Полный текст (229 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وحكى عنه قاسم بن أحمد الجُهنيّ أنه ركب يوماً لحيازة أرض محبَّسة، في رَكبٍ من وجوه الفقهاء وأهل العدالة، فيهم أبو إبراهيم اللّؤلؤي، ونظراؤه قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا، وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه، وذووه عليهم السّكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تُراكب ولا تُمَاشى، فعرض له في بعض الطريق كلاب مع مُستَوحمة وهي تَلعَق هَنَها وتدور حولها، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ترون يا أصحابنا ما أبرّ الكلاب بالهنّ الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك، ثم لوى عنان دابّته وقد أضحكنا، وبقينا متعجّبين من هَزله.
وحضر عند الحكم المستنصر بالله يوماً في خُلوة له في بستان الزهراء على بركة ماء طافحة، وَسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثرَ مُنصَرفِهِ من صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من وَهج الحرِّ الجَهد، وبثَّ منه ما تَجاوَزَ الحدّ فأمره بخلع ثِيَابه والتّخفيف عن جِسمِهِ، ففعل ولم يُطفِ ذلك ما به، فقال له:
стр. 107
الصّواب أن تَنغمِس في وَسط الصهريج انغماسةً يبرد بها جسمك، وليس مع الخليفة إلاّ الحاجب جعفر الخادم الصقلّبيّ أمين الخليفة الحكم، لا رابع لهم، فكأنه استحيا من ذلك وانقبض عنه وقاراً، وأقصر عنه إقصاراً، فأمر الخليفة حاجبه جعفراً بسَبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل الأمر فيه على القاضي، فبادر جعفر لذلك وألقى بنفسه في الصهريج وكان يحسن السباحة، فجعل يجول يميناً وشمالاً، فلم يَسَع القاضي إلاّ إنفاذ أمر الخليفة فقام وألقى بنفسه خّلف جَعفر ولاذ بالقعود في درج الصهريج، وتدرّج فيه بعض تدريج ولم ينبسط في السّباحة،
وجعفر يمرّ مصعّداً ومصوّباً، فَدَسَّه الحكم على القاضي وحَمله على مساجلته في العَوم وهو يعجزه في إخلاده إلى القعود، ويعابثه بإلقاء الماء عليه والإشارة بالجَذب إليه، وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلّمه الحكم وقال له: ما لك لا تساعد الحاجب في فِعله، وتقعد معه وتتقبّل صُنعَه؟ فمن أجلك نزل، وبسببك تبذّل، فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين، الحاجب
стр. 108
سلّمه الله لا هوجل معه، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، يعلقني ويمنعني، من أن أجول معه مجاله فاستفرع الحكم ضحكاً من نادرته ولطف تعريضه بجعفر، وخجل جعفر من قوله وسبّه سبّ الأشراف وخرجا من الماء، وأمر لهما الخليفة بخِلَع، ووصلهما بصلات سنيّة تشاكل كل واحد منهما.
وذُكر أن الخليفة الحكم قال له يوماً: لقد بلغني أنك لا تجتهد للأيتام وأنك تقدّم لهم أوصياء سوءٍ يأكلون أموالهم، قال: نعم، وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفّوا عنهن، قال: وكيف تقدّم مثل هؤلاء؟ قال: لست أجد غيرهم، ولكن أحِلني على اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء فإن أبوا أجبرتهم بالسّوط والسّجن، ثم لا تسمع إلا خيراً.
ومن أخبار منذر بن سعيد المحفوظة له مع الخليفة عبد الرحمن في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن عبد الرحمن كان قد اتخذ لسطح القُبَيبَة الصُّغرى التي كانت مائلةً على الصَّرح الممرّد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد ذهب وفضة أنفق عليها مالاً جسيماً، وجعل سُقُفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء ناصعة، تَسلب
стр. 109
الأبصار بمطارح أنوارها المشعشعة، وجعل فيها إثر تمامها لأهل مملكته مشهداً فقال لقرابته ومن حضره من الوزراء وأهل الخدمة مفتخراً عليهم بما صنعه من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة: هل رأيتم قبلي أو سَمِعتم من فعل مثل فعلي هذا أو قَدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين وأنّك لأوحد في شأنك
كله، ولا سبقك في مبتدعاتك هذه مَلِك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم، وبينما هو كذلك سارّاً ضاحكاً إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجماً ناكِسَ الرَّأس فلما أخذ مَجلِسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السّقف، واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكّنه من قيادك هذا التّمكين مع ما أتاك الله وفضّلك على العالمين، حتى ينزلك منازل الكافرين، قال: فاقشعرّ عبد الرحمن من قوله، وقال: أنظر ما تقول، وكيف أنزّلني منازلهم؟ قال: نعم، أليس الله ﵎ يقول: (وَلوْلاَ أَنْ يكونَ
стр. 110
النَّاسُ أمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يكفر بالرَّحمن لبيوتهم سُقُفاً من فِضَّةٍ ومَعَارِج عليها يَظْهَرُون، وَلِبيُوتهم أبواباً وسُرُراً عَلَيها يتّكِئُون)، قال: فوجم الخليفة عبد الرحمن ونَكس رأسه مليّاً ودموعه تجري على لحيته خُشُوعاً لله ﵎ وندما ثم أقبل على مُنذر وقال له: جزاك الله تعالى يا قاضي خيراً عنّا وعن المسلمين والدين، وكثر في الناس أمثالك فالذي قُلت، واللهِ الحقُّ، وقام من مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سُقُف القُبَّة وأعاد قرمدها تراباً.
الفقيه الأجلّ القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عيسى
من بني يحيى بن يحيى اللّيثي، وهذه ثِنيّة علم وعقل، وصحة ضبط ونقل، كان علم الأندلس، وعالمها النَّدُس، ولي القضاء
стр. 111
بقُرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وجمع فيها من الروايات والسّماع كل مفترق، وجال في آفاق ذلك الأفق، لا يستقر في بلد، ولا يستوطن في جَلد ثم كرّ إلى الأندلس فَسَمت رُتبَتُه، وتحلَّت بالأماني لبَّته، وتصرّف في وِلاياتٍ أُحمِد فيها منَابُه، واتصلت بسببها بالخليفة أسبابُه، وولاّه القضاء بقُرطبة، فتولاه بسياسة محمودة، ورياسة في الدين مُبرمة القوى مجهودة والتزم فيها الصّرامة في تنفيذ الحقوق، والحَزامة في إقامة الحدود،
والكشف عن البيّنات في السّرّ، والصّدع بالحق في الجَهر، لم يستلمه مُخادع، ولم يَكِده مُخاتل، ولم يَهب ذا حُرمة ولا داهن ذا مَرتِبة، ولا أغضى لأحد من أسباب السّلطان وأهله حتى تحاموا جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه، وكان له نصيب وافر من الأدب، وحظّ من البَلاغةِ إذا نظم وإذا كتب، ومن مُلَح شِعره ما قاله عند أوبته من غربته:
كَانْ لم يَكُ بَينٌ ولم تَكُ فُرقَةٌ ... إذَا كانَ مِنْ بَعْد الفِرَاقِ تَلاَقِ
كأن لم تُؤرَّق بالعِرَاقين مُقْلَتي ... ولم تَمْر كفّ الشَّوْقِ ماَء مَآقِ
ولم أَزُرْ الأعرابَ في جَنْب أرْضِهم ... بِذَاتِ اللّوى من رَامةٍ وبِرَاقِ
стр. 112
ولم أصْطَبح بالبيدِ من قَهوَةِ النَّدى ... وكَأْسٍ سَقَاها في الأزاهرِ ساقِ
وله أيضاً:
ماذا أُكابِدُ من وُرْق مغرّدة ... على قَضِيبٍ بذاتِ الجِزْعِ ميّاسِ
رَدَّدْنَ شَجْواً شَجَا قَلبِ الخليِّ فَهَل ... في عَبْرة ذَرَفَتْ في الحُبّ من باسِ
ذَكَّرْنَهُ الزَّمَن الماضي بِقُرطُبَة ... بين الأحبّةِ في أَمْنٍ وإينَاسِ
هُمُ الصَبَّابَةُ لولا هِمّة شَرُفَت ... فَصيَّرتْ قَلبَه كالجندلِ القاسي
وله أخبار تدلّ رِقة العراق، والتغذّي بماء تلك الآفاق، فمنها أنه خرج إلى حضور جنازة بمقابر قريش، ورجل من بني حُدَير كان يواخيه له منزل، فعزم عليه، في الميل إليه، وعلى أخيه فَنَزلا عليه، فأحضر لهما طعاماً، وأمر جارية له بالغناء، فغنّت تقول:
طَابَتْ بطيبِ لِثَاتكَ الأقْدَاح ... وَزَهَا بِحُمْرةِ خَدّك التُّفَّاحُ
стр. 113
وإذا الربيعُ تَنَسَّمَتْ أرْواحه ... طابت بطيب نسيمك الأرواحُ
وإذا الحَنَادِسُ ألْبَسَتْ ظلماؤها ... فضياء وجهك في الدُّجى مِصْبَاحُ
فكتبها القاضي في ظهر يده وخرج من عنده، قال يونس بن عبد الله: فلقد رأيته
يكبّر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبة على ظهر كفّه.
وكان يُلقَّب بالمقربلة، فرفَعت إليه امرأة متظّلمة كتاباً تتظلم فيه من المعروف بالقباحة خال وليّ العهد الحكم، تذكر أنه غصبها حقاً لها يجاوره في ضيعته ورسمت الكتاب بعيبه وذمّه والدّعاء عليه، كل ذلك تسميّه بلقبه، فلم يفكّ القاضي كتابها لضعفه واضطرابه، فأخذ القاضي مَظلَمَتها من لسانها، وكرّم المشكو به لعظمته بأن أخر الإرسال فيه، وكتب إليه على ظهر كتابها، يحيل عليه
стр. 114
فيما تضمّنه من الشكوى ويحضّه على إنصافها، وأرسلها بالكتاب إليه، فلما قرأه أجابه تحت الفصل الذي كتبه إليه يحيل على وكيله ويتبرأ من إساءته إلى المرأة دون بّينة يكلّفها ولا يمين، ويعدّد على القاضي فيما قابله به، فساء ذلك القاضي، وعزّ عليه إهماله ذلك من نفسه، فلما ركب إلى الزهراء وخرج من عند الخليفة وقصد إلى القباحة ونزل عليه، واعتذر إليه مما عدّده، وأقسم له أنه لم يستوفِ الكتاب المرفوع إليه، ولا وَقَف عليه، وقال له: يا سيّدي لا تكترث لهذا، فقلّما نجا منه أحد، إني أعرفك أن لقبي المقربلة وَلَقب والدي مرتكش، ولجدي - والله - لقب لست أعرفه، وأخي أبو عيسى يعرفه، وهو غائب، فإذا وصل كتبت به إليك فضحك القباحة من قوله وأثنى عليه، على طيب خُلُقه.
وجاءه في بعض الأيام من بادية حمل دقيق عليه قَفص دجاج، وكان على بابه المعتوه المعروف بابن شمس الضّحى، وكان من ولاية القاضي من صغره إلى أن شاخ وبلغ السنّ الطويل وإلى أن مات أسفَهَ ما يكون، وكان من شأنه، مواظبة دار القُضاة في كل وقت شاكياً أوصَابَه، فلما رأى الدجاج قال: يا قاضي أعطني دجاجة منهن، لا
стр. 115
بدّ والله أن تعطيني دجاجة منهن وكان لا يقدر على ردّه، إذا علق بإرادته، وإلا جاء من حُمقه بالعَجَب العُجَاب، فأمر القاضي، فأُعطيَ دجاجة فأخذها، ومرّ بها فَرِحاً، يفخر بِعَطيّة القاضي فمرّ بدرب، بني أبي زيد شرقي
المسجد الجامع، فإذا برجل متفقّه يلقب بديك البادية جالس على باب داره يطلب فكاهة فقال للمعتوه: من أين لك هذه الدجاجة يا فلان؟ فقال: أعطانِيَها القاضي والله الساعة، فأخذها من يده وجعل يجسّها، فقال: خذها إليك القاضي أعطاكها مقربلة ولا خير لك فيها، فانصرف إليه عاجلاً وقُل له إنها مقربلة، فيبدلها بسمينة، فالشيءُ عنده كثير، فرجع إليه المعتوه بها وأصابه في جماعة، وقال له: يا قاضي، هذه الدجاجة مقربلة فأبدلها لي بسمينة، فعرف القاضي هذه الداخلة، وقال له: هاتها حتى أراها، فأخذها وجسّها، وقال له: صدقت، فمن أين عرفت أنها مقربلة بعدما مضيت بها؟ فقال له: قالها لي ذلك الفقيه الذي عند درب بني أبي زيد، قال له: وما صفته؟ فوصف له صفة استدلّ بها على أنه الملقّب بديك البادية، فأمر، فأُبدلت له بأخرى، وقال له: أرجع إلى ذلك الرجل فأعرضها عليه، وقل له: قد أبدلها القاضي، وسله أن يعطيك الديك الذي سيق له
стр. 116
من البادية أمس، فإنه لا يصلح لهذه الدجاجة غيره، فيأتيك منه نسل حسن، فانقلب المعتوه إلى ذلك الرجل وأتاه وهو في جماعة والدجاجة معه، وقال له: قد أبدل القاضي الدجاجة ولكن أعطني أنت ديك البادية الذي أتاك أمس فيكون زوجاً لهذه الدجاجة، فانتهره الزيديُّ وتغيّر لونه، فازداد المعتوه علوقاً (به) وحَنقَا عليه وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويحلف أن لا يزول إلاّ بالديك، وكان يأتي منه عند المنع ما لا صبر عليه، فاضطُرُّ الزيدي إلى أن دخل فاخرج له ديكاً من داره افتداء منه، فأخذه وانطلق عنه.
وقال أصحاب القاضي محمد بن (أبي) عيسى: ركبنا لبعض الأمر في موكب حافل من وجوه الناس، إذ عرض لنا فتىً متأدّب، قد خرج من بعض الأزقّة سكران يتمايل، فلما رأى القاضي هابه، وأراد الانصراف فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط وأطرق، فلما قرب القاضي رفع رأسه ثم أنشأ يقول:
ألا أيُّها القاضي الذي عمّ عَدْلُهُ ... فَأضْحَى بِهِ في العالمين فَريدا
قرأت كتابَ الله تسعين مرّة ... فلم أرَ فيه للشّرابِ حدودا
стр. 117
فَإنْ شِئْتَ أنْ تَجْلِد فدونك مَنْكِباً ... صبوراً على ريبِ الزّمان جليدا
وإنْ شِئْتَ أن تعفو تكن لك مِنَّة ... تروح بها في العَالَمينَ فَرِيدا
وإن أَنْتَ تَخْتَارُ الحديد فإنَّ لي ... لساناً على هَجْو الزّمانِ حديدا
فلما سمع القاضي شعره، وميّز أدبه، أعرض عنه وترك الإنكار عليه ومضى لشأنه، والله تعالى أعلم.
الفقيه أبو عبد الله بن أبي زمنين
فقيه مُتبتِّل، وزاهد لا منحرف إلى الدنيا ولا متنقّل، هجرها هجر المنحرف، وحلّ أوطانه فيها محل المعترف، لعِلمه بارتحاله عنها وتقويضه، وإبداله منها وتعويضه فنظر بقلبه لا بعينه، وانتظر
стр. 118
يوم فِراقِه وبَينِه، ولم يكن له بعد ذلك بها اشتغال، ولا في شِعَاب تلك المسالك إيغال، وله تواليف في الوَعظ والزّهد وأخبار الصالحين تدل على تخليته عن الدنيا واتّراكه، والتّفلّت من حبائل الاغترار وإشراكه وشعره يدلّ على التَّأهُّب للارتحال، ويستدلّ به على ذلك الانتحال، فمن ذلك قوله:
المَوْتُ في كُلِّ حين يَنْشُرُ الكَفَنا ... ونَحْنُ في غَفْلَةٍ عَمَّا يُراد بِنَا
لا تطمئنَّ إلى الدُّنْيَا وبَهجَتِهَا ... وإنْ توشَّحْتَ من أثْوابِهَا الحَسَنَا
ابن الأحبَّةُ والجيرانُ؟ ما فعلوا؟ ... أين الذين هُمُ كانوا لنا سَكَنَا؟
سَقَاهُمُ الدَّهْرُ كَأسَاً غَيْرَ صَافِيَةٍ ... فصيّرتهم لأطباق الثَّرَى رُهُنَا
تَبْكي المَنَازِلُ منهم كُلَّ مًنْسَجمٍ ... بالمَكْرُمَاتِ وَتَرْثي البرّ والمِنَنَا
حَسْبُ الحِمَام لَوَ أبْقاهُمْ وأمهَلهُمْ ... ألاّ يظنّ على مَعْلُوَّةٍ حَسَنا
стр. 119
الفقيه أبو مروان عَبْد الملك الطُّبِنيّ
من ثِنيةِ شرفٍ وحَسب، ومن أهل حَديث وأدب، إمام في اللّغة مُتقدِّم، فارع لأعلى رُتب الشعر متسنِّم، له رواية بالأندلس ورحلة إلى المشرق ثم عاد وقد توج بالمعارف المفرق، وأقام بقُرطبة عَلَماً من أعلامها، ومتسنّماً لترفّعها وإعظامها تُؤثِرُه الدُّول، وتصطفيه أملاكها الأُول، وما زال فيها مقيماً ولا برح عن طريق أمانيها مستقيماً، إلى أن اغتيل في إحدى الليالي بقضية يطول شرحُها، ولا ينقضي بَرحُها فأصبح مقتولاً في فراشه، مذهولاً كل أحد من انبساط الخطوب إليه على انكماشه، وقد أثبتُّ من محاسنه ما يُعجِبُ السامع وتصغي إليه المسامع، فمن ذلك قوله:
وَضَاعَفَ ما بالقَلبِ يَوْمَ رَحِيلهم ... على ما به منهم حنينُ الأباعرِ
стр. 120
وأصْبر عن أحْبَابِ قَلْبٍ ترحّلوا ... ألا إنّ قَلْبي سائرُ غير صابرِ
ولما رجع إلى قُرطبة وجلس ليرى ما احتقبه من العلوم، اجتمع إليه في المجلس خلق عظيم، فلمّا رأى تلك الكثرة، وما له عندهم من الأثرة، قال:
إنّي إذا حَضَرَتْني ألف مَحْبَرةٍ ... يَكْتُبنَ حدّثني طوراً وأخْبَرَني
نادت بعِقْوَتي الأقْلامُ مُعْلِنَةً ... هذي المفاخِرُ لا قَعْبَان من لَبَنِ
وكتب إلى ذي الوزارتين الكاتب أبي الوليد بن زيدون:
أبا الوليد وما شطَّتْ بِنَا الدَّارُ ... وقلَّ مِنَّا ومِنْكَ اليوم زوّارُ
وبيننا كُلُّ ما تدريهِ من ذِمَمٍ ... وللصِّبا وَرَقٌ خُضْرٌ وأنوارُ
وكُلُّ عَتْبٍ وأعْتَابٍ جَرَى فَلَهُ ... بدائع حُلْوَةٌ عِنْدي وآثَارُ
فاذكر أخاك بخير كُلّما لَعِبَتْ ... به اللّيالي فإنّ الدَّهرَ دوّارُ
стр. 121
الفقيه العالم أبو عُمَر أحمد بن عبد ربّه
رحمه الله تعالى
عالِم سَاد بالعِلم ورَأسَ، واقتبس به من الحُظوة ما اقتبس، وشُهِرَ بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذِكره، واستطار شَرر الذّكاء فِكرُه، وكانت له عِناية بالعِلم وثِقة، ورواية له مُتسِقة، وأما الأدب فهو - كان - حُجَّته، وبه غَمرت الإفهام لُجَّته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءَها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سمّاه بـ العِقْد وحماه عن عثرات الألباب، وتُبصِر السَّحر منه في كُل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسُهاه.
أخبرني أبو محمد بن حزم أنه مرّ بقصر من قصور قُرطبة لبعض الرؤساء فَسَمع منه غناء أذهب لُبَّه، وألهَب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر، إذ رُشَّ بماء من أعاليه، فاستدعى رَقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة:
стр. 122
يا من يَضِنُّ بِصَوْتِ الطّائِرِ الغّرِدِ ... ما كنت أحْسبُ هذا البُخْل في أحَدِ
لو أنَّ أسماعَ أهلِ الأرضِ قاطبةً ... أصْغَتْ إلى الصَّوْتِ لم يَنْقُص ولم يَزِدِ
فلا تَضِنَّ على سَمْعي ومُنَّ بِهِ ... صوتاً يجولُ مجالَ الرّوحِ في الجَسَدِ
أمّا النبيذ فإنّي لستُ أشربهُ ... ولست آتيك إلاّ كسوتي بيدي
وعزم فتي كان يتألَّفُهُ، وخامره كَلفُه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قُوى جَلدهِ، فلما أصبح عاقته السَّماء بالأنواء، وساقته مُكرهاً إلى الثواء فاستراح أبو عُمَر من كمدِه، وأنفَسح له من التواصيل ضائق أمَدِه، فكتب إلى المذكور، العازم على البُكُور:
هَلاَّ ابتكْرتَ لِبَينٍ أنْتَ مُبْتكِر ... هيهات يأبى عليكَ الله والقدَرُ
ما زلت أبكي حِذَارَ البَيْن مُلتَهِبَا ... حتى رثى لي فيك الرّيحُ والمَطَرُ
стр. 123
يا بَرْدَه من حَيَامُزْن على كَبِدٍ ... نيرانُها بغَليلِ الشوق تَسْتَعِرُ
آليتُ أن لا أرَى شَمْساً ولا قَمَراً ... حتَّى أراكَ فأنتَ الشَّمْسُ والقَمَرُ
ومن شِعره الذي صرّح به تصريح الصَّبِّ، وبرَّح فيه من وقائع اسم الحبَ، قوله:
الجِسْمُ في بَلَدٍ والروح في بَلَدٍ ... يا وحشةَ الروحِ بل يا غُرْبةَ الجَسَدِ
إنْ تَبْكِ عيناكَ لي من كَلِفْتُ بِهِ ... من رَحمَةٍ فَهُما سَهْمَاكَ في كَبِدي
ومن قوله:
وَدَّعَتْني بِزَفْرَة واعتناقِ ... ثمّ قالت: متى يكون التلاقِ
وَبَدَتْ لي فأشرقَ الصُّبحُ مِنْهَا ... بين تلك الجيوب والأطْواقِ
يا سقيمَ الجفون من غيرِ سُقْمٍ ... بين عينيكَ مصرع العشاقِ
إنّ يَوْمَ الفِرَاقِ أفْظَعُ يوم ... ليتني مُتُّ قَبْلَ يَوْمِ الفِرَاقِ
وله أيضاً:
يا ذا الذي خَطَّ الجمَالُ بخدّه ... خَطّين هاجا لوعةً وبلابلا
ما صَحَّ عِنْدي أنّ لَحْظَكَ صَارِم ... حتى لبستَ بعارضيك حمائلا
стр. 124
أخبرني بعض العِلية أن الخطيب أبا الوليد بن عبّاد حجّ فلما انصرف تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لُقياه فائدة يَكتسِبُها، وحُلَّة فخر لا يَحتسِبُها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ففاوضه قليلاً، ثم قال: أنشدني لمليح الأندلس، ويعني ابن عيد ربّه، فأنشده:
يا لُؤلؤا يَسْبي العُقُول أنِيقَا ... وَرَشاً بتقطيعِ القُلُوبِ رَفِيقَا
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ ... دُرَّاً يعودُ من الحياء عَقِيقَا
وإذا نظرتَ إلى محاسن وَجْههِ ... أبْصَرْتَ وجهكَ في سناه غَرِيقَا
يا من تَقَطّع خِضْره من رِقَّةٍ ... ما بالُ قَلْبِكَ لا يكون رَقِيقَا
فلما أكمل إنشاده، استعاده منه، وقال: يا ابن عبد ربّه لقد تأتيك العراق حبوا.
وله أيضاً:
ومعذّرٍ نَقَشَ الجمالُ بِخَدِّه ... حُسْنَاً له بدَمِ القلوبُ مُضَرَّجَا
لمّا تَيقَّنَ أن سَيْفَ جفونِهِ ... من نَرْجِسٍ جَعَل النِّجَادَ بَنَفْسَجَا
وله أيضاً ﵀:
стр. 125
وسَاحِبَةٍ فَضْلَ الذُّيُولِ كأنَّها ... قضيبٌ من الرَّيْحَانِ فَوقَ كثيبِ
إذا ما بَدَتْ من خِدْرِها قال صاحبي ... أطعني وخُذْ من وَصْلِها بنصيب
وله أيضا:
هيّج الشَّوقُ دواعي سَقَمي ... وكَسَا الجِسْمَ ثِيَابَ الألَمِ
أيُّها البَيْنُ أقِلْني مَرَّةً ... فإذا عّدْتُ فَقَد حِلَّ دَمِي
يا خليّ الذَّرْعِ نَمْ في غِبْطَة ... إنَّ مَنْ فارقته لم يَنَمِ
وَلقَدْ هاجَ بِقَلْبي سَقَمَاً ... حَبُّ من لو شاَء دَاوَى سَقَمي
وبلغ سنّ عوف بن مُحلِّم، واعترف بذلك اعتراف مُتألِّم، عندما وَهت شِدَّته، وبليت جِدَّتُه، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الرّدى وما استقال:
كِلاَني لِمَا بي عاذليَّ كفاني ... طويتُ زماني بُرْهَةً وطواني
بَلِيتُ وأبْلَتني الليالي وكرّها ... وصِرْفَانِ للأيام مُعتَورَانِ
وما ليَ لا أُبلَى لسبعين حِجَّةً ... وعَشْرٍ أتَتْ من بَعْدها سَنتَانِ
فلا تسألاني عن تباريح عِلَّتي ... ودونكما منّي الذي تَرَيَانِ
стр. 126
وإنّي بحول الله راجٍ لِفَضْلِهِ ... ولي من ضمان الله خَيْرُ ضَمَانِ
ولست أُبالي من تباريح عِلّتي ... إذا كان عَقْلي باقياً ولساني
وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانثنائه عن الصِّبا والمجون إلى صفاء توبته، مَحَص أشعاره في الغزل بما ينافيها وقصّ من قوادِمَهَا وخَوافِيَها، بأشعارٍ في الزُّهد على أعاريضهَا وقَوافِيها، منها القطعة التي أولها:
هلاّ ابتكرت لبين أنت مُبْتَكِرُ
مَحَصها بقوله:
يا قَادِراً ليس يَعْفو حينَ يَقْتَدرُ ... ماذا الذي بَعْدَ شَيْبِ الرأس تَنْتظِرُ
عَاينْ بِقَلْبكَ إنَّ العينَ غَافِلةٌ ... عن الحقيقةِ وأعلَمْ أنّها سَقَرٌ
سوداءُ تَزْفر من غيظ إذا سَعَرتْ ... للظالمين فلا تبقي ولا تَذَرُ
لو لم يكُنْ لكَ غَيرُ المَوْتِ مَوْعِظَةً ... لكانَ فيه عن اللذات مُزْدَجَرُ
أنت المقولُ له ما قُلْتُ مُبْتَدِئاً ... هلاّ ابتكرتَ لبين أنت مُبْتَكِرُ
стр. 127
الفَقيهُ أبو بكر محمد بن الحسن الزُّبَيْديّ
إمام اللغة والإعراب، وكَعبة الآداب، أوضح منها كُل إبهام وفضح دون الجهل بها محل الأوهام، وكان أحد ذوي الإعجاز، وأسعد أهل الاختصار والإيجاز، نَجم والأندلس في إقبالها، والأنفس أول تهمُّمِها بالعلم واهتِبَالها، فنفقت له عِندهم البضاعة، واتفقت على تفضيله الجماعة، وأشاد الحكم بذكره، فأورى بذلك زِناد فِكره، وله اختصار العين للخليل وهو معدوم النظير والمثيل ولحن العامة وطبقات النحويّين وكتاب الواضح وسِواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح، وله شعر مصنوع ومطبوع، كأنما يتفجَّر من خاطره يَنبوع، وقد أثبت له منه ما يُقترح، ولا يطرح، فمن ذلك قوله:
стр. 128
كيف بالدين القويم ... لك من أمِّ تَميمِ
ولقد كانَ شِفَاءً ... من جَوَى القَلْبِ السَّقيمِ
يُشْرِقُ الحُسْنُ عَلَيْهَا ... في دُجَى اللَّيلِ البَهِيمِ
وكتب مراجعاً:
أغْرَقَتني في بُحُورِ فِكْرٍ ... فَكِدْتُ مِنهَا أموتُ غَمَّا
كَلَّفَتني عامِضَاً عَوِيْصَا ... أرجمُ فيه الظنونَ رَجْما
ما زلتُ أسْرو السجوفَ عَنْه ... كَأنَّني كاشِفٌ لِظَلْما
أقربُ من لَيْلِهِ وأنْأى ... مُسَتبْصِراً تارةً وأعْمى
حتى بدا مُشْرِقُ المُحَيَّا ... لمّا اعتلى طالعاً وتَمَّا
لله من مَنْطِقٍ وَجيزٍ ... قد جَلَّ قَدْراً ودقَّ فَهْما
أخلصتُ لله فيه قولاً ... سلّمتُ لله فيه حُكْما
إذ قلتُ قَولَ امرئٍ حَكيم ... مراقبٍ للإله عِلْمَا
الله ربّي وليُّ نَفْسي ... في كُلِّ بُؤْسٍ وكُلّ نُعْمَى
وكتب إلى أبي مسلم بن فهد، وكان كثير التَّكبُّر، عظيم التَّجبُّر، مُتعثِّراً لسانه، مُقفِراً من المعالم جِنانه:
стр. 129
أَبَا مُسْلم إنَّ الفَتَى بفؤادِهِ ... ومِقْوَلِهِ لا بالمراكب واللّبْسِ
وليس رواء المرء يُغني قُلامَةً ... إذا كان مَقْصوراً على قِصَر النَّفْسِ
وليس يفيد العِلْم والحِلْم والحِجَى ... أبا مُسْلِم طول القعود على الكرسي
واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين، فعجّل إليه وأسرع، وفرع لديه من رُبَى الآمال ما فَرع فلمّا طالت نَواه، واستطالت عليه لوعتُه وجَواه، وحنَ إلى مستقرّه بإشبيلية ومثواه، استأذن الحكم في اللُّحُوق بها، فلوَّمه ولواه فكتب إلى من كان يألفه ويَهواه:
وَيْحَكِ يَا سَلْمَ لا تُرَاعي ... لا بُدَّ للبَيْن من مَسَاع
لا تحسبيني صَبرتُ إلاّ ... كَصَبْرِ مَيْتٍ على النَّزَاعِ
ما خَلَقَ الله من عَذَابٍ ... أشدَّ من وَقْفَة الوِدَاعِ
ما بينها والحِمَام فَرْقٌ ... لولا المناحاتُ والنواعي
стр. 130
إن يَفْتَرِقْ شَمْلُنَا وَشِيكَاً ... مِنْ بَعْد ما كان في اجتماعِ
فَكلُّ شَمْلٍ إلى افْتِرَاقٍ ... وكلُّ شَعْب إلى انصداعِ
وكلُّ قُرْب إلى بعَادٍ ... وكلُّ وَصْل إلى انقطاعِ
الفقيه أبو مُحمّد علي بن حَزْم
فقيه مُستنبِط، ونَبيه بقياسه مُرتبط، ما تكلم تقليداً، ولا تعدّى اختراعاً وتوليداً، ما
تمنَت به الأندلس أن تكون كالعِراق، ولا حنّت الأنفس معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه، وما بَرح عن عَطنه، فلم يشرب ماء الفُرات، ولم يَقف عيشة الثَّمرات، ولكنّه أربى على مَنْ مِنَ ذلك غُذي، وأزرى على من هنالك قد نُعل وحُذي، تفرّد
стр. 131
بالقِياس واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بما نطق به وقاس، وصنف وحبّر حتى أفنى الأنفاس، ونبذ الدّنيا وقد تصدّت له بأفتن مُحيَّا، وأهدت إليه أعبق عرف وريّا، وخلع الوزارة وقد كسته مُلاها، وألبسته حُلاها، وتجرّد للعِلم وطَلبه، وجد في اقتناء نُخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة منها: الإيصال إلى فهم كتاب الخِصَال وكتاب الإحكام لأصول الأحكام وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وكتاب مراتب العلوم وغير ذلك، مما لم يظهر مثله من هنالك مع سرعة الحِفظ وعفاف اللِّسان واللَّحظ، وفيه تقول خلف بن هارون:
يَخُوضُ إلى المَجْدِ والمَكْرُمَات ... بحارَ الخطوب وأهوالَهَا
وإنْ ذُكِرتَ للعُلاَ غايةٌ ... تَرَقَّى إليها وأهْوَى لَهَا
وله في الأدب سَبقٌ لا يُنكر، وبديهةٌ لا يُعلم أنه روَّى فيها ولا فكر، وقد أثبت من شعره ما يُعلم أنه أوحد، وما مثله فيه أحد، فمن ذلك قوله:
стр. 132
وذي عَذَل فيمن سبانيَ حُسْنُه ... يُطيل مَلامي في الهَوَى ويقُولُ
أمِنْ حُسْن وَجهٍ لاحَ لم ترَ غَيْرَه ... ولم تدرِ كيف الجِسْمُ أَنتَ قَتِيلُ
فقلتُ له أسرفتَ في اللَّوْم فاتّئد ... فعنديَ ردٌّ - لو شاءُ - طَوِيلُ
ألم ترَ أنّي ظاهِريٌّ وأنَّني ... على ما بدا حتَّى يقومَ دَلِيلُ
وله أيضاً:
هل الدَّهْرُ إلاّ ما عرفنا وأَنْكرنا ... فجائعه تبقى ولذَّاتُه تَفْنَى
إذا مكنت فيه مَسَرَّةُ ساعةٍ ... تَوَلَّت كمرِّ الطَّرْف واستخلفت حُزْنَا
إلى تَبِعَاتٍ في المَعَاد ومَوْقِفٍ ... نَوَدُّ إليه أنَّنا لم نكن كُنَّا
حَصَلنَا على همّ وإثم وَحَسرَة ... وفات الذي كنّا نَلذُّ به عنّا
حنينٌ لِمَا وَلَّى وشغْلٌ بِمَا أتَى ... وهمّ بها يَغشَى فعينًك لا تَهْنَا
كأنَّ الذي كُنَّا نُسّرُّ بكَوْنِهِ ... إذا حَقَّقَتْه النَّفسُ لَفظٌ بلا مَعْنَى
وله أيضاً:
ولي نَحْو أكْنافِ العِرَاق صَبَابَةٌ ... ولا غَرْوَ أن يَستْوحِش الكَلِفُ الصّبُّ
فإن يُنزِل الرحمنُ رَحْلي بَيْنهم ... فحينئذ يبدو التّأسُّف والكَرْبُ
стр. 133
هُنَالك تَدْري أنّ لِلْعَبد قِصَّةً ... وأنّ كسادَ العِلْم آفَتُه القُرْبُ
وله أيضاً:
لا تَشْمَتَنْ حاسدي إنْ نَكبَةٌ عَرَضَتْ ... فالدّهْرٌ ليس على حَالٍ بِمُتَّركِ
ذو الفضل طوراً تراه تَحْتَ مَيْقَعَةٍ ... وتارةً قد يُرَى تاجاً على مَلِكِ
وله أيضاً:
لِئنْ أصْبَحتُ مُرْتَحِلاً بِشَخْصي ... فَرُوحي عِنْدكم أبداً مقيمُ
ولكنْ للعِيَان لطيفُ مَعْنى ... لذا سأل المعاينةَ الكليمُ
стр. 134
الفقيه أبو عبد الله محمّد بن عبد السَّلام الخُشَنيّ
كان فصيح اللسان، جزيل البيان، وكان أنُوفاً مُنقبضاً عن السُّلطان لم يتشبث بدُنيا، ولم يُنكث له مُبرم عَليا، دعاه الأمير محمد إلى القضاء فلم يُجب، ولم يُظهِر رَجاءَه المُحتجِب، وقال: أبيتُ عن أمانة هذه الديانة، كما أبت السَّموات والأرض عن حمل الأمانة، إباية إشفاق، لا إباية عصيان ونفاق، وكان الأمير قد أمر الوزراء بإجباره، أو حمل السيف إن تمادى على تأبيه وإصراره ن فلمّا بلغه قوله هذا أعفاه، وكان الغالب عليه علم النّسب، واللغة والأدب ورواية الحديث، وكان مأموناً ثقة، وكانت القلوب على محبّته متّفقة وله رحلة دخل فيها العراق، ثم عاد إلى هذه الآفاق، وعندما اطمأنّت داره،
стр. 135
وبلغ أقصى مُناه مَدارُهُ، قال:
كَأنْ لم يكُ بَيْنٌ ولم تكُ فرقَةٌ ... إذا كان من بعد الفِرَاقِ تلاقِ
كأن لم تُؤَرَّق بالعراقين مُقْلتي ... ولم تُمْر كفُّ الشوق ماء مآقِ
لوم أَزُرْ الأعرابَ في جَنْب أرْضهم ... بجَنْبِ اللّوى من رامةٍ وبرَاقِ
ولم اصطبح في البِيدِ من قهوة النَّوى ... كؤوساً سقانِيَها الفِرَاقُ دِهَاقِ
الفقيه أبو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المعروف بابن
الفَرَضيّ القاضي
كان حافظاً عالماً كَلِفاً بالرَواية، رحل في طلبها، وتبحّر في المعارف بسَببِها مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير،
стр. 136
حجّ وبرع في الزّهادة والورع، فتعلّق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة، ثم فكّر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، فأراد أن يرجع ويستقبل الله فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدُّنيا، فأُصيب في تلك الفتن (مكلوماً)، وقُتل مظلوماً.
أخبرني من رآه في جملة القتلى وهو بآخر رمق، فسمعه يقول بصوتٍ ضعيف: (لا يُكلم أحَد سبيل الله - والله أعلم بمن يُكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجُرحه يَثعبُ، اللّون لون دمٍ والرّيح ريح مسكٍ) كأنه يعيد الحديث على نفسه ثم قضى.
ومما قال في طريقه، يتشوّق إلى فريقه:
стр. 137
مَضَتْ لي شهورٌ مُنذُ غِبْتُم ثلاثةٌ ... وما خِلْتُني أبْقَى إذا غبتم شَهْرا
وما لي حياةٌ بعدكم استلذُّهَا ... ولو كان هذا لم أكن في الهَوَى حُرّا
ولم يُسْلِبني طولَ التنائي عليكم ... بلى زَادَني وَجْداً وجَدَّدَ لي ذِكْرَا
يُمَثّلكُم لي طول شوقي إليكم ... ويُدْينكم حتى أناجيكم سِرّا
سَأسْتَعْتِبُ الدَّهْر المفرّقَ بيننا ... وهل نافعي أنْ صِرْتُ أستَعْتِبُ الدَّهْرا
أعلِّلُ نَفْسي بالمُنْى في لِقَائِكُمْ ... وأسْتَسهِل البَرَّ الذي جُبْتُ والبَحْرَا
ويُؤنِسُني طيّ المراحلِ عَنْكُمُ ... أروحُ على أرضٍ وأغْدو على أُخرَى
وتالله ما فارقتكم عن قِلَىً لكم ... ولكنّها الأقدار تَجْرِي كما تُجْرَى
رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرةٌ ... ولا كَشَفَتْ أيدي النَّوَى عَنْكُمُ سِتْرَا
وله أيضاً:
إنّ الذي أصْبَحتُ طَوْعَ يَمِنيهِ ... أنْ لم يَكُنْ قَمَراً فليس بدونِهِ
ذُبّي له في الحبّ من سُلْطَانه ... وسِقَامُ جِسْمي من سِقَام جُفُونِهِ
الفقيه أبو عبد الله مُحَمّد بن عبد الله بن مَسَرّة
كان على طريقة في الزُّهد والعبادة سَبق فيها، وانتسَق
стр. 138
في سلك مُحتذِيها، وكانت له إشارات غامضة، وعبارات عن منازل المُلحدين غير داحضة ووجدت له مقالات رديّة، واستنباطات مُردِية، نسب بها إليه رهق وظهر له فيها مَزحل عن الرُّشد ومَزهق، فُتتِّبعت مصنّفاته بالحَرق واتّسع في استباحتها الخَرق، وغدت مهجورة، على التالين محجورة، وكان له تنميق في البلاغة وتدقيق لمَعانيها، وتزويق لأغراضها، وتشييد لمبانيها.
ومن شعره ما كتب به إلى أبي بكر اللُّؤلؤيّ يستدعيه في يوم مطر وطين:
أقْبل فإنَّ اليوم يَوْمُ دَجْن ... إلى مكان كالضمير مَكْني
لَعَلَّنَا نُحْكِمُ فيه أشهى فنّ ... فأَنْتَ في ذا اليوم أمْشَى مِنّي
стр. 139
الفقيه أبو بَكْر بن القُوطيَّة
صاحب الأفعال في اللُّغة والعربية
ممن له سلف، وثِنية كلها شرف، وأبو بكر هذا أحد المجتهدين في الطلب والمشتهرين بالعلم والأدب، والمُنتدبين للعِلم والتَّصنيف، والمرتّبين له بحسن
الترتيب والتأليف، وكان له شعر نبيه، وأكثره أوصاف وتشبيه، فمن ذلك قوله في زمن الرّبيع:
ضَحِكَ الثَّرَى وبدا لك استبشاره ... فاخْضَرَّ شارِبُه وطرّ عِذَارُه
وَرَنَتْ حدائقه وزرّر نَبْتُه ... وتعطّرت أنواره وثِمَارُه
واهتّزَّ ذابلُ كّلِّ ماءِ قَرَارَه ... لما أتى مُتَطَلِّعا آذارُه
وتَعَمَّمت صُلْع الرُّبى بِنَباتِه ... وترنَّمت من عُجْمَةٍ أطْيَارُه
стр. 140
الفقيه القاضي الأجلّ يونس بن عبد الله بن مغيث
قاضي الجماعة بقرطبة
فاضلٌ ورِع، مبرّز في النّسّاك والزُّهَّاد، دائم الأرق في التَّخشُّع والسُّهاد، مع التحقق بالعلم والتميّز بفضله، والتحيّز إلى فئة الورع وأهله، وله تصانيف في الزُّهد والتّصوّف، منها كتاب المنقطعين إلى الله وكتاب المجتهدين وأشعار في هذا المعنى، منها قوله:
فَرَرْتُ إليكَ من ظُلْمي لِنَفْسي ... وَأوْحَشَني العِبَاد وأَنْتَ أُنْسي
قصدت إليك مُنقَطِعاً غَرِيبَا ... لِتُؤْنِسَ وَحْدتي في قَعْر رَمْسي
ولِلْعُظْمَى من الحاجات عِنْدي ... قَصَدْتُ وأَنْتَ تَعْلَمُ سِرَّ نَفْسي
ولما أراد المستنصر بالله غزو الروم سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة تقدّم إلى والده أبي محمد بالكَون في
стр. 141
صُحبتِه، ومسايرته في غزوتِه فاعتذر بعذر يجده، وألم لا ينجده، فقال له الحكم: إن ضَمِن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار بني العبّاس أعفيته من الغزاة، وجازيته أفضل المُجازاة، فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر، فزعم أنه رجل مزور، وأنّ ذلك الموضع مُمتنِع على من يَلُمّ به ويزور، فألّفه بدار الملك المُطِلَّة على النهر، وأكمله
فيما دون شهر، وتوفي والمستنصر بَعدُ في غزاته، ومن شعره قوله:
أتوا حِسْبَةً إذْ قيلَ جَدَّ نُحُولُه ... فَلَمْ يَبْقَ من لَحْمٍ عليه ولا عَظْمِ
فعادوا قَميصاً في فِرَاشٍ فلم يروا ... ولا لَمَسوا شيئاً يدلّ على جِسْمِ
طواه الهوى في ثَوْبِ سُقْمٍ من الضَّنَى ... وليس بِمَحْسُوسٍ بعين ولا وَهْمِ
وله أيضاً ﵀:
стр. 142
ديارٌ عليها من بَشَاشَةِ لأهْلِهَا ... بقايا تسرُّ النَّفسَ أُنْسَاً وَمَنْظَرا
رُبُوع كساها المُزْنُ من خِلَع الحَيَا ... بُرُوداً وحلاّها من النّور جوهرا
تسُرُّكَ طوراً ثمّ تشجوك تارةً ... فترتاحُ تأنيساً وتشجى تذكّرا
الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سِيْدَة
إمام في اللغة العربية، وهمامٌ في الفِئَة الأدبية وله في ذلك أوضاع، للأفهام من أخلافها استدارا واستِرضاع، حرّرها تحريراً، وأعاد طَرف الذّكاء بها قَرِيرا، وكان مُنقطِعاً إلى الموفَّق صاحب دانيه،
стр. 143
وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرّده للعلم وفراغه، وتفرّد بتلك الإراغة ولا سيّما كتابه المُسمَّى بالمُحْكَم فإنه أبدعُ كتاب وأحكم، ولمّا مات الموفّق رائش جناحه ومثّبت غرره وأوضاحه، خاف من أبنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروهاً بعض من كان حوله، فناشته للطّلب حَيَّات مساورة، ففرّ إلى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه منها مستعطفاً:
ألا هَلْ إلى تَقْبيل راحتِكَ اليُمْنَى ... سَبِيلٌ فإنَّ الأمْنَ في ذاك واليُمْنَا
فتنضى هموم طَلَّحَتُهُ خُطُوبُها ... ولا غارباً يُبْقِينَ ولا مَتْنَا
غَريبٌ نَأى أهْلُوه عنه وشَفّه ... هواهم فَأمْسَى لا يقرُّ ولا يَهْنَا
فيا ملك الأملاك إنّي مُحَلأٌّ ... عَن الورْدِ لا عنه أُذَاذُ ولا أُدْنَى
تَحقَّقْتُ مكروهاً فأقبلتُ شاكياً ... لَعَمْري أمأذونٌ لِعَبْدكَ أن يُعْنَى
стр. 144
وإن تتأكّدْ في دمي لك نيّةٌ ... فإنّي سَيْفٌ لا أُحِبّ له جَفْنَا
إذا ما غدا من حرّ سيفك بارِدَاً ... فَقِدْمَاً غدا من بَرْد نعماكمُ سُخْنَا
وهل هي إلاّ ساعةٌ ثم بعدها ... سَتَقْرَعُ ما عُمِّرْتَ من نَدَمٍ سنَّا
وما لَي من دهري حياةٌ ألَذُّهَا ... فتعتّدها نُعْمَى عليّ وتمتنَا
إذا مِيتَةُ أرْضَتْكَ عنّا فَهَاتِهَا ... حبيبٌ إلينا ما رضيتَ به عَنَّا
الفقيه أبو محمّد غانم بن الوليد المخزوميّ المالقيّ
عالم مُتفرِّس، وفقيه مدرّس وأُستاذ مُجوِّد، وإمام لأهل الأندلس مجوّد وأما الأدب فكان جلَّ شُرعته، ورأس بُغيته، مع فضل وحسن طريقة وجدّ في جميع أموره وحقيقة، وله شعر:
صيِّر فؤادَكَ للمحبوبِ مَنْزَلَةً ... سَمُّ الخِيَاطِ مجالٌ لِلْمُحِبَّيْنِ
стр. 145
ولا تُسَامِحْ بغيضاً في مُعَاشَرَةٍ ... فقلّما تَسَعُ الدّنيا بَغِيضَيْنِ
وله أيضاً:
الصَّبْرُ أوْلَى بوقارِ الفَتَى ... من قَلَقٍ يَهْتِكُ سِتْرَ الوقَارْ
من لَزِمَ الصَّبرَ على حالِةٍ ... كان على أيّامه بالخيارْ
الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عُمَر يوسف بن عبد الله
بن عبد البِرّ
إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معَالِمُها، صحَّح المَتن والسَّند وميّز المُرسل، وفرّق بين الموصول والقاطع، وكسا المِلَّة منه نور ساطع حصر الرّواة، وأحصى الضعفاء منهم الثقات، وجدّ في تصحيح السقيم، وجدّد منه ما كان كالكهف والرقيم،
следующие страницы →