← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حمى الضنك الفكري بدر بن سليمان العامر الخميس ٢٧شعبان١٤٣٢هـ قد لا يصدق أولئك الآباء المبتعدون عن واقع الشباب وخاصة في عالمهم الافتراضي أي مرحلة فكرية وصل إليها أبناؤهم، ربما لا يدري أحدهم أن ولده الذي إذا رآه خارجا إلى الصلاة مشى معه إلى المسجد، يصلي ويركع ويقرأ القرآن، ولكنه في نفس الوقت يدخل عالم النت ليعلن أنه يتبع مذهب "اللا أدرية"، أو مذهب "الشكاك"، أو مذهب "الإلحاد الصريح"، فكم رأينا شبابا من أبناء هذه البلاد، يتسمون بمحمد، وعلي، وسعود، وعبد الله وهم في حقيقتهم أصبحوا لقمة سائغة لدعاة الإلحاد، والانقلاب على الدين وأهله، يتحدثون في قضايا أفنى العلماء أوقاتهم في جدالها من قضايا الفلسفة وأفكارها ومناهجها، فتجد من لحن كلامهم، ومن تغريداتهم، ومقالاتهم التي يكتبون ضنكا فكريا يحيطهم من كل جانب، وشكاً في مسلمات الدين والعقيدة، وإنكاراً للخالق ، وسبب ذلك فكرة تمر على البال ينفخ فيها الشيطان، أو شبهة يقرؤها في ميادين الإلحاد التي تحاول خلخلة الإيمان، وزرع الشك والريبة في عقول أبناء المسلمين. إن قضية الإلحاد ليست قضية فكرية مجردة عن سياق الشخص الاجتماعي، بل هي حركة "نفاق" جديدة، يتعاطى الشاب مع محيطه الذي يعيش فيه على أنه مسلم، يتصرف بتصرفات المسلمين، ويسير على سلوكهم وطريقتهم، بينما يحمل في طياته حقدا وغلا على دينهم ونسقهم وثقافتهم، يتظاهر أمامهم بالديانة وهو في حقيقته يحمل فكرة تتجاوز نطاق الأديان كلها، حين ينكر الخالق وسر الخليقة، ويبشر بالأفكار العدمية التي تنزع أي قيمة للحياة، فتسلب من الشخص الطمأنينة النفسية، والاتساق الاجتماعي، والولاء للجماعة، قد انشغل فكره في الأسئلة الكبرى التي لم يستطع أن يجد لها جوابا، وقد ألهاه هذا كله عن بناء ذاته ومستقبله، ولربما أدى به هذا إلى ممارسة كل سلوك بلا ضوابط أخلاقية أو دينية أو اجتماعية بسبب المفاصلة بينه وبين كل هذا. إن التساؤل حول القضايا الكبرى أمر يقع لأي إنسان، بل إن دفعه سماه النبي ﷺ صريح الإيمان، فإن الشيطان يأتي للإنسان المسلم فيسأله من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول: من خلق الله، فحين اشتكى الصحابة إلى النبي ﷺ ذلك، قال: أوجدتم هذا؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان، كما جاء في صحيح البخاري، أي أن دفعكم لهذا الوسواس الشيطاني هو صريح الإيمان، فإن علق بذهن الفرد سؤال حول الإيمان والخلق والوجود، فإنه يتوجه إلى العارفين بالأمور، الذين كتبوا وألفوا ليستفيد منهم، وهذا أمر لا شيء فيه، إنما الإشكالية حين يتبنى الشباب هذه الأفكار باعتبارها مذاهب يدعون لها، وينافحون عنها، ويجادلون حولها عبر معرفات مجهولة كثيرة، ومعروفة قليلة، بل انتقل هذا إلى نقاش مجالس تقام حوله الحوارات الطويلة، وهذا أمر خطير على الديانة والمجتمع ومستقبل البلد وأمنه. إن جزءا مهما من توجه الشباب إلى مثل هذه الأفكار هو الضعف الشديد في طبيعة الخطاب الديني الذي ينصرف عن مناقشة هذه القضايا من خلال الأدلة العقلية والعلمية والنقلية، والذي يدلل على قضايا الإيمان من خلال توافق النص الديني مع القضايا العقلية القطعية، وبيان العلاقة بين الدين والعلم باعتبارها علاقة اتساق وتكامل، وتجلية خطاب القرآن على أنه خطاب يخاطب العقل كما يخاطب العاطفة، وأن مسائله الكبرى قد قامت على الإقناع العقلي، وليست هي قضايا تسليمية بلا برهان، فالقرآن مليء جدا بالحوارات العقلية التي أقنعت المخاطبين بتوافقه مع مقررات العقل البشري، والتي توصل إلى حقيقة سر الوجود، وعظمة الخالق، وترسيخ الإيمان في النفوس.

стр. 177

إن طغيان الخطاب الوعظي وغياب الخطاب العقلي الذي يركز على "دلائل النبوة" العقلية، أدى إلى تسطيح الخطاب الديني، الأمر الذي لا يتوافق مع العقلية الشبابية الجديدة، والتي انفتحت على مختلف الثقافات والأفكار، وأسهمت التقنية الحديثة في الوصول إلى الأفكار المحظورة، وهذا الواقع الجديد يحتاج إلى تجديد الخطاب، والقراءة في السنن الكونية، والكشوف العلمية، وترقية الأسلوب الشفاهي والخطاب الدعوي ليكون متوافقا مع مرحلة الحياة البشرية، وهو جزء من حركة التجديد الذي تحتاجه الشريعة بناء على متغيرات الزمان والمكان. إننا لو قارنا الخطاب الديني والذي يحضر من خلال القنوات الفضائية، أو من خلال ما تقذف به المكتبات من إصدارات مع الخطاب الوعظي سنلحظ بلا شك طغيان الخطاب البسيط على الخطاب المقنع، والذي يخاطب عقل الإنسان ووجدانه فيرسخ فيه معالم الإيمان، ويحفظ عليه دينه واستقراره، مع وجود محاولات جيدة على قلتها تعتني بكشف شبهات الإلحاد، وإقناع العقول بصحة مقررات الشريعة، وإثبات الخالق للكون من خلال الأدلة العقلية، ومع ذلك هناك ندرة في الدراسات الجادة حول هذه القضايا وخاصة الرسائل العلمية التي تخرج من الأقسام الشريعة والتي عليها مسؤولية كبيرة في الاهتمام بهذا الجانب الخطير والكبير. إن هذا الواقع الجديد، والذي يترحل ليصبح ظاهرة يحتاج إلى إعادة النظر في مناهجنا العلمية، سواء الرسمية أو الدروس التي تعقد في المساجد والمحاضرات العامة، فالمسؤولية تقتضي أن نعرض الإسلام والإيمان على أنه قادر على حل مشكلات الفكر الإنساني، وقد كان العلماء المسلمون في التاريخ يهتمون بهذه القضايا حتى برز أئمة كبار كالغزالي وابن تيمية وابن رشد وغيرهم من بعض المهتمين من المعاصرين ممن دحض وأسس وناقش وقعد القواعد، ولكنها جهود لا تكفي بسبب تطور مسالك العلوم، واكتشاف الكشوفات الجديدة والتي تحتاج إلى عقلية اجتهادية جديدة، تصوغ قيم الإيمان بقوالب تتوافق مع طبيعة العقول المعاصرة. إن المحزن حين ينشغل الكثير بصراعات هامشية، يتقاتلون على مسائل لا تنصر حقا ولا تخذل باطلا، تبذل جهود كبيرة بالليل والنهار على قضايا لا يعرفها إلا خاصة الخاصة من أهل العلم، وتنشغل العقول وتغرق بمناقشة قضايا خلافية أو ظنية دائرة بين راجح ومرجوح، وتهلك همم الشباب وتشغل بأمور لا ناقة لهم فيها ولا جمل، بينما تتقاصر عقول هؤلاء عن مناقشة مثل هذه القضايا الكبرى التي تمس أصل الديانة والإيمان، وتمس أس الحياة الاجتماعية، والضحية في نهاية المطاف هم أبناؤنا الذين صنعنا منهم لقمة سائغة لكل مغرض يريد أن ينقلهم عن درب الهداية والدين إلى درب الضنك والضلال والإلحاد والريبة بسبب الإعراض عن مرادات الله ورسوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]

стр. 178

وجوه سلفية لطف الله خوجه ٢٣شعبان١٤٣٢هـ التنوير هدف التنوير: النهوض بالأمة. وسيلتاه: إبطال الاستبداد، وجمع الأمة. فالعائق أمام الهدف: - الاستبداد السياسي؛ بمعنى التفرد بالحكم وتوارثه، ينتج ضعف الأداء السياسي، وتقديم مطامح النخبة على مصالح الأمة. - تفرق الأمة سنة وشيعة وغير ذلك، يدخل الأمة في متاهات التناحر والضعف واستغلال القوى الغربية. العلاج: إزالة العائقين. بطريق: - نشر الديقراطية؛ القاضية على الحكم الفردي الوراثي، المانعة من الاستبداد وتوابعه، التي ترجع إلى الأمة دورها في اختيار الحاكم وأسلوب الحكم. - إضعاف المؤسسة الدينية؛ لدورها في ترسيخ الاستبداد السياسي، بفتاواها المرسخة لطاعة ولي الأمر ومنع مخالفته أو الخروج عليه، بأي نوع ولو بالمظاهرة السلمية. ودورها في إضعاف الأمة بموقفها السلبي من الفرق الإسلامية، بإخراجها من حضن الأمة بدعوى التبديع. كل ما سبق من: هدف، ووسيلة وعلاج. يندرج ويجتمع تحت مفهوم واحد هو: الحرية. نهوض الأمة وإبطال الاستبداد وجمع الأمة كل ذلك يتحقق من طريق الحرية. أساس المشكلة الجمعية هو: الاضطهاد للمعتقد، وللرأي. والاضطهاد يقع في صورة: التدخل في النيات، والتفتيش في القلوب، والحكم بالضلالة والتبديع، وتكميم الأفواه، والحبس وتوابعه. كلها تعالج بالحرية. في التنوير مفاهيم أساسية: الحرية، النهضة، الامة الواحدة، الديقراطية، منع الاستبداد السياسي والديني. في تقويم فكرة التنوير نرى التنوع؟. فالهدف النهضوي متفق عليه؛ فلا يوجد على الأرض معارض لنهضة الأمة إلا معادي. واعتبار الاستبداد السياسي والتفرق الديني عائقا أمام الهدف، غير متفق عليه بإطلاق؛ بل في صورة دون أخرى. متفق عليه إذا أدى ذلك فعليا إلى اضطهاد وتخلف، ليس إن لم يؤد إلى ذلك، وهو متصور. ذلك؛ لأن التاريخ احتوى على دول ذات حكم استبدادي فردي وراثي أورث نهضة حقيقية. وذات صبغة دينية واحدة - سنية أو غيرها - وكانت قوة عظمى نهضوية. ودول ديمقراطية لم تحقق إلا الاضطهاد وتوابعه كالتخلف، كحال كثير من الديقراطيات الحديثة، وأخرى فردية استبدادية، ذات توجه فكري أوحد، احتلت مركزا في القوى المتقدمة العظمى. إذن ليس التخلف والاضطهاد مع الحكم الفردي أو المذهبي الواحد كقاعدة مضطردة. وعليه فيسقط ما فرضه التنويري عائقا مطلقا (= الاستبداد السياسي، الاختلاف الفرقي) نعم لو فرضه في حال دون حال فقد صدق. لو أخذنا الوجه المتفق عليه؛ في حال حكم استبدادي وفرقة فرقية كانت سببا مؤكدا ثابتا في عرقلة النهضة، وهو الوجه السلبي للحكم والتفرقة: كذلك، فالمعالجة التنويرية للعائقَيْن فيها نزاع وعدم اتفاق كلي. فأهل التنوير يطرحون الديمقراطية حلا أصيلا منسجما مع الشريعة، لا بل يؤكدون أن الإسلام دعا إليه، وأن طريقة تولي الخلفاء الراشدون للخلافة ما كانت إلا بطريق الانتخاب الديمقراطي. خطأ فاحش يضعف اليقين ويفقد الثقة بالمشروع التنويري كليا، وينظر إليه مشروعا تحريفيا لمبادئ الدين المنزل؛ إذ الفرق بين النظامين الإسلامي والديمقراطي من الظهور، بحيث يجعل منهما شرعة ومنهاجا مختلفين كليا، فكيف يتخطى التنويري هذا الظهور، فيزعم ألا اختلاف، إلا أن يظن في الآخرين نقصا في الفهم، وعاهة مانعة من التمييز، تتيح تمرير هذا التضليل الصريح؟.

стр. 179

ربما كان أحسن لمشروعه، أن يقر بما هو كالشمس في ظهوره من التباين ما بين المنهجين، وفي استعمال مبدأ: "الضرورة تبيح المحظورة". مندوحة عن ذلك التحريف. فقد أجاز علماء الإسلام الدخول في الديمقراطيات القائمة بإعمال هذا المبدأ واستندت إليه، وربما يجيزون حتى إنشاءها وابتداءها إذا لم يكن ثمة سبيل لردع الظالم إلا من طريقها، باستعمال مبدأ: "ارتكاب أدنى الضررين". كل هذه المخارج الشرعية غفل عنها التنويري، مصرا على شرعنة الديقراطية، لأحد سببين: - إما لأنه جاهل بالطرق الشرعية لحل المشكلات المعاصرة. - أو أن استغراقه في مشاريع التنوير، وإعجابه المتنامي لكل ما هو غربي، عطل عقله عن الرجوع إلى مصادر الشريعة، وأنساه قاعدة كبرى لا تغيب عن بال القرآني المهتدي بالنور الإلهي: أن من لم يحكم بما أنزل الله حكم بغيره، وهو كفر، والديمقراطية لا شك أنها ليس حكم الله، بل حكم الشعب. أما المشروع التنويري لإضعاف أو المؤسسة الدينية الرسمية أو المستقلة على حد سواء، فتلك الخطوة المستكرهة، والتنكر لأفضال من جعل للتنوريين قيمة ولو في نفوسهم. فهؤلاء التنورييون هم ذوو ماض وخلفية إسلامية لا تخفى، نشؤوا على أيدي العلماء، وبما عندهم من علم نالوا الفهم والإدراك، ومن دونهم ما كانت لهم همة في شيء يذكر، إلا أن يشاء الله، غير أنهم في كل الأحوال لم يدخلوا في الوعي بحال الأمة وأسباب الوهن والضعف وتسلط العدو إلا بالتلمذة على أيديهم بالعلوم الشرعية والدعوية والثقافية. وبعد أن قوي عودهم - أو هكذا ظنوا- ارتدوا على أساتذتهم بسوء الأدب، والطعن في صحة دينهم، واتهامهم بالممالئة للسلطان، وفي أقل أحوالهم أنهم مغفلون لا يدركون ما يدركه أهل التنوير من أمر الواقع. الخطأ في هذا، وسم جميع العلماء بوسم واحد، والغفلة التامة عما لكثير منهم من أدوار حية في معالجة القضايا العامة، منها المعلن، ومنها غير المعلن. والخطأ في هذا، مطالبة كل عالم بعينه أن يكون مثالا للتضحية والإنكار العلني في القضايا التي يحددها أهل التنوير خاصة، وإلا فهو وغيره من أسباب تردي الأمة!!. لا ينظرون إليهم من زاوية أخرى؛ زاوية الرأي الآخر، فربما يرى رأيا غير ما يراه أهل التنوير، اتسعت صدورهم لكل الآراء، حتى رأي الضالين والمغضوب عليهم إلا الذين أنعم الله عليهم. لهذه المشكلة حل يسير، هو: أن يعمل أهل التنوير في خدمة قضية التنوير دون همز أو لمز في مواقف الذين أفنوا أعمارهم في تعلم علوم الشريعة وتعليمها، ويكونوا كأحد الأعلام الذي قال كلمة أخذ ماءها من حكمة إلهية: "نعذر العلماء إذا قصروا في معرفة أمور الواقع، والأمة بعضها يكمل بعضا". هذا كلام من يفهم مكانة العلماء، ويقدر شيبتهم في الإسلام على القرآن والسنة، لا يغالي فيهم، ولا ينفي حقهم ومكانتهم، تكلم به مدركا أحوال الأمة وما تحتاجه للنهضة، علم أن من ذلك: عدم إهدار جهود ومكانة أساتذة الدين. تكلم به، وأكثر هؤلاء التنوريين لم يناهزوا الحلم إلا توّاً؟!. أما صنيع التنويري فهو مستكره، يريد إسقاط من يحمل القرآن والسنة بفهم السلف رأسا، كهول التنوير يقصد ذلك قصدا، والشباب منهم لا يدركون جناية ما يمارسون، حماستهم اللاواعية تقودهم بغرور وعمى إلا قليلا منهم، لم يصطبغوا بصبغة التنوير كليا.

стр. 180

من الأمور التي يستعملها أهل التنوير لإسقاط العلماء، اتهامهم بممالئة السلطة، والذي لا ريب في أن مواقف العلماء من السلطة متنوعة مختلفة، لا يصح جمعهم في بوتقة واحدة، غير أن أكثرهم لهم رأي في طريقة التغيير والإصلاح، لا يتفق في مجملها مع طريقة التنوريين، الذين ينطلقون من غير ضوابط واضحة، سوى مجرد التغيير، فهم يؤيدون تغيير السلطة دون دراسة العواقب والنتائج، بل ويفرضون نتائج إيجابية ابتداء عن طريق التخمين والظن لا أكثر، وهذا بدا جليا في تناولهم للثورات العربية، والأيام تكشف أن كل عملية تغيير غير محسوبة، تحمل معها آثارا أسوأ مما كان، فبحسب تاريخ الثورات، لم تأت ثورة بالجديد الأحسن، إنما الأسوأ، فهل ستكون الثورات العربية استثناءا في التاريخ؟. مضى حتى اليوم أكثر من نصف عام لم تحقق ثورة أهدافها مع تعاظم التضحيات ودخول بعضها في حرب أهلية طاحنة، هذه النتائج تثبت حدس العلماء. لا يلزم عن الموقف الرافض لتغيير السلطة عن طريق المظاهرات، ممالئة ووقوفا كاملا مع السلطة، كما لا يلزم عن الموافقة نفاق أو تلاعب بالدين، ويمكن أن يفسر في نطاق الاجتهاد المحض، لكن التنويري يضيق باجتهادات العلماء الذين تعلم على أيديهم، ولا يضيق بالمخالف للسنة أو الملة. هذا، وإن وجود ممالئين باعوا دينهم بعرض من الدنيا حقيقة لا ينكرها أحد، لكن الحذر من تهمة أحد بشخصه أو تعميمه على الجميع. الإصلاح هم لازم لكل مخلص صادق، ليس التنويري وحده، حيث إن كثيرا من الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل والدينية، تعتورها آفات لا يصح السكوت عنها، والساكت عن الحق شيطان أخرس، لكن الطريق ليس بالإسقاط الكلي للآخر فيما تميز به من موقف، كلا، بل هذا يستفاد منه في تأصيلاته، وهذا في مبادراته، وهكذا تجتمع القلوب والجهود. الخطأ في مبدأ: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر: ٢٩] كما هو في قوم ليست لديهم أية مبادرة ولا شيء من التأصيل، سوى الرصد والنقد للعلماء. قضية أخرى من مبررات الإسقاط: موقف العلماء - خاصة منهم أساتذة العقيدة - من جنوح الفرق كالشيعة، بالتحذير من تقارب يلغي الهوية السنية، ويوقع تحت الهيمنة الشيعية، فالفروق العقدية الأصلية راسخة بيّنة، فلا اجتماع حقيقي إلا بتحول كلي تجاه الآخر. هذا الموقف الراسخ لم يرق للتنوريين، ولا يزال الجميع يذكر المناوشات حول التحليل العقدي، إبان بداية ثورة حزب الله في لبنان في ٢٠٠٦، فقد مارس التنويري تهكما وسخرية بالعقدي وتحليلاته للخلاف الشيعي السني، ثم ما لبثت الأيام كشفا عن صحة رأي العقدي في الشيعة وحزب الله، عام واحد فحسب كان كفيلا، لكن ذلك لم يردع التنويري - بعضهم تنبه لهذا - فراح يزيد ويمعن في العناد، وهو في زيادة من هذا منذ بدا، حتى كان هذا العام؛ حيث تعرضت بعض دول الخليج لتهديد حقيقي من رعاياها من الشيعة، خطر لم يسع الليبرالي والسياسي إلا أن يقر به ويسعى في كفه، وهو أبعد ما يكون عن طريقة التحليل العقدي، غير أن التنويري إما ساكت، والسكوت في هذا الحال انحياز، أو يتكلم بالمنطق ذاته الذي درج عليه .. لم يعتبر مما كان!!. صحة موقف العلماء وأهل الاختصاص العقدي في هذا كان ينبغي - أدبا - أن يسجل ويقر به، لكن ذلك لم يتلطف به تنويري؟!!. أخيرا: فإن مما يوقف على جنوح طريقة التنوير، المظاهرة الواضحة منهم لأطروحات الليبراليين، في قضايا الحريات الفكرية والثقافية، والمرأة، والفرق المخالفة، بل يكاد التوافق بينهم يأخد مداه البعيد، حتى إنك لتعجز عن التفريق بينهم في ألسنتهم ومنطقهم، حتى لتقول: سبحان ربي!، هذه وجوه سلفية، بثياب ليبرالية، تزعم أنها تنويرية إصلاحية.

стр. 181

البيان الثاني بشأن الأحداث في سوريا مجموعة من العلماء والدعاة الخميس ١٣ شعبان ١٤٣٢هـ الحمد لله والصلاة والسلام على إمام المرسلين وآله وصحبه الغر الميامين, أما بعد: فإن ما يتعرض له الشعب السوري على يد نظامه من التنكيل والإرهاب بالضرب والسجن والتعذيب والقتل والتمثيل بالأحياء والأموات، وإحراق المساجد والبيوت ونهب الأموال وانتهاك الأعراض، بل وقتل الجنود الذين يمتنعون عن قتل المدنيين الأبرياء .. كل ذلك بلا ذنب إلا أنهم طالبوا سلميا ببعض حقوقهم المشروعة من الحرية والكرامة ورفع المظالم. إن هذا لمن أعظم الظلم الذي يجب الجهر بإنكاره. قال الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]، وعن أبي ذر الغفاري ﵁، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربِه أنه قال: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... )) رواه مسلم، ومن أشنع وأقبح الإثم والعدوان الذي حرّم الله معاونة أهله، بل أوجب مقاومته ورفعه. قال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] وهو إجرام لم تعهده الشعوب من حكامها الظلمة، بل ولا من أعدائها المعتدين عليها. فكيف يسع أحداً السكوت على ذلك وقد حرّم الله ما دونه على نفسه وجعله بين الناس محرما!. وإننا إذ نجدد موقفنا السابق بإدانة هذا الإجرام والاعتداء على الشعب السوري من خلال البيان الذي صدر بتاريخ ٥/ ٥/١٤٣٢هـ ونؤكد على الأمور التالية: ١. إن النظام السوري الذي ركب متن حزب البعث ليخفي مرجعيته الباطنية، قد جمع بين كفر وحقد الباطنية والرافضة، وجرائم البعث. فهو فاقد للشرعية في دين الله وفي قوانين البشر. ٢. إن هذا الحزب الفاسد قد الحق الأذى بكل من لم يكن خادما تابعا له، حتى ولو كان من طائفته. فيجب عدم تعميم جريرة النظام على أبناء الطائفة. كما يجب فضح مَن يقف في صفوف هذا الحزب، مهما كان انتماؤه العرقي والديني. ٣. نؤكد على الطبيعة الدموية والإرهابية لهذا النظام منذ نشأته، ونذكر العالم بأن الجديد هو فضح هذا السلوك القمعي وتعريته أمام العالم في وسائل الإعلام الحديثة. ٤. الغرب الصليبي والنظام الرافضي الصفوي كلاهما يدعم النظام السوري ويحميه، ونحن نطالب دول الغرب والشرق أن تكفّ عن حماية هذا النظام المستبد المرفوض شعبيا، وأن تتذكر أن مصالحها هي مع الشعب السوري وليس مع النظام المستبد الزائل. ونذكر الأمة بأن النظام الرافضي الإيراني وأذنابه سيتخندقون مع النظام ضد الشعب. لأن علاقتهم به علاقة دين ومبدأ. ولن تتخلى إيران عن النظام السوري حتى يتخلى الغرب عن إسرائيل. ٥. إن قضية الشعب السوري قضية عادلة فهي منصورة بإذن الله وفق سنته ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] ولا يزال أمرهم في ظهور حتى يتم الله نعمته عليهم إذا صبروا وأحسنوا. أما النظام الطائفي فقد أعذر الله إليه وأمهله فبغى وأسرف، فهذا أوان هوانه بإذن الله ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج: ١٨]. ونحن على يقين أن أحدا لن ينقذه من بأس الله.

стр. 182

٦. وعليه فإننا ندعو جميع المترددين والمتفرجين داخل الوطن السوري وخارجه أن ينحازوا إلى الشعب السوري وينصروه فقد أقبل أمره واتّجه، وأن ينفضوا أيديهم من النظام الذي ولّى وأدبر، وهو ساقط من عين الله بما ظلم وكفر وأجرم، وعلى المترددين أن يعتبروا بأنظمة كانت دونه في الظلم كيف أذلهم الله. وشعوبٍ ليست أكثر شجاعة من الشعب السوري كيف انتزعوا حقوقهم. وانطلاقا مما سبق وتأسيسا عليه فإننا نتوجه بندائنا ومناشدتنا - نُصرَةً ونُصحاَ - إلى كل أطراف الشأن السوري. وإلى كل من يهمه أمر هذا الشعب فنقول: ١ - على علماء سوريا في الداخل والخارج مسئولية جسيمة في تأييد مطالب الشعب، وحماية ثورته من الانحراف أو سرقة الأهداف. ونناشد علماء السلطة السورية أن يتقوا الله في أنفسهم ويصدعوا بكلمة الحق. وألا يكونوا عونا للظالمين، فهم أعرف الناس بفساد نظامهم وكفره ومظالمه. ٢ - نذكّر الشعب السوري بأهمية الالتفاف حول المخلصين من العلماء والمصلحين. وأن يحذر كل الحذر من استغلال الأعداء لهذه الظروف في تحقيق أهدافه الفاسدة، فلن ينقذ بلاد الشام ويحفظها بعد الله إلا شعبها الصامد. وعلى القادرين من التجار وشيوخ العشائر أن يجاهدوا بأموالهم وجاههم في مصلحة الشعب. ٣ - إن الشعوب والهيئات ومؤسسات المجتمع المدني في كل بلد مدعوّة للوقوف مع الشعب السوري ماديا وإعلاميا وحقوقيا. والضغط على الحكومات لاتخاذ مواقف تعبر عنهم. ونعبّر عن عميق أسفنا ودهشتنا من غياب المنظمات والحكومات العربية والإسلامية وصمتها عن قول كلمة حق في أبشع مجزرة يرتكبها نظام معادٍ لشعبه ولوسطه العربي والإسلامي.! ونحذر من أن هذا الصمت يعطي الذريعة لكراهيتها. ٤ - نؤكد دعمنا وشكرنا لموقف تركيا حكومة وشعبا من مأساة إخوانهم في سوريا. ونأمل أن تكون مواقف الحكومة التركية بعد الانتخابات أكثر وضوحا وقوّة وحسما، ونطالب جيران سوريا أن يحذوا حذوها. ونحذر الحكومة اللبنانية أن تتخلى عن واجبها تحت ضغوط حزب الله والنظام السوري. ٥ - نناشدكم أفراد الجيش والأمن أن تكفوا عن قتل الشعب، المطالب بحقوقكم المضحِّي من أجلكم. واعلموا أن انحيازكم للشعب سينقذ الجميع من الظلم. وانظروا كيف كان انحياز الجيش التونسي والمصري للشعب سببا في حقن الدماء واختصار معاناة الناس. وعلى النظام السوري التنحي فورا ومنع كافة الانتهاكات وصور القمع وتزييف الحقائق. وأن يُسَلّم السلطة للشعب الذي قال فيه كلمته. ٦ - وأخيرا أيها الشعب السوري المرابط: أبشروا فإن إجماع الناس منعقد على شرف مواجهتكم ومشروعية جهادكم السلمي. ويكفيكم هذا شرفا .. فهنيئا لمن يقتل منكم صابرا محتسبا .. ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] ولا تستطيلوا الطريق فإنكم من النصر قاب قوسين أو أدني، وجاهدوا عدوكم بالصبر، واهزموه باجتماع الكلمة. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]. اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان وانصر إخواننا في بلاد الشام على القوم الظالمين، واجمع كلمتهم على الحق، وسدد رأيهم واحقن دماءهم وارحم موتاهم واشف مرضاهم وفك أسراهم واخذل عدوهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أسماء الموقعين على بيان سوريا ١٤٣٢هـ ١. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن ناصر السحيباني، عميد كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة سابقاً ٢. فضيلة الشيخ/ د. عبدالعزيز بن عبدالمحسن التركي، المحامي والمستشار

стр. 183

٣. فضيلة الشيخ/ أحمد بن عبدالله آل شيبان العسيري، مستشار تربوي ٤. فضيلة الشيخ/ د. أحمد بن عبدالله الزهراني، عميد كلية القرآن بالجامعة الإسلامية سابقاً ٥. فضيلة الشيخ/ د. خالد بن عبدالرحمن العجيمي، أستاذ جامعي سابق ٦. فضيلة الشيخ/ د. وليد بن عثمان الرشودي، جامعة الملك سعود ٧. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن سليمان المسعود. القاضي بالمحكمة الشرعية ٨. فضيلة الشيخ/ بدر بن ابراهيم الرجحي، القاضي بالمحكمة العامة بمكة ٩. فضيلة الشيخ/ محمد بن عبدالعزيز الخضيري، جامعة الملك سعود ١٠. فضيلة الشيخ/ عبدالله بن ناصر السليمان، المفتش القضائي بوزارة العدل ١١. فضيلة الشيخ/ د. عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف، أستاذ مشارك بجامعة الإمام ١٢. فضيلة الشيخ/ د. مسفر بن عبد الله البواردي، عضو المجلس البلدي بمدينة الرياض ١٣. فضيلة الشيخ/ حمود بن ظافر الشهري/ مشرف تربوي ١٤. فضيلة الشيخ/ د. ناصر بن محمد الأحمد، الداعية الإسلامي ١٥. فضيلة الشيخ/ علي ين إبراهيم المحيش، رئيس كتابة عدل الأحساء المتقاعد ١٦. فضيلة الشيخ/د. ناصر بن يحيى الحنيني، المشرف العام على مركز الفكر المعاصر ١٧. فضيلة الشيخ/د. عبدالله بن ناصر الصبيح، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٨. فضيلة الشيخ/ د. حسن بن صالح الحميد. جامعة القصيم ١٩. فضيلة الشيخ/ مبارك بن يوسف الخاطر، قاضي محكمة دوس ٢٠. فضيلة الشيخ/ د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي، رئيس مركز التأصيل للدراسات والبحوث ٢١. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن سليمان البراك الأستاذ المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى ٢٢. فضيلة الشيخ/ د. عبد الله بن عمر الدميجي، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى ٢٣. فضيلة الشيخ/ د. محمد بن عبدالله الهبدان عضو رابطة علماء المسلمين. ٢٤. فضيلة الشيخ/ سعد بن علي العمري، عضو دعوة في عسير ٢٥. فضيلة الشيخ/ علي بن يحيى بن عبدالله، مشرف تربوي ٢٦. فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله المبدل، أستاذ مساعد في جامعة الملك سعود ٢٧. فضيلة الشيخ/ إبراهيم بن عبدالرحمن التركي، المشرف العام على موقع المختصر ٢٨. فضيلة الشيخ/ عبدالله بن علي الغامدي، أمين لجنة الشباب بالطائف سابقاً ٢٩. فضيلة الشيخ/ أحمد بن أحمد ضبعان، الداعية الإسلامي ٣٠. فضيلة الشيخ/ حسين بن محمد شامر، إمام وخطيب جامع الإمام مسلم ٣١. فضيلة الشيخ/ أحمد بن حربان المالكي، تعليم عسير ٣٢. فضيلة الشيخ/ محمود بن إبراهيم الزهراني، الداعية الإسلامي ٣٣. فضيلة الشيخ/ د. موفق بن عبدالله كدسة، أستاذ مساعد ٣٤. فضيلة الشيخ/ د. عبد اللطيف بن عبد الله الوابل، أستاذ مساعد بجامعة الملك سعود.

стр. 184

البيان الثالث من رابطة علماء المسلمين الواجب على المسلمين نحو القضية السورية الثلاثاء١١ شعبان١٤٣٢هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وآله وصحبه الغر الميامين, أما بعد: ? قال : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] ? لا إن ما يتعرض له إخواننا من الشعب السوري الأبي الكريم؛ في خلال الأشهر الماضية لهو ظلم وإجرام وبغي وعدوان، فلقد حصل خلال العقود الماضية حروب متعددة في عدد من دول العالم يحصل فيها الاعتداء والظلم، وتحصل المقاومة من الشعوب، لكن ما يحدث في سوريا فاق ذلك كله، فهو اعتداء من الحزب الحاكم النصيري العلوي على أبرياء لم يحملوا سلاحاً ولم يعتدوا على أحد. لكنهم يطالبون مطالبه سلمية عادلة ببعض حقوقهم المشروعة من الحرية وبعض حقوقهم المنهوبة، سواء أكانت شرعية أو معنوية أو مالية أو شخصية، لكن هذا الحاكم وحزبه المجرم لا يريدان لأحد أن يطالب بأي حق من حقوقه، ولذا فإن هذا الاعتداء السافر الذي تنوع من ضرب وسجن وتعذيب وقتل وتمثيل متعمد حتى للأطفال والنساء والشيوخ وإحراق للمساجد والبيوت ونهب للأموال واغتصاب للأعراض وقتل للجنود الذين يمتنعون عن قتل المدنيين الأبرياء, لهو من أعظم الظلم والقهر والاستبداد والفساد في الأرض, وصدق شيخ الإسلام وعالم الشام ابن تيمية ﵀ حيث قال (هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى بل وأكفر من كثير من المشركين وضررهم على أمة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين) ... إلخ، ? وإننا إذ ندين هذا الإجرام والاعتداء على الأبرياء من إخواننا وأهلينا وعامة الشعب السوري نوضح أن الحزب الحاكم حزب نصيري علوي بعثي كافر، أسفر عن حقيقته في حقده وفساد معتقده يوم طالب الشعب السوري بأدنى حقوقه الت ي كفلها له الإسلام، ولقد اتضح ظلم هذه الحكومة وإجرامها في حق هذا الشعب الأعزل. ? ومع هذا البلاء العظيم فإننا نذكر إخواننا بوعد الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، ? فالنصر قريب بإذن الله لمن نصر الله، وسعى لر فع الظلم، ومقت الظالمين ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] ? ومن منطلق الإخوة الإسلامية التي قال عنها ربنا جل وعلا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وكذلك حرص الإسلام على رفع الظلم أياً كان المظلوم مسلما كان أو كافراً فالإسلام دين العدل والإخاء والكرامة لا يقبل الظلم على المسلم ولا من المسلم، ولقوله ﷺ ((انصر أخاك ظالما أو مظلوما .. )) وبناءً على ما سبق فإن رابطة علماء المسلمين تؤكد على الحقائق التالية ?: ? ١. على الحكومة السورية الممثلة في بشار الأسد وحزبه الحاكم إيقاف المجا زر والاعتداءات الظالمة والإفراج عن المسجونين وفك الحصار عن المدن والاستجابة لمطالب الشعب السوري بتنحيه عن الحكم هو وحزبه , فالشعب المسلم هو صاحب الأرض وما فيها من خيرات ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] وانطلاقا من الأحكام الشرعية فإن الشعب لا يحكم بالنار والحديد، بل بالشرع والعدل والشورى. ?

стр. 185

٢. المؤمل من إخواننا علماء سوريا في الداخل والخارج الحرص على وحدة كلمتهم ونبذ خلافاتهم وتوجيه الشعب السوري وتوعيته بما يصلح حاله ومآله حتى لا يستغل هذه المطالبة بالحقوق من لا يفي بها لو تولى قيادة الشعب كما حدث ويحدث في بعض الدول من سرقة المكتسبات التي تدفع الشعوب المسلمة ثمنها غاليا. ? ٣. على الشعب السوري الالتفاف على علمائه ووجهائه وان يقوموا بتنظيم أمورهم وحفظ أمنهم ورعاية أحوال المستضعفين على قدر الاستطاعة وتنظيم اللجان التي تقوم بإغ اثة الأسر المحتاجة والعاجزين. ? ٤. الواجب على الشعوب المسلمة في كل بلد الوقوف مع إخوانهم في سوريا وتخفيف معاناتهم ببذل المال والغذاء والكساء والدواء وبالأخص من دول الخليج والدعاء لهم بصلاح حالهم وتفريج كربتهم. ? ٥. المؤمل من الهيئات الإسلامية من روابط وجم عيات ومؤتمرات واتحادات أن يقفوا مع الشعب السوري المظلوم ويرفعوا الظلم عنه ويطالبوا الحكومة بالتنحي حفظاً للدماء والأعراض ووفاء بحقوق الأخوة وحماية للضعفاء والشيوخ والنساء والأطفال. ? ٦. إن مما يحزن المسلم عدم سماع صوت النصرة لإخواننا في سوريا وغيرها سواء م ن جامعة الدول العربية أو الحكومات العربية والإسلامية وهذا ينذر بخطر عظيم لأن التخلي عن نصرة المظلوم يحدث الفرقة وقد يوقع العذاب بالأمة جميعاً وبتلك الدول الصامتة والمتواطئة سرا أو علانية, كما قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥]. فالواجب على الجميع وبالأخص جامعة الدول العربية الإسراع في إيقاف حرب الإبادة وإجبار حكومة سوريا على رفع الظلم. ? ٧. المنتظر من دول الجوار لسورية أن يسعوا لتخفيف معاناة إخوانهم النازحين من ظلم حكومة بشار الأسد، فيهيئوا لهم ال أماكن المناسبة من مخيمات وخدمات صحية واجتماعية وغذائية , والحذر من تسليم أحد من أفراد الشعب السوري الذين تطلبهم الحكومة السورية، لأن ذلك إعانة على الظلم والقهر، ونشيد بموقف تركيا وأبناء طرابلس في لبنان لموقفهم باستضافة إخوانهم النازحين من حرب بشار وحزبه. ? ٨. على العلماء الموظفين لدى السلطة السورية وبخاصة أهل السنة أن يتقوا الله في أنفسهم وفي أهليهم من أفراد الشعب السوري وأن يحفظوا دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وألا يسكتوا عن هذا الظلم فضلا عن الوقوف مع الظالم الباغي، وأن يستعملوا مالهم من مكانة عند الحكومة بكف شرها عن الشعب السوري، فلعل هذا الموقف أن يكفر ما سبق من تخاذل أو تقصير وان يختموا حياتهم بالنصرة لإخوانهم فذلك خير لهم في الدنيا والآخرة. ? ٩. أن الواجب على أفراد الجيش والأمن بمختلف شعبه وأقسامه الكف عن قتل أهليهم وإخوانهم فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وليست لحكومة ظالمة باغية، مصداقا لقوله سبحانه ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ َ [الأعراف:١٢٨]

стр. 186

١٠. الابتلاء والامتحان سنة ربانية قدرها الله على عباده من الأنبياء الذين هم خير خلق الله في كل زمان, وأتباعهم الذين هم صفوة البشر بعد الأنبياء والرسل, وقد يكون في الابتلاء طهارة وتمحيص وتكفير للعباد من تبعة التقصير والخطأ والتخاذل, قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥]. ? فاعلموا إخواننا في سوريا وفي كل مكان أن الله لا يقدر شراً محضا، بل في مثل هذه الأحداث والمقاومات للح كومات المستبدة خير عظيم ورفع للظلم، وإن من أعظم الظلم محاربة شرع الله وعدم تطبيقه على عباد الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ولذا فلابد من البعد عما يغضب الله أو رفع شعارات جاهلية قد تكون سببا لتأخر النصر أو حرمانه. ? ١١. يجب السعي بكل وسيلة ممكنة وبخاصة في الإعلا م الحر لفضح التدخل الإيراني المباشر أو عن طريق عملائه، كالحزب المسمى بـ (حزب الله) في لبنان, وخطرهم على الأمة المسلمة لا يغيب عن منصف مطلع , علماً أن التجمع الصفوي الرافضي يسعى لدعم الحكومة النصيرية من أجل تحقيق السيطرة على سورية ولبنان، وهم متواطئون مع الغرب واليهود، كما حصل في العراق وغيرها لكل ذي عينين. ? ١٢. المطلوب من عموم الطائفة العلوية عدم الانقياد لجرائم النظام الباغي والانسياق معه في إبادة الشعب السوري, فان الأيام دول، وهم أقلية في الأمة فليحذروا العواقب، وقد عاملهم أهل السنة بالعدل منذ مئات السنين، ولا عبرة بمن شذ فظلم, ثم إن ظلم حكام سوريا وزمرته واقع على جميع الشعب السوري. ? وفي ختام هذا البيان نَشيد بالموقف التركي الذي استقبل إخواننا النازحين من ظلم حكومتهم، كما نأمل من حكومة تركيا التدخل القوي والعاجل بالضغط على الحكومة السورية لإيقاف المجازر والم داهمات والحصار والتشريد والإبادة. ? فتركيا لها تاريخ سابق لا ينكر في قيادة الأمة ورعاية شئونها، وهي ولله الحمد تمتلك قوة سياسية واقتصادية وعسكرية كبيرة جداً، فعليها المسارعة للنصرة, فتدخلها معين بإذن الله على رفع المعاناة عن الشعب السوري ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١] وسنة الله الجارية ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] والنصر قريب بإذن الله ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٧] وصلى الله وسلم على نبينا محمد واله وصحبه أجمعين. ? صدر من رابطة علماء المسلمين يوم ١٠/شعبان/١٤٣٢. ? • رئيس الرابطة: الأمين الحاج. • أمين عام الرابطة: ناصر العمر ?.

стр. 187

نحو تأصيل فكري للممانعة المجتمعية محمد بن إبراهيم السعيدي الخميس ٢٨رجب١٤٣٢هـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن نهجه إلى يوم الدين أما بعد: نشأة القِيَم: أخلاق الأمم وآدابها ورؤاها وعباداتها وعاداتها وأعرافها والتي يمكن أن نسميها في سائر هذه الورقة قيم الأمة، الأصل فيها: أنها تنشأ من داخل تلك الأمم. ولن يكون هذا عائقاً دون أن تؤثر الأمم في بعضها وتتأثر بحكم الجوار أو المخالطة أو أي شيء آخر، بل ربما يُعد مدى قدرة الأمة على التأثير في غيرها مقياساً متفقا عليه على قوة حضارتها بصرف النظر عن الحكم الشرعي عليها، كما أن مدى قدرتها على التأثر يُعَد مقياسا متفقاً عليه على مدى تعلقها ببنائها الحضاري واستنباط قيمها من داخله بصرف النظر أيضا عن الحكم الشرعي على ذلك البناء. والمفكرون يعدون الأمم التي لا تقبل التأثير الحضاري أمما منغلقة حضاريا غير قابلة للتطور، وذلك أن التطور لا يمكن أن يتم لأمة من الأمم دون أن تأخذ من الأمم الأخرى لأن الحضارة كما يقولون مشترك إنساني لا يمكن أن تبنيه أمة وحدها. وهذا الأمر بقدر ما هو صحيح بإطلاق في جانب الحضارة المتعلق بالمعرفة فهو صحيح إلى حدٍ ما فيما يتعلق بما تعارفنا على تسميته قبل قليل بقيم الأمة والذي يتكون من الأخلاق والآداب والعبادات والعادات والأعراف. وذلك أن القيم للأمة الرائدة يجب أن تتكون في داخله نتيجة تفاعل الإنسان مع دينه وبيئته ولغته وتاريخه ومقدرات أرضه، وهي ما سنتعارف عليه في هذه الورقة بأصول القيم، فيتكون من ذلك التفاعل: كلُ ما يحكمُ الناسَ في تصرفاتهم مع محيطهم وتصوراتهم للكون والحياة. إذاً فكما أن العناصر لقيم الأمة هي: الأخلاق والآداب والتصورات أو الرؤى للكون والحياة وكذلك العبادات والعادات والأعراف، فإن الأصابع التي تنسج هذه العناصر وتقدمها في صورتها النهائية للعالم هي دين الأمة والبيئة التي تعيش فيها ومقدرات أرضها وتاريخها ولغتها، وهي مكونات القيم أو مادتها الخام، والتفاعل المستمر بين البشر وبين هذه المكونات يترتب عليه استمرارٌ في إنتاج القيم الاجتماعية للأمة بشكل متَّسِق وغيرِ متناقض. وحين نلحظ أن شيئاً من قيم الأمة نشأ بعيدا عن هذه الأصول أي نشأ من تفاعل مع دين آخر أوتاريخ آخر أوبيئة أخرى فإن هذا الخلق أو هذه العادة أو هذه الرؤية ستظل ناتئةً مناقضةً لسياقِ المجتمع بأسره بما يحمله من ثقل ثقافي كبير. ومقدارُ معاناةِ هذا القيمة الوافدة من رفضٍ اجتماعي يمكن أن يكون مقياساً لمدى تفاعل المجتمع مع الأصول المكونة لقِيَمِهِ الاجتماعية والتي تَقَدِّم سردُها قبل قليل. وحين نجد أن المجتمع قد استطاع هضم عادة أو خلق تكوَّنا خارج محيطه وغَفَل عن مناقضتها لسياق هيئته الاجتماعية العامة فهذا يعني أن هناك نقطة ضعف في تفاعل المجتمع مع دينه أو تاريخه أو بيئته وسائر الأصول المكونة لقيمه، ومن نقطة الضعف تلك يمكن أن تَفِد إلى المجتمع أشكالٌ مختلفة من القيم الدخيلة سوف تؤدي كثرتها إلى كثرة التناقضات في هيئة المجتمع، الأمر الذي سينفرج حتماً عن صورة لهذا المجتمع ضعيفة الصلة بالأصول المُكَوِّنَةِ لِقِيَمِه، أي: أنها ستُنتِجُ لنا مجتمعاً غير منتمٍ لأصله، وهذا هو الشرط الأول كي تحظى الأمة بقيم رائدة. وقد يتفاعل المجتمع مع بعض أصول قِيَمِه دون بعض, فيتفاعل مع التاريخ أو البيئة أو المقدرات بمعزل عن الدين، وهذا هو سر نشوء أخلاق أو عادات أو تصورات ورؤى غير حميدة بالرغم من كونها وُلدت ونشأت في أحضان هذا المجتمع.

стр. 188

ينتج عن هذا أن نعلم أن الشرط الثاني من شروط وجود قِيَمٍ اجتماعية رائدة أن يكون تفاعل الإنسان لإنتاج سلوك اجتماعي أو عادةٍ أو عرفٍ أو رؤيةٍ خاصةٍ أو عامةٍ مستغرقاً لكامل أصول القيم الاجتماعية لا مع البعض دون الآخر وإلا فإننا سوف نبني بإغفال بعض أصول قيمنا هيئة اجتماعية محطمة. تجربة تاريخية: وهذا الأمر, أي: تَكَوُّنُ القيم نتيجة تفاعل الإنسان مع بعض مكوناتها الأصيلة دون بعض, هو ما حصل بالفعل في العالم الإسلامي عبر قرون عديدة مرت بها القِيَم الاجتماعية في مختلف بلاد المسلمين. فقد نشأت عادات وأعراف ورؤى وتصورات سيئة جداً رغم أنها تكونت من داخل العالم الإسلامي وكان السر في سوئها أنها لم تراع الدين في تكوينها غالباً وفي أحيان أخر لم تراع التاريخ والبيئة واللغة، ومما يؤسف له أن الضعف في محاولات إصلاح هذا الخطأ، بل محاربة حركات أفذاذ العلماء المستمرة للإصلاح, أدت إلى سيادة الصورة المشوهة لقِيَم الأمة في العالم الإسلامي، وأصبح التخلف الفكري والبعد عن العقيدة الصحيحة وسيادة الخرافة والجور والتسلط هي السمة المعرِّفة للمسلمين بل وأصبحت تنسب زوراً للإسلام. وهذه الصورة المشوهة للقيم الاجتماعية الإسلامية هي أكثر العوامل تأثيراً في نجاح الحروب الصليبية الأولى، كما أنها أبرز عوامل نجاح ما يُسمى بالاستعمار في العصور المتأخرة. وبعد الاستعمار الغربي لمعظم بقاع العالم الإسلامي بدأ المسلمون يحتضنون عناصر قِيَمِيَّةً لأممٍ أخرى، أي يحتضنون أخلاقاً وعاداتٍ ورؤى وتصوراتٍ نشأت في بيئات مختلفة عن البيئة الإسلامية، ونتيجة لعدم تفاعل الإنسان المسلم في عصور الاستعمار وما قبل عصور الاستعمار مع كامل أصول قِيَمِه الاجتماعية -الدين والبيئة واللغة والتاريخ ومقدرات الأرض- استطاعت هذه العناصر الدخيلة العيش بسلام في هيئتنا الاجتماعية, الأمر الذي أحدث الكثير من التناقضات بين صورة المجتمع المسلم وبين المكونات المفترضة لهيئته الاجتماعية، حيث ظهرت العناصر الوافدة على السطح وأصبحت تَحكُم علاقات المسلمين ببعضهم وعلاقاتهم بغيرهم ثقافيا واجتماعياً بل وتحكم علاقتهم بالكون الذي يعيشون فيه والحياة التي يحيونها. ومما زاد الأمر سوءً ظهور اجتهادات فقهية تحاول الربط بين هذه العناصر الوافدة من قيم الآخرين وبين الأصول المكونة لقيمنا وأعظمها الدين، وإظهار هذه العناصر كواقع مهيمن لا محيص عنه وإظهار الدين والتاريخ الإسلامي كله على شكل كائن هلامي يمكن أن يتشكل كما تشاء الظروف. والحقيقة التي لا ينبغي أن يغفل عنها مسلم فضلا عن علماء المسلمين: أن الإسلام جاء لتشكيل الواقع وتغييره لا للاستسلام له والسير على وفقه، لكن غياب هذه الحقيقة أو التغافل عنها أدى إلى تهاوي كثيرٍ من أحكام الشريعة الإسلامية أمام سلطة الواقع في العالم الإسلامي، وأصبح مظهر المسلمين لا يعبر عن دينهم ولا تاريخهم بل يعبر عن تناقضات بشعة بين هيئة اجتماعية مستوردة وبين مكونات أصيلة تحاول الظهور بين الفينة والأخرى. من أسباب سوء الواقع القِيَمِي: هذا الواقع السيء المتمثل في تناقض كثيرٍ من قيم المسلمين مع أصولهم بسبب كثرة الدخيل في عاداتهم وعباداتهم وأخلاقهم ورؤاهم وتصوراتهم، وعدم تفاعلهم مع أصولهم في تكوين عناصر قِيَمِهم، هذا الواقع يرسم له المؤرخون لهذا العصر كثيراً من الأسباب التي أدت إليه، فيذكرون منها: هيمنة الاستعمار الغربي وجنوح الأمم المغلوبة إلى تقليد الأمم الغالبة بشكل تلقائي كما يذكرون منها الجهل والاستبداد السياسي وأشياء أخر لا يسعنا تفصيلها الآن.

стр. 189

لكن الذي لا يذكرونه بشكل واضح هو غياب الممانعة المجتمعية أو قُل: ضعف الممانعة المجتمعية. لأن الممانعة المجتمعية لو كُتِب لها الوجود لاستعصت القِيَمُ على كلِ الأسباب التي ذكرها المؤرخون أو لم يذكروها، لكن المؤسف هو أن الممانعة المجتمعية كانت ضعيفة جداً الأمر الذي جعل تلك العوامل تتضافر في تغيير صورة المجتمع المسلم ثقافيا وأخلاقيا بشكل قليل النظير في سرعته. تعريف الممانعة المجتمعية: وهنا يأتي دور تعريف الممانعة المجتمعية لنستكشف كيف كان ضعفها أو انعدامها سبباً في تغير صورة المجتمعات الإسلامية وحصول هذا التناقض الواضح بين حقيقة الإسلام وصورة المجتمع المسلم. فهي: اقتصار المجتمع على دينه وبيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته في إنتاج آدابه وأخلاقه ورؤاه وعباداته وعاداته وأعرافه. ويلزم من هذا الاقتصار: رفض المجتمع تبني كل أدب أو رؤية أو خُلُق أو عبادة أو عادة أو عرف ليس نتاجا لدينه وبيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته. وهل يعني ذلك رفض مطلق التأثر بالآخرين؟ الجواب: أن المجتمع حين يكون متفاعلا مع الأصول المكونة لقيمه بشكلٍ صحيح فإنه سيكون تلقائياً أكثر تفاعلاً مع هذه الأصول في تصفية ما يرد عليه من قيم خارجة عنه, بل إنه سوف يمارس بطريقة تلقائية أيضا ما يشبه أن نسميه توطين القيم الواردة عليه بحيث تدخل في سياق هيئته الاجتماعية بشكل لا يُشير أبدً إلى جذورها التاريخية. أهمية الممانعة: ترجع أهمية الممانعة المجتمعية إلى كونها الوسيلة الأضمن والأقوى لحفظ الهيئة الاجتماعية للأمة من أن تضمحل بعامل استجلاب قِيَمٍ لم تصنعها الأمةُ ولم تُنتِجها بطريق التفاعل بين المجتمع وبين الأصول المكونة لقيمه وهي: دينه وبيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته. وكذلك هي الوسيلة الأضمن لحفظ المجتمع نفسه من أن ينتج قِيَمَاً لم يتفاعل فيها الإنسان مع كامل الأصول التي تبنى عليها القيم. فالأمر الثاني من خلال مراجعة تاريخ الأمة هو سبب للأمر الأول فإن إنتاج قيمٍ غيرِ معروضة على الدين أولاً ثم على جميع أصول القيم المجتمعية التي تقدم ذكرها سوف يُؤَدِّي حتماً إلى رضوخ المجتمع للقِيَم المستوردة، وذلك لأن بناءه القِيَمِي حينذاك يكون قد اختُرِق وبقوة، وهذا ما حدث فعلا في عالمنا الإسلامي. نظرة في تاريخ القيم عند المسلمين: فإننا حين نسبُر تاريخ الأخلاق والأفكار عند المسلمين نجد أن ضعف المجتمع في جانب ما أسميناه في بداية هذه الورقة بِقِيَمِ المجتمع قد بدأت بوادره في الدبيب سريعاً، حيث رأينا إرهاصات التغير الفكري والقِيَمِي مبكراً لدى المسلمين بشكل غير متناسب مع القوة التي بدأ بها الإسلام. وحين نقرأ كتاباً أُلِّفَ في وقت مبكر من تاريخ الإسلام وهو كتاب مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري (ت٣٢٤) فإنه ليصيبنا الذهول من كثرة النزاعات العقدية بين المسلمين في وقت مبكر. وإذا انتقلنا سريعاً إلى العصر الحديث وطوالعه نجد أيضا أن القِيَم الاجتماعية الدخيلة قد صبغت المجتمع المسلم بشكل سريع لا يتناسب أبداً مع ما في الإسلام من دعوات متكررة بالالتزام والتمسك. ولم تكن مشكلة المسلمين فقط مع القيم الوافدة، بل أيضا مع القيم التي تشكلت خطأ، أي دون تفاعل كامل وصحيح مع ما أسميناه أصول القيم في المجتمع المسلم.

стр. 190

فتنحية فهم الصحابة الكرام للكتاب والسنة منذ وقت مبكر عن الحكم على القيم والرؤى وغيرها لدى عدد من البيئات الاجتماعية الإسلامية كالبيئة الخارجية والبيئة المتشيعة أدى إلى نشوء الابتداع في الدين، وتوالت البِدَعُ ابتداء من تغير الرؤى والتصورات للدين والكون والحياة على هيئة آراء في القضاء والقدر والحكم والعدل وصفات الباري ، ودون انتهاء إلى ما تجاوز العقيدة إلى العبادات فلم تنته عند زيادة عبادات في الدين لم يأذن بها الله تعالى بل وصلت بالناس إلى الإشراك بالله تعالى، دون أن يشعروا وذلك بصرف أشياء من العبادة لغير وجهه ، واستمر هذا الوضع في تزايد حتى غلبت تلك البدع في ظهورها وسيطرتها على صحيحَ التصورات والعبادات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله. أدى ذلك إلى رواج الخرافة بين المسلين ثم إلباسها لباس الدين حتى أصبحت الكهانة والعرافة والسحر وهي من المحرمات نصا تسمى بالسيادة ويسمى أصحابها بالأسياد أو أهل الله، ويُعطون عند الناس، وربما عند الكبراء منهم منزلة لا يحصل عليها الكثير من أكابر العلماء. فلم تكن المشكلة آنذاك قِيَمَاً وافدة -وإن كان فيها قدرٌ لا بأس به من الوافدة- بل كانت المشكلة في تكوين قيم ومفاهيم من داخل الأمة ولكن الأمة كونتها بمعزِلٍ عن الأصول المفترضة للقيم في الأمة المسلمة وبخاصة الدين بمصدريه العظيمين الكتاب والسنة. فما الذي حدث أخيراً؟ الذي حدث: أن المجتمع المسلم كان منشغلاً بالقِيم الاجتماعية التي نسجها لنفسه دون إجراء التفاعل الصحيح مع أصوله، أي أنه كان يعيش تناقضاً كبيراً جداً بين قيمه المصطنعة وبين جذوره التي ترفض هذه القيم الأمر الذي أحدث جهلاً وضعفا كبيراً في النفسية المسلمة وهو ما سهل الطريق أمام عادات الغرب وتقاليده ورؤاه لتصبغ المجتمعات المسلمة وتَطبَعَهَا بِطَابَعِهَا. هنالك بدأت عناصر الهيئةِ الغريبةِ السائدةِ في المجتمع الغربي تنتقل بسرعة عجيبة إلى العالم الإسلامي ويتقبلها المجتمع المسلم بشكل ملفت للنظر، فالغرب المستعمر لم يحضر بكامله في بلاد المسلمين وإنما أرسل قليلا من أبنائه على هيئة عسكريين في الغالب وفي أحيان على هيئة علماء ومستشرقين وعمال، ومع كل هذا يظلون قلة قليلة، لا يستطيعون عند حساب المسألة حسابا منطقياً أن يغيروا وجه مجتمعٍ عريقٍ في قِيمه وحضارته بهذه الصورة السريعة، لكن الأمر الذي سهل لقيم الحضارة الغربية الولوج إلى المجتمع المسلم وصبغه بصبغتها كونُ المجتمعِ لم يفعل سوى أن استبدل قِيَماً اجتماعيةً مناقضة لجذوره، مستوردة من الغرب، بقيم أخرى مناقضة لتلك الجذور أيضا لكنه صنعها بنفسه، أي أن ما صنعه المجتمع إنما هو استبدال قيم مناقضة بقيم أخرى لا تقل عنها مناقضة، وربما سَرَّع في هذا الاستبدال أن يكون قد وَجَدَ في القِيَمِ الجديدة من احترام العقل والاستمتاع بالحياة في إطار من العلم والهيمنة مالم يجده في هيئته الأولى التي صنعها بنفسه بعيداً عن أصوله وكانت هيئةً مُعتِمَةً تحكمها الخرافة والجهل. ما الذي حدث حتى تتناقض جذور المجتمع المسلم مع هيئته الاجتماعية بسرعة لا تتناسب مع قوة التشريع الذي أسند إليه، سواء أكان ذلك التناقض بسبب تغيير فكري وأخلاقي من داخل المجتمع كما هو الحال في العصور الأولى والوسطى من تاريخ المسلمين أم باستيراد هيئات اجتماعية غريبة على الأمة لتكون هي الصورة المعبرة عنها. الذي حدث فيما يظهر لي هو ضعف الممانعة المجتمعية في كلا الحالتين.

стр. 191

فالمجتمع تخلى عن مسؤوليته في حفظ أخلاقه وعباداته وعاداته وتصوراته عن طريق عرضها على دينه وتاريخه الخاص به وبيئته التي يتحرك خلالها ومقدراته التي يعيش بها ولغته التي يتحدث بها، تخلى عن مسؤوليته تلك، وقَبِل التمرد على فهم الصحابة للدين من وقت مبكر في تاريخه فبدأت تنشأ القيم والأفكار بمعزل عن الدين وعن خصوصية التاريخ والبيئة حتى وصل الإسلام في بلاده إلى مرحلة الغربة التي أخبر عنها رسول الله ﷺ حين قال: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبا للغرباء)) المجتمع لم يُقَاوِم مظاهرَ الترفِ والاستخفافِ بالمعاصي منذ بواكير الدولة المروانية حيث بدأت هذه البوادر من مأرز الإسلام من مكة والمدينة، ولم يقاوم جاهلية الأدب المتمثلة في نقائض جرير والفرزدق والأخطل وغيرهم، ولم يقاوم حركة الأدب المتهتك على يد عمر بن أبي ربيعة والعرجي ونصيب والأحوص ولم يقاوم الفتنة بين النزارية واليمانية. ولم يقاوم بدعة الإرجاء والجبر وتكفير الصحابة الكرام والصد عن سبيلهم. كما لم يقاوم بدعتي النصب والتشيع على حد سواء. كل هذه المشكلات التي لا يقرها الإسلام ظهرت جلية في المائة الأولى بعد وفاة الرسول ﷺ . وكانت مقاومتها تتلخص في فتاوى للعلماء العظماء في ذلك الوقت لكن هذه الفتاوى لم تكن نتائجها تظهر على هيئة استجابة سريعة من المجتمع للوقوف ضد هذه الانحرافات. والسبب في ذلك - في زعمي - هو أن تلك المشكلات كانت إما قليلة الظهور بحكم تباعد الأمكنة بين المسلمين وضعف انتشار حدوث المنكر، وإما قليلة الأثر كبعض البدع العقدية التي تقدم ذكرها. لذلك لم تكن تشغل بال المجتمع المسلم كثيراً وهو ينظر إلى واقعه الذي يطغى فيه الخير وحب السنة وتوقير العلماء. يضاف إلى ذلك: كثرة حديثي الإسلام من الأمم الأخرى وقلة اللذين عاصروا الرسالة من فئام الناس. ولعل الأسوأ من أسباب ضعف الممانعة في بعد الثلث الأول من تاريخ الإسلام: أن المجتمع المسلم قد انشغل عن مقاومة هذه الظواهر بالفتن الأعظم والتي طالت الدماء والتي يَعُدُّها المؤرخون سبباً في نشوء كثير من الأفكار الغريبة عن منهج الصحابة كفتنة القول بالقدر والنصب والتكفير والتي نشأت كردات فعل من بعض من لم يتمثل منهج الصحابة الكرام على ما شجر بينهم من نزاع وما حصل بعد الخلافة الراشدة من ملك عضوض. وعدم السرعة في الاستجابة من المجتمع آنذاك لمحق المنكر في مهده، مهما بررنا له كان هو الغرسة الأولى للانحراف بالأمة الإسلامية عن حقيقة دينها، فقد تطورت بدعة القدر والإرجاء إلى مذاهب أصبحت هي السائدة بين المسلمين كالجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية والماتريدية، وتطورت بدعة التشيع ليخرج منها مذاهب شتى لا حصر لها وكذلك ما كان من أمر التصوف الذي نتج عنه القول بالحلول والاتحاد ووحدة الأديان. ولا شك أن لهذا الضعف في الممانعة في تلك العصور المتقدمة أسبابه المختلفة التي يمكن للمؤرخين دراستها لكن الذي يجب أن نستفيده منها كمرحلة تاريخية هو خطر الركون إلى ظاهر المجتمع الجيد أو إلى الدولة القائمة بشرع الله تعالى لمنع تسرب الخلل في الهيئة المجتمعية بل يجب أن نركز على واجب الأمة في التنبه إلى مسؤوليتها في نفي الخلل عنها وهو ما يسمى بالممانعة المجتمعية. أما عصرنا الحديث فقد كان بُعدُ المجتمعات المسلمة فيه عن تحمل مسؤوليتها في مقاومة تغيير هيئته الاجتماعية أظهر من أن يُستدل عليه، يدل على ذلك نظرةٌ دقيقة في التاريخ الحديث للمجتمعات الإسلامية لتجد أن شيوع القِيَمِ المستوردة فيها لم يستغرق من الزمن ما يمكن أن يتناسب مع عظمة الإسلام الذي تدين به تلك الشعوب.

стр. 192

وليس أمامنا إلا أن نقبل كل الأسباب التي يُقدمها المؤرخون لهذا التدهور السريع ولكن الذي لا ينبغي الغفلة عنه هو أن الممانعة المجتمعية يزداد بؤسهاُ في أكثر الدول الإسلامية استجابة لهذه التغييرات. من هذه الإلماحة التاريخية يمكن أن نُحَمِّل الممانعة المجتمعية مسؤولية الحفاظ على هوية الأمة المسلمة وهو ما ينبغي أن يتعلمه المسلمون، فالحفاظ على القيم ليس مسؤلية الدول وحدها وليس مسؤلية العلماء وحدهم لكنه مسؤولية المجتمع بأسره بجميع أفراده وليس العلماء ورجال الدولة إلا أعضاء في بناء المجتمع. وسوف أتحدث عن كيفية دعم الممانعة المجتمعية والموقع الصحيح فيها للدولة والعلماء بعد أن أجيب عن سؤال مفترض، وهو هل نادى الإسلام بمثل هذه الممانعة المجتمعية؟ قطعاً، المصطلح جديد ولا أعلم أول من أبرزه، كما أنني أظن أن الهدف من إبرازه كان نقد ممانعة المجتمع ضد القيم الوافدة، وهي النبرةُ التي لا نزال نستمع إليها من كثير من الكتاب ومن بعض المحسوبين على طلب العلم الشرعي أيضا، مع تباينٍ كبيرٍ بين مرادهم من الممانعة ومرادِنا منها، لكن ما نقصده بالممانعة وهو ما لخصته في التعريف المقترح لها أجد أن آيات الكتاب العظيم وكثير من التشريعات الإسلامية تصب في صالح الدعوة إليه، أي الدعوة إلى أن يكون المجتمع المسلم منفرداً ببناء قيمه التي تتلخص في آدابه وأخلاقه ورؤاه وعباداته وعاداته وأعرافه. وأن تكون تلك القِيم مستمدة من دينه الذي لا بد أن يكون مصدراً وحاكماً، وكذلك بيئته وتاريخه ومقدرات أرضه ولغته. ومن ذلك: أولا: ترسيخ مفهوم الخيرية والفضل على جميع الأمم لدى المسلمين وأن مصدر هذه الخيرية إنما هو الالتزام بالدين وتعاليمه وليس له مصدر آخر عِرقي أو إقليمي، وذلك في قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣] , قال المفسرون: وسطا, أي: خياراُ وعدولا, فالمجتمع الذي يشعر بخيريته على الأمم جميعها، واعتلائه عليها بمنصب الشهادة عليها يوم القيامة لا يمكن أن يكون مجتمعا متهافتاً إلى ما تنتجه تلك الأمم من قِيم مخالفة لما لديه، وبعكس ذلك حين يغيب الشعور بالخيرية عن مجموع المجتمع فإن الذي يحل محله في ظروف الضعف الساسي والاقتصادي والعسكري هو الشعور بالنقص والهوان أمام تلك الأمم، وهو ما يجعل الرؤوس والصدور والبيوت مُشرَعةً أمام كل تغيير يأتيها من قبل هذه الأمة الغالبة. وكذلك قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠] وهذه الآية ربطت بين التأكيد على خيرية هذه الأمة وبين أسلوب من أساليب الممانعة المجتمعية وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان هذا الأسلوب هو التكليف الذي تحقق الأمة به خَيرِيَّتَها على الأرض بصورة عملية، كما أن الإيمان بالله يحقق خيريتها بصورة اعتقادية. وهذا الشعور بالخيرية نجده أشد ما يكون ضآلة لدى المسلمين في الأوقات التي يكثر فيها تهافتهم على قِيم غيرهم من الأمم التي فضلهم الله تعالى عليها، الأمر الذي يؤكد على هذا الارتباط الوثيق بين شعور الأمة بخيريتها ومناعة قِيَمِها.

стр. 193

ثانياً: إلحاح آيات الكتاب العزيز على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واللافت أن التكليف بهذه الشعيرة لم يأت على هيئة أمرٍ بها في القرآن الكريم، وإنما في معرض سرد صفات المؤمنين سوى آية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] وهي عند التأمل لا تخرج عن هذه القاعدة كثيراً إذ هي في سياق صفات المؤمنين أيضا. أما سائر الآيات فهي واضحة في الدلالة على ما بينت، انظر مثلا قوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:١١٠] وقوله سبحانه ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:١١٤] وقوله : ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٧١] وقوله سبحانه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] وهذا الأسلوب القرآني في تقديري والله تعالى أعلم أمكنُ في التعبير عن مكانة هذه الشعيرة إذ إن إيرادها في مساق صفات أهل الإيمان مشعر بأنها من لوازمه. كما أن الموصوف بها ليس فئة من المؤمنين دون فئة بل يستوي في وجوب الاتصاف بها المؤمن الحاكم مع المؤمن المحكوم والرجل والمرأة والصغير والكبير والحر والعبد. بل حتى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] ليس خاصاً بالحكام دون المحكومين، بل هو وصف لكل مؤمن، وإن كانت الآية تشير بلفظ التمكين إلى أن المسؤلية في جانب الشعائر المذكورة ترتفع بارتفاع القدر الذي آتاه اللهُ العبد من التمكين في هذه الأرض، فليست مسؤولية المحكوم عن هذه الشعيرة بالقدر نفسه الذي للحاكم. وتحميل الأمة عبء هذه الشعيرة لتكون مسؤولية الحفاظ على الدين بما يحمله وما يرشد إليه وما ينتجه تفاعل الإنسان معه من قيم هي مسؤوليتها بأسرها. وهذا عدل إلهي عظيم منه حيث إن العاقبة الدنيوية للتفريط في منهج الله تَطَال الجميع لا تفرق بين حاكم ومحكوم ولا رفيع ووضيع. ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام:٤٤] وجميع الآيات التي تُذَكِّر بعاقبة التخلي عن أمر الله نجد الخطاب فيها عاماً للمجتمع بأسره، لأن التقصير حادث من الجميع ولا تُسأل عنه فئة دون أخرى.

стр. 194

إلا أن القائمين بتكليف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يثيبهم الله تعالى النجاة من هذا السخط العام وذلك في حال أدائهم لهذا الواجب كما أمروا به وصبرهم على ما يلاقون من تقصير أقوامهم وتخذيلهم إياهم عمَّا يقومون به من موعظة ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥ - ١٦٤] ثالثاً: مبدأ التواصي أقرته سورتا البلد والعصر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧] وقال سبحانه ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] والتواصي تكليف أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصفته: أن يُثَبِّتَ المؤمنون العاملون بالصالحات والمتراحمون بينهم بعضهم بعضاً على هذه الخصال ويتعاهدون أحوالهم فيما بينهم فيما يُشبه أن يكون عملية مراجعة وتحديث لقوة هذه الخصال في نفس الأمة، وهو ما عبَّر عنه القرآن بالنفع في قوله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ الذاريات٥٥فالتذكير هو الأسلوب الأمثل للتواصي المؤدي إلى النفع، والنفع كما لا يخفى كلمة جامعة يدخل فيها كل ما هو ضد الضُر، أي أن كل ما يكسب المؤمنين زيادة تنأى بهم عمَّا يُلحق الضر بدينهم، من التثبيت عليه وزيادة المنعة في الاستمساك به وبما يصنعه الدين في النفوس من قيم وأخلاق. ونجد أن التواصي جاء في القرآن مختصا بالحق والصبر والمرحمة، ذاك أن الحق هو الدين بعقائده وشرائعه وما يؤدي إليها وما يحفظها، والصبر أهم الأدوات للمحافظة على هذا الحق الذي يتعارض كثيراً مع أهواء النفوس التي تميل بشكل طَبعي إلى الإغراق في اتباع الملذات، فلم يكن من سبيل للتمسك بالحق سوى الصبر. أما المرحمة فهي ضمانة مهمة لتماسك المجتمع المسلم وتضامنه حيث إن الرحمة صفة محركة للمخلوق تدفعه إلى فعل شيء من أجل حفظ إخوانه من الضرر، ومن الضرر ما هو ظاهر يدركه المؤمن وغيره، ومن الضرر ما ليس بظاهر بل هو خفي جداً لا يدركه حق إدراكه سوى المؤمين. وهذا الضرر الخفي الذي يقتصر إدراكه على المؤمنين، هو الضرر الناتج عن عدم التبصر في عواقب التفريط في أوامر الله تعالى أو التهاون في كل ما من شأنه أن يؤدي إلى شيء من هذا التفريط أو التهاون حالاً أو مآلا. الناتج من هذا أن التواصي شعيرة ربانية جاءت لتقوية الممانعة المجتمعية التي يجري الحديث حولها. الرابع: من شواهد مناداة الإسلام بالممانعة المجتمعية: عقيدة الولاء والبراء، وقد يتشنج البعض لدى تسميتها عقيدةً، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أنها من الظهور بحيث يحتاج تأويلها إلى غير هذين المعنيين -مودة المؤمنين ومباغضة الكافرين- إلى تعسف تأويل كامل القرآن أو أكثره. ومباغضة الكافر لما ينطوي عليه قلبه من عقيدة أهل النار تسوق القلوب المؤمنة إلى مجافاة ما يأتي به من قِيَم, ولا شك أنها طريقة ممتازة لحفظ الهيئة المجتمعية للمسلمين من الاختراق، سواء أكان ذلك اختراقا قِيَمِيَاً أو عسكرياً.

стр. 195

وشواهد التاريخ لعلاقة المسلمين بغيرهم تؤكد على أن الاختراق العسكري لم يتمكن منه أعداء الإسلام إلا بعد مرحلة أولى من تحطيم حاجز البراء من الكافرين لدى المجتمعات الإسلامية المخترقة. والمطلع على سيرة لورنس العرب وقدرته العجيبة على تجييش العرب المسلمين لمصالح بريطانيا آنذاك يدرك أثر غياب عقيدة الولاء والبراء لدى المسلمين فيما حققه ذلك الرجل من نجاحات. الخامس: النهي المتواصل من الرسول ﷺ عن مشابهة الكافرين بجميع أصنافهم وفي كل شيء قد يوهم التقاءً في الهيئة بين المسلمين وغيرهم، داء ذلك تارة على سبيل النهي عن المشابهة على الإطلاق وتارات أخر على سبيل النهي عن أحوال خاصة من المشابهة. فمن الأول قوله ﵊: ((من تشبه بقوم فهو منهم)) رواه أحمد وأبو داود، وقوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ((ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى)) رواه الترمذي. أما الثاني فمنه ما هو في العبادات ومنه ما هو في الهيئات, فكان من العبادات نهيه ﷺ عن مشابهتهم في أوقات الصلاة فكان وقت طلوع الشمس ووقت غروبها من أوقات النهي لهذه العلة وكذلك نهى عن خلع النعال في الصلاة مخالفة لليهود فيما رواه مسلم عنه ﷺ ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم وخفافهم)) وأمر هـ ﷺ بأكلة السحور وبتعجيل الفطر في الصوم مخالفة لهم فيما رواه مسلم: (فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكلة السحر) وفيما أخرجه أبو داود قال ﷺ (لا يزال الدين ظاهراً ما عجل الناس الفطر لأن اليهود والنصارى يؤخرون). ومن أمره بمخالفتهم في الهيئة ما رواه البخاري إلى رسول الله ﷺ : ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم)) وكذلك ما رواه البخاري ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس)) ومن المخالفة في الهيئة: المخالفة في اللباس ففي الصحيحين عن أبي عثمان النهدي، قال: كتب إلينا عمر ﵁ ونحن بأذربيجان، مع عتبة بن فرقد، ((يا عتبة إنه ليس من كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبع المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله ﷺ : نهى عن لبس الحرير، قال: إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأصبعيه: الوسطى والسبابة وضمهما)) وكذلك مخالفتهم في آنية الطعام ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)) والمتتبع لأمثال هذه الأحكام يجدها في السنة كثيرة حتى أصبح جنس المخالفة للكافرين من المتواتر المعنوي في الإسلام، وما ذاك إلا لصيانة المجتمع المسلم. فإن هذه الأمور التي نُهي المسلم فيها عن التشبه بالكافرين بها قد يراها البعض بعيدة عن القِيَم وعن أصولها ولهذا لا يعرف حكمة النهي، مما دفع العض إلى إنكار حكم مخالفة الكفار بالكلية جرياً على البدعة الجديدة في إنكار كل حكم لا يدركون حكمته. والتأمل الدقيق يوصلك إلى أن المبالغة في النهي عن التشبه بالكفار كانت مرادة لتعظيم الحاجز بين المسلمين وبينهم وذاك أن المشابهة في الظواهر والعادات واللباس وغيرها توصل حتماً إلى ضعف الحاجز الحضاري بين الفريقين الأمر الذي سوف يؤدي حتماً إلى زوال الهوية الداخلية بعد انكسار حاجز المخالفة الظاهرية. ومع هذا التأكيد المستمر على المخالفة في العادات والعبادات جاء النص على النهي عن اتباعهم في الأفكار، وهو ما سماه القرآن أهواءً، وجاء النهي فيه شديداً على مثال قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] ومثل ذلك ذلك جاء في سورة الأنعام ١٥٠والشورى ١٥والجاثية١٨. كل هذه الأمور الخمسة مجتمعة تؤكد على عناية الإسلام بممناعة المجتمع ضد القيم الأجنبية وتأكيده على أن يكون مجموع تلك القيم التي تصنعها الأمة نتيجة ذلك التفاعل الذي قدمناه بين الإنسان المسلم وبين مصادر قِيَمِه. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 196

هل للمرأة حقٌّ في قيادةِ السَّيَّارة ؟ عبد العزيز بن عبد الله السويدان الخميس٢١رجب١٤٣٢هـ لئن كُنّا اليوم نَتلقَّى المفاهيمَ التِّقنيّةَ والعلميّةَ من الخارج فلا يَعْني هذا أَنْ نَتلَقَّى معها مَفاهيمَ القِيَمِ والأخلاقِ والسُّلوك .. إنّ جميعَ الأُمم تَعتزُّ بِثقافَتِها ولا تَتخلَّى عنها، حتى الأُممُ الكافِرة لا تَقْبَلُ على نَفْسِها بأنْ تَستَوْرِدَ القِيَمَ والأخلاق مِن غيرِ تُراثِها لأنّ فيهِ إلغاءً لِذاتِها .. فَكيْفَ بالأُمّةِ المسلمة!! نحنُ إن كُنّا مُتأخّرين عن العالم الغربيّ عِلميّاً وتِقَنيّاً لأسبابٍ تاريخيّة وسياسيّة مَعْروفة إلاّ أَنّنا ما زِلْنا وسَنَظَلُّ مُتفوّقين عليهم أخلاقيّا وسلوكيّا وقِيَميّا إنْ نحنُ تَمسّكْنا بدينِنا، فلا يَصِحُّ إذنْ أَنْ نَتلقّى مِمّن هم دُونَنا في هذا الجانبِ ولو تَفوَّقوا علينا في العُلومِ الطّبيعيّة وأَبْهَرُونا بِقُدْرَتِهم على التّصنيع. إنّ مِن القِيَمِ العالميّةِ التي تَرْعَاها وتُجِلُّها المنظّماتُ الدّوليّة والّتي انْخَرَطْنا معهم فيها نحنُ المسلمين بلا تَمييز"مفهوم الحقوق"، وهذهِ الحقوق مُرتبطةٌ بالحُريّات شِبْهِ المطلقة، حُريّةِ الاعتقاد، حُريّةِ التعبير، الحريّة الأخلاقيّة، وتَطوّرَتْ حتّى صارت حقوقاً محميّة، وأصبحنا نسمعُ بِحقِّ المساواةِ بين الجنسيْن، وحقِّ اختيارِ أنواعِ العلاقاتِ من الجِنسيْن، وحقوق المثلييّن (يعني الشّواذّ)، وحَقّ التّأمين الصّحّي، وحقّ التعليم .. إلى آخِرِهِ مِن قائمةِ الحقوقِ التي اسْتَهْوَتْها نُفوسُ كثيرٍ مِن المسلمين دُونَ تَمييز .. لكنْ وَسَطَ هذا الزِّحامِ مِن الحُقُوق نَسِيَ بَعْضُنا أَنْ يَسأل نَفْسَه: ما هو مفهومُ الإسلام للحقوق؟ أقول هذا لأنّ بعضَ النّاس ما زالَ يَقُولُ بِعاطِفَتِهِ"صحيح أنا لا أَرْضَى لامْرَأتي وبناتي أن يَقُدْنَ السّيّارة .. لكنْ أليس من حقّ مَن تريد ذلك ألاّ تُمْنَع؟ " فَأدرَجَ بقولِهِ هذا قِيادةَ المرأةِ للسّيّارةِ ضمن قائمة الحقوق، فقبل التعجُّل في ادّعاءِ أيِّ حقّ ينبغي أن نَتريَّثَ قليلاً ونُعرِّف مصادر اكْتسابِ الحقّ، ليسَ بالمفهومِ الغربيّ وإنّما بِمفهومِ الإسلام الّذي نَنتمي إليهِ وللهِ الحَمد. أوّلاً: الحقّ والشّرع.

стр. 197

الحقُّ خلافُ الباطل، ويُعرّفه الشّرعيّون بأنّه: ما مَنَحهُ الشّرعُ للنّاسِ كافّةً على السّواءِ وأَلْزَمَ كُلّا ًمِنهُم باحْتِرامِهِ وعَدَمِ الاعْتِداءِ على ما هو لِغَيْرِه. وقِيل الحقُّ: هو مَصْلحةٌ ثابِتَةٌ للفَردِ أو المجتمع أو لِكِلَيْهما يُقرِّرُها الشّارِعُ الحكيم. وقيل: هو ما اسْتَحَقّهُ الإنسانُ على وَجْهٍ يُقِرُّهُ الشَّرْعُ ويحْمِيهِ ويُمَكِّنُهُ مِنهُ ويُدافِعُ عَنه. وهناك تعريفاتٌ أُخْرَى مُشابهة .. وتُلاحِظون في جميعِ التعريفاتِ تَكرُّرَ كَلِمةِ الشّرع!! "ما مَنَحهُ الشّرعُ"" يُقرِّرُها الشّارِعُ"" على وَجْهٍ يُقِرُّهُ الشَّرْعُ" دِلالةً على أَنّ الّذي يُقرِّرُ الحقوقَ هو الدِّينُ وَحْدَه لا الفَلْسَفاتِ البشريّة، ولا المنظّماتِ الإنسانيّة، ولا القوانينَ الدّوليّة .. فإنّما هذهِ مصادرُ التّلقِّي عِنْدَ اللّيبرالييّن لا عِندَ مَن رَفعَ رأسَهُ بِشَريعَةِ الإسلام، فأَوْلَى مَن يُعرِّفُ الحقَّ هو الحقُّ ﵎، وأوْلَى مَن يُحِقُّ الحقَّ هو الحقُّ جلّ وعلا ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنفال: ٧] فدينُ الإسلام هو أنْصَفُ وأعْدَلُ مَن يَهْدي إلى الحقوق، ومن ثَمّ فإنّ الذين يُكرّرون" أنّ للمرأةِ الحقَّ في قيادَةِ السّيّارة " إنّما يُكرِّرونَ عِبارةً لا قِيمةَ لها إلاّ إذا دُعِمَتْ بِدليلٍ شرعيٍّ مَبْنيٍّ على ما يَعْتَبِرُهُ الشّرْعُ حقّاً ولا يَعْتَبِرُهُ شيئاً آخَرَ. لقد اعتنى العُلماء: الأُصُولُيُّونَ منهم الّذين اهْتَمُّوا بِعلْمِ أُصُولِ الفِقه فنَظَرُوا في الأدلّةْ وبَحثُوا في طُرُقِ اسْتِنبَاطِ القواعِدِ الفِقهيّةِ والأحكامِ الشّرعيّة، والفقهاءُ منهم الّذينُ نَظَرُوا وما زالوا يَنظُرون في المسائلِ الفرعيّةِ العينيّة، لقد اِعْتَنى الفريقان ببيانِ الحُقُوقِ مُفْرَدَة، فَتَكَلّمَ الفُقهاءُ عن حَقِّ الشُّفْعَةِ مَثَلاً، وحَقِّ الحَضَانةِ، وحقِّ النَّفَقة، وحقِّ الحياة، وحقِّ الوَرثَة، وحقِّ الولاية، وحَقِّ التَّمَلُّك، وغيرِها مِن الحُقوق .. والأصوليُّون بَحَثُوا في الحَقِّ مِنْ حَيْثُ صاحِبُهُ، فَقَسَّمُوهُ إلى حَقٍّ للهِ، وحَقٍّ للعَبْد، وحَقٍّ مُشْتَركٍ بَيْنَهُما، أمّا حقُّ اللهِ: فهو الذي يَتَعلّقُ بِواجِباتِ العِباد تِجاهَ رّبِّهِم، بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأَنْ يَمْتَثِلوا أَوامِرَهُ ويَجْتَنِبوا نَواهِيِهِ بإطْلاق، هذا مِن جِهة، ومنِ جِهةٍ أُخْرَى حَقٌّ مُتعلِّقٌ بالصّالحِ العام للأُمّة مِن حُدود وحُقوق ماليّة عامّة لجميعِ الأُمّة، قال ابن تيمية في تعريفه لهذا النوع من الحقوق (هي التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين) ثُمّ قال (وهي نوعان: أحدها: الحدود.

стр. 198

والثاني: الحقوق المالية) [السياسة الشرعية لابن تيمية]. وأمّا حقُّ العبد فقد بينّا طَرَفاً مِنهُ فِيما يَتعلّقُ بالدُّنيا، ويَبْقَى الحقُّ الّذي أوْجَبَهُ اللهُ على نَفْسِه، فِيما قَالَ ﷺ كما في صحيحِ مُسلم ((وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)) أمّا الحقُّ المشْتَرك فهو الذي لا يَسْقُطُ بِتَنازُلِ العَبْدِ عنه، كَحَدِّ القَذْفِ مَثلاً، فهو حقٌّ للعبدِ دفْعاً للعارِ عنه، وحقٌّ للهِ إخلاءً للعالم مِن الفساد. وقد بَيّنَ العُلماءُ أَنّ ما للعَبْدِ فيهِ اخْتِيار مِمّا هو حُرٌّ في فِعْلِهِ إنّما هو كذلكَ مِنْ حَيْثُ جَعَلَ اللهُ تعالى لَهُ الخِيارَ لا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُسْتَقِلّاً بالاخْتِيار، كاخْتِيارِهِ لأنْواعِ المتنَاوَلات مِن المأْكُولاتِ والمشْرُوباتِ والملْبُوساتِ وغَيْرِها مِمّا هو حلالٌ له، فلو لم تَكُنْ حلالاً لَما كانَ له حُريّةُ الاخْتيار، فليسَ لأحدٍ أَنْ يُصَنِّفَ حقَّه بِهواه، لأنّ الحقوقَ مِنْحَةٌ مِن اللهِ ﵎ لِعِبادِه لا تثبُتُ إلاّ بدَليلٍ شرعيّ، ولهذا يقول الشاطبي ﵀ (ما هو حقٌّ للعبدِ إنما ثَبَتَ كَوْنُهُ حَقّاً لهُ بإثْبَاتِ الشّرْعِ ذلكَ له، لا بِكَوْنِهِ مُسْتَحِقّاً له بحُكْمِ الأصْل) وهو سُبحانَهُ إذا أعْطَى الحُقوق فإنّه يُعْطِيها مُقَيّدةً ولا يُعْطِيها مُطْلَقة، لكي يمُكِّنَ الانسجامَ بينَ الحُقوقِ الفرديّةِ والحُقوقِ العامّةِ بلا تَضارُب، فيَسِيرُ المجْتَمَعُ على أُسُسٍ مَتِينَةٍ مُتَماسِكَة، والّذي يَمْلِكُ التّمييزَ بينَ الحقُوقِ إذا اشْتَبَهَت أو تضاربت هو العالم المجْتَهِد، قال تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال المفسِّرون (أولو الأمْرِ هُمُ العُلماء) فتحديدُ الحقوقِ مَرْجِعُها إلى الشَّرْع، والشَّرْعُ له عُلماؤه المتخصِّصونَ الّذين يُمْكِنُهُم الفَتْوَى في كُلِّ ما اسْتَجدّ بعدَ النّظرِ في العِللِ الشّرعيّةِ وما يُحقّقُ مَقاصِدَ الشّريعةِ ويَجْلُبُ المصالِحَ ويَدرأُ المفاسِدَ عن المجتمع، بَعيداً عن ضَغْطِ العاداتِ والتّقاليد التي يُحاوِلُ العَلمانيّون وأتباعُهُم رَدُّ الرّأيَ إليها فيما يَتعلّقُ بِقيادَةِ المرأة فَيَقولون هي مُجرّدُ عادات. ثانياً: الحقّ والنِّظام.

стр. 199

النِّظامُ أو ما يُصْطلَحُ عليهِ عندَ البعضِ بالقانون، هو المصْدَرُ الثاني مِن مصادِرِ الحُقُوقِ بعدَ الشّريعة، ومِن تعريفاتِ النِّظام (هو مجموعةُ المبادئِ والتّشرِيعَاتِ الحَياتيّة والأَعْرَافِ وغَيْرِ ذَلكَ مِن الأُمُورِ التي تَقُوُمُ عليها حَياةُ الفَرْدِ، وحَياةُ المجتمعِ، وحَياةُ الدّولةِ، وبِها تُنَظِّمُ أُمُورَها في السّياسةِ، والاقتصادِ، والاجْتِماعِ، والقَضَاءِ، والعُقُوبَاتِ وغيرِها من الأمور) والنِّظامُ في دُوَلِ الكُفْر يُبْنَى على الفلسفَاتِ والرُّؤى البشريّةِ المحْضة، أمّا النِّظامُ في الدّوْلةِ الإسلاميّةِ التي تحْكُمُها الشّريعة فمَرجِعُهُ الشريعةُ، بل يُعْتَبَرُ امْتِداداً لها، وقد أمَرَت الشّريعة بالعديدِ مِن الواجِبات، ونَدَبَتْ إلى العديدِ مِن المسْتَحبّات، وكَفَلَتْ للنّاسِ العديدَ مِن الحُريّات والكماليّات (كَضمانِ الشّريعةِ للإنسانِ حقَّ التّملُّكِ مثَلاً، فلا يأتي أحدٌ يَمْنَعُهُ مِن ذلك لأنّ الشّريعةَ أباحَتْ للمُسلمِ التّصرُّفَ بِمالِهِ ومِن ذلكَ شِراءُ ما يَحِلّ، أو حقَّ التّنقُّلِ مَثلاً لأنّ الأصْلَ فيها الإباحة، والأدِلّةُ من الشّرعِ على هذا كثيرة) فَكُلُّ ما وَقَعَ تحتَ الواجبات أو المستحبات أو المباحات فهو حقٌّ مِن حقوقِ المسلم لا يَجُوزُ لأحدٍ مَنْعُه مِنه، كما إنّه لا يَصِحُّ أَنْ يَدّعيَ أحدٌ لأحدٍ حقّاً إلاّ بِدليلٍ مِن الشّرعِ أو باسْتنادٍ إلى نُصوصِ نظامٍ إسلاميٍّ مُسْتَمَدٍّ مِن الشّرع، وسِوى ذلك لا يُعَدُّ حقّاً. الحقّ وقيادة المرأة للسيارة إذا كُنّا قد خَلصْنا بأن الحقَّ لا يُكْتَسَبُ إلاّ بالطّريقيْن الّذيْنِ تَقدّمَ ذِكْرُهما، الشّرْعُ والنِّظام، فَلْنَعْرِضْ موضوعَ قِيادَةِ المرأةِ للسّيّارة عليْهِما. أوّلاً نَعْرِضُهُ على الشّرْع من حيثُ أحكامُهُ فنسأل: هل هناكَ دليلٌ على وُجوبِهِ شَرْعاً؟ الجواب كلاّ!! هل هناكَ دليلٌ على اسْتِحْسانِهِ واستحبابه شَرْعاً؟ الجواب كلاّ!! هل هُناكَ دليلٌ على إباحَةِ الشّريعَةِ للمرأةِ حقَّ قِيادَةِ وسيلةِ التّنقُّلِ بِنَفْسِها؟ الجواب نعم لأنّ الأشياء والأفعال التي ليست من أمور العبادة الأصلُ فيها الإباحة، قال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين (الأصل في الأشياء عموماً الأفعال والأعيان وكل شيء الأصل فيه الحل) [القواعد الفقهية] فالأصلُ في قِيادَةِ المرأةِ وسيلةَ التّنقُّلِ الإباحة لكنْ بِشَرط، إذا تَوفّر فَلا بأس، وإن لم يَتوفَّرْ فلا يَجُوزُ لها القِيادةُ فَضْلاً عَن أَنْ يَكونَ لها حقٌّ فيها، والشّرْطُ هو أن لا يُؤدّي المباحُ إلى محذورٍ أو مُحرّم، قال ابن القيم (لا يجوز الإتيانُ بفعل يكون وسيلة إلى حرام وإن كان جائزًا) [إعلام الموقعين] فَكُلُّ مُباحٍ يؤدّي إلى مُحرّم لا يُعدُّ مُباحاً، فالسّفَرُ مَثلاً الأصلُ فيهِ الإباحة لكنْ بِشَرْطِ أَنْ لا يُؤدِّي إلى مُحرّم، فلو سافَرَ إلى بلادٍ فاسِدَةٍ لِغَرَضٍ فاسِدٍ حَرُمَ السَّفَر، وكَذلك البيع أصلُهُ مُباح، لكن إذا باع مُحرّماً، كالخَمْرِ مثلاً، أو باع سلاحاً في زَمنِ الفتنةِ، حَرُمَ البيع .. وهكذا ... ، فهل في قيادةِ المرأةِ للسيّارةِ محذورٌ شرعيّ ينقل الحكم من الإباحةِ إلى التحريم؟

стр. 200

لقد ضَمِنَتِ الشّريعةُ للمرأةِ الخروجَ لِقضاءِ حاجاتِها، فلا تُمْنَعُ مِن ذلك، وضَمِنَت لها حُريّةَ التّنقُّلِ فلا تُمْنَعُ مِن ذلكَ أيضاً إلاّ بسَببٍ شَرْعيّ طارئ كَعَدَمِ وُجودِ المحرَمِ إذا كان التّنقُّلُ سَفراً، أو لِكَوْنِها مُعْتَدّةً، أو لِغَيرِها مِن المحاذيرِ الشّرعيّة، وإذا تَناوَلْنا مسألةَ مُباشَرةِ المرأةِ قِيادَةَ السيّارَةِ بِنَفْسِها وطبّقْنا عليها هذا المبدأَ الشّرْعيّ فإنّه لا يَجوزُ لها ذلك إلاّ مع خُلُوِّ المحذورِ الشّرعيّ، والذي يقدِّرُ المحذور هو عالم الشريعة، والمحاذيرُ في هذه المسألةِ كثيرةٌ، ويَكْفي مِنها ما ذُكِرَ في فَتْوَى كِبارِ العُلماءِ في هذهِ المسألَةِ، كاسْتِمراءِ نَزْعِ الحِجابِ شَيئاً فَشيئاً، وكَذَهابِ الحَياء مع كَثرَةِ المخالطة، وكتَعرُّضِ المرأةِ للسُّفهاءِ من المراهقين وسِفْلَةِ النّاس حينَ الوُقُوفِ عِندَ إشارَاتِ المرور، وحين الوقوف عند محطّاتِ البنزين، وحين الوُقُوف عِندَ نُقَطِ التّفْتيش، وحين الوُقُوف عِندَ رِجَالِ المرُور عِندَ التّحقيِق في مخُالفةٍ أو حادِث، وحين الوُقُوفِ لِتغييرِ إطارِ السّيّارَةِ، أو لِمِلءِ إطَارِ السّيارةِ بالهواء عندَ محلِّ التّصليح، وحين الوُقُوفِ عِندَ خَللٍ يَقَعُ في السّيارةِ في أَثْناءِ الطّريق، عدا عن الازدحام وغيرِها مِن المحاذيرِ التي تُغلِّبُ المفاسِدَ على المصالِحِ بِشَكْلٍ كبير، فإذا انْتَفَت تلكَ المحاذير، كما هو الشّأنُ في الباديةِ والأماكِنِ المعزولَةِ، حلَّ للمرأةِ القِيادَة، فلا أحَدَ يَقولُ بِتَحْريمِ مُجرَّدِ قِيادَةِ المرأة للسّيّارة. إذنْ فالشّرْعُ لا يُبيحُ قِيادَةَ المرأة للسّيّارَةِ في المدينَةِ دَرْءاً لتلكَ المفاسد، فانْتَفَى بذلك حقُّها الشّرعيّ. ثانياً: لو عَرَضْنا موضوع قِيادَةِ المرأة للسّيّارَةِ على المصْدَرِ الثّاني مِن مصادِرِ اكِتِسابِ الحقّ وهو النِّظام، فهل لها حقٌّ نِظاميّ؟ لقد سبق وبيّنا أنّ النِّظامَ المعتبرَ في الدّولةِ المسلمة مَرجِعُهُ الشّرع ويُعْتَبَرُ امْتِداداً له، وما سوى ذلك ليس له اعتبارٌ شرعيّ، وإذا تبيّنَ أَنّ النِّظامَ في المملكةِ أيضاً لا يَسْمَحُ للمرأةِ بِقِيادَةِ السّيّارة، فصار الشّرْعُ والنّظامُ كلاهُما لا يُعْطيانها الحقّ، فَمِنَ أيْنَ اكْتَسَبَتْ حقَّ القِيادَةِ الذي تطالبُ به إذن؟ وكيف تدّعي حقّاً وهميّاً لا حقيقةَ له؟ ولو قُلنا بِصحّةِ هذا الحقِّ الّذي لا أصْلَ له فإنّنا سَنفْتَحُ باباً واسعاً للمطالباتِ الوهميّةِ لا سبيلَ إلى إغلاقه، فللمرأةِ أن تُطالبَ بحقِّها في السُّفور، وللمرأةِ أن تُطالبَ بحقِّها في السَّفَرِ لِوحْدِها دُونَ محرم، وللمرأةِ أَن تُطالب بحقِّها في المشاركة في الألعاب الأولمبية، .. إلى آخره ..

стр. 201

فالشّرعُ إذن لا يُعطيها الحقَّ في القيادة، والنِّظامُ كذلك لا يُعطيها الحقّ في القيادة، فَمِن أينَ لها أن تُطالبَ بهذا الحقّ؟ اللهُمّ إلاّ إن كانت تستنِدُ في هذا الحقّ إلى قِيَمِ الغربييّن والمستغربين وأعرافِهِم، فإنّ قِيَمَ هؤلاءِ وأعرافَهُم لا قيمةَ لها في الإسلام إلاّ كما قال تعالى ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩] ف على الّذينَ اسْتُدْرِجُوا إلى مَقالَةِ (مِن حقِّ المرأةِ أَنْ تقود) والّذينَ اشْتَبَهَ عليهِم فَتساءلوا (أليسَ لها الحقُّ في أَنْ تَقود؟) على هؤلاءِ أَنْ يَتَنبّهوا إلى أَنّ الحقوقَ لا تُكْتَسِبُ مِن الأهواءِ ولا مِن العاطِفة ولا مِن الفَلْسَفاتِ الغربيّةِ والشّرقيّة وإنّما تُكْتَسَبُ مِن مَصادِرِها الشّرعيّة والنِّظاميّةِ المعتبرةِ شرعاً، وخِلافُ ذلكَ يُعدُّ تَمرُّداً وخُروجاً على الشّرْعِ مِن جِهة، وخُروجاً على النِّظام مِن جِهَةٍ أُخْرَى. اعتبارات مصاحبة: الخلاف في حكم قيادة المرأة للسيّارة. قد يحتج البعض بآراءِ بعضِ العلماء وطلبةِ العلم المخالفِ لفتوى كبار العلماء في المملكة، سواء كان أولئك المخالفون في داخل المملكة أو خارجها، فالفصل في هذا يعود إلى أمرين: الأول: المكان والبيئة. في معظمِ البلادِ حَوْلَنا يكادُ الاختلاطُ بين الجِنسيْن أن يكونَ عُرفاً اجتماعيّاً مُحترَماً ومحميّاً بالنِّظام، وكذلك سُفورُ النِّساءِ على تفاوت بين بيئةٍ وأخرَى، وبالتالي فإنّ العلماء الّذين يعيشونَ في تلكَ البيئات لا يرون محذوراً في قيادَةِ المرأةِ للسيّارة، لأنّ قياسَ قيادةِ المرأةِ للسيّارة إلى مفسدةِ الاختلاط المتأصّل بين الجنسين، ومفسدةِ اعتيادِ النسّاءِ للسّفور في بلادهم يجعل قيادةَ المرأةِ [الحاصل أصلا عندهم] بالنّسبةِ إلى تلك المنكرات الآنفة الذكر شيئاً عرضيّاً لا يُقدّم ولا يؤخّر، فلا غرابةَ أن يُفتوا بالإباحة، أمّا في بلادنا المحافظة التي تحتضن الحرمين وتستظلّ بالشريعة فالأمر مختلف، فإنّنا ولله الحمد لم نصل إلى ذلك الوضعِ الخطير الذي وصلوا إليه، فالاختلاط والسّفور في بلادنا ما زال محدوداً ومستنكراً، وحياءُ المرأةِ وسترُها في المجتمعِ هو الأصل، فإذا قيل إنّنا البلد الوحيد في العالم الذي لا يُسمح فيها للمرأةِ بالقيادة قلنا نعم لأنّ ذلك من خصوصيّاتِنا ومن تَميُّزِنا الذي نفخر به ونحمد الله تعالى عليه، ولذلك يرى كبار العلماء في بلادنا أنّ قيادة المرأة يؤدّي إلى محاذير عديدة - سبق ذكرها - لا تُوجدُ أصلاً في مجتمعاتِنا، فلماذا نُمهِّدُ لها الطّريق فيحصُل لنا ما حصل في تلك البلاد الأخرى؟ ونرى أثَرَ البيئةِ والمكانِ مطّرداً في مسائلَ أُخْرَى أيضاً، كمسألةِ المظاهراتِ مثلاً، قد يرى العلماءُ في بلادٍ مّا جوازَها للمصلحةِ الرّاجحة منها في تلك البلاد، بينما يرى كبارُ علماءِ المملكة أنّ مفاسدها في بيئتِنا أكبرُ مِن مصالحها لاختلافِ البيئةِ والظروفِ المحيطة أو لِعللٍ أخرى، وقِس على ذلك. الأمر الثاني: المرجعية. إذا لم تنضبط الفتوى أصبحت فوضى، والضابط في الفتوى أن يُعتمد منها ما صدر عن الجهات المخوَّلة بالفُتيا، ومرجعيّةُ الفتوى في المملكة هي هيئة كبار العلماء، فإذا خالف أحدٌ من طلبة العلم فتوى كبار العلماء في مسائل الاجتهاد، كمسألة قيادة المرأة للسيّارة، رجعنا في الرأي الرّاجح إلى كبار العلماء لا إلى صغار طلبةِ العلم. بين الشرع والنظام ذكرنا فيما سبق أنّ النِّظامَ أحد مَصْدَري اكتساب الحقّ، وأنّ هذا ليس على الإطلاق وإنّما بِما يتّفق مع المصدر الأساس الّذي هو الشّرع، فَمنحُ النّظامِ للحقّ مُقيّدٌ بما وافق الشّرع، فلو مضى الزّمان وتبدّل الحال وقُدِّمَ النِّظامُ على الشّرع في أمرٍ ما فإنّ النِّظام حينذاك لا يُعتَبرُ مانحاً لِحقِّ بل مانحاً لما يَعتبرُهُ الشّرعُ باطلاً ومنكراً يستلزم النّصيحة والاحتساب، ولا يُعدُّ مَن اسْتندَ إلى النّظامِ في تلكَ الحال صاحب حقّ. أخيراً، أسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّاً ويرزقنا اتّباعَه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.

стр. 202

السلفية ... منهج، أم جماعة ؟ فهد بن صالح العجلان الأحد١٠رجب١٤٣٢هـ تشهد الساحة الإعلامية هذه الأيام هجوماً عنيفاً ومتلاحقاً ضدَّ السلفية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، في ظاهرة ملفتة أثارت انتباه المتابعين لبدء حلول موسم الهجوم على السلفية، والحقيقة: أن الهجوم على السلفية متواصل أبداً لا يتوقف صريره، يشتعل في أوقات ويخفت لهبه في أُخَر؛ فليس ثَمَّ موسم للطعن في السلفية؛ لأنه غذاء يومي لكثير من الحانقين والخائفين من الخيار الإسلامي. هل السلفية منهج، أم جماعة وحزب معين؟ أكثرية المشاركين في إشعال الحرائق ضد السلفية لا يميزون بين الأمرين؛ لأن لديهم خصومةً عميقةً مع المنهج الإسلامي عموماً، ومن ثَمَّ فلا أثر لهذا التمييز لديهم لأن النقد متَّجه بشكل أساسي إلى المنهج الإسلامي. السلفية: هي منهجٌ في طريق السير على هدي الإسلام: فحين تتفاوت الأفهام في تفسير الإسلام ومعرفة أحكامه وتحديد المنهجية الصحيحة فيه تأتي السلفية معتمدة على منهج السلف الصالح: من الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فهم خير هذه الأمة، وأزكاها ديناً، وأعلاها مقاماً، وأعمقها فهماً، وأعلمها بما كان عليه النبي ﷺ ؛ فمن اجتهد في سلوك طريقهم فهو سلفي أيّاً ما كانت الجماعة التي ينتمي إليها. يرتكز قوام السلفية على احترام هذا الجيل الإسلامي الفريد والاقتداء به، وتربية النفس والأجيال على تقديرهم وبيان فضلهم؛ ليس تنزيهاً لهم عن الخطأ؛ بل استهداء بفهمهم وسيرٌ على خطاهم. تسير السلفية على خطا هؤلاء الأسلاف في ما أجمعوا عليه، وعلى اتِّباع منهجيتهم في التلقي ومصادر الاستدلال وكيفيته، وفي مسالك التعبد والأخلاق؛ فهم أَوْلى الناس بالحق فلن يخرج الحق عن قولهم إن أجمعوا، ولا عن أقوالهم إن اختلفوا. تعظِّم السلفية من شأن النص الشرعي - كتاباً وسُنة صحيحة - وتجعله هو الأصل الذي تعتمده وتستهدي به، لا تردُّ أي نص صحيح لذوق أو هوى أو معقول، ولا تضع أمامه عراقيل القيود والشروط؛ بل تنقاد إليه وتسلِّم له حين يتبين أنه مراد الله ومراد رسوله ﷺ ؛ فالنص هادٍ ودليلٌ تتَّبعه النفوس، وليس تابعاً ومنقاداً يسير خلف ما تريد النفوس والقراءات المختلفة منه. تؤمن السلفية بشمولية الإسلام في العبادات والأخلاق والمعاملات وشوؤن الحياة كلها؛ شمولاً يضم الفرد والمجتمع، الحاكم والمحكوم والحُكْم، والدنيا والآخرة، والمصالح العاجلة والآجلة، في رؤية متكاملة لِمَا يُسعِد المسلم في دينه ودنياه. تشهر السلفية بوضوح تام ضرورة إخلاص العبادة لله - تعالى - وأولوية تطهير النفوس من الخرافات والمعتقدات الفاسدة والبدع المحدثة؛ التي تخالف ما كان عليه الصحابة وتابعوهم. هذه هي الأصول العامة للسلفية؛ فهي منهج ورؤية؛ من التزم بها ودعا إليها واجتهد في تحقيقها فهو سلفي أيّاً ما كان، ومع أي جماعة سياسية سلك. ومن خالف أصولها خرج عن السلفية. إذن: ما معنى أن تكون السلفية منهجاً لا جماعة؟

стр. 203

١ - أنه ليس ثَمَّ ناطق أو ممثل للسلفية يعبِّر عن رأيها ومنهجها؛ بحيث يكون من خالفه فهو مخالف للسلفية ومن وافقه فهو موافق للسلفية، لا يوجد شخص ولا جماعة ولا حزب كذلك؛ فهي منهجية استدلال تحاكم الأفراد والجماعات ولا تحاكَم هي إلى أحد، فليس ثم جماعة تمثل السلفية؛ وإنما يوجد أفراد وجماعات ينتسبون إلى السلفية ويسعون لتحقيق منهج السلف؛ فلا يمكن اختزال السلفية في جماعة محددة ولا في قضايا معيَّنة. وهذا ما يفسر لك التباين الشديد بين الجماعات المنتسبة إلى السلفية في كثير من الوقائع؛ حتى إنك لتجد التعامل مع الأنظمة السياسية المعاصرة يختلف من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال في رؤية بعض الجماعات التي تنتسب إلى السلفية؛ فهذا التنافر التام والاختلاف الجذري يثبت أن السلفية ليست جماعة محددة؛ وإنما منهج ورؤية قد يُحسِن المسلم تطبيقها وقد يسيء فهمها فيقع في الخطأ والانحراف. ٢ - أن مجرد الانتساب إلى السلفية لا يكفي لأن يكون الشخص سلفياً، وكون الشخص لا يتسمى بالسلفية لا يخرجه ذلك عن السلفية؛ لأنها ليست جماعة تقتصر على أفرادها المنتسبين إليها؛ يكتفي الشخص بمجرد الانتساب إليها؛ بل هي منهج ورؤية تقوم على اقتناع بضرورة معرفة وتطبيق منهج الصحابة ومن جاء بعدهم من الأئمة والعلماء الكبار. ٣ - أن وقوع بعض المنتسبين إلى السلفية في بعض الأخطاء لا يجوز أن يُُنسَب إلى السلفية؛ وإنما تُنسَب الأقوال والأفعال إلى قائلها أو إلى الجماعة التي تقررها، وحينئذٍ فالنقد الإعلامي الذي يوجَّه إلى السلفية بشكل عام هو نقد مأزوم غير موضوعي؛ لأن الناقد يقصد شخصاً معيَّناً أو فئة محددة، ويتكلم بخطاب عام، ثم يكرر في كل مرة اعتذاره أنه لا يقصد الجميع؛ وإنما يقصد بعضهم. وسبب الخلط نشأ لديه من عدم تمييزه من كون السلفية منهجاً لا جماعةً. ٤ - أن السلفية لا تعني الاتفاق على المسائل الفقهية الخلافية أو المواقف السياسية المبنية على تقدير المصالح والمفاسد؛ فاتفاقهم على الأصل الكلي والمنهج العام لا يؤدي بالضرورة إلى اتفاقهم في الفروع والتفاصيل، وقد كان السلف الصالح يختلفون كثيراً في المسائل الفقهية وفي تقديرهم للمصالح والمفاسد، ولم يكن هذا سبباً للطعن في أحد منهم ما دام أنه مستمسك بالأصول والمنهج الكلي، بل هذا دليل على ثراء المنهج السلفي وتنوعه. ٥ - أن الأخطاء التي يقع فيها الشخص لا تخرجه عن السلفية ما دام أنه ملتزم بها ومستمسك بأصولها ومجتهد في تطبيقها ومراعاتها في الواقع، اللهم إلا أن يخالف أصلاً كليّاً من أصول السُّنة، أو تكثر مخالفته وتطَّرد في عدد من القضايا الجزئية مما يصل لحد الانحراف في الأصل الكلي [انظر: الاعتصام للإمام الشاطبي: ٣/ ١٤٠.]، مع أهمية التأكيد على أن هذا حكم على الوصف لا العين؛ إذ في الحكم على أعيان الأشخاص من الضوابط ما يقتضي شديد التورع والاحتياط فيه. ٦ - وكون السلفية منهجاً لا جماعة يعني بداهة أن المنتسبين للسلفية هم قِطَاع واسع جداً من العالم العربي والإسلامي، بل هم الأصل في عموم المسلمين؛ فالأصل في المسلم أن يتبع الدليل ويسير خلفه بمنهجية فهم الصحابة، ومن شذَّ عنه فهو المخالف؛ فالسلفية هي القاعدة والأصل وليس الاستثناء؛ فمحاولة تقزيمها في جماعة محددة أو اختزالها في قضايا معيَّنة هو جهل من بعض الناس أو أسلوب ماكر من بعض المنحرفين لمآرب لا تخفى.

стр. 204

٧ - وكون السلفية منهجاً لا جماعة لا يعني أنه كل الاجتهادات والتفسيرات مقبولة ومعتبرة في المنهج السلفي؛ فالسلفية منهج له أصوله وثَمَّ مساحة واسعة للاجتهاد في محيطه، فسعة منهجه وثراء مقولاته لا تؤدي إلى النسبية المطلقة وغياب الحدود الفاصلة التي تكشف الاجتهادات المقبولة داخل المنهج السلفي والاجتهادات المخالفة له. ٨ - إن النقد الموجَّه للسلفية يجب أن يفرَّق فيه بين النقد الموجَّه للجماعات والأفراد المنتسبين للسلفية؛ فهذا نقد مقبول ومعتبَر شريطة أن يكون عادلاً وأن يكون النقد لأفعال السلفيين لا إلى نفس السلفية، والسلفيون هم أَوْلى الناس بضرورة الوعي بأهمية الاستفادة من نصح الناس ونقدهم وتقويمهم؛ حتى لو بدر ممن يحمل مواقف عدائية أو بطريقة خاطئة فيستفاد من نقده ولن يضرَّهم قصدُه. هل سيتوقف الهجوم على السلفية حين تتميز (منهجاً) لا (جماعة)؟ بالتأكيد لا. فإن اعتماد المنهج السلفي على (النص الشرعي) محوراً مركزياً للانطلاق، وارتباطه بـ (السلف الصالح) في فهم هذا النص وتفسيره، يجعله المنهج الصحيح لفهم الإسلام وتطبيقه، وهو ما يجعل النفوس تهفو وتنجذب إليه؛ فالنفوس المسلمة متعطشة إلى الرجوع إلى هويتها ودينها وقيمها بفهمه الصحيح؛ فأكثرية الناس تبحث عمَّا يريده الله وتسأل عن المنهج والمسلَك الذي ينجيها في الآخرة، وليسوا مهمومين بمنهجية (التكيف مع الواقع) و (تبرئة الإسلام من الشبهات) ومحاولة إقناع المسلمين (بصلاحية دينهم لكل زمان ومكان)، فأكثرية المسلمين ليسوا بحاجة إليها كثيراً، وما هي إلا زيادة بصيرة ونور، وهذا (الوضوح) و (العمق) هو ما يجعل (المنهج السلفي) مخيفاً ومرعباً لكثير من المنحرفين والزائغين الذين لن تتوقف مراجل الحَنَق في قلوبهم من الغليان. المنهج السلفي يربي في أتباعه خصائص الشموخ والعزة بالإسلام رسالةً وحضارةً؛ فشتَّان بين من (يقرأ النص ليعرف مرادَه ليسير على هديه) كما هي خاصية المنهج السلفي، وبين من يبحث عن (تحقيق مراده من خلال النص) كما هي خاصية كثير من المناهج العَلمانية والتلفيقية. وشتان بين من (يبحث في النص وهو يعتقد أن ثَمَّ معنى شرعياً محدداً يريده الله)، وبين من يرى (أن الحقائق نسبية، وأنه لا وجود لمن يمتلك الحقيقة المطلقة) كما هي حالة التيه التي تعبث بكثير من أهل هذا العصر. وشتان بين من يضع (منهجاً محدداً وأصولاً واضحة في التعامل مع النص)، وبين من (يتقلب بين المناهج والأفكار بحسب كل واقعة). وشتان بين من (يتخذ الصحابة والتابعين دليلاً بين يديه)، وبين من (يسير خلف فلاسفة وضلال الشرق والغرب). إنه منهج يتسم بالوضوح والاطراد، والتناسق والتماسك، وهو ما يجعل أثره عميقاً في نفوس المستمسكين به، ودورَه فاعلاً في التأثير على المخالفين، وهو أيضاً أقدر المناهج على الدفاع عن أحكام الإسلام؛ لأنه لا يسلِّم للمخالف بباطل يتوصَّلون من خلاله للطعن في الإسلام. إن بعض المنحرفين يوجِّه سهامَه إلى السلفية فينتقدها على أمور هي من صميم الإسلام؛ فهو ينتقد في الظاهر الجماعات السلفية لكنه في الحقيقة يطعن في الإسلام نفسه؛ كمن ينتقدهم في أصل (الحجاب) أو (التوحيد) أو (الحكم الإسلامي) فهو في الحقيقة يطعن في الإسلام نفسه؛ وإن زعم أنه يقصد الجماعات السلفية؛ فمن الخلل ونقص الحكمة أن يتعامل بعض الناس مع ظاهرة النقد هذه وكأنها موجَّهة إلى جماعة محددة؛ فمن المهم أن يستوعب الشخص الأسباب التي تدعو للنقد وحقيقة النقد حتى يدرك من خلالها، هل هو نقد لـ (جماعة) أم طعن في (منهج ورسالة)؟

стр. 205

الحِمْيَة الفكرية علي بن جابر الفيفي الأحد١٠رجب ١٤٣٢هـ ألاحظ إقبالاً وتلهّفاً غريباً لدى الشباب على قراءة الكتب الفكرية، والتي يناقش بعضُها كثيراً من المسلمات الدينية، من أمثال كتب الجابري وعلي الوردي وأركون وغيرهم .. وحجّتهم في ذلك ضرورة التسلّح الفكري، ومعرفة ما عند الآخر .. ولظنّهم أيضاً أنهم سيجدون لدى هؤلاء أشياء لم يجدوها لدى ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وغيرهم من أعلام الإسلام ومفكريه الأصلاء في القديم والحديث .. وفي ظني أن هذه الموجة هي ظاهرة غير صحيّة أبداً، يجب مكافحتها، وأطر النفس على تجنّبها، لدى فئة وترشيدها لدى فئة أخرى، ليس العمر وحده من يحدد هاتين الفئتين بل مقدار الوعي والطبيعة النفسية كذلك تعتبر محددات مهمة، فهي (أي هذه الموجة والصرعة الفكرية) باب ضلالة، وقد نُهي المسلم عن إلقاء نفسه إلى التهلكة ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ومن أعظم الهَلًكة هَلَكة الدين، يقول ابن تيمية ﵀: (من تعرّض للفتن .. وكله الله إلى نفسه) .. فلا يصح أن يعرّض المؤمن نفسه للفتن، ويدخل قلبه في اختبار قدرات عقدية، قد يخرج منه راسبا والعياذ بالله .. بل إن من المطالب العظيمة التي يجب على المؤمن أن يشد يده عليها الحرص على نقاء التصور الديني، وعدم شوبه بغيره، وقد نهى المصطفى ﷺ عمر بن الخطاب عن قراءة ورقة لديه من التوارة وقد يُلمح في هذا النهي الحرص على نقاء العقيدة وعدم خدشها بما يجرحها .. لا ينبغي تعريض القلب للفتن، ((لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر إذا استجمعت غلياناً))، ولا يظننّ ظان أن الضلالة تهجم على الإنسان دفعة واحدة، بل قد تستخدم سياسة النَفَس الطويل للفتك بعقيدة الإنسان، فقد قال المصطفى ﵊: ((تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً .. ))، وسُمّي السير في طريق الشيطان باتّباع (خطوات) الشيطان: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: ١٦٨] فهناك عرض للفتن وهناك خطوات، إذن فالضلالة تتوسّل بشعور الإنسان بالأمن من الإضلال فتدلف عليه من هذا الباب متوشّحة جلباب حب الإطلاع، أو العلم بالشيء خير من الجهل به، وما تزال تتجمّع حتى لا يستطيع القلب دفعها فتدفع به هي في وديان الضلال المبين .. كانت الخواطر العقدية السيئة تخطر في قلوب الصحابة، فلم يكونوا يُفصحوا عنها، بل يقول أحدهم لأن أتحوّل إلى فحمة خير لي من أن أقولها، ويقول الآخر لأن أخرّ من السماء أحب إليّ من أن أبوح بها، مع أن الذي سيفصحون عن خواطرهم لديه هو رسول الله ﷺ ، ولكن لوك الشبه العقدية ليس مما ترضاه فطر أهل الإيمان .. فكيف بالعكوف على كتاب قد جمع فيه مؤلفه أنواع الضلال، مع الاستدلال لها، وردّ ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .. ومما يُلحق بكتب أهل الزيغ مقالاتهم التي يكتبونها في المنتديات والصحف وخواطرهم التي ينشرونها في صفحاتهم ومقاطعهم التي ينزلونها في بعض المواقع ..

стр. 206

وقد كان نهج السلف ﵏ البعد عن أهل البدع، وعدم تعريض الناس لسماع أقوالهم، بل كانوا يطردونهم من مجالسهم، وكانوا يكبتون الأقوال الشاذة، والبدع المستحدثة بحصرها في أضيق نطاق، ومناقشتها عبر الكتب المتخصصة، وعدم بثها بين الناس، بل كان الفُضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: (لو سألني أحدهم: أمؤمنٌ أنت؟ ما كلّمته ما عشت)، يقول هذا في زمن انتشار فتنة القول بالإيمان، فتأمل أخي الحبيب كيف كان ﵀ يقطع دابر الأقوال الشاذة بخنقها في صدور أصحابها، فلم يكن يأمن على نفسه ولا على من حوله من كثرة ترداد مثل هذه الأقوال والتساؤلات .. مع أنها مجرد تساؤلات .. فكيف بكتب تنثر الشبه كنثر الدقل، وتبرهن عليها؟ ولم يكن الفضيل بِدعاً من بقية علماء وسادة السلف عليهم رضوان الله .. بل إن من حرص السلف الصالح على نقاء العقيدة ونقاء التصور، والبعد بالناس عن مواطن الإضلال أمرهم بالسكوت عن شيء من الدين، مما لا تبلغه بعض العقول، قال ابن مسعود: (إنك لن تحدث قوما حديثاً لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) .. فكان السلف يسكتون عن ذكر بعض صفات الرب إن كان في مجالسهم عامة الناس الذين لا يدركون مثل هذا الكلام، خشية أن ينكت الشيطان بها في قلوبهم نُكت الشُبه .. ويتحدثون بالكلام المشهور المعروف من أمور الدين .. البعض يرى في كتب ابن تيمية - مثلا - كلاما فلسفيا، وعمقا في رد شبه أهل الكلام مما يشي باطلاع عميق على هذه العلوم، ومن المعروف عنه ﵀ أنه ضليع في علم الكلام، فقد تبحر فيه، فيكون مثل هذا داعيا لهؤلاء لتعريض أنفسهم لقراءة كتب أهل الانحراف، ولم يعلموا أن ابن تيمية وأمثاله إنما فعلوا ذلك بعد أن تضلّعوا من علوم الوحي، وبعد أن صاروا أئمة في الدين، فقرؤوا ما قرؤوا من كتب أهل الكلام وقد صاروا دهاقنة بصيرين يميزون زيف الأقوال من غيرها، ويخرجون الضلالات من كتب أهل الزيغ بالمناقيش كما يقال، ثم يردون عليها، ويفنّدونها نصحاً للأمة، وليس من قبيل الترف الفكري هذا الذي صرنا بسببه نخاطر بصفائنا .. أصبح البعض يقبل على مثل هذه القراءات، بل يدعو إليها، فإذا ما نُصح في ذلك أتى بكلام يحمل مورّثات قبليّة، وكأن القضية من قضايا النخوة والشهامة؟ من مثل: لسنا صغارا؟ ونحن رجال وهم رجال! ومن أشد الكلمات التي تقال في هذا السياق كلمة صنعها الشيطان في معمله ثم نشرها في الآفاق تقول الكلمة: ليست عقيدتنا من الهشاشة حتى نخاف عليها كل هذا الخوف! وهذا من قبيل الأمن من مكر الله، يُخشى على صاحب مثل هذه العبارات أن يبتليه الله في عقيدته، لأن السماوات والأرض لم تخلق إلا للعقيدة .. ثم يأتي صاحبنا ليعرض عقيدة في أسواق البدع والضلالات .. بحجة تماسكها وبأنها ليست هشة؟ وهذا الشيطان كان من قربه من الله يعبده في معية الملائكة فضلّ ضلالا بعيدا .. فهل كانت عقيدته هشة وهو يعبد الله في السماء؟ أم أن الأمر أبعد من مسألة الهشاشة والتماسك .. إنها قضايا القلوب التي حيّرت وأذهلت وأشابت عباقرة الإسلام، حتى قالوا: ما أمن النفاق إلا منافق!

стр. 207

لا ينبغي نشر ثقافة الأمن من النفاق، مع أن من أعظم ميزات الصحابة رضوان الله عليهم هي ميزة الخوف منه، والحذر الشديد من الوقوع فيه، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كان كثير الاتهام لنفسه بالنفاق، بل مما يذكر أنه دخل على حذيفة (وهو أمين سر النبي في أسماء المنافقين) فدخل عليه المسجد وهو يقرأ القرآن وقال يا حذيفة لقد مات فلان فهلمّ نصلي عليه، فلم يقم حذيفة وأكمل قراءته، فأعاد عليه عمر فلم يقم حذيفة، فعلم عمر أن حذيفة قد علم أن ذلك الرجل ممن عدّهم النبي في المنافقين، فجاء إليه وعيناه تذرفان وقال: أسألك بالله يا حذيفة .. أعدّني رسول الله منهم؟ فقال حذيفة: لا .. ولن أخبر أحداً بعدك .. فهذا عمر وهو عمر، كان يخشى على نفسه من هذا الكابوس الخطير، كابوس النفاق، بينما نجد بعضنا يوغل في قراءة الكتب التي تنثر بذور النفاق في القلب نثرا خفيا .. فيعرض أحدنا نفسه لأعظم مهلكة، تودي بدينه ودنياه .. زرت في سنة من السنين شخصا أدين الله بأنه على ضلالة، فأهداني كتبا له، فرآها أحد الأحبة معي فطلبني أن أحرقها فأبيت، وأنا أقول في نفسي، لا يعلم هذا ما أنا عليه من معرفة وتحصين فكري!! وهذا كان مني غروراً وعُجبا واعتداداً بما معي من ضحل الثقافة .. وأخذت في قراءة شيء مما في تلك الكتب المشؤومة .. ثم تركتها جانبا وانصرفت لحياتي .. وبعد أسابيع أو أشهر، أمسكت كتابا فقهيا، وفي إحدى الصفحات جاء الكتاب على ذكر الإمام أحمد بن حنبل وبأن قوله في المسألة كذا .. فانقبض قلبي يسيرا، نعم والله أحسست بشيء كالبغض تسلل في قلبي عندما وقعت عيني على اسم الإمام العظيم أحمد بن حنبل! وبعد سطرين، توقفت وبدأت أتأمل ذلك الشعور الغريب على نفسي، ثم تذكرت أني قرأت في تلك الكتب الضالة نقدا لاذعا لهذا الإمام، ومع أني لم أقتنع بشيء من ذلك النقد إلا أن شؤم ذلك الكلام الذي قرأته قد تسلل إلى نفسي دون أن أعي، أو حتى أن أقتنع .. فاستعذت بالله من شر تلك الكتب، وعاهدت نفسي بعدها على أن أخاطر بأي شيء إلا قلبي، وأن أتجرأ على أي شيء إلا عقيدتي .. ومازلت أدعو لذلك الشاب الذي طلب مني إحراق تلك الكتب .. وأعلم فضل عقله على عقلي .. فالحذر الحذر من أي كتاب يُعبث فيه بمسائل العقيدة، فمنطقة القلب والاعتقاد منطقة لا ينبغي التعامل معها إلا بالحذر الشديد، وكم سالت دموع الصالحين خشية من الإضلال في آخر الحياة .. وقد تنشأ في القلب بسبب هذه المطالعات "الدسائس"، هذه الدسائس التي أخبر ابن رجب رحمه الله تعالى أنها من أسباب الإضلال قبل الموت، والتي فسّر بها حديث ابن مسعود الشهير: " .. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار .. فيدخلها!! " والعياذ بالله .. تأمل أخي الصالح كيف أن الله تعالى نهى عن قُربان المعاصي" ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] .. وهي معاصي شهوات، فكيف بنا ونحن نصول ونجول، ونخوض في مستنقعات الشبهات، ألا نخشى من الزيغ بعد الهدى؟ يجب أن نحفظ قلوبنا أعظم من حفظنا لأجسادنا، هذه الأجساد التي نعرّضها للحِمْية الغذائية حتى نحفظها، لا بد أيضا أن نعرض قلوبنا لحمية فكرية، فلا نقرأ أي مقالة، ولا نطّلع على أي كتاب، ولا نستهين بأي شبهة، فقد بكى بعض الضُلاّل من علماء الكلام بكاء حارا عندما سمع عامّيا يقول: لا إله إلا الله .. فقال ذلك العالم: أومن قلبك تقولها؟ قال: نعم؟ قال: أمعتقد بها؟ قال نعم، فبكى ذلك العالم بكاء شديدا وقال: أما أنا فلا أدري ما أعتقد! نعوذ بالله من الزيغ ..

стр. 208

فلا بارك الله في ثقافة تخدش نقاء المعتقد، ولا في اطلاع وتوسّع فكري يؤثر على صفاء القلب، فالماء مهما كان نقيا إذا ما سُخّن بالعذرة حمل شيئا من خصائصها، وإن كانت رائحتها النتنة .. فكيف بقلب فطره الله على الإيمان، ثم هو يقرأ كلاما يناقض الإيمان الحق، ويتردد على شبه قد آلت بالبعض إلى الانحراف التام، أولا يخشى على نفسه من شيء من ذلك؟ وإن للمتأمل دليلا على فساد مثل هذه الاطلاعات، وعدم رضا الرب عنها من واقعه، فبالله عليك هل تجد لذة في قراءة كتاب الله تعالى بعد انتهائك من قراءة كتاب فكريّ، سوّد فيه مؤلفه أوراقه بذكر فلسفات كافرة، وأقوال منحرفة، حتى وإن أتى على نقضها وردّها، فكيف إن جاء بها في سياق التأييد؟ ألا يخشى المؤمن الورع أن يكون في اقتنائه لهذه الكتب، وتربيح ناشيرها ومؤلفيها ركونا للذين ظلموا؟ ألا يخشى أن تمسّه نار الفتنة؟ يقول مصطفى السباعي في كتابه (هكذا علمتني الحياة) ما معناه: أن أي كتاب تقرأه يشقّ في عقلك مسارباً وممرات قد لا تُمحى أبد الدهر فلينظر القارئ ما يقرأ ولمن يقرأ .. أعلم أني أطلت، ولكن القضيّة أعتبرها تستحق شيء من الإطالة، وأتمنى من أهل العلم أن يطرقوا هذا الجانب، ويحذروا من ولع الشباب وانغماس بعضهم في القراءة لأهل الضلالة .. وأختم بقول الحق : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ .. ﴾ [الأنعام: ٦٨] فهذا تحذير لمن نزل على قلبه القرآن الكريم بأن يعرض عن الذين يخوضون في آيات الله تعالى .. أو بعد هذا التحذير من الركون إليهم، والأمر بالإعراض عنهم نستبيح لأنفسنا أن تتضلع من زبالات أفكارهم؟ سؤال أترك إجابته لمن يحب أن يأتي ربه بقلب سليم.

стр. 209

فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الاختلاط بين الرجال والنساء رقم (٢٥١٤٦) وتاريخ ٣/ ٧/١٤٣٢هـ الحمد لله وحده والسلام على من لا نبي بعده ... وبعد: فقد أطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي/ صالح بن محمد، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (٢٢٠٠١٤١٩) وتاريخ ٢٨/ ٦/١٤٣٢هـ وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصفه: (سماحة المفتي العام: في هذه الأيام كثر السؤال عن الاختلاط بين الرجال والنساء وبخاصة في العمل والتعليم، ونريد من سماحتكم التكرم بالإجابة عما ذكر، والله يرعاكم؟). وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بأن عمل المرأة وتعليمها يجب أن لا يترتب عليه اختلاطها بالرجال؛ بل لابد أن يكون في مكان مستقل لا يعمل فيه إلا النساء؛ لأن الشريعة جاءت بتحريم الاختلاط بين الرجال والنساء ومنعه والتشديد فيه، كالاختلاط في مجالات التعليم والعمل وكل ما يفضي إلى الاختلاط، قال تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فسألوهن من وراء حجاب فذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وحكم هذه الآية عام للنساء المسلمات إلى يوم القيامة. ولذلك جعل النبي ﷺ صلاة المرأة في بيتها خيراً لها من صلاتها في المسجد، حيث قال ﷺ : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄. عليه فيحرم الاختلاط بين الرجال والنساء فيما ذكر سابقاً، سواء كان ذلك بخلوة أو بدونها، ولا يجوز أن تعمل المرأة مع الرجال، كأن تكون سكرتيرة لمكتب الرجال. أو في الاستقبال لمكان غير خاص بالنساء أو عاملة في خط إنتاج مختلط، أو محاسبة في مركز أو محل تجاري، أو صيدلية أو مطعم يختلط فيه العاملون من الرجال والنساء؛ لما يترتب على ذلك من آثار سيئة على الأسرة والمجتمع. واللجنة: توصي الجميع بتقوى الله والالتزام بأحكام شرعه رجالاً ونساء طاعة لله تعالى ولرسوله ﷺ ، وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم،،،، اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ الشيخ صالح بن فوزان الفوزان الشيخ أحمد بن علي سير المباركي الشيخ عبدالله بن محمد المطلق الشيخ عبدالله بن محمد بن خنين الشيخ محمد بن حسن آل الشيخ الشيخ عبدالكريم بن عبدالله الخضير

стр. 210

مشاريع الإثارة ... قيادة المرأة أنموذجاً أحمد بن عبد الرحمن الصويان السبت٢رجب١٤٣٢هـ من مخازي الاحتلال الأمريكي المضحكة أن القيادة المركزية في أفغانستان رعت مباراة نسائية في كرة القدم، لتثبت للعالم ميدان الحرية الفسيح الذي حصلت عليه المرأة الأفغانية بعد سقوط حكومة طالبان، في الوقت الذي تعاني فيه المرأة الأفغانية من التجهيل والفقر والاعتداء، فعلاج ذلك كله يبدأ عندهم بكرة القدم! في مشهد آخر لا يقل سذاجة أثناء نقاش الأمم المتحدة لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، أقرت الاتفاقية حق المرأة في الممارسة الآمنة للجنس خارج إطار الزوجية، وحق ممارسة الشذوذ الذي يسمونه بالمثلية، وحق الإجهاض، ونحوها من معالم السقوط المدوِّية، فتحدثت مندوبة الباكستان في الجلسة عن تطلع المرأة الباكستانية إلى الحصول على الماء النقي للشرب الآمن، وليس إلى الزنا والشذوذ! في أفريقيا تبرز مشكلة المرأة الكبرى في أجندة الأمم المتحدة في ختان الإناث، أما مشكلاتها الحقيقية مكافحة الجوع ونقص الدواء والفقر .. فهي قضايا مؤجلة! لا .. بل منسية. تأمل تلك المضحكات، ثم انظر إلى قضية القضايا وأم المشكلات عندنا في السعودية في المنظور العلماني!! هل يا ترى هي محو الأمية؟! أم هي مشاكل التعليم الجامعي؟! أم فرص التعليم العالي؟! أم مشكلة البطالة؟! أم مشكلة الطلاق والعنوسة والتفكك الأسري؟! أم التظالم الاجتماعي؟! .. أم؟ .. أم؟ مع الأسف الشديد ليست هذه مشكلات للمرأة تستحق الاهتمام من قبل أولئك القوم!!، بل هناك أوليات كانت ولا تزال مؤرقة لهم، يتحدثون عنها بمناسبة وبغير مناسبة .. إنها قيادة المرأة للسيارة!!. إنَّ أكبر جناية على المرأة تسطيح قضاياها، وتشويه وعيها، وإشغالها باهتمامات تافهة، أو مشكلات جزئية، لا تبني عقلاً، ولا تنهض بأمة، ولا تؤسس حضارة. إن الفكر الذي لا يسمو بتطلعات المرأة نحو آفاق العطاء والإنجاز والإبداع، لا يستحق الاحترام والتقدير. وإثارة قيادة المرأة في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها المنطقة يزيد من حدة التوتر والاحتقان الاجتماعي، وليس من مصلحة أحد على الإطلاق تهييج المجتمع، وإثارة بؤر التوتر والفتن فيه، خاصة إذا فرض ذلك على المجتمع بالقوة، وبسياسة الأمر الواقع، وبطريقة مستفزة، وبدعوات سافرة لمظاهرات تُفرض قسراً على الدولة والمجتمع. إن تغيير المجتمع لا يفرض بمغامرة طائشة، أو بعنترية جوفاء، أو بدعوات للتمرد، أو بمماحكات إعلامية، تثير كوامن التحدي والاستقطاب الأيديولوجي، وتمزق الوحدة الفكرية والنسيج الاجتماعي. وهذه العقلية المتشنجة في إدارة هذا الملف تجعل قيادة المرأة تتحول إلى (معركة فكرية واحتراب داخلي!) لمحاولة إثبات الوجود وفرض الرأي وإسقاط الآخر، وأنا أستغرب حقاً لماذا تسعى الأقلية الفكرية لفرض خياراتها بأسلوب أتاتوركي ديكتاتوري وتهكمي على كافة شرائح المجتمع دون اعتبار لرأي الأغلبية وقيمهم! إنَّ روح الممانعة في المجتمع ليست ناتجة عن جهل الناس بحقوق المرأة ومكانتها، أو بانغلاق المؤسسة الدينية وتشددها، أو بتخلف المجتمع وبدائيته، كما يزعم بعضهم. وليست رغبة في تهميش دور المرأة التنموي والحضاري، كما يظن آخرون؛ بل هي ممانعة إيجابية واعية بأبعاد المشروع التغريبي الذي يريد حرق المراحل، والقفز على الواقع، وإسقاط المجتمع في حمأة التقليد والتبعية الثقافية.

стр. 211

ولهذا اسمحوا لي أن أكون صريحاً فأقول: إن قيادة المرأة للسيارة ليست معزولة عن بقية ملفات المرأة في مجتمعنا؛ بل هي حلقة مصطنعة من منظومة مشاريع فكرية؛ تسعى لكسر الحواجز الاجتماعية، وتهيئة بيئة مناسبة، تنطلق من خلالها الحركات النسوية؛ لخلخلة بنية المجتمع وكيانه الأسري. وأحسب أنه من السذاجة أن يستدرج بعض العلماء أو الدعاة للحديث عن الحكم الفقهي بعيداً عن أصوله وقواعده الشرعية، وسياقه الفكري والمجتمعي؛ فالمسألة أعقد من ذلك بكثير، فنحن أمام مشروع فكري، نسوي، تغريبي، يستهدف هوية المجتمع وثقافته، وقيادة المرأة للسيارة أحد مفاتيحه المرحلية الفاعلة!. وإذا تأكد أن وراء الدعوة الجماعية لقيادة المرأة أطرافاً شيعية اختارت اليوم الذي يوافق ذكرى وفاة السيدة زينب ﵂ وأرضاها -، فهذا يكشف بعداً سياسياً وطائفياً خطيراً يتجاوز الفعل الاجتماعي، ويرمي إلى توظيف المنطلقات الأيديولوجية في إحداث شرخ غائر في كيان المجتمع! إن الممانعين لقيادة المرأة يدركون أن هناك مشكلات حقيقية يفرضها وجود السائق الأجنبي، ويسؤوهم ذلك كثيراً، وأرى أنه من واجبنا جميعاً أن نتعاون لدرء آثاره السلبية، لكن هل قيادة المرأة ستطوي هذا الملف؟ الواقع الخليجي في دول الجوار يكشف لنا غير ذلك، وقيادة المرأة ستفتح أبواباً من المشكلات جديدة، تعمق المشكلة ولا تلغيها. ولو أننا طالبنا وزارة النقل والمواصلات بإنشاء شبكة من القطارات الداخلية والمواصلات العامة بنفس الحدة التي تطالب بقيادة المرأة، لاستطعنا أن نخفف العبء على الرجال والنساء على حدٍّ سواء. ودعونا نكون أكثر هدوءً واتزاناً ونناقش مشكلاتنا بعقلانية ومسؤولية، بعيداً عن الانتقائية والازدواجية في الرأي، تلك الازدواجية التي تجعل بعض دعاة قيادة المرأة بنفسها بدعوى الخوف من الاختلاط بالسائق الأجنبي والاختلاء به، هم أنفسهم دعاة الاختلاط في أماكن العمل، فأي موضوعية تلك التي يتشدقون بها؟! إن قضية قيادة المرأة قضية رأي عام، والاستخفاف بالرأي العام أو تجاوزه لن يحقق هدفاً، بل سيصنع بؤرة ساخنة من بؤر التدافع الاجتماعي، ويثير الاحتقان الشعبي، والقصور في قراءة الواقع الاجتماعي، وفهم المؤثرات الحقيقية فيه، سيدخل الجميع في أزمات تهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع، وما الدعوات المضادة لقيادة المرأة للسيارة (باستخدام القوة) في بعض صفحات الفيس بوك، إلا دليلاً على ما أقول؛ فهل يعي المنادون بيوم (١٧ يونيو) ذلك؟!

стр. 212

قراءة في الفكر التنويري أحمد عبدالله الشهري الأربعاء ٢٨جمادى الآخرة الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،. أما بعد: الحركة الفكرية التنويرية هي في حقيقتها مخرج من مخرجات العولمة العصرية، ومنهجها قائم على المزاوجة بين الأصول الاعتزالية والحضارة الغريية بفكره ومؤثراته، وهذا من باب تقريب الشرائع فيفهمون النصوص الشرعية على سبيل الاستقلال .. فتحمله على أي تفسير تريد، وهذا يعني قبولهم بالمفاهيم الغربية على حساب المفاهيم الشرعية، فعطلوا الشريعة بداعي تقريب الشريعة، وردوا النصوص بداعي قراءة النصوص، فأحيوا عينا سادة، وورثوا أفكارا شاذة. فهم ثمرة تطور تاريخي للمدرسة الاعتزالية والتي تعتمد على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد قال ابن العربي: (العقل مزكي الشرع, ولا يصح أن يأتي الشاهد بتجريح المزكي ولا تكذيبه). فالمدرسة الإصلاحية التنويرية هي في الحقيقية تكرير لأفكار المعتزلة، وهذا ليس بغريب، فمؤسس هذه المدرسة هو جمال الدين الأفغاني وهو- شيعي إيراني - تلقب بالأفغاني لتسهيل مهمة دعوته في البلاد الإسلامية، ثم خلفه تلميذه المخلص محمد عبده وكان متعاونا مع الأنجليز حتى أن اللورد كرومر كان له الدور الأكبر في وصوله للإفتاء، يقول كرومر: (إنني قدمت لمحمد عبده كل تنشيط استطعته مدة سنين كثيرة , ولكنه عمل شاق فضلا عن العداء الشديد الذي كان يلاقيه من المسلمين المحافظين , كان لسوء الحظ على خلاف كبير مع الخديوي , ولم يتمكن من البقاء في منصب الإفتاء , لولا أن الأنجليز أيدوه بقوة)، وقد تبنى المنهج الاستشراقي حتى قال مستر بلنج: (أن محمد عبده لا يثق في انتمائه للشريعة). كما تأثر بهذه المدرسة أيضا محمد الغزالي، وكان له هجوم على السلفيين، فأنكر الخوارق والمعجزات ورد حديث الآحاد، وغيرها. ومن نظر إلى التاريخ القريب وجد ما خلفته المدرسة الإصلاحية في العالم الإسلامي من خراب. كان من نتاجه دهاقنة العلمانية المعاصرة كسعد زغلول وقاسم أمين ومصطفى كامل وغيرهم. إن هذا التراث وهذه السموم من الفكر البابلي والفينيقي والإغريقي والتي تجدها أيضا في كتابات عابد الجابري وحسن حنفي ومحمد أركون وحسين مروة تصدر من مشكاة مدرسة الفلسفة اليونانية وإحياء مفاهيمها التي ارتبطت بالقرامطة، وهي تنطلق من منطلق واحد وهو: مدرسة العلمانية والفلسفة المادية كأساس لعملية تدمير الأصالة الإسلامية. والناس أسراب طير يتبع بعضهم بعضا، والبيضة تفقس على فكر الحاضنة .. قال أحدهم في أول تجربة طيران له: " نحن تيار نقوم على نقد التيار السلفي وتفكيك بنيته التقليدية ومنظومته التي تعيق مشروعات النهضة والتقدم الحضاري "، هكذا قال!!، وما شعر أنه أهون من تبالة على الحجاج!!، وربما يصدق عليه ما قاله أبو بكر ابن العربي في شيخه حين قال: (شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة , وأراد أن يتقيأهم فما استطاع). إن رفعهم لشعار الإصلاح ماهو في الحقيقة إلا غطاء لتمرير أجندة فكرية تتعارض مع الإصلاح الحقيقي .. وهي مخادعة إبليسية، سنها لهم رائد الإصلاح التنويري في زمانه بقوله ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] إن المشروع الإصلاحي بمفهومه العام مشروع أمة ومنهاج نبوة ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] والمدنية قامت مع الشريعة لا عنها، والإصلاح السياسي جزء من منظومته، وقد عني به السلف خير عناية، فما أهل التنوير في الإصلاح إلا ورقة من كتاب بيد مصلح سلفي.

стр. 213

واليوم، وفي عالم الثورات، تدخل الورقة التنويرية في نسختها الجديدة من غير محرمية بلاد التوحيد، متلفعة بجلباب الإصلاح، وفي حقيبتها خطوة ماكرة لمنابذة الشرع في سنة الاتباع بافتعال هذه الكلية وهي: طرد تسبيب ثلب المنهج السلفي من باب الإصلاح السياسي، على يد ركالة تسوروا محراب الإصلاح ولم يتهذبوا بمنهج السلف، قال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: (ليس ما لا يعرف من العلم , إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن). وإن تعجب فعجب قول أحدهم - ممن خرج من رحم التنوير الخالصي "خالص جلبي" - في قناة فضائية: (لسنا بحزب ولا بجبهة , هي تيار يلتقون في بعض الأفكار ويختلفون في بعض) فيصفون أنفسهم بالتنوير ثم لا يؤمنون بحمولته الفلسفية!! فسمتهم هذا يدل على التناقض التام، وانعدام المنهج الواضح، والقفز على الثوابت، وعور القراءة التاريخية، وتمييع الدين، وإحداث الفرقة في المجتمع المسلم، حتى نجح الشركاء أصحاب المشروع الواحد من الليبرالية والرافضة في توظيف أعيان هذا الفريق لضرب التيار السلفي وخلخلته. فإن كانت الحركة التنويرية قد قامت بشيء من الإيجابية في القرن الماضي - كما قرره محمد قطب- بإزالة التعلق بالخرافة ومحاربة الأفكار الصوفية، فإنهم اليوم يدعمون الخرافة بتحالفهم الواضح مع الرافضة والصوفية، وعدم نقدهم إياهم، وبإثارة الشكوك حول قداسة النص الشرعي ومن يملك حق تفسيره - النص المفتوح -، ومهاجمة المؤسسات الدعوية، وانتقاصهم لأهل العلم وازدرائهم لهم،. وما تنبو عنه أذواق القراء وأفهامهم. وسبيلهم في ذلك إنما يعنيهم إصلاح منهجهم لا منهج مخالفهم، ولو كان عندهم مسكة من عقل ودربة من فهم، ماسلكوا هذا المسلك، والعلماء تقول: (دل على عاقل اختياره , وقالوا الرجل من وفور عقله)، فهذا الاختيار لهذا التعليل: سذاجة في الرأي وفساد في المزاج، فالإنسان بطبعه النقص ويعتريه الخلل، وكل ملة أو نحلة إلا وفي أتباعها مالايوافق عليه، والعبرة بالمنهج وسلامة المقصد، والعصمة للأنبياء، وطلب إصلاحه أعز من بيض النوق. وإنك لتحزن لحال بعض طلبة العلم ممن اتخذ البشت الشرعي ليستر به سوءة الفكر التنويري، فتراه يلهث في طلبهم بالمنافحة عنهم، ويتلمس ودهم في كتاباته بنظره بذات عينهم في همز المنهج السلفي ولمز رموزه، وهو مزلق خطير، وسبيل لخدش الاعتقاد، فهذا عمران بن حطان تزوج ابنة عمه ليردها عن رأي الخوارج فصرفته إلى منهجها. وختم القول لأهل التنوير، نقول كما قال الجويني: (عليكم بدين العجائز). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم , , ,

стр. 214

لماذا يرفض العلماء مشروع قيادة المرأة للسيارة عبدالرحيم بن صمايل السلمي الإثنين ٢٧جمادى الآخرة١٤٣٢هـ القراءة الصحيحة للحالة السعودية في إشكالية قيادة المرأة للسيارة هو المفتاح لمعرفة المبرر الحقيقي لرفض العلماء والمجتمع المحافظ للمشروع والفكرة، فمشروع قيادة المرأة للسيارة لم يكن نتاج احتياج مجتمعي حقيقي ظهر بصورة طبيعية، بل جاء وفق أجندة ورؤية كلية للتغيير الفكري والاجتماعي في المملكة، فأول من أطلق شرارة الفكرة هم العلمانيون أيام أزمة الخليج ١٤١١، ثم أصبح شعارا لهم؛ فهو مشروع تغريبي منذ البداية ولو كان مشروعاً مجتمعياً لجاءت المطالبة به من عموم الناس الذين لا يعرف عنهم توجهات ليبرالية أو ارتباطات دولية تسعى للتغيير التحرري المنافي للقيم والأخلاق والمناهج الشرعية. أما مشاركة التنويريين والإصلاحيين فلا قيمة لها لأنهم فئة منهزمة تتبع الليبراليين ليس في هذا الموضوع فحسب بل في أكثر من ذلك، فلو طرح - مثلا - مشروع الاختلاط في التعليم، أو الثقافة الملوثة بالفكر الغربي مثل إتاحة كتب وفعاليات التيارات العلمانية الملحدة لوافقوا على ذلك وموقفهم من سلبيات معرض الكتاب وغيره يدل على ذلك. ولو أخذنا نموذج اجتماعي قريب من السعودية (النموذج اليمني) تقود فيه المرأة السيارة - إن احتاجت - وهي في كامل حشمتها دون أي صراع فكري واجتماعي، وأردنا أن نضع أيدينا على سبب عدم الرفض الاجتماعي القوي من علماء اليمن وقبائلها الشديدة المحافظة على الأعراض لوجدنا أن السبب هو أن هذا الموضوع لم يكن نتيجة رؤية كلية تهدف لفرض التغريب على المجتمع اليمني وإنما جاء في سياق اجتماعي طبيعي. إن من ينظر إلى قضية قيادة المرأة للسيارة بشكل جزئي، أو مبتوت الصلة عن خلفياته الفكرية يقع في الخطأ والظلم: الخطأ في تصور القضية، والظلم في القدح في العلماء، لأن الموضوع عبارة عن غطاء قام به دعاة التغريب لفتح أبواب الفتن على المجتمع، وهذه الرسالة وصلت للعلماء والمشايخ ومن ورائهم المجتمع المحافظ، وتسطيح الموضوع أو مناقشته بصورة جزئية ستجعل الحوار حوله كحوار الطرشان، وسيستمر التجاذب حوله والتزاحم عليه دون نتيجة حقيقية فاعلة. ومن حق العلماء والمشايخ أن يفتوا بالتحريم من هذا المنظور، ومن هذه الزاوية، وهي رؤية مقاصدية عميقة تدرك أبعاد المشروع التغريبي في المجتمع، والاستهتار برؤيتهم وفقههم لا يضر إلا صاحبه، فالكل قادر على السخرية والاستهتار بأفكار الآخرين، ولكن النتيجة للحق وأهله بإذن الله تعالى. ولو وجدت الضمانات الأخلاقية والفكرية والعقدية لما كان هناك من يعارض ذلك من أهل العلم، وكان الوضع أمراً طبيعياً لأن الأصل فيه الإباحة، ولكن هذا الأصل طرأت عليه علل مؤثرة في وصف الحكم، وهي علل حقيقية وليست موهومة، ولا أظن أحداً يحترم عقله وعقول المتابعين ينفي وجود الإشكالات الأخلاقية والفكرية، فالمجتمع مخترق من داخلة بفئات منحرفة متربصة وذات نفوذ داخل القرار وخارجه، وداخل البلد وخارجه. ومن حق أي أحد أن يطالب بالحلول للمشكلات الاجتماعية التي نتجت عن الخلل الحكومي في التخطيط لمصالح الناس، وأوقعتهم في فخ السائقين والخادمات، والتي لن تكون قيادة المرأة للسيارة إلا زيادة لها، وليست حلاً سحرياً كما يصوره المتحمسون، ولكن يجب أن يضع الحلول فئات اجتماعية بعيدة عن الخلفيات الفكرية المتغربة لأنها هي من تسعى للمصلحة الوطنية الصحيحة، وهم الأصل والأكثرية في المجتمع.

стр. 215

ونحن نتذكر الحملات الإعلامية الجائرة التي يقودها التغريبيون وأتباعهم على الهيئات والتعليم، والمطالبة بضم الهيئات للدعوة والإرشاد لإزالة صفة القبض والإلزام عنها، ولما تم تشكيل لجان مستقلة بعيدة عن المذهبية التغريبية توصلت بصورة علمية إلى ضرورة إبقائها على حالها النظامي، ودعمها؛ لأنها تختلف عن الشرطة في وجود البعد العلمي والشرعي فيها، وتختلف عن الدعوة في وجود خاصية القبض والإلزام فيها، ولأنها تستند إلى قيمة دينية وأخلاقية شرعية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعندما يتم بحث المصالح الاجتماعية من أطراف مستقلة عن التغريب الفاسد والتنوير الفاشل، وتراعى فيه منطلقات الشريعة وقيمها فإنها ستصل إلى المصالح الحقيقية للمجتمع. ولا تضيع المصالح والحقوق، وتمرر المشاريع المشبوهة إلا تحت غطاء الصخب، والضجيج، والضغوط الجائرة، والاتهامات، والطعن في النيات والعقليات، والكذب في عرض أفكار أهل العلم والدعوة، والانتقائية غير الواعية، وهذا ما تستعمله المذهبية الليبرالية والتنويرية لتسويق أفكارها ورؤاها وفرضها على المجتمع. ولو وضعت قائمة أولويات المرأة السعودية للمناقشة لكانت قيادة السيارة من آخر القضايا، وهي في الإصلاح المجتمعي أقلها أهمية ولكن الفكر المتحرر حولها لحق مسلوب، وحرية مستلبة، وفضيحة اجتماعية، وعدم ثقة في المرأة .. وغيرها من الأوصاف المتطرفة، ولو سئلت المرأة عن احتياجاتها الواقعية لما كان لهذه القضية أي أهمية على قائمتها، فالقضية قضية فكرية، وصراع تياري وليس حاجة اجتماعية. وإذا كانت هناك حاجة اجتماعية فعليّة فإن السلبية التي تمارسها الحكومة، واكتفاء العلماء بالتحريم لا توجد فيه الكفاية، وإنما الواجب على الحكومة والعلماء وأهل الرأي أن يأخذوا هذه المسألة وغيرها من المشكلات الاجتماعية مأخذ الجد؛ فيقوموا أولاً بالبحث العلمي المحايد عن مدى حاجة المرأة لقيادة السيارة، ثم وضع البيئة الأخلاقية والقيمية المناسبة، وتحديد الضوابط والقوانين المنظمة لها إن كان هناك ثمة حاجة حقيقية، والبحث المتجرد عن كل ما يصلح حال المرأة وإبعادها عن الدنس الأخلاقي، وإيقاف كل من يتخذه مطية لنشر فكره المنحرف، فلا ينبغي أن يكون الصخب والضجيج ورفع الصوت كاف في اعتبار أن هذا الأمر أو ذاك له أهمية أو أولوية، فالبحث المحايد والمتجرد هو من يثبت مدى الحاجة لها، وأفضل الحلول المحقق لمقاصد الشريعة، وأن تلتزم الدولة بواجبها نحو المجتمع بإقامة الدين وسياسة الدنيا به، فالسلبية والهروب منه لا يعالج الإشكال. أما من يثير الصخب بحجة أن هذا حق من الحقوق الطبيعية فالمشكلة معه فكرية وليست متعلقة بالحاجة الاجتماعية الضرورية، فهو غير مقتنع بأن الأصل الشرعي هو قرار المرأة في بيتها، وينطلق من منطلق ليبرالي في ضرورة تعزيز الحرية الفردية، ومطالبه في قضايا المرأة لن تقف عند قيادة المرأة، فهناك الاختلاط في التعليم، والعمل، والحجاب، والمساواة الكاملة بالرجل وغيرها من الأفكار المنحرفة. ولا شك أن من يطالب بقيادة المرأة للسيارة ليسوا كلهم من دعاة التغريب، فمنهم أناس طيبون صادقون انطلت عليهم خديعة الفكر الليبرالي وتوابعه التنويرية، أو ربما تكون لديه رؤية اجتهادية محترمة؛ فالمسألة ليست من مسائل الإجماع القطعي، ولكن ينبغي التفريق بين هاتين الفئتين عند البيان حفاظاً على العدل والصدق، فلا يستوي من ينطلق من منطلق شرعي اجتهادي أو مصلحي - مهما أخطأ - مع من ينطلق من منطلق فكري ليبرالي أو تنويري يعتبر قيادة المرأة المفتاح لمشروعه الفكري في المجتمع.
следующие страницы →