حين أستحضر هذا المعنى فلا أستطيع إخفاء استغرابي الشديد حين أجد تلك المقابلة التي تضفي شرعية للباطل متى ما أعطيت تلك الشرعية للحق، فإذا أعطيت للحق حق الدعوة فيجب أن تقبل ذلك من الباطل، وإذا سمحت بفرض هيمنة الشريعة فاقبل من العلماني أن يفرض هيمنة العلمانية، إنه من المهم جداً الانطلاق بالإسلام باعتباره حقاً والتعاطي مع الأفكار المخالفة له على أساس أنها باطل لا تتمتع بالشرعية، وأنه لا تناقض إطلاقاً حين أفسح المجال للحق ليعمل في الواقع وأجهد في منع جيوب الباطل، وأخشى صادقاً أن يكون محل السجال القادم في حقوق الباطل في المجتمعات المسلمة.
(٤) آخر ما أحب إبداؤه من ملاحظات يتصل بحالة الخلط الشديد بين سؤالين شديدي التباين، حالة الخلط هذه أفرزت قدراً من الإشكال في معالجة فكرة سيادة الأمة وتطبيق الشريعة
السؤالان ببساطة شديدة هما:
- من يطبق الشريعة؟
- لماذا نطبق الشريعة؟
والوعي بالفارق بين السؤالين يحل مشكلة سؤال السيادة لمن؟
فالذي يطبق الشريعة -في الأصل- ويخرجها إلى حيز التنفيذ هم حملة النظام السياسي الإسلامي المنبثق عن الأمة.
أما لماذا تطبق الشريعة فلأن تطبيقها هو مراد الله تعالى.
فشرعية التطبيق ليست ناشئةً عن إرادة الأمة وإنما الشرعية مكتسبة من واضع هذه الشريعة وهو الله تعالى، وفرق عظيم بين هذا التصور وبين من يجعل شرعية التطبيق راجعاً إلى إرادة الناس، فرق بين من ينفذ أحكام الشريعة في الواقع لأنها حكم الله وبين من ينفذها لأنها حكم الصندوق.
فالأمة إذن هي من تحمل الشريعة، أما لماذا تحملها؟ فلتحقيق مراد الله تعالى الذي أمر بالالتزام والإلزام بها.
فإن قيل:
الشريعة لا تطبق نفسها بنفسها، وإنما تحتاج إلى إرادةٍ وأناسٍ يطبقونها، وبغير هذه الإرادة لا يمكن أن تتمثل الشريعة في الواقع.
فيقال:
نعم، وليس هذا محل الإشكال ولا مجال البحث، فإن جميع الأعمال البشرية والتكاليف الشرعية لا تتحقق وجوداً في الواقع إلا بإرادة الامتثال، فالصلاة مثلاً لن تحصل ما لم يرد المصلي إيقاعها ولكن هذا لا يعني أن شرعية تحقيق الصلاة في الواقع ناشئةٌ عن هذا الإرادة هذا أولاً، وثانياً .. ليت من يطرح هذا الاستشكال لمنع هيمنة الشريعة إلا بالاختيار الحر، يستحضر إشكاله عند فرض هيمنة الديمقراطية في الواقع، فهي الأخرى كرةٌ في ملعب النظام السياسي تفتقر إلى تحريك الإرادة لتتحقق في الواقع، وهي الأخرى ليست كائناً يمشي على قدمين بل هي تحتاج إلى جملةٍ من الضمانات لتصح الممارسة الديمقراطية، ليتم حماية الأقليات من دكتاتورية الأكثرية، ولتتحقق قيم العدالة والمساواة، فما ستقدمه من معالجات لضمان تطبيق نظام صحي ديمقراطي في واقع (ما قبل النظام الديمقراطي) فالتزمه عند إرادة فرض الشريعة في واقع (ما قبل الشريعة)، وإذا كنت ترى أن أي نظام سياسي يجب أن يكون محكوماً بقيم العدل والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص، وأن الدولة يجب أن تكون دولة حقوق ومؤسسات وأن لهذه المعاني هيمنة واجبةً لذاتها عندك، فليكن هذا مدخلاً لتصور إمكانية إقامة نظامٍ محكومٍ بالإطار الإسلامي تكون السيادة فيها للشريعة، خصوصاً ونحن نتحدث عن شعوب مسلمة لا يتصور أن يُطرح عليها سؤال الهوية الدينية، فما بالنا نصر على طرحه، ونلتزم في سبيله بتلك اللوازم الفاسدة.
стр. 107
ونحن نتفهم تماماً أن فرض هيمنة الشريعة في الواقع يحتاج إلى حكمةٍ وعقلٍ وتصورٍ لأحكام الشريعةِ ومعطيات الواقعِ، فالذي حطم الأصنام بمكة يوم الفتح هو من كان يصلي عند الكعبة والأصنام تحيط بها من كل جانب. كما تنفهم أيضاً أن كثيراً من العاملين في الشأن السياسي من الإسلاميين اليوم يعملون في مناخ يستدعي قدراً من المرونة والمناورة واستحضار أحكام الضرورة والحاجة، ومعرفةً بحدود فقه الممكن والمتاح، وهم مطالبون بتقديم خطابٍ سياسيٍ مقبولٍ يلتزم حدود الاستطاعة شرعاً فلا يتجاوزون حكماً شرعياً ممكن التطبيق في ضوء معطيات الواقع، ولا يُلزمون أنفسهم ما لا يطيقون، ويجب على الشباب المسلم أيضاً أن يتفهم طبيعة هذا الخطاب السياسي والحاجة الماسة إليه تحقيقاً للمصالح وتخفيفاً للشر، وأنه لا يلزم أن يكون معبراً عن حكم الشريعة الأصلي، وأن ثمة مجالاً للاجتهاد في مساحات فقه الممكن، المهم أن لا يتم تحريف أحكام الإسلام تحت أي ذريعة وأي مبرر، بل الإبقاء على صفاء الإسلام ونقاء شريعته من التحريف واجبٌ شرعيٌ مقدسٌ. وإذا كان السياسي المجتهد في إصابة حكم الشريعة الأصلي في غير القطعيات منهياً عن ادعاء أنه يطبق حكم الله، ومأموراً بالتصريح بأنه إنما يعمل باجتهاده، فكيف الظن بمن يجتهد في إصابة حكم الشريعة المتعلق بحال الضرورة والاستطاعة، (وإذا أنت حاصرت أهل حصن، أو أهل قرية، فأرادوا أن ينزلوا على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك). نعم قد نتفهم ضروباً من الاجتهاد في العمل السياسي وما يكتنفه من أحكام الضرورة والاستطاعة، لكننا لن نتفهم بحال الإغارة على أحكام الشريعة، وجعل أحكام الاستثناء أصلاً، وفقه الممكن هو صورة الشريعة المثلى.
ختاماً ..
ما أبعد المسافة التي كانت تفصل بين موقع الشريعة من ديمقراطية الأمس، والمسافة التي تفصلها عن ديمقراطية اليوم، فبالأمس كانت الشريعة تمثل مرجعية عليا للمشاركة الديمقراطية، واليوم أضحت مجرد خيار من زمرة خيارات في هذه اللعبة.
стр. 108
من ربقة الحرية إلى نعمة العبودية
محمد بن إبراهيم السعيدي
السبت ٢٣ ذي الحجة ١٤٣٢هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد:
السلفية وأسلمة المصطلحات:
النهضة الإسلامية السلفية الأخيرة والتي بدأت على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى ولا نزال نعيشها حتى هذا اليوم، تعرضت منذ النشأة للكثير من التحديات الفكرية في مواضيع هامة ومفصلية في الفكر الإسلامي من أمثال توحيد العبادة (الألوهية) وتوحيد الأسماء والصفات ومفهوم البدعة وطرق الاستنباط من النصوص الشرعية وحدود المسلم والعلاقة مع الآخرين، كل هذه التحديات الفكرية خاضتها الحركة السلفية في كل مكان وُجِدت فيه ابتداءً من الدرعية في وسط الجزيرة العربية وانتهاء بكانوا في وسط الغرب الإفريقي ومندناو في وسط جزائر الفلبين مرورا بكل ما تعرفه من عواصم وبقاع نزل الفكر السلفي بساحتها.
وفي الغالب فإن الحركة السلفية تخرج من تلك النزاعات منتصرة ومتماسكة وجالبة إليها المزيد من الأتباع من علية القوم ودهمائهم، ومن أسباب ذلك أن الحركة كانت ترجع في كل ما يرد عليها من أسئلة حول تلك القضايا إلى رصيد رصين من النصوص الشرعية الواضحة والتي تسقط أمام بيانها جميع الحجج العقلية والأبعاد التأويلية للمحكمات، كما ترجع إلى رصيد وافر من أقوال أعلام الأمة من السلف ومن مشى على نهجهم من الخلف ﵃ ورحمهم أجمعين.
ولا يخفى على باحثٍ: ما لمدونات شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من البركة على هذه الحركة حيث حررت تلك المدونات مذهب السلف في أكثر القضايا التي تواجه السلفيين تعقيدا في كل مكان يصل إليه فكرهم.
ومع بوادر ما يُعرف بالنهضة الحديثة، جاء مع الفكر الأوربي مصطلحات وقضايا جديدة نشأت في محاضن الغرب وتاريخه الاجتماعي والاقتصادي والفكري، من مثل: الاقتصاد، الرأسمالية، الاشتراكية، الديمقراطية، النظام السياسي، الحرية، المساواة، الوطنية، القومية، الدولة المدنية.
تعامل أكثر المعنيين بالقضايا المعاصرة في ذلك الوقت مع أكثر هذه القضايا بمبدأ الأسلمة، وهو مبدأ ناشيء عن مقدمتين ونتيجة، وهي: أن هذه الدعوات خير، وأن الإسلام سباق إلى كل خير، والنتيجة أن أكثر هذه المباديء موجودة في الإسلام وإن لم يكن ذلك بأسمائها التي اصطلح عليها الغربيون، ولذلك بذلوا وسعهم في سبيل استخراجها من تعاليم الدين ومقاصده.
وقد أصاب هؤلاء العلماء في كثير من الأشياء، لكن الاستطراد، في هذا المنطلق أوقع البعض منهم في مشكلات كبرى تستحق الكثير من المراجعة.
لم يكن السلفيون بمعزل عن هذه المشكلة لكنهم كانوا أقل الناس إقبالا على أسلمة المصطلحات، ولعل المشكلة الأكبر عندهم تكمن في أنهم لم يجدوا في رصيدهم الفكري الذي نوهنا عنه قبل قليل ما يمكن الاعتماد عليه كثيرا في مواجهة نُظرائهم من الإسلاميين الذين أصبحت عندهم هذه القضايا المؤسلمة مسلمات لا تقبل النقاش ولا تحتمل إلا قولاً واحداً، أدى هذا إلى دفعٍ عظيم في اتجاه القول بإسلامية هذه القضايا عند الكثير من السلفيين أنفسهم بالرغم من عدم توفر رصيدٍ من أقوال السلف يوضح المنهج الصحيح تجاهها، وإخال أن تبنيهم، لمشروع الأسلمة جاء لكونهم وقعوا بين خيارين: إما أن يقبلوا بها بثوبها المؤسلم وإما أن يوصموا بعدم وضوح الرؤية والبعد عن الواقع والافتقار إلى المشروع السلفي، ومن أبرز ما وقع فيه الحديث من هذه القضايا: مسألتا الحرية والديمقراطية.
التدرج في شرح الحرية:
стр. 109
في التراث الإسلامي لا تعرف الحرية إلا في مقابل الرق، ويطلق الحر حقيقة على غير المُستَرَقِ من الناس، ويطلق مجازاً أو نقلا على المتخلق، بالإباء والشمم على اعتبار أنها، بعيدة من صفات الأرقاء
لكنها لم تعرف كمصطلح حقوقي إلا في الفلسفة الأوربية، ورثها فلاسفة التنوير في مطلع العصر الحديث عن فلاسفة اليونان الأقدمين.
ولا يغض من ذلك ذكرها في بعض كتب علماء المسلمين كالقشيري في رسالته وابن تيمية في رسالة العبودية والسخاوي في فتح المغيث، فإنهم يعنون بها الانفلات من استرقاق الخلق إلى عبودية الله تعالى وهذا بعيد عن المعنى المصطلحي لهذه الكلمة.
أما في الفكر الإسلامي المعصر، فلم أجد مصطلحاً من المصطلحات التي اشتهر القول بأسلمتها أكثر شؤماً على الفكر الإسلامي من هذا المصطلح، فقد بدأت علاقة المفكرين المسلمين معه في الدعوة إلى نبذ الاستبداد السياسي على يد عبدالرحمن الكواكبي.
ثم انتقلت إلى أن تُعتبر مقصداً من مقاصد التشريع الإسلامي على يد الشيخ الطاهر بن عاشور، ثم هو يُستخدم الآن كوسيلة من وسائل انتهاك التشريع الإسلامي.
ومن تتبع أقوال المتحدثين عن الحرية من العلماء والمفكرين الإسلاميين المعتدلين في استخدامه, يجد أنهم يعنون بها: ما يذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن للإنسان إرادة وقدرة، فيما يختاره من معتقدات وما يقوم به من أعمال وأن ذلك لا يخرج عن قدرة الله تعالى ومشيئته سبحانه وعلمه، على ما فصله علماء الإسلام في حديثهم عن القدر.
كما يعنون بها: ما من الله تعالى به على المسلمين من رفع الحرج عن الأمة والتيسير عليها في التشريع وكثرة المباحات في مقابل قلة المناهي.
فهم يقولون إن الإسلام جاء بالحرية المنضبظة بضوابط الشريعة الإسلامية، وضوابطُها: كل ما نهى الله تعالى عنه، فمن عمل في نطاق الواجبات والمستحبات والمباحات والمكروهات فهو مستمتع بالحرية التي جاء بها الإسلام قبل الحضارة الغربية والمواثيق الدولية بأكثر من ألف عام.
هذا ما يريده المعتدلون من الكتاب والمفكرين حين يتحدثون عن الحرية المنضبطة
وعند عرض هذه النظرة على الفكر الغربي فإننا لا نجد هناك ما يقاربها فضلا عن أن يتطابق معها.
فالحرية هناك لا تحمل معنى واحداً بل ليس لها مفهوم محدد عند فلاسفتهم ابتداء من سقراط وانتهاء بسارتر، وهذا ما يجعل استخدامها كمصطلح للتعبير عن قيمة إسلامية استخداما خطراً لكونها كسائر المصطلحات الناشئة في بيئة مختلفة تأتينا بكامل أعبائها التي تحملتها عبر تاريخها الطويل الذي لا ينتمي إلينا ولا يمكن أن ننتمي إليه ولا يمكن أيضا أن نفصلها عنه بحال من الأحوال.
ولهذا التباين بين مُراد المفكرين المسلمين المعتدلين من الحرية المنضبطة, وبين مرادات مفكري وطن منشأ هذا المصطلح, لم يتوقف الواقع الثقافي في عالمنا الإسلامي عند استخدام هذا المصطلح كتعبير غير معقد عن قيمة إسلامية، بل تجاوز ذلك إلى انتهاك القيمة الإسلامية لصالح المصطلح الوافد، حيث أدى القول بكونها مقصداً من مقاصد الشرع إلى اعتبار أن لها أحكام المقاصد من حفظ الدين والنفس والمال والعرض والنسل الثابتة باستقراء جميع أحكام الشريعة، ولا يخفى أن مراعاة المقاصد يستعملها الفقيه في فهم النصوص، وتأويلها وصرفها عن حقائقها إلى مجازاتها، كما تستخدم المقاصد في الاجتهاد في أحكام النوازل عند تعذر النصوص على اعتبار أن المقاصد ثابتة بالنص، وأصل الاجتهاد هو إعطاء غير المنصوص حكم ما فيه نص، بل ربما يستخدمها أهل صناعة الحديث في رد بعض الأحاديث دراية.
الحرية ومقاصد الشريعة:
стр. 110
فإذا وصلنا إلى أن نجعل الحرية مقصداً من مقاصد الشرع تعين أن نعطيَهَا كل هذه المكانة، فنستعين بها على فهم النصوص أو تأويلها، ونجعلها بمثابة الدليل في أحكام النوازل، ونرد بها ما لا يتفق معها من أحاديث كجزء من علم الحديث دراية.
وهذا ما لا يمكن لأمرين:
أحدهما: أن اعتبار الحرية مقصداً للشارع كما يُقدمها عدد من المفكرين الإسلاميين يعني: أن الله أنزل الشريعة كي يكون الإنسان مريداً، أو كي يتمتع بالمباحات، وهذا مالا يمكن أن يستقيم، لأن الشريعة إنما اختص بها الإنسان من بين سائر الكائنات لكونه أهلاً لحمل أمانة التكليف وإنما أهَّله لذلك العقل والإرادة، فكيف تكون الإرادة التي هي مقتضى التكليف بالشرائع مقصداً لها أي للإرادة أيضا؟
فهذا دور لا يستقيم في المنطق بحال من الأحوال.
الثاني: أن المقاصد لابد عليها من أدلة خاصة صريحة قاطعة في دلالتها وهذا ما لا يوجد للحرية في الكتاب والسنة، وسوف يأتي الكلام عن ذلك قريبا.
المهم أن نمضي إلى أن القول بمقصدية الحرية للتشريع أنموذج للإشكالات التي لا يمكن الانفكاك عنها حين نُصِر على أسلمة مصطلح مُعَبَّأ بأثقالٍ لا تمت لنا بصلة.
قمة الخطل في فهم الحرية:
وقد بلغ الخطل بالبعض إلى أن قال إن تحقيق الحرية مُقَدَّم على تطبيق الشريعة، ووجه الخطل في هذا القول مع اجلالنا الكبير لعين قائله ولعلمه: أنه بقوله هذا لن يستطيع تعريف الحرية التي يرى أنها مقدمةٌ على تطبيق الشريعة، لأنه إن عرَّفها بكونها ما قررته الشريعة من إرادة للإنسان وما شرعته من مباحات، فهذه لا يمكن أن تكون إلا مع الشريعة ولا يُمكن أن تكون سابقة لها، وإن أراد بها: الاختيار المطلق غير المنضبط بضوابط الشريعة فالإقرار عليه كفر باتفاق، وإن أراد بها رفع الظلم وتحقيق العدل وإعادة توزيع الثروة فهذه قيم نبيلة أخرى غير الحرية.
والحاصل: أن كلمة: تحقيقُ الحريةِ مقدمٌ على تطبيق الشريعة كلمة أنتجها غلوٌ في هذا المصطلح ولم ينتجها تحقيق علمي، بدليل أن قائل هذه الكلمة قال بعدها: لا طاعة لحاكم يتجاهل مرجعية القرآن، هكذا قال، وعليه يكون الحاكم الذي يحقق الحرية كأولوية مقدمة على الشريعة لا طاعة له، وهذا تناقض يؤكد ما قدمته من أن الغلو في المصطلح هو الذي أنتج مثل هذه الكلمة وليس الرصيد العلمي.
يؤكد ذلك: أن صاحب هذا القول أورده في سياق من الكلمات الاستبدادية والمسيئة لمخالفيه، كوصفه مخالفيه من السلفيين، بأنهم يروجون لثقافة سامة ومسمومة ومضللة ومحرفة تربط الفتنة بالخروج على الحاكم, وأنهم أصحاب ثقافات ميتة، وهذا يعني فشلا ذريعاً في أول اختبار له في تطبيق الحرية التي يدعوا إليها.
ومظاهر الغلو في مصطلح الحرية كثيرة لن أتتبعها هنا لكنني اخترت أقربها عهداً لكونه مثالاً حاضراً في الأذهان، وسوف أنتقل منه إلى الموقف الذي أراه صواباً من هذا المصطلح.
الحرية بين فلاسفة الغرب ودعاة الإسلام:
وبداية القول إن فلاسفة الغرب لا يتفقون في مرادهم بالحرية بل لا يتفقون في مدى إمكانية تطبيقها، لكنهم لا يختلفون في أبرز سماتها عندهم، وهي:
- أن الفرد ليس مسؤولا في أفكاره أو تصرفاته إلا أمام القانون.
- ليس من حق القانون أن يقف في وجه الفرد إلا لمنع الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع.
- ضوابط الإضرار بالآخرين أو بالمجتمع لا تحددها اعتبارات شخصية أو عرفية، بل تحددها قواعد قانونية تنطلق من أن الأصل عدم مسؤولية الفرد.
стр. 111
كل من يختلفون في الحرية من فلاسفة الغرب لا يختلفون في أن هذه هي معالم الحرية سواء وافقوها أم خالفوها، والمفكرون الإسلاميون المناصرون للحرية لا يُقِرُّون هذه المعالم، بل جميعهم يرى أن الفرد مسؤولٌ أمام الشريعة في أفكاره وأفعاله، وأن القانون لا يكون مخالفا للشريعة، وأن معيار الإضرار بالنفس أو بالغير تحدده نواميس إلهية قد تكون معلومة المعاني وقد تكون تعبدية لكن الالتزام بها واجب.
وهذا الاختلاف بين الفريقين -أعني مفكري الغرب والمفكرين الإسلاميين المعاصرين - حتَّم على كل من ناصر الحرية من مفكري الإسلام، أن يُضِيف اشتراط أن تكون الحرية منضبطة بضوابط الشرع.
وحين نرجع إلى ضوابط الشرع نجِدُ أنها كثيرة جداً بحيث يصعب أو يستحيل أن نُقنع غربياً أو مستغرباً بأن مصطلح الحرية الذي وُلِد وتربى عندهم لا يتنافى مع ديننا، اللهم إلا إذا قمنا بتقديم تنازلات كثيرة متتابعة كي نُزَيِّن ديننا في أعينهم، وهذا بالفعل ما نراه مُشاهداً من كثيرٍ من الناشطين الإسلاميين بل ومن الفقهاء المولعين بهذا المصطلح، حتى وصل الأمر إلى إنكار عدد من الحدود والعقوبات الشرعية لا لشيء سوى أنها تتنافى مع الحرية التي اعتبروها مقصداً يحاكمون إليه النصوص الشرعية، كإنكار حد الردة وعقوبة المُجَدِّف والمبتدع ورجم الزاني وتحكيم الأكثرية في مرجعية الدين والسماح للكافرين بالإعلان عن رموز كفرهم في بلاد المسلمين, بل وصل الأمر بالبعض منهم إلى مطابقة الفكر العلماني، بحيث يصعب التفريق بين طرحهم السياسي والطرح العلماني مع رفضهم لهذه التسمية، وآخرون منهم رضوا بما سموه علمانية جزئية.
بين مصطلح الحرية ومصطلح الاستعباد لله:
إنني أدعوا إلى رفض هذا المصطلح وإلقائه عن ثقافتنا كلياً غير مأسوف عليه فهو مصطلح مُشَوَّه مشبوه مُنهِك لإرثنا الديني، إذ لا يُمكن تطابقه معه إلا في أحد حالين:
إما التكلف في محاولة استدعائه، وإما تقديم التنازلات التي تذهب بخصائص الدين أدراج الرياح.
وإذا كنَّا نُريد باستخدام هذا المصطلح دعوة العالم إلى ديننا وإبراز خصائصه ومقوماته فلن يكون هناك أفضل من الاقتصار على المصطلحات الواضحة غير الحمالة وأفضل هذه المصطلحات ما قرره الشرع وعبرت عنه النصوص الشرعية.
فالحق أن يقال: إن الإسلام دين استعباد لله تعالى يخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
وقد يقول قائل: وما المانع أن نريد هذا الأمر باستخدامنا مصطلح الحرية؟
والجواب: أن المانع الحقيقي هو ما قدمته من أن المصطلحات بنات بيئات، فلا يمكن أبدا أن نأتي بمصطلح من بيئته ثم نضعه بيننا إلا واستطاع هذا المصطلح من تلقاء نفسه نسج بيئة مقاربة لبيئته التي نشأ فيها.
وحين نرجع إلى واقع الحركة الفكرية، اليوم بين الإسلاميين وأنفسهم، وبين الإسلاميين والليبراليين نجد أن مصطلح الحرية واضح الأثر فيما يشجر بينهم من مشكلات، وإن لم يكن هو المؤثر الوحيد فيها إلا أن استئصاله من الساحة الفكرية لا شك، سيؤدي إلى نتائج محمودة لاسيما على وحدة الصف الإسلامي.
أمَّا مصطلح الاستعباد لله ففضلا عن كونه المعبِّر عن حقيقة الخطاب الشرعي، فهو أيضا أكثر ألقاً وجاذبية للإسلام حين ندعوا إليه غير أهله، كيف لا، وهو دعوة الله تعالى والاسم الذي ارتضاه لنا والعمل المحدد الذي خلقنا لأجله، المصطلح الذي حمله آباؤنا إلى مشارق الأرض ومغاربها ففتحوا به القلوب قبل البلدان، وتقدم به رِبعي ابن عامر إلى الهرمزان في شموخ وإباء وهو يقول: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
стр. 112
وقبل الحديث عن مدى شُغل العبد في الإسلام بمهام عبوديته وتناقض هذه المهام مع مصطلح الحرية الرائج الآن على حساب العبودية، استعرض بعض ما يُقَدَّمُ على أنه نماذج من الدعوة إلى الحرية في القرآن:
فمن ذلك الآيات التي تُقَرِّرُ منح العبد خاصية المشيئة والإرادة، كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ وقوله سبحانه: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ وكقوله سبحانه: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾
وغير ذلك من الآيات التي تثبت للعبد قدرة واختياراً، لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
وحقيقة هذه الآيات أنها لا تساعد أبداً فيما يريدونه منها من إقرار مبدأ الحرية لأنها لا تُثبت وصف الكفر لمن اختار غير الإيمان وحسب، بل تُرتِّب على الاختيار الخاطئ عقابا أخرويا مغلظا.
فالآية الأولى، وهي أكثر الآيات انتشاراً في هذا السياق قلَّما يتلونها كاملة لأن تلاوتها كاملة يضيع وجه الاستدلال منها: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ كما أن الآية ليس فيها نفي للعقوبة الدنيوية عمَّن انتقل إلى الكفر بعد الإسلام.
أما قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ فقد وقعت في سياق تفصيلي لحوار يدور بين اهل النار وأهل اليمين، يدل على أن الكافرين لا يحاسبون على كفرهم فقط بل على تركهم لفرائض الإسلام،: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٣٧ - ٤٧].
ولا أدري كيف يسوغ لمؤمن أن يزعم أن الإنسان حرُ في اختياره وهو يؤمن أن العقاب الأخروي له بالمرصاد؟
وهناك من دعاة الحرية من فهم هذا التناقض فلجأ إلى ما هو أسوأ وهو الجنوح إلى وحدة الأديان وتسميتها كلها إسلاما، وجعل الفارق بينها هو مسألة الاختيار المحض وحسب.
وقد يَجيب أحدهم بأن مرادنا أنه حر في اختياره في الدنيا، فلا إكراه في الدين كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وهو جواب لم ينظر صاحبه فيه إلى تفسير السلف للآية وهو: أنها تكليف للمسلمين وذلك بنهيهم عن إكراه من تحت أيديهم من اليهود والنصارى على الإسلام، وليست آية تخيير بين الإسلام وغيره، كما أنها مُتقدمة على الآيات التي أمرت بقتال المشركين كافة وهو ما يُقوي القول بكونها خاصة فيمن تحت أيدي المسلمين من اليهود والنصارى.
стр. 113
ولا يُمكن أن يستقيم مفهوم الحرية في الذهن مع القول بعقوبة المرتد بالقتل كما هو مجمع عليه بين العلماء العتبرين سواء أقلنا إن القتل عقوبة على الردة باعتبارها جُرماً، أو باعتبار هذه العقوبة صيانة للمجتمع الإسلامي من التفكك والانهيار العقدي كما يذهب إليه بعضهم، فعلى كلا الاعتبارين لا يستقيم أن نقول إن الإسلام أتى بالحرية وهو يحكم على من يختار غيره بالقتل، وهذه الإشكالية هي سبب ظهور القول بإنكار حد الردة بين عدد من المعاصرين، ومحاولاتهم تضعيف ما ورد فيه من الأحاديث أو تأويله.
أما الاستدلال على تضمن الشريعة للحرية: بحكم الإباحة وأنها هي الأصل من بين الأحكام، فهو تعسف شديد من وجوه:
أولها: أن الإباحة هو الحكم التخييري الوحيد من خمسة أحكام ليس فيها تخيير، بل هي عزائم فالوجوب عزيمة على الفعل يستحق تاركها الإثم والاستحباب عزيمة على الفعل أيضا يستحق فاعلها الأجر والحرام عزيمة على الترك يستحق فاعله الوزر والمكروه عزيمة على الترك يستحق تاركه الأجر، فالقول بتضمن الشريعة للحرية اعتماداً على حكم من خمسة أحكام تغليب لا مستند له.
الثاني: أن الأشياء التي الأصل فيها الإباحة، كثيرة بأنواعها لا بأجناسها، ومعنى ذلك: أن أجناسها يمكن حصرها في المطعومات والمشروبات والملبوسات، وكل منها يتنوع إلى مالا نهاية، ومع هذا التنوع الكبير إلا أن كل مباح منها تطرأ عليه أحكام العزائم فبهيمة الأنعام حلال إلا أن الحرمة تطرأ عليها في أحوال عديدة جمعتها آية سورة المائدة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ , كما أن جنس المطعومات يدخل فيه أجناس من المخلوقات يحرم أكلها كجنس السباع وجنس المستقذرات وكذلك المشروبات يدخل فيها أجناس محرمة أيضاً.
أما الأشياء التي الأصل فيها الحرمة فكثيرة بأجناسها وأنواعها، فجنس الرجال حرام على النساء إلا ما كان بعقد صحيح، وجنس النساء حرام على الرجال إلا ما كان كذلك، وجنس الأموال حرام إلا ما مُلِك بعقد صحيح،, ومناجم معادن الأرض حرام إلا ما لا يؤدي الاستحواذ عليه إلى مضرة بالمسلمين، وجنس العقود حرام إلا ما ثبت حلُّه،.
وكل ذريعة باليقين أو بغالب الظن إلى هذه المحرمات فهي محرمة، بعكس الذرائع إلى المباحات فقد تكون مباحة وقد تكون محرمة.
والعبادات وهي تشغل حيزاً كبيراً من وقت المسلم واجبة أو مستحبة، وليس فيها مباح على الإطلاق، بل إن المباحات من العادات والطبائع الجبلية تنقلب إلى مستحبات بالنية، ولا عكس فلا تنقلب العبادات إلى مباحات.
الثالث: أن حكم المجتهد بإباحة أمرٍ مرحلةٌ، تالية للجزم بعدم دليل، أي أن المجتهد لا يحكم بالإباحة حتى يتحقق عنده عدم دليل عزيمة أو حظر، قال إمام الحرمين: " فما لم يُعلَم فيه تحريم يجري على حكم الحِلِّ؛ والسبب فيه أنَّه لا يثبت لله حكمٌ على المكلفين غير مستند إلى دليل؛ فإذا انتفى دليل التحريم ثَمَّ، استحال الحكم به "غياث الأمم, ٤٩٠.
الرابع: أن الصحيح في حكاية القاعدة الأصولية: أن الأصل في المنافع الإباحة، على ما قرره الرازي في المحصول، وليست الأصل في الأشياء الإباحة كما هو شائع، وهذا الأمر يُغير كثيراً في الحكم على أمور يظن الناس والحقيقة أنها محرمة أو مكروهة كإضاعة الوقت فيما لا نفع فيه من سمر أو لهو أو غيره.
فإذا كانت الإباحة تُعكِّر عليها هذه الأمور الأربع لم يصح الاعتماد عليها في نسبة الحرية إلى الشريعة.
стр. 114
ومحل التساؤل هنا: ما هو السر في كون المسلم يشعر مع هذه الشريعة بالسعة واليسر مع أن المباحات ليست أكثر من حيث الأجناس من بقية ما وردت فيه العزائم، هذا إن لم نقل إنها أقل بكثير؟.
الجواب: أن ذلك عائد إلى أن تكاليف الشريعة ومنهياتها تأتي ملبية لحاجات الإنسان فلا يشعر مع التزامها بكثرة قيودها.
من الآثار السلبية لمصطلح الحرية:
لكن مصطلح الحرية الذي راج بين الناس في هذه الأيام وكثرت نسبته إلى الشريعة كان له أثر فيما يشهده العصر من نفرة من تكاليف الشرع وزهد في النصوص الشرعية، إما بإسقاطها أو تأويلها أو الاستعلاء عليها.
وذلك أن مصطلح الحرية حل محل الاستعباد لله بحيث لم يعُد الإذعان لله تعالى هو شأن المسلم حينما يستمع إلى النص، بل أصبح كل نص يخالف الهوى أو مألوف الناس نصاً فيه نظر، الأمر الذي يحقق الغربة الفعلية للملتزمين بالنصوص في هذا العصر، ولعل ذلك أحد مظاهر الغربة التي أخبر عنها رسول الله ﷺ بقوله: ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)).
ومن مظاهر رواج هذا المصطلح على حساب العبودية أنك لا تكاد تجد بابا من أبواب التعامل اليوم إلا ولمصطلح الحرية فيه النصيب الأوفر.
فالباحثون في الاقتصاد الإسلامي يعدون الحرية المنضبطة إحدى خصائص النظام الاقتصادي في الإسلام بل إن بعضهم يعد الحرية المنضبطة ركنا في هذا الاقتصاد، مع أن الحقيقة التي يعرفها الفقهاء أن المحرمات في أبواب المعاملات الإسلامية أكثر بكثير من المباحات، لدرجة جعلت تكييف المعاملات المعاصرة أو إيجاد البديل لها من المهمات الصعبة التي ينبري لها جهابذة الفقهاء والاقتصاديين، وكثيراً ما تعذر عليهم ذلك.
وكذلك يقولون: إن الإسلام أعطى المرأة حرية منضبطة بضوابط الشرع، الأمر الذي يتناقض مع أحكام النساء في الولاية والسفر وغير ذلك، وهو ما أدى إلى الجنوح إلى إنكار هذه الأحكام عند عدد ممن شعر بالتناقض بين القول بالحرية وهذه الأحكام، فاتخذ الحرية دليلا لرد النصوص الثابتة أو تأويلها.
ولا يقل الكلام في هذين الأمرين عن الكلام في حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، فقد أُلقِيَ من أجل الحرية بكثير من الأحكام الفقهية التي تنظم الرأي والفكر وتحفظ المجتمع من مظاهر التجديف والقول على الله تعالى بغير علم.
إذا استبعدنا مصطلح الحرية ماذا نكسب؟
وحين نلقي عنَّا هذا المصطلح الدخيل جانبا، ونعود إلى القول بالاستعباد لله تعالى فلن نخسر شيئاً، بل سوف نحقق مكاسب كثيرة منها:
١ - صدق التوصيف لحال الشريعة مع الإنسان، فالإنسان عبد لله اضطراراً، والشريعة تجعل منه عبداً لله اختياراً أيضاً، فيكون بذلك عبداً لله مرتين، الأولى باستسلامه لله تعالى في قضائه وقدره، والثانية باستسلامه لله تعالى فيما أمر ونهى، فالأولى يُعبِّر عنها مثل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ سورة البقرة.
стр. 115
والثانية يُعبِّر عنها مثل قوله تعالى في سورة البقرة أيضا: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ , ولذلك جاءت العبادة مالكة لسائر يوم الإنسان من يقظته حيث تبدأ معه اليوم بالصلاة الواجبة، وتحكم مفاصل يومه بصلوات مفروضة،, ثم تحكم على كل تصرف من تصرفاته في سائر يومه بأحد الأحكام الخمسة فلا يخرج فعل من أفعال العبد عن أن يكون واجباً أو مندوباً أو مكروها أو حراماً أو مباحاً، فحتى الإباحة التي يُنَظَّرُ لها على أنها مثال الحرية في الشريعة، إنما هي جزء من أمثلة استعباد الإنسان لله تعالى في هذه الأرض.
٢ - نبذ هذا المصطلح الوافد والتركيز على مبدأ العبودية لله يُكسِب الإنسان إيماناً عظيما يجعله مستبصراً لحقيقة الثواب والعقاب التي تنطلق منها أركان العبادة الثلاث: الحب والخوف والرجاء والتي تضمنها قوله تعالى من سورة الإسراء ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾.
٣ - حين يتجرد الإنسان من الاغترار بالحرية إلى الشعور بالاستعباد لله تعالى في كل حركاته وسكناته يكون أقرب إلى الامتثال لأمر الله تعالى لعباده بأن يكونوا ربانيين كما جاء في سورة آل عمران: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ قال الرازي في تعريف الربانيين: " أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله، والصارف له عن كل الأفعال الهرب عن عقاب الله" تفسير الرازي ٤/ ٢٧٤, وقال ابن عاشور: " كونوا منسوبين للرب، وهو الله تعالى، لأن النسب إلى الشيء إنما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه. ومعناه أن يكونوا مخلصين لله دو ن غيره. تفسير التحرير والتنوير ٣/ ١٤٠.
٤ - كما أن عودة المسلم لاستشعار استعباده لله تعالى يجعله أكثر تعلقاً واستسلاما للنصوص الشرعية على عكس من تشرب مبدأ الحرية فإنه مع الوقت ودون أن يشعر يصيبه استكبار على النصوص وعدم رضوخ لها، وهذا ما رأيناه وللأسف في كل من تحمس للقول باشتمال الشريعة على الحرية، ومع كثرة تأكيد هؤلاء على كونها منضبطة بضوابط الشرع إلا أن سحر المصطلح وبهرجه يُفقد الكثير من الناس صوابهم، حين يجدون أن هذه الحرية لا تتفق حسب أفهامهم مع الكثير من النصوص فيلجؤون إلى إعلاء الحرية على النص كما هو حاصل الآن، وقد أمرنا الله تعالى: أن نجعل النص حاكما على تصرفاتنا وأذواقنا وإراداتنا.
ولكن: ألا يُمكن القول: إنه لا تضارب بين الاستعباد لله تعالى والقول باشتمال الشريعة على الحرية؟
ويُقال: إن الحرية التي تنادي بها الشريعة هي جزء من استعباد الإنسان لله تعالى.
стр. 116
والجواب أنه لا يُمكن ذلك إذ إننا حين نزعم اشتمال الشريعة على الحرية لا بد أن نحدد مكان هذه الحرية، أي مكان التخيير المحض الخالي من أي عقوبة أو زجر في كل الخيارات، وهذا ما لا يوجد في الشريعة على الإطلاق حتى في المباحات إذ إنه ما من مباح إلا وتحف به ضوابط دقيقة تجعل فاعله على خطر الوقوع في المحظور عند تخطيها، وكأنه يسير على جسر ضيق قصير قريب البداية والنهاية ولا يمكن الجنوح عنه ذات اليمين أو ذات الشمال.
خذ مثالاً لذلك أكل الطيبات: أليس مباحا دون نزاع، منصوصاً على إباحته بالدليل القطعي ثبوتا ودلالة؟
ومع ذلك فإن شروط استمرار إباحته ماثلة دائماً بحيث لا يكاد يفلت، أحدٌ من وشك الخروج منها، فكل الطيبات يشترط في حلها، عدم الإسراف وعدم التبذير, وعدم التذرع بها إلى المحرم كأن يُتَّخذ وسيلة للخيلاء والكبر وكسر قلوب الناس،،إضافة إلى ما يختص به كل طيب من شروط للحل، كتذكية الأنعام وذكر اسم الله على الصيد وسقي الشجر من طاهر
وكذلك المال الذي يملكه الإنسان وهو بحكم الشريعة مسلط عليه كما يقول الفقهاء، لكن الحقيقة الشرعية أن تسليط الإنسان على المال إنما هو تسليط إئتمان على مال هو في يد فلان من الناس لكنه في حقيقة الأمر مال الله تعالى ومجعول في يد هذا الفرد لمنفعة الأمة لحكمة إلهية في إعمار الكون وتسخير الناس بعضهم لبعض، ولهذا عندما يؤول ملك المال ظاهراً إلى السفيه فإن الخطاب القرآني يُصَرِّح بنسبة المال للأمة، لأن صيرورة المال في يد السفيه تحول دون انتفاع الأمة به على الوجه اللائق، يقول تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ لكن حين يرشُد هذا السفيه فإن الآية التالية تعود إلى نسبة المال إليه نسبة اختصاص وائتمان يقول : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ثم تمنع الشريعة هذا الراشد من التصرف بالمال أي تصرف لا يحقق للمجتمع مصلحة وإن كان يحقق لصاحبة نماء آمناً، فهو ممنوع من كل صور الإنماء الذاتي للمال وهو الربا بجميع أنواعه والحيل إليه، كما أنه ممنوع من الوصية فيه بأكثر من الثلث وممنوع من حرمان ورثته منه أو اختصاص بعضهم بالوصية دون الآخر، وممنوع من الإسراف فيه والتبذير ومكلف فيه من الزكاة ومندوب إليه الصدقة منه .. إلى غير ذلك مما يؤكد أن المباحات محفوفة أيضا بالكثير من التكاليف التي تمنع من إطلاق لقب مصطلح الحرية على الشريعة بسبب تضمنها لها.
لكن الواقع والتاريخ يُشيران إلى أن هذه المباحات التي جعلها الله تعالى فُسحة للمسلم بل والعبادات التي أوجبها الله أو ندبه إليها يقع حظرها على المسلم أو على الإنسان بشكل عام من الطغاة والطواغيت الذين تُبتلى بهم الأمم كثيرا في كل زمان ومكان.
فيحرمون الإنسان من حقه الشرعي في الارتزاق والعمل، وحقه بل واجبه في اللباس الشرعي والصلاة مع الجماعة، كما يحاصرونه في زكاته وصدقاته وأمره بالمعروف ونهية عن المنكر، ويُسلطون عليه الحرام والمنكر حتى تصبح الموبقات جزءا من حياة المسلم لانفكاك له منها.
ولا شك أن المجتمع حين يقع تحت سلطة مثل هذه الحكومات يبقى مبتلى بأبشع أنواع الاستعباد، ومطاوعة حاكم يفرض الحرام ويمنع الحلال هي من اتخاذه ربا بنص القرآن الكريم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]
لكن البديل عن استعباد الحكام أو العبودية لهم يجب أن لا يكون الهوى، وهو ما تقتضيه المطالبة بالحرية حالاً أو مآلا.
أما حالاً، فكمطالبة دعاة الليبرالية والعلمانية بها، فاستبعاد هؤلاء لسلطة الشريعة إنما هو تسليم لسلطة النفس والهوى مباشرة أو بوسيط من الدساتير البشرية والقوانين الوضعية.
أما مآلا، فهو ما تؤول إليه عاجلا أو آجلا مطالبات الإسلاميين بالحرية.
فالحرية باعتبارها اليوم مصطلحا فلسفيا لا يمكن أن نغرسه في بقعة ما من العالم إلا وذهبت جذوره إلى الأعماق تبحث عن منابتها الأصلية.
стр. 117
سيادة الشريعة .. (الحد الفاصل بين الإسلام والعلمانية)
عبد الرحيم بن صمايل السلمي
الإثنين ٢٥ ذي الحجة ١٤٣٢هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن من أعظم محكمات الإيمان التسليم والخضوع (علماً وعملاً) لشريعة الإسلام في المنشط والمكره، والرضا والغضب، وعدم تقديم أي أمر من الأمور على كلام الله ورسوله ﷺ ، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] ومعنى ذلك أنه لا يقدم على الشريعة أي أمر من الأمور مهما رآه صاحبه أمراً حسناً سواءً كان عقلاً، أو حرية، أو أمة أو غير ذلك.
والإقرار بهيمنة الشريعة وحاكميتها وتقديمها والقبول بها قولاً وعملاً دون أي شرط أو استثناء هو قاعدة الإيمان وأصله كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]
ومع وضوح هذه الحقيقة الشرعية وانعقاد الإجماع عليها فقد حاولت التيارات العلمانية والتنويرية الانتقاص من ذلك بجعل السيادة للبشر، وعدم القبول بالشريعة حاكمة بالفعل في حياة الناس إلا بشرط التصويت عليها لتنال الشرعية في التحكيم، ويرون التفريق بين الإيمان بالشريعة اعتقاداً قلبياً، وتحكيمها واقعاً عملياً، وهذا هو الفصل العلماني الشهير بين الدين القلبي الإيماني، والدين العملي الحاكم والمهيمن على حياة الناس، وهي فكرة خارجة عن النسق الإسلامي ومخالفة لإجماع المسلمين ولم تعرف إلا بعد أزمنة الاستعمار على يد العلمانيين.
ولا يتعارض - حسب التصور العلماني - الاجتماع بين الاعتقاد الشخصي بالحلال والحرام، والتشريع المبدل لأحكام الشريعة، لأن الأول اختيار شخصي، والثاني حق من حقوق الأمة، وعندما تختار الأمة الشريعة فإن شرعية تطبيقها وتحكيمها لم يأت من كونها ربانية الأمر والنهي، وإنما لكونها تحققت فيها السيادة المعتبرة، وهي سيادة الأمة.
وهذا التصور في غاية التناقض فما هي فائدة اعتقاد الحلال والحرام إذا أقرّ بشرعية تبديله في حال حصول ذلك من الأمة؟ هذا اعتقاد لا قيمة له لأنه معارض باعتقاد آخر وهو شرعية التبديل إذا تم من خلال الأمة!!.
مفهوم السيادة
السيادة في اللغة والاصطلاح مرجعها واحد فهي مأخوذة من السيد وهو المتصرف المطلق، وصاحب الأمر والنهي والذي تعود إليه كافة السلطات الثلاثة، ومنها سلطة التشريع، وقد ظهرت في الفكر الغربي لدى المدرسة القانونية الفرنسية المعبرة عن العقد الاجتماعي كما يراه جان جاك روسو، والسيادة هي المعبرة عن الإرادة العامة عند روسو، وهي السلطة العليا التي لا توجد فوقها ولا تحكمها ولا تهيمن عليها أي سلطة مهما كانت.
و"سيادة الأمة" في الفكر السياسي المعاصر هو التعبير القانوني للنظام الديمقراطي، فهو الوجه القانوني والمبرر العقلاني لاستحقاق السلطات، وهو يعطي الأمة أو الشعب السلطة العليا في التشريع، فلا قانون إلا ما أقرته الأمة، وما اتفقت عليه الأمة فهو القانون الشرعي الذي يجب الإذعان له لأنه نابع من سيادة الأمة واستحقاقها للتشريع المطلق.
وعليه فلو أحلت الأمة حراماً أو حرمت حلالاً فهذا ما يجب القبول به، ولا يجوز الخروج عن سيادتها، وبهذا تكون الأمة هي صاحبة التشريع والحاكمية لامتلاكها السيادة المطلقة، وبغض النظر عن نوع الاختيار الذي تختاره الأمة، ففكرة السيادة تجعل المرجعية العليا للأمة وليس للإسلام والشريعة الربانية.
стр. 118
وبهذا يتبين أن سيادة الأمة تجاوزت اختيار الأفراد للحكم كآلية من خلال الانتخاب إلى أن أصبحت السلطة العليا التي بيدها السيادة المطلقة ومنها تشريع القوانين، وهذا هو جوهر الفلسفة الديمقراطية التي كان يرفضها بعض التنويريين قديماً لأنها تعطي حق التشريع لغير الله تعالى.
ومن الخداع والمغالطة تسمية اختيار الناس لمن يحكمهم من خلال الانتخابات "سيادة"، وتقديمها على الشريعة، ثم حكاية كلام من يبيحها على أنه يرى "السيادة للأمة"!!، لأنه يمكن أن يتم اختيار من يحكمهم مع كون الشريعة هي صاحبة السيادة والهيمنة والحاكمية، فالأول عمل إجرائي تنظيمي مجرد له صور مختلفة منها الصحيح ومنها الزائف، أما منازعة سيادة الشريعة وحاكميتها فهو مناقض لأصل الإيمان.
كما أن من المغالطة قول القائل "سيادة الأمة بمرجعية الشريعة"، فالسيادة هي المرجعية العليا للسلطات الثلاثة (التشريعية، والقضائية، والتنفيذية)، فكيف تكون سيادة بمرجعية وهي ذاتها المرجعية؟! وبهذا يتميز من يجعل المرجعية للشريعة ممن يجعل المرجعية للأمة.
ومن يجعل السيادة للأمة لا يمانع من الإيمان القلبي والنظري بأحكام الشريعة، ولكنها لا تكون نافذة إلا من خلال مرجعية الأمة، وهو يرى أن من حق الأمة أن تختار ما تشاء، فهذا حقها وهذه حريتها، وعليه فلو اختارت الأمة إباحة المحرمات الظاهرة، وعدم الالتزام بالواجبات الظاهرة فهو حق مشروع لها لأنها صاحبة السيادة، وهذا التأسيس لاستحقاق الأمة السيادة المطلقة هو الحكم بالطاغوت لأنه استحلال للمحرمات الظاهرة، وترك الواجبات الظاهرة حتى لو لم يفعلها، وهذا هو الحكم بغير ما انزل الله، واستحلال القوانين الوضعية، وهي الإشكالية الكبرى بين الإسلام والعلمانية في العصر الحديث.
يقول الدكتور عبد الرزاق السنهوري (وهو أحد كبار القانونيين العرب، وغير محسوب على التيار السلفي): "روح التشريع الإسلامي يفترض أن السيادة بمعنى السلطة غير المحدودة لا يملكها أحد من البشر، فكل سلطة إنسانية محدودة بالحدود التي فرضها الله، فهو وحده صاحب السيادة العليا، ومالك الملك وإرادته هي شريعتنا التي لها السيادة في كل المجتمع، ومصدرها والتعبير عنها هو كلام الله المنزل في القرآن، وسنة رسوله المعصوم الملهم ثم إجماع الأمة" (فقه الخلافة وتطورها ص ٧٠)
سيادة الشريعة وهيمنتها أصل الإسلام
تأمل قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٩]
فلو قارنا بين هذه الآية وفكرة تقديم سيادة الأمة على تحكيم الشريعة فإننا سنجد أن دعوى سيادة الأمة المقابلة للشريعة هي المعبر عنها في قوله ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وقوله عنهم ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ وهذا يدل على أن من قدم أهواء الناس على شريعة رب العالمين فقد عرض إيمانه للتلف وإسلامه للبطلان.
فالمناقض لأصل الإسلام أن تكون الشريعة مرهونة بأهواء الناس قبولاً أو رداً، وتكون آراء الناس هي الحاكمة بشرعية النظام الذي يحكمهم، ويقضي بينهم.
وحاكمية الشريعة والقبول بالإسلام والتسليم له لا يجوز ان تكون مرتهنة لأحد بل وجوب العمل بها متقدم على كافة الحقوق الفطرية والإنسانية، وحاجة الإنسان إليها أكبر من حاجته إلى الطعام والشراب والهواء.
стр. 119
وحقيقة الإسلام الاستسلام، والقبول، والتسليم لخبر الله وأمره، ومن جعل تحكيم شريعة الله مشروط بالأمة فهو كمن جعل تصديق خبره مشروط بالأمة، وهذا التعليق يدل على عدم التسليم والتصديق للأمر والخبر.
يقول أبو حامد الغزالي في المستصفى: "وأما استحقاق نفوذ الحكم فليس إلا لمن الخلق والأمر، فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق، فلا حكم ولا أمر إلا له، أما النبي ﷺ والسلطان والسيد والأب والزوج فإذا أمروا وأوجبوا لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم".
فالغزالي هنا لا يتحدث عن اعتقاد وجوب الواجبات وتحريم المحرمات بل يتحدث عن "نفوذ الحكم" وهو "تطبيق" و "تحكيم" الشريعة، وهذا أمر متقرر عند كافة علماء الإسلام بكل طوائفهم وفرقهم.
يقول ابن تيمية: "والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، وحرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً ومرتدا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله - على أحد القولين - "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله" (الفتاوى ٣/ ٢٦٧)، والنصوص في هذا كثيرة جدا.
وقد أجمع العلماء على كفر من سوغ وأجاز الخروج على الشرع، ومن قواعد الإسلام الكبرى أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، واتفق العلماء على أنه لا طاعة للوالدين إذا كان في ذلك مخالفة لشريعة الله فكيف يقال بجواز أن يختار الناس ما يحكمون به ولو مخالفاً للشرع حتى ولو كان ذلك أمراً مفترضاً، فالافتراض هو تجويز الشيء إذا وجد وليس بالضرورة أن يوجد.
وقد أجمع علماء الإسلام على أن الشورى لا تكون إلا في المباحات، أما الواجبات والمحرمات فلا شورى ولا اختيار فيها، وهذا هو مقتضى العبودية كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: من الآية٣٦]. فكيف تجعل الشريعة كلها بكل واجباتها ومحرماتها لا تحكم حتى تجاز من قبل الأمة، وإذا لم تجز فلا يجوز تطبيقها وتحكيمها؟!
يقول ابن كثير: "والآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا ولا رأي ولا قول".
سيادة الأمة بين العلمانيين والتنويريين
стр. 120
لم يعد هناك فرق جوهري بين الفكر العلماني والتنويري حول الموقف من سيادة الشريعة، فالأمر المحوري بينهما أن السيادة ترجع للأمة وليست للشريعة، وهي السلطة العليا التي تعود إليها جميع السلطات الثلاث، وبهذا فهي تملك حق التشريع، والجهة المخولة في إصدار القوانين سواءً وافقت الشرع أم خالفته، وهذا يشمل التشريعات الإدارية التنظيمية كما يشمل التشريعات القضائية التي تشمل التشريعات الجنائية والشخصية والمالية وكافة أنواع التشريعات التي تخص الحكم بين الناس، كما تشمل السياسات العامة التي تعود إليها كافة أنشطة الدولة .. وهذه التشريعات صاحب السلطة والسيادة فيها هو الله ﷻ ، وإعطاء الأمة حق التشريع فيها هو الحكم بغير ما انزل الله، وهو التحاكم إلى الطاغوت، لأن الحكم لله تعالى، وتحقيقه من العبادة لله تعالى، يقول تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: من الآية٤٠]، ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: من الآية٥٩]، وهذه النصوص هي في الحكم بين الناس، وليس في العقائد الإيمانية القلبية، وهي في التطبيق للشريعة وليس في اعتقاد الشريعة.
وقد كان الخلاف مع التنويريين أول الأمر حول آليات الديمقراطية ومدى موافقتها للمقاصد الشرعية، ولكنهم تجاوزوا ذلك إلى المطابقة التامة للعلمانيين في جعل السيادة للأمة وهي الجهة العليا التي تعطي الشرعية للشريعة أو غيرها، وبهذا لم يعد هناك فرق بينهم وبين العلمانيين إلا في الاسم، وهذه نتيجة طبيعية لمن يجعل المفاهيم الوضعية حاكمة على الشريعة ثم يقوم بتحريف الشريعة لتتوافق معها، وهذا مخالف للمنهج الإسلامي الذي يجعل الشريعة هي الحاكمة، ثم يحكم من خلالها على المفاهيم الوضعية، كما أنها نتيجة طبيعية لمن جعل زاده الثقافي دراسات العلمانيين العرب، بل يروجها ويبيعها وينصح بها باسم الانفتاح!!
وقد هالني تمدح بعضهم وافتخاره بالانتقال الجديد في الخطاب التنويري من الكلام حول آليات الديمقراطية إلى الجدل حول سيادة الشريعة، وظنه أنهم أحدثوا نقلة في الخطاب السلفي حسب زعمه، وما درى أنها انتكاسة فكرية، وسقوط منهجي، وتحول خطير نحو العلمنة!! فأي فخر للانتقال إلى الأسوأ، وأي مدح في الحط من سيادة الشريعة؟!!
وهذه المنهجية المنحرفة هي التي جعلت التنويريين ينطلقون من منطلق علماني في اغلب المفاهيم السياسية الجديدة كمفهوم المواطنة، والحرية، والطائفية وغيرها، ففي هذه المفاهيم وغيرها يتم شرحها بما يتطابق مع الفكر العلماني تماما، فالمواطنة هي التعامل مع المكونات المجتمعية على أساس وطني مصلحي وليس على أساس ديني، والحرية هي عدم المنع للاختيارات الشخصية للأفراد ولو كانت محرمات ظاهرة، ويحق للفرد أن يعبر عن رأيه ومعتقده ويدعو إليه ولو كان كفرا صريحا (حرية المنافقين)، والطائفية هي التعامل مع التيارات الفكرية والفرق المخالفة للسنة من منطلق عقدي، وهذه المفاهيم المنحرفة يجمعها استبعاد المنطلق الديني، وتحجيم المنهج الإسلامي في التعامل الاجتماعي، وجعله اختيارا خاصا لا يتحرك في الحياة ويحكمها، وأخص مكونات الفكر الليبرالي العلماني نزع الإلزام في الشريعة الربانية، ولهذا فأخصر تعريف لليبرالية (منع المنع)، فماذا أبقى هذا التيار للفكر العلماني والليبرالي؟!
الأمة بين اختيار الحاكم والسيادة المطلقة:
يصر بعض التنويريين ممن لم يحدد خياره العلماني بعد على الخلط بين السيادة للأمة المتضمنة لحق التشريع المطلق كما قدمناه، وبين رفض الاستبداد والتغلب والتوريث، فيجعل من يرفض إرجاع تحكيم الشريعة إلى موافقة الأمة، وعدم استحقاقها للهيمنة على المجتمع إلا بعد إجازتها من الأمة .. يجعل ذلك في صف الاستبداد والتغلب والتوريث، وهذه مغالطة لان من يجعل اختيار الحاكم حق للأمة يجعل -أيضا- الحاكم والأمة التي اختارته تحت سيادة الشريعة وحكمها، فالحاكم وكيل ونائب عن الأمة في إقامة الدين وتحكيم الشريعة في الناس، ومعيار تحقيقه لمقتضى الوكالة هو التزامه بحكم الشرع في شؤونهم العامة والخاصة، وإذا لم يفعل ذلك يجب عزله وفسخ حكمه، وهذه قضية في غاية الوضوح في المنهج الإسلامي، وهي الفارق المنهجي بين دور الأمة في المنهج الإسلامي والمنهج العلماني.
стр. 121
فوز حركة النهضة والمفاهيم الإسلامية
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
١٣ ذو الحجة ١٤٣٢
هربَ طاغيةُ تونس، وسقطَ ديكتاتورُ مصر، وهلكَ طاغوتُ ليبيا، وسيتبعهم نصيريُّ سوريا بإذن الله، وفرح المسلمون بذلك، وحُقَّ لهم أن يفرحوا، كيف لا يفرح المسلم بزوال الطغيان؟! كيف لا يفرح المؤمن بزوال الظلم والاستعباد؟! من لم يفرح بذلك فليشكَّ في دينه أو عقله.
وبعيداً عن الخوض في تداعيات هذه الثورات، فالمؤمَّل أن يكون هذا السقوط في صالح المسلمين إن شاء الله، فرفعُ الظلم والاستعباد الذي وصل في بعض هذه الدول إلى التضييق في العبادات، وإظهار الكفر البواح، لا شك أن فيه خيرًا كبيرًا للإسلام والمسلمين، بعد أن ظلَّ هذا الأمر عقوداً من الزمن حتى يئس كثيرون من تغييره ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم رأينا بعد ذلك الهروبِ والسقوطِ والهلاكِ ظهورَ واجهاتٍ إسلامية، لم يكن لها أن ترى النور في ظلِّ الأنظمة السابقة، كالجماعات السلفية والإخوان المسلمين في مصر، وحزب النهضة في تونس، وفئامٌ من الإسلاميين في ليبيا، ولا شك أن هذا أيضاً مما يُفرح المسلمين الصادقين ويبهجهم، ويغيظ الله به قلوب الكافرين والمنافقين والعلمانيين.
стр. 122
والمتأمل لأوضاع المسلمين في فترة ما قبل سقوط هذه الأنظمة، وما آلت إليه الأوضاع الآن - رغم ما يكتنفها من مخاوف - لا يسعه إلا أن يتفاءل بأن أوضاع المسلمين في هذه البلدان ستكون إلى الأفضل -والله أعلم-، وليست الخشية الآن من صعود نظام كسابقه، فهذا زمن قد ولَّى، والشعوب لن تقبل به وسترفضه كرفض الشعب التركي لمصطفى أتاتورك جديد، بعد أن تنعمت بحكم أردوغان وحزبه، بل الخشية من ضياع المبادئ والثوابت والمسلَّمات، وتغيير المفاهيم، ففي العقود الماضية وتحت حكم الاستعباد والظلم، والكفر أحياناً، كان المسلمون -وعلى رأسهم العلماء والدعاة- يدعون الناس إلى عقيدة صافية ومنهج واضح، ويأمَلُون ويؤمِّلُون الشعوب بحكم إسلامي نظيف، منبعه الكتاب والسنة على فهم سلف هذه الأمة، تحكمه النصوص، ولا يهمل العقل ولا يغفل الواقع، وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أنه لو حصل هذا فقد قامت قيامتهم، وقربت نهايتهم، إسلامٌ: شعارُه الحاكميةُ لله، ودثارُه الولاء والبراء، وذروةُ سنامه الجهاد في سبيل الله، إلا أنَّ الأمر الآن بخلاف ذلك إذ أصبحت الرايات تُرفع للعدل، والحرية والمساواة والتنمية، وليس اعتباطاً أن يكون اسم الحزب الحاكم في تركيا الآن هو (حزب العدالة والتنمية)، والحزب الفائز والذي سيحكم تونس قريباً حزب النهضة، شعاره والمكتوب تحت عنوانه: حرية -عدالة- تنمية (١)، فالخشية إذن في ضياع المفاهيم ونسيانها مع وصول هؤلاء للحكم، أمَّا مسألة فرح المسلم بفوز حزبٍ إسلاميٍ سُنِّي- ولو شَابَهُ تخليطٌ وضلالٌ - على نظام لا يعترف بشريعة الله، فهذا أمر لا نُزَايد عليه، وهو من الولاء والبراء الذي أمرنا الله به، وقد حكم عقوداً من الزمن خلفاءُ مسلمون لهم على المسلمين طاعة، وهم أهل بدع وأهواء، فلا شك أن فوز حزب (العدالة والتنمية) في تركيا على الحكم العلماني العسكري السابق مما يفرح المؤمن الصادق -رغم توجهاته الليبرالية-، ولا شك أن فوز (حركة النهضة) في تونس على اليساريين والعلمانيين كذلك، لكن هذا لا يمنعنا من الحديث عن حركة النهضة وزعيمها ووضعهما في ميزان النقد الشرعي، حفاظاً على المبادئ والمفاهيم الإسلامية الأصيلة، فحزب النهضة وإن كان يدعو إلى الإسلام وتطبيق شرائعه، وله جهود في ذلك يشكر عليها؛ إلا أنه حزب عقلاني يشوبه ما يشوب دعاة لبرلة الإسلام وأسلمة الليبرالية، وهذا الحكم ليس نابعاً من تصريحاتٍ حديثةٍ يمكن أن تُفسَّر على أنها تصريحات مرحلية للفوز في الانتخابات، بل هو مبني على مبادئ من صميم منهج الحزب، والذي كتبه في بياناته ووثائقه، وما صرَّح به رئيسه الأستاذ راشد الغنوشي، بل إنه صرَّح مؤخراً في مقابلة له في قناة (حَنِبَعَل) (٢)
стр. 123
التونسية أنَّ ما يقول به الحزب الآن، هو ما كتبه قادة الحزب وهم في السجن والمنفى، وبين يدي الآن وأنا أكتب هذه الوريقات أكثر من عشرين كتاباً وبحثاً ومشاركة في ندوات ومؤتمرات وحوارات له، كتبها كلها وهو في المنفى، فلا يصحُّ أن يقال بعد ذلك إن هذه تصريحات مرحلية، بل صرَّح هو نفسه أن مثل هذا يعد نفاقاً، وأن كل ما يقوله الآن بعد فوز حزبه في الانتخابات كان يقوله اعتقاداً وقناعة، وأنه مسطورٌ في كتبه، وقد صدق، وهذا مما يميز الأستاذ الغنوشي، فهو صادق الكلمة، صريح في أقواله، جريء في عرض قناعاته، لا يتلون كما يتلون بعض السياسيين من الإسلاميين وغيرهم، والحق يقال إنَّ الرجل عقلية فذة، ومفكرٌ عميق لا يرده شيءٌ عن نقد أي فكر، ولو كان ممن هو محل إعجابه والثناء عليه، كالخميني والترابي وأضرابهما (١)، والرجل لديه وعي إسلامي جيد، وإنصافٌ في كثيرٍ من أقواله، وله أيضاً شطحٌ وشططٌ، وعقلنةٌ، وبُعدٌ عن المنهج الحق، وهو متأثرٌ تأثراً بالغاً بالديمقراطية الغربية مع نقده لكثير من تصرفات الغرب ومنهجيته، ومتأثرٌ بالثورة الإيرانية على يد الخميني، وبالحركة السودانية بقيادة الترابي، وبالمودودي مؤسس الجماعة الإسلامية بباكستان، وبالفكر العقلاني المعتزلي، وبالمنهج المميع المتساهل والذي يسمونه (الوسطي المعتدل)، وأنا أنصح المتمكن من العلم الشرعي الذي له اهتمام بالسياسة الشرعية أن يقرأ كتبه ويستفيد منها، وخاصة كتابه: (الحريات العامة في الدولة الإسلامية) ففيه خلاصة قناعاته، وموقف الحركة من مسائل السياسة الشرعية.
نشأ الأستاذ الغنوشي ناصريًّا في مصر (٢) ثم يسارياً في سوريا (٣)، ثم تحول بعد ذلك إلى الإسلاميين، وترك القوميين، والذي جعله يتحول هو اكتشافه تعارض القومية مع أصول الإسلام، وأنه كان منخدعاً بها لدرجة أن عمره الإسلامي بدأ في ليلة ١٥/ ٦/١٩٦٦م حتى إنه اغتسل ووحَّد الله في تلك الليلة - على حدِّ تعبيره (٤)، وهذا كله لا إشكال فيه، بل هو منقبة له، ودليل على فطرته الإسلامية السليمة، لكن الإشكال هو أن الفكر القومي ظل مؤثراً عليه إلى يومنا هذا، حتى إنه صرح في مراجعاته على قناة الحوار بأنه- وبعد هذه السنين الطويلة- لا يعتبر اتجاهه الإسلامي نقيضاً لاتجاهه القومي، بل هو امتداد له.
ثم أنشأ بعد ذلك حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً)، وتاريخه طويلٌ مليء بالمعاناة والنضال والسجن والاعتقال والاضطهاد والصبر والمصابرة، مما نسأل الله أن يأجُره عليه.
стр. 124
والذي يهمنا هنا هو فكره ومنهجه، ومنهج حركة النهضة التي وصلت إلى الحكم في تونس بعد سنين من الاضطهاد، هل هي الحركة التي يرجو المسلم الموحِّد من فوزها أن تطبق شرع الله، وترفع ظلم العباد لأنفسهم ولغيرهم، وهل هذا التمكين هو التمكين المرجو في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؟ وهل ينطبق على الحركة قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾؟
حركة النهضة التي اختلف فيها الدعاة اليوم بين مؤيد ومعارض، هي حزب يرفع راية الإسلام، وهو الحزب الوحيد المؤهل الآن لحكم تونس التي قضت عقوداً في العلمنة والإلحاد، لكن هذا لا يمنعنا أن ننقده، ونبين جوانب النقص فيه، وقد جعلت ذلك اختصاراً في ثلاثة محاور.
وقبل سرد هذه المحاور من المهم أن يعلم القارئ أن الحركة -كرئيسها الغنوشي- تقلبت خلال هذه السنين، وانتقلت من حال إلى حال، حيث كان للإخوان المسلمين أثرٌ عليها في بداية النشأة، ثم انتقلت الحركة إلى التوجه العقلاني، وأصبحت تعتبر جماعة الإخوان المسلمين جماعة سلفية تقليدية!!، وإليك جدولاً أعده عبد اللطيف الهرماسي قارن فيه بين منهج الحركة وتوجهاتها في السبعينات ومنهجها في الثمانينات، استلَّه من بيانات الحركة وتصريحات زعيمها، نشره مركز دراسات الوحدة العربية، ومما جاء فيه:
١ - الموقف من تطبيق الشريعة
في السبعينات: - تنفيذ أحكام الله وإقامة الحدود في المرحلة الثانية من الدعوة: مرحلة قيام المجتمع المسلم، التي تلي مرحلة الدعوة والبناء.
في الثمانينات: - تأجيل المسألة إلى أن يتم إعداد الرأي العام.
- تعطيل الحدود حتى تزول أسباب الجريمة، وتتوفر شروط التطبيق.
٢ - الموقف من تعدد الزوجات
في السبعينات: - تعدد الزوجات مباح وجائز بصريح النص المحكم الذي لا شبهة فيه، ولا يجوز للحاكم المسلم أن يمنعه مطلقاً.
في الثمانينات: - إن حركة الاتجاه ما كانت تهدف، ولا هي تهدف الآن إلى مراجعة منع تعدد الزوجات. وهي لا تعتبر التعدد أصلاً من أصول الدين، ولا تعتبر أن حل مشكلات الأسرة يتوقف على السماح بالتعدد.
٣ - الموقف من الاختلاط وتعليم المرأة وعملها
في السبعينات: -الاختلاط سبيل للفجور، وحق المرأة في التعليم محدود فيما يكفل قيامها بوظيفتها الطبيعية: شؤون المنزل ورعاية الأطفال، واشتغالها لا يجوز إلا عند شدة الحاجة، وشرط أن تكون المهنة شريفة، والمرأة دون عائل.
في الثمانينات: - اعتبار أن وجود المرأة في المؤسسة غدا أمراً واقعاً لابد من مواجهته بروح جريئة، واعتبار الممانعة في تعليم البنت تصوراً بدائيًّا ليس له أساس من الدين.
٤ - الموقف من الديمقراطية
في السبعينات: - الإسلام يتضمن كل ما نحتاج إليه لإدارة المجتمع.
- كل محاولة لإدخال مفاهيم مثل الديمقراطية والاشتراكية هي تعبير عن شعور داخلي بالهزيمة.
- الحرية والديمقراطية والمساواة، ليست سوى أصنام حديثة أو وسائل تخدير واستعباد.
- رفض كل النظم البشرية، والقول بمفهوم الحاكمية.
في الثمانينات: -العلاقة مع الله تمر بالشعب ثم بالحاكم الملتزم بتطبيق البرنامج الذي اختاره الشعب.
- نحن لا نعارض قيام حركة سياسية، وإن اختلفت معنا اختلافاً جذرياً.
- الحاكمية للشعب وحاكمية الله تمر عبر الشعب.] (١) ا. هـ
стр. 125
والحديث عن حركة النهضة لا ينفك عن الحديث عن رئيسها ومنظِّرها الغنوشي، لذلك فما يُنسب له يُنسب لها، أمَّا المحاور الثلاثة فهي:
المحور الأول: الاتجاه العقلاني في الحركة والتأثر بالفكر القومي اليساري
وهذه شهادة رئيس الحركة في انتقالها إلى العقلانية مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، يقول الغنوشي: (لقد نما النقد داخل الحركة، وكان للعقلانية دورٌ مهم في ذلك، بالإضافة إلى ضغوط الواقع والشعور بعزلة الحركة نتيجة للانكسارات التي أحدثتها في علاقة الفرد مع وسطه، حتى غدا التوتر والعزلة سمتين لأغلب العاملين من أبناء الحركة في علاقتهم بمجتمعهم، ... فلم تنته السبعينات إلا وقد تخلى أغلبية العاملين في الحركة عن الخوض في تلك القضايا، كما انقطع أغلبهم عن حركات الرفع، وبعضهم عن القبض في الصلاة (١)، وانقطعوا جملة عن الخوض في مسألة التوسل والتعرض للصوفية (٢)، بل قطعت الجماعة خطوة أبعد، فعملت على تخفيف التوتر مع المشايخ والصوفية، وأخذت في تنظيم لقاءات مع هؤلاء وأولئك، قاطعة بذلك مع التدين السلفي الوارد علينا من المشرق في صيغة كتابات للشيخ ناصر الدين الألباني وجابر الجزائري.
كما أنه قد نما بتأثير التدين العقلاني وتنامي دور الجناح الطلابي وحجمه في قاعدة الحركة ومؤسساتها مع نهاية السبعينات، وهو جناح اضطره موقعه في مهب المعارك الأيدولوجية والسياسية في الجماعة إلى تقديم الإسلام لا كدعوة بل كرؤية أيدولوجية عالمية) (٣).
أمَّا تأثر الحركة بالفكر القومي والناصري فهذا واضح في كثير من تصريحات الغنوشي، وقد أوضح ذلك بشكل جلي فؤاد السعيد في أطروحة له بعنوان: (إعادة كتابة الناصرية إسلاميًّا - قراءة في فكر راشد الغنوشي) نشرها عبد الحليم قنديل، ختم الدراسة بقوله: (إن أطروحات الغنوشي والحركة الإسلامية التونسية قد لا ترضي القوميين بشكل كامل-وهو أمر غير وارد، وإلا تطابقت المواقف، ولم تعد هناك قضية لتناقش بين الطرفين- ولكنها بلا شك الأطروحات الإسلامية الأكثر قرباً من الفكر القومي الناصري، سواءً على مستوى منهج التفكير أو على مستوى الموقف من الاجتهاد والتجديد الإسلامي أو بالنسبة لفهم القضية الاجتماعية أو العلاقة بين الإسلام والعروبة، وهي خطوة كبيرة على طريق التقارب السياسي، بل والتطابق الفكري) (٤).
المحور الثاني: الخلل العقدي والمنهجي في الحركة
هذا المنهج العقلاني والفلسفي في الحركة أورثها خللاً منهجيًّا وعقديًّا في كثير من الأمور، فمن ذلك:
١ - خلل في الموقف من الثورة الإيرانية، والإمامية الاثني عشرية:
стр. 126
تحدث الغنوشي عن أثر الثورة الإيرانية في الحركة ومن ذلك: (التفاعل العميق مع الثورة الإيرانية في نهاية السبعينات على نحو اختلف نوعاً ما عن تفاعل الحركات الإسلامية السلفية البحتة، فلقد بلغ الحماس هنا لهذه الثورة أوجاً لم ير مثله لدى أية حركة إسلامية أو غير إسلامية في البلاد، وكان لهذا التفاعل أثره الكبير في تجذير الفكر السياسي والحركة للجماعة في اتجاه القطيعة، مع ما قد يكون فيه من تجاوز لمقتضيات المصلحة) (١). ويقول عن الاتجاه الإسلامي إنه: (تجاوز البعد الطائفي في التعامل مع الثورة الإسلامية في إيران) (٢).
ومن أقواله عن التيار الشيعي: (وقد تعاظم شأن هذا التيار في إثر الانتصار الباهر الذي حققته الثورة الإسلامية في إيران ضد النظام البهلوي، وكان الخطاب الإيراني الثوري التعبوي الحامل أنَّات المستضعفين، وآلام القرون، وأشواق الاستشهاد، من خلال كتابات عدد من العلماء المجاهدين الرواد الذين نظروا إلى الفكر الشيعي، وحاولوا نفض غبار القرون عنه وتقديمه رؤية إسلامية عالمية وناطقاً رسميًّا وحيداً باسم الإسلام، وكتابات الشهيد الصدر والمطهري -وشريعتي على رأسها- قد أطلقت موجة عاتية من الفكر الثوري الشيعي اجتاحت عدداً كبيراً من مثقفي العالم ومثقفي السنة، وفي غمرة الحماس لانتصارات الثورة كانت أفكار هؤلاء الرواد، بل حتى التراث الشيعي قبل أن ينفض عنه الغبار، تجد صدى متعاظماً، وكانت انتصارات الثورة تقوم مقام كاسحات الثلوج أمام الفكر الشيعي تفتح في وجهه الطريق فيتقدم دون مقاومة تذكر) (٣).
ويقول مخاطباً السنة والشيعة معاً، وأنه لا أحد من الطرفين يحتكر الحقيقة!: (فهل من فَيْأة إلى الرشد تحرر العقول من فكرة احتكار الحقيقة وادعاء كل طرف لا بمجرد أنه أهدى سبيلاً (٤)، بل إن سبيل الإسلام هو سبيله ولا شيء غير ذلك، وهو نهج خاطئ علميًّا مضر سياسيًّا، ولا شك في أنه على الطرف الآخر من هذا النهج تقف الدعوة إلى تكفير الشيعة وتجاوز ما استقر عليه أهل السنة من أن الشيعة الإمامية والزيدية: هم من أهل القبلة، مع تسجيل مآخذ عليهم) (٥).
وتحدث في مراجعاته على قناة الحوار عن تركيز الحركة على البعد الاجتماعي، بدلاً عن البعد العقائدي، على خلاف السائد لدى الحركات الإسلامية في ذلك الوقت، وأنهم أخذوا عن الحركات اليسارية واستفادوا منها، وكيف أنه كان منخدعاً بفكر سيد قطب الذي تعلموا منه أن الخلافات عقدية حتى ظهرت الثورة الخمينية، فتعلموا منها أن الصراعات بين الأمم أغلبها ليس عقديًّا وتأثروا بها وعرفوا -حسب تعبيره- خطأ فكر سيد قطب وصوابية منهج الخميني.
ثم تحدث في الحوار ذاته عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ وكيف أن الخميني أشعل معناها في صدورهم، فأبرز بُعداً جديدً للصراع في الإسلام وهو صراع المصالح! الصراع بين المستضعفين والمستكبرين! بينما كان سيد قطب يركز فقط على آيات المائدة ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فجاء الخميني ليبين أن الصراع في العالم ليس صراعاً مبنيًّا على العقائد فحسب، وإنما هناك صراع مصالح أيضاً.
стр. 127
والشاهد هنا ليس هو نفي وجود صراع مصالح، فهذا لا ينكره عاقل، بل الشاهد هو تأثره بالفكر الخميني بعد أن كان متأثراً بفكر سيد قطب، بل أكَّد في تراجعاته أنه لا يوجد سبب حقيقي للتصادم بين الإسلام والغرب سوى المصالح!!
٢ - إعجابه بالحركة السودانية على يد الترابي، واعتباره أن من المؤثرات على حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حالياً): (التفاعل مع التجربة السودانية، وهي محاولة من داخل الحركة الإسلامية السنية لتجاوز الرؤية المعاصرة للسلفية، وإقامة نوع آخر من العلاقة بين السلفية الأصولية وبين الواقع الحضاري المعاصر، فقد كان للتجربة السودانية تأثير فعَّال في تطوير الجماعة الإسلامية بتونس على المستوى الأصولي والاجتماعي، وعلى المستوى الطلابي) (١).
بل من شدة إعجابه بالترابي نعته بالمجدد، فقال عنه: (ولا شك أن الريادة بين الحركات الإسلامية المعاصرة في تحرير المرأة ومشاركتها تظل للحركة الإسلامية السودانية بتأصيلات مؤسسها المجدد الشيخ الترابي ... ) (٢).
٣ - الجهاد عنده هو جهاد الدفع، وقد صرَّح بذلك أكثر من مرة، آخرها في مقابلة معه في برنامج (الصراحة راحة) في قناة (حنبعل) التونسية.
٤ - اعتراف الحركة بكل التشكلات الحزبية بما فيها العلمانية والشيوعية (٣).
٥ - شارك بكلمة في المؤتمر القومي الإسلامي الأول عام ١٤١٥هـ - ١٩٩٤م، وحث فيها على أن تشارك النساء في لجان المتابعة، ورشح أحد النصارى لعضوية لجنة التنسيق، ودعم حزب الله.
٦ - الردة عن الإسلام جريمة سياسية يعاقب عليها الحاكم تعزيرًا لا حدًّا، وليست قضية مرتبطة بحرية العقيدة، وقتال أبي بكر للمرتدين كان سياسة لا دينًا (٤).
المحور الثالث: الخلل في السياسة الشرعية
١ - ترديد عبارة أن الشرعية والسلطة للجماهير وللشعب، ومن أقواله: (إن أول ما يتعين تأكيده في هذا الصدد هو أن حركتنا هي حركة إسلامية سياسية، ذات طموحات تغييرية تنموية شاملة، تسعى إلى تأصيلها بما يتلاءم وقيم الأمة الحضارية، وتجتهد في تحقيقها استناداً على الشرعية الجماهيرية. فهي بهذا المعنى ليست حركة دينية تجزئ نظرتها للإسلام، وتحتكر الحديث باسمه، وتستمد شرعيتها من سلطة غيبية متعالية تفرض التسلط والاستبداد باسمها، وتصادر حريات المخالفين العامة والخاصة من أجل السيادة) (٥).
ويقول: (إن رفض (حركة الاتجاه الإسلامي) اعتبار نفسها دينية بهذا المعنى وتأكيدها في مقابل ذلك على طابعها السياسي بالمفهوم الإسلامي - يجعل حقها في الممارسة السياسية واضحاً ومشروعاً لا يتوقف على أن يحدده أو ينظمه طرف سياسي ما، وإنما يفرضه واقعها الجماهيري، وينظمه القانون، وعلى رأس هرمه (الدستور) الحالي للبلاد، رغم ما لنا عليه من مآخذ) (٦).
وفي سؤال وجِّه إليه:
(إذن أنتم تعملون ضمن إطار المجتمع المدني، في استمدادكم للشرعية، ولا تتوجهون إلى هرم السلطة، ولا تنظرون لأنفسكم أنكم فوق المجتمع.
أجاب: التوجه إلى هرم السلطة مبدأ عندنا، والإسلام بوصفه مشروعًا سياسيًّا، لا يختلف عن غيره من المشاريع الأخرى، من حيث إنه لا شرعية له، إلا ما يستمدها من قبول الجماهير.
стр. 128
فالمشروع الإسلامي، لا يستمد مشروعيته في حكم الناس، إلا برضاهم، والدولة الإسلامية بالتالي، هي دولة مدنية كسائر المدنيات الأخرى، ليس لها من شرعية، إلا ما تستمده من شعبها، وشعبها هو صاحب السيادة عليها، والاستخلاف في الأرض ليس للدولة وإنما للأمة. واستخلاف الدولة متأت من الأمة. فليس في الإسلام سلطة دينية ثيوقراطية، بل هناك سلطة مدنية تقوم بتنفيذ القانون الإسلامي بوكالة عن الأمة ... وللأمة في أي وقت شاءت سحب وكالتها) (١).
٢ - يخلط الغنوشي بين إجماع علماء المسلمين، وبين إجماع الرأي العام أو الشعب، وقد تكرر هذا في كثير من تصريحاته ومن ذلك قوله: (إن الإجماع الذي عُدَّ في شريعة الإسلام مصدراً من مصادر الشريعة إلى الكتاب والسنة، هذا الإجماع هو دعوة صريحة إلى الاعتراف بالرأي العام، على اختلاف اتجاهاته وميوله الأصلية الثابتة ورعايته عند التشريع، وهذا العنصر البشري الذي دخل على الشريعة جزء منها ليس غريباً عنها، بل هو رشح من هديها ما ظلت الأمة متطهرة كادحة في طريق الله، فلا عجب عندئذ أن تنظر بنور الله، وأن تغدو رؤاها جزءاً من النبوة، فالحسن ما رأته حسناً) (٢).
فالأمة عنده: الرأي العام أو الشعب، بل إنه يصرح بأن ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هم الأمة والشعب، وذلك بقوله: (ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ ليسوا علماء الشريعة ضرورة، بل طائفة منهم ومن غيرهم ممن هم مطاعون في قومهم وأصنافهم، مثل زعماء الأحزاب والنقابات وغيرهم، ممن يحوزون على تمثيلية الأمة) (٣)، ولا يلزم عنده أن يكون هؤلاء مسلمين، (أما غير المسلمين من مواطني الدولة الإسلامية، وهم الذين رضوا بإعطاء ولاءهم كاملاً للدولة الإسلامية، واعترفوا واحترموا هويتها الإسلامية، فلا مانع من أن توكل إليهم الوظائف في أجهزة الدولة، وأن يكون لهم تمثيل في المؤسسة الشورية، وسيكونون قطعاً أقلية في حكم إسلامي يقوم على أكثرية إسلامية. وإن اشتراط أن يكون أولو الأمر من المسلمين - منكم - يمكن أن يحمل على أنه شرط تغليب، يقتضي أن تكون أغلبية أولي الأمر من المسلمين؛ لضمان عدم تحول الدولة عن أهدافها) (٤) (المهم هنا التأكيد على أن الهيئة الشورية في الدولة الإسلامية يمكن أن تضم أقلية أو أقليات غير إسلامية، وأن اشتراط الإسلامية إنما هو لأغلب أعضائها ولرئيس الدولة خاصة) (٥).
стр. 129
٣ - الغنوشي لا يرى شرعية أي دولة جاءت بدون اختيار الشعب عن طريق الانتخاب وصناديق الاقتراع، ولو حكمت بشرع الله، فيقول: (لا شرعية في نظام إسلامي جدير بهذا الوصف غير تلك التي تتأسس على نظام واضح وصارم من الشورى، قائم على مبايعة صحيحة تعبر عن إرادة الأمة، شعب الدولة، وذلك عبر انتخابات تتوفر على كل شرائط الصدق. لا شرعية في نظام إسلامي تستمد من مجرد وراثة أو من استخلاف أو من انقلاب أو من أي صورة من صور التسلط السافر أو الخفي عبر تزييف الانتخابات أو الاستقواء بقوى خارجية أو ادعاء وصاية إلهية على الأمة أو عصمة أو بالاستناد إلى شرعية تاريخية. إلخ. لا ثيوقراطية في الإسلام بل حكم مدني من كل وجه، الأمة، شعب الدولة مصدر كل سلطاته، وطريقه الوحيد البيعة العامة، التي لا تغني عنها البيعة الخاصة، إذ هي مجرد ترشيح) (١)، وهذا جعله- غفر الله له- يتطاول على أمير المؤمنين وخالهم معاوية بن أبي سفيان ﵁ ويسيء الأدب معه -وهذا من أثر إعجابه بالثورة الإيرانية- حيث قال عنه: (الوالي المنشق معاوية بن أبي سفيان، وقد غلبت عليه- غفر الله له- شهوة الملك ومواريث عصبيته القبلية، فلم يكتف بأن انتزع الأمر من أهله عنوة وكيداً، بل مضى لا يلوي على شيء حتى صمم على توريثه - كما يورث المتاع - لابنه الفاسق وعشيرته، فجمع في قصة مشهورة ثلة من المرشحين للخلافة، فقام خطيبه معلناً: الخليفة هذا- مشيراً إلى معاوية- وخليفته ذا، مشيراً إلى يزيد، فمن أبى ذلك فليس له غير هذا. مشيراً إلى سيفه، فقال له معاوية: اجلس، فأنت خطيب القوم). ومنذئذ بدا مسلسل الشر والفساد، مؤبِّداً الدكتاتورية وحكم الفرد على اختلاف في الصورة) (٢)، فإذا كانت هذه نظرته لخلافة معاوية ﵁، فكيف هي مع الدولة الأموية وخلافة عمر بن عبد العزيز، وخلافة الدولة العباسية وأخيراً الخلافة العثمانية؟! فعلى هذا التصور فكلها أنظمة غير شرعية!!.
بل إنه على هذا النهج تكون خلافة عمر بن الخطاب خلافة غير شرعية حيث ورَّثه أبو بكر الصديق ﵄، وكذا عثمان حيث جعله عمر بن الخطاب ﵄ واحداً من ستة ولم يجعل للشعب خياراً في غيرهم.
٤ - الغنوشي لا يرى طريقاً للحكم إلا عبر الديمقراطية، مهما كلف الحركة من تنازلات، وهو يدعو إلى تبنيها تبنياً كاملاً، والديمقراطية عنده تعني إشراك كافة الشعب في الحكم مسلمهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم دون تمييز، ومن أقواله في ذلك: (حركة النهضة: تعتبر أبرز وأقدم ممثلي الحراك الإسلامي في تونس والأسبق إلى التبني الكامل للخيار الديمقراطي، والمطالبة بتعددية لا تستثني تياراً سياسيًّا مهما كانت خلفيته الأيدولوجية، وما توسل إليها بطرق الإقناع، جاء في البيان التأسيسي لهذه الحركة أنها ترفض مبدأ الانفراد بالسلطة الأحادية؛ لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان، وتعطيل لطاقات الشعب، ودفع البلاد في طريق العنف، وفي المقابل إقرار حق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع وسائر الحقوق الشرعية، والتعاون في ذلك مع كل القوى الوطنية، وحجتهم أن المذهبية الإسلامية التي استوعبت في داخلها اليهود والنصارى لهي من المرونة بحيث تستوعب داخل إطارها الشيوعيين والعلمانيين؛ إذ لم يكونوا أكفر من اليهود والنصارى) (٣).
стр. 130
وهو يُعَدُّ رائداً لدى الحركات الإسلامية في تبني الديمقراطية الغربية تبنياً كاملاً، وهذا شهد به عددٌ من الكتاب القوميين وغيرهم، ومن هؤلاء حيدر إبراهيم بقوله: (فقد بدأت الحركة بعد عام ١٩٨٤م تعلن صراحة وبوضوح قبولها لكل شروط اللعبة الديمقراطية، وما يترتب عليها من نتائج، ويكتب بورغا: "وللمرة الأولى -حسب معلوماتنا- يتخذ مناضلوا الإسلام السياسي في العالم العربي موقفاً صريحاً مع الديمقراطية التي يطالبون بها ويدافعون -رغم الاختلافات الأيدولوجية- عن حق التعبير والتنظيم بالنسبة لجميع الأحزاب الموجودة حتى إذا كانت هذه الأحزاب تمثل النقيض الأقصى لهم مثل الشيوعيين، ويصل بهم الأمر إلى القول بأنهم على استعداد لاعتبار سلطة الشيوعيين شرعية إذا كانت تلك رغبة الشعب الذي يدلي برأيه بطريقة ديمقراطية. وقد كان كتاب الغنوشي الأخير: (الحريات العامة في الدولة الإسلامية)، كما أسلفنا جهداً فكريًّا لتَبْيِئةِ وتوطينِ الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في فكر الحركات الإسلامية، ثم في المجتمعات والدول الإسلامية) (١)، (فحركة النهضة أصبحت تمثل تياراً عصريًّا متنامياً داخل الساحة الإسلامية العربية، وخلال ربع قرن من النضال تمكنت حركة النهضة من أسلمة الحداثة، فأكبر إنجاز للحركة الإسلامية التونسية، هو في نقلها الإسلام إلى عالم الحداثة، ونقل الحداثة إلى عالم الإسلام، وتجسيد العلاقة بين هذين العالمين اللذين ظُنَّ أصلاً أنهما لا يتصلان) (٢).
٥ - مفهوم الحرية يتوسع عند الغنوشي حتى يصبح أولى أولويات الحركة وسابق لتطبيق الشريعة: (مسألة الحرية - في تصورنا - ليست مسألة ثانوية، بل هي منطلق أساسي، لكل عملية نهضوية، فنحن لا نتعامل معها على أنها مسألة ظرفية، أو نريد بها استغلالاً آنياً لواقع معين، وإنما هي مبدأ وقيمة لا نتنازل أبداً عنها) (٣)، وفي مراجعاته عبر قناة حوار يقول: (إن الحركة لا تعتبر أن مشكلة البلد عدم تطبيق الشريعة، وإنما هو غياب الحرية، وإن مشروع الحركة لا يتجاوز المشروع الوطني العام: مشروع الحريات والديمقراطية، بل مطالبها كلها تدور ولا تزال في الساحة التي تتلخص في حرية التعبير وحرية التجمعات وتكوين الجماعات).
٦ - يقول الغنوشي عن ولاية المرأة الولايات العامة: (ليس هناك في الإسلام ما يقطع بمنع المرأة الولايات العامة قضاء أو إمارة) (٤)، بل صرَّح بحقها في رئاسة الدولة (٥)، وهذه إمامة عظمى انعقد الإجماع على عدم جوازها، قال ابن حزم ﵀: (وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة) (٦).
هذا غيضٌ من فيض يجعلك تعرف كِبَر الهوة التي بين منهج هذه الحركة والمنهج الإسلامي الصحيح، وليعذرني القارئ فقد أكثرتُ عليه من النقل لكن ليعرف مدى الغفلة التي يعيشها كثيرٌ من الدعاة اليوم الذين لا يفرقون بين الفرح بفوز حزب إسلامي وبين جعله الفجر المنتظر، والفرج القادم الذي سيعيد للأمة الإسلامية مجدها ورفعتها.
стр. 131
ولو أن حركة النهضة وزعيمها جعلوا ذلك ضرورة تقتضيها المرحلة، أو أنه من باب تحقيق أرجح المصلحتين ودفع أفسد المفسدتين، لأمكن النظر في عذرهم، أمَّا أن يُجعل ذلك هو الدين وهو الإسلام الذي يرتضيه ربُّ العباد لعباده فهذا هو الظلم بعينه للشريعة، وما كان الهدف من هذه الوريقات انتقاص الحركة أو زعيمها، وهي أحوج ما تكون اليوم للمؤازرة والتثبيت على ما عندها من الحق، والتوجيه والإرشاد إلى مواطن الخلل والضلال، ولكنَّ هذه الوريقات المستهدف بها من التبست عليهم الأمور فخلطوا بين الفرح بفوز حزب إسلامي وبين صحة مساره وتوجهه.
وختاماً، هذه خلاصات لما سبق، أجملها في عشر نقاط:
١ - حركة النهضة حركة (ليبرو إسلامية) متأثرة بالطرح العلماني، وهي إحدى شبكات ما يسمى بالإسلام المعتدل الذي أوصى تقرير راند بدعم أمثاله، ووصولها للحكم في تونس ليس هو الفجر الصادق المرتقب.
٢ - الفرح بفوز حركة النهضة ونصرتها من مقتضيات الولاء للمسلم، والتخوف من مستقبل ذلك له ما يبرره، خشية أن يكون ضرر عرض الأحزاب الإسلامية للإسلام عرضًا مشوهًا باسم الإسلام، أكبر من ضرر الأحزاب العلمانية نفسها.
٣ - الغرب لا يخشى كثيراً من وصول أمثال حركة النهضة للحكم، بل قد يدعمها ليقطع الطريق على حَمَلَة الإسلام النقي من الشوائب ومن ينعتهم بالمتشددين أو المتطرفين.
٤ - الإسلامُ منهجُ حياة، وهو صالح بكليَّتِه في كل زمان ومكان، والسياسةُ جزءٌ منه، أمَّا الزعم بأنه لا يصلح في زماننا هذا -زمان الديمقراطيات- إلا ما يسمى بالإسلام السياسي، فهو زعم باطل، ووصول بعض من يتبنى ذلك اليوم للحكم ليس دليلاً على صحته.
٥ - ليس كلُّ من تمكَّنَ من الحكم بعد اضطهادٍ وظلمٍ يكون تمكينُه من جنس ما يدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، حتى يأتي بشروط التمكين فيطبق شرع الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
٦ - حسنُ النية وسلامةُ المقصد لا يعني بالضرورة صواب العمل والمنهج، وإخواننا هؤلاء نحسبهم صادقين -والله حسيبهم-، وقد قدموا تضحياتٍ كبيرة، ولكنهم يحتاجون لإعادة توجيه بوصلتهم إلى الاتجاه الصحيح.
٧ - التأصيل الشرعي يقي مصارع الضلال، والدين الصحيح لا يقوم إلا على علم شرعي صحيح.
٨ - تثبيت المفاهيم والمبادئ في زمن الضياع والتفلت من أوجب الواجبات على العلماء والدعاة وطلاب العلم، وشدة الخوف وشدة الفرح كلاهما من مظنات فتنة الناس عن حقائق دينها.
٩ - التفاؤل بتحسُّنِ أوضاع المسلمين بعد الثورات العربية مطلوب، وعلى دعاة الإسلام اقتناص الفرص والاستفادة منها.
١٠ - لعل الله يريد خيراً ببعض الناس؛ الذين لو جاءهم الإسلام بتشريعاته، وبصرامته لربما نفروا من أوامره ونواهيه، فقد مضت عقودٌ ودولهم تحت الاستعمار، ثم عقودٌ وهي تحت الاستعباد، عاشت خلالهما الشعوب- في ظلمٍ، وجهلٍ، وفقرٍ، وطمسٍ للمفاهيم وتغييرٍ للحقائق، وتبديلٍ لشرع الله، فانتقالها من هذه الحال إلى حال أخرى توافق شرع الله يحتاج إلى مُددٍ من الزمن، فلعل في هذا حكمة وتدرجاً إلهيًا للشعوب يهيئون من خلاله لمرحلة انتقالية على وِفقِ شرع الله، فبقدر ما يفرح المسلم بسقوط تلك الأنظمة، وبقدر ما يأسف من عدم وجود البديل الشرعي المناسب للوصول إلى السلطة، بقدر ما يستبشر خيراً لمستقبل واعد، إن شاء الله.
﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلم
стр. 132
نداء إلى أهل ليبيا
بعد مقتل القذافي وسقوط نظامه
رابطة علماء المسلمين
٢٣ ذو القعدة١٤٣٢هـ
الحمد لله معز المؤمنين، وناصر أوليائه المتقين، ومذل الطغاة ومهلك المستكبرين، الحمد لله الذي قال في كتابه الكريم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) [القصص:٥] وقال: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) [محمد:٧]. والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين أما بعد:
فنحمد الله تعالى على ما منّ به من هلاك عدو الله القذافي وانتهاء القتال, وزوال حكم الظلم والعدوان, (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ٤٥] ونسأل الله تعالى أن يعامله بما يستحق، ونبارك للأمة الإسلامية عامة وإخواننا في ليبيا خاصة على هذا الانتصار العظيم، وإن هذا الانجاز العظيم بعد الجهاد الطويل والصبر النادر والتضحيات الضخمة ليعطي الأمل والتفاؤل بانتصار بقية الشعوب التي تجاهد لرفع الظلم، فلا يأس ولا قنوط من رحمة الله (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) [الشعراء:٢٢٧]، وهذه النهاية المفرحة - كنهاية من سبقه من الظالمين- هي رسالة لكل حاكم ظالم باغ، وإنذار لكل من لا يطبق دين الله، وإن هذه الأخبار المفرحة تزيدنا تفاؤلا بنصر الله مهما طال الزمن ومهما عظمت المصائب وتكالبت المحن (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) [الروم:٦٠] وتزيدنا يقيننا بأن (العاقبة للمتقين) [هود:٤٩]، وهي رسالة للمتشائمين واليائسين، فأين الظالمون الذين كانوا قبل عدة أشهر يسومون شعوبهم سوء العذاب .. (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) [مريم: ٩٨].
إن رابطة علماء المسلمين مع هذه الأحداث ومع ما يتوقع من مستقبلٍ للأوضاع والأحوال في ليبيا ومن منطلق الواجب الشرعي بالنصح للمسلمين تتوجه إلى أهل ليبيا -قادة ومسؤولين, ومقاتلين, وعامة- داعية لهم أن يراعوا أموراً ومسائل شرعية مهمة وهي:
أولاً: إن المحافظة على النصر -الذي تحقق بفضل الله تعالى- واجب محتم, وهذا لا يكون إلا بالتواضع لله تعالى, وقد دخل رسول الله ﷺ مكة فاتحاً مطأطئاً رأسه تواضعاً لله تعالى, ومن ثم فإننا نوصي إخواننا بحمد الله والثناء عليه وشكره على ما أنعم به مع التوبة إلى الله, وكثرة الاستغفار, ومراقبة الله في السر والعلن (وما بكم من نعمة فمن الله) [النحل: ٥٣]، (وإن تشكروا يرضه لكم) [الزمر: ٧] (لئن شكرتم لأزيدنكم) [إبراهيم:٧].
ثانياً: الحرص على الوحدة واجتماع الكلمة, وخاصة بين القبائل, والمناطق والمدن, والقرى, والحذر من الاختلاف والفرقة والعصبيات الجاهلية, التي يدعو إليه الشيطان, فإنها تؤدي إلى الخسارة والبوار, وقطف الأعداء لثمرة الجهاد, قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) [آل عمران: ١٠٣]، وقال: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: ٤٦] , وقال ﷺ لماّ بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا, وتطاوعا ولا تختلفا) [متفق عليه].
ثالثاً: الحذر من إعطاء الفرصة للأعداء، الذين يطمعون في السيطرة على البلاد، والتحكم في نظامها، والاستئثار بخيراتها، وأهم من ذلك صدهم للمسلمين عن دينهم الذي هو مصدر عزتهم وقوتهم سعادتهم في الدنيا والآخرة.
стр. 133
رابعاً: من أعظم ما يحقق الاجتماع والاستقرار ويدرأ الفرقة، صرف النظر عن الدماء التي أريقت بين القبائل في هذه الحرب، وعن مطالبة أحد لأحد بشيء منها، وذلك بالعفو المتبادل بين القبائل وأهل القرى والمدن، وعلى أهل ليبيا أن يقتدوا في ذلك بمواقف الصحابة ﵃ حين جرت الفتنة فيعفو إلاّ عمن ثبت إجرامه من بقايا رؤوس الحكومة السابقة، فللأمة محاكمة هؤلاء ومحاسبتهم ومعاقبتهم كل بما يستحقه، ومما يحقق الاستقرار أيضاً دعوة المسؤولين في ليبيا الناس للعودة إلى القرى التي فرّ عنها أهلها, والتعاون على البناء والإصلاح حتى تستقر الأحوال وتهدأ النفوس.
خامساً: وبعدما تقدم نوصي حكومة ليبيا القادمة وعموم الشعب الليبي بالتمسك بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، والتعاون على ما يحقق الانتماء للإسلام، ومن أهم ما يُنَبَّه إليه في هذا المقام؛ محافظة المرأة المسلمة على آدابها الإسلامية، في خلقها ولباسها، والحذر من الانسياق مع الدعوات التغريبية، التي تستهدف إخراج المرأة المسلمة عن حدوها الشرعية، والزج بها في تقليد المرأة الغربية.
كما نوصي في هذا المقام عموم المسلمين أن يسندوا إخوانهم في ليبيا، ويمدوهم بكل ما يمكن مما يعينهم في أمر دينهم ودنياهم، ولا سيما في ظروفهم الحاضرة، وأن يكونوا لهم كما قال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) [متفق عليه] , وقال ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان وشبك بين أصابعه) [رواه البخاري ومسلم].
نسأل الله تعالى الهداية والتوفيق للجميع، وأن يجنب جميع بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يول عليهم من يقيم فيهم دين الله، ويحكم فيهم شرعه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 134
مقتطفات من مقال الخيط الناظم في كتاب الله
إبراهيم بن عمر السكران
٢٢ ذو القعدة ١٤٣٢هـ
الحمدلله وبعد،،
هذه ليست ورقة بحثية، ولا مقالة منظمة، ولا حتى خاطرة أدبية، كلا، ليست شيئاً من ذلك كله، وإنما هي (همٌ نفسي شخصي) قررت أن أبوح به لأحبائي وإخواني، فهذه التي بين يديك هي أشبه بورقة "اعتراف" تطوى في سجلات الحزانى .. اقرأها ثم امحها من جهازك إن شئت ..
هذا الإحباط النفسي الذي يجرفني ليس وليد هذه الأيام، وإنما استولى علي منذ سنوات، لكن نفوذه مازال يتعاظم في داخلي ..
صحيح أنني أحياناً كثيرة أنسى في اكتظاظ مهام الحياة اليومية هذه القضية، لكن كلما خيّم الليل، وحانت ساعة الإخلاد إلى الفراش، ووضعت رأسي على الوسادة، وأخذت أسترجع شريط اليوم ينبعث لهيب الألم من جديد .. ويضطرم جمر الإحباط حياً جذعاً ..
ثمة قضية كبرى وأولوية قصوى يجب أن أقوم بها ومع ذلك لازالت ساعات يومي تتصرم دون تنفيذ هذه المهمة .. لماذا تذهب السنون تلو السنون ولازلت أفشل في التنفيذ؟ لماذا تكون المهمة أمام عيني في غاية الوضوح ومع ذلك أفلس في القيام بها؟ ويزداد الألم حين أتأمل في كثير من الناس من حولي فلا أرى فيهم إلا بعداً عن هذا القضية، إلا من رحم الله .. مجالس اجتماعية احضرها تذهب كلها بعيداً عن "الأولوية القصوى" .. وأتصفح منتديات انترنتية وصفحات تواصل اجتماعي (فيسبوك وتويتر) تمتلئ بآلاف التعليقات يومياً .. وأكثرها منهمك في أمور بعيدة عن "الأولوية القصوى" إلا من رحم الله .. وأطالع كتباً فكرية تقذف بها دور النشر وتفرشها أمامك معارض الكتب وغالبها معصوب العينين عن "الأولوية القصوى".
فإذا أعدت كل مساء استحضار واقعي اليومي، وواقع كثير من الناس من حولي؛ تنفست الحسرات وأخذت أتجرع مرارتها .. وأتساءل: لِم؟ لِم هذا كله؟ متى تنتهي هذه المأساة؟
دعني ألخص لك كل الحكاية .. في كل مرةٍ أتأمل فيها القرآن أشعر أنني لازلت بعيداً عن جوهر مراد الله .. مركز القرآن الذي تدور حوله قضاياه لازلت أشعر بالمسافة الكبيرة بيني وبينها ..
يذكر الله في القرآن أموراً كثيرة .. يذكر تعالى ذاته المقدسة بأوصاف الجلال الإلهية، ويذكر الله في القرآن مشاهد القيامة من جنة ونار ومحشر ونحوها، ويذكر أخبار الأنبياء وأخبار الطغاة وأخبار الصالحين وأخبار الأمم سيما بنو اسرائيل وتصرفاتهم، ويذكر تشريعات عملية في العبادات والمعاملات، الخ وفي كل هذه القضايا ثمة خيط ناظم يربط كل هذه القضايا .. تتعدد الموضوعات في القرآن لكن هذا الخيط الناظم هو هو .. هذه القضية التي يدور حولها القرآن ويربط كل شيء بها هي "عمارة النفوس بالله".
ومن أعجب مواضع القرآن في ربط النفوس بالله وعمارتها بربها، ولا أظن أن ثمة دلالة أكثر من ذلك على هذا الأمر: (صلاة الخوف حال الحرب)، هذه الشعيرة تسكب عندها عبرات المتدبرين
وقد تكفل القرآن ذاته بشرح صفتها، وجاءت في السنة على سبعة أوجه معروفة تفاصيلها في كتب الفقه .. بالله عليك تخيل المسلم وقد لبس لأمة الحرب، وصار على خط المواجهة، والعدو يتربص، والنفوس مضطربة قلقة، والأزيز يمخر الأجواء، والدم تحت الأرجل .. ومع ذلك لم يقل الله دعوا الصلاة حتى تنتهوا، بل لم يقل دعوا "صلاة الجماعة"! وإنما شرح لهم كيف يصلوا جماعة في هذه اللحظات العصيبة (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) [النساء، ١٠٢]. .
стр. 135
هل تعرف في الدنيا كلها شاهد على حب وتعظيم الله جل وعلا للارتباط بالله واستمرار مناجاته أكثر من ذلك .. بل هل يوجد رجل فيه شئ من الورع وخوف الله يهمل صلاة الجماعة وهو في حال الأمن والرفاهية وعصر وسائل الراحة؛ وهو يرى ربه تعالى يطلب من المقاتلين صلاة الجماعة ويشرح لهم تفاصيل صفتها بدقة، وهم تحت احتمالات القصف والإغارة؟!
هل تستيقظ نفوس افترشت سجاداتها في غرفها ومكاتبها تصلي "آحاداً" لتتأمل كيف يطلب الله صلاة "الجماعة" بين السيوف والسهام والدروع والخنادق .. ؟!
أترى الله يأمر المقاتل الخائف المخاطر بصلاة الجماعة، ويشرح له صفتها في كتابه، ويعذر المضطجعين تحت الفضائيات، والمتربعين فوق مكاتب الشركات؟! هل تأتي شريعة الله الموافقة للعقول بمثل ذلك؟!
ومن اللطيف أن الآية التي أعقبت الآية السابقة تكلمت عن حال إتمام الصلاة، حسناً .. نحن عرفنا الآن من الآية السابقة صفة الصلاة لحظة احتدام الصفين، فما هو التوجيه الذي سيقدمه القرآن بعد الانقضاء من الصلاة؟ يقول تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) [النساء، ١٠٣] ياسبحان ربي .. الآن انتهى المقاتل من صلاة الجماعة، فيرشده القرآن لاستمرار ذكر الله .. هل انتهى الأمر هاهنا؟ لا، لم ينته الأمر بعد، فقد واصلت الآية الحديث عن انتهاء حالة الخوف، وبدء حالة الاطمئنان، ويتصل الكلام مرةً أخرى لربط النفوس بالله (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [النساء، ١٠٣].
.
ربما لو جلست مجلساً وسألت من فيه ما هو تعريف "الصحبة الصالحة"؟ لربما طافت بك التعريفات في صفات دنيوية، وخصوصاً بعد غلبة المنظور الغربي لمفهوم (تطوير الذات) فصارت تسري في مفاصل هذه الكتب المعايير المادية في النظرة للحياة والنجاح .. لكن متدبر القرآن يجد في سورة الكهف تعريفاً مدهشاً للصحبة الصالحة، يقول الله ﵎ لنبيه:
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) [الكهف، ٢٨]
سألتك بالذي خلقك هل تجد اليوم في خطاباتنا الفكرية والنهضوية من يعرّف الشخصية المتميزة بهذا التعريف؟! انظر كيف تحدد سورة الكهف "خاصية" الشخص المتميز .. إنه الذي "يدعوا ربه بالغداة والعشي" .. واخجلاه من زمانٍ صرنا نستحي فيه من حقائق القرآن!
ولما كلف الله موسى ﷺ بالرسالة، طلب موسى من الله أن يجعل له وزيراً يعينه على مهمة الرسالة وهو أخوه هارون، لكن ما هو المقصود الأبعد من هذا التعاون والتعاضد بين الأخوين؟ شاهد كيف يشرح موسى وظيفة الاستعانة بأخيه هارون في سورة طه:
(واجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه، ٢٩ - ٣٤]
أظنك لاحظت هذا الحضور العجيب لـ (ذكر الله) في بنية الرسالة، موسى يقول لربه اجعل معي هارون كي نسبحك ونذكرك كثيرا! من أجل التسبيح والذكر!
هل انتهى الأمر عند هذا الحد؟ لا، بل إن الله تعالى يرسل موسى وهارون إلى فرعون ويوصيهما مرةً أخرى بلهج اللسان بذكر الله، فيقول الله في نفس السورة، سورة طه، بعد الموضع السابق بآيات معدودة:
(ذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) [طه، ٤٢]
стр. 136
موسى يريد توزير أخيه ليتعاونا على تسبيح الله وذكره، وربهما يرسلهما ويقول لا تنيا أي لا تفترا ولا تضعفا ولا تكسلا عن ذكري .. لاحظ المهمة الجسيمة التي سيتحملانها وهي مواجهة أعتى نظام مستبد في التاريخ بما يستفز كبرياءه، ومع ذلك يقول الله لهما "ولا تنيا في ذكري" ..
لو قدّم اليوم بعض الدعاة نصيحة للثوار على الحكومات العربية الفاسدة بأن يكثروا من (ذكر الله) لعدّ كثير من المستغربين ذلك دروشة وسذاجة! برغم أن موسى يجعل ذكر الله مظلةّ لمهمته الكبرى، والله ﷻ يؤكد عليهما بأن لا يفترا عن الذكر .. فما أكثر الشواهد المعاصرة على غُربة مفاهيم القرآن، وبعد كثير من شباب المسلمين عنها إلا من وفق الله.
..
وقد انعكست هذه الهدايات القرآنية على تعاليم سيد ولد آدم ﷺ فنبهت أحاديث النبي ﷺ على انكباب القلوب على الله جل وعلا، وأظن من أكثرها لفتاً للانتباه الحديث الشهير الذي رواه البخاري ومسلم عن السبعة اللذين يفوزون بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وذكر منهم (ورجل قلبه معلق في المساجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه) [البخاري٦٦٠، مسلم١٠٣١].
شاهد كيف يربي النبي ﷺ في نفوس أصحابه التعلق بالمسجد، وقارنه ببعض المنتسبين للدعوة الذي صاروا يعلقون الناس بما هو خارج المسجد!
قارن الخطاب النبوي بمنتسبين للدعوة صاروا من الزاهدين في سكينة المساجد، المولعين بصخب الدنيا ..
وهذا المعنى الذي تواردت عليه معاني القرآن -كما رأينا نماذجه سابقاً- هو خاصة التوحيد الذي دارت عليه عبارات متألهي السلف وربانييهم، وما أحسن قول أبي العباس ابن تيمية ﵀:
(والمقصود هنا أن الخليلين -محمد وإبراهيم- هما أكمل خاصة الخاصة توحيداً .. ، وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية، وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلاً) [ابن تيمية، منهاج السنة، ٥/ ٣٥٥].
يا الله .. ما أجمل هذا المعنى .. اللهم لا تجعل في قلبي وقلوب إخواني شيء لغيرك أصلاً ..
لقد جبلت النفوس البشرية على التعلق بالدنيا، والغفلة عن الآخرة، لذلك جاءت آيات القرآن فجعلت الأصل في الخطاب الدعوي ربط الناس بالآخرة، والتبع هو التأكيد على أهمية إعداد القوة، هذه نزعة ظاهرة في القرآن والسنة ووصايا السلف .. ولكن للأسف جاءتنا خطابات دعوية مادية أرهقتها مواجهة التغريب فانكسرت وتشربت ثقافة الخصم ذاته، وصارت منهمكة في تذكير الناس بالدنيا، وجعلت التبع هو الآخرة .. خطابات لم تعد تستحي أن تقول مشكلة المسلمين في نقص دنياهم لا نقص دينهم! ولكن لا يزال -ولله الحمد- من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
إن الدعاة إلى الله الذي يحاولون دوماً توظيف الأحداث للتذكير بالله هؤلاء أعلم الناس بحقائق كتاب الله، وإن أولئك المفتونين الذين يسخرون من ربط الأحداث بالله، ويسمون ذلك (المبالغة في تديين الحياة العامة) تشويهاً لهذا الدور النبيل؛ هؤلاء هم أجهل الناس بدين الله الذي وضحه في كتابه ببيان هو في غاية البيان ..
وإذا تشبع قلب متدبر القرآن بهذه الحقيقة الكبرى الناظمة للآلئ القرآن أثمرت له في نفسه عجائب الإيمان .. وأصبح لا يساكن قلبه غير الله ﷻ .. وبرأ قلبه من الحول والقوة إلا بالله سبحانه .. وصار ينزل حاجاته بالله .. واصبح يشعر برياح القوة والإمداد الإلهي كما نقل الإمام ابن تيمية (ولهذا قال بعض السلف "من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله") [الفتاوى، ١٠/ ٣٣].
стр. 137
فلا يلتفت القلب للأسباب في طلب الرزق، أو البحث عن مسكن، أو البحث عن وظيفة، أو طلب العلم، أو طلب الإيمان، أو طلب الصحة والعافية، أو طلب الإفراج من اعتقال، أو طلب نجاح ثورة .. بل يصعد القلب إلى الله، ويجتهد في عمل القلب، ويقتصد في الأسباب بالقدر الشرعي ..
لم أعد أشك أن أقوى الثورات هي ثورة توكل مناضلوها على الله .. وأضعف الثورات هي ثورة تعلقت قلوب مناضليها بالبيت الأبيض .. حتى لو كانت الحسابات المادية تعطي خلاف ذلك، فأهل الإيمان لهم معايير صادقة زكاها القرآن .. والله يقول في ثلاث مواضع من كتابه في الأعراف والقصص وهود: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وهل يشك من قارن بين مطالب القرآن، والكتب الفكرية المعاصرة التي تتحدث عن النهضة والتقدم؛ أننا لا زلنا بعيدين عن النهضة والحضارة بحجم بعد هذه الكتب الفكرية النهضوية عن أهداف وغايات ومطالب القرآن ..
بالله عليك هل رأيت كتاباً فكرياً نهضوياً ينطلق في نظريته للنهضة من (آيات التمكين والاستخلاف)؟
على أية حال .. لقد بيّن الله لنا مراده في القرآن غاية البيان، وأوضح لنا مطالبه الكبرى في كتابه بصنوف البينات، والعُمْر يركض على شفير القبر، فما أقرب الساعة التي سيسألنا الله جميعاً عن تحقيق مراده، وسيكون السؤال حينها على (أساس القرآن) يقول الله: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) [المؤمنون، ٦٦]
ويقول سبحانه (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) [المؤمنون، ١٠٥]
ويقول أيضاً (أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ) [الجاثية، ٣١]
فتأمل كيف ستنظم الحياة المستقبلية على أساس القرآن .. ولينظر كلٌ منا ما هو أساس حياته؟!
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
стр. 138
عضوية المرأة للشورى .. تأصيل وتنزيل !
عبدالعزيز الطريفي
٢ ذو القعدة ١٤٣٢هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جرِّد الحجة من قائلها، ومن كثرة القائلين وقلّتهم بها، ومن ضغط الواقع وهوى النفس، واخلُ بها والله ثالثكما، تعرف الحق من الباطل.
لن يُنصَف الحقُّ إلا إذا كان القلب خالياً عند الكتابة من كل أحدٍ إلا من خالقه سبحانه، وكم من الأشخاص يجتمعون في ذهن الكاتب والقائل عند تقييده للحق فيُصارعونه ليَفكوا قيده، فيضيع الحق، ويضيع معه العدل والإنصاف.
يَظنُّ كثيرٌ من الناس أن الفتنة هي الإثارة والهرج، ويُغفلون عن أن أخطر أنواع الفتنة قلب الحقائق والمفاهيم والسكوت عن ذلك قال تعالى: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الأمور﴾ ومن يجيء بالحق ويُظهر أمر الله فهو دارىء للفتنة، ومطالبته بالسكوت درءاً للفتنة هو الفتنة.
تناقلت وسائل الإعلام كلاماً منسوباً لعدد من العلماء بجواز عمل المرأة في مجلس الشورى ومجالس البلديات، يحكون الجواز بإطلاق، ويُقيدون ذلك بـ (الضوابط الشرعية) دون أن يذكروا واحداً منها، ومَن الضابطُ لها، وما وجوه الضبْط في زمنٍ كثُرت فيه آراء الشذوذ، والإعلام يحكي إذا اشتهى الشذوذ إجماعاً، وإذا كره الإجماع حكاه شذوذاً، وهذا من الفتنة التي حُذرنا منها.
يُروى في المسند من حديث أنس عن النبي ﷺ : ((إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ، كَمَثَلِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ، يُهْتَدَى بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُومُ، أَوْشَكَ أَنْ تَضِلَّ الْهُدَاةُ)).
وكلما ارتفع الشيء زاد الراؤون له وكُلما دنا قلّوا، ولذا شبّه النبي العالِم بالنجم في السماء لأن أثره ينبسط على عموم الأرض ويهتدي به كلُّ من يراه، وإن من أخطر الأحوال أن تتحوّل هداية العالم من هداية أمة إلى هداية فردٍ أو أفراد في الأرض، ويتيه عامة أهل الأرض به.
والعالم الصادق إن حُجبت عنه العقول كما تَحْجب السحبُ النجمَ عن الأعين بقيَ مكانه، فلا يبحث عن الأعين ليظهر لها حيث تتجه، وإلا فهو فاقدٌ لهويته من نجم إلى شهاب يُضيء لحظة ليُمتِع الرائي له ثم ينتهي.
إن صناعة رأيٍ سائدٍ وتسفيه غيره سنّة قديمة يملكها من أخذ بأزمة المؤثرات على العقول، وهي مجتمعة اليوم في الإعلام، حتى إن القاريء يظن أن الأمة مجتمعة بين ألواح الصحف، بينما هم جُمِعوا كما تُجمع أحصنة الشطرنج بيدٍ واحدة على لوحٍ واحدٍ، حتى لا يكاد يجد الإنسان محلاً لحرف يضعه في خلاف ما يرون ولا يملك إلا كتابة رأيه منفرداً ويرمي به كالغريب فإن كتب قيل له: (عَبْر الطرق المأذون بها)، والطرق المأذون بها مغلقه، وقد قال فرعون للسحرة لما آمنوا بموسى: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم﴾ وأين من يقبل إذنهم لو استأذنوا للإيمان، وإن آمنوا بلا استئذان عُوقبوا على عدم الاستئذان!
وأما الحديث عن عمل المرأة في الشورى فينبغي تأمل هذه المقدمة قبل الحديث فيه وهي:
أن الحكم على شيءٍ ما يَنبغي أن لا ينحصر على ذاته متجرداً من لوازمه، وأشباهه، والقرائن المحتفة به، فإذا انحصر على ذاته، فهذا مضاد لأصل العقل الصحيح، فإن الأشياء عقلاً تتشابه في نفسها وتختلف حُكماً للوازم وقرائن ونظائر تجعل العقل يحترز في موضعٍ ويُحجم في آخر، وكلاهما يُشبه الآخر لقرائن اقتضت ذلك، والمسير على خطٍ واحد في المتشابهات من خصال البهائم التي لا تحكم إلا على ما في حدقة العين وما خرج عنها فلا يعنيها بشيء، فتهرب الطيور من الإنسان ومن تمثاله فالصورة واحدة، وهذه النظرة ليست نظرة عقل صحيح فضلاً عن فقيه بصير.
стр. 139
وحينما يُستفتى عالمٌ في حكم حد سكينٍ لذبح أُضحية هل تُجزيء في قطع الوريد والودجين وهو يعلم أن السائل يسأل عن حد السكين ولكنه يقتل بعقبها، فإجابتة بالجواز ليس من مواضع الأمانة لو كانت في مال الإنسان فكيف في دينه.
ونحن اليوم في زمن متناقض، فالنظر إلى استشارة المرأة بضوابطها الشرعية متجرداً عن أي قرينة تحتف بذلك قصورٌ، فما يحتاج إلى ضبط وحدٍّ أشياء منها:
الاختلاط، وولاية المرأة وبرزوها في المحافل الداخلية والخارجية، وسترها وحجابها، وغير ذلك، فهل الجهات الرقابية والضابطة في الحياة اليوم تُشَدِّد في ذلك أم تتراخى؟! حتى نجعل ضوابط شورى المرأة وبلدياتها قابلة للتنفيذ، أم هي كلّ يومٍ تفكُّ قيداً من قيودها، واستمرار العالِم يمد فتواه بضوابطها، وهو يرى تلك الضوابط بعينها يزداد جزرها انكماشاً في الحياة من القصور في السياسة الشرعية وفقه المقاصد، فالجهات الرقابية التي تُطبِّق الضوابط الشرعية لعضوات مجلس الشورى هي من يُطبق ضوابط ابتعاث ثلاثين ألف امرأة في جو مختلط بل وتشجع على سفورهن، وكذلك في المستشفيات واختلاط بعض الشركات فما هو الورع الذي يحمل على ضوابط بضعة نساء في الشورى ويُهدر آلاف منهن، والله يقول: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ والاعتبار رد الشيء إلى نظيره ثم يصدر العالم بحُكم على ما بين عينيه فيضبط الشاهد على الغائب، والله أمر بإحكام الحُكم الحاضر على الغائب المعلوم كثيراً في القرآن بقوله ﴿أفلم ينظروا﴾ ﴿أولم يروا﴾ وغير ذلك كثير، إشارة إلى ضعف حكم من صدر برأيٍ على مُشَاهَد دون نظائره.
هذا كله مع التسليم بإقرار الجهات المنفّذة بتلك الضوابط السابقة، والمُشكل أيضاً أن تلك الضوابط المذكورة لم يُشَر إلى شيء منها.
إن وجود نصٍ عند عالمٍ في مسألةٍ لا يسوغ أن يرمي النصَ على كل طالبٍ له، بل ينبغي على العالم سبر الحال ومعرفة الأشباه والقرائن، وإلا ففتواه تفريط، وقد سأل رجل أحمد بن حنبل قال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي؟ قال: لا تطلقها، قال: أليس عمر بن الخطاب أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته، قال: حتى يكون أبوك مثل عمر ﵁.
وهذا أمر متقرر في كلام العلماء في ضوابط الفتوى وأهلية المفتي.
وإن حال المجتمع وأحوال المرأة في المجتمع لا تحتاج إلى نظر طويل حتى تُنزل النصوص عليها فعُرى الضوابط المعقودة تُنقض، وما لم يُعقد لا يُفكر بضبطه.
والفتوى لا يجوز أن تنطلق من النص فقط دون النظر إلى محل تنزيلها، والحال عند التنزيل وبعده، وإلا لم يكن ثمة حاجة إلى وجود عالمٍ يسبر وينظر ويحرر.
وأما بشأن التفصيل في عمل المرأة في مجلس الشورى فعلى ما يلي:
أولاً: أصل استشارة المرأة في ذاته ليس من المباحث في التحليل والتحريم لكونه يقع في الزمن الأول بداهة ولو لم يُنقل، ولكن الحاجة في الكلام على صفته وموضوعه ووقته ونوعه ومكان أخذه، وقد استشار النبي ﷺ وعمر وغيرهم، في قضايا مخصوصة وفي أحوال معينة ومن نساء قريبات معروفات فالنبي استشار زوجته أم سلمة وعمر استشار بنته حفصة.
ثانياً: لم يَنْصب النبي ﷺ ولا الخلفاء ولا أمراء الإسلام في القرون المفضلة امرأة للشورى في قضايا الأمة مع كثرة الحوادث ومرور القرون والحروب والفتن، مع أن أول مجلس للشورى كان في خلافة عمر كما روى البخاري قال ابن عباس: كان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولاً أو شباناً.
стр. 140
ثالثاً: استشارة المرأة فيما يتعلق بشأنها كما استشار عمر حفصة جائز، من غير تَنْصيب في قضايا العامة ولا الرجال، وأن تكون الاستشارة من الحاكم أو نائبه، بالسبل التي تُجيز الشريعة التواصل بها، وأما نصبها يتلقى منها الناس الرأي وتَسْتضيف وتُستضاف للرأي العام فهذا لا يجوز في قول فقيه، وهذا يُنزّل على عضويتها في مجالس الشورى والبلديات.
وأما استشارتها في أمور العامة العارضة للاستئناس من غير تَنْصيب لتلك القضايا على الوجه والصفة المشروعة كالزوج من زوجته والأب من ابنته، والبعيد من البعيدة بضوابطه وصوره المحدودة، فهذا جائز، لأن النبي إنما شكى لزوجته أم سلمة عدم أخذ الناس بقوله فأشارت عليه لا بإنشاء رأيٍ وإنما كيف يستجيب الناس لرأيه السابق الذي أخذه وقضى الأمر فيه، ولم تكن بارزة للناس ففي البخاري: قال عمر: ((قال رسول الله ﷺ لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك، أخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك)).
رابعاً: إن نصب امرأة للشورى لقضايا العامة وفي جميع الشئون يلزم من ذلك محظورات شرعية من أظهرها:
١ - أن في هذا نوع ولاية عامة بهذا العموم، خاصة في نظام يأخذ بالتصويت الغالب وتُحسم الأمور به مهما كان نوع القائلين به، وقد قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ وهذا في قوامة الرجل على زوجته فكيف بالقوامة العامة، والله لم يجعل للمرأة ولاية على زوجها لحِكمة يُدركها المتأمل لخصائص الجنسين، ومن أظهر الحكم رقة الطبع والضعف الفطري في الشدائد، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، أي يضعُف فطرة عن المحاججة في النزاع هيبة وخجلاً، وهذا أمر يُعرف فطرة ولو كابرت فيه بعض النفوس فيُنكرونه عناداً باللسان ويُثبتونه عملاً فالنظام الغربي بجميع تشريعاته ومع أن النساء في الدول أكثر من الرجال عدداً ويُطلقون مساواة الجنسين من جميع الوجوه إلا أن نصيب النساء من الولايات واقعاً لا يُساوي ٥%، يجرون على الفطرة ولو أنكروها ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً﴾.
والضعف لا تختص المرأة به، فلو وُجد في رجلٍ كذلك لما جاز توليته، فروى مسلم من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً, وإني أحب لك ما أحب لنفسي, لا تتأمرن على اثنين, ولا تتولين مال يتيم)). فلا يُناسب تولي رقيق الطبع شأن العامة فيضعف رأيه تبعاً لرقته وضعفه خاصة في الاستشارة والرأي في فتنة حرب وأزمة اقتصاد فيضعف أو يبكي فتضعف هيبة الدولة أو يصدر قرار بعاطفة لا بعقل.
ولذا قال النبي ﷺ : ((لن يُفلح قوم ولو أمرهم امرأة)) وقد نص على الإجماع على هذا الحديث ابن حزم والجويني وابن تيمية وغيرهم، وقد فهم أبو بكرة وهو صحابي جليل أن معنى الحديث على جميع الولايات ولو قيادة صُلح بين فئتين.
стр. 141
٢ - أن الاستشارة العامة يلزم معها المخالطة بلا ريب، وذلك أن الاستشارة لا بد أن تصدر عن سبر للموضوع المستشار به، ويلزم من ذلك من سفر داخلي وخارجي ولقاءات خاصة وعامة قدراً لا يُحصى، وإذا كانت المسئولة عن تعليم النساء في البلاد وهي على نساءٍ، ينشر الإعلام لها أسفاراً داخلية وخارجية مع رجال، هذا وهي على شأن نسائي خاص، فلم يتم ضبطه شرعاً، فكيف يُضبط ما هو أعم منه، واختلاط المرأة بالرجال في العمل والتعليم محرم باتفاق المذاهب.
وإنما جعلت شهادة الرجل بشهادة إمرأتين لأنها لا تختلط بميادين الرجال فما لم تُخالطه تنساه لو رأته مرة، بخلاف حال الرجل.
خامساً: أما الاحتجاج باستشارة النبي لأم سلمة على تنصيبها للشورى فقياسٌ مع الفارق، فالنبي ﷺ إنما استشار زوجته في استجابة الناس له لا في أصل رأيه ثم إنها في خدرها وأعطته رأيها لنفسه، ولم ينصبها لعموم المسلمين، ففي البخاري قال عمر: ((دخل النبي على أم سلمة)) أي وهي في خيمتها وخيمته، ولو صح التعميم لكان كل فعل يفعله النبي مع أزواجه جاز أن يفعله الرجال مع النساء، ولجاز أن يُصنع مضمار سباق للرجال والنساء لأن النبي سابق عائشة، وقد كان النبي في حَضَرٍ ونساؤه في حَضَره أكثر، وهو في حال إقامته أكثر من حال سفره، ولم يُعرف عنه أنه نصب امرأة للشورى والله قد أنزل عليه: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ يعني أصحاب الأمر العام فوقع منه ذلك على الرجال، وأما قضايا الأعيان العارضة من أزواجه وشبههم فهذا يقع ولا بأس، والآية نزلت وأقرب الناس إليه أزواجه وكل يومٍ عند واحدة منهن.
ثم إن أم سلمة وأمهات المؤمنين على شيء من الحجاب وتشديد الله عليهن حتى إنه يحرم عليهن بروز أشخاصهن بلا حاجةٍ، أكثر من غيرهن، وأَخْذُ حالٍ وَقَعَتْ من النبي مع زوجة له، ثم قطع الواقعة عن سياقها وصفة المستشار والمستشير وإنزالها على كل صورة، ومع كل أحدٍ، ليس من موارد الاستنباط الصحيح، وهو كقطع عرجون نخلٍ وغرسه في الأرض ليُنبت نخلاً لأنه مقطوعٌ من نخل، وكيف يُنبت وقد نُزع من سياقه، وغُرس في غير أصله.
وأما استشارة عمر لحفصه فهي ابنته فقال: ((كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا)).
وأما ما جاء عن عمر أنه يستشير النساء بإطلاق، فرواه البيهقي بإسناد لا يصح، فمحمد بن سيرين لم يُدرك عمربن الخطاب.
سادساً: من قرأ ما نُشر في وسائل الإعلام من مقالات وفتاوى وجد أن تعليل تنصيب المرأة في الشورى والبلديات (إنصافاً للمرأة) (ومنعاً لتهميشها) والمعروف عقلاً وشرعاً أن الاستشارة تُبنى لمصلحة المستشير والعامة وليس لمصلحة المستشار ولا يجوز أن تُبنى مصلحة الشورى لدفع تهميش المستشار، فالاستشارة العامة ليست لجلب مصلحة فرد أو جنس، وهذا يكون في الحقوق الخاصة وليس في الأمور العامة، وهذا يدل على أن النّفَسَ في تنصيب عضوة شورى نُظر إليه من جهة غرس مباديء فكرية ورمزية مجردة.
سابعاً: أن السياسة العقلية في الاستجابة لضغوظٍ خارجية تجزم أن من الخطأ أن تستجيب لضغطٍ أو إكراهٍ ممن ترى أن قائمة ضغوطه لا تنتهي إلا بانتهاء شرعتك، فالغرب لن يوقف ناقوس إزعاجه للتنازلات، وإنما هو يبدأ مع كل دولة بحسب سقفها الحالي، فالضغوط التي تُمارس على مصر والشام في السياسة والأخلاق هي على ذات المقدار على هذه البلاد ولكن تختلف حُدود السقف بينها.
стр. 142
فالعقيدة والشريعة المنزّلة ليس ملْكاً لنا، فالضغط الذي نراه اليوم قد يزول في ساعة، وأما الشريعة التي نرميها فلن تعود في قرن أو قرنين فدفع الشيء أولى من رفعه، والدول التي استجابت لضغوطِ تعري المرأة وحريتها في اللباس تعرت في عام أو عامين ولو أرادت العودة فلن تستتر كما كانت عليه في مائة عام.
يجب على كل مسئولٍ أن يستشعر أن قضايا الفكر والتشريعات والنُظم تختلف عن الممارسات الفردية في قدر الاستجابة للضغوط، فالمسئول مؤتمن على الفكر والتشريع أمام كل جيل يأتي بعده، أن يُسلِّمه له تاماً فالله يقول: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ فشهادته ﷺ على كل الأجيال في ضبط تشريعهم، وأما الأفعال والانقياد فكل نفس بما كسبت رهينة، لأن أفعالهم وقتية وعينية.
يجب على كل مسئولٍ تحمّل ضغط البداية، فهو هو نفس ضغط النهاية، ودفع الحجر الأول من رأس هرم الشريعة = هو نفس دفع آخر حجر من أوسطه وآخره بذات القوة؛ فحافظ على الحجر الأول وأنت عزيز، قبل أن يزول آخر حجر وأنت ذليل، فلو استحللنا الزنا فسيكون الضغط على اللواط بنفس المقدار الذي نراه اليوم على الاختلاط والخلوة والحجاب، فهم يعلمون أن بحث الزنا وحليّته لا يستقيم في بلد يمنع الاختلاط، فيبدئون من أعلا الهرم، وهكذا تقول سياسة الهدم، وسيخلو موضع أول حجر فينتقل نظرهم إلى ما تحته .. وهكذا، فإن كنت على قناعة بزوال ما تحته مهما تسلسل فاستجب للإزالة الأولى، وإلا فلا تظلم جيلًا يأتي بعدك عبَّدت الطريق إليه بإزالة حجر سابق لينهزم فيُزيل اللاحق وهكذا كُلُّ جيل.
والشريعة واحدة والأجيال متعددة كلٌ يُسْقط حجراً منها بحجة أنه تنازل عن شيء ليحفظ أشياء، حتى تزول الشريعة الواحدة بأيدي أجيال متعددة، ولكن العالم كالنجم يرعى الشريعة اليوم لزمنه وأزمنة غيره، وأما المصالح الفردية والزمنية فلا يراها مُسوغاً لنقض دستور أمة، وأما قضايا الأفراد والتماس الرخص لهم والتيسير عليهم في أفعالهم فهو أرحم الخلق بهم.
ونقض النظم الثابتة المُحكمة العامة يلزم معه التسلسل، وتاريخ الغرب في داخله شاهدٌ أنه بدأ بشيء وانتهى بشيء مع تسلسل الأجيال.
والله قد بين أنهم في حال قدرتهم لن تنتهي مطالبهم إلا بالانسلاخ التام من الإسلام: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾.
إن الغرب حينما يطلب منا انصاف المرأة، لديه مفهوم غير ما يُصوَّر لنا، وكثيراً ما تُثير منظمات وسياسات (وهي تُبيح زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة) على مسئولينا حقوق المرأة فيخجلون، وليتهم قالوا: ميِّزوا الأنثى من الذكر لنا حتى نُنصفها منه.
﴿واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.
قيّض الله لهذه البلاد عيناً حارسة في الدين والدنيا وألّف بين الحاكم والمحكوم على الخير والهدى، وإنْ أُريدُ إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.
стр. 143
الأسد، هل يوشك على السقوط ؟
خالد مصطفى
٢/ ١١/١٤٣٢ هـ
جاء إعلان الجيش السوري الحر المنشق عن نظام بشار الأسد, عن إطلاق حملة عسكرية لتخليص البلاد من حكم الأسد وحزبه؛ ليشير إلى دخول الثورة السورية إلى مرحلة جديدة لاتكتفي فقط بالمظاهرات السلمية التي تعم المدن مطالبة بإسقاط النظام وإنما ترسي قواعد أخرى لحماية المتظاهرين العزّل الذين اكتفى العالم بمشاهدتهم وهم يتساقطون قتلى وجرحى بنيران جيش بشار الأسد العلوي. .
ولا يعني إطلاق الجيش السوري الحر لدعوته أن الثورة السورية ستتخلى تماما عن سلميتها وإنما ستمزج بين هذا وذاك وهو ما يتناسب تماما مع الحصار الإعلامي المفروض على المشهد السوري جراء قمع السلطات السورية ومنعها لأجهزة الإعلام العربية والأجنبية وعدم وضوح الرؤية بشأن الكثير من الممارسات الوحشية التي يقوم بها جيش بشار ضد الشعب السوري المطالب بحريته ..
لا توجد قواعد ثابتة تتحرك من خلالها الثورات على الأنظمة المستبدة التي تنتقل من مرحلة القتل السري الصامت إلى مرحلة القتل العلني الفاجر ضاربة عرض الحائط بجميع القوانين والأعراف الدولية والحقوقية .. والسلمية التي يتمسك بها البعض في مواجهة هذه الأنظمة يمكن أن تسير جنبا بجنب مع المواجهة العسكرية خصوصا إذا كان النظام لا يأنف عن ارتكاب المجازر دون رادع, وفي حالة النظام السوري فإن القتل ينطلق من عقيدة علوية وبعثية وليس مجرد حفاظ على نظام من الانهيار لمصالح ما , وهو ما يظهر خلال اللقطات التي تبثها مواقع الثوار عن جرائم تعذيب النظام للمعتقلين والمعارضين والتلذذ الذي يبدو على وجوه رجال الأمن وهم يمارسون هذه الأفعال
الانشقاقات المتوالية في الجيش والعمليات التي يقوم بها رجال الجيش السوري الحر لها عدة فوائد من أهمها رفع الروح المعنوية للمتظاهرين وردع رجال بشار وإشغالهم عن الجرائم التي يرتكبونها ضد المدنيين, كما أنها رسالة للخارج تؤكد عدم استقرار النظام وعدم سيطرته التامة على الجيش وهو ما كان يعتمد عليه النظام في بداية الثورة لإقناع الخارج بأن الأوضاع تحت السيطرة وأن المعارضين فئة قليلة سيسهل القضاء عليها مع مرور الوقت .. أما أن استخدام السلاح ضد النظام سيعطيه الحجة في استخدام المزيد من العنف فيرد عليه أن النظام لا يحتاج إلى مبرر أو حجة لاستخدام المزيد من العنف فهو يفبرك الأحداث ويستغل الشبيحة والعملاء لإظهار المتظاهرين على أنهم مجموعة من الخارجين عن القانون, كما أنه وفي غياب الإعلام المحايد لا يجد صعوبة في وضع الأسلحة في أيدي المدنيين بعد قتلهم وتصويرهم على أنهم من "المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام الشريف" ..
العزلة الدولية تزداد على نظام بشار يوما بعد يوم واستمرار المظاهرات طوال هذه الشهور أربك حسابات النظام كما أربك حسابات المقربين منه مثل إيران والتي بدأت تشعر بحرج موقفها وأرسلت بعض الرسائل التي تدين ممارسات نظام الأسد بل تعدى ذلك لفتح خطوط اتصال مع المعارضة خوفا من أن تخسر "الجلد والسقط" إذا انهار نظام بشار ..
الغرب ما زال ينتظر المزيد من نجاح الثوار لكي يتخذ خطوات أكثر تأثيرا وهي عادته مع جميع الثورات العربية فهو يركبها دائما ولا يدعمها ولا يهمه حقوق مواطن عربي بقدر ما يهمه الحفاظ على مصالحه بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم بل الأنظمة المستبدة قد تكون الأقرب إليه لأنها تنفذ له ما يريد رغم إرادة شعوبها ولكنه لا يستطيع في كل الأحوال الرهان على الجواد الخاسر وعندما تستمع إلى كلمة "ارحل" لأحد الحكام من الغرب تعلم أن هذا الجواد أصبح خاسرا وعليه أن يغادر الحلبة ..
يوشك نظام بشار على الانهيار أكثر من أي وقت مضى واستمرار الانشقاقات في الجيش وتزايد أعداد المتظاهرين وتراجع لهجة الدول الموالية للنظام السوري وسعيها لإيجاد حلول مع المعارضة واعترافها بقوة الأزمة وضرورة طرح مقترحات للخروج منها كل هذا يشير إلى صحة هذا التوقع, ولعل ما قيل عن انقلاب كان يخطط له نائب رئيس الأركان قبل أن يتم تصفيته والإعلان عن وفاته لاحقا بأزمة قلبية ليأتي في سياق قرب انهيار الدائرة المغلقة على بشار ووصول اليأس لها وشعورها بقرب النهاية, وهو ما ينبغي أن يركز عليه الجيش السوري الحر في تخطيطه المستقبلي؛ فالوصول إلى هذه الدائرة واختراقها سيساعد كثيرا في سرعة انهيار النظام.
стр. 144
الانتفاضات التي حيرت الغرب
جعفر شيخ إدريس
٢٦ رمضان ١٤٣٢هـ
تُرى كيف ستكون سياسة الغرب مع العالم العربي بعد هذه الانتفاضات التي عمَّت كثيراً من
بلاده، والتي أيَّد أهدافَها آخرون لم تحدث انتفاضات مثلها في بلادهم؟
إن الهدف الأعلى للغرب واضح، وهو: تحقيق كل ما يدخل تحت مسمى المصالح القومية: من اقتصاد، وسياسة، وإستراتيجيات، وأمن، وقوى مادية وناعمة للغرب ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الهدف لن يتغير وستسعى الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة كما سعت من قبل لتحقيق ما تستطيع منه بحسب الوسائل المتاحة في كل مرحلة تاريخية، كانت الوسيلة المفضَّلة هي التعامل مع حكام أفراد مستبدين يمكن إغراؤهم وكسبهم بكل أنواع الإغراءات، هذا النوع من الحكام كان مفضَّلاً لأن التعامل معه سهل لا تعقيد فيه، ولأنه يمكن أن تُبرَم معه كل أنواع الاتفاقات السرية التي يعلم الغرب ويعلم الحكام أن الشعوب سترفضها لو أنها اطلعت عليها، إنَّ كل هذا يتنافى مع الديمقراطية التي يفضلها الغرب لحكم نفسه، ولكن من قال: إن في الديمقراطية مبدأً خُلُقياً يُلزِم البلد الديمقراطي بأن يحب لغيره ما أحب لنفسه؟ إن الديمقراطية هي حكم الشعب، أو هي في الواقع حكم أكثرية نوابه في المجالس التشريعية، أو هي حكم المسؤولين الذين أعطاهم الدستور سلطات يقضون فيها بما يرونه في مصلحة شعوبهم، لكنَّ النواب والمسؤولين- وربما كثير من أفراد الشعب - قد يقولون: نعم، إن الديمقراطية هي النظام المفضَّل لنا في بلادنا، ولكنها ليست هي التي تحقق مصالحنا إذا ما تبنَّاها غيرنا ولا سيما في العالم العربي، هكذا كان يقول بعض قادة الفكر السياسي الغربي في تسويغ ما يعدُّه العرب كيلاً بمكيالين.
لكن مشكلة الغرب أن هذه الحجة لم تعد - حتى بين الغربيين -حجة مقبولة يمكن التصريح بها والدفاع عنها، بل إن مساندة الحكام الدكتاتوريين صارت أمراً محرجاً للساسة الغربيين حتى في داخل بلادهم؛ ولذلك أرادوا أن يخرجوا من هذا الحرج باللجوء إلى وسائل، منها: كثرة الحديث عن الديمقراطية، والقول بأنها ليست مسألة خاصة بالثقافة الغربية؛ وإنما هي حاجة إنسانية صالحة لكل أمة في كل مكان، ومنها إقناع أبواقهم بأن يقوموا بإصلاحات تأخذ شكل الديمقراطية الغربية: انتخابات، مجالس تشريعية، أحزاب، صحف، وغير ذلك، لكن سرعان ما تبيَّن للناس في داخل البلاد التي يحكمها المتعاونون مع الغرب، وفي الغرب نفسه أن كل هذه أشكال زائفة للديمقراطية المعروفة في الغرب.
ثم تبيَّن للغرب كما تبيَّن للمواطنين في البلاد العربية أن النُّظم التي كانت تحكمهم ليست ديمقراطيات زائفة فحسب؛ وإنما هي نظم فاسدة أيضاً، والناس قد يصبرون على الحاكم المستبد أكثر من صبرهم على الحاكم الذي يرونه ينهب أموالهم ويظلمهم، وأكثرَ من صبرهم على الحاكم الكذاب الذي يخون الأمانة ويعقد اتفاقات سرية مع الأعداء.
إن معرفة الغرب بهذه الحقائق هي التي جعلته يسارع إلى تأييد ثورات الشباب واعتبار أهدافها من الأمور التي كان يدعو إليها، بل التي يعدُّها جزءاً من حضارته وثقافته ونُظُمه السياسية، كيف يعترض الغرب على ثورات تطالب بالحرية والديمقراطية والشفافية والمساءلة وتكوين الأحزاب وغير ذلك؟
стр. 145
لكن الغرب رغم هذا التأييد الظاهر الذي كان لا بد منه يظل حائراً إزاء هذه الأوضاع الجديدة في العالم العربي: ما السياسات الجديدة التي ستؤدي إليها الحريات التي طالب بها المتظاهرون إذا صارت أمراً واقعاً؟ كيف يمكننا أن نتعاون مع برلمانات مكونة من أحزاب شتى لكل منها تأثير مهما كان ضئيلاً على سياسة البلاد؟ كيف سنتعامل مع حكومات قد لا تستطيع أن تجعل اتفاقاتنا معها باقية في حيز الكتمان في ظل المطالبة بالشفافية؟
ثم السؤال الأكبر: كيف سنتصرف وكيف ستتصرف إسرائيل مع أوضاع سيكون للتيارات الإسلامية فيها قوة وتأثير لا ريب فيه؟ لقد أظهرت هذه التظاهرات أن التيارات الإسلامية تزحف على كثير من الأراضي التي كانت تحتلها التيارات العَلمانية، إننا في الغرب لا نتصور أن تنطلق تظاهرات سياسية في القرن العشرين من أماكن للعبادة، لا نتصور - مثلاً - أن تنطلق تظاهرات سياسية من الكنائس بعد أداء القداس يوم الأحد، لكن هذا هو الذي حدث في العالم العربي في كل التظاهرات، لقد انطلقت كلها من المساجد وعقب صلاة الجمعة، بل إن أعداداً هائلة من المتظاهرين كانت تؤدي صلاة الجماعة في الميادين التي يطالبون فيها بالتغيير السياسي، والسلفيون الذين كانوا بعيدين عن السياسية قرروا الآن الدخول في حلبتها بشكل أو آخر، وهو أمر مقلق؛ لأنه سيزيد من قوة ما نسميه بالإسلام السياسي.
ماذا يفعل الغرب؟
هل يؤيد ما تطالب به ثورات الشباب من انتقال إلى نُظُم سياسية ديمقراطية؟ لكن هذا يثير مشكلات:
أوَّلها: أن الديمقراطية - كما يفهمها الغرب - مرتبطة ارتباطاً لا فكاك له بالعلمانية، إن الديمقراطية نظام يعطي السلطة التشريعية العليا للبشر؛ سواء كانوا أكثرية المواطنين أو أكثرية ممثليهم، لكن هذا في ما يبدو ليس هو الذي سيحدث في العالم العربي، كيف تكون السلطة العليا للبشر في بلد كمصر ينص دستورها على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام؟ إنه نص أقل ما يعنيه أن كل قانون مخالف لدين الإسلام سيكون قانوناً غير دستوري.
ثانيتها: أنه حتى لو افترضنا أن الديمقراطية صارت كما هو الحال في الغرب ديمقراطية عَلمانية، فإن أغلبية الشعب العربي الذى سيكون القرار في يده ليس شعباً متعاطفاً مع إسرائيل، كما أن أغلبية الشعب الإسرائيلي ليست متعاطفة مع العرب، وهذا يعني أن الدولة العربية الديمقراطية لن يكون من السهل عليها أن تنتهج السياسات التي يفضلها الغرب في العلاقة بين العرب وإسرائيل.
ثالثتها: أن الغرب حضارة وثقافة، وإن مما يخدم مصالحه أن تنتشر هذه الحضارة وأن تتبناها أكثر شعوب العالم؛ ولذلك تراهم يكثرون في هذه الأيام من الحديث عن كسب العقول والقلوب، ويحاولون جاهدين أن يُبرزوا كل مكوِّن من مكونات ثقافتهم على أنه ليس أمراً ثقافياً خاصاً بالغرب؛ وإنما هو قيمة إنسانية صالحة، بل لازمة للبشر كلهم، وهم يرون أنه بالرغم من أن الشعوب الإسلامية قد تأثرت تأثراً كبيراً كما تأثر غيرها بالثقافة والقيم الغربية؛ إلا أنها ظلت أكثر أمة مستعصية على الانفتاح الكامل لكل قيم لا تتناسب مع دينهم، ويستشهدون على ذلك بصمود المسلمين في وجه الزحف الأيديولوجي الشيوعي.
لكن إذا كانت الانتفاضات الشبابية قد أخذت بعض السمات الدينية، فهذا يعني أنه سيكون للصوت الديني أثر قوي في الدولة الديمقراطية.
نكرر السؤال إذن:
ماذا يفعل الغرب؟