← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢ - أن الاستشارة العامة يلزم معها المخالطة بلا ريب، وذلك أن الاستشارة لا بد أن تصدر عن سبر للموضوع المستشار به، ويلزم من ذلك من سفر داخلي وخارجي ولقاءات خاصة وعامة قدراً لا يُحصى، وإذا كانت المسئولة عن تعليم النساء في البلاد وهي على نساءٍ، ينشر الإعلام لها أسفاراً داخلية وخارجية مع رجال، هذا وهي على شأن نسائي خاص، فلم يتم ضبطه شرعاً، فكيف يُضبط ما هو أعم منه، واختلاط المرأة بالرجال في العمل والتعليم محرم باتفاق المذاهب. وإنما جعلت شهادة الرجل بشهادة إمرأتين لأنها لا تختلط بميادين الرجال فما لم تُخالطه تنساه لو رأته مرة، بخلاف حال الرجل. خامساً: أما الاحتجاج باستشارة النبي لأم سلمة على تنصيبها للشورى فقياسٌ مع الفارق، فالنبي ﷺ إنما استشار زوجته في استجابة الناس له لا في أصل رأيه ثم إنها في خدرها وأعطته رأيها لنفسه، ولم ينصبها لعموم المسلمين، ففي البخاري قال عمر: ((دخل النبي على أم سلمة)) أي وهي في خيمتها وخيمته، ولو صح التعميم لكان كل فعل يفعله النبي مع أزواجه جاز أن يفعله الرجال مع النساء، ولجاز أن يُصنع مضمار سباق للرجال والنساء لأن النبي سابق عائشة، وقد كان النبي في حَضَرٍ ونساؤه في حَضَره أكثر، وهو في حال إقامته أكثر من حال سفره، ولم يُعرف عنه أنه نصب امرأة للشورى والله قد أنزل عليه: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ يعني أصحاب الأمر العام فوقع منه ذلك على الرجال، وأما قضايا الأعيان العارضة من أزواجه وشبههم فهذا يقع ولا بأس، والآية نزلت وأقرب الناس إليه أزواجه وكل يومٍ عند واحدة منهن. ثم إن أم سلمة وأمهات المؤمنين على شيء من الحجاب وتشديد الله عليهن حتى إنه يحرم عليهن بروز أشخاصهن بلا حاجةٍ، أكثر من غيرهن، وأَخْذُ حالٍ وَقَعَتْ من النبي مع زوجة له، ثم قطع الواقعة عن سياقها وصفة المستشار والمستشير وإنزالها على كل صورة، ومع كل أحدٍ، ليس من موارد الاستنباط الصحيح، وهو كقطع عرجون نخلٍ وغرسه في الأرض ليُنبت نخلاً لأنه مقطوعٌ من نخل، وكيف يُنبت وقد نُزع من سياقه، وغُرس في غير أصله. وأما استشارة عمر لحفصه فهي ابنته فقال: ((كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا)). وأما ما جاء عن عمر أنه يستشير النساء بإطلاق، فرواه البيهقي بإسناد لا يصح، فمحمد بن سيرين لم يُدرك عمربن الخطاب. سادساً: من قرأ ما نُشر في وسائل الإعلام من مقالات وفتاوى وجد أن تعليل تنصيب المرأة في الشورى والبلديات (إنصافاً للمرأة) (ومنعاً لتهميشها) والمعروف عقلاً وشرعاً أن الاستشارة تُبنى لمصلحة المستشير والعامة وليس لمصلحة المستشار ولا يجوز أن تُبنى مصلحة الشورى لدفع تهميش المستشار، فالاستشارة العامة ليست لجلب مصلحة فرد أو جنس، وهذا يكون في الحقوق الخاصة وليس في الأمور العامة، وهذا يدل على أن النّفَسَ في تنصيب عضوة شورى نُظر إليه من جهة غرس مباديء فكرية ورمزية مجردة. سابعاً: أن السياسة العقلية في الاستجابة لضغوظٍ خارجية تجزم أن من الخطأ أن تستجيب لضغطٍ أو إكراهٍ ممن ترى أن قائمة ضغوطه لا تنتهي إلا بانتهاء شرعتك، فالغرب لن يوقف ناقوس إزعاجه للتنازلات، وإنما هو يبدأ مع كل دولة بحسب سقفها الحالي، فالضغوط التي تُمارس على مصر والشام في السياسة والأخلاق هي على ذات المقدار على هذه البلاد ولكن تختلف حُدود السقف بينها.

стр. 142

فالعقيدة والشريعة المنزّلة ليس ملْكاً لنا، فالضغط الذي نراه اليوم قد يزول في ساعة، وأما الشريعة التي نرميها فلن تعود في قرن أو قرنين فدفع الشيء أولى من رفعه، والدول التي استجابت لضغوطِ تعري المرأة وحريتها في اللباس تعرت في عام أو عامين ولو أرادت العودة فلن تستتر كما كانت عليه في مائة عام. يجب على كل مسئولٍ أن يستشعر أن قضايا الفكر والتشريعات والنُظم تختلف عن الممارسات الفردية في قدر الاستجابة للضغوط، فالمسئول مؤتمن على الفكر والتشريع أمام كل جيل يأتي بعده، أن يُسلِّمه له تاماً فالله يقول: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ فشهادته ﷺ على كل الأجيال في ضبط تشريعهم، وأما الأفعال والانقياد فكل نفس بما كسبت رهينة، لأن أفعالهم وقتية وعينية. يجب على كل مسئولٍ تحمّل ضغط البداية، فهو هو نفس ضغط النهاية، ودفع الحجر الأول من رأس هرم الشريعة = هو نفس دفع آخر حجر من أوسطه وآخره بذات القوة؛ فحافظ على الحجر الأول وأنت عزيز، قبل أن يزول آخر حجر وأنت ذليل، فلو استحللنا الزنا فسيكون الضغط على اللواط بنفس المقدار الذي نراه اليوم على الاختلاط والخلوة والحجاب، فهم يعلمون أن بحث الزنا وحليّته لا يستقيم في بلد يمنع الاختلاط، فيبدئون من أعلا الهرم، وهكذا تقول سياسة الهدم، وسيخلو موضع أول حجر فينتقل نظرهم إلى ما تحته .. وهكذا، فإن كنت على قناعة بزوال ما تحته مهما تسلسل فاستجب للإزالة الأولى، وإلا فلا تظلم جيلًا يأتي بعدك عبَّدت الطريق إليه بإزالة حجر سابق لينهزم فيُزيل اللاحق وهكذا كُلُّ جيل. والشريعة واحدة والأجيال متعددة كلٌ يُسْقط حجراً منها بحجة أنه تنازل عن شيء ليحفظ أشياء، حتى تزول الشريعة الواحدة بأيدي أجيال متعددة، ولكن العالم كالنجم يرعى الشريعة اليوم لزمنه وأزمنة غيره، وأما المصالح الفردية والزمنية فلا يراها مُسوغاً لنقض دستور أمة، وأما قضايا الأفراد والتماس الرخص لهم والتيسير عليهم في أفعالهم فهو أرحم الخلق بهم. ونقض النظم الثابتة المُحكمة العامة يلزم معه التسلسل، وتاريخ الغرب في داخله شاهدٌ أنه بدأ بشيء وانتهى بشيء مع تسلسل الأجيال. والله قد بين أنهم في حال قدرتهم لن تنتهي مطالبهم إلا بالانسلاخ التام من الإسلام: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾. إن الغرب حينما يطلب منا انصاف المرأة، لديه مفهوم غير ما يُصوَّر لنا، وكثيراً ما تُثير منظمات وسياسات (وهي تُبيح زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة) على مسئولينا حقوق المرأة فيخجلون، وليتهم قالوا: ميِّزوا الأنثى من الذكر لنا حتى نُنصفها منه. ﴿واحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. قيّض الله لهذه البلاد عيناً حارسة في الدين والدنيا وألّف بين الحاكم والمحكوم على الخير والهدى، وإنْ أُريدُ إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله.

стр. 143

الأسد، هل يوشك على السقوط ؟ خالد مصطفى ٢/ ١١/١٤٣٢ هـ جاء إعلان الجيش السوري الحر المنشق عن نظام بشار الأسد, عن إطلاق حملة عسكرية لتخليص البلاد من حكم الأسد وحزبه؛ ليشير إلى دخول الثورة السورية إلى مرحلة جديدة لاتكتفي فقط بالمظاهرات السلمية التي تعم المدن مطالبة بإسقاط النظام وإنما ترسي قواعد أخرى لحماية المتظاهرين العزّل الذين اكتفى العالم بمشاهدتهم وهم يتساقطون قتلى وجرحى بنيران جيش بشار الأسد العلوي. . ولا يعني إطلاق الجيش السوري الحر لدعوته أن الثورة السورية ستتخلى تماما عن سلميتها وإنما ستمزج بين هذا وذاك وهو ما يتناسب تماما مع الحصار الإعلامي المفروض على المشهد السوري جراء قمع السلطات السورية ومنعها لأجهزة الإعلام العربية والأجنبية وعدم وضوح الرؤية بشأن الكثير من الممارسات الوحشية التي يقوم بها جيش بشار ضد الشعب السوري المطالب بحريته .. لا توجد قواعد ثابتة تتحرك من خلالها الثورات على الأنظمة المستبدة التي تنتقل من مرحلة القتل السري الصامت إلى مرحلة القتل العلني الفاجر ضاربة عرض الحائط بجميع القوانين والأعراف الدولية والحقوقية .. والسلمية التي يتمسك بها البعض في مواجهة هذه الأنظمة يمكن أن تسير جنبا بجنب مع المواجهة العسكرية خصوصا إذا كان النظام لا يأنف عن ارتكاب المجازر دون رادع, وفي حالة النظام السوري فإن القتل ينطلق من عقيدة علوية وبعثية وليس مجرد حفاظ على نظام من الانهيار لمصالح ما , وهو ما يظهر خلال اللقطات التي تبثها مواقع الثوار عن جرائم تعذيب النظام للمعتقلين والمعارضين والتلذذ الذي يبدو على وجوه رجال الأمن وهم يمارسون هذه الأفعال الانشقاقات المتوالية في الجيش والعمليات التي يقوم بها رجال الجيش السوري الحر لها عدة فوائد من أهمها رفع الروح المعنوية للمتظاهرين وردع رجال بشار وإشغالهم عن الجرائم التي يرتكبونها ضد المدنيين, كما أنها رسالة للخارج تؤكد عدم استقرار النظام وعدم سيطرته التامة على الجيش وهو ما كان يعتمد عليه النظام في بداية الثورة لإقناع الخارج بأن الأوضاع تحت السيطرة وأن المعارضين فئة قليلة سيسهل القضاء عليها مع مرور الوقت .. أما أن استخدام السلاح ضد النظام سيعطيه الحجة في استخدام المزيد من العنف فيرد عليه أن النظام لا يحتاج إلى مبرر أو حجة لاستخدام المزيد من العنف فهو يفبرك الأحداث ويستغل الشبيحة والعملاء لإظهار المتظاهرين على أنهم مجموعة من الخارجين عن القانون, كما أنه وفي غياب الإعلام المحايد لا يجد صعوبة في وضع الأسلحة في أيدي المدنيين بعد قتلهم وتصويرهم على أنهم من "المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام الشريف" .. العزلة الدولية تزداد على نظام بشار يوما بعد يوم واستمرار المظاهرات طوال هذه الشهور أربك حسابات النظام كما أربك حسابات المقربين منه مثل إيران والتي بدأت تشعر بحرج موقفها وأرسلت بعض الرسائل التي تدين ممارسات نظام الأسد بل تعدى ذلك لفتح خطوط اتصال مع المعارضة خوفا من أن تخسر "الجلد والسقط" إذا انهار نظام بشار .. الغرب ما زال ينتظر المزيد من نجاح الثوار لكي يتخذ خطوات أكثر تأثيرا وهي عادته مع جميع الثورات العربية فهو يركبها دائما ولا يدعمها ولا يهمه حقوق مواطن عربي بقدر ما يهمه الحفاظ على مصالحه بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم بل الأنظمة المستبدة قد تكون الأقرب إليه لأنها تنفذ له ما يريد رغم إرادة شعوبها ولكنه لا يستطيع في كل الأحوال الرهان على الجواد الخاسر وعندما تستمع إلى كلمة "ارحل" لأحد الحكام من الغرب تعلم أن هذا الجواد أصبح خاسرا وعليه أن يغادر الحلبة .. يوشك نظام بشار على الانهيار أكثر من أي وقت مضى واستمرار الانشقاقات في الجيش وتزايد أعداد المتظاهرين وتراجع لهجة الدول الموالية للنظام السوري وسعيها لإيجاد حلول مع المعارضة واعترافها بقوة الأزمة وضرورة طرح مقترحات للخروج منها كل هذا يشير إلى صحة هذا التوقع, ولعل ما قيل عن انقلاب كان يخطط له نائب رئيس الأركان قبل أن يتم تصفيته والإعلان عن وفاته لاحقا بأزمة قلبية ليأتي في سياق قرب انهيار الدائرة المغلقة على بشار ووصول اليأس لها وشعورها بقرب النهاية, وهو ما ينبغي أن يركز عليه الجيش السوري الحر في تخطيطه المستقبلي؛ فالوصول إلى هذه الدائرة واختراقها سيساعد كثيرا في سرعة انهيار النظام.

стр. 144

الانتفاضات التي حيرت الغرب جعفر شيخ إدريس ٢٦ رمضان ١٤٣٢هـ تُرى كيف ستكون سياسة الغرب مع العالم العربي بعد هذه الانتفاضات التي عمَّت كثيراً من بلاده، والتي أيَّد أهدافَها آخرون لم تحدث انتفاضات مثلها في بلادهم؟ إن الهدف الأعلى للغرب واضح، وهو: تحقيق كل ما يدخل تحت مسمى المصالح القومية: من اقتصاد، وسياسة، وإستراتيجيات، وأمن، وقوى مادية وناعمة للغرب ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الهدف لن يتغير وستسعى الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة كما سعت من قبل لتحقيق ما تستطيع منه بحسب الوسائل المتاحة في كل مرحلة تاريخية، كانت الوسيلة المفضَّلة هي التعامل مع حكام أفراد مستبدين يمكن إغراؤهم وكسبهم بكل أنواع الإغراءات، هذا النوع من الحكام كان مفضَّلاً لأن التعامل معه سهل لا تعقيد فيه، ولأنه يمكن أن تُبرَم معه كل أنواع الاتفاقات السرية التي يعلم الغرب ويعلم الحكام أن الشعوب سترفضها لو أنها اطلعت عليها، إنَّ كل هذا يتنافى مع الديمقراطية التي يفضلها الغرب لحكم نفسه، ولكن من قال: إن في الديمقراطية مبدأً خُلُقياً يُلزِم البلد الديمقراطي بأن يحب لغيره ما أحب لنفسه؟ إن الديمقراطية هي حكم الشعب، أو هي في الواقع حكم أكثرية نوابه في المجالس التشريعية، أو هي حكم المسؤولين الذين أعطاهم الدستور سلطات يقضون فيها بما يرونه في مصلحة شعوبهم، لكنَّ النواب والمسؤولين- وربما كثير من أفراد الشعب - قد يقولون: نعم، إن الديمقراطية هي النظام المفضَّل لنا في بلادنا، ولكنها ليست هي التي تحقق مصالحنا إذا ما تبنَّاها غيرنا ولا سيما في العالم العربي، هكذا كان يقول بعض قادة الفكر السياسي الغربي في تسويغ ما يعدُّه العرب كيلاً بمكيالين. لكن مشكلة الغرب أن هذه الحجة لم تعد - حتى بين الغربيين -حجة مقبولة يمكن التصريح بها والدفاع عنها، بل إن مساندة الحكام الدكتاتوريين صارت أمراً محرجاً للساسة الغربيين حتى في داخل بلادهم؛ ولذلك أرادوا أن يخرجوا من هذا الحرج باللجوء إلى وسائل، منها: كثرة الحديث عن الديمقراطية، والقول بأنها ليست مسألة خاصة بالثقافة الغربية؛ وإنما هي حاجة إنسانية صالحة لكل أمة في كل مكان، ومنها إقناع أبواقهم بأن يقوموا بإصلاحات تأخذ شكل الديمقراطية الغربية: انتخابات، مجالس تشريعية، أحزاب، صحف، وغير ذلك، لكن سرعان ما تبيَّن للناس في داخل البلاد التي يحكمها المتعاونون مع الغرب، وفي الغرب نفسه أن كل هذه أشكال زائفة للديمقراطية المعروفة في الغرب. ثم تبيَّن للغرب كما تبيَّن للمواطنين في البلاد العربية أن النُّظم التي كانت تحكمهم ليست ديمقراطيات زائفة فحسب؛ وإنما هي نظم فاسدة أيضاً، والناس قد يصبرون على الحاكم المستبد أكثر من صبرهم على الحاكم الذي يرونه ينهب أموالهم ويظلمهم، وأكثرَ من صبرهم على الحاكم الكذاب الذي يخون الأمانة ويعقد اتفاقات سرية مع الأعداء. إن معرفة الغرب بهذه الحقائق هي التي جعلته يسارع إلى تأييد ثورات الشباب واعتبار أهدافها من الأمور التي كان يدعو إليها، بل التي يعدُّها جزءاً من حضارته وثقافته ونُظُمه السياسية، كيف يعترض الغرب على ثورات تطالب بالحرية والديمقراطية والشفافية والمساءلة وتكوين الأحزاب وغير ذلك؟

стр. 145

لكن الغرب رغم هذا التأييد الظاهر الذي كان لا بد منه يظل حائراً إزاء هذه الأوضاع الجديدة في العالم العربي: ما السياسات الجديدة التي ستؤدي إليها الحريات التي طالب بها المتظاهرون إذا صارت أمراً واقعاً؟ كيف يمكننا أن نتعاون مع برلمانات مكونة من أحزاب شتى لكل منها تأثير مهما كان ضئيلاً على سياسة البلاد؟ كيف سنتعامل مع حكومات قد لا تستطيع أن تجعل اتفاقاتنا معها باقية في حيز الكتمان في ظل المطالبة بالشفافية؟ ثم السؤال الأكبر: كيف سنتصرف وكيف ستتصرف إسرائيل مع أوضاع سيكون للتيارات الإسلامية فيها قوة وتأثير لا ريب فيه؟ لقد أظهرت هذه التظاهرات أن التيارات الإسلامية تزحف على كثير من الأراضي التي كانت تحتلها التيارات العَلمانية، إننا في الغرب لا نتصور أن تنطلق تظاهرات سياسية في القرن العشرين من أماكن للعبادة، لا نتصور - مثلاً - أن تنطلق تظاهرات سياسية من الكنائس بعد أداء القداس يوم الأحد، لكن هذا هو الذي حدث في العالم العربي في كل التظاهرات، لقد انطلقت كلها من المساجد وعقب صلاة الجمعة، بل إن أعداداً هائلة من المتظاهرين كانت تؤدي صلاة الجماعة في الميادين التي يطالبون فيها بالتغيير السياسي، والسلفيون الذين كانوا بعيدين عن السياسية قرروا الآن الدخول في حلبتها بشكل أو آخر، وهو أمر مقلق؛ لأنه سيزيد من قوة ما نسميه بالإسلام السياسي. ماذا يفعل الغرب؟ هل يؤيد ما تطالب به ثورات الشباب من انتقال إلى نُظُم سياسية ديمقراطية؟ لكن هذا يثير مشكلات: أوَّلها: أن الديمقراطية - كما يفهمها الغرب - مرتبطة ارتباطاً لا فكاك له بالعلمانية، إن الديمقراطية نظام يعطي السلطة التشريعية العليا للبشر؛ سواء كانوا أكثرية المواطنين أو أكثرية ممثليهم، لكن هذا في ما يبدو ليس هو الذي سيحدث في العالم العربي، كيف تكون السلطة العليا للبشر في بلد كمصر ينص دستورها على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام؟ إنه نص أقل ما يعنيه أن كل قانون مخالف لدين الإسلام سيكون قانوناً غير دستوري. ثانيتها: أنه حتى لو افترضنا أن الديمقراطية صارت كما هو الحال في الغرب ديمقراطية عَلمانية، فإن أغلبية الشعب العربي الذى سيكون القرار في يده ليس شعباً متعاطفاً مع إسرائيل، كما أن أغلبية الشعب الإسرائيلي ليست متعاطفة مع العرب، وهذا يعني أن الدولة العربية الديمقراطية لن يكون من السهل عليها أن تنتهج السياسات التي يفضلها الغرب في العلاقة بين العرب وإسرائيل. ثالثتها: أن الغرب حضارة وثقافة، وإن مما يخدم مصالحه أن تنتشر هذه الحضارة وأن تتبناها أكثر شعوب العالم؛ ولذلك تراهم يكثرون في هذه الأيام من الحديث عن كسب العقول والقلوب، ويحاولون جاهدين أن يُبرزوا كل مكوِّن من مكونات ثقافتهم على أنه ليس أمراً ثقافياً خاصاً بالغرب؛ وإنما هو قيمة إنسانية صالحة، بل لازمة للبشر كلهم، وهم يرون أنه بالرغم من أن الشعوب الإسلامية قد تأثرت تأثراً كبيراً كما تأثر غيرها بالثقافة والقيم الغربية؛ إلا أنها ظلت أكثر أمة مستعصية على الانفتاح الكامل لكل قيم لا تتناسب مع دينهم، ويستشهدون على ذلك بصمود المسلمين في وجه الزحف الأيديولوجي الشيوعي. لكن إذا كانت الانتفاضات الشبابية قد أخذت بعض السمات الدينية، فهذا يعني أنه سيكون للصوت الديني أثر قوي في الدولة الديمقراطية. نكرر السؤال إذن: ماذا يفعل الغرب؟

стр. 146

أولاً: سيستمر في دعوته إلى الديمقراطية وتأييدها لكنه سيحاول سَوق حكوماتها ما أمكن إلى الطرق التي تؤيد مصالحه، فهم الآن يؤيدون رحيل القذافي؛ لأن هذا أصبح مطلباً شعبياً عامّاً لا قِبَل لأحد بمعارضته، لكن هذا لا يعني الوقوف مع الثوار بمعنى تمكينهم من أن يكونوا هم الحكام الذين يخلُفُون القذافي، وقد حذر بعضهم فعلاً من عدم التعجل في تأييد الثوار قبل معرفة حقيقتهم، هذا بالرغم من أن قادة الثورة المعترف بهم حتى الآن يصرحون بأن الدولة التي يريدونها هي دولة مدنية (أي غير دينية)، وأنها ستكون دولة تعددية، إلى آخر الأوصاف التي يرضى عنها الغرب. وسيفعلون الشيء نفسه بالنسبة لتونس، ومما يساعدهم على ذلك: أنه رغم قوة التيار الإسلامي هنالك؛ إلا أنه ليس في قوة التيارات الإسلامية المصرية، وأن التيارات العَلمانية لها تاريخ طويل في البلاد. ثانياً: سيستمرون في سياستهم المؤيدة للجماعات والأحزاب والاتجاهات العَلمانية أو الأبعد فالأبعد منها عن التوجه الإسلامي، ودعمها بالمال والدعاية والتدخل لتمكينها من التأثير السياسي والثقافي. ثالثاً: سيلجؤون إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية لفرض السياسات التي يريدونها كما يفعلون ذلك الآن مع بعض البلاد التي لم تخضع لهم الخضوع الذي يريدونه. رابعاً: ماذا سيحدث إذا لم ينجح هذا كله؟ إن الغرب لن يتنازل بالطبع عن أهدافه الكبرى، وإذا رأى أنه لا خيار له إلا بين ديمقراطية لا تحقق أهدافه، ونظم استبدادية يأمل أن تحققها فلن يتردد في اللجوء إلى الخيار الثاني، وسيجد أن لديه وسائل كثيرة لإفشال الديمقراطيات التي لا يريدها وتيئيس المواطنين منها وجعلهم يقبلون غيرها؟ ولكن: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].

стр. 147

تمثيل الأنبياء كفر وتمثيل الصحابة وغيرهم من سادات الأمة حرام عبد الرحمن بن ناصر البراك ١٥ رمضان ١٤٣٢هـ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فإن من فتن العصر التي هي مدد من ظلام الغرب: فتنةَ التمثيل، وهو تمثيل الإنسان والحيوان في الهيئات والحركات والأصوات، وهو عند الكفار من ضروب اللهو واللعب والسخرية، كما أنه وسيلة لغرس أفكار وأخلاق، وتشويه أخلاق وأفكار، وترويج عادات، وتغيير عادات، وتعظيم من يعظمونه من الساقطين والساقطات، وأبطال الحروب التي انتصروا فيها، وذلك بتقمص أشخاصهم، والتسمي بأسمائهم، والظهور بهيئاتهم؛ لباسا ومركبا وحركة وصورة وصوتا، وذلك كله ضمن مسلسلات يقوم بحلقاتها عدد من الرجال والنساء، كلٌّ يقوم بالدور الذي يناسبه من القصة، وقد يكون المسلسل يحكي قصة واقعية، ويمثَّل فيه أشخاص معينون، وقد يحكي المسلسل قصة خيالية يمثَّل فيها أنواع من الناس على اختلاف طبقاتهم ومناصبهم وعاداتهم وحرفهم وعلاقات بعضهم ببعض، كل ذلك بالهيئات والحركات والأصوات المناسبة لحال الممثَّلين. ومعلوم أن الكفار لا يقفون فيما يعملون ويشتهون عند حد إلا فيما يخرجون به على النظام، وليس لهم من شريعة الله ما يمنعهم من ارتكاب القبائح القولية والفعلية، وقد صار هذا الفن ـ كما يسمونه ـ أداة كبرى لكثير من الأغراض المادية والمعنوية، فهو وسيلة كسب ودعاية وشهرة وتجارة رائجة تجبى بها الملايين من جيوب الجمهور، ويقام لهذا الفن مؤسسات وشركات، وقد كان قديما في بداياته يعرض داخل الصالات، ثم في دور السينما، ثم صار أهم مادة للتلفزة، فطفحت به القنوات. ومعلوم أن من أهم ما يُقصد لشد أنظار جماهير المشاهدين: المرأة، فكان وجودها عنصرا أساسيا في هذه المسلسلات. وقد كان السبب الأول لدخول التمثيل فنا وحرفة للبلاد العربية والإسلامية على أيدي النصارى المحتلين لأكثر بلدان المسلمين، وذلك بفتح دور العرض السينمائي، ونشرها، واختيار الأفلام المثيرة الجنسية وغيرها، والمشتملة على تصوير حياة الغرب أنها الحياة الراقية والمتقدمة، وتشويه صورة حياة المسلمين، فتقبل كثير من جهلة المسلمين وفساقهم هذا الفساد، وأعان عليه من في البلاد الإسلامية من نصارى العرب وغيرهم. ثم تطور أمر التمثيل فنشأ في الأمة من يدعو إلى أسلمة التمثيل، وذلك بتمثيل الشخصيات الإسلامية التاريخية من خلفاء وأمراء ووزراء وقادة وعلماء، وتمثيل أحوالهم، وما جرى منهم وعليهم من حوادث التاريخ، سلما وحربا، وقد تحقق لهم ذلك، فصدرت أفلام في سير الخلفاء الراشدين وملوك المسلمين، وعن شخصيات شهيرة من العلماء الربانيين. وتختلف أغراض المصدِّرين لتلك الأفلام والمسلسلات، فإما الإشادة وإبراز المحاسن ـ زعموا ـ إن كانوا من الموالين، وإما الطعن وإظهار المساوئ إن كانوا من المعادين، ويعولون في ذلك على ما كتب في التاريخ، وفي التاريخ ما هو كذب، وما زيد فيه ونقص، وغير عن حقيقته. والغالب أن الذين يقومون بكتابة هذه المسلسلات وإخراجها وتمثيلها ليسوا ممن يتحرون الصدق، ولا التحقيق في المرويات، بل هم من أهل الأهواء الذين من أهم أغراضهم غرسَ مذاهبهم وترويجَها في الأمة. ومع ذلك فإن هذه الأفلام والمسلسلات الإسلامية ـ كما تسمى ـ لا تنفك عن الأغراض العامة من اللهو والتأثير على المشاهدين أيَّ تأثير، والكسب المادي، مع ما يدخل فيها من منكرات قولية أو فعلية، بشبهات التأويل والتسهيل بالترخصات.

стр. 148

وما يدعيه دعاة التمثيل الإسلامي من ضوابط، غايتها أن تخفف من المحاذير التي يذكرها المانعون، وكم من باب من مداخل الشر فُتح بحجة وضع ضوابط وشروط، ثم كان ذلك سببا في فتح هذا الباب واقتحامه دون وفاء بتلك الضوابط حينا، بل ولا اعتبار لها أحيانا، فما تلك الضوابط إلا شبهاتٌ للتسويغ، ودفعٌ لحجة المانعين! وبسبب ذلك صار حكم التمثيل قضية فقهية تتجاذب فيها أنظار الفقهاء بين التحريم مطلقا، والتفصيل. ومن مسائل التفصيل تمثيل الصحابة ﵃، وهي التي نقصد إليها في هذا المقام؛ فقد أجمع أهل الفتوى في هذا العصر ـ إلا من شذ ـ على تحريم تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم، فضلا عن الأنبياء، وكل ما يذكره المسوغون لتمثيل الصحابة يلزمهم أن يقولوه في الأنبياء، مع إضافة ضوابط أخرى. وكل ما يذكرونه من مصالح تمثيل الصحابة يتحقق بذكر أخبارهم على ما جرت به العادة في سياق الأخبار، وإذا دعت الحاجة إلى مزيد الإيضاح كان ذلك بتمثيل الفعل لا بتمثيل الفاعل، والعادة أن ذلك يكون قليلا، مثل ما تكفي فيه الإشارة باليد. وأما ما ذكروه من تمثل الملائكة لإبراهيم ولوط ومريم، وتمثل جبريل بصورة دحية، أو رجل غريب وكما في حديث الثلاثة؛ الأبرص والأقرع والأعمى، وتمثل الملك لهم؛ فكل ذلك مختص بالملائكة لا يقاس عليه؛ لأنهم غير متعبدين بشريعتنا، وهم يفعلونه بإذن الله، وقد جعل الله لهم القدرة على ذلك. وبعد؛ فإذا ضربنا صفحا عن حجج المانعين لتمثيل الصحابة، وما ذكروه من المفاسد، وأعرضنا عن شبهات المجوزين؛ فإنه يبقى أن تمثيل الصحابة افتيات عليهم، وعدوان على حقهم، والواقع شاهد بأنهم لا يرضون بتمثيلهم، وتقمص شخصياتهم. فنقول للمجوزين: أفترضون أن تمثل أشخاصكم بهيئاتكم، وتمثل حركاتكم، وأصواتكم؟! بدهي أنكم لا ترضون ذلك، لما ترونه من الكذب عليكم، والإزراء بكم، واتخاذكم لهوا ولعبا، ولهذا؛ فإن العقلاء والعظماء لا يرضون بتمثيلهم. ومن هذا المنطلق نقول بتحريم تمثيل الصحابة، بل والتابعين، وسائر علماء المسلمين، مع اعتبار تفاوت منازلهم، مما يقتضي التفاوت في تحريم تمثيلهم. والمتدبر لموضوع تمثيل الصحابة بتجرد يقطع بأن مفاسده ترجح على ما يُدعى فيه من المصالح، وهذا من مقتضِيات التحريم في الشريعة، بل هذا شأن أغلب المحرمات، والمترخصون في تمثيل الصحابة؛ إما أن يقولوا: إنه جائز فقط، فيجروا الناس، ويجرئونهم على باب من المشتبهات على الأقل؛ لأنه ـ واللهِ ـ ليس من الحلال البين، فيكون بابه على الأقل من باب سد الذرائع. وإن زعموا أن تمثيل الصحابة مستحب؛ فقد تضمن قولهم أنه من الدين، وهو محدث، فيدخل في قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ومن قال: الأصل في تمثيل الصحابة الإباحة، فلم يراع اعتبار رضاهم، مع القطع بأنهم لا يرضون ذلك، كما هو شأن سائر العقلاء؛ لما في التمثيل من السخرية والإزراء، قُصد ذلك أو لم يُقصد. بل نقول: الأصل في تمثيل الصحابة التحريم؛ للزوم المفاسد العامة والخاصة له، فلا ينفك عنها، وما يدعى من المصالح لا تدانيها. وكل ما يذكر في تمثيل الصحابة من المصالح والمفاسد يقال مثله في تمثيل علماء الأمة وخيارها، فيجب تجويز الجميع، أو تحريم الجميع، وإذا كان الجميع مطبقين على تحريم تمثيل الأنبياء؛ لعلو قدرهم، وهيبة مقامهم، ومنافاة تمثيلهم لذلك، فهذا يقتضي أن تمثيل الأنبياء كفر، لأنه يتضمن الاستهزاء بهم، وقد قال تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، ومن أطلق تحريم تمثيل الأنبياء، واقتصر على ذلك فقد أجمل، ولم يحرر حكمه، فيجب التنبه لذلك.

стр. 149

ولهذا كان من مقاصد الكفار وأعمالهم التي يرفضها جميع المسلمين إصدار أفلام عن سيرة الرسول ﷺ ، لما يعلم الجميع ـ المسلمون والكفار ـ ما في تمثيله ﵊ من الإزراء والتنقص، واتخاذ سيرته وشخصه لهوا ولعبا. وفي ضوء ما تقدم نقرر: أن ما أعلن في بداية شهر رمضان لهذا العام ١٤٣٢هـ من إصدار مسلسل عن الحسن والحسين ومعاوية ﵃، وعرض إحدى القنوات الفضائية له أن ذلك حرام، يشترك في إثمه كل من له أثر في صناعة المسلسل وترويجه؛ من كاتب ومخرج وممثل ومموِّل وناشر، وأولى منهم بالإثم صاحب فكرة المسلسل، وهكذا من يقره وهو قادر على منعه، فعلى الجميع أن يتقوا الله، ويتوبوا إليه. وقد ذكر تقرير عن الخمس الحلقات الأولى من هذا المسلسل نشر في الشبكة أنه مُثِّل في المسلسل بعض بنات النبي ﷺ بصورة لا تليق ببناته وأهل بيته ﵊، ومُثِّلت فيه زوجة الحسين ﵁، فلم يخل المسلسل من عنصر المرأة، فيحسن الرجوع إلى هذا التقرير، للوقوف على مساوئ هذا المسلسل. وبعد؛ فهناك معنى ينبغي التنبه له، وهو أن صناعة المسلمين لهذه المسلسلات والأفلام مما يهواه الكفار، ويعجبون بعناية المسلمين به، وهم لا يحبون الخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد.

стр. 150

عندما تصبح السماحة وثناً ! علي جابر الفيفي الثلاثاء١٦ رمضان١٤٣٢هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد فإن من أعظم منن الله على هذه الأمة أن أكمل لها سبحانه دينها، فلم يقبض رسوله إلا بعد أن اكتمل الدين، وتمت النعمة قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فليس لكائن من كان أن يضيف لهذا الدين مسألة حتى وإن استحسنها، ورأى المصلحة فيها، ما لم يكن له عليها ظهير من الشرع، وليس له أن يرفض ويستقبح بعقله شيئًا جاء في كتاب الله أو سنة نبيه الأمر به، أو الحث عليه، أو حتى إباحته والسكوت عنه، فالدين محكم البناء، مغلق الأبواب، لا يوغل فيه عالم إلا بدليل منه، فمن حاول فتح باب من أبواب هذا الدين بمفتاح ليس من صنع الدين ذاته ضل الصراط المستقيم .. ومفاتيح هذا الدين أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس .. فقد أجمعت الأمة على المفاتيح الثلاثة الأول، وخالف النزر في المفتاح الرابع خلافًا غير معتبر. فمن أراد أن يقول شيئا عن مسألة دينية فقال كلامًا لم تفض إليه هذه المفاتيح كلها أو بعضها فقد أتى بالنقص؛ لأن أي زيادة تضاف إلى البناء الكامل ما هي إلا انتقاص منه. البعض في هذا الزمن أضاف إلى أصول الاستدلال العظمى أصلًا أنتجه محض الهوى، وساعد في بلورته سلطة الجماهير ألا وهو "السماحة" .. وهي تعني أنه إذا تعارضت الأقوال فينظر أيها قرب من اليسر الذي يفرضه الهوى لا الشرع، فإنه الصواب وما عداه رهبانية، وآصار وأغلال .. ومعلوم أن لكل مذهب أصولًا استدلالية، مرتبة ترتيبًا تنازليًّا، فلا ينتقل الإمام أحمد مثلًا إلى قول الصحابي وثمة حديث حسن في الباب، ولا ينتقل الإمام مالك إلى عمل أهل المدينة حتى يتأكد من خلو الأصول السابقة له من نصوص تفيده في المسألة المنظورة. أصحابنا في هذا الزمن يقدمون السماحة على صريح الكتاب والسنة، فقد رتبوا أصولهم، ثم جعلوا سماحتهم المزعومة هي أم الأصول، التي تحتكم إليها القضايا، وتقف عند بابها المسائل الشرعية مطرقة، تنتظر الإذن لها بالدخول إلى ساحة العمل! فإذا قالت السماحة: إن الغلظة على الكافر والمنافق غير مناسبة في هذا العصر، فهذا يقتضي أن نلغي الحديث عن هذه الغلظة، وإذا أوحت إليهم شياطين سماحتهم بأن الجهاد باب من الدين ينطوي على إشكاليات قد يلج أصحاب العيون الزرقاء من خلالها للطعن في سماحة الدين، فلا بأس والحالة هذه أن نوهم هذا الآخر بأن ديننا خال من أي فكرة جهادية، وبأنه دين ابتسامة، وضحكة ومرح وفرح .. لا غير. ولأن الدين متين ومهيمن، ففي كل جزئية منه تجد آثار جزئيات أخرى منه، فقد باتوا محاطين بإشكاليات دينية لا حصر لها: فإن أرادوا الحديث عن الزواج في الإسلام، وكونه رحمة وسكينة ولباس، لم يكن لهم بد من فتح ملف الخلافات الزوجية، والتي يأتي النشوز في أعلى قائمتها، فيصابون بخجل عندما يتذكرون أنهم سيتطرقون للضرب غير المبرح كحل شرعي من حلول النشوز! ويشعرون بدوار لما يتذكرون مسألة استئمار البكر في الزواج، أو وجوب طاعة الزوجة لزوجها وقوامته عليها .. وإذا أرادوا فتح ملف معاملة الكافر، وأخذوا يُزَوِّرون في أنفسهم آيات وأحاديث الإقساط، وجواز أن يتزوج المسلم من الكتابية، تذكروا أحاديث الإلجاء إلى أضيق الطرقات، وآيات الإغلاظ ونصوص الجهاد، فأخذتهم حمى كحمى تهامة .. وتركوا ذلك الملف مفتوحا ثم انقلبوا على أعقابهم ينكصون!

стр. 151

فكلما همُّوا بالحديث عن باب من أبواب الشرع اصطدموا بعزائمه، وارتطموا بمحكماته، فاستخذوا استخذاء مخجلًا؛ لأن الواقع والآخر والظروف والعقل واللحمة الوطنية .. وغيرها من التابوهات، ستنظر إليهم بحزم، وتقرر أن تخلع عن أكتافهم بشوت السماحة .. فما الحل إذن؟ وما المخرج لمعاشر السمائحيين؟ الحل تنوع بتنوع المنازع النفسية والبيئية، وتشكل وفق الأهواء والمطامع، فصاروا إلى ثلاث فئات (تقبل الزيادة): دعاة القدر المشترك، ودعاة مدربين، ودعاة ثائرين: أما دعاة القدر المشترك فقد اتجهوا إلى خولقة الدين (تحويله إلى مجموعة أخلاق لطيفة)، فتراهم يدورون حول معاني الابتسامة، والتواضع، والبر، واللطف في التعامل، وكل ما من شأنه أن يتيح لسماحتهم المشوهة أن ترتع فيه دون رقيب أو حسيب .. فركزوا على القدر المشترك بين الأديان والملل والنحل وغضوا الطرف عن القدر المميز، الذي يتميز به الإسلام كدين مستقل! فلا دين ولا حتى لا دين إلا وهو يستحسن الابتسامة والمصافحة وإلقاء التحية والهدوء .. الخ، فلم نسمع عن ملحد يندد بالترتيب، ويدعو إلى الفوضى، ولم تظهر جماعة أو حزب يرون ضرورة استخدام القاموس الشتائمي لتغيير الفرد والمجتمع .. ومع هذا فأصحابنا السمائحيون يدورون حول هذه المعاني، وكأن عناصر شريرة من كوكب القبح قررت أن تغزوا كوكبنا اللطيف، فهم يعززون معاني اتفقت الفطر والعقول- بل والأهواء ناهيك عن الأديان- على استحسانها .. فتعلقوا بالقدر المشترك .. هروبًا من تبعات القدر المميز. وأما الدعاة المدربون، فقد قرروا التخلي عن محكمات العلم إلى متشابه الإبداع والتميز والنجاح، والتغلب على ضغوط الحياة، فلم تعد تسمع منهم الأمر بالتقوى والورع، واستعاضوا عن ذلك بالتنبيه على الضرر الناجم عن السهر، وأهمية الإكثار من شرب السوائل، والاسترخاء .. فلم تعد تدري هل صاحبك عالم عكف على قراءة (فتح الباري) و (فتاوى ابن تيمية) .. أم ممارس معتمد اطلع على القبعات الست والرجال من المريخ والنساء من الزهرة!! وأما الدعاة الثائرون فهم أولئك الذين لا همَّ لهم إلا الحديث عن الحرية والمساواة والحقوق، سمحوا للمنافق أن يسبَّ نبيهم باسم الحرية، وشكَّكوا في أحكام المرتد عن دينه؛ لأن الدين سمح، ونادوا بخروج المرأة؛ لأن ذلك حق، والحقوق تنتزع .. فتلاشى ابن تيمية من ألسنتهم، واستعاضوا عنه بمارتن لوثر .. وغاب صلاح الدين عن أطروحاتهم، ليظهر مكانه تشي غيفارا .. جعلوا من حريتهم طوطمًا، ثم ظلوا عليها عاكفين .. فلما شعروا أن الدين بهيمنته سيقف كالسد المنيع ضد تلك الترهات المنهزمة .. أتوا بأكفر كلمة قالتها العرب: الحرية أهم من الدين. أما إذا قدر الله ووضعت هذه الطوائف الثلاث على محك لا مهرب لهم منه إلا بالحديث عن تفاصيل دينية محرجة بالنسبة لهم، فلا حل إلا ركوب الأسنة، وخوض تجربة سمائحية فريدة، يكون العزف على وتر الخلاف هو اللحن السائد فيها، فلم يكن الخلاف الفقهي دليلًا في عصر من عصور الفقه أو لدى مدرسة فقهية قبل بزوغ هؤلاء السمائحيين، فأي مسألة عثروا فيها على خلاف مهما كان بعيدًا عن حظ النظر، جعلوا يقلبونها بملعقة السماحة، ليوقظون أضعف قول من قبره، وينفضون عن أكفانه تراب السنين البائدة، ثم يقدمونه للجماهير الشبابية على أنه السماحة الدينية، واليسر الشرعي. ولا شك أن هذا نوع من الزيغ يستوجب أشد أنواع العقوبة، فإن العبث بدين الله، وتلبيس الدين على الناس من أشد الزيغ، والذي عاقب الله عليه بالمسخ .. فقد أهلك الله المشركين المعاندين لأنبيائهم على مرِّ العصور الغابرة بالصيحة والرجفة والخسف والإغراق، بينما اختص المبدلين لشرعه، والعابثين بدينه بالمسخ، وإن كانوا أصحاب أنبياء، ومقتدين في الجملة .. فإن أصحاب السبت الذين مسخهم الله قردة خاسئين لم يكفروا بنبيهم، ولم يردوا دين الله، وإنما تحايلوا على الدين من أجل أن يملؤوا بطونهم .. ومازال مسلسل التحايل، ولبس الحق بالباطل مطردًا .. مذ زمن الحريصين على حوتهم .. إلى زمن الحريصين على بشوتهم .. فها أنت قد رأيت هذا الجزء المهم من الدين، أعني سماحته الحقيقية ويسره ورحمته يتحول بفضل هذه الجهود غير المشكورة إلى وثن يعبد من دون الله، فصنعوا من السماحة سلة عظيمة ثم حشروا الدين فيها .. وكذبوا على الله، فما هو بالدين الذي أكمله .. وكذبوا على رسول الله، فما بذلك الله أرسله .. وادعوا أخيرًا الغيارى على الدين، من علماء مازالوا هم الأكثرية، ودعاة مازال الصدق لهم مزية، ومثقفين مازالوا ينافحون عن الهوية إلى التصدي لهؤلاء المبدلين .. ولا تغرهم آية في ألسنهم أتوا بها لينقضوا سورة من صدورنا .. فلا يجوز أن نجامل بكلامنا من سعى - بعلم أو جهل - لتبديل ديننا .. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 152

البيان الثالث بشأن مجازر النظام السوري ضد شعبه مجموعة علماء ودعاة سعوديين الأحد ١٤رمضان١٤٣٢هـ الحمد لله القائل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: فإن ما يمارسه النظام السوري البعثي الظالم من مذابح ومجازر وحشية ضد إخواننا في سوريا، بشكل ما كنا نظن أننا سنشاهد له مثيلاً في هذا العصر .. في ظل تردد دولي واضح، فهم منه النظام السوري إقراراً ضمنياً لممارساته الهمجية، ولم تسلم منه بيوت الله مابين منعٍ للصلاة وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، ولم يحترم مكانة هذا الشهر الكريم، وهذا شأن من قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وإلحاقاً بالبيان الأول الذي صدر بتاريخ ٥/ ٥/١٤٣٢هـ, والبيان الثاني الصادر بتاريخ ١٢/ ٠٨/١٤٣٢هـ, والذي أكدنا فيه الاستنكار الشديد للممارسات التي يقوم بها هذا النظام البعثي الظالم, كما نؤكد على التواطؤ الحاقد من دولة إيران الرافضية, يدعمه في ذلك حزبهم المسمى (حزب الله) , وقد تضمن البيانان قضايا أخرى ونحن إذ نؤكد على ما ذكر فإننا بداية نثمن لخادم الحرمين الشريفين خطابه التاريخي ووقفته مع الشعب السوري المظلوم، وهو ما تقتضيه مكانة هذه البلاد في نفوس المسلمين, كما نأمل أن يتبع ذلك خطوات أخرى, ومن ذلك أن تقوم حكومة المملكة باستقبال الجرحى والمصابين في مستشفيات المملكة, لعدم توفر المستشفيات بسبب قتل النظام السوري لمن يذهب إلى المستشفيات الحكومية هناك، وكذلك القيام بحملة إغاثية للمحتاجين والمنكوبين. كما نشكر الجهود التي قامت بها تركيا, والفعاليات البرلمانية والشعبية في الكويت والبحرين؛ وكل الجهود هنا وهناك من عدد من إخواننا الذين يحدوهم قول النبي ﷺ : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) [رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير واللفظ لمسلم]. ونحن في هذا الصدد نوجه هذا النداء العاجل والذي يتلخص فيما يلي: ١ - إن الواجب الشرعي يحتم على أهل العلم والإيمان وأهل الرجولة والمروءة والنخوة من العلماء والدعاة والخطباء وأعضاء هيئات الفتوى والمجامع الفقهية والروابط والاتحادات الإسلامية؛ أن يجهروا بالحق ونصرة هؤلاء المظلومين .. ويبينوا الحكم الشرعي بوضوح وبلا مواربة؛ لهذه الممارسات الوحشية والإجرامية، التي هي من أعظم الفساد في الأرض .. وأن يسعوا لعقد مؤتمرات شعبية لمناصرة إخواننا المنكوبين في بلاد الشام. ٢ - نناشد جميع أصحاب الضمائر الحية في سائر بلدان العالم من البرلمانيين والمثقفين والإعلاميين وكافة هيئات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية والمدنية؛ أن يقوموا بدورهم في نصرة هذا الشعب المنكوب، وأن يتداعوا لممارسة كافة الإجراءات والتدابير لكف هذه العصابة الحاكمة في سوريا عن هذه الممارسات الوحشية- التي تذكرنا بجرائم التتار والنازيين والفاشيين-التي يتعرض لها هذا الشعب الأعزل إلا من إيمانه. ٣ - ندعو الحكومات العربية والإسلامية-وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي- إلى قطع علاقاتها الدبلوماسية، وإيقاف كافة أنواع الدعم الاقتصادي عن نظام الحكم المجرم في سوريا، والعمل على محاصرته وعزله سياسياً واقتصادياً؛ حتى يكف عن هذه الممارسات الوحشية.

стр. 153

٤ - ندعو الناشطين في مجال حقوق الإنسان؛ مؤسساتٍ وأفراداً، أن يتخذوا كافة الإجراءات الكفيلة بملاحقة هذا النظام المجرم بكافة الوسائل القانونية المتاحة، ولدى كافة الهيئات الدولية المهتمة بهذا الشأن. ٥ - نناشد أفراد القوات المسلحة، وأجهزة الأمن في سوريا إلى الانحياز إلى شعبهم وممارسة واجبهم في حماية إخوانهم ومواطنيهم، وعدم الانصياع لأوامر السلطة الحاكمة مهما كلف الأمر .. فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليعلموا أنه لا يجوز للمسلم استبقاء نفسه بإتلاف نفس أخيه مهما كانت الظروف والضغوط. ٦ - نناشد حكومات الدول الإسلامية والمنظمات الإغاثية، أن تبادر لتقديم كل أنواع المساعدات الإغاثية والطبية للشعب السوري، وبذل الوسع في إيصالها بكل الوسائل المتاحة. ٧ - ندعو إخواننا في سوريا إلى الصبر والثبات، والحرص على الاجتماع ونبذ الخلاف، وليعلموا أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا. وقد أحسن إخواننا أيما إحسان حين سموا جمعة ماضية (الله معنا) فهم وإن خذلهم كل من في الأرض, فالله معهم وكل من في الأرض تحت ملكه وتصرفه فثقوا بربكم واعتصموا بحبله, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]. ٨ - نناشد إخواننا المسلمين في كل مكان بالدعاء وخصوصاً في هذه الأيام الفاضلة ونخص بذلك أئمة المساجد على القنوت لإخواننا في سوريا في الصلوات الخمس تأسياً بهدي المصطفى ﷺ في مثل هذه الأحوال، وكذلك في الوتر في صلاة التراويح. نسأل الله أن يفرج عن إخواننا في سوريا الكرب وأن يعجل لهم الفرج .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الموقعون على البيان: ١. فضيلة الشيخ/ أ. د. عبدالله بن حمود التويجري، أستاذ السنة وعلومها ٢. فضيلة الشيخ/ أ. د. ناصر بن سليمان العمر، المشرف العام على مؤسسة ديوان المسلم ٣. فضيلة الشيخ/ د. أحمد بن عبدالله الزهراني، عميد كلية القرآن بالجامعة الإسلامية سابقاً ٤. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن سعيد القحطاني، أستاذ بجامعة أم القرى ٥. فضيلة الشيخ/ أحمد بن عبدالله آل شيبان العسيري، مستشار تربوي ٦. فضيلة الشيخ/ أ. د. سعد بن عبدالله الحميِّد، جامعة الملك سعود ٧. فضيلة الشيخ/ أ. د. علي بن سعيد الغامدي، أستاذ الفقه بجامعة الإمام والمدرس بالحرم النبوي سابقاً والمحامي ٨. فضيلة الشيخ/ أحمد بن حسن بن محمد آل عبدالله، رئيس قسم التوعية الإسلامية بإدارة التربية والتعليم بعسير سابقاً ٩. فضيلة الشيخ/ عبدالله بن حمد الجلالي، الداعية الإسلامي ١٠. فضيلة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالرحمن العجلان، مدير المعهد العلمي بمكةسابقًا ١١. فضيلة الشيخ/ د. عبدالعزيز بن عبدالمحسن التركي، محامي ومستشار شرعي ١٢. فضيلة الشيخ/ أ. د. عبدالرحمن جميل قصاص، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى ١٣. فضيلة الشيخ/ د. خالد بن عبدالله الشمراني، أستاذ الفقه المشارك بجامعة أم القرى ١٤. فضيلة الشيخ/ د. محمد عبدالله الخضيري، جامعة القصيم ١٥. فضيلة الشيخ/ د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي، رئيس مركز التأصيل للدراسات والبحوث ١٦. فضيلة الشيخ/ د. خالد بن عبدالرحمن العجيمي، أستاذ جامعي سابق ١٧. فضيلة الشيخ/ إبراهيم بن عبدالرحمن التركي، المشرف العام على موقع المختصر ١٨. فضيلة الشيخ/د. عبدالله بن ناصر الصبيح، عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٩. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري، أستاذ مساعد جامعة الملك سعود

стр. 154

٢٠. فضيلة الشيخ/ د. محمدبن عبدالله الهبدان، عضو رابطة علماء المسلمين ٢١. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن عبدالله الدويش، المشرف على موقع المربي ٢٢. فضيلة الشيخ/ بدر بن ابراهيم الراجحي، القاضي بالمحكمة العامة بمكة ٢٣. فضيلة الشيخ/ العباس بن أحمد عبدالفتاح الحازمي، مدير المعهد العلمي في صبياء سابقاً ٢٤. فضيلة الشيخ/ د. عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف، أستاذ مشارك بجامعة الإمام ٢٥. فضيلة الشيخ/ د. إبراهيم بن عبدالله الحماد، أستاذ مشارك في جامعة الإمام ٢٦. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن عبدالعزيز بن ناصر الماجد، محامي ورجل أعمال ٢٧. فضيلة الشيخ/ حمود بن ظافر الشهري، مشرف تربوي ٢٨. فضيلة الشيخ/ د. مسفر بن عبد الله البواردي، عضو المجلس البلدي بمدينة الرياض ٢٩. فضيلة الشيخ/ د. عبد اللطيف بن عبدالله الوابل، جامعة الملك سعود ٣٠. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن صالح العلي، أكاديمي ـ الأحساء ٣١. فضيلة الشيخ/ د. ناصر بن محمد الأحمد، الداعية الإسلامي ٣٢. فضيلة الشيخ/ د. إبراهيم بن محمد أبكر عباس، استشاري طب أطفال ٣٣. فضيلة الشيخ/ د. موفق بن عبدالله بن كدسة، استاذ مساعد في جامعة الملك عبدالعزيز ٣٤. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن سليمان البراك، جامعة أم القرى ٣٥. فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن عبد الله المبدل، جامعة الملك سعود ٣٦. فضيلة الشيخ/ د. عبدالله بن عمر الدميجي، عضو هيئة التدريس بجامعة ام القرى ٣٧. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن عبد العزيز اللاحم، جامعة المجمعة ٣٨. فضيلة الشيخ/ محمود بن إبراهيم الزهراني، عضو لجنة إصلاح ذات البين ٣٩. فضيلة الشيخ/ علي بن إبراهيم المحيش، رئيس كتابة عدل الأحساء المتقاعد ٤٠. فضيلة الشيخ/ د. عبدالله بن عبدالعزيز الزايدي، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام ٤١. فضيلة الشيخ/ د. أحمد السعيد، أستاذ الإعلام في جامعة الملك سعود ٤٢. فضيلة الشيخ/ إبراهيم بن خضران الزهراني، كاتب عدل بمكة المكرمة ٤٣. فضيلة الشيخ/ علي يحيى القرفي، تعليم عسير ٤٤. فضيلة الشيخ/ د. عبدالله بن عبدالرحمن الوطبان، وزارة التربية والتعليم ٤٥. فضيلة الشيخ/ عبدالله بن ناصر السليمان، المفتش القضائي بوزارة العدل ٤٦. فضيلة الشيخ/ مبارك بن يوسف الخاطر، قاضي محكمة دوس ٤٧. فضيلة الشيخ/ د. خالد بن إبراهيم الدويش، أستاذ في جامعة الملك سعود ٤٨. فضيلة الشيخ/ د. محسن بن حسين العواجي، أستاذ جامعي سابق ومحامي ٤٩. فضيلة الشيخ/ د. محمد الحضيف، أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود سابقاً ٥٠. فضيلة الشيخ/ د. حسن بن صالح الحميد، جامعة القصيم

стр. 155

" تمثيل الصحابة" مرة أخرى ! أحمد الزهراني السبت١٣رمضان١٤٣٢هـ كتبت مقالاً قبل أيّام عدّة عنونته بـ "تمثيل الصحابة: امتهان الصحابة" ذكرت فيه ما هو محل اتفاق المجامع الفقهية العلمية وهو أنّ تمثيل الصحابة لا يجوز لأنّ فيه امتهان لمنزلتهم. كنت قاسيا "أقلّ" من اللازم بحق من أفتى بجواز ذلك، وغضب مني البعض وطالبني البعض بالمناقشة العلمية لحجج المجيزين، والحقيقة أنّي لا أرى هذه المسألة من مواطن الخلاف السائغ، بل أراها نازلة دهياء أن أصبح البعض يجادل في تحريم المساس بمكانة الصحابة بأيّ طريق. واليوم لن أدخل في نقاش تفصيلي بل أريد أن أذكّر بعض الغافلين بأمور: الأوّل: تلك الشخصيات الّتي أفتت بالجواز ليست محل اتفاق الأمّة، حتى يغضب البعض من المساس بهم، بل بعضهم انتقلوا من الظلمة إلى النور بسبب خوضهم في هذه المسائل وشذوذهم بها فعرفهم النّاس وتناقلت فضائيات الهز والرقص فتاواهم لأنّها داعم رئيس لمجون دعار الفضاء. والعجب لا ينقطع ممّن لا يهتز له شعرة من تناول مسائل تتعلق بمنزلة الصحابة بحجة الخلاف ثم هو يثور غضبا لشخوص لا قيمة لهم ولا وزن في جنب صحابة رسول الله ﷺ . الثاني: هؤلاء الّذين تسابقوا للقول بالجواز هم ممّن يرفعون عقيرتهم مطالبين بالفتوى الجماعية والبعد عن الفتوى الفردية في نوازل الأمّة ومسائلها الكبار، وفي مسألتنا هذه كانوا أحرص ما يكون على الانفراد في مقابل فتاوى جماعية على أكثر من مستوى وفي كافة أقطار الإسلام ومن أكبر المجامع العلمية والفقهية، يا للعجب. الثالث: أحد المفتين بالجواز مشهور بالحفظ، وقد أزعجنا أنصار شذوذاته كلما أنكرنا شيئا منها استطالوا علينا بأنّه الحافظ الألمعي الذي يحفظ آلاف الأبيات والمنظومات والنصوص ووو .. أقول: لديّ قرص صلب يحفظ أكثر منه، والحفظ ميزة شخصية تُشكر لصاحبها لكن لا علاقة لها بالفقه والعلم والتسديد في الفتوى. العلم والفقه كما قال ابن مسعود ليس بكثرة الحفظ وإنّما هو نور يقذفه الله في القلب، وقد علمنا أئمة السنة والفقه والشريعة الّذين اتفقت كلمة الأمة على فضلهم وما أعطاهم الله من البصير اتفقوا على تحريم تمثيل الصحابة فبهم يوزن العلم والصواب إن كان ولا بد لا بكثرة المحفوظ! رابعاً: من المهم تذكير الجميع أنّ صحابة رسول الله ﷺ ليسوا مجرد أشخاص تاريخيين تُعرض حياتهم، بل لهم خصائص لا يشاركهم فيها أحد: منها أنّهم حملة الدين ونقلته وامتهانهم والتقليل من شأنهم همز وغمز في ما يحملون. أنّ حياتهم وأقوالهم إنّما هي تطبيق للشريعة أو أقوال شرعية مُحتج بها وكذلك أفعالهم، فأيّ حركة أو قول أو فعل يدرج في القصة محل التمثيل ستصبح دينا وسنة خاصة كبارهم وفقهاؤهم. فمن أين لفريق التمثيل الحصول على كل تلك الدقائق التفصيلية إلاّ بالكذب عليهم، وكم من أمر هو مباح في حقنا كان بعض الصحابة يراه جرما ويبتعد عنه فكيف نكذب عليهم بأمور لا يمكن الحصول عليها إلاّ برجم من الغيب. ومنها أنّ أصحاب رسول الله ﷺ هم حماه وحريمه، فالتساهل في تمثيلهم يعني الوصول إلى القول بجواز تمثيل النبيّ ﷺ ولا أراه يقول بذلك إلاّ زنديق. فتسويغ تمثيل الصحابة هو في حقيقة الأمر اختراق خطير يفضي بلا ريب إلى تمثيله وتجسيده نعوذ بالله.

стр. 156

وهؤلاء الذين أفتوى بجواز تمثيل الصحابة ﵃ وبعدم جواز تمثيل النّبيّ ﷺ لا يمكن لهم أن يأتوا بفرق واحد مؤثر يفرقون به بين تمثيل الصحابة وتمثيل النّبيّ ﷺ ، فكل حجّة يحتجون بها على تجويز تمثيلهم هي حجة لمن يريد تمثيل النّبيّ ﷺ بلا فرق. خامساً: رحم الله الإمام مالك، النجم الفقيه المستنير بنور الله، عندما هم المهدي أن يعيد الكعبة على ما بناها ابن الزبير مثلما سمعه من عائشة عن رسول الله ﷺ ، واستشار الإمام مالك بن أنس في ذلك، قال له: «إني أكره أن يتخذها الملوك لعبة»، - يعني يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم - فهذا يرى رأي ابن الزبير، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان، وهذا يرى رأيا آخر، فمنع مالك مما هو حق في نفسه درءا لمفسدة أعظم. ولو كان لدى فقهاء الفن المعاصر الذين أجازوا تمثيل حياة أصحاب رسول الله ﷺ عشر معشار ما عند مالك من الفقه لقالوا كما قال مالك، فلو كان في تمثيل الصحابة ما فيه من مصلحة موهومة خيّلها لهم هوامير الفن الهابط وملاك قنوات السخرية بالسنة والشريعة، لكان ما في فتح الباب لتمثيلهم من مفسدة اتخاذهم لعبة بيد أهل الفن والطرب والمال مانعا لهم من الإفتاء بالجواز، كلّما عنّ لمجرم أن يزوّر أو يمرّر ما يريد أنتج عملاً فنيا لواحد من الصحابة ثمّ كذب كما يحلو له واستخف كما يحلو له، ونصبح لا هم لنا إلاّ تصحيح أخطاء الفنانين والفنانات والمخرجين والمخرجات الأحياء منهم والأموات. أخيراً أقول: والله إنّنا لسنا عاجزين عن النقاش الفقهي، لكن يحز في أنفسنا أن تتحوّل ثوابتنا وقيمنا العظمى لعبة بيد "أصدقاء الضّوء"، وإلاّ فإنّ تمثيل الصحابة يصدق فيه ما كان ابن حزم يردّده في القياس: «القياس كله باطل، ثم لو كان حقا لكان هذا منه عين الباطل» ونحن نقول: لو كان التمثيل حقا لكان تجسيد الصحابة وتمثيلهم منه عين الباطل.

стр. 157

التحذير من شهوات الفكر المهلكة علي بن عمر النهدي الخميس١١ رمضان١٤٣٢هـ الحمد لله الذي ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧] والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد التواب وعلى كل من زجر النفس عن غيها وثاب. أما بعد: قال الحسن البصري ﵀: والله ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان قال الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. انتهى. وصدق ﵀، ومصداق قوله مسطور في الكتاب, في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾. [فصلت:٤٤]، وقوله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين﴾. [يونس:٥٧]. فبيّن جل وعلا أن القرآن هدى وشفاء لصنف، وعمى وخسارة لصنف آخر, فخصَّ جلَّ في علاه المؤمنين بالانتفاع بهذا الكتاب العظيم, ونصَّ على أن الذين لا يؤمنون به يزيدهم خسارة وهو عليهم عمى, والإيمان وعدمه هنا ليس هو مطلق الإيمان, الذي يتصف به كل من انتسب إلى الإسلام, بل هو إيمان حقيقي من جنس إيمان المتقين، كما صرَّح بذلك ربنا في أول سورة البقرة فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. ثم بيَّن جلَّ وعزَّ صفتهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٣، ٤]. فهذا هو الإيمان المشروط للانتفاع بالقرآن, وهو قول وعمل, ففيه التصديق والإقرار بالغيب وأمور الآخرة, والعمل متمثلًا في الإنفاق وإقامة الصلاة, وهما لا يقعان من مؤمن إلا بنية وإرادة، منشأهما المحبة، وهي أصل عمل القلب. وأما من آمن إيمانًا مجملًا كالذي يولد بين أبوين مسلمين، ولم يتعرف على حقائق الإيمان, أو يكون حديث عهد بالإسلام، ولَمَّا يحقق الإيمان المشروط للانتفاع بالقرآن, فأمثال هؤلاء لو شُكِّكوا لشكُّوا؛ لعدم وجود ما يدرأ الريب عنهم, من علم القلب ومعرفته ومحبته ويقينه بدينه, فهؤلاء إن عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة, وإن ابتلوا بمن يُورِد عليهم شبهات توجب ريبهم, فإن لم يُنعم الله عليهم بما يزيل الريب, وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع من النفاق دون أن يعلموا, فليحذر المسلم من السير خلف شهواته الفكرية, وإطلاق العنان لعقله الضعيف, ليبحر فيما ليس له به علم, متتبعًا الشبهات والمتشابهات مما يحسبه دلائل عقلية, وحقائق قطعية, وما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماء, وهو خلي عما يعصمه منها.

стр. 158

فهذا الصنف بعيد كل البعد عن الانتفاع بالهدي القرآني, والنور الرباني؛ لخلوه من الإيمان المعين على فهم القرآن، والازدياد به إيمانًا على إيمانه, ولذلك كان الصحابة ﵃ يتعلمون الإيمان قبل تعلم القرآن، ولهذا ثبت الإيمان في قلوبهم، فرضي الله عنهم ورضوا عنه, فعَنْ جُنْدُبٍ البجلي ﵁ قَالَ: ((كُنَّا مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ فِتْيَانًا حَزَاوِرَةَ فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَنَزْدَادُ بِهِ إِيمَانًا، فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ)). [أخرجه ابن ماجه في سننه والطبراني في الكبير بسند صحيح] فالمقصود بتعلم الإيمان: أي اليقين بما جاء عن الله ورسوله ﷺ , والاعتصام بذلك, والقطع بأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل أبدًا, وعدم معارضة هذا الأصل بغيره كائنًا ما كان, والجزم بأن علوم الأولين والآخرين العقلية النافعة لا يمكن أن تغادر القرآن طرفة عين أو أقل من ذلك, فإذا تحقق ذلك, يصبح المؤمن مهيأً لتعلم القرآن، وفهم ما فيه من معان تحيا بها القلوب السليمة، التي ليس بينها وبين الحق سوى إدراكه. وهذا اليقين لا يمكن تحصيله إلا بتحصيل أسبابه, مثل سؤال الله تعالى الهداية الخاصة, ومباشرة أهل الإيمان والاقتداء بهم في الأقوال والأعمال, ثم حفظ العقل وجعله في حرز عن مصادر التلقي الفاسدة, فأعظم الخلل ينشأ - وهذا من أصول الضلال - من الاعتداد بالنفس, والتغرير بالعقل في قراءات مفسدة لفطرته السليمة, وللعقل شهواته فينغمس فيها حتى تنتكس الفطرة، وتتبدل اليقينيات عند المرء, فإذا اعتقد ما ليس بيقين على أنه يقين قطعي وهو مظنون, حينئذ تكثر الإشكالات بين هذا اليقين المظنون مع اليقين الحقيقي, فيسلُّ الشيطان سكين الشبهات والمتشابهات؛ لذبح اليقين الحقيقي عند هذا المسكين وتلك المسكينة الغرقاء في شهواتهم العقلية, المغلفة بأسماء شيطانية, كحرية الفكر, أو الانفتاح على الثقافات, أوالجراءة في النقد. فهنا يأتي دور الإيمان الصادق, فمن كان ضعيف الإيمان أو حديث الإسلام, فلن يصمد أمام شهوة عقله, ولا أمام حيل الشيطان وألاعيبه الماكرة, وأما من تعلم الإيمان وتيقن بدين الإسلام, وعافاه الله من شهوات العقول في تتبع الشبهات والمتشابهات، فهذا الجدير بالنجاة من هذه المهالك. ولهذا شدَّد السلف الصالح على ترك الأهواء ومجادلة أهلها؛ لعلمهم بأن هذه الأهواء بحار لا سواحل لها, فنهوا ﵏, عن تتبع المتشابهات, ونهوا عن إجابة أصحاب الشبهات ومناظرتهم, فكانوا يردون الباطل بالحق فيدمغه فإذا هو زاهق, دون الاسترسال في تفنيد الشبهات وتقصي الرد عليها؛ لئلا يكون ذلك وسيلة لنشرها وبثها بين الناس, فما أعقلهم ﵏, فقد علموا بأن العقول تتفاوت والأفهام لا تتساوى, فربما أجابوا عن شبهة بإيقاظ أخرى, أو قاموا بدحضها عن إنسان دون إنسان, فوقفوا عند الأصل القرآني برد الشبهات والمتشابهات بالمحكمات, واستدلوا على من ينازع فيها ويجادل بأنه زائغ أو شاك, ولا دواء لهما إلا لطف الله تعالى بهما, فالهوى ليس له دواء. عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، قَالَ: (إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ بَحَثُوا، وَنَقَّرُوا حَتَّى تَاهُوا). ويقول الإمام مالك بن أنس ﵀: (يُلَبِّسُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ يَطْلُبُونَ مَنْ يُعَرِّفُهُمْ). وقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: (مِنَ الْمَسَائِلِ مَسَائِلُ لَا يَجُوزُ لِلسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، وَلَا لِلْمَسْئُولِ أَنْ يُجِيبَ فِيهَا)

стр. 159

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: (لَوْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ الْأَرَائِيُّونَ النَّبِيَّ ﷺ لَنَزَلَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ يَسْأَلُونَكَ يَسْأَلُونَكَ). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (مَا رَأَيْتُ قَوْمًا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً، حَتَّى قُبِضَ ... مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إِلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ). نقل هذه الآثار الذهبية ابن بطة ﵀ ثم قال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتَهُوا عَنِ السُّؤَالِ، وَالتَّنْقِيرِ، وَالْبَحْثِ عَمَّا يُشَكِّكُ الْيَقِينَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ فَرَائِضِ الدِّينِ، وَلَا مِنْ شَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَقْتَدُوا بِالزَّائِغِينَ، وَلَا تَثِقْ نُفُوسُكُمْ إِلَى اسْتِمَاعِ كَلَامِ الْمُتَنَطِّعِينَ الَّذِينَ اتَّهَمُوا أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَرُدُّوا مَا جَاءُوا بِهِ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَحَكَّمُوا آرَاءَهُمْ، وَأَهْوَاءَهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ وَدَعَوُا النَّاسَ إِلَى مَا اسْتَحْسَنُوهُ دُونَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . انتهى [الإبانة الكبرى - بابُ تَرْكِ السُّؤَالِ عَمَّا لَا يُغْنِي وَالْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ عَمَّا لَا يَضُرُّ جَهْلُهُ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ قَوْمٍ يَتَعَمَّقُونَ فِي الْمَسَائِلِ وَيَتَعَمَّدُونَ إِدْخَالَ الشُّكُوكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ] فلا يعجب من يقرأ لـ (مايلز) أو (سارتر) وغيرهما من تشديد السلف الصالح في ترك القراءة لهما وأمثالهما, بل ليزداد عجبًا بأن كلام السلف التحذيري كله يدور حول النهي عن الأخذ عما يسمى بالآرائيين من المسلمين, وأما الكافرون فالأمر محسوم, بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾. [النور:١٤٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٦٨]. فكيف بالله العظيم يجترئ المسلم أو المسلمة على معارضة آيات الله البينات, بآراء مستقاة من أفكار (مايلز) و (سارتر) وأشباههما!؟ ولا عجب عند من علم أن أسَّ هذا الضلال, هو أن كل من يعتقد عقيدة مستندًا فيها إلى العقل, ويزعم أن دلالة العقل عليها يقينية, فهو يحيل أن يجيء يقين بخلافها, فيضطر إلى جحد إحدى اليقينين؛ ليسلم له الآخر, فالحكم حينئذ للهوى أو للإيمان!!. يقول المعلمي ﵀: (وقد عرَّفتك أن كل معتقد عقيدة مُستَدلَلُها إلى العقل يزعم أنها يقينية, ومعنى ذلك أنه لو لقي النبي ﵌ فشافهه النبي ﵌ بما يخالف تلك العقيدة لكذَّبه والعياذ بالله ... مع أن هؤلاء .. إذا سمعوا آية من القرآن لم يفهموا معناها لم يترددوا في تصديقها, وكذلك إذا كان ظاهرها مخالفًا لعقيدتهم, فإنهم يصدِّقونها بعد تأويلها على ما يوافق عقيدتهم, ولكن لو فرضنا أن آية جاءت قطعية الدلالة على خلاف قولهم, فما ندري ماذا يصنعون). انتهى [رفع الاشتباه: ص٤٨ - ٤٩] لهذا تعرف سبب تعظيم أمر الاعتقاد بين السلف وأتباعهم, وأن الخلل إذا تطرق للاعتقاد فسد دين المرء, أو كاد، إذا لم يتداركه الله بلطفه وكرمه.

стр. 160

فعلى المسلم والمسلمة معرفة خطر الاسترسال خلف الشهوات الفكرية, واللوثات العقلية, والحرص على تحصين العقل بالإيمان، ثم بتعلم القرآن وأحكامه, ومباشرة أهله وخاصته ممن يتبعونه حق اتباعه, ويقيمون حروفه وحدوده, فإنَّ كون المرء على الإسلام منَّة عظيمة ونعمة جليلة, لا يجوز لصاحبه جهل حقيقة هذه النعمة, فالمسلم والمسلمة يجب عليهما أن يعلما بأنهما من أهل الجنة مآلًا ما داما على الإسلام الخالص, وعدوهما اللدود إبليس اللعين يسعى بشتى الطرق والوسائل ليخرجهما من الجنة، ما دامت أرواحهما في أجسادهما, كما أخرج أبويهما ﵉, فعليهما أن يقطعا الطريق على اللعين الرجيم, بمعرفة حقيقة المنة بجعلهما على دين الإسلام بفضله وكرمه, لا بذكائهما أو جهدهما, فالذي عليهما الحفاظ على هذه النعمة وتكمليها بأن ينجيا أنفسهما من الدخول في النار بترك المنكرات وأداء الواجبات، كما قد ضمنا النجاة من الخلود فيها إن ماتا على الإسلام الخالص. (فالعبد مطروح بين الله وبين عدوه إبليس, فإن تولاه الله لم يظفر به عدوه, وإن خذله وأعرض عنه افترسه الشيطان كما يفترس الذئب الشاة. فإن قيل: فما ذنب الشاة إذا خلَّى الراعي بين الذئب وبينها. وهل يمكنها أن تقوى على الذئب وتنجو منه؟ قيل: لعمر الله إن الشيطان ذئب الإنسان كما قاله الصادق المصدوق, ولكن لم يجعل الله لهذا الذئب اللعين على هذه الشاة سلطانًا مع ضعفها, فإذا أعطت بيدها وسالمت الذئب, ودعاها فلبت دعوته, وأجابت أمره, ولم تتخلف، بل أقبلت نحوه سريعة مطيعة, وفارقت حمى الراعي الذي ليس للذئاب عليه سبيل, ودخلت في محل الذئاب، الذي من دخله كان صيدًا لهم, فهل الذنب كل الذنب إلا للشاة, فكيف والراعي يُحذّرها ويُخوّفها ويُنذرها وقد أراها مصارع الشاء التي انفردت عن الراعي ودخلت وادي الذئاب!). [ابن القيم- شفاء العليل: ص١٠٠] عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ: أَتَرَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ دِينَهَا فِي يَوْمٍ؟ قَالَ: (لَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَرَكُوهُ، وَإِذَا نُهُوا عَنْ شَيْءٍ رَكِبُوهُ، حَتَّى انْسَلَخُوا مِنْ دِينِهِمْ كَمَا يَنْسَلِخُ الرَّجُلُ مِنْ قَمِيصِهِ) [الإبانة الكبرى لابن بطة: ص١٧٣ - ١٧٤] والله أعلم، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 161

مسلسل الحسن والحسين ومعاوية - رؤية فنية شرعية مركز التأصيل للدراسات والبحوث الخميس١١ رمضان ١٤٣٢هـ تعد المسلسلات التاريخية من أنجح الأعمال التي تعرض على الشاشة الصغيرة (التلفزيون) والكبيرة (السينما) ونجاحها يتجاوز مسلسلات الدراما (المشاكل) الأخرى، هذه الحقيقة الفنية نثبتها بأربعة أعمال تلفزيونية اثنان من عالمنا العربي واثنان من مركز وقبلة السينما والتلفزيون (هوليود) في عالمنا العربي يعد مسلسل (باب الحارة) من أكثر مسلسلات الدراما نجاحا فهو من الأعمال النادرة التي بلغت خمسة أجزاء، وأعيد عرضه على عشرات القنوات الفضائية العربية طوال السنة وفي أوقات مختلفة، ووصل تأثيره أوساط سياسية عربية ويهودية، وأشيع بأن هناك جهات أجنبية سعت لشراء المسلسل وعرضه على قنواتها، وهناك منتجات تجارية اشتقت من المسلسل، وزار استوديوهات التصوير مئات الآلاف من المعجبين، المثال الثاني مسلسل (الملك فاروق) هو أيضا عرض مرارا وتكرارا على قنواتنا العربية، وقد حصل للمسلسلين أخبار وجدل أشغلت الناس والأوساط الفنية والثقافية وكثر الحديث والنقل عنهما والاقتباس منهما، وهنا حالة أخرى عجيبة يعرض في رمضان أحيانا ثلاث مسلسلات تاريخية متشابهة في القصة والزمان والمكان والأحداث ومع هذا تنجح الثلاثة كلها. في (هوليود) هناك آليات احترافية مختلفة يعرف من خلالها مدى نجاح العمل الفني، منها آلية الجوائز التي تقدم للأعمال الفنية (السينما: جوائز أوسكار - التلفزيون: جوائز إيمي - الغناء: جوائز غرامي - المسرح: جوائز توني) تقام حفلات الجوائز هذه سنويا بعضها يقام منذ ٨٠ سنة ويكرم فيها أفضل الأعمال والعاملين خلال السنة، وتعتبر الأعمال الدرامية أهم العروض التلفزيونية والسينمائية ومن أشهر الدرامي العمل التاريخي فقد رشح لجائزة (إيمي ٢٠١١) - أهم جائزة في أمريكا خاصة بالتلفزيون- ستة أعمال عن فئة أفضل مسلسل درامي ثلاثة منها مسلسلات تاريخية، أحدها (مادمان) - أخر عرض أكتوبر٢٠١٠ موسم رابع- فاز في الثلاث سنوات الأخيرة بجائزة (إيمي) عن فئة أفضل مسلسل درامي وفاز ورشح عن فئات التمثيل والكتابة والإنتاج والماكياج وغيرها مرات عديدة، فاز العمل بجائزة (جولدن جلوب) - إحدى أهم ثلاث جوائز في أمريكا والعالم تكرم العمل السينمائي والتلفزيوني- عن فئة أفضل مسلسل درامي ثلاث سنوات متتالية قطعها عام ٢٠١١ عمل تاريخي جديد (بورد ووك امباير) انتهى عرض موسمه الأول في ديسمبر ٢٠١٠، فاز العمل بجائزة (جولدن جلوب) عن فئة أفضل مسلسل درامي وممثل دراما، وأيضا رشح للفوز بجائزة (إيمي٢٠١١) كواحد من ستة أفضل أعمال درامية في أمريكا - ثلاث منها مسلسلات تاريخية- ومتوقع أن يحصد العديد من جوائز (إيمي) في حفلها ٦٣ موقفا سلسلة فوز (مادمان) المتتالية هذه السنة، وهناك ترشيحات وفوز للمسلسلين على مستوى الجائزتين وجوائز أخرى متعددة. وكلا العملين يعرضان على قنوات كيبل (المدفوعة) ومع هذا حصلا على كل هذا النجاح. المقصود أن نفهم أهداف المحادين للشريعة (ملاك القنوات الفضائية) عند عرضهم مسلسل (الحسن والحسين ومعاوية) فهم لم يكن دافعهم خدمة الإسلام وتقريب صورة من تاريخه لعموم المسلمين لأن هؤلاء الشياطين قنواتهم ليل نهار تحاد الله ورسوله والمؤمنين وتفسد أولئك المسلمين فلا يظن غافل أن الشرع والسنة والدعوة كانت يوما في حسابات هؤلاء كل ما في الأمر أن الأرقام تثبت أن المسلسل التاريخي يرفع نسبة المشاهدين والإعلانات.

стр. 162

وهذه الزاوية لو تأملها من أفتى بجواز العمل لكان فيها كفاية لقلبه وعقله أن يرجع عن القول بالجواز ويربأ بالفقيه أن يكون مطية للذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا كما أن فقهاء آخرين اختاروا أن يكونوا مطية للظالم والمفسد، فالمفتي بالجواز هنا استخدمه ملاك القنوات لرفع نسب المشاهدين للفحش والفسق كما أن عالم السلطان استخدمه الحاكم ليثبت شرعيته ويبيض اسمه بعد سرقته وإفساده في الأرض. وفرق بين من كان مطية للخائض في أمور الصحابة ومن كان مطية للخائض في أمور عموم المسلمين. موضوع المسلسل: منهج أهل السنة والجماعة هو ذكر فضائل الصحابة الواردة في السنة والسير والكف عن الخوض فيما شجر بينهم وليس من منهجهم عرض تفاصيل الخلاف على عموم المسلمين، وقد اختار عمر ﵁ عدم التحدث عن واقعة السقيفة وهي حالة واحدة والإشكال فيها ضعيف وبعيد ومع هذا لم يحدث بها الحجيج وهو أفصح وأعلم، ويُقدر على إزالة أي إشكال يقع بعد الخطاب إما بسؤاله أو بسؤال آلاف الصحابة معه، فكيف بمن يريد أن يعرض تفصيلات الخلاف بينهم حول أمور كثيرة سالت فيها الدماء ويشاهد كل هذا ملايين من المسلمين ومع قلة العارفين بمنهج أهل السنة في هذه الوقائع، وانقطاع الحلقات وعدم تتابعها في توضيح الأمور وقد يفوت مشاهدون بعض الحلقات، المجيز هنا يفتح بصنيعه هذا أبواب الشك والتنقص وإيغار الصدور وسوء الظن في الصحابة، ثم يظن المجيز أنه يحسن بذلك لعموم المسلمين فهذا التصور عبث وقلة إدراك، ولهذا يقول الطحاوي في عقيدته (ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير) من ظن أنه بهذا العمل الدرامي سيحل كثيرا من الجدل بين عموم المسلمين اليوم على تلك القضايا فهو واهم ... هو فقط سيوسع دائرة الجدل ويدخل فيه أناسا من عموم أهل السنة كانت عقائدهم صافية نقية. ولو أن المسلم جهل من الناحية التاريخية ما وقع بين الصحابة لما ضره ذلك في دينه عرض الخلاف بين الصحابة بهذه الصورة وعلى عموم المسلمين يراه الجاهل والأعجمي وضعيف الفهم فيه من الفساد والإفساد لعقائد عوام المسلمين الشيء الكثير فان الواجب تربية الناس على حب الصحابة وذكر فضلهم وأي شيء وقع بينهم بعد ذلك هم فيه بين الأجرين أو أجر ومغفرة ولا يعرض خلافهم هكذا على الملأ فهذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما شجر بين الصحابة وإشاعة تفاصيله من صنيع أهل البدع، وبهذا تعرف سبب تحذير السلف من مخالطة أهل البدع فقد أضعفت حب الصحابة في قلوب قوم فأصبحوا لا يرون في تقمص الكافر والفاسق شخصية خير البشر بعد الأنبياء تنقص لهم، فرحم الله بعض السلف إذ يقول لمبتدع أراد حواره (ولا نصف كلمة)، وإذا عرفت أن بعض أولئك المجيزين لا يرى فرق بين رأي السلف ورأي الرازي زاد يقينك بفقه السلف عندما حذروا من مخالطة أهل البدع. وإن من صنيع الرافضة - في تشييع أهل السنة - أن يبدؤوا بإثارة الخلاف بين الصحابة على طريقة السؤال وطلب المعرفة ومنه ينطلقون إلى التشكيك في دينهم انتهاء بالرفض وهي سلسلة البدء فيها بلا شك ينتهي بالطعن أو السب أو التكفير. قد يحتج بعض الأفاضل أن المسلسل فيه دعوة للشيعة وهي حجة خاطئة، فهل تعتقد أن الشيعة ينتظرون منك أن تعرفهم بتاريخهم فإن مفاتيح عقولهم في جيوب أشياخهم، ثم على فرض بأن هناك عدد من الشيعة سيتأثر بهذا العمل كم عدد أولئك بالنسبة للسنة الذين سيحصل عندهم استفهامات وتشويش سيحدثه المسلسل ولن يوضحها بشكل كاف وقد بدأنا نسمع من بعض من رُبِّيَ على تعظيم الصحابة أسئلة وشكوك عرفوها بعد هذا المسلسل.

стр. 163

وقد عرض بن كثير رواية فيها اتهام للمغيرة بن شعبة ﵁ بتزوير مكتوب له بإمرة الحج قال بعد ردها وإبطالها (ولكن هذه نزعة شيعية) ومن نماذج إشكاليات المسلسل أنهم مثلوا كلاما على لسان البغاة في عثمان ﵁ فيه طعن في دينه وسب له وكذا مثلوا كلامهم في علي ﵁، كيف تطيب نفس ذاك الفقيه المجيز إسماع عموم المسلمين الذين لا يعرفون إلا حب الصحابة وفضلهم وسوف يعيشون ويموتون وهم لم يسمعوا مثل ذاك الكلام، كيف يسمعهم الطعن وهم لم يعرفوا إلا التعظيم والحب هذا من قلة الوعي، كيف تطيب نفسه بإجازة تمثيل تلك الأقوال وقد رفض ذاك المفتي مسلسل يمثل فيه أقوالا يقال في إمام دعوته وجماعته المعاصرة وهو أقل بكثير مما قيل في عثمان ﵁ نعوذ بالله من الخذلان. من أكثر ما يستدل به المجيز أنه لا يوجد دليل من كتاب أو سنة يدل على تحريم تمثيل الصحابة وهو غلط ففي القران والسنة عشرات الأدلة تدل على علو قدر الصحابة على عموم المسلمين ووجوب تفضيلهم وحبهم والتمثيل محاولة تجسيد فيه نوع قلة احترام وهو مناقض لتلك النصوص، والقول بأن كل مسألة بحاجة إلى نص يمنعها جهل وقلة علم، فأدلة الأحكام متعددة ولو طردنا القول بالحاجة إلى نص في التحريم لسقط كثير من الشريعة. حوار مع المجيزين للمسلسل: عرف أرسطو التمثيل أنه (محاكاة للطبيعة) وعرفه بعضهم أنه (الكذبة الصادقة) وعرفته موسوعة ويكيبيديا (هو تقمص الشخصيات الدرامية ومحاولة محاكتها على أرض الواقع وتجسيد ملامح وصفات تلك الشخصيات وأبعادها المتباينة في الرواية أو المسرحية المكتوبة) وهو تعريف ناقص لكنه يدل على معنى التمثيل الحقيقي: التقمص والتجسيد أو كما في عبارة أرسطو المحاكاة، ومن ظن أنه يستطيع فعل ذاك مع الصحابة فهو مزر بنفسه وبحاجة إلى أن يعرف منزلة نفسه وخاصة أن الحسن شبيه بالنبي الأكرم، فمن أين سيأتون بشبيهه، والممثلون معروفون بفسادهم وانحرافهم. هنا حالة تشتهر في عالم السينما والتلفزيون الغربي وهي رفض عدد من الممثلين تقديم أدوار شخصيات وأحداث عظيمة في تاريخهم بسبب اعترافهم أنهم أقل من تجسيد تلك الشخصيات أو خشيتهم من تقديم الشخصية بصورة ناقصة. العمل الفني يتكون من عناصر عديدة ومختلفة أهمها النص والأداء أما النص فذكروا أن المشايخ نظروا فيه أما العمل النهائي لا يعرف إن شاهده المشايخ أم لا؟! أداء الممثل في الأعمال الفنية أهم عند رواد الفن من كاتب النص وهو المقصود الأعظم من كتابة النص فقد يكون النص قويا ومؤثرا لكن يفسده أداء الممثل السيئ وقد يكون ضعيفا وركيكا ولكن يحييه الممثل المبدع وكثير من الجوائز والنقاد في (هوليود) يعتبرون الممثل محور العمل الفني، وهم أشهر من الكتاب لنصوص الأفلام والمسلسلات وأكثر تأثيرا، وذكر بعض من أجاز العمل أنهم لم يشاهدوه، وعليه فإن اعتماد المفتي بالجواز على النص وحده دون تقييم أداء الممثلين هو جهل فني وتقصير في الاجتهاد يرد قول المجيز ويضعفه، ولا يجوز له أن يفتي في نازلة لم يستوعب جوانبها فهذا من التجرؤ على الفتيا، ومن أعظم أولئك المفتين جهلا بالفن وحقيقته الذي يقول أن الممثل مجرد أداة إلكترونية محكوم بالنص ومقيد به، هذا أراح الناس من النظر في فتواه، وهذا ما يبين النظرة المقاصدية للمجامع العلمية التي يوجد بها مئات العلماء عندما أفتت بالتحريم، وتعجل من أفتى بالإباحة وأثر ضغوط الواقع والتفاعل الخاطئ معه

стр. 164

بعض من أجاز مسلسل (الحسن والحسين ومعاوية) قال أنه لا يجوز تمثيل الكفر أو الطعن في الصحابة ويجوز حكايته، والأول كثير في المسلسل، فكيف أجاز العمل؟؟ وهو يؤكد شكوك المحرم بأن هذه الأعمال حتى على طريقة المجيز لن يلتزم بها المنتجون وملاك الفضائيات ولابد أن يتجاوزوه بعد أن يستخدموه وفي هذا المسلسل تجاوزوه وهم يستخدموه!!! من مؤكدات تحريم العمل أداء الممثلين في المسلسل فقد كان أداؤهم في غاية الكذب على الصحابة الكرام بمحاولة تجسيد الشخصية بصورة لا يعرف كيف اهتدوا إليها ولا يمكن بحال معرفتها، ثم هم في تجسيدها جسدوها بصورة مؤلمة لكل محب معظم للصحب وهي في غاية سوء الأدب الذي يتفق المجيز والمحرم على أنه حرام ويعاقب صاحبه عليه، فهذا أداء غضوب محتقن موقفه منطلق من ذلك، وذلك أداء بسيط لطيف يمكن استغلاله، وذاك أداء خفيف فارغ يذهب في أي اتجاه، وذاك أداء داهية يستطيع تحريك الناس لرغباته، وذاك أداء شاب متحمس مندفع، وذاك أداء شاك حائر، وذاك أداء مخدوع غافل، وذاك أداء تخويني شاك في صدق غيره، وذاك أداء يتحزب للقبائل وتحركه لا الشرع، وذاك شاب يصادق اليهود ويتأثر بهم، وذاك أداء ملك يعيش حياة الملوك وترفها وأداء أخر في المدينة يأكل الملح مع الفقراء، هذا التخرص في التقمص وما فيه من سوء الأدب هو في الحلقات الخمس الأولى فقط وهي في الخلاف بين الصحابة والبغاة كيف إذا بدأت قصة الخلاف بين الصحابة أنفسهم فإنك سترى شرا مستطيرا - والعياذ بالله - وكثير من الممثلين أداؤهم في المسلسل عند من عرف حقيقة التمثيل ومقاصد الشرع موجب للتعزير، والحجر على من أصر إجازة أدائهم ومما يجب ملاحظته أنه يعرض قبل المسلسل في بعض القنوات أقذر وأفسق وأفسد مسلسل اجتماعي نسائي أخلاقي على مستوى كل القنوات العربية، فأين الفوائد المزعومة من حالة كهذه فتوى المجيز متناقضة وغير متسقة وهو دليل على تساقط القول وضعفه، فهم منعوا تمثيل أشخاص بعض الصحابة وأجازوا تمثيل أصواتهم وهو تحكم بلا دليل إلا إن كان دليلهم الاحترام والتعظيم للصحب فإن هذا يكون لكل الصحابة - رضوان الله عليهم - ولا يكون لصورة دون الصوت، وإجازة تمثيل الصوت دون الصورة دليل للمحرم أن المجيز يجد إشكالا في تمثيل الصحب فمنع بعضه وأجاز بعضه بقصد الاحترام والتعظيم وهو موافقة للمحرم في علة التحريم على المجيز أن يطردها في كل الصحب رضوان الله عليهم وفي كل أنواع التمثيل. ومن الضعف في فتواه أنه أجاز تمثيل الصحابة ولم يرى فيه تنقص وقلة احترام، ومنعه عن أمهات المؤمنين وبناته ﷺ لأنه قد يؤدي إلى سوء الظن أو التنقص، وتناسى المفتي أن أبا بكر ﵁ وعلي بن أبي طالب ﵁ أحب إلى رسول الله ﷺ من خير الأمهات عائشة ﵂، فمنعه في الصحب أوجب من منعه في الأمهات. من الضعف في فتوى المجيز أن معياره في الصحابي الذي يُمثل والذي لا يُمثل غير منضبط، فإن كان معيار المنع من تمثيل العشرة فقد مُثل بعضهم في المسلسل وهناك كثير من الصحابة بشروا بالجنة فهل يدخلون في العشرة عند بعض المجيزين؟ وهل يدخل فيهم من ﵃ من أهل الشجرة؟ وإن كان ضابطهم الخلفاء الراشدين فإن الحسن خليفة عقدت له البيعة وقد أجازوا تمثيله وحتى ينتظم قولهم كان عليهم أن يفتوا بجواز تمثيل صوته دون صورته كما مثلوا عثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين

стр. 165

من أفتى بالجواز نظر في مصلحة الدعوة والإرشاد والتعليم وبلا شك أن الأنبياء أقرب في تحقيق هذه المصلحة وأكثر تأثيرا، وعليه فإنه يلزمه حتى ينتظم اجتهاده أن يفتي بجواز تمثيل الأنبياء .. هذا اللازم يبين لك بشاعة القول بالجواز وشذوذه، وعدم التزام المجيز هذا اللازم لأن فيه سوء أدب والتعليم فيه سيكون ناقص هذا التعليل لا يختلف عنه في منع تمثيل الصحابة، ليس لأنهم من نفس المنزلة والعياذ بالله بل لأن لهم منزلة الصحبة ولأنهم صورة للمجتمع القرآني الذي يجب أن يبقى معظما محترما، وقد جاء الأمر بتخصيصهم بمزيد احترام وتقدير وأدب. ثم أي مصلحة دعوة وإرشاد وتعليم هذه التي سيتلقاه المشاهد وهو قبل لحظات شاهد نفس الممثل على قناة أخرى في أحضان فتاة يشرب الخمر ويقامر، الناس اليوم يحسبون لمدرسيهم الغلط والزلة حتى يخرجوا من سلطة تعليمهم فكيف بمن يريهم الكبائر والفسق كل يوم على الشاشات كيف سوف يتعلموا منه الإيمان والسنة. وقد أدت دور زينب بنت علي ﵁ امرأة في كامل زينتها وماكياجها وكذا زوجة الحسين-﵁، والأولى مثلت أدوار قذرة في مسلسلات أخرى. يجيب المجيز على اعتراض المحرم - أن الإباحة فيها فتح باب للحاقدين على الصحب- بقوله أن الباب مفتوح منذ زمن والمجيز دخل فيه لضبطه وتنقيته. ومن الأمور العجيبة أن كثيرا من المسلسلات التي مُثل فيها الصحابة كانت ترسخ فضلهم وترشد إلى حسن أخلاقهم مع ما فيها من إشكالات سبق بيانها بينما مسلسل المجيز (الحسن والحسن ومعاوية) كسر هذا الباب وفتح كل نقد واعتراض على الصحب الكرام، فمن هو الذي فتح الباب في مثالب الصحابة ومن أعجب ما يحتج به بعض من أجاز تمثيلهم أن الناس أبدعوا في التمثيل وبلغوا منازل عالية فيه ونحن نتناقش في حكم تمثيل الصحابة؟! يا سيدي الفقيه الناس اليوم أبدعت في تمثيل أمور اتفقت الأنبياء - وليس الفقهاء فقط - على تحريمها هل ينقض إبداعهم قولك إذا امتنعت عن تمثيل تلك الأمور أو ينقض فعلك إجازتك إذا قصرت في إبداعك كما هو حال مسلسلك (الحسن والحسين ومعاوية) المجيز هنا أحد اثنين: صاحب جهل بالعمل الفني وعنده شبهة وتأويل وفي هؤلاء أئمة في الدين وأصحاب علم وفقه ولا يليق بطالب العلم أن يكون عمدته ودليل كل نقاشاته من أجاز فيهم فلان وفلان فهذا تقليد لا يليق بطالب العلم خاصة أن المجامع الفقيهة الكبرى في العالم الإسلام بكافة مذاهبهم على التحريم، ومن فعل ذلك فهو دليل ضعف حجة وعلم. والثاني: صاحب ارتزاق على موائد القنوات وملاكها كما أن هناك مرتزق على أبواب الظلمة والمفسدين. هناك حالة يعيشها بعض فقهائنا المعاصرين وهي السعي لإثبات أن الشريعة تستطيع التعايش والتكيف والاندماج مع أي زمن وواقع وهو معنى فيه حق لكن للأسف ينطلق من هذا المقصد الشريف إلى تطويع الشريعة لذاك الواقع فتشعر أنه لا فرق بين فتواه وبين ذاك الواقع كأنهم خرجوا من مشكاة واحدة فاستوى عنده في المنتج والنهاية فلو أعفانا من اجتهاده لكان الأمر سيان بفتواه وبدونها، وهؤلاء يضيعون على أصحاب العقول الصحيحة والمنطلقات الشرعية الاستمتاع بإبداع الفقيه الذي اشتهر به الفقه الإسلامي هذا من جهة ومن جهة أخرى أضافوا دليلا جديدا إلى أدلة الأحكام وهو التعايش مع (الواقع) والتماهي معه والإغراب في الإفتاء إلى درجة الشذوذ.

стр. 166

بيان الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح حول أحداث سوريا الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فقد تابعت الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح ما يجري على أرض سوريا من أحداث دامية، وتصرفات مؤسفة يقوم بها النظام السوري الطائفي ضدّ الشعب السوري بأسره. وقد أصدرت الهيئة الشرعية البيان التالي: أولًا: تعتبر الهيئة ما يتعرض له إخواننا في سوريا على يد الحزب البعثي النصيري الحاكم من سفك للدماء وانتهاك للأعراض وإحراق للمساجد والبيوت من جرائم الحرب المحرمة في جميع الشرائع الإلهية والوضعية على حد سواء. ثانيا: تطالب الهيئة الحكومة السورية الممثلة في بشار الأسد وحزبه الحاكم بإيقاف المجازر والاعتداءات الظالمة، والإفراج عن المسجونين، وفك الحصار عن المدن، والاستجابة لمطالب الشعب السوري بتنحيه عن الحكم هو وحزبه. ثالثًا: تناشد الهيئة علماء سوريا أن يوحدوا كلمتهم وينبذوا خلافاتهم ويوجهوا الشعب السوري لما يصلح حاله ومآله؛ حتى لا يستغل هذه المطالبة بالحقوق من لا يفي بها لو تولى قيادة الشعب، كما حدث ويحدث في بعض الدول من سرقة المكتسبات التي تدفع الشعوبُ المسلمة ثمنها غاليًا. رابعًا: على العلماء الموظفين لدى السلطة السورية أن يتقوا الله في أنفسهم وأهليهم من أفراد الشعب السوري وأن يحفظوا دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وألا يسكتوا عن هذا الظلم فضلًا عن الوقوف مع الظالم الباغي، فلعل هذا الموقف أن يكفر ما سبق من تخاذل أو تقصير، وأن يختموا حياتهم بالنصرة لإخوانهم فذلك خير لهم في الدنيا والآخرة. خامسًا: تدعو الهيئة عموم المسلمين إلى مد يد العون إلى إخوانهم في سوريا، وتخفيف معاناتهم ببذل المال والغذاء والكساء والدواء، والدعاء لهم بصلاح حالهم وتفريج كربتهم. سادسًا: تدعو الهيئة جميع المؤسسات الإسلامية؛ الدولية العالمية والمحلية إلى الوقوف مع الشعب السوري المظلوم، ومطالبة الحكم الطائفي النصيري بالتنحي حفظًا للدماء والأعراض، ووفاءً بحقوق الأخوة، وحماية للضعفاء والشيوخ والنساء والأطفال، وتعترض الهيئة على تصريحات أمين عام الجامعة العربية الصادرة بشأن الأوضاع في سوريا. سابعًا: تفتي الهيئة الشرعية الجيش والأمن السوري بمختلف شعبه وأقسامه بحرمة سفك دماء المتظاهرين المطالبين بالحقوق المشروعة والحريات المسلوبة، ولتعلم كل الجيوش العربية والإسلامية أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا يعد الإكراه عذرًا شرعيًا في استباحة قتل الأنفس المعصومة. ثامنًا: تطالب الهيئة الإعلاميين الشرفاء بفضح التدخل الإيراني المباشر أو عن طريق عملائه، كالحزب المسمى بـ «حزب الله» وكشف مخططاته. تاسعًا: تدعو الهيئة جموع الشعب السوري إلى الالتفاف حول العلماء الربانيين والصدور عن كلمتهم، والبعد عما يغضب الله، أو رفع شعارات جاهلية قد تكون سببًا لتأخر النصر أو حرمانه. وأخيرًا: تدعو الهيئة أهلنا في سوريا إلى الصبر والتفاؤل، وتبشرهم بالنصر؛ فإن النصر مع الصبر قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. نسأل الله أن يمن على سوريا وسائر بلاد المسلمين بالأمن والإيمان والسلامة والعافية، والحمد لله رب العالمين. رئيس الهيئة الشرعية: أ. د. علي السالوس النائب الأول: أ. د. طلعت عفيفي النائب الثاني: أ. د. محمد عبد المقصود النائب الثالث: فضيلة الشيخ محمد حسان الأمين العام للهيئة الشرعية: د. محمد يسري إبراهيم

стр. 167

الحياد الأجوف حسن بن علي البار الأحد٣٠ شعبان١٤٣٢هـ لا يجد المتابع صعوبة ليُدرك حجم الاختلاف، وتعدد الرؤى، وكثرة الأطروحات في واقعنا المعاصر، بصورة هي من سمات هذا العصر، ومن المؤثرات الكبيرة على أهله. بالطبع هذه الأطروحات الكثيرة متباينة وواسعة المدى من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، ولكل مقالة منها منتصرون ومنظِّرون، وهؤلاء من لا أريد الحديث عنهم هنا. وإنما أريد أن يكون حديثي عن الجمهور المشاهد الذي تُلقى هذه الأفكار على رأسه في حرب لم يكد يشهد لها التاريخ مثالاً في الضراوة والتتابع!! هذا المستمع والمتابع كيف يصنع مع هذه الحرب، ومع أي قوم يصطف؟ ولأجل هذا الصنف من الناس أسوق عدداً من التنبيهات: ١ - من الأمور ما لا يجوز أن تكون موضعاً للجدل وتداول الرأي عند المسلم، وهي محكمات الشريعة، وقطعيات الأدلة، وهي كثيرة مشهورة يعرفها أهلها، وكثيراً ما تلتبس على مَن سواهم. وهذا النوع من الأمور -إذا وقع فيها الخلاف- الغالب فيها أن المخطئ فيها غير معذور، وأنه أعرض عن الحق أو أنه سلك في تحصيله الطرق غير الموصلة إليه، مع وضوحه، وقُرب مأخذه. ومع أن الحق من صفته دائماً أنه واضحٌ وقريب إلا أنه في هذا النوع أوضح، ومضيِّعُه حينئذ يكون ألوم. ٢ - مرجع الأمور الدقيقة في كل فنٍ إلى علماء ذلك الفن، ولا يمكن أن يكونوا على اختلاف مشاربهم، وتنوُّع مداركهم، وتوزُّع أماكنهم، وصعوبة أو استحالة اجتماعهم على هوى واحد= لا يمكن أن يكونوا جميعاً مخطئين، فإن خالفتهم برأيك في أمر، ثم رأيت جماعتهم على رأي واحد غيرِ رأيك؛ فاتهم رأيك ولا تتهمهم، فإن الهوى يُعمي ويُصم، ورأيك أقرب إلى الهوى من رأيهم، وأبعد عن العلمية من دقيق مناهجهم. ٣ - من المسائل المطروحة للنقاش ما ليس من المسائل القطعية، ولكن الحق فيها ظاهر، والرأي الآخر فيها له وجهه إلا أنه أبعد عن الظهور، وأقل تحقيقاً للمصلحة الشرعية، فمن المتصور أن يكون من الناس من يجتهد فيؤديه اجتهاده إلى ذلك الرأي، ومن الطبيعي حينئذ أن يكون القائل بهذا والمقتنع به أقل من القائل بالرأي الآخر، ما لم يقتض ذلك أمرٌ من الأمور .. ولكن أن يتحزب مجموعات، ويتنادوا بصوابية الرأي المهجور، ثم إذا نظرت وجدته مؤدياً إلى موافقة طريقة الحضارة الغربية (الغالبة) في التفكير والنظر إلى المسائل، في الوقت الذي يأباه أكثر أهل العلم الراسخين، فهناك اعلم أن ذلك من التداعي للهوى لا للعلم، وأنه من باب تقييم المصالح والمحاسن برأي (الآخر) ثم دفع المفاسد والقبائح (التي يراها الآخر كذلك) عن النفس!! ٤ - طائفةٌ من الناس تُعرض عن كل ذلك اشتغالاً بدين أو دنيا .. وهذا ممدوحٌ من جهة الاشتغال بما ينفع عما لا ينفع، ومن جهة عدد من النصوص الشرعية الآمرة بالإعراض عن الشبهات، وعن اللغو .. ولكن هؤلاء الناس لا يجوز أن يكونوا مجموع الأمة، لأنهم مع تباعدهم عن العراك الفكري إيجابيه وسلبيه إلا أنهم ليسوا بمعزل عن التعرُّض لسهامه، أو تعرُّض أهليهم لذلك. وكم في الناس من منغلق على نفسه، مناوئ للصالح والطالح من الأطروحات مَن انفتحت عليه فجأة فغرق في شبرٍ منها، وخُطف بالكلية إلى الضفة الأخرى. وهؤلاء الناس كذلك لا يندفع بهم فرضُ الكفاية عن الأمة في مدافعة الباطل، والمجاهدة بالقرآن. قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢] ولكن جاهدهم بهذا القرآن جهادا كبيراً، حتى ينقادوا للإقرار بما فيه من فرائض الله، ويدينوا به ويذعنوا للعمل بجميعه طوعا وكرها. وهذا مقتضى استخلاف هذه الأمة بالشهادة على العالمين.

стр. 168

٥ - وطائفة أخرى لزمت الحياد، ووقفت وسطاً بين شتى المذاهب، يوماً يمانون، ويوماً عدنانيون. يسمع من ذا وذا ويُعجبه رأيُ ذا، وأصالة ذاك، وحُجة هذا، أو بريق مقولة الآخر .. وهكذا. يظن ذلك من الثقافة، ويؤزه على الاستمرار على هذا النهج مقولات من نحو: عدم احتكار الحقيقة، وأنه لا حق مُطلق، وحرية كل طرف في التعبير عن آرائه، واحتمال صوابية تلكم المقولات ... وما إلى ذلك من هذه الدعاوى الفضفاضة. وحين ينظر هؤلاء الإخوة إلى الآخر بهذه النظرة، ويطالبوننا بها؛ فياليتهم يُطالبون الآخر بها كذلك. فهذان طرفان لكلٍ منهما طريقةٌ ومذهب، فما مذهبُك أنت؟ وما هي طريقتك؟. إن الحياد بين الكفر والإيمان، والتردد بين صوابية أهل الإسلام أو أهل الكتاب، التردد الأعمى بين معسكر الشرق ومعسكر الغرب، الليبرالية والسلفية، العلمانية والإسلامية، الديمقراطية والشرعية، الشيعة والسنة، البدعة والاتباع، الظالم والمظلوم .. الخ هذه الثنائيات= ليس بصواب، ولا هو دليل عمقٍ فكري، ولا يمتلك صاحبه اليقين الراسخ بحقائق الأمور. فهو يتمظهر بالثقافة والحياد، والحياد بعد ظهور الحق= توسُّطٌ بين الحق والباطل، وهو مذموم. قال النبي ﷺ : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، وفي التنزيل الحكيم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فأمر بالحياد والإصلاح حتى تظهر مخالفةُ العدل والصواب؛ وحينها يجيء الأمر بالانحياز إلى الحق وأهله، ونُصرتهم على من ناوأهم. ٦ - لبعض الناس في نصرة الحق طريقةٌ عجيبة، فهم أبداً مع المنتصر، ولديهم قدرةٌ عجيبة على أن يُبصروا النقطة السوداء في الثوب الأبيض، متى ما كان ذلك يحقق لهم رضا من يُريدون رضاه، وهم كذلك يُبصرون النقطة البيضاء في الثوب الأسود، ويدَّعون أن هذا مقتضى الإنصاف .. فاحذر من هذه المسالك، فإنها لا تزيد أصحابها إلا قُبحاً!! وهو نوعٌ من التأكُّل بالمبادئ، والعياذ بالله. ٧ - الشيطان الأخرس أضعف وأقل شراً من الشيطان الناطق، وبعض الخُرس عن الحق يسكتون دهراً ثُم ينطقون فُجراً، وحينئذ يحسُن أن تقول: ليته سكت .. ٨ - أهل العلم والعدل، والمعرفة العميقة بالذات وبالآخر من أهل الدين الحق لا يزيدهم مخالفة المخالف لهم، وهُزؤه بمبادئهم إلا إيماناً وتثبيتاً. ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] انظر كيف جعل في نفس الأمر الذي فيه الفتنة على الكافرين زيادةً في إيمان المؤمنين، واطمئناناً لمن كان منصفاً ممن نزل عليهم الكتاب من قبله. إن أهل الإنصاف المزعوم، والتوسُّط في غير محله = مداهنون؛ يظنون أن أسلوب المجاملة والتملُّق نافعٌ في كل حين، وهو دليل ضعفٍ في شخصياتهم، وضمور في يقينهم. وهذا الداء قد استشرى في هذا الزمان، ووصل إلى فئام كثيرةٍ من الناس؛ فتفقد نفسك يا أخي، فلعلك تُخلِّصها من بعض رواسب هذا المرض العُضال، سلَّمك الله من كل شر. اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون .. اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم.

стр. 169

هلْ واحدٌ منْ بينكمْ يعرفُ معنى الشَّام ؟! طالب بن عبد الله آل طالب السبت٢٩شعبان١٤٣٢هـ ١ - كانت الطائرةُ تهبطُ بنا تدريجيًا سماءَ دمشق .. وكنتُ منصرفًا بكلِّ حواسّي لمتابعة المنظرِ الذي تطلُّ عليه النافذة .. لا أدركُ منه سوى ما يمنحهُ النظرُ الكليل .. هذه الأرضُ المباركةُ .. فكحّلْ عينَك أيّها العاشق .. يحتضنُها من الشمال الجبلُ الأشمُّ قاسيون .. وعلى جانبيها جنّتان .. أرضٌ درجَ عليها الأنبياء .. وسَرى بليلها الضياء .. وكان بها عزّ الإسلامِ .. ومدفنُ العظام العظام .. تكادُ تجدُ تحت كل صخرة أثرًا من ذكرى .. وحكايةً من غرام .. لم يبلغ بي الشوقُ لزيارةِ أرضٍ كما فعلَ بي مع الشام .. ولم أروِ منها نظري بعدُ .. وقد كرّرتُ زيارتها مرّاتٍ ومرات .. أعْلنوا من غرفةِ القيادة: مرحبًا بكم في مطارِ دمشقَ .. وقد وفوا لدمشق فلمْ يخطِفوا اسمَ المطار لكبيرٍ ولا صغير .. وللمكانِ قداسةٌ وذكرى لا يحسنُ أن تنتهكها أسماءُ الذوات .. ٢ - كان بي شوقٌ لرؤية القلعةِ التي سُجن بها شيخُ الإسلام .. وزيارة مرابعِ الحنابلة الكرام .. والصلاةِ بالجامع الأموي .. والتبضّعِ من سوق الحَميديّة .. ورشفِ قطراتٍ من برَدى .. والوقوفِ على قاسيون .. كان صوتُ ابن تيمية الحرّاني يسْري في خلَدي وهو يُقرّر "أنه قد جاء في فضل الشام وأهله أحاديثُ صحيحة .. ولا ريب أن ظهور الإسلام وأعوانه فيه بالقلب واليد واللسان أقوى منه في غيره .. وفيه من ظهور الإيمان وقمع الكفر والنفاق ما لا يوجد في غيره". وكانَ عليُّ الطنطاويُ يتسامى في بيانٍ عجيب: "دمشق .. وهل توصف دمشق .. هل تُصوّر الجنةُ لمن لم يرها .. كيف أصفُها وهي دنيا من أحلام الحب وأمجاد البطولة وروائع الخلود .. من يكتبُ عنها وهي من جنات الخلد الباقية .. بقلمٍ من أقلام الأرض فانٍ .. دمشق التي تعانقها الغوطةُ .. الأم الرؤومُ الساهرة أبدًا. تصغي إلى مناجاة السواقي الهائمة في مرابع الفتنة وقهقهة الجداول المنتشية من رحيق بردى .. الراكضة دائما نحو مطلع الشمس .. " وكانَ نزارُ بن توفيق يُنشدُ في حزنٍ كبير: "مسقطُ رأسي في دمشقَ الشام هل واحدٌ من بينكمْ يعرف أينَ الشام؟ هل واحدٌ من بينكم أدمن سكنى الشام؟ رواه ماءُ الشام كواهُ عشق الشام تأكّدوا يا سادتي لن تجدوا في كل أسواق الورود وردةً كالشام وفي دكاكينِ الحُلَى جميعها .. لؤلؤةً كالشام لن تجدوا مدينةً حزينةَ العينين مثلَ الشام" وكنتُ في مقتبلِ حياتي حفيًّا بثقافةٍ يأسرُها فقهُ عالمٍ وجمالُ أديبٍ وإبداعُ شاعر .. لا تؤاخذُ كلّ طرفٍ بما يريده الآخرون .. ففعلت بي تلك النقولُ الأفاعيلُ .. وشقَّ بي ذلك التكوينُ .. وأدركتُ أنَّ لنفسي من هوى الشام زمانًا لا يزدادُ إلاّ مدة .. ونظرًا لا يرتدُّ إلاّ أكثرَ حدة .. وحقائق لا تستطيع وصفَها دقائقُ السطور .. ٣ - خرجنا من المطار .. وفاجأتني الصورُ التي لم تكن وقتئذ موجودةً ببلدي .. تدعو بالبقاء للرئيسِ المعظم .. وتهتفُ باسمه المجيد .. وتزعم أنّه سيكون القائدَ للأبد .. البناياتُ والطرقات .. الأنفاقُ والجسور .. المدارسُ والدور .. ما الأمر .. سألتُ السائقَ .. فأجابني: صدِّقني يا بُنيّ الصورُ حين تخرج من القلوب تسكنُ الجدران .. لم يكنْ بعد ذلك البيانِ بيان .. حانت مني التفاتة للخلف .. وإذا صورة السيد الرئيس على الزجاجة الخلفية لسيارة صاحبنا .. عدت لسؤاله من جديد وأجاب على الفور: لنتذكر لعنه في كل حين .. أخذتنا فترةُ صمت .. وتلفّتنا بكل اتجاه .. ثم قال بعد تنهيدة طويلة "مغلوبون على أمرنا يا سيدي .. والله مغلوبون".

стр. 170

٤ - لمْ يستغرق الأمر طويلاً لأتبيّن حقيقة قول نزار: لن تجدوا مدينة حزينة العينين مثل الشام .. وقد رأيتها بعد طُهر الأمويين ملطّخة بأدران البعث .. لا تكاد تقضي لك بها شأنًا إلاّ بدفع رشوة .. يحاصر بها الكبراء حريات المساكين .. وبردى يغالبُ سلسالاً من الماء تراه يجري مرة ويختفي مرات .. وبنايات قديمة جدًا ومركبات .. ومظاهر من فوضى وشتات .. ذات يومٍ وأنا أتجوّل بسوق الحميدية .. وعلى حين غفلةٍ مني .. خطف صبيٌ محفظتي .. ولم يكن بها سوى ما يعادلُ ألف ليرة .. أدركه العسكري الذي استنجدت به وبعضُ المارة فأمْسكوه .. وحين أعادوها لي قررت مسامحَته .. إلاّ أنهم أشعروني بأهمية الأمر .. وطلبوا منّي التوجه معهم لمخفرِ الشرطة .. ضاعتْ عليّ فرصةُ الاستجمام ذاك اليوم .. ولم يزلْ رئيسُ المخفر - وهو ينفث دخانه باتجاهي - يؤكّد لي حرصه على أمنِ السائحين .. ويستعرض قدراته في استنطاق السارق الصغير باستخدام عصا كهربائية كانت معه حتى اعترف .. ثم استمرّ يتحدث بإشارات كثيرة مفهومة وغير مفهومة كلفتني أخيرًا حين أدركت مغزاها ألفي ليرة .. وددت أنها كانت بيد الصبيّ الجائع وليس الشرطيِّ الشبعان .. وقررت بعدها ألا أمنعَ محفظتي أبدًا من يد أي سارقٍ بالشام .. وحزنت حزنًا كبيرًا .. هربتُ من حزني ذاك إلى حي الميدان .. وزرتُ العالم النبيلَ عبد القادر الأرناؤوط أسأله عن صحة حديث ((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم)) فقال لي: "نعم هو حديث صحيح، ولا يزال بالشام خير كثير" وكان فعلاً حين أعدتُ النظر خيرٌ كثير .. ٥ - كان منظرُ قاسيون من بعيد يحيّي على الزيارة .. وله مغناطيسٌ يجذب إليه الأرواح .. من قاسيون أطلُّ يا وطني فأرى دمشقَ تعانقُ السُّحُبا تراه وقد ارتفعت في سفحه الأحياءُ حتى تكاد تبلغ منتصَفه .. وهو شامخٌ كـ"قاسيون" لا تستطيع أن تجد له وصيفًا فتقاربَه به .. لم يعط الدنيّة لمستبدّ .. أو يضع رأسَه لطاغوت .. وقالوا في سبب تسميته أنه قسا على المشركين فلم ينحتوا منه صنمًا .. هو المَعلم الأثيرُ هناك .. يُشرفك على دمشق وغوطتيها .. ويوقفك على صورةٍ متحركة لا تفترُ من زحام الأسواق وضجيج المركبات .. ويرحلُ بك في الذكرى .. لتنعم بمشاهد لا يستطيعُ وصفَها البيان .. فيها وعْظ الأرواحِ سابقٌ لقرار العيون .. وحديثُ الهوى متقدمٌ على جميل اللحون .. ومزيجٌ من غرام قديم وذكرياتٍ وشجون .. ٦ - وحين عرفتُ عن دمشقَ الإجمال على ظهر قاسيون .. ذهبت أبحثُ عن التفاصيلِ في زواياها .. الصالحيةُ ودمشق القديمة .. والمكتبةُ الظاهرية وقبر صلاح الدين .. وباب توما .. ومقبرة بابِ الصغير .. والجامع الأموي، وقد كان تحتَ كلّ ساريةٍ فيه حلقة علم .. والبناياتُ المعمّرة الهازئةُ بقصر أعمار الآدميين وغرورِهم .. ودروب طويلة تسير فيها القدم فتتعب .. ولا تتعب الروح .. ثم وردتُ بيتَ صديقي الشاميِّ ضيفًا وهم أهل ودّ وضيافة فرأيت عجبًا .. الفسحةُ السماويةُ في بطن الدار .. لا يسترها سقفٌ .. ينفذ لها الهواء .. وتتوسطها نافورةُ ماء .. لا تكاد تخطئها البيوتُ الشاميّة .. ونقوشٌ معروفة اللون والأشكال تكسو الأرائكَ والجلسات .. وفاكهةُ المشمش أولُ غرامٍ يعانق في الضيافة شفاهك .. والماء الذي لن تشرب مثله .. حتى لو حملته معك لبلدك .. يفقد عذوبتَه بمغادرة الديار .. وأحاديثُ ماتعة تغلب فيها طريقةُ الكلام الفكرة .. ويذهب معها الخيالُ في سكرة .. ويتخللها كما يقول الشاعر نزار: حزنٌ كبير ..

стр. 171

٧ - وفي يوم قائظٍ من أيام آب اللهاب .. خرجتُ إلى الزبداني .. وصلتُ إلى نبعِ بردى .. شربتُ من عذب مائه حتى ارتويت .. وتجوّلتُ بمركب له مجاديف في بحيرتِه الصغيرة .. ثم انصرفتُ إلى مزرعةٍ قريبة تؤجر للراغبين .. جلستُ في عريش قد هيّؤوه .. والسواقي الباردةُ إلى جواري تدلُّ مياه بردى على أشجار الثمار المختلفة .. وأقبلت فتاتان صغيرتان اسم واحدةٍ منهما ميسون .. تعملان مع أهلهما في خدمة المزرعة .. وهما المسؤولتان عن واجبِ الضيافة .. رأيتهما تغسلان الآنيةَ من الساقي .. ثم تسيران إلى تلك الأشجارِ فتقطفان من ثمارها ما تطوله يداهما الصغيرتان .. حتى استتمَّ لهما سبعةُ أنواع أو ثمانية .. من أشهاها الكمّثرى وثلاثةُ أنواع العنب .. ثم ترشّان عليها ماء باردًا له لون بردى وطعمُه .. وتقدمانها لي .. ولا والله ما ذقتُ شيئًا أشهى أو هكذا يُخيّل لي .. وكأني أستعيدُ رشفَ بردى في تشكيلاته الجديدة .. وما ذقت طعمَ الماءِ إلاّ استخفّني إلى بردى و"الطفلتين" حنينُ ٨ - ولم أزلْ بعدُ في كل رحلاتي التي وصلتُ بها سِدني بـ"كندا" .. والبرازيلَ بأمريكا .. لم أزلْ أجد من أهل الشامِ علماء وصالحين تفرّقوا في الديار .. وتركوا لذّة العيش بأوطانهم مطرودين وملاحقين .. مُنيةُ الواحدِ منهم أن يروي ظَماه من بردى .. أو يعفّر جبهتَه بتراب الشام .. وفي كلمات أستاذ الحنين الشاميِّ الزركلي خير مثال عليهم .. وهو يترنم بهذه الأبياتِ .. يلفظ معها آخر أنفاسه على ضفاف النيل: العينُ بعد فراقها الوطنا لا ساكنًا ألفتْ ولا سكنا ريانةٌ بالدمع أقلقها أنْ لا تحسَّ كرًى ولا وَسَنا يا موطنًا عبث الزمانُ به من ذا الذي أغرى بك الزمنا عطفوا عليك فأوسعوك أذًى وهمُ يُسمّون الأذى مننا وحنَّوا عليك فجرّدوا قضبًا مسنونةً وتقدموا بقنا يا طائرًا غنّى على غصن والنيلُ يسقي ذلك الغصنا زدني وهجْ ما شئتَ من شجني إنْ كنتَ مثلي تعرفُ الشجنا أذكرتني ما لستُ ناسيَه ولربّ ذكرى جدّدت حزنا أذكرتني بردى وواديَه والطيرَ آحادًا به وثُنى وأحبةً أسررتُ من كلفي وهواي فيهم لاعجًا كمنا كم ذا أغالبُه ويغلبني دمع ٌإذا كفكفتُه هتَنا لي ذكرياتٌ في ربوعِهمُ هنَّ الحياةُ تألّقًا وسنا ليت الذين أحبّهم علموا وهمُ هنالك ما لقيتُ هنا وهكذا كان شأنُ الثلاثةِ الرفاق .. فأمّا ابن تيمية فقد حُبس بالقلعة .. وما كانوا يضطرون أحدًا للرحيل .. وبقي قبرُه عند التكيّة السليمانية .. يقول الأستاذ زهير أحمد ظاظا: في شتاء عام (١٩٩٦م) كنت أتجوّل في دمشق بالقرب من التكية السليمانية فاستوقفني سائح أوروبي يسألني بالعربية: هل يمكن أن تساعدني؟ فقلت له: على الرحب والسعة وفي ماذا أساعدك؟ فأخرج خريطة للمواقع الأثرية في مدينة دمشق وقال لي: أنا أبحث عن قبر ابن تيمية وحسب الخريطة يجب أن يكون هنا .. وأشار إلى مكان بالقرب من مشفى الغرباء بجانب كلية طب الأسنان القديمة ... ثم زرت قبر ابن تيمية فرأيت شاهدةَ القبر مكسّرة متناثرة حول القبر ولم يبق منها إلاّ كلمة (تيمية) والتقطت مجموعة صور للقبر ومعه قبر تلميذه ابن كثير .. أه .. وأمّا الطنطاوي فقد كتب الله له بمقبرةِ العدل مكانًا .. غريبًا هناك إلى جوار الكعبة في البلد الحرام قضى وهو يقول: "حرم الله الجنة من حرمني رؤية قاسيون" وأمّا نزارُ فقد فاضت روحه بعيدًا طريدًا .. ثم حنّوا على جسده .. فقبلوا دفنه إلى جوار والده تحت شجرة زيتون بالشام ..

стр. 172

٩ - هذه هي الشامُ .. بستانُ الروح .. والفخرُ بها للمادح لا الممدوح .. نغار من الطيور التي تحومُ سماءها .. لا يُطلب منها تقديم ولاءٍ ولا اصطناعُ ودّ .. ونغتاظُ من الأيدي التي لم تزل تهدمُ من مجدها صروحًا لا تستردّ .. ونؤمل في صبحٍ يَطوي الليلَ الخانق .. وتتنفسُ له الأزهار .. وتشرق به شمس الهناء والخلاص .. ويا ساكني الشام كلِّها .. من حلب المتنبي وحمص ابن الوليد .. إلى اللاذقيةِ وحماة النواعير .. ومن أذرعات إلى جسرِ الشغور .. استلهموا مجدكم من تلك الزوايا .. وخذوا عزمكمْ من تلك الطرقات .. وجُدّوا في سبيل تطردون بها الأسدَ .. وذوي الأنياب حوله .. وتنهون حكم الغاب .. واغسلوا عن دمشق -أرجوكم- قذى علق بثيابها .. وامسحوا غبارًا استطال على لمّتها .. واكتبوا لكم في سفر الخلود ثورة .. يترحم لها القادمون على شهدائكم .. ويكبرون بها مسعاكم .. وتضجّ لها مساجد الدنيا بالتكبير .. ثورة يبردُ لها رفات الأمواتِ في أرضكم .. وتعودُ من أجلها الطيورُ المهاجرة .. وتطلبون بها الثأرَ ممن ظلمكم .. ثورة تبترون بها اليد التي تساهم في تضييق أرزاقكم لتتبعوها .. وتقطعون بها الوتينَ الذي يتاجرُ بعداء إسرائيل وهو لم يَنلها برصاصة .. أراضيكم كلُّها شام .. وما لرقاعٍ من أرض الله فخرٌ أثيلٌ بمجد الإسلام كفخركم .. رسول الله زار أرضكم .. وما زار العراق ولا مصر ولا اليمن .. ولكم في قلوب العالمين مقامٌ عليٌّ ومؤتمن .. وكثير من الصحابة دخلوا الشام منهم: أبو عبيدة، وسعيد بن زيد، ومؤذن رسول الله بلال، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وعبادة بن الصامت، وسيف الله: خالد بن الوليد، وابن عم رسول الله: الفضل بن عباس .. قال الوليد بن مسلم: "دخلت الشامَ عشرةُ آلاف عينٍ رأت رسول الله ﷺ ". ومئات الكتب التي نقرؤها ابتدأت سطورها في دواوينكم .. الطبراني وابن عساكر .. وابن الصلاح والذهبي .. والنووي وابن كثير .. وابن رجب وابن القيم .. والمزّي وابن قدامة .. وسواهم كثير .. درّسوا بحلقاتكم .. وكتبوا بمدادكم .. وتنفّسوا هواكم .. ولولا دمشق ما كانوا وما كانت الأندلس .. ولا زهت ببني العباس بغداد .. ولا كانت فتوح الإسلام العظام .. ١٠ - وفي ارتباط أرضِ الشام بالحرية وبعثِ العزم يقول العالمُ ابن تيمية: "ثبت للشام وأهله مناقب بالكتاب والسنة وآثار العلماء .. وهي أحد ما اعتمدته في تحضيضي المسلمينَ على غزو التتار .. وأمري لهم بلزوم دمشق .. ونهيي لهم عن الفرار". والطنطاويُّ الخبير بها وبأهلها يقول: "وأهل الشام كالماء .. لهم في الرضا رقته وسيلانه .. وفي الغضب شدّته وطغيانه .. بل ربما كان لهم من البركان فورانه وثورانه". ونزار القباني يفخرُ بدمشقَ وهو لا ينفكّ عن حزنهِ فيقول: يا دمشقُ البسي دموعي سوارًا وتمنّيْ فكلُّ شيء يهونُ وضعي طَرحَةَ العروس لأجلي إنَّ مَهْرَ المُناضلات ثمينُ رضيَ اللهُ والرسولُ عن الشام فنصرٌ آتٍ وفتحٌ مبينُ استردّت أيامَها بكِ بدرٌ واستعادت شبابَها حطينُ بك عَزّتْ قريشُ بعد هوان وتلاقتْ قبائلٌ وبطونُ صَدَقَ السيفُ وعدََهُ يا بلادي فالسياساتُ كلُّها أَفيُونُ صدق السيفُ حاكمًا وحكيمًا وحدَه السيفُ يا دمشقُ اليقينُ علّمينا فقهَ العروبةِ يا شامُ فأنتِ البيانُ والتبيينُ علّمينا الأفعالَ قد ذَبَحَتْنا أحرفُ الجرّ والكلام العجينُ علّمينا قراءةَ البرق والرعد فنصفُ اللغاتِ وحلٌ وطينُ أوقدي النارَ فالحديثُ طويلٌ وطويلٌ لمن نحبُّ الحنينُ واركبي الشمسَ يا دمشقُ حصانًا ولك اللهُ حارسٌ وأمينُ ومرّت الأيامُ .. ومضى الرفاقُ الثلاثة .. وبقيت الشامُ .. تنقل صورَها الشاشاتُ .. وتتابع ثورتَها الأقلام .. وعشاقٌ بعيدون هناك في كل أنحاء العالم يردّون صدى الصوتِ الذي ينادي برفعِ الظلم .. ويحرّكون أقدامهم في دروبِ الحريّة .. يعتقدون أن ليس ثمَّ بلدٌ أولى بالثورة من بلادهم .. ويمدون أيديهم نحو السماء يصيحون: يا ربّ .. يا ربّ .. يا ربّ .. ومطعمهم ثمارُ الشام .. ومشربهم مياهُ الشام .. وملبسهم غرامُ الشام .. وغُذّوا بالشام .. فعسى أن يُستجابَ لهم ..

стр. 173

رسالة من رابطة علماء المسلمين إلى الشعب التونسي رابطة علماء المسلمين السبت٢٩شعبان١٤٣٢هـ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء خاتم المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .. أما بعد: فإن رابطة علماء المسلمين تهنئ شعبنا المسلم في تونس بحلول شهر رمضان المبارك، ونسأل الله -تعالى- أن يكون هذا الشهر العظيم فرصة كبيرة لتجديد الدين في أرض الزيتونة والقيروان، وقد سرنا كثيراً عودة الناس إلى المساجد واعتزازهم بعقيدتهم وهويتهم بعد سقوط نظام الرئيس المخلوع، وسرنا عودة المدارس والكتاتيب القرآنية، ونحوها من المظاهر التي تدل على أصالة الشعب التونسي، وسلامة فطرته. لكن التيار (اللائكي) الإقصائي الذي فرض قبضته الحديدية السياسية والفكرية على تونس لعدة عقود ساءته تلك الصحوة الشعبية، بعد أن تبين له أن ذلك النموذج الحداثي المعادي للدين الذي كان يتشدق به، قد ظهر بناؤه هزيلاً هشاً، وليست له جذور حقيقية في النسيج الاجتماعي التونسي، وإنما كان يستمد قوته وبقاءه من العصى الأمنية الغليظة التي فرضت خياراتها السياسة والفكرية بلغة القهر والاستبداد والقمع الشمولي. وصدق المولى - جل وعلا -: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: ١٧] وبالرغم من سقوط رأس النظام، إلا أن كثيراً من صناع المشروع العلماني وحماته لازالوا في دائرة القرار، ولهذا تعاملوا بتشنج وتوتر مع الواقع الجديد الذي فرضته الثورة، خشية أن تذهب مكتسباتهم السابقة أدراج الرياح، فسعوا لخطف ثمرات الثورة المباركة بوسائل متعددة، من أهمها: أولاً: استفزاز الشعب التونسي المسلم بالهجوم على ثوابت الشريعة الإسلامية، والاستهزاء بالمقدسات العقدية، من أجل خلخلة كيان المجتمع، وقطع طريقه نحو الكرامة والحرية. وفي هذا السياق موَّلت وزارة الثقافة من أموال الشعب إنتاج فيلم سينمائي يكفي ما حمله عنوانه من تطاول: (لا الله .. لا سيدي)، ذلك العنوان الذي تجاوز حدود الأدب واللياقة الأخلاقية في التطاول على الذات الإلهية، والترويج لثقافة الإلحاد، والتمرد على المقدسات، بحجة الحرية والإبداع. وتزامن مع ذلك جرأة غير مسبوقة من بعض الأكاديميين وبقايا اليسار لإنكار السنة المشرفة، والقدح في مقام النبوة، والتطاول على أم المؤمنين عائشة الصديقة ﵂، وعلى الصحابة الكرام ﵃، وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة، مثل تحريم الخمر، والدعوة إلى الشذوذ الجنسي، ونحوها. ثانياً: تشويه صورة الدعاة والمصلحين، وتقديم صورة نمطية جائرة تصفهم بالتشدد، وتسعى لإلصاق التهم الملفقة بهم دون حجة أو برهان، كتهمة قتل القسيس البولوني، والاعتداء على الكنيس اليهودي، ونحوها من الأحداث التي تبين فيها للخاص والعام كذب تلك الدعاوي، وحجم التحريض والتزوير الذي يتعرض له الدعاة الصادقون. من أجل ذلك كله فإننا نخاطب الشعب التونسي المسلم بمحبة وإشفاق، ونذكره بالأمور الآتية:

стр. 174

أولاً: إن التطاول على الذات الإلهية وعلى مقام النبي المصطفى ﷺ ، من أعظم الموبقات وقد توعد الله من يتجرأ على ذلك باللعنة والعذاب في الدنيا والآخرة، قال الله في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٥، ٦] ولدينا يقين بأن الله كتب على أولئك المتطاولين الذلة والصغار في الدنيا والآخرة- ان لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله - رغم محاولة بعض وسائل الإعلام تلميعهم وتزيين صورتهم أمام الرأي العام، وصدق المولى - جلَّ وعلا - إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] ثانياً: الحرية التي تتطلع لها الشعوب العربية ومنها الشعب التونسي المسلم هي الحرية المسؤولة التي تستنقذه من آسار القهر وقيود الاستبداد، وتراعي كرامة الأمة، وتقدر عقيدتها وهويتها وجذورها التاريخية. وليست الحرية التي تختزل في تحقيق أهداف مشبوهة تستهين بكرامة الشعب، وتناقض هويته، وتتطاول على عقيدته، وتجرحه في أعز ما يؤمن به، ثم تستقوي بالأجنبي لفرضها بالقوة؛ والأمة لن تقبل بذلك النمط من الحرية، و (لن تنحي يدها) مطلقاً عن الدفاع عن نبيها ﷺ وعن صحابته الكرام ﵃ أجمعين-، بل يجب أن يتنحى أولئك القوم المحادون لله ورسوله عن المقدسات والثوابت، ويدركوا أن الشعب التونسي الأبي لن يرضى الدنيَّة في دينه بعد اليوم. ثالثاً: من حق الشعب التونسي المسلم أن يغضب لله - تعالى -، وأن يغار على دينه، وأن يذب عن مقدساته، ويصون حرماته، امتثالاً لقول الحق - تبارك تعالى -: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. وقوله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. وغضب الشعب التونسي بكافة شرائحه الاجتماعية إزاء تلك الانتهاكات الصارخة دليل بيِّن على جذوره الإسلامية العميقة التي لم تغيبها عقود العلمنة والتغريب، وقد سرنا أن عموم الشعب وخاصة الشباب ممَّن لا تظهر على بعضهم سيما التدين تمعرت وجوهم غضباً لله - تعالى-، وغيرة على نبيه المصطفى ﷺ ، وهذا يؤكد أن الذب عن الدين ليس مهمة العلماء أو أئمة المساجد فحسب؛ بل هو مسؤولية عظيمة في رقاب جميع المسلمين (رجالا ونساء) ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ونؤكد ها هنا أن مواجهة الاعتداء على حرمات الأمة ليست مسؤولية الشعب التونسي وحده، وإنما هي مسؤولية جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ممن يواجهون المد العلماني في كل البلاد التي قامت بها الثورات الشعبية وغيرها من بلاد المسلمين، والسعيد كل السعادة من يستعمله الله - تعالى - في طاعته وينصر به الدين. رابعاً: من واجب وزارة الشؤون الدينية في تونس أن تنزع لباس السليبة واللامبالاة، وتمارس مسؤولياتها الشرعية بجد، وتقف مع الشعب في صف واحد ضد من يسعى لتسفيهه، والاستهانة به، وتحطيم مقدساته والتطاول على حرماته.

стр. 175

خامساً: نحسب أن الشعب التونسي الغيور على دينه قادر بعون الله - تعالى - على أن يقدم أنموذجاً راقياً في الاحتجاج السلمي، والإنكار بحكمة وروية، والتعبير عن رأيه بهدوء وتوازن، مترفعاً عن اللجاج واللغط وسفساف الأمور، ونائياً بخطابه الإسلامي وبرامجه الدعوية عن المناكفات الحزبية والصراعات الشخصية، فمقدسات الأمة أجلّ من ذلك كله وأسمى، وينبغي أن يظل الشعب التونسي المسلم معتصماً بقول الحق - جلَّ شأنه -: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقوله ﵎ ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]. كما نحسب أن الشعب التونسي المسلم يدرك أبعاد ومرامي تلك الفقاعات الإعلامية المصطنعة، ولذا فهي دعوة لضبط النفس، والتحكم بردود الأفعال، وأن يكون واعيا لمحاولات الاستدراج التي تتقصد استفزاز الشباب ودفعه إلى العنف وإسقاطه في شَرَك الفوضى والاحتراب الداخلي؛ من أجل أن يكون ذلك مسوغاً أمام الرأي العام المحلي والدولي للتراجع عن استحقاقات المرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد. ولاشك أن التشنج في المواقف، والتسرع في ردود الأفعال لن ينصر حقاً ولن يدفع باطلاً، بل قد يجر إلى مفاسد أعظم، والنظر في مآلات الأفعال والأقوال علامة من علامات الوعي والنضج؛ فالشريعة المطهرة جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، ولهذا نوصي الشباب وعامة الشعب بالرجوع إلى علمائهم الربانيين، والتشاور مع شيوخهم الثقات، والتواصل مع علماء الأمة والتعبير عن آرائهم برؤية شرعية ملتزمة هدي الكتاب والسنة. سادساً: نوصي إخواننا في تونس من جميع الاتجاهات الإسلامية بتقوى الله والاعتصام بحبله المتين، والسعي الحثيث لتحقيق أكبر قدر ممكن من التعاون والتكامل، وإحياء فقه النصيحة والتواصي بالحق، والبعد عن الاختلاف والتنازع والتشرذم، امتثالاً لقول الحق - جل وعلا -: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] , وقول النبي ﷺ : ((إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)) متفق عليه , وقال ابن مسعود ﵁: «الخلاف شر» رواه البخاري فالمرحلة التاريخية التي تمر بها البلاد تتطلب صدقاً مع الله - تعالى -، وتجرداً من الأهواء، وأفقاً واسعاً يتجاوز المكاسب الحزبية والتطلعات الشخصية؛ فالمعركة التي حمي وطيسها لا تستهدف فصيلاً أو تياراً بعينه، وإنما تستهدف الإسلام نفسه، وها أنتم ترون كيف تواطأت الاتجاهات اللائكية في الداخل والخارج لتحقيق ذلك، فعليكم بالاجتماع والائتلاف وإياكم والفرقة والاختلاف. سابعا: لن يحل مشكلات الأمة إلا بالسعي الجاد الحكيم لتحكيم كتاب الله وسنة رسوله وتطبيق شرعه وفق منهج أهل السنة والجماعة، وذلك بروية وحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. أخيراً: نذكر إخواننا في تونس المسلمة ونحن في مطلع هذا الشهر الكريم بضرورة الأوبة الصادقة إلى دين الله، والمسارعة إلى التطهر من أدران الذنوب كبيرها وصغيرها، واستثمار هذه الأيام المباركة بتطهير النفوس من رين المعاصي ورجس الآثام. ونوصي إخواننا الأئمة والدعاة باغتنام إقبال الناس على الطاعات وتذكيرهم بالله والرفق بهم، واللين في دعوتهم، وسعة الصدر في تصحيح أحوالهم، وقد كان النبي ﷺ يوصي أصحابه باليسر والسماحة في تبليغ الدين، ولما بعث النبي ﷺ معاذاً وأبا موسى ﵄ أوصاهما قائلاً: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)) رواه مسلم، وكما وصف النبي ﷺ نفسه الزكية بقوله: ((إن الله لم يبعثني معنفاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً)) رواه مسلم. نسأل الله - تعالى - أن يجعل لأشقائنا في تونس الحبيبة نصيباً وافراً من التزام هدي النبي ﷺ ، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر هذا الدين، وأن يرد عن أهله شر الأشرار وكيد الفجار. وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم رابطة علماء المسلمين الخميس ٢٧/شعبان/١٤٣٢هـ الموقعون: الأمين الحاج محمد أحمد رئيس الرابطة، السودان د. عبدالرحمن المحمود، نائب رئيس الرابطة، السعودية محمد سيديا (النووي)، نائب رئيس الرابطة، موريتانيا أ. د ناصر بن سليمان العمر، أمين عام الرابطة، السعودية د. عبد العزيز التركي، مساعد أمين الرابطة، السعودية د. عبدالمحسن زبن المطيري، مساعد أمين الرابطة، الكويت

стр. 176

حمى الضنك الفكري بدر بن سليمان العامر الخميس ٢٧شعبان١٤٣٢هـ قد لا يصدق أولئك الآباء المبتعدون عن واقع الشباب وخاصة في عالمهم الافتراضي أي مرحلة فكرية وصل إليها أبناؤهم، ربما لا يدري أحدهم أن ولده الذي إذا رآه خارجا إلى الصلاة مشى معه إلى المسجد، يصلي ويركع ويقرأ القرآن، ولكنه في نفس الوقت يدخل عالم النت ليعلن أنه يتبع مذهب "اللا أدرية"، أو مذهب "الشكاك"، أو مذهب "الإلحاد الصريح"، فكم رأينا شبابا من أبناء هذه البلاد، يتسمون بمحمد، وعلي، وسعود، وعبد الله وهم في حقيقتهم أصبحوا لقمة سائغة لدعاة الإلحاد، والانقلاب على الدين وأهله، يتحدثون في قضايا أفنى العلماء أوقاتهم في جدالها من قضايا الفلسفة وأفكارها ومناهجها، فتجد من لحن كلامهم، ومن تغريداتهم، ومقالاتهم التي يكتبون ضنكا فكريا يحيطهم من كل جانب، وشكاً في مسلمات الدين والعقيدة، وإنكاراً للخالق ، وسبب ذلك فكرة تمر على البال ينفخ فيها الشيطان، أو شبهة يقرؤها في ميادين الإلحاد التي تحاول خلخلة الإيمان، وزرع الشك والريبة في عقول أبناء المسلمين. إن قضية الإلحاد ليست قضية فكرية مجردة عن سياق الشخص الاجتماعي، بل هي حركة "نفاق" جديدة، يتعاطى الشاب مع محيطه الذي يعيش فيه على أنه مسلم، يتصرف بتصرفات المسلمين، ويسير على سلوكهم وطريقتهم، بينما يحمل في طياته حقدا وغلا على دينهم ونسقهم وثقافتهم، يتظاهر أمامهم بالديانة وهو في حقيقته يحمل فكرة تتجاوز نطاق الأديان كلها، حين ينكر الخالق وسر الخليقة، ويبشر بالأفكار العدمية التي تنزع أي قيمة للحياة، فتسلب من الشخص الطمأنينة النفسية، والاتساق الاجتماعي، والولاء للجماعة، قد انشغل فكره في الأسئلة الكبرى التي لم يستطع أن يجد لها جوابا، وقد ألهاه هذا كله عن بناء ذاته ومستقبله، ولربما أدى به هذا إلى ممارسة كل سلوك بلا ضوابط أخلاقية أو دينية أو اجتماعية بسبب المفاصلة بينه وبين كل هذا. إن التساؤل حول القضايا الكبرى أمر يقع لأي إنسان، بل إن دفعه سماه النبي ﷺ صريح الإيمان، فإن الشيطان يأتي للإنسان المسلم فيسأله من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول: من خلق الله، فحين اشتكى الصحابة إلى النبي ﷺ ذلك، قال: أوجدتم هذا؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان، كما جاء في صحيح البخاري، أي أن دفعكم لهذا الوسواس الشيطاني هو صريح الإيمان، فإن علق بذهن الفرد سؤال حول الإيمان والخلق والوجود، فإنه يتوجه إلى العارفين بالأمور، الذين كتبوا وألفوا ليستفيد منهم، وهذا أمر لا شيء فيه، إنما الإشكالية حين يتبنى الشباب هذه الأفكار باعتبارها مذاهب يدعون لها، وينافحون عنها، ويجادلون حولها عبر معرفات مجهولة كثيرة، ومعروفة قليلة، بل انتقل هذا إلى نقاش مجالس تقام حوله الحوارات الطويلة، وهذا أمر خطير على الديانة والمجتمع ومستقبل البلد وأمنه. إن جزءا مهما من توجه الشباب إلى مثل هذه الأفكار هو الضعف الشديد في طبيعة الخطاب الديني الذي ينصرف عن مناقشة هذه القضايا من خلال الأدلة العقلية والعلمية والنقلية، والذي يدلل على قضايا الإيمان من خلال توافق النص الديني مع القضايا العقلية القطعية، وبيان العلاقة بين الدين والعلم باعتبارها علاقة اتساق وتكامل، وتجلية خطاب القرآن على أنه خطاب يخاطب العقل كما يخاطب العاطفة، وأن مسائله الكبرى قد قامت على الإقناع العقلي، وليست هي قضايا تسليمية بلا برهان، فالقرآن مليء جدا بالحوارات العقلية التي أقنعت المخاطبين بتوافقه مع مقررات العقل البشري، والتي توصل إلى حقيقة سر الوجود، وعظمة الخالق، وترسيخ الإيمان في النفوس.

стр. 177

إن طغيان الخطاب الوعظي وغياب الخطاب العقلي الذي يركز على "دلائل النبوة" العقلية، أدى إلى تسطيح الخطاب الديني، الأمر الذي لا يتوافق مع العقلية الشبابية الجديدة، والتي انفتحت على مختلف الثقافات والأفكار، وأسهمت التقنية الحديثة في الوصول إلى الأفكار المحظورة، وهذا الواقع الجديد يحتاج إلى تجديد الخطاب، والقراءة في السنن الكونية، والكشوف العلمية، وترقية الأسلوب الشفاهي والخطاب الدعوي ليكون متوافقا مع مرحلة الحياة البشرية، وهو جزء من حركة التجديد الذي تحتاجه الشريعة بناء على متغيرات الزمان والمكان. إننا لو قارنا الخطاب الديني والذي يحضر من خلال القنوات الفضائية، أو من خلال ما تقذف به المكتبات من إصدارات مع الخطاب الوعظي سنلحظ بلا شك طغيان الخطاب البسيط على الخطاب المقنع، والذي يخاطب عقل الإنسان ووجدانه فيرسخ فيه معالم الإيمان، ويحفظ عليه دينه واستقراره، مع وجود محاولات جيدة على قلتها تعتني بكشف شبهات الإلحاد، وإقناع العقول بصحة مقررات الشريعة، وإثبات الخالق للكون من خلال الأدلة العقلية، ومع ذلك هناك ندرة في الدراسات الجادة حول هذه القضايا وخاصة الرسائل العلمية التي تخرج من الأقسام الشريعة والتي عليها مسؤولية كبيرة في الاهتمام بهذا الجانب الخطير والكبير. إن هذا الواقع الجديد، والذي يترحل ليصبح ظاهرة يحتاج إلى إعادة النظر في مناهجنا العلمية، سواء الرسمية أو الدروس التي تعقد في المساجد والمحاضرات العامة، فالمسؤولية تقتضي أن نعرض الإسلام والإيمان على أنه قادر على حل مشكلات الفكر الإنساني، وقد كان العلماء المسلمون في التاريخ يهتمون بهذه القضايا حتى برز أئمة كبار كالغزالي وابن تيمية وابن رشد وغيرهم من بعض المهتمين من المعاصرين ممن دحض وأسس وناقش وقعد القواعد، ولكنها جهود لا تكفي بسبب تطور مسالك العلوم، واكتشاف الكشوفات الجديدة والتي تحتاج إلى عقلية اجتهادية جديدة، تصوغ قيم الإيمان بقوالب تتوافق مع طبيعة العقول المعاصرة. إن المحزن حين ينشغل الكثير بصراعات هامشية، يتقاتلون على مسائل لا تنصر حقا ولا تخذل باطلا، تبذل جهود كبيرة بالليل والنهار على قضايا لا يعرفها إلا خاصة الخاصة من أهل العلم، وتنشغل العقول وتغرق بمناقشة قضايا خلافية أو ظنية دائرة بين راجح ومرجوح، وتهلك همم الشباب وتشغل بأمور لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بينما تتقاصر عقول هؤلاء عن مناقشة مثل هذه القضايا الكبرى التي تمس أصل الديانة والإيمان، وتمس أس الحياة الاجتماعية، والضحية في نهاية المطاف هم أبناؤنا الذين صنعنا منهم لقمة سائغة لكل مغرض يريد أن ينقلهم عن درب الهداية والدين إلى درب الضنك والضلال والإلحاد والريبة بسبب الإعراض عن مرادات الله ورسوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]

стр. 178

وجوه سلفية لطف الله خوجه ٢٣شعبان١٤٣٢هـ التنوير هدف التنوير: النهوض بالأمة. وسيلتاه: إبطال الاستبداد، وجمع الأمة. فالعائق أمام الهدف: - الاستبداد السياسي؛ بمعنى التفرد بالحكم وتوارثه، ينتج ضعف الأداء السياسي، وتقديم مطامح النخبة على مصالح الأمة. - تفرق الأمة سنة وشيعة وغير ذلك، يدخل الأمة في متاهات التناحر والضعف واستغلال القوى الغربية. العلاج: إزالة العائقين. بطريق: - نشر الديقراطية؛ القاضية على الحكم الفردي الوراثي، المانعة من الاستبداد وتوابعه، التي ترجع إلى الأمة دورها في اختيار الحاكم وأسلوب الحكم. - إضعاف المؤسسة الدينية؛ لدورها في ترسيخ الاستبداد السياسي، بفتاواها المرسخة لطاعة ولي الأمر ومنع مخالفته أو الخروج عليه، بأي نوع ولو بالمظاهرة السلمية. ودورها في إضعاف الأمة بموقفها السلبي من الفرق الإسلامية، بإخراجها من حضن الأمة بدعوى التبديع. كل ما سبق من: هدف، ووسيلة وعلاج. يندرج ويجتمع تحت مفهوم واحد هو: الحرية. نهوض الأمة وإبطال الاستبداد وجمع الأمة كل ذلك يتحقق من طريق الحرية. أساس المشكلة الجمعية هو: الاضطهاد للمعتقد، وللرأي. والاضطهاد يقع في صورة: التدخل في النيات، والتفتيش في القلوب، والحكم بالضلالة والتبديع، وتكميم الأفواه، والحبس وتوابعه. كلها تعالج بالحرية. في التنوير مفاهيم أساسية: الحرية، النهضة، الامة الواحدة، الديقراطية، منع الاستبداد السياسي والديني. في تقويم فكرة التنوير نرى التنوع؟. فالهدف النهضوي متفق عليه؛ فلا يوجد على الأرض معارض لنهضة الأمة إلا معادي. واعتبار الاستبداد السياسي والتفرق الديني عائقا أمام الهدف، غير متفق عليه بإطلاق؛ بل في صورة دون أخرى. متفق عليه إذا أدى ذلك فعليا إلى اضطهاد وتخلف، ليس إن لم يؤد إلى ذلك، وهو متصور. ذلك؛ لأن التاريخ احتوى على دول ذات حكم استبدادي فردي وراثي أورث نهضة حقيقية. وذات صبغة دينية واحدة - سنية أو غيرها - وكانت قوة عظمى نهضوية. ودول ديمقراطية لم تحقق إلا الاضطهاد وتوابعه كالتخلف، كحال كثير من الديقراطيات الحديثة، وأخرى فردية استبدادية، ذات توجه فكري أوحد، احتلت مركزا في القوى المتقدمة العظمى. إذن ليس التخلف والاضطهاد مع الحكم الفردي أو المذهبي الواحد كقاعدة مضطردة. وعليه فيسقط ما فرضه التنويري عائقا مطلقا (= الاستبداد السياسي، الاختلاف الفرقي) نعم لو فرضه في حال دون حال فقد صدق. لو أخذنا الوجه المتفق عليه؛ في حال حكم استبدادي وفرقة فرقية كانت سببا مؤكدا ثابتا في عرقلة النهضة، وهو الوجه السلبي للحكم والتفرقة: كذلك، فالمعالجة التنويرية للعائقَيْن فيها نزاع وعدم اتفاق كلي. فأهل التنوير يطرحون الديمقراطية حلا أصيلا منسجما مع الشريعة، لا بل يؤكدون أن الإسلام دعا إليه، وأن طريقة تولي الخلفاء الراشدون للخلافة ما كانت إلا بطريق الانتخاب الديمقراطي. خطأ فاحش يضعف اليقين ويفقد الثقة بالمشروع التنويري كليا، وينظر إليه مشروعا تحريفيا لمبادئ الدين المنزل؛ إذ الفرق بين النظامين الإسلامي والديمقراطي من الظهور، بحيث يجعل منهما شرعة ومنهاجا مختلفين كليا، فكيف يتخطى التنويري هذا الظهور، فيزعم ألا اختلاف، إلا أن يظن في الآخرين نقصا في الفهم، وعاهة مانعة من التمييز، تتيح تمرير هذا التضليل الصريح؟.

стр. 179

ربما كان أحسن لمشروعه، أن يقر بما هو كالشمس في ظهوره من التباين ما بين المنهجين، وفي استعمال مبدأ: "الضرورة تبيح المحظورة". مندوحة عن ذلك التحريف. فقد أجاز علماء الإسلام الدخول في الديمقراطيات القائمة بإعمال هذا المبدأ واستندت إليه، وربما يجيزون حتى إنشاءها وابتداءها إذا لم يكن ثمة سبيل لردع الظالم إلا من طريقها، باستعمال مبدأ: "ارتكاب أدنى الضررين". كل هذه المخارج الشرعية غفل عنها التنويري، مصرا على شرعنة الديقراطية، لأحد سببين: - إما لأنه جاهل بالطرق الشرعية لحل المشكلات المعاصرة. - أو أن استغراقه في مشاريع التنوير، وإعجابه المتنامي لكل ما هو غربي، عطل عقله عن الرجوع إلى مصادر الشريعة، وأنساه قاعدة كبرى لا تغيب عن بال القرآني المهتدي بالنور الإلهي: أن من لم يحكم بما أنزل الله حكم بغيره، وهو كفر، والديمقراطية لا شك أنها ليس حكم الله، بل حكم الشعب. أما المشروع التنويري لإضعاف أو المؤسسة الدينية الرسمية أو المستقلة على حد سواء، فتلك الخطوة المستكرهة، والتنكر لأفضال من جعل للتنوريين قيمة ولو في نفوسهم. فهؤلاء التنورييون هم ذوو ماض وخلفية إسلامية لا تخفى، نشؤوا على أيدي العلماء، وبما عندهم من علم نالوا الفهم والإدراك، ومن دونهم ما كانت لهم همة في شيء يذكر، إلا أن يشاء الله، غير أنهم في كل الأحوال لم يدخلوا في الوعي بحال الأمة وأسباب الوهن والضعف وتسلط العدو إلا بالتلمذة على أيديهم بالعلوم الشرعية والدعوية والثقافية. وبعد أن قوي عودهم - أو هكذا ظنوا- ارتدوا على أساتذتهم بسوء الأدب، والطعن في صحة دينهم، واتهامهم بالممالئة للسلطان، وفي أقل أحوالهم أنهم مغفلون لا يدركون ما يدركه أهل التنوير من أمر الواقع. الخطأ في هذا، وسم جميع العلماء بوسم واحد، والغفلة التامة عما لكثير منهم من أدوار حية في معالجة القضايا العامة، منها المعلن، ومنها غير المعلن. والخطأ في هذا، مطالبة كل عالم بعينه أن يكون مثالا للتضحية والإنكار العلني في القضايا التي يحددها أهل التنوير خاصة، وإلا فهو وغيره من أسباب تردي الأمة!!. لا ينظرون إليهم من زاوية أخرى؛ زاوية الرأي الآخر، فربما يرى رأيا غير ما يراه أهل التنوير، اتسعت صدورهم لكل الآراء، حتى رأي الضالين والمغضوب عليهم إلا الذين أنعم الله عليهم. لهذه المشكلة حل يسير، هو: أن يعمل أهل التنوير في خدمة قضية التنوير دون همز أو لمز في مواقف الذين أفنوا أعمارهم في تعلم علوم الشريعة وتعليمها، ويكونوا كأحد الأعلام الذي قال كلمة أخذ ماءها من حكمة إلهية: "نعذر العلماء إذا قصروا في معرفة أمور الواقع، والأمة بعضها يكمل بعضا". هذا كلام من يفهم مكانة العلماء، ويقدر شيبتهم في الإسلام على القرآن والسنة، لا يغالي فيهم، ولا ينفي حقهم ومكانتهم، تكلم به مدركا أحوال الأمة وما تحتاجه للنهضة، علم أن من ذلك: عدم إهدار جهود ومكانة أساتذة الدين. تكلم به، وأكثر هؤلاء التنوريين لم يناهزوا الحلم إلا توّاً؟!. أما صنيع التنويري فهو مستكره، يريد إسقاط من يحمل القرآن والسنة بفهم السلف رأسا، كهول التنوير يقصد ذلك قصدا، والشباب منهم لا يدركون جناية ما يمارسون، حماستهم اللاواعية تقودهم بغرور وعمى إلا قليلا منهم، لم يصطبغوا بصبغة التنوير كليا.

стр. 180

من الأمور التي يستعملها أهل التنوير لإسقاط العلماء، اتهامهم بممالئة السلطة، والذي لا ريب في أن مواقف العلماء من السلطة متنوعة مختلفة، لا يصح جمعهم في بوتقة واحدة، غير أن أكثرهم لهم رأي في طريقة التغيير والإصلاح، لا يتفق في مجملها مع طريقة التنوريين، الذين ينطلقون من غير ضوابط واضحة، سوى مجرد التغيير، فهم يؤيدون تغيير السلطة دون دراسة العواقب والنتائج، بل ويفرضون نتائج إيجابية ابتداء عن طريق التخمين والظن لا أكثر، وهذا بدا جليا في تناولهم للثورات العربية، والأيام تكشف أن كل عملية تغيير غير محسوبة، تحمل معها آثارا أسوأ مما كان، فبحسب تاريخ الثورات، لم تأت ثورة بالجديد الأحسن، إنما الأسوأ، فهل ستكون الثورات العربية استثناءا في التاريخ؟. مضى حتى اليوم أكثر من نصف عام لم تحقق ثورة أهدافها مع تعاظم التضحيات ودخول بعضها في حرب أهلية طاحنة، هذه النتائج تثبت حدس العلماء. لا يلزم عن الموقف الرافض لتغيير السلطة عن طريق المظاهرات، ممالئة ووقوفا كاملا مع السلطة، كما لا يلزم عن الموافقة نفاق أو تلاعب بالدين، ويمكن أن يفسر في نطاق الاجتهاد المحض، لكن التنويري يضيق باجتهادات العلماء الذين تعلم على أيديهم، ولا يضيق بالمخالف للسنة أو الملة. هذا، وإن وجود ممالئين باعوا دينهم بعرض من الدنيا حقيقة لا ينكرها أحد، لكن الحذر من تهمة أحد بشخصه أو تعميمه على الجميع. الإصلاح هم لازم لكل مخلص صادق، ليس التنويري وحده، حيث إن كثيرا من الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والدينية، تعتورها آفات لا يصح السكوت عنها، والساكت عن الحق شيطان أخرس، لكن الطريق ليس بالإسقاط الكلي للآخر فيما تميز به من موقف، كلا، بل هذا يستفاد منه في تأصيلاته، وهذا في مبادراته، وهكذا تجتمع القلوب والجهود. الخطأ في مبدأ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩] كما هو في قوم ليست لديهم أية مبادرة ولا شيء من التأصيل، سوى الرصد والنقد للعلماء. قضية أخرى من مبررات الإسقاط: موقف العلماء - خاصة منهم أساتذة العقيدة - من جنوح الفرق كالشيعة، بالتحذير من تقارب يلغي الهوية السنية، ويوقع تحت الهيمنة الشيعية، فالفروق العقدية الأصلية راسخة بيّنة، فلا اجتماع حقيقي إلا بتحول كلي تجاه الآخر. هذا الموقف الراسخ لم يرق للتنوريين، ولا يزال الجميع يذكر المناوشات حول التحليل العقدي، إبان بداية ثورة حزب الله في لبنان في ٢٠٠٦، فقد مارس التنويري تهكما وسخرية بالعقدي وتحليلاته للخلاف الشيعي السني، ثم ما لبثت الأيام كشفا عن صحة رأي العقدي في الشيعة وحزب الله، عام واحد فحسب كان كفيلا، لكن ذلك لم يردع التنويري - بعضهم تنبه لهذا - فراح يزيد ويمعن في العناد، وهو في زيادة من هذا منذ بدا، حتى كان هذا العام؛ حيث تعرضت بعض دول الخليج لتهديد حقيقي من رعاياها من الشيعة، خطر لم يسع الليبرالي والسياسي إلا أن يقر به ويسعى في كفه، وهو أبعد ما يكون عن طريقة التحليل العقدي، غير أن التنويري إما ساكت، والسكوت في هذا الحال انحياز، أو يتكلم بالمنطق ذاته الذي درج عليه .. لم يعتبر مما كان!!. صحة موقف العلماء وأهل الاختصاص العقدي في هذا كان ينبغي - أدبا - أن يسجل ويقر به، لكن ذلك لم يتلطف به تنويري؟!!. أخيرا: فإن مما يوقف على جنوح طريقة التنوير، المظاهرة الواضحة منهم لأطروحات الليبراليين، في قضايا الحريات الفكرية والثقافية، والمرأة، والفرق المخالفة، بل يكاد التوافق بينهم يأخد مداه البعيد، حتى إنك لتعجز عن التفريق بينهم في ألسنتهم ومنطقهم، حتى لتقول: سبحان ربي!، هذه وجوه سلفية، بثياب ليبرالية، تزعم أنها تنويرية إصلاحية.
следующие страницы →