياها مَعاً من غير أن يختص أحدُهما بشراءٍ دون الآخر.
الشرط الرابع: أن يكون العمل معلوماً إما بالشرط وإِمَّا بالعادة.
الشرط الخامس: إن احتاجا إلى شراء ورق أن يكون العمل معلوماً بينهما على حسب الشركة كما كان الشراء بينهما كذلك، فإذا لم تتوفر هذه الشروط فتمتنع، وإن توفرت فيظهر، والله أعلم، أنها جائزة قياساً على المزارعة وإن كانت رخصة. والقياس على الرخص مختلف فيه، ولكن البناء على القول بجوازه ظاهر في مسألتنا للضرورة والحاجة إليه، ولما يؤدي إليه من إضاعة المال في بعض الأحوال إن لم يعمل به وقد علمنا من أصل الشرع مراعاة هذه المصالح في المزارعة والقراض والمساقاة، فكذلك مسألتنا. وقد قال مالك رضيالله عنه - في بعض المسائل: لا بد للناس مما يصلحهم، فظاهر هذا الكلام أنه تُراعى مصلحة الناس إذا كانت تجري على أصل شرعي.
وروى سحنون أنه أجاز للرجل أن يدفع ملاحته لمن يعمل فيها بجزء معلوم منها، وإن كان بعض أشياخ المذهب اعترضها، لأنها إجارة بجزءٍ مجهول، وهذا بناءً على الأصل، وسحنون رحمهالله راعى ما تقدم من الضرورة فيها والحاجة إليها، وروى ابن رشد المنع في مسألة الملاحة إن سموها إجارةً، والجواز إن سموها شركة، وإن وقعت بلفظ محتمل تتخرج على قولين فأجاز ابن رشد المعاملة فيها إن سموها شركة وقول سحنون
стр. 111
فيها دليل على جواز مسألتنا، لما تقدم من شدة الحاجة إلى ذلك.
ورأيت في بعض النوازل أنه حُكي عن أصبغبن محمد أحد فقهاء الأندلس المنع
من مسألة العلوفة وإن اشتركا في الزريعة، إلا أن يبتاع العامل من صاحب الورق منها جزءاً على قدر حظه من الزريعة بثمن معلوم يتفقان عليه يخدم صاحب التوت حظه من الزريعة أو يستأجر العامل على خدمة ذلك بشيء معلوم من غير الحرير الذي تخرجه، وما تقدم من الجواز بالشروط المذكورة هو البين، والله أعلم، لما تقدم، وأيضاً فإن إجارتَه لذلك إذا ابتاع العاملُ من الورق جزءاً بثمن معلوم يتفقان عليه واستأجره صاحبُ الورق في حظه من العمل بإجارةٍ معلومةٍ إذا كان ثمن ما ينوبه من الورق مساوياً لما يعمل له العامل في الورق يرجع في المعنى إلى ما قررته لأنه إن أجاز المقاصَّةَ بينهما فقد آل الأمرُ إلى ما ذكرته، وإن لم يجز المقاصَّةَ فإذا أعطى كل واحد ما قبله من الثمن فقد آل أحدهما أيضاً إلى ذلك، وإظهار الثمن لا معنى له، وقاعدة المذهب: اعتبار ما دخل باليد وما خرج منها، ولست على يقين مما روي عن أصبغبن محمد لأنه منقول في بعض النوازل وإنما يقلد الإمام فيما ينقل عنه بالرواية الصحيحة أو بالاستظهار، وكلاهما معدوم في مسألتنا فيبني على ما تقدم مما يدل على جوازها.
стр. 112
وسئل عن الشركة في العلوفة على أن يكون الورق على واحد وعلى الآخر الخدمة، وتكون الزريعةُ بينهما على نسبة الحظ المتفق عليه؟
فأجاب: العلوفة على الوجه المذكور المسؤول عنها أجازها بعضُ الفقهاء فمن عمل به على الوجه المذكور للضرورة وتعذر الوجه الآخر فيرجى أن يجوز.
جواب آخر: وأما السابعة وهي مسألة العلوفة بورق التوت على ما جرت به عادة الناس عليه اليومَ، فإن كان يجد الإنسان من يوافقه على وجه جائز مثل أن يقلبَ العاملُ الوَرقَ ويشتري نصفَهَا مثلاً من صاحبها بعمله، وما يحتاج إليه من الورق إن نَفَدَتْ تلك يشتريانها معاً أو يشتريها صاحبُ الورق من غير شرط في أول المعاملة أو يشتريها وحده بدفع نصفها له مثلاً بنصف عمله، فإنْ وجد من يعمل
هذا فلا يجوز له أن يعمل ما جرت به عادةُ الناس اليوم على مذهب مالك وجمهور أهل العلم، ويجوز على مذهب أحمدبن حنبل وبعض علماء السلف قياساً على القراض والمساقاة، وأما إن لم يجد الإنسانُ من يعملها إلا على ما جرت به العادة، وتركُ ذلك يؤدي إلى تعطيلها ولَحِق الحرجُ وإضاعة المال، فيجوز على مقتضى قول مالك في إجازة الأمر الكلي الحَاجيِّ.
стр. 113
من صور المزارعة
وسئل فيمن دفع أرضاً لمن يعملها له بالربع على أنْ لا يلزمه بشيء من المناب، فلما نَضَّ الفائدُ طلبه الشركاءُ بالربع من إجارة حراسة الخنزير.
فهل يجب عليه ذلك أم لا؟
وهل يجب له الربع من التبن أم لا؟
فأجاب: ما ناب من إجارة في حراسة الخنزير فهو بين رب الأرض والعامل، ولرب الأرض حظُّهُ من التبن على القدر الذي يأخذ من الحب، ويجب عليه من الدرس بقدر حظه، إلا إن كان اشتُرط الدرسُ كله على العامل فيكون عليه خاصة، ولا يجوز أن يشترط في أصل العقد أن يكون التبنُ كلُّه للعامل في مقابلة الدرس.
стр. 114
الإجارة والكراء
إجارة نساج بالقمح
وسئل فيمن دفع لقزَّازٍ قمحاً على أن ينسج له أذرعاً معلومة مع غزل كتان وصفه له، لانقضاء أمد بعيد؟
فأجاب: إن كان على الشروع أو يشرع لأجل قريب، مثل خمسة أيام، فيجوز تعجيل النقد بالشرط وغير تعجيله، وسواء كان الأجل قريباً أو بعيداً، أعني أمد الإجارة، وأما إن لم ينقد فيجوز تأخير الشروع، إن كان الأجير مُعيَّناً وإن كان مضموناً وتأخر الشروع أكثر من ثلاثة أيام فلا يجوز، لأنه ديْنٌ بديْنٍ.
стр. 115
الأجرة من لحم الضحايا
أما الأولى وهي المستأجر في البناء والحصاد وغزل الحرير إذا اشترطوا في إجارتهم الإدام، فلا يجوز أن يُعطَوْا من لحمِ الضحايا، إلا أن يُعطوا الإدامَ الواجبَ ويُطعَمُوا منها على وجه الهدية.
وأما الأجير في الدار فقد يُستخف للضرورة، من جهة الاستحسان.
كما يجوز أن يُطعم منها الكافر في الدار، ولا يجوز أن يُمَكَّنَ من الخروج بها، ولا أن يُرْسَلَ شيءٌ منها إليه.
أكل الرجل من أجرة رضاع امرأته
وأما الرابعة فيجوز للرجل أن يأكل ما تأخذه امرأتُه في أجرة رضاعها.
حيازة أجير ما صيرته له مؤجرته
وسئل عن رجل خدم امرأةً نحو ثماني عشرة سنة، فأشهدت له بمائة دينار واحدة وثمانين ديناراً من الذهب عن إجارته في مدة خدمته لها، وصيرت له في ذلك ملكاً من أملاكها، رضي به في العدد
стр. 116
المذكور وبقي تحت يدها بعد التصيير نحو
أربعة أعوام فتغله.
فأجاب: الدين ثابت والتصيير مرود، قاله ابن سراج.
إجارة السفينة بجزء مما تحمله
وسئل عن مسألة درج عليها أهل الأساطيل، وذلك أنه يتعذر عليهم تسفيرها بالإجارة المعلومة، ليس في الأندلس من يسافر بالإجارة، فمن رام ذلك أو دعا إليه إرادةً منه أن يخرج عن فعلهم لم يجده أو كاد. وكيفية فعلهم الآن: إن قدمت السفينةُ يسافرون بها ذاهبةً وراجعة، وما اجتمع فيها من كراء زرع وسمن وركاب وأثقال يأكلون منه، وما بقي يقتسمونه على نسبة حق لهم من نصف أو ثلث، والجزء الآخر لأرباب السفينة. فهل يمتنع ذلك لما فيه من الجهل أو يجوز لتعذر من يسافر بها بالإجارة المعلومة؟ كيف والقطر الأندلسي لا يخفى حالُه، والحاجة فيه إلى الطعام، وجل طعامه الآن من البحر. وكثير من أهل الفضل يروم التسبب
стр. 117
في إنشاء سفينة أو شرائها والمشاركة في ذلك، ويمنعه من ذلك كراؤها على الوجه المذكور، والحال في الوطن لا يخفى والضرورة فيه ظاهرة، وإن كانت المسألة أخف إذا تُركَتِ النفقةُ، فربما يمكن تركها ويراد فيه الخدمة في الجزء؟
فأجاب: إذا كان الأمرُ كما ذُكر في السؤال فإنه يجوز إعطاء السفينة بالجزء نصفاً أو ثلثاً أو ربعاً أو غير ذلك من الأجزاء للضرورة الداعية لذلك لأنه قد عُلم من مذهب مالك رحمهالله مراعاةُ المصلحةِ إذا كانت كُلِّيَّةً حاجيَّةً وهذه منها.
وأيضاً فإن أحمدبن حنبل وجماعةً من علماء السلف أجازوا الإجارة بالجزء في جميع الإجارات قياساً على القِراضِ والمساقاة والشركة وغيرها مما استُثنيَ جوازُهُ في الشرع.
وقد اختُلف في جواز الانتقال من مذهب إلى آخر في بعض المسائل، والصحيح
من جهة النظر جوازُهُ.
стр. 118
ويعضد الجوازَ في هذه المسألة خصوصاً ما تقدَّمَ في أنها تجري على أصل مالك في جواز المصلحة الكلية الحاجية.
ووجه آخر مما يدل على الجواز: ما ذكره الشعبي عن أصبغ أنه سُئل عن رجل يستأجر أجيراً على أن يعمل له في كرم على النصف مما يخرج من الكرم أو ثلثه أو جزء منه؟ قال: لا بأس بذلك.
قيل له: وكذلك جميع مما يضطر إليه، مثل الرجل يستأجر الأجير يحرس له الزرع وله بعضه؟ قال: يُنظر إلى أمر الناس إذا اضطرُّوا إلى ذلك في أمر لا بد لهم منه ولا يوجد العملُ إلا به فأرجو أن لا يكونَ به بأسٌ إذا عَمَّ ولا تكون الإجارةُ إلا به. ومما يبين ذلك مما يُرجع فيه إلى عمل الناس وإلى سنتهم ولا يجدون منه بُدٍّا مثل كراء السفن في حمل الطعام انتهى.
وهذا نَصٌّ في مسألتنا مع ما تقدم فيترجح الجوازُ في المسألة، والله أعلم.
стр. 119
إجارة على خدمة الجباح بجزء من غلتها
سئل عن إعطاء الجباح لمن يخدمها بجزءٍ من غلتِها؟
فأجاب: هي إجارة مجهولة.
وكذلك في الأفران والأرْحَى، وإنَّمَا يجوزُ ذلك من يستبيح القياسَ على المساقاة والقراض، وحكي هذا عن ابن سيرِين وجماعة.
وعليه يُخْرَجُ اليوم عملُ الناس في أجرة الدلاَّل لحاجة الناس إليه، وعليه الضمان لقلة الأمانة وكثرة الخيانة، كما اعتذر مالك بمثل هذا في إباحة تأخير الأجرة في الكراء المضمون في طريق الحج، لأن الأكرياء ربما لا يوفون. فعند مالك هذا ضرورة.
كراء المناسج
وسئل عن أهلِ صنعةِ الحِيَاكة، وذلك أنهم كانوا يكترون المناسج من النَّيَّارِين على عمل معلوم وأجرة معلومة، من غير أجل، فمُنعوا من ذلك، وقالوا: لا يجوز ولا يكون الكراء إلا لأجلٍ معلوم وأجرةٍ معلومة وكراء معلوم، وأنه يلغى في ذلك أنهم يعقدون الأجرة لأجل معلوم كالشهر ونحوه والجمعة ونحوها، ومع ذلك يقول النيار للصانع: إن عملتَ مثلاً
стр. 120
مِلْحَفَةً واحدةً إلى ذلك الأجل تعطني خسمة دراهم، وإن عملت اثنين تعطني عشرة؛ وقد لا يقول النيارُ شيئاً، على ما ذكر بعضُهم، ولكنه إذا جاءه بالمنسج يقول له: ما عملت فيه؟ فإن قال له: ملحفةً واحدةً، أخذ منه خمسةَ دراهم، وإن قال له اثنين: أخذ منه عشرة دراهم.
فهل يجوز ما قصدوه من جهة الفقه أم لا؟
وهل بنوا على وجه صحيح سائغٍ من جهة الفقه فيما مضى علينا من السنين الماضية؟.
فبينوا لنا ذلك وأجركم على الله.
وجوابكم رضي الله عنكم في مسألة ثانيةٍ أنَّ أهلَ الصناعة المذكورة كانوا إذا جاءهم صاحب شغل اتفقوا معه على أجرةٍ معلومةٍ، فإذا تمَّ الشغلُ أخبر بقدر ما نقص من غزله في خدمة الشغل وبقدر البجول كذا الذي بقي في المنسج فيسلم في ذلك من غير اعتراض لكون أصحاب الأشغال يعرفون ذلك عادةً وعرفاً، لا بد من ذلك للضرورة، فبيّنُوا لنا ذلك متفضلين، ثم بعد ذلك يحْملون المنسج ويأخذون آخر غيره، فلا الحائك يذكر البجول له الذي بقي في المنسج ولا النيار يذكر بجوله الذي في منسجه للحائك ويبقى عنده؛ فهل يجوز له تملكه أم لا؟ بينوا ذلك من جهة الفقه وثوابكم عندالله عظيم.
فأجاب: العمل الذي كان الناس عليه فيه إشكالٌ من وجهين:
الأول: ما فيه من بيع وسلف على مقتضى المذهب، إنَّ سلَمَ الشيءِ في مثلِهِ سلفٌ
والإجارة كالبيع.
الوجه الثاني: ما فيه من الغرر بعدم وصف البجول الثاني، وليس ما جرى به العمل في ذلك بالحرام البيّن ولا بالمنكر المجمع على منعه، بل يتخرج جوازه من أقوال عاليةٍ ومذهبية.
أمَّا أوَّلاً ففي اللخمي ما نصه: قال الشافعي يجوز بيعُ ثوبٍ بثوبين
стр. 121
مؤجلة؛ فعلى هذا يجوز أن يبيعه عبداً بمائة دينار ويسلفه ثوباً، لأنَّ التقديرَ: عبد وثوب، هذا بمائة دينار وثوب مؤجل انتهى.
وهو كالنص في المسألة.
وأيضاً فمن المشهورات عن أبي حنيفة جواز بيع سلعةٍ ودراهمَ بسلعةٍ ودراهمَ إلى أجل يوزع ذلك، لأن الوجه الجائز بجعل الدرهم المؤجل في مقابلة السلعة المؤجلة والسلعة المعجلة في مقابلة الدرهم المؤجل.
وقصارى ما يكون البجول في المسألة هذه كالدرهم في مسألة أبي حنيفة، فإذا وزعت على الوجه الجائز جعلت البجول الأول في مقابلة الدراهم، والبجول الثاني في مقابلة المنافع، وقد راعى ابن القاسم، رحمهالله، في هذا الباب. أعني سلف العروض في مثلها - هذه الطريقة من التوزيع على الوجه الجائز، فقد أجاز سلم فسطاطية في فسطاطيتين مثلها إحداهما معجلة والأخرى مؤجلة جعل المعجلة في مقابلة المؤجلة والمؤجلة هبة، ولا يجوز في المذهب سلم درهم في درهمين أحدهما معجل، وأيضاً فإنما كان يتصور سلف البجول في هذه النازلة متمماً لو كان خارجاً عن النسج، وأما وهو به منتظم مرتبط فلا يتبين في ذلك البيان إنما هو جزء من المنسج الذي وقعت الإجارة عليه؛ وابن الماجشون وسحنون قد أجازا
стр. 122
بيع السيف المُحَلَّى بجنس ما حُلِّي به إلى أجل وهما لا يجيزان البيع والسلف.
وهذه المسألة أشبه شيء بمسألتنا، إذ حاصلها أنَّ السيفَ مثلاً قد اشتمل على
عرض ونقد أخذ في مقابلته نقداً. والنقدُ بالنقد عين السلف، ولم يراعه مجيزُ هذه المسألةِ، ولا أذكر أيضاً من اعتلَّ لمنعها بأنه بيعٌ وسلف، بل قد راعى في المدونة القول بالجواز حيث أمضى البيع في المحلَّى بتفصيل حليته، وإنما كرهه مالك ولم يشدِّدْ فيه الكراهة، وكأنه نُحِيَ به ناحية العروض، هكذا في المدونة.
فإن قلتَ: إنما جاء هذا فيما تكون حِليته تبعاً: الثلث فأدنى؟
فالجواب: أن المتلقي من السائلين هو أَنَّك إذا نظرتَ إلى ما يخص البجول من الكراء وقيمة البجول الثاني وجدته الثلث فأقل على كل تقدير.
فإن قلت: إن المُحَلَّى كله بحليته معه فيتبع بعضه بعضاً، وهذه ليست كذلك فإن البجول مبيع والمنسج مكترى؟
فالجواب: أنه لا ينبني على هذا شيء، فحكم عقدة الكراء - كحكم عقدة البيع، وقد أجازوا كراءَ الدار واشتراطَ غلةِ شجرتها، وإن لم تُخلق غلتُها، أو لم يبد صلاحُها، وهي - أعني المسألة - قد اشتملتْ على كراءٍ وبيع، ألغي المبيعُ لكونه تبعاً للكراء، وفي مسألتنا - إذا ألغيتَ المبيعَ ارتفع
стр. 123
مانعُ السلف، وكذلك أجاز في المدونة كراءَ البقرةِ للحرث واشتراط لبنها، وهي أيضاً قد اشتملتْ على كراءٍ وبيع أُلغي اللبن لما كان تابعاً لكراء البقرة، وهذه أيضاً مثل مسألتنا، بل كان المنعُ إليها أقرب، إذ بيع لبنِ بقرةٍ على انفراده لا يجوز.
أما ثانياً فلأنَّ عدم وصف البجول الثاني فيه غرر لا ربا فيه، وإنما هو من الغرر، وله حكمه، ومن حكمه اعتفارُهُ إذا كان يسيراً غيرَ مقصود، أما يسارتُه فبينةٌ لأنَّ المنسج مما يضبط رِقة البجول أو خشونته وكذلك يضبط عرضه، وإنما يبقَى غيرَ معلوم طولُه، وذلك عندهم غير كثير، ولأنَّ العادةَ إذا جرت بالمسامحة فيه وعدم المناقشة والرضى به أيًّا ما كان، فهي غيرُ مقصود، كما ذكر في السؤال، ولأنه تبع أيضاً لغيره، والغرر أيضاً في الأتباع ليس منعه بذلك، فقد
أجازوا بيع الثوب في داخله القطن، ولا يجوز بيعُ القطن وحده غير مرئيٍّ.
الباجي والمازري: يجوز الغرر اليسيرُ غير المقصود، وأصله جواز بيع الثمرة بعد بدوِّ صلاحها، وإن كانت العاهة غير مأمونة، والشرب من فم السقي والناس يختلفون في مقدار حاجتهم.
هذا وللنظر أيضاً في هذه المسألة مجالٌ لِمَا تقرَّرَ من أنَّ مذهب مالك - رضيالله عنه - القولُ بالمصالح المرسلة وهي أن تكون المصلحةُ كليةً محتاجاً إليها، كقوله بجواز تأخير الإجارة في الكراءِ المضمونِ - أعني كراء الدابة إذا نقد الدينارُ أو نحوه، وعلَّله بأنَّ الأكرياء اقتطعوا أموال الناس، فانظر كيف أجاز بالتَّبَع للضرورة، فمن باب أولى أن لا يمنعَ بالتبع إذا كانت الضرورةُ موجودة، إلى غير ذلك من المسائل التي اعتلَّ في إجازتها بحاجة
стр. 124
الناس إليها كالردِّ في الدرهم وخلْط الذهب في دار الضرب وقسمته بعد تصفيته، وخلط الزيتون في المعصرة واقتسام الزيت، وقد ذكر الشعبي عن أصبغ أنَّهُ سُئِلَ عن الرجل يستأجرُ الأجيرَ على أنْ يعملَ لهُ في كرمٍ على النصف مما يُخرجُ الكرمُ أو ثلثه أو جزء منه؟ فقال: لا بأس بذلك؛ وقال: ينظر إلى أمرِ النَّاسِ فما اضطروا إليه مما لا بُدَّ لهمْ منه ولا يجدون العمل إلا به فأرجو أن لا يكون به بأس إذا علم، ولا تكون الإجارة إلاَّ به، ويرجع ذلك إلى سُنَّةِ الناسِ وإلى أعمالهم.
فهذا ما حضر من الجواب على سؤالكم عما جرت به عادةُ الناسِ من قبل، ولست ممن يقول بجبر الناس على البقاء عليه، ولا بإكراههم على ذلك، بل يكري كل واحد ما له كيف شاء لا سيما إذا كان في الأمر اشتباهَّ وإشكال.
وأما الإجارة إلى أجل معلوم إن عمل فيه ملحفةً واحدةً دفع خمسة، وإن عمل اثنين دفع عشرة فلا يجوز، لأنه من وجه بيعتين في بيعة والسلام على من يقف عليه من كاتبه محمدبن سراج وفقهالله.
كراء مسكن مع بيع ثمار لم يبد صلاحَها
وسئل عن الرجل تكون له الكرم يجيئه مشتري العصير فيقول له: اكترى منك المسكن وما يتصل به من رحبة وموضع جنان إن كان فيه، فإذا طابت صائفته باعه منه، فيبيع منه الحب إذا بدا صلاحه، ثم العبقر، ثم
стр. 125
التفاح، ثم الإِجَّاص والباكور، شيئاً بعد شيء إلى أن يتم جميع ما في الكرم من الثمر حزراً من بيع الفاكهة قبل بدو صلاحها، إلا أن الضمائر منعقدة على بيع ذلك كله، إذ المعلوم من العادة أن المكتري الرحبة لم يكن ليعطى في ذلك ثمناً حتى علم أنه لا بد أن يشتري الفاكهة كلّها.
فأجاب: أما هذه المسألة فلا تجوز، لأن الثمرة التي لم يبد صلاحها نابها حصة من كراء الرحبة، لكن أجاز اللخمي وشيخه السيوري بيع الثمر قبل بدو صلاحها إذا لم ينقد الثمن أو وقف إلى بدو الصلاح وأمنت هذه العلة التي علّل بها النبيصلى الله عليه وسلم المنع.
стр. 126
الرهن
بيع المرتهن الرهن
وسئل في بيع المرتهِن الرهْن دون إذنٍ من الراهن، ولا من القاضي، بل يمقتضى الشرط الواقع في رسم الرهن؟
فأجاب: المرهون عنده إن جعل له الراهنُ أنه أقامه في بيعه مقام الوكيل المفوَّضِ إليه في الحياة، والوصي بعد الممات كان له بيعه. وإن لم يجعل له هذا في عقد الرهن فلا يبيعه إلا بمشاورة الراهن أو القاضي، فإن لم يفعل وباع من غير مشاورة فينظر القاضي في ذلك، فإن ثبت أنَّ البيع سداد مضى، وإلا رده.
اشتراط منفعة الشجر في الرهن
وسئل فيمن باع من أحدٍ حريراً لثلاثة أعوام، ورهن بيده في ذلك أصل توتٍ مشترطاً المنفعة؟
فأجاب: إن كان أصلُ التوتِ قد بدا صلاحُ ورقه، وكان الرهنُ لعامٍ
стр. 127
واحد، فهو جائز؛ وإلا فهو فاسد وتفسخُ المعاملةُ ويُردُّ الحريرُ أو مثله ويغرم قيمة الورق. وذلك إذا كان الرهنُ في أصل العقد.
فأمَّا إن كان بعده فيفسخُ الرهنُ خاصَّةً.
стр. 128
الضرر والضمان
شجرة توتٍ قائمةٌ على ملك الغير
وسئل فيمن له أصلُ توتٍ على ملك غيره، فوقع الأصلُ وامتدَّ على الفدَّانِ، وصاحبُ الفدَّانِ يطلب ربَّ الأَصْلِ بإزالَتِهِ أو قطعِهِ.
فما الحكم في ذلك؟
فأجاب: لصاحب الفدَّانِ أنْ يأمرَ صاحبَ التوتةِ بإزالة ما يؤذيه منها بقطعٍ أو غيره.
إحداثُ برج الحمام
وسُئِل عمَّنْ أرادَ إحدَاث برجٍ واتخاذَ حمَام؟
فأجاب: اتخاذُ الحمامِ في الأبراج جائز، مضى عليه العملُ؛ قاله اللخمي.
قال مالك: من أمر الناس اتخاذُ الأبراج، لكن هذا إذا لم يضر بغيره، مثل أن يجاوره فدانٌ لأحد فيضربه إذا زرع أو يحدث برجاً بقرب برج آخر فيأخذ له الحمام بسبب ذلك فيمنع من إحداثه. قاله ابن سراج.
стр. 129
تبدل الطعام في الرحى والفرن
وسئل في الذي يتبدل له زرعه بالرحى، فيأخذ زرع غيره على غلط ويأكله؟.
وكذلك الرجل يأخذ من الفرن قِدْرَ غيره ويأكلها، فما يجب عليه في ذلك إذا فعله، من غرم القيمة أو المثل؟
وكيف إن وجب عليه غرمُ المثلِ؟ هل تجوز المواعدة في ذلك؟
بينوا لنا الحكم في ذلك، ولكم الأجر والثواب، والله ينفعكم.
فأجاب: الواجب في ذلك القيمة، وإن رضي كل واحد منهما بالصلح على طعام من غير جنس طعامه مما يكون بينهما التفاضلُ جاز، بشرط أن يتعجل ذلك، ولا
يتأخر كثيراً إلا قدر أن يسوق من منزله وعاءً يحمله فيه ونحو ذلك، لئلا يكون فسخ دين في دين.
وأما أخذُ طعامٍ من جنسه فلا يجوز، إلا أن يتحقق أنه أكثر أو أقل، ورضي من له الزيادة، بتركها، لأن الأخذَ عن الطعام المستهلك لا يُمنع فيه التفاضل، فإن أخذ قدراً بالجَزْرِ يقدر أن يكون مثله أو أقل أو أكثر فلا يجوز، وإذا أخذ أقل أو أكثر فلا بد من التناجز أو التأخير اليسير، كما تقدَّم.
وأما المواعدة فيه من غير قطع فتجري على الخلاف في المواعدة في الصرف؛ والصحيح من جهة النظر جوازها.
стр. 130
أخذ قيمة التاليف من الأضحية
وسئل فيمن طبخ من أضحية قدراً في الفرن، فأخذ قِدر غيره، وأكله على غلط.
فهل يجوز للمأكول لحمُ قدرِهِ أخذُ الثمن أم لا؟
فأجاب: أخذ القيمة فيما أُتلف من الأضحية من لحمٍ أو غيره جائز على القول المشهور.
وأما أكل القِدر عوضاً من قدره قبل أن يعرفَ صاحبَهَا فهو مكروهٌ، وليسَ بحرام في الأضحية، لأنه لا يجوز بيعُها، فأشبه اللحم منها الملتقَط الذي لا يبقى ولا ثمن له.
وأما غيرُ الأضحية فلا يجوز، لأنه يُباع ويوقف ثمنه.
من شك هل بقي عليه حق لغيره
وأما المسألة الثالثة، فإذا لم يحقق أنه بقي عليه لأحد شيء ولم يطلبه أحد من معاملته بشيء فيسألهم: هل بقي لأحد منهم شيء؟ فإن طلبوه بشيء دفعه لهم وإلاَّ فلا يجب عليه شيء ويتصدق ويكثر من ذلك ما لم يضر به، فإن كان عليه تبعةٌ
لأحد لعلَّ أن يجد ما يوفيه منه في الآخرة من أجر الصدقة.
стр. 131
غرم الظالم ما تسبب في إتلافه
وسئل عمن اشتكى به إنسانٌ إلى قائد موضعه بالباطل فأغرم القائدُ المشتكَى به جُعْلاً، وهو يريد أن يأخذَ جعلَه ممن اشتكى به بالحكم الشرعي، لكونه تسبب في إتلاف ماله، فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إن ثبت أنَّ الرجلَ شكا الرجلَ الآخر إلى القائد وأغرمه بسبب ذلك، ولولا شكواه ما أغرمه القائد، فيغرم له ما أغرمه القائد، لأنه ظالم له ومتعد؛ هذا هو الصحيح عندي مما قيل في المسألة.
عدم ضمان جائحة البرد
وسئل عمن اكترى فداناً زرعه كتاناً فأصابه البَرَدُ حتى أعدم الكتانَ والمكتري يطالب بالكراء؟
فأجاب: يغرم المكتري الكراء كلَّه، ولا يحط عنه شيء بسبب جائحة البرَدِ، لأنه لا يقام في الكراء بالجائحة إلا إن كانت من الأرض وما يرجع إليها. قاله ابن سراج.
стр. 132
الأقضية والشهادات
دعوى في إجارة وكراء
وسئل فيمن خدم مع أخيه في شغل البادية مدةَ عشرين سنة وكان له أملاكٌ بيد المخدوم يستغلها بطول المدة المذكورة، وكان يجري عليه النفقة، ثم توفي الأخ المخدوم فقام الخديم يطلب أجرته من الورثة وكراء أملاكه؟
فأجاب: له إجارتُهُ وكراءُ أملاكه، ويرجع عليه الورثة بما أنفق عليه موروثُهُمْ.
من دفع لغريمه حريراً في دراهم
وسئل فيمن دفع لغريمه حريراً في دراهم كانت عليه، دون تعيين ثمن فباعه في غير موضع الأمانة بأقل مما هو يساوي بموضع الأمانة؟
فأجاب: إذا كان الأمرُ كما ذُكر فيغرم صاحبُ الحق الذي باع الحرير متعدياً قيمته التي يقوّمه بها أهلُ البصرِ والمعرفة يوم التعدي، وهو يوم البيع.
تنازع أرباب ساقية وأصحاب أرض
وسئل في ساقيةٍ على فدان هي مرفوعة من الفدان بنحو قامتين ولجانب الساقية طريق لجهة الفدان ونبت بجانب الطريق على الفدان ثمرات وقع فيها التنازع بين صاحب الفدان وأرباب الساقية؟
стр. 133
فأجاب: يُرجَعُ فيها لأهل البصر، فإن رأوا أنَّ تلكَ الثمرات لأحد المتنازعيْن فيها كانت له، وإن أشكل قُسِمَتْ بينهما.
بين دائن وغريمه
وسُئل فيمن أخذ لغريمه حماراً في حرير، وبقي عنده مدة؟
فأجاب: لصاحب الحمار أنْ يرجع بإجارة حماره على صاحب الديْن، ولصاحب الديْن أن يرجع على صاحب الحمار بقيمة علفه وإجارة مؤنته وعلفه.
تداع في صيغة طلاق
وسئل في رجل قال بمحضر شاهديْنِ من أهل موضعه لزوجته: تراها مخلصة يريد - بزعمه - من حقٍّ كان لها عليه، فقال أحد الشاهدين: ما قلتَ إلا مطلقة، وقال الآخر: ما عندي ما أشهد به في ذلك.
فهل يثبت الطلاق بالشاهد الواحد أو يكون القول قول الرجل على حسب زعمه؟
فأجاب: يحلف الزوج أنَّهُ ما أراد بقوله: مخلصة، إلا من الذي بقي لها قِبَلَهُ، وأنه لم يلفظ بمطلقة، ولا يلزمه شيء في الظاهر. وأما فيما بينه وبينالله تعالى فلا ينجيه إلاَّ الحَقُّ.
القيام بمظلمة
وسئل فيمن اشتكى به إنسانٌ إلى قائد موضعه بالباطل فأغرم
стр. 134
القائدُ المشتكَى به جُعْلاً ثقيلاً وهو يريد أن يأخذَ جُعْلَهُ مِن الذي اشتكى به بالحكم الشرعي، لكونه تسبب في إتلاف ماله.
فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إن ثبت أنَّ الرجلَ شكا الرجلَ الآخر إلى القائد، وأغرمه بسبب ذلك ولولا شكواه ما أغرمه القائد، فيغرم له ما أغرمه القائدُ، لأنه ظالم له ومتعد.
هذا هو الصحيح عندي مما قيل في المسألة.
تداع بين زوجةٍ وبين ورثةِ زوجها في حوائج وثياب
وسئل عن رجل اشترى لزوجه جملةَ حوائجَ من قصب ذهب وثوبي حرير وعقد جوهر وفرخة شرب، وغير ذلك ودفع ذلك كلَّهُ لزوجه المذكورة وألبسها إيَّاها على وجه المتعة والتمليك، ثم بعد ذلك اشترى قطيفتين ومطرحين وغير ذلك وجعل ذلك لداره، وبقيت الزوجة تلبس ما ساق لها وتتزيَّنُ به وتَمْتَهِنُ القطيفتين
والمطرحتين وغير ذلك مدةً أزيد من ثمانية أعوام، فلما توفي الزَّوْجُ في هذه الأشهر القريبة قام بعضُ ورثته يطلب ميراثه من جملة ما ذكر، ويدعيه ملكاً لموروثه.
فهل يجب للطالب من ذلك شيء مع بقاء ذلك بيد الزوجة هذه المدة، وسكوت الزوج مع علمه بامتهان ذلك كله ودفعه أوَّلاً على الوجه المذكور؟
فأجاب: إن ثبت أنَّ الزوجَ ملَّكَ زوجتَهُ تلك الحوائج كانت لها، وإلا فيحلف الورثةُ أنَّهمْ لا يعملون أنه ملَّكها إياها، ويقع فيها الميراث.
стр. 135
إشهاد كافلٍ ليتيمٍ بمالٍ في الصِّحَّةِ وفي المرض
وسئل في رجل كفل يتيماً فأشهد له بمالٍ في صِحَّته بمعزةٍ، وفي مرِضهِ بخمسين ديناراً فِضَّةً مِنْ أجرةٍ له، ثمَّ تُوفِّي فتنازع ورثتُهُ في ذلك؟
فأجاب: أما المعزة فتجب له، وأما الخمسون مثقالاً فإنْ كانت قدرَ أجرته الواجبةِ له فتجب في رأس ماله، وإنْ كانت أكثر مما يجب له في أجرته كان قدر الأجرة من رأس ماله والزائد في ثلثه.
شهادة النساء في الاستهلال
وسئل عن رجلٍ تُوفي وترك زوجَهُ حاملاً فولدت ولداً حيَّا واستهلَّ صارخاً، ثم توفيت الأم بعد وضعه بساعةٍ وعاش الابنُ بعدها ليلةً كاملة ثم توفي، ولم يحضر ذلك كله إلا النساء، فجاء حافز بيت المال وأراد الدخول في التركة لكون الأم لم يكن لها عاصب إلا الولد المذكور، فقيل له: إن الولد استهلَّ وعاش بعد وفاة أمه ليلةً كاملةً، فكلَّفَهُمْ إثباتَ ذلك.
فهل يا سيدي تعملُ شهادةُ النساءِ هُنَا في المسألة من دون يمين تلزم الورثةَ أو تلزم في وفاة الولد خاصة لكون لم يحضر ذلك رجل معهن؟
فأجاب: إن كان النساء من أهل العدالة قُبلت شهادتُهن ولا يحتاج إلى يمين، وإن كانت واحدةً، وهي من أهل العدالة، حلف معها.
стр. 136
نزاع في جاريةٍ غابَ سيِّدُها وأنفق عليها غيره
هذه المسألة هي مسألة الجارية الواقعة لشيخنا قاضي الجماعة الحافظ أبي القاسمبن سراج، أبقىالله بركته، ووقع فيها بينه وبين الكثير من معاصريه ممن يشاركه في النظر في الفقه وممن لا يشاركه، وصدر فيها من أجوبتهم، ما اشتهر في ذلك الوقت.
وصورة مسألة الجارية المنبهِ عليها: أنَّ تاجراً من هؤلاء السفارة ترك جارية له كان قد تسراها بغرناطة، وغاب عنها إلى ناحية تونس بقصد حاجةٍ مَّا، فطالت غيبتُه بها وصارت الجاريةُ تَدَّعِي أنها بحال ضياع، فكفلها بعضُ حاشيةِ السلطان، ممَّن له وجاهةٌ في الدولة، وكتب على سيدها النفقة، إلى أنْ تَجملَ له قِبَلَهْ قريب من مقدار ثمنها، فرفع أمره إلى القاضي، وأثبت ديْنه ذلك المترتب من النفقة وغيبة مالك الجارية وصحة ملكه إيَّاها وحَلَف على المتجمل له وَقُوّمت الجارية وصُيِّرتْ في النفقة لكافلها، فأعتقها وتزوجَها، ووقف للتاجر ما فضل من ثمنها، وكان قليلاً، ثم قَدِم التاجرُ مالكُها الأول بعد بيعها بأشْهُر، فتظلَّم من بيع الجارية على هذه الصورة، وادَّعى أنَّه ترك لها ما تقوم به لأكثر مدة مغيبه، وأنها صَناع اليدين يمكنها إثبات نفقتها بعد نفاد ما ترك لها من صنعة يدها، وما أشبه هذا من الدعاوى التي ربما لم تثبت له، وكان يتعلق من الدولة بجهة لا تقصر عن تعلق خصمه، فكان هذا الخصام متكافئاً في الاستظهار بالوجاهة بين هذين الخصمين اللذين بغى بعضهما على بعض، وعَزَّ أحدُهما صاحبَهُ في
стр. 137
الخطاب، وظلمه سؤال نعجته هذه إلى نعجة له أخرَى، وثبت الشيخ على مقتضى حكمه وخالفه سواه في رأيه، ولم يتكلم شيخنا، أبقىالله بركته، بإثبات عجزها عن النفقة من صنعتها ولا
كلفها إثبات كون مالكها لم يترك لها نفقةً.
تصرف الوكيل في نطاق الوكالة
وسئل ابن عتاب وابن سراج عن توكيل جعفربن أشرس محمدبن شخيص عن الخصومة عنه، وله طلبه أو طولِبَ به وعلى الإقرار عليه والأنكار عنه توكيلاً أقامه في ذلك مقامه وبدلاً منه، ثم إنَّ ابنَ شخيص قال عن موكله جعفر: إنَّ موكله رضي بأن يأخذ من أخيه عبد الرحمن خمسين مثقالاً وتقسم الدار بينهما شطرين، فقيل لابن شخيص: لم يجعل لك موكلك البيع ولا المصالحة، فقال: إنما أقول هذا عنه على وجه الإقرار عنه حسبما قاله، وحضر جعفر موكل ابن شخيص فوقف على ما قاله وكيله ابن شخيص عنه، فأنكره وقال: إنه لم يأمره بشيء مما ذكر عنه ولا جرى له معه؟
فأجاب ابن سراج: وجه الإقرار والإنكار في الخصام معروف، ولم يجعل له موكله الإقرارَ عليه والبيع، ولا الإقرار عليه على غير وجهه، فلا تجز مقاله وامنعه واتهمه إن وقع في مثل ذلك ففيه ريبة واعتداء على موكله
стр. 138
وأجر المتخاصمين على ما كانا عليه.
стр. 139
مسائل مختلفة
ضالة الغنم
وسئل فيمن وجد ضَالَّةً من الغنم؟
فأجاب: إنَّ الشاةَ إذا كانتَ يوم وجدها ملتقطُها منقطعةً عن القُرَى وغنَمُ الناس في جهةٍ يُخاف عليها، إن تُركت من السباع، ولا يُطمع في التصاقها بغنم بالعادة، فهي لواجدها؛ وإنْ لم تكن بهذه الحالة فَيُعَرِّفُهَا، فإن انقضت السنةُ فله أن يحبسها ونسلَها إن تناسلَ منها شيءٌ، فإذا جاء صاحبُهَا أخذَها ونسْلَها ورجع عليه ملتقطها بما نابه من حراسةٍ ومغرمٍ وغير ذلك. وللملتقط أن يبيعَها إذا يئس من مجيء أحدٍ يعرفها ويتصدق بثمنها ويغرمه لصاحبها، وله أن يأخذَ من الثمن ما نابَهُ من مغرم وغيره. وما كان يموتُ وذكَّاه جاز له أكْلُه ويحسبُ ثمنَه، فإن نابه شيءٌ عليها فله أن يقتَطِعَ ذلك منه.
التصرف في مرض الموت
وسئل في إنسانٍ وقع في المرض وتمادى مرضُه نحواً من سبعة أشهر؛ وفي أثناء هذه المدة عقد النكاح على بنتين له، ونحل كلَّ بنتٍ أملاكاً من أملاكه والتزم لها شواراً بعددٍ معلوم ثمَّ توفي من مرضه ذلك.
стр. 140
فهل يصحُّ فعلهُ فيما ذُكر أم لا؟
فأجاب عن المسألة: تقف النِّحلةُ على إجازة الورثة.
من ادَّعى أنهُ ليس له ما يسلف
وسئل في الإنسان يُطلبُ بالسلف، فيقول: ما معي ما نسلف، فيقع في الكذب من عدم الإنصاف؟
فأجاب: أما المسألة الأولى فإنه يقول: ما عندي شيء وما معي، وينوي في يده أو
حزامه، وإن كان معه شيء في داره وشبه ذلك، لكن هذا إذا أُلْجِىءَ لذلك ولحقته ضرورة.
معاملة من اختلط عنده الحلال والحرام
وسئل في معاملة من لا تطيبُ النفسُ على معاملته؟
فأجاب: إن عرف الحرام بعينه فلا يجوز أن يبيع له؛ وإن لم يعرفه فإنْ كان الغالبُ على مال المشتري الحرام، فلا يبيع منه، فإن خاف منه إن لم يبع منه باع وتصدق بالثمن، إن لم تلحقه ضرورة، فإنْ كان يلحقه حرجٌ في معيشته فيتمسك به، ويتصدق بالمحاباة إن كان فيه، فإن لم يكن فيه محاباة انتفع به كله. ومن المحاباة أن يعطى في السلعة أكثر مما تسوى يعني أكثر مما يجب أن يُعطى فيها بالعادة، وأما إن كان الغالب عليه الحلال فيجوز البيع منه.
стр. 141
حكم الأسرى المسلمين الهاربين من أيدي النصارى
وسئل في مسلمين مأسورين بأيدي النصارَى، وهربوا من الجفن الذي كانوا به، وهو رَاسٍ بمرسى من مراسي المسلمين؟
فأجاب: الذي يترجَّحُ من جهة الفقه أنَّه لا يجب غرمُ فديتهم ولا ردهم، لأن المراكبَ اليوم بالعادة تنزل منزلة بلادهم ومعاقلهم، لأنَّهم لا يسرحونهم فيها، ولا ينزلونهم منزلة أموالهم التي أخذوا الأمان عليها.
وقد ذهب أكثرُ أصحاب مالك - فيما ذكر ابنُ حبيب - إلا ابن القاسم: أنّهمْ لا يمكَّنُونَ من الرجوع بهم ويُجْبرون على تركهم بالقيمة، فكيف هروبهم بأنفسهم؟!.
السلام على من يستنجي
أما المسألة الأولى فإنه لا ينبغي أن يُسلَّمَ على من يكون في حالة الاستنجاء، فإنْ سُلم عليه فلا يرد. قاله ابن شعبان وغيره. وعن جابربن عبدلله أن رجلاً سَلَّم على
رسولالله، ﷺ ، وهو يبول فلم يرد
стр. 142
عليه، فلَمَّا فرغ قال: إذا رأيتَنِي عَلَى مِثْلِ هَذِه الحَالِ فَلاَ تُسَلِّمْ علَيَّ فإنِّي لاَ أَرُدُّ عَلَيْكَ.
السَّلاَم على من يتوضأ
وأمَّا المسألة الثانية فيجوز السلامُ على من يكون في حالة وضوئه، ويجب عليه أن يَرُدَّ على من سَلَّمَ عليه.
السَّلام على قارئ القرآن
وأما المسألة الثالثة، وهي: من يكون في حال قراءة القرآن، فاختلف هل يُكره أنْ يسلم عليه أم لا؟ وهل يرد السلام بالإشارة أو يلفظ بالرَّدِّ؟
والصحيح أنْ يُسَلِّم عليه ويرد السلام باللَّفْظ.
وأما إن كان مشتغلاً بالنظر، فهو بمنزلة المشتغل بالتلاوة.
السلام على من كان في حال الدعاء
المسألة الرابعة: وأما من كان في حال الدعاء، فتردد النووي
стр. 143
من علماء الشافعية فيه إذا كان مستغرقاً فيه مجتمع القلب عليه، قال: فيحتمل أنْ يُقال: هو كالمشتغل بالقراءة؛ يعني يجري على الخلاف المتقدم، قال النووي: والأظهر من هذا عندي أنَّه يُكرَه السلامُ عليه لأنَّه يتنكر به ويشقَّ عليه.
الاشتغال بقراءة آياتٍ متفرقة من القرآن
وأما المسألة الخامسة وهي المشتغل بآيات من القرآن، فهو جائز، في ذلك قال رسول الله ﷺ : سَمِعْتُكَ يَا بَلالُ وأنْتَ تَقْرأُ من هذه السورة ومن هذه السورة، فقال: كلاَمٌ طيِّبٌ يجمَعُاللَّهُ بعضَهُ إلى بَعْضٍ فصوَّبَ النبي ﷺ فِعْلَهُ.
الذِّكْرُ أمَامَ الجَنَازَةِ
وسئل في الذكر أمام الجنازة؟
فأجاب: الأولَى والأفضلُ تركُ ذلك متابعةً للسلف الصالح، فإنهم كانوا يمشون سكوتاً أمام الجنازة.
стр. 144
تصدي الرِّجَال للبيع من النساء
جوابكم في مسألة وهي: الرجال من المسلمين ومن أهل الذمة يتصدون لبيع السلع من النساء في الدور أو لتعديل الحوائج مثل المغزل وغيره؛ وقد تخرج إليهم المرأة لتباشر البيع وهي مكشوفة الوجهِ وخصوصاً في زمن الحرِّ، وقد تدفع عوضاً مما تشتريه شيئاً من مال زوجها ببَخْسٍ من الثمن من الزرع وغيره ولا تُؤْمَنُ الخلوةُ، وخصوصاً في القائلة.
فهل يسوغ تقديمُ مثلِ هؤلاءِ للبيع من النساء أم لاَ؟
الجواب: وأما المسألة الثانية فاشتراء المرأة وبيعها من الرجال أو استيجارها إياهم في عمل ومباشرة ذلك بنفسها للضرورة والحاجة إذا لم يقع فساد ولا تهمة ولا خلوة ولا ميل لشهوة فاسدة جائزٌ، ولا يضر كَشفُ وجهها ويديها بذلك كما تكشفهما في الصلاة، وعلى هذا حمل جماعة من العلماء قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها).
والمراد بالزينةِ الوجهُ واليدانِ إلى الكوعين، وعبر عن هذين العضوين
стр. 145
بالزينة، لأنَّ الوجهَ محلُّ الكحل في العينين واليدين محلُّ الخاتم فهو من المجاز تسمية للشيء بملابسه ومجاوره، لكن هذا في الصلاة وفي معاملة الناس للضرورة على الوجه المتقدم، ومذهب مالك رضيالله عنه: جوازُ كشفِ المرأة وجهها ويديها لأجنبي لكن على الوجه المذكور. وفي كتاب الظهار من المدونة جوازُ نظرِ
الأجنبي إلى وجه المرأة وفي كتاب طلاق السنة منها في الرجل يُطلِّقُ زوجته ثلاثاً فيجحد الطلاقَ وعِلمَتْه هي أنَّها لا تتزين له ولا يرى شعرها ولا وَجْهها ولا يأتيها إلا وهي كارهة. فحمل ابن محرز هذه الرواية التي في طلاق السنة على أنه لا تُمكِّنه من ذلك لأن قصده التلذذ بها ولا شكَّ في المنع على هذا الوجه.
أمَّا إن وقعتْ خلوةٌ فذلك ممنوع، قال رسول الله ﷺ : إياكم والدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ وقال ﷺ : لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامرأةٍ فإنَّ
следующие страницы →