Полный текст (229 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
صُحبتِه، ومسايرته في غزوتِه فاعتذر بعذر يجده، وألم لا ينجده، فقال له الحكم: إن ضَمِن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار بني العبّاس أعفيته من الغزاة، وجازيته أفضل المُجازاة، فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر، فزعم أنه رجل مزور، وأنّ ذلك الموضع مُمتنِع على من يَلُمّ به ويزور، فألّفه بدار الملك المُطِلَّة على النهر، وأكمله
فيما دون شهر، وتوفي والمستنصر بَعدُ في غزاته، ومن شعره قوله:
أتوا حِسْبَةً إذْ قيلَ جَدَّ نُحُولُه ... فَلَمْ يَبْقَ من لَحْمٍ عليه ولا عَظْمِ
فعادوا قَميصاً في فِرَاشٍ فلم يروا ... ولا لَمَسوا شيئاً يدلّ على جِسْمِ
طواه الهوى في ثَوْبِ سُقْمٍ من الضَّنَى ... وليس بِمَحْسُوسٍ بعين ولا وَهْمِ
وله أيضاً ﵀:
стр. 142
ديارٌ عليها من بَشَاشَةِ لأهْلِهَا ... بقايا تسرُّ النَّفسَ أُنْسَاً وَمَنْظَرا
رُبُوع كساها المُزْنُ من خِلَع الحَيَا ... بُرُوداً وحلاّها من النّور جوهرا
تسُرُّكَ طوراً ثمّ تشجوك تارةً ... فترتاحُ تأنيساً وتشجى تذكّرا
الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سِيْدَة
إمام في اللغة العربية، وهمامٌ في الفِئَة الأدبية وله في ذلك أوضاع، للأفهام من أخلافها استدارا واستِرضاع، حرّرها تحريراً، وأعاد طَرف الذّكاء بها قَرِيرا، وكان مُنقطِعاً إلى الموفَّق صاحب دانيه،
стр. 143
وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرّده للعلم وفراغه، وتفرّد بتلك الإراغة ولا سيّما كتابه المُسمَّى بالمُحْكَم فإنه أبدعُ كتاب وأحكم، ولمّا مات الموفّق رائش جناحه ومثّبت غرره وأوضاحه، خاف من أبنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروهاً بعض من كان حوله، فناشته للطّلب حَيَّات مساورة، ففرّ إلى بعض الأعمال المجاورة وكتب إليه منها مستعطفاً:
ألا هَلْ إلى تَقْبيل راحتِكَ اليُمْنَى ... سَبِيلٌ فإنَّ الأمْنَ في ذاك واليُمْنَا
فتنضى هموم طَلَّحَتُهُ خُطُوبُها ... ولا غارباً يُبْقِينَ ولا مَتْنَا
غَريبٌ نَأى أهْلُوه عنه وشَفّه ... هواهم فَأمْسَى لا يقرُّ ولا يَهْنَا
فيا ملك الأملاك إنّي مُحَلأٌّ ... عَن الورْدِ لا عنه أُذَاذُ ولا أُدْنَى
تَحقَّقْتُ مكروهاً فأقبلتُ شاكياً ... لَعَمْري أمأذونٌ لِعَبْدكَ أن يُعْنَى
стр. 144
وإن تتأكّدْ في دمي لك نيّةٌ ... فإنّي سَيْفٌ لا أُحِبّ له جَفْنَا
إذا ما غدا من حرّ سيفك بارِدَاً ... فَقِدْمَاً غدا من بَرْد نعماكمُ سُخْنَا
وهل هي إلاّ ساعةٌ ثم بعدها ... سَتَقْرَعُ ما عُمِّرْتَ من نَدَمٍ سنَّا
وما لَي من دهري حياةٌ ألَذُّهَا ... فتعتّدها نُعْمَى عليّ وتمتنَا
إذا مِيتَةُ أرْضَتْكَ عنّا فَهَاتِهَا ... حبيبٌ إلينا ما رضيتَ به عَنَّا
الفقيه أبو محمّد غانم بن الوليد المخزوميّ المالقيّ
عالم مُتفرِّس، وفقيه مدرّس وأُستاذ مُجوِّد، وإمام لأهل الأندلس مجوّد وأما الأدب فكان جلَّ شُرعته، ورأس بُغيته، مع فضل وحسن طريقة وجدّ في جميع أموره وحقيقة، وله شعر:
صيِّر فؤادَكَ للمحبوبِ مَنْزَلَةً ... سَمُّ الخِيَاطِ مجالٌ لِلْمُحِبَّيْنِ
стр. 145
ولا تُسَامِحْ بغيضاً في مُعَاشَرَةٍ ... فقلّما تَسَعُ الدّنيا بَغِيضَيْنِ
وله أيضاً:
الصَّبْرُ أوْلَى بوقارِ الفَتَى ... من قَلَقٍ يَهْتِكُ سِتْرَ الوقَارْ
من لَزِمَ الصَّبرَ على حالِةٍ ... كان على أيّامه بالخيارْ
الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عُمَر يوسف بن عبد الله
بن عبد البِرّ
إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معَالِمُها، صحَّح المَتن والسَّند وميّز المُرسل، وفرّق بين الموصول والقاطع، وكسا المِلَّة منه نور ساطع حصر الرّواة، وأحصى الضعفاء منهم الثقات، وجدّ في تصحيح السقيم، وجدّد منه ما كان كالكهف والرقيم،
стр. 146
مع معاناة العلل، وإرهاف ذلك العَلل، والتثقيف للمؤتلف، والتنبيه على المختلف وشرح المقفل، واستدراك المغفل، وله فنون هي للشريعة رِتَاج، وفي مفرق الملّة تاج، أشهرت للحديث ظُبى، وفرعت لمعرفته رُبَى، وهبّت لتفهمّه
شمالاً وصبا، وكان ثقة، وكانت الأنفس على تفضيله متّفقه، وأما أدبه فلا تُعبَر لُجَّتُه، ولا تُدحَض حُجَّته، وله شعر لم أجد منه إلاّ ما نفث به أنفة، وأوصى فيه من تخلّفه، فمن ذلك قوله، وقد دخل إشبيلية فلم يلق فيها مبرّة، ولم ير من أهلها تَهلُّل أسرّة، فأقام بها حتى أخلقه مقامه، وأطبَقه اغتِمَامه، فارتجل وقال:
تنكّر من كُنّا نُسَرُّ بِقُربِهِ ... وصار زُعَاقاً بعدما كان سَلْسَلا
وَحُقَّ لِجَارٍ لم يوافقه جارُهُ ... ولا لاَءمَتْه الدّار أنْ يتحوّلا
стр. 147
بَليتُ بحمص والمقام بِبلْدةٍ ... طويلاً لَعَمْري يورثُ البِلَى
إذا هان حُرٌّ عِنْدَ قَوْمٍ أتَاهمُ ... ولم يَنْأ عَنْهم كان أعمى وأجْهَلا
ولم تُضْرَب الأمثال إلاّ لعالم ... وما عوقب الإنسانُ إلاّ ليعقِلا
وله أيضاً يوصي أبنه بمقصورة:
تَجَافَ عن الدُّنيا وهوِّن لقَدْرِهَا ... ووفِّ سبيل الدين بالعُرْوَة الوُثْقَى
وسارِعْ بتقوى الله سِرّاً وجهرةً ... فلا ذمّة أقْوى هُدِيتَ من التَّقْوِى
ولا تنس شُكْرَ الله في كُلِّ نِعْمَةٍ ... يَمُنُّ بها فالشُّكْرُ مُستَجْلِب النُّعمَى
فَدَعْ عَنْكَ ما لا حظّ فيهِ لِعَاقِلٍ ... فإنَّ طريقَ الحقِّ أبلجُ لا يَخْفَى
وشُحَّ بأيامٍ بَقِينَ قَلاِلٍ ... وعُمْرٍ قَصيرٍ لا يدوم ولا يَبقَى
ألم ترَ أن العُمْرَ يَمْضي مولِّيَاً فجِدَّتُه تَبلَى ومُدَّتُه تَفْنَى
نخوضُ وَلْهو غَفْلَةً وجَهالةً ... ونَنشُرُ أعمالاً وأعْمارُنَا تُطْوَى
تواصِلُنَا فيه الحوادثُ بالرَّدَى ... وَتَنتَابًنَا فيه النوائِبُ بالبَلْوَى
عَجِبتُ لِنَفْس تُبْصِرُ الحقَّ بَيِّنَاً ... لدَيها وَتأبَى أن تفارقَ ما تَهْوَى
وَتَسْعَى لما فيهِ عليهَا مضرَّةٌ ... وقد عَلِمتْ أنْ سَوفَ تُجزَى بما تَسْعَى
ذُنُوبيَ أخْشَاها ولستُ بآيسٍ ... وربِّيَ أهْلٌ أنْ يُخَافَ وأن يُرْجَى
وإنْ كان ربّي غافراً ذَنْبَ من يَشَا ... فإنّي لا أدري أأُكْرَمُ أم أُخْزَى
стр. 148
الفقيه الأجلّ الحافظ أبو بكر بن العربي
علم الأعلام الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء إياس وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع من الأصل، وغدا في يد الإسلام، أمضى من النصل، سقى الله به الأندلس بعدما أجدبت من المعارف، ومدّ عليها منه الظّل الوَارِف، وكساها رونق نبله، وسَقاها ريِّق وِبله، وكان أبوه بإشبيلية بدراً في فَلكها، وصدراً في مجلس ملكها، واصطفاه مُعتمد بني عَبَّاد، اصطفاء المأمون لابن أبي دُؤاد
стр. 149
وولاّه الولايات الشريفة، وبوَّأه المُنِيفَة، فلما أقفرت حِمص من مُلكهم وخَلت، وألقتهم منها وتخلّت، رحل به إلى المشرق، وحلّ فيه محلّ الخائف الفَرِق، فجال في أكنافه، وأجال قِداح الرجاء في استقبال العزّ واستئنافه، فلم يستردّ ذاهباً، ولم يجد كمعتمده باذلاً له وواهباً، فعاد إلى الرواية والسّماع، (وما استفاد) من آمال تلك الأطماع، وأبو بكر إذ ذاك في ثرى الذكاء قضيب ما دوّح، وفي روض الشباب زهر ما صوَّح، فألزمه مجالس العلم رائِحاً وغادياً، ولازمه سائِقاً إليها وحادِياً، حتى استقرّت به مجالسه، واطّردت له مقايسه، فجدّ في طلبه، واستجدّ به أبوه متمزّق أربه فأدركه حِمَامه، ووارته هناك رِجَامُه، وبقي أبو بكر مُتفرِّداً، وللطلب مُتجرِّداً، حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه رياسته مَحيداً، فكّر إلى الأندلس فحلّها والنّفوس إليه متطلّعة ولأنبائه متسمّعة، فناهيك من
стр. 150
حضوة لقي، ومن عزة سُقي، ومن رفعة سما إليها ورقي، وحسبك من مفاخر قلّدها، ومن محاسن أُنسٍ نبتها فيها وخلّدها وقد أثبت من بديع نظمه ما يهز أعطافاً، وتردّه الإفهام نُطافاً، فمن ذلك قوله يتشوّق إلى بغداد، ويُخاطب فيها أهل الوِداد:
أمِنْكَ سَرَى واللّيلُ يَخْدَعُ بالفَجْرِ ... خيالُ حَبيبٍ قد حَوَى قَصَبَ الفَخْرِ
جلا ظُلَم الظَّلْماءِ مشرقُ نورِه ... ولم يخبط الظَّلْماء بالأنْجمِ الزُّهْرِ
ولم يرض بالأرض البسطة مَسْحَبا ... فصار على الجوزاءِ إلى فلك يَسْري
وحثَّ مَطَايا قد مَطَاها بعِزَّة ... فأوطأها قسراً على قُنَّة النَّسْرِ
فصارت ثِقَالاً بالجلالة فَوْقَها ... وسارت عِجَالا تتقي ألَمَ الزَّجْرِ
стр. 151
وجرّت على ذَيْل المجرّةِ ذَيَلَها ... فمن ثم يبدو ما هنالك لمن يَسْري
ومرّت على الجوزاء توضع فوقها ... فآثر ما مرّت به كلف البَدْرِ
وساقت أريج الخُلْد من جنة العُلا ... فدع عنك رَمْلاً بالأُنَيْعِمِ يَسْتَذري
فما حَذَرَتْ قَيْسَاً ولا خيل عامرٍ ... ولا أضمرت خوفاً لقاء بني ضَمْرِ
سقى الله مِصْراً والعِراقَ وأهْلَها ... وبغدادَ والشامين مُنْهَمِلَ القَطْرِ
الفقيه أبو بكر بن أبي الدَّوس ﵀
من أبدع الناس خطاً، وأصحّهم نقلاً وضبطَاً، اشتهر بالإقراء، واقتصر بذلك على الأُمراء، ولم ينحطّ لسواهم، ومطل الناس بذلك
стр. 152
ولواهم، وكان كثير التّحوّل، عظيم التّجوّل، لا يستقر في بَلد، ولا يستظهر على حرمانه بَجلد، فقذفته النَّوى، وطردته عن كلِّ ثوا، ثم استقر آخر عمره بأغمات، وبها مات، وكان له شعر بديع يصونه أبداً، ولا يمدّ به يداً.
أخبرني من دخل عليه بالمريَّة، فرآه في غاية إملاق، وفي ثياب أخلاق وقد توارى في منزله توارى المذنب، وقعد عن الناس قعود مُجتنِب، فلمّا علم ما هو فيه وعلم ترفُّعه عمَّن يجتديه، عاتبه في ذلك الاعتزال، وآخذه حتى استنزله بفَيض الاستنزال، وقال له: هلاّ كتبت إلى المعتصم فما في ذلك ما يصم، فكتب إليه:
إليك أبا يحيى مددتُ يَدَ المُنَى ... وقِدْماً غَدَتْ عن جُودِ غيرك تُقَبَضُ
стр. 153
وكانت كُنورِ العَيْنِ يَلْمع بالدُّجى ... فلمّا دعاه الصّبح لَبَّاه يَنْهَضُ
الفقيه القاضي أبو الفَضْل جَعْفَر بن مُحَمّد بن يوسف
الأعلم
كهل الطريقة، وفتى الحقيقة، تدرَّع الصيانة، وبَرع في الورع والدّيانة، وتماسك عن الدنيا عفافاً، وما تماسك التماساً بأهلها والتفافاً، فاعتقل النُّهى وتنقّل في مراتبها حتى استقر فيها في السُّها، وعطّل أيام الشباب، ومطل فيها سعاد وزينب والرّباب، إلا ساعات وقَفها على المُدام، وعَطفها إلى النِّدام، حتى تخلّى عن ذلك واتّرك، وأدرك من المعلومات ما أدرك، وتعرّى من الشُّبُهات وسَرى إلى الرُّشد مُستيقِظاً من تلك السِّنات، وله تصرّف في شتَّى الفنون، وتقدّم في
стр. 154
معرفة المفروض والمسنون، وأما الأدب فلم يُجاره في ميدانه أحد، ولم يَستولِ على إحسانه فيه حصر ولا حدّ، وجدُّه أبو الحجَّاج الأعلم، هو خلَّد منه ما خلَّد، ومنه تقلّد ما تقلّد، وقد أثبتُّ لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زُلالا، ويُريك سِحَر البيان حلالا، فمن ذلك ما كتب به إليَّ وقد مررت على شَنتمرِيَّة بعدما رحل عنّا وانتقل، واعتقل من نَوانا وبيننا ما اعتقل، فشنتمريّة هذه داره، وبها كَمُل هِلاله وابداره، وبها تستُقضِي، وشيم مضاؤه وانتُضي، فالتقينا بها على ظَهر، وتعاطينا ذكر ذلك الدَّهر، فجدّدتُ من شوقه، ما كان قد شبّ عن طوقه فرامني على الإقامة، وسَامني على ذلك بكل كرامة فأبيتُ إلاّ النَّوى، وانثنيتُ عن الثوا بذلك المثوى، فودّعني ودفع إليّ تلك القِطعَة حين شيّعني:
شرَايَ أطْلَعتِ السُّعُودُ على ... آفاق أنسي بَدْرَها كَمَلا
وكَسَا أديمَ الأرض منه سناً ... فكست بسائطها له حُلَلا
стр. 155
إيهٍ أبا نَصْرٍ وكم زَمَنٍ ... قصر ادكارك عندي الأملا
هَلْ تَذْكُرَنْ والعَهْدُ يُخْجِلُني ... هل تَذْكُرَنْ أيّامنَا الأُوَلا
أيّام نَعْثَرُ في أعِنَّتِنَا ... ونجرُّ من أَبْرادِنَا حُلَلاَ
ونَحُلُّ روضَ الأنس مُؤْتَنِقَاً ... وتحلّ شمس مُرَادِنا الحَمَلا
وَنَرَى لَيَالِيَنَا مُسَاعِفَةً ... تدعو إلينا رِفْقَنَا الجَفَلَى
زَمَنٌ نقول على تَذَكُّرِهِ ... ما تمّ حتّى قيلَ قَدْ رَحَلا
عَرَضت لزورتكم وما عَرَضَتْ ... إلاّ لِتَمْحَقَ كلّ ما فَعَلا
ووافيته عشيّة من العشايا أيام ائتلافنا، وعودنا إلى مجلس الطَلب واختلافنا، فرأيته مستشرفاً متطلّعاً، يرتادُ مَوضِعاً يقيم به لثغور الأُنس مرتشفاً ولثديه مرتضعاً، فحين مقلني، تقلّدني إليه واعتقلني، ومِلنَا إلى روضة قد سندس الربيع بِسَاطها، ودبّج دَرانِك أوساطها، وأشعرت النفوس فيها بسرورها وانبساطها، فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار، ونتهادى أحاديث جهابذة وأخبار، إلى أن نثر زَعفرَان العشيّ، وأذهب الأنس خوف العالم الوحشيّ، فقمت وقام، وعوَّج الرّعب من ألسِنتِنا ما كان استقام، وقال:
стр. 156
وعشيَّةٍ كالسَّيْفِ إلاّ حَدّهُ ... بَسَطَ الرّبيعُ بِهَا لِنَعْلي خَدَّهُ
عاطيتُ كَاسَ الأُنْس فِيهَا واحِداً ... ما ضرّه أنْ كان جَمْعَاً وَحْدَهُ
وتنزّه يوماً بحديقة من حدائق الحضرة، قد اطّرد نَهرُها، وتوقّد زَهرُها، والريح يسقطه فيظم بلبّة الماء، ويتبسّم به فتختاله كصفحة خُضْرة السّماء فقال:
انظر إلى الأزْهَارِ كيفَ تَطَلَّعت ... بِسَمَاوةِ الرّوض المَجُودِ نُجُومَا
وتساقطت فكأنَّ مُسْتَرِقَاً دَنَا ... للسَّمْع فانقضَّتْ عليه رُجُومَا
وإلى مسيل الماء قد رَقَمتْ به ... صَنَعُ الرّياحِ من الحُبَابِ رُقُومَا
تَرْمي الرياحُ لها نَثِيراً زَهْرَهُ ... فتمدُّه في شاطئيه رَقِيمَا
وله يصف قلم يراعة، وبرع في صفته أعظم براعة:
ومُهَفْهَفٍ ذَلِقٍ صَليبِ المَكْسَرِ ... سَبَبٌ لَنيلِ المَطْلبِ المُتَعَذِّر
مُتَألَّقٌ تُنْبِيكَ صُفْرَةُ لَونِهِ ... بقديمِ صُحْبَتِهِ لآلِ الأصْفَرِ
ما ضَرَّهُ إنْ كانَ كَعْبُ يراعةٍ ... وَبِحُكْمِهِ اطّرَدَتْ كعوبُ السَّمْهَري
стр. 157
وله عندما شارف الكهولة، واستأنف قَطع صُرةٍ كانت موصولةً:
أمّا أنا فَقَدْ أرْعَويتُ عن الصِّبَا ... وَعَضَضْتُ من نَدَمٍ عليهِ بَنَاني
وأطَعْتُ نُصَّاحي ورُبَّ نصيحةٍ ... جاءوا بها فَلَجَجْتُ في العِصْيَانِ
أيّامَ أسْحَبُ من ذيول شَبِيبَتي ... مَرَحاً وأعْثَرُ في فُضولِ عِنَاني
وأُجلُّ كَأسي أنْ تُرَى موضوعةً ... فعلى يدي أو في يدي نَدْمَاني
أيّامَ أحْيا بالغَواني والغِنَا ... وأموتُ بين الرَّاحِ والرَّيْحَانِ
في فِتْيَةٍ فرضوا اتّصالَ هَوَاهُمُ ... فمُنَاهُمُ دَنٌّ من الأدْنَانِ
هَزَّتْ عُلاهم أرْيَحيَّاتِ الصِّبَا ... فهي النَّسيمُ وهُمْ غُصُونُ البَانِ
من كُلِّ مخلوع الأعِنَّةِ لم يُبَلْ ... في غيِّهِ بِتَصَارُفِ الأزْمَانِ
وله حين أقلعَ وأنَاب، وودّع ذلك الجناب، وتزهّد وتتنسَك وتمسَّك من طاعة الله بما تَمسَّك، وثاب يوماً يتَجرَّدُ من أملِه وينفرِدُ فيه بعَلمِه:
الموتُ يُشْغِلُ ذِكْرُهُ ... عن كُلِّ مَعْلُومٍ سِبوَاهْ
فاعمَرْ له رَبْعَ ادّكا ... رك بالعشيّةِ والغَدَاهْ
стр. 158
واكْحَلْ به طَرْفَ اعتبا ... رِكَ طُولَ أيَّامِ الحَياهْ
قبل ارتكاضِ النَّفْسِ ما ... بين التَّرائِبِ واللَّهَاهْ
فَيُقَالُ هذا جَعْفَرٌ ... رَهْنٌ بما كسبتْ يداهْ
عَصَفَتْ به ريحُ المنو ... ن فَصَيَّرتْهُ كما تَرَاهْ
فضعوه في أكْفَانِهِ ... ودعوه يَجْني ما جناهِ
وتمتَّعُوا بمتاعهِ ال ... مخزون واحْووا ما حَوَاهْ
يا مَصْرَعاً مُسْتَبْشَعاً ... بلغُ الكتابُ به مَدَاهْ
لُقِّيتُ فيه بشارةً ... تشْفي فُؤَادي من جَوَاهْ
ولقيتُ بَعْدَك خَيْرَ مَنْ ... نَبّاه ربّي واجْتَبَاهْ
في دار خفض ما اشتهت ... نَفْسُ المقيم بما أتَاهْ
وله من النثر يصف فَرساً: انظر إليه سليمَ الأديمِ، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء واليَحمُوم، نجمٌ إذا بَدا، ووَهمٌ إذا عَدا، يستقبل بِغَزال ويستدبر برال، ويتحلّى بشيّات تقسيمات الجمال.
وله يصف سَرجاً، من النثر: بزَّةُ جِياد، ومَركب أجواد، جميل
стр. 159
الظاهر، رحيب ما بين القادمة والآخر، كأنما قُدَّ من الخُدودِ أديمه، واختص بإتقان الحُبُك تقويمه.
وله في وصف لِجَام (من النثر): مُتَناسب الأشلاءِ، صحيح الانتماء إلى ثُريَّا السَّماء، فكلّه نكال، وسائره جمال.
وله في وصف رمح، (من النثر): مطّرد الكعوب، صحيح اتصال الغالب والمغلوب، أخ ينوب كلّما استنيب ويصيب.
وله في وصف قميص (من النثر): كافوريُّ الأديم، بابليُّ الرّسوم، تباشر منه الجسوم ما يباشر الروض من النّسيم.
وله في وصف بغل (من النثر): مُقرِفُ النَّسب، مستخبر الشّرف آمن الكبب إنّ ركب امتنع اعتماله، أو ركب استقلّ به أخواله.
وله في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل.
تمّ القسم الثاني من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنّس بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 160
القسم الثالث في
الأعْيان من الأدباء
وهو مٍمّا لم يُذكر في قلائِد العِقْيَان
стр. 161
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأديب الشاعر النبيه أبو عُمَر يوسف بن هارون
المعروف بالرّمادي
شاعر مُفلق، انفرج له من الصناعة المُغلق، ووَمض له برقُها المؤتَلِق وسال به طبعه كالماء المُندَفِق، فأجمع على تفضيله المُختلف والمُتَّفق، فتارةً يُحزن وأخرى يُسهل، وفي كلتيهما بالبديع يَعلُّ وينهل، فاشتهر عند العامة والخاصة بانطباعه في الفريقين، وإبداعه في
стр. 162
الطريقين، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين، وعلى الصّناعة متغايرين، وكلاهما من كِندة وما منهما إلاّ من اقتدح في الإحسان زندَه، وما قصر عنه في إحسان، ولا جاز بينهما تفضيل إنسان، وتمادى بأبي عمر، طلق العمر، حتى أفرده صاحبه ونديمُه، وهُرِيق شبَابُه واستشنَّ أديمُه، ففارق تلك الأيام وبَهجتها، وأدرك الفتنة فخاض لُجَّتها، وأقام فَرِقاً من هَيجانِها، شَرِقاً بأشجانِها ولحقته منها فاقه نَهكتهُ، وبعُدت عنه الإفاقة حتى أهلكته، وقد أثبتُّ من محاسنه ما يُعجبُك سَردُه، ولا يُمكنك نقدُه، فمن ذلك قولُه:
شَطَّتْ نَوَاهم بِشَمْسٍ في هَوادِجِهِم ... لولا تَلألُؤُهَا في ليلهنَّ عَشُوا
شَكَت محاسنَها عيني وقد غدرت ... لأنّها بضمير القلب تَنْجَمِشُ
شَعرٌ وَوجٌ تَبَارى في افْتِخَارِهِمَا ... بِحُسْنِ هذا وذاك الرّوم والحَبَشُ
شَكَكْتُ في سَقَمي منها أفي فُرُشي ... منها نُكِسْتُ وإلاّ الطيف والفرش
стр. 163
وله أيضاً:
في أيّ جَارِحَةٍ أصُونُ مُعّذِّبي ... سَلِمَتْ من التَّعْذيب والتَّنكيلِ
إنْ قُلتُ في عيني فَثمَّ مَدَامعِي ... أو قلت في قَلْبي فثمَّ غَلِيلي
لكن جعلت له المسامع مَسْكِنَا ... وحَجَبْتُه عن عَذْل كُلِّ عَذُولِ
وثَلاثُ شيْبَاتٍ نَزَلْن بِمَفْرِقي ... فَعَلِمْتُ أنَّ نُزُولهنّ رَحيلي
طلعت ثلاثٌ في طلوع ثلاَثةٍ ... واشٍ ووجِ مراقبٍ وثقيلِ
فعذلتني عن صبوتي فَلئِن ذَلَلْ ... تُ فقد سمعتَ بِذلَّة المَعْذُولِ
إنْ كُنتَ ودَّعْتَ التّصابي عن قِلىً ... وَبَدْت برأسي حُجَّة لِعَذُولِ
فقد اغتدي والصُّبْح في تَوْريسِهِ ... تَقْضي العيونُ له بوجه عليلِ
بأقبِّ لون الآبنوسِ مُفضَّض ... في غُرّةٍ منه وفي تَحْجيلِ
مُستَغْرِقٌ لِصِفَاتِ زَيْد الخَيل وال ... غنويّ والمربيّ والضِّلّيلِ
стр. 164
يَزْهَى بتحليةِ اللَّجام كما زَهَى ... مَلِكٌ مُحلَّى الرأسِ بالإكليلِ
فله المَلاحِظُ مِنْ حَبِيبٍ هَاجِرٍ ... للصّب أو مُتكبِّرٍ لذَلِيلِ
ومنها:
وكأنّما فلَّ الخطوبَ بحازمٍ ... فلَّ الجياد بحدّه المفلولِ
حتى إذا صُدْنَا الوحوش فلم ندع ... مِنْهُنَّ غيرَ مَعَالمٍ وطلولِ
قامت قوائمه لنا بِطَعَامِنَا ... غضَّا وقام العُرْف بالمِنْدِيلِ
ومنها:
ومكبّل لم يجترم جرماً ولا ... دانت سحائبه بغير كبولِ
متدرّع بالوَشْي إلاّ أن مَدْ ... رَعه يُحَاك عليه غير طويلِ
فكأنّ بَلقِيساً عليها وَشْيُها ... في الصَّرح رافعةٌ لفضل ذيولِ
стр. 165
متقلّب كتقلُّبِ المُرْتَاع يَقْسِمُ ... لَحْظَهُ في الجَوْل بعد الجَوْلِ
حتى إذا ما السِّربُ عَنَّ لِطَرْفِهِ ... أو ما نجا فيتيه خَلِّ سبيلي
أرْ سَلْتُه في إثرهنَّ كأنَّهُنْ ... عصينَ لي أمْراً وكان رَسولي
ولت سراعا ثم شد وراءها ... فكأنّه بطل وراء رعيلِ
عجلت فأدركها ردى في إثرها ... إنّ الردى قيد لكُلّ عجولِ
فقضى على سبعين ضار خطمه ... هو عقدة التعبير في التمثيل
ومنها:
حتى إذا حَمَل السّحابَ بجيدِهِ ... لم تَحْتَمِلْهُ فَرائِضُ المَحْمُولِ
وله أيضاً يتغزل:
أوْمَى لتقبيل البِسَاطِ خُنُوعَا ... فوضعت خَدّي في التُّرَاب خُضُوعَا
ما كان مذهبُهُ الخنوعَ لِعَبْدِهِ ... إلاّ زيادةَ قَلْبه تَقْطِيعَا
قولوا لِمَنْ أخَذَ الفُؤَادَ مُسلَّمَاً ... يَمْنُنْ عليَّ بردِّهِ مَصْدُوعَا
العَبْدُ قَدْ يَعصَى وأحْلِفُ أنَّني ... ما كُنْتُ إلاّ سامعاً ومُطيعَا
مولاي يَحْيى في حياةٍ كاسْمِهِ ... وأنا أمُوتُ صَبَابَةً وَوَلُوعَا
стр. 166
لا تنكروا غيثَ الدموع فكلّ ما ... ينحلُّ من جسمي يكون دموعا
وكان كَلِفاً بفتى نصرانيّ، استسهل لباس زُنَّاره، والخلود معه في ناره، وخلع برودَه لِمُسُوحِه، وتسوّغ الأخذ عن مسيحهِ، وراح في بيعته، وغدا من شيعته، ولم يشرب نصيبه، حتى حطّ عليه صليبه، فقال:
أدِرْهَا مِثْلَ ريقك ثمّ صَلِّبْ ... كعادتكم على وَهْمي وكاسي
فيقضي ما أمَرْتَ به اجّتِلابَاً ... لمسروري وزاد خُنُوع راسي
وله أيضاً في مثله:
ورأيتُ فَوْقَ النَّحْرِ در ... عاً فَاقِعَاً من زَعْفَرَانِ
فَزَجَرْتُه لوناً سَقَا ... مي بالنَّوى والزَّجر شاني
يا مَنْ نأى عنّي كَمَا ... تَنْأَى العيون الفَرْقَدَانِ
فأرى بعيني الفرقدي ... ن ولا أرَاهُ ولا يَرَاني
стр. 167
لا قُدِّرَتْ لك أوْبَةٌ ... حتى يَؤوُبَ القَارِظَانِ
هل ثَمَّ إلاّ الموتُ فَرْ ... دَاً لا تكون مَنيَّتَانِ
وله أيضاً ﵀:
أشربِ الكَأسَ يا نصيرُ وهاتِ ... إنَّ هذا النَّهَارَ من حَسَنَاتي
بأبي غُرَّةُ تَرَى الشَّخْصَ فيها ... في صَفَاءٍ أصْفَى من المِرْآةِ
يَنْزحُ النّاس نحوها بازدحامٍ ... كازدحام الحجيج في عَرَفَاتِ
هاتِهَا يا نصيرُ إنَّا اجْتَمَعْنَا ... بقلوبٍ في الدين مُختَلِفَاتِ
إنّما نحن في مجالس لَهْوٍ ... نشربُ الرّاحَ ثُمَّ أنْتَ مُواتي
فإذا ما انقضت دِنَانَةُ ذا اللَّه ... واعتمدنا مواضع الصَّلَواتِ
لو مَضَى الدَّهْرُ راح وقَصْفٍ ... لَعَدَدْنَا هذا من السَّيئاتِ
وشاعت عنه أشعارٌ في دولة الخلافة وأهلِها، سدّد إليهم صائبات نَبلها، وسقاهم كؤوس نَهلها، أوغَرت عليه الصدور، ونَفرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهراً، وأسلكه من النَّكبة وعْراً، فاستعطفه أثناء ذلك واستلطفه، وأجناه كلّ
стр. 168
زهر من الإحسان وأقطفه، فما أصغى إليه، ولا ألغى موجدته عليه، وله في السجن أشعار صرّح فيها ببثِّه، وأفصح فيها عن جُلِّ الخَطب لفقد صبره ونكثه، فمن ذلك قوله:
لك الأمنُ مِنْ شَجْوٍ ... يزيد تَشَوقُّي
ومنها:
فوافوا بنا الزهراء في حال خالع ال ... أئِمةِ لاستيغالهم في التَّوثٌّقِ
وحولَي مِنْ أهْلِ التأدُّبِ مَأتَمٌ ... ولا جُؤْذرٌ إلاّ بثوبٍ مُشَقَّقِ
فلو أنّ في عيني الحمام كرَوْضِهَا ... وإنْ كَانَ في ألوانه غير مُشفقِ
ونادَى حِمَامي مُهْجتي لتغَافَلت ... فهلا أجابت وهو عندي لمحنق
أعينيَّ إنْ كانت لدمعيَ فَضْلَةٌ ... تثبّت صَبْري ساعةً فتدَّفقي
فلو ساعدت قالت أمِنْ قِلَّة الأسى ... تنقّت دُمُوعي أمْ مِنَ البَحْرِ تَسْتَقي
ومنها:
تكلّفني أنْ أُعْتبُ الدَّهْرَ أنَّها ... لجَاهِلَةٌ من لي بأعتاب محنقٍ
وقالت: تظنّ الدَّهْرَ يَجْمعُ بيْنَنا ... فقلتُ لها: مَنْ لِي بظنّ مُحقَّقِ
ولكنّني فيما زجرتُ بِمُقْلَةٍ ... زجرتُ اجتماعَ الشّمْل بعد التفرّقِ
стр. 169
فقد كانت الأشْفَارُ في مثل بُعْدِنَا ... فلمّا التقتْ بالطّيفِ قالت سَنَلْتَقي
أباكيةً يوماً ولم يأتِ وَقْتُهُ ... سينفدُ قَبْلَ اليوم دمعُكِ فارْفِقِي
ومُذْ لَمْ تريني أنت في ثوب ضائع ... لعمري لقد حفّت بعيّ مُمَزّق
وقال أيضاً في السجن:
نُسَائِلُهَا هلاّ كَفَاكِ نُحُولُه ... ونَصْبَتُه أوْ دَمْعُهُ وهمُولُهُ
تَكَنَّفَهُ هَمّانِ شَجْوٌ وصَبْوَةٌ ... فَبُلِّغَ واشِيه المُنَى وعَذُولُهُ
فإنْ تَسْتَبِنْ في وَجِهْهِ هَمَّ سِجْنه ... فقد غابَ في الأحشاءِ عنكَ دَخيلُهُ
معنّى بكتمان الحبيب وحُبِّه ... فإنْ يقتل الكِتْمَان فهو قَتِيلُهُ
ومنها:
وَاقْبَلنَ مِنْ نَحْو الحبيبِ كأنَّمَا ... تحاشد نحويي جَفْنُهُ ونصُولُهُ
دعوني أشمُّ بالبابِ برقَ أحبَّتي ... قواماً فَلَمْ يسمع بذاك وكيلُهُ
يعمُّ فلا يألوا حصَاراً لَعلَّهُ ... سيودي فيودي بثه وأليلُهُ
فلو كان في هذا الحصار سميُّه ... لأنساه طول السّبع في اليوم طوله
لقد راعني سِجْني فَشطَّ ولو دَنَا ... من السجن لم يسهل عليّ دُخُوله
يعزُّ على الورْدِ النّضير حُلُولُه ... ولم يكُ عِنْدَ المُسْتَهام نُزُولُه
стр. 170
وله أيضاً:
على كبَري تهمي السَّحَاب وتَذرف ... ومن جَزَعي تبْكي الحمامُ وتَهْتِفُ
كأن السّحابَ الواكفاتِ غَوَاسلي ... وتلك على فقدي نوائحُ هُتَّفُ
إلا ظعنت ليلى وبان قطينُها ... ولكنّني باقٍ فلوموا وعنِّفوا
وآنستُ في وَجْهِ الصَّباح لبَيْنها ... نحولا كأنّ الصّبحَ مثليَ مُدْنَفُ
وأقربُ عَهْدٍ رَشْفَةٌ بلَّتْ الحَشَا ... فعاد شتاءً بارداً وهو صَيِّفُ
وكانت على خَوْفٍ فولَّتْ كَأنَّها ... من الرِّدْفِ في قيد الخلاخل تَرْسُفُ
وله أيضاً:
مُقْلَتي ضَرَّجَتْكِ بالتّوريدِ ... فدعي لي قلبي ومنها استفيدي
هذه العينُ ذَنْبُهَا ما ذَكَرْنَا ... أيّ ذَنْبٍ لقلبيَ المعمودِ
لو تردّت بحجّة العين ماذا ... لم تعاقب بالدمع والتَّسْهيدِ
بَلَغَ الياسمينُ في القَدْرِ أنْ قَدْ ... لفّ من خدِّها بوَرْدٍ نَضِيدِ
كلّ شيء أتُوبُ عَنْهُ ولا تو ... بة لي من هوى الحسانِ الغِيدِ
من لعَانٍ مِنْهُنَّ غير طَليقٍ ... وسقيمٍ مِنْهُنَّ غير مَعُودِ
شهدت أدْمُعي بوجدي وزوّرْ ... نَ لشاني إذ خانه مَجْلودي
أيُّها اللائمي على الحُبِّ مَهْلاً ... هل تُلامُ الحِمَامُ في التَّغْرِيدِ
стр. 171
وله أيضاً:
فَقَدَتْ دموعي يُوسُفَاً في حُسْنه ... فغدوتُ يَعْقُوباً بِسدَّةِ وَجْدِهِ
وعَمِيتُ مِمَّا قِدْ لَقِيتُ من البُكَا ... حتّى مَسَحْتُ على الجُفُونِ بِبُرْدِهِ
وله أيضاً:
قَبَّلتُهُ قُدَّامَ قِسِّيسه ... شَرِبْتُ كاساتٍ بِتَقْدِيسهِ
يَقْرعُ قَلْبي عِنْدَ ذِكْري لَهُ ... من فَرْطِ شَوْقي قَرْعُ نَاقُوسِهِ
وسُجن معه غلام من أولاد العبيد فيه مَجال، وفي نفس متأملة من لوعته أو جَال، فكتب يخاطب الموكّل بباب السِّجن بقطعة منها:
حبيسك ممّن أتْلَفَ الحُبُّ قَلْبَهُ ... ويلذعُ قَلْبي حُرقَةٌ دُونَها الجَمْرُ
هلالٌ وفي غير السماءِ طُلُوعهُ ... وريمٌ ولكن ليس مَسْكَنَهُ القَفْرُ
تأمَّلْتُ عينيهِ فخامرني السُّكرُ ... ولا شكّ في أنّ العيونَ هي الخَمْرُ
أُنَاطِقُهُ كيما يقولَ، وإنَّما ... أُنَاطِقُهُ عَمْدَاً لينتثر الدُّرُّ
أنا عبده وهو المليكُ كما اسمُهُ ... فلي مكنه شَطْر كامل وله الشَّطْرُ
стр. 172
الأديب أبو القاسم مُحَمَّد بن هانئ
عِلقٌ خطير، وروض أدبٍ مَطير، غاص في طلب الغريب حتى أخرج دُرَّه المَكنون، وبهرج بافتنانه كل الفُنون، وله نَظم تتمنّى الثُّريا أن تُتوَّج به وتتقلّد، ويودّ البدر أن يكتبَ فيه ما اخترع وولّد، زهت به الأندلس وتاهت وحاسنت ببدائعه الأشمس وباهت فحسد المغرب فيه المَشرق، وغصّ به من بالعراق وشَرق، غير أنه نبت به أكنافُها، وشَمخت عليه أنافُها، وبرئت منه، وزوى الخير فيها عنه، لأنه سَلك مسلك المعرّي، وتجرّد من التديّن وعُرِّي، وأبدى
стр. 173
الغُلُوَّ، وتعدَّى الحقَّ المَجلُوَّ، فمجَّتهُ الأنفس، وأزعجته الأندلس، فخرج على غير اختيار، وما عرج على هذه الديار إلى أن وصل الزّاب واتصل بجعفر بن الأندلسيّة مَأوى تلك الجنسيّة فناهيك من سَعد ورد عليه فكرع ومن باب ولج فيه وما قَرع، فاسترجع عنده شبابه، وانتجع وَبله وربابه، وتلقّاه بتأهيل ورُحب، وسقاه صوب تلك السُّحب، وأفرَط في مدحه له في الغُلوَّ وزاد، وفَرَّغ عنده تلك المزاد، ولم يتورَّع، ولا ثناه ذو وَرع، وعلى هذه الهِنَة فله بدائع يُتحيَّرُ فيها ويُحار ويُخال لرقَّتِها أنها أسحار، فإنه اعتمد التهذيب والتحرير، وأتَّبع فيها الفَرزْدق مع جرير،
وأمّا تشبيهاته فخرق فيها المُعتاد، وما شاء منها اقتاد، وقد أثبتّ له ما تحنّ له الأسماعُ، ولا تتمكّن منه الأطماع، فمن ذلك قوله:
стр. 174
ألَيْلَتَنا إذْ أرْسَلَتْ وارِداً وَحْفَا ... وبتنا نرى الجوزاء في أُذنِهَا شَنْفَا
وباتَ لنا ساقٍ يقومُ على الدُّجَى ... بِشَمْعَةَ صُبْح لا تُقَطُّ ولا تُطْفَا
أغنّ غضيض خفّف اللينُ قدَّهُ ... وَثَقّلَتِ الصَّهبَاءُ أجفَانَه الوُطْفَا
ولم يُبْقِ إرْعاش المُدَامِ له يَدَا ... ولم يُبْقِ إعنات التَّثنّي له عِطْفَا
نزيفٌ نَضَاه السُّكر إلاّ ارتجاجة ... إذا كَلَّ عنها الخِصْرُ حمّلها الرِّدْفَا
يقولون حِقْفٌ فَوقَهُ خَيزُرَانَةٌ ... أمَا يَعرِفُونَ الخَيزُرانةَ والحِقفَا
جعلنا حشايانا ثيابَ مُدَامِنَا ... وَقَدَّتْ لنا الأزهارُ من جِلدِهَا لُحْفَا
فمن كَبِدٍ توحي إلى كَبِدٍ هَوَى ... ومن شَفَةٍ تومي إلى شَفَةٍ رَشْفَات
ومنها:
كأن السَّماكين اللّذين تراهُمَا ... على لِبْدَتَيهِ ضَامِنَانِ له حَتْفَا
فذا رَامِحٌ يهوي إليه سِنَانُه ... وذا أعْزّل قد عّضَّ أنْمُلَهُ لَهْفَا
كأنَّ سُهَيْلاً في مطالعِ أُفقهِ ... مُفَارِقُ إلْفٍ لم يَجِد بَعْده ألْفَا
كأنَّ بني نَعْشٍ وَنَعْشَاً مَطَافِلٌ ... بِوَجرَة قد أضْلَلنَ في مَهْمَةٍ خَشْفَا
كأنَّ سُهَاها عاشقٌ بين عُوّدٍ ... فآونة يدو وآونة يَخْفَى
стр. 175
كأنَّ قُدَامى النّسرِ والنّسرُ واقِعُ ... قُصّصنَ فلم تَسْمُ الخوافي به ضَعْفَا
كأنَّ أخاه حين حوَّمَ طائراً ... أتى دون نِصْف البَدْر فاختطف النَّصْفَا
كأنَّ ظلام الليل إذْ مال ميلة ... صريعُ مُدَامٍ بات يشربُها صِرْفَا
كأنّ عًمُودَ الصُّبْحِ خاقانُ مَعْشرٍ ... من التُّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخْفَى
كأنّ لواَء الشَّمسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ ... رأى القِرنَ فازدادَتْ طلاقته ضِعْفَا
وله أيضاً:
فُتِقَتْ لكم ريحُ الجِلادِ بِعَنْبَرٍ ... وأمدَّكُم فَلَقُ الصَّبَاحِ المُسْفِرِ
وجَنْيتُمُ ثَمَرَ الوقائعِ يانِعاً ... بالنًّصْرِ من عَلَقِ الحديد الأحْمرِ
أبني العَوالي السّمهريّة والسيو ... ف المشرفيّة والعديد الأكْثَرِ
من مِنْكُمُ المَلِكُ المُطَاعُ كأنَّه ... تحت السَّوابِغِ تٌبَّعٌ في حِمْيَرِ
стр. 176
جيش تقدّمه الليوث وفوقها ... كالغيل من قصب الوشيج الأخضر
وكأنَّمَا سَلَبََ القَشَاعِمَ ريشَها ... ممَا يشقّ من العَجَاجِ الأكّدَرِ
لحق القبول مع الدبورِ وسارَ في ... جمع الهِرَقْلِ وَعزْمة الإسْكَنْدَرِ
في فتية صَدَأُ الحديدِ لباسُهُم ... في عبقريّ البيد جِنَّةَ عَبْقَرِ
وكفاه من حُبِّ السَّمَاحَة أنَّهُ ... منه بموضع مُقلَةٍ من مَحْجِرِ
نَعْمَاؤه من رَحْمةٍ ولِبَاسُه ... من جنّة وعطاؤه من كَوْثَرِ
وله أيضاً من قصيدة في جعفر بن عليّ:
стр. 177
ألاَ أيّها الوادي المقدّس بالنّدى ... وأهلِ النَّدَى قلبي إليك مشوقُ
ويا أيّها القصرُ المنيفُ قِبَابُه ... على الزّابِ لا يُسْدَدْ إليك طريقُ
ويا مِلكَ الزابِ الرفيعَ عِمَادُهُ ... بقيتَ لجمع المَجْدِ وهو فريقٌ
فما أنْسَ لا أنْسَ الأميرَ إذا غَدَا ... يروع بحوراً ملكه ويروقُ
ولا الجودَ يجري من صفيحة وَجْهه ... إذا كان من ذاكَ الجبينِ شروقُ
وهزّته للمجْدِ حتّى كأنَّما ... جرت في سجاياهُ العذابِ رحيقُ
أما وأبي تلك الشّمائل إنّها ... دليلٌ على أنَّ النِّجَارَ عتيقُ
فكيف بصَبْرِ النّفس عنه ودونه ... من الأرض مغبَرّ الفجاج عميقُ
فكن كيف شاَء الناسُ أو شئتَ دائِماً ... فليس لهذا المُلْك غيرك فُوقُ
ولا تشكرِ الدُّنْيَا على نيل رُتْبَةٍ ... فما نلتها إلاّ وأنتَ حَقِيقَ
وله من قصيدة:
خليليّ أين الزّابُ مِنّي وجعفرُ ... وجنّةُ عَدْن بِنْتُ عَنهَا وكوثرُ
فقبلي نأى عن جنّة الخُلْد آدمٌ ... فما رَاقَهُ من جانبِ الأرض مَنْظَرُ
стр. 178
لقد سَرَّني أنَّي أمرُّ بباله ... فيخبرني عنه بذلك مُخْبِرُ
وقد ساَءني أنّي أراه بِبَلدَةٍ ... بها مَنسك منه عظيمٌ ومشْعَرُ
وقد كان لي منه شفيع مُشفَّعٌ ... به يمحص الله الذنوبَ ويغْفِرُ
أتى الناسُ أفواجاً إليكَ كأنَّما ... من الزّاب بيت أو من الزّاب مَحْشَرُ
فأنت لمن قد مزّق الله شَمْلَه ... ومعْشَره والأهلَ أهلٌ ومَعْشَرُ
وله أيضاً:
إلا طرقتنا والنجومُ ركود ... وفي الحيّ أيْقاظ وهُنَّ هُجُودُ
وقد أعجل الفجر الملمّع خطْوَها ... وفي أُخرياتِ اللّيل منه عمودُ
سَرَتْ عاطلاً غَضْبَى على الدرّ وحْدَه ... ولم يدرِ نَحْرٌ ما داهاهُ وجيدُ
فما بَرحَتْ إلاّ ومن سِلْك أدْمُعي ... قلائد في لبّاتها وعقودُ
ويا حُسْنَها في يوم نضّت سوالِفاً ... تريع إلى أترابها وتحيدُ
ألم يأتِهَا أنّا كبرنا عن الصّبا ... وأنا بَلينا والزمانُ جديدُ
ولا كالليالي ما لهُنَّ مواثقٌ ... ولا كالغواني ما لهنّ عهودُ
ومنها:
ولا كالمعزّ ابن النبي خليفة ... له الله بالفخرِ المبينِ شهيدُ
стр. 179
وله أيضاً:
قد مررنا على مغانيك تِلْكِ ... فرأينا بها مَشَابِهَ مِنْكِ
عارَضتْها المَهَا الخواذل سِرْبَاً ... عِنْدَ أجْرَاعِهَا فلم تَسَلْ عَنْكِ
لا يرع لِلْمَها بذلك سِرْبٌ ... أشبهتك في الوصف إن لم تَكُنْكِ
كن عذيري فقد رأيت مَعَاجي ... يوم تبكي بالجزع ولهى وأبْكي
بحنين مرجّع وتشكٍّ ... وأنين موجّع كتشكي
وله من قصيدة يمدح بها جعفر بن علي بن رمان:
قفا فلأمر سَرَيْنَا ولا نَسْري ... وإلاّ نرى مشي القَطَا الوارد الكُدْرِ
قفا نتبَّينْ أيْنَ ذا البرق منهم ... ومن أيْن تأتي الريح طيّبة النَّشْرِ
لعلّ ثَرَى الوادي الذي كنت مرّة ... أزورهم فيه تضوّع للسَّفْرٍ
وإلا فما وادٍ يسيلُ بِعَنْبَرٍ ... وإلاّ فما تَدْري الركاب ولا ندري
стр. 180
أكلّ كِناس بالصّريمِ تظنّه ... كِناس الظباءِ الدُّعْج والشُّدُنِ العُفْرِ
وهل عجبوا أنّي أُسَائِلُ عَنْهُمُ ... وهم بين أحناءِ الجوانحِ والصَّدْرِ
وهل علموا أنّي أُيَمِّمُ أرْضَهُمْ ... ومالي بها غير التَّعسُّفِ من خُبْرِ
ولي سَكَنٌ تَأتي الحَوادِثُ دُونَهُ ... فَيبعُدُ عن عيني ويَقْربُ من فِكْري
إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ جاشت بذِكْره ... كما عثر الساقي بِجَامٍ من الخَمْرِ
فلا تَسْألاني عن زماني الذي خَلا ... فوا لعصر إنّي بَعْدَ يحيى لفي خُسْرِ
وآليت لا أُعطي الزمانَ مقادتي ... إلى مثل يحيى ثم أُغْضي على الوتْرِ
حنيني إليهِ ظَاعِنَاً وَمُخَّيمَاً ... وليس حنينُ الطّير إلاّ إلى الوَكْرِ
وله من قصيدة:
فَتَكَاتُ طرفكِ أم سيوفُ أبيكِ ... وكؤوسُ خمركِ أم مراشفُ فيكِ
أجلادُ مُرْهَفَةٍ وفتكُ مَحَاجِرٍ ... لا أنْتِ راحِمَةٌ ولا أهْلُوكِ
يا بنتَ ذي السَّيْفِ الطّويل نِجَادُهُ ... أكَذَا يجوزُ الحكمُ في ناديك
عيناكِ أم مَغْنَاكِ مَوْعِدُنَا وفي ... وادي الكَرَى ألقاكِ أمْ واديكِ
وقال أيضاً:
أحبب بهاتيك القِبَابِ قِبَابَا ... لا بالحُداةِ ولا الرِّكابِ رِكَابَا
следующие страницы →