← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولهذا اسمحوا لي أن أكون صريحاً فأقول: إن قيادة المرأة للسيارة ليست معزولة عن بقية ملفات المرأة في مجتمعنا؛ بل هي حلقة مصطنعة من منظومة مشاريع فكرية؛ تسعى لكسر الحواجز الاجتماعية، وتهيئة بيئة مناسبة، تنطلق من خلالها الحركات النسوية؛ لخلخلة بنية المجتمع وكيانه الأسري. وأحسب أنه من السذاجة أن يستدرج بعض العلماء أو الدعاة للحديث عن الحكم الفقهي بعيداً عن أصوله وقواعده الشرعية، وسياقه الفكري والمجتمعي؛ فالمسألة أعقد من ذلك بكثير، فنحن أمام مشروع فكري، نسوي، تغريبي، يستهدف هوية المجتمع وثقافته، وقيادة المرأة للسيارة أحد مفاتيحه المرحلية الفاعلة!. وإذا تأكد أن وراء الدعوة الجماعية لقيادة المرأة أطرافاً شيعية اختارت اليوم الذي يوافق ذكرى وفاة السيدة زينب ﵂ وأرضاها -، فهذا يكشف بعداً سياسياً وطائفياً خطيراً يتجاوز الفعل الاجتماعي، ويرمي إلى توظيف المنطلقات الأيديولوجية في إحداث شرخ غائر في كيان المجتمع! إن الممانعين لقيادة المرأة يدركون أن هناك مشكلات حقيقية يفرضها وجود السائق الأجنبي، ويسؤوهم ذلك كثيراً، وأرى أنه من واجبنا جميعاً أن نتعاون لدرء آثاره السلبية، لكن هل قيادة المرأة ستطوي هذا الملف؟ الواقع الخليجي في دول الجوار يكشف لنا غير ذلك، وقيادة المرأة ستفتح أبواباً من المشكلات جديدة، تعمق المشكلة ولا تلغيها. ولو أننا طالبنا وزارة النقل والمواصلات بإنشاء شبكة من القطارات الداخلية والمواصلات العامة بنفس الحدة التي تطالب بقيادة المرأة، لاستطعنا أن نخفف العبء على الرجال والنساء على حدٍّ سواء. ودعونا نكون أكثر هدوءً واتزاناً ونناقش مشكلاتنا بعقلانية ومسؤولية، بعيداً عن الانتقائية والازدواجية في الرأي، تلك الازدواجية التي تجعل بعض دعاة قيادة المرأة بنفسها بدعوى الخوف من الاختلاط بالسائق الأجنبي والاختلاء به، هم أنفسهم دعاة الاختلاط في أماكن العمل، فأي موضوعية تلك التي يتشدقون بها؟! إن قضية قيادة المرأة قضية رأي عام، والاستخفاف بالرأي العام أو تجاوزه لن يحقق هدفاً، بل سيصنع بؤرة ساخنة من بؤر التدافع الاجتماعي، ويثير الاحتقان الشعبي، والقصور في قراءة الواقع الاجتماعي، وفهم المؤثرات الحقيقية فيه، سيدخل الجميع في أزمات تهدم ولا تبني، وتفرق ولا تجمع، وما الدعوات المضادة لقيادة المرأة للسيارة (باستخدام القوة) في بعض صفحات الفيس بوك، إلا دليلاً على ما أقول؛ فهل يعي المنادون بيوم (١٧ يونيو) ذلك؟!

стр. 212

قراءة في الفكر التنويري أحمد عبدالله الشهري الأربعاء ٢٨جمادى الآخرة الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،. أما بعد: الحركة الفكرية التنويرية هي في حقيقتها مخرج من مخرجات العولمة العصرية، ومنهجها قائم على المزاوجة بين الأصول الاعتزالية والحضارة الغريية بفكره ومؤثراته، وهذا من باب تقريب الشرائع فيفهمون النصوص الشرعية على سبيل الاستقلال .. فتحمله على أي تفسير تريد، وهذا يعني قبولهم بالمفاهيم الغربية على حساب المفاهيم الشرعية، فعطلوا الشريعة بداعي تقريب الشريعة، وردوا النصوص بداعي قراءة النصوص، فأحيوا عينا سادة، وورثوا أفكارا شاذة. فهم ثمرة تطور تاريخي للمدرسة الاعتزالية والتي تعتمد على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد قال ابن العربي: (العقل مزكي الشرع, ولا يصح أن يأتي الشاهد بتجريح المزكي ولا تكذيبه). فالمدرسة الإصلاحية التنويرية هي في الحقيقية تكرير لأفكار المعتزلة، وهذا ليس بغريب، فمؤسس هذه المدرسة هو جمال الدين الأفغاني وهو- شيعي إيراني - تلقب بالأفغاني لتسهيل مهمة دعوته في البلاد الإسلامية، ثم خلفه تلميذه المخلص محمد عبده وكان متعاونا مع الأنجليز حتى أن اللورد كرومر كان له الدور الأكبر في وصوله للإفتاء، يقول كرومر: (إنني قدمت لمحمد عبده كل تنشيط استطعته مدة سنين كثيرة , ولكنه عمل شاق فضلا عن العداء الشديد الذي كان يلاقيه من المسلمين المحافظين , كان لسوء الحظ على خلاف كبير مع الخديوي , ولم يتمكن من البقاء في منصب الإفتاء , لولا أن الأنجليز أيدوه بقوة)، وقد تبنى المنهج الاستشراقي حتى قال مستر بلنج: (أن محمد عبده لا يثق في انتمائه للشريعة). كما تأثر بهذه المدرسة أيضا محمد الغزالي، وكان له هجوم على السلفيين، فأنكر الخوارق والمعجزات ورد حديث الآحاد، وغيرها. ومن نظر إلى التاريخ القريب وجد ما خلفته المدرسة الإصلاحية في العالم الإسلامي من خراب. كان من نتاجه دهاقنة العلمانية المعاصرة كسعد زغلول وقاسم أمين ومصطفى كامل وغيرهم. إن هذا التراث وهذه السموم من الفكر البابلي والفينيقي والإغريقي والتي تجدها أيضا في كتابات عابد الجابري وحسن حنفي ومحمد أركون وحسين مروة تصدر من مشكاة مدرسة الفلسفة اليونانية وإحياء مفاهيمها التي ارتبطت بالقرامطة، وهي تنطلق من منطلق واحد وهو: مدرسة العلمانية والفلسفة المادية كأساس لعملية تدمير الأصالة الإسلامية. والناس أسراب طير يتبع بعضهم بعضا، والبيضة تفقس على فكر الحاضنة .. قال أحدهم في أول تجربة طيران له: " نحن تيار نقوم على نقد التيار السلفي وتفكيك بنيته التقليدية ومنظومته التي تعيق مشروعات النهضة والتقدم الحضاري "، هكذا قال!!، وما شعر أنه أهون من تبالة على الحجاج!!، وربما يصدق عليه ما قاله أبو بكر ابن العربي في شيخه حين قال: (شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة , وأراد أن يتقيأهم فما استطاع). إن رفعهم لشعار الإصلاح ماهو في الحقيقة إلا غطاء لتمرير أجندة فكرية تتعارض مع الإصلاح الحقيقي .. وهي مخادعة إبليسية، سنها لهم رائد الإصلاح التنويري في زمانه بقوله ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] إن المشروع الإصلاحي بمفهومه العام مشروع أمة ومنهاج نبوة ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨] والمدنية قامت مع الشريعة لا عنها، والإصلاح السياسي جزء من منظومته، وقد عني به السلف خير عناية، فما أهل التنوير في الإصلاح إلا ورقة من كتاب بيد مصلح سلفي.

стр. 213

واليوم، وفي عالم الثورات، تدخل الورقة التنويرية في نسختها الجديدة من غير محرمية بلاد التوحيد، متلفعة بجلباب الإصلاح، وفي حقيبتها خطوة ماكرة لمنابذة الشرع في سنة الاتباع بافتعال هذه الكلية وهي: طرد تسبيب ثلب المنهج السلفي من باب الإصلاح السياسي، على يد ركالة تسوروا محراب الإصلاح ولم يتهذبوا بمنهج السلف، قال علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: (ليس ما لا يعرف من العلم , إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن). وإن تعجب فعجب قول أحدهم - ممن خرج من رحم التنوير الخالصي "خالص جلبي" - في قناة فضائية: (لسنا بحزب ولا بجبهة , هي تيار يلتقون في بعض الأفكار ويختلفون في بعض) فيصفون أنفسهم بالتنوير ثم لا يؤمنون بحمولته الفلسفية!! فسمتهم هذا يدل على التناقض التام، وانعدام المنهج الواضح، والقفز على الثوابت، وعور القراءة التاريخية، وتمييع الدين، وإحداث الفرقة في المجتمع المسلم، حتى نجح الشركاء أصحاب المشروع الواحد من الليبرالية والرافضة في توظيف أعيان هذا الفريق لضرب التيار السلفي وخلخلته. فإن كانت الحركة التنويرية قد قامت بشيء من الإيجابية في القرن الماضي - كما قرره محمد قطب- بإزالة التعلق بالخرافة ومحاربة الأفكار الصوفية، فإنهم اليوم يدعمون الخرافة بتحالفهم الواضح مع الرافضة والصوفية، وعدم نقدهم إياهم، وبإثارة الشكوك حول قداسة النص الشرعي ومن يملك حق تفسيره - النص المفتوح -، ومهاجمة المؤسسات الدعوية، وانتقاصهم لأهل العلم وازدرائهم لهم،. وما تنبو عنه أذواق القراء وأفهامهم. وسبيلهم في ذلك إنما يعنيهم إصلاح منهجهم لا منهج مخالفهم، ولو كان عندهم مسكة من عقل ودربة من فهم، ماسلكوا هذا المسلك، والعلماء تقول: (دل على عاقل اختياره , وقالوا الرجل من وفور عقله)، فهذا الاختيار لهذا التعليل: سذاجة في الرأي وفساد في المزاج، فالإنسان بطبعه النقص ويعتريه الخلل، وكل ملة أو نحلة إلا وفي أتباعها مالايوافق عليه، والعبرة بالمنهج وسلامة المقصد، والعصمة للأنبياء، وطلب إصلاحه أعز من بيض النوق. وإنك لتحزن لحال بعض طلبة العلم ممن اتخذ البشت الشرعي ليستر به سوءة الفكر التنويري، فتراه يلهث في طلبهم بالمنافحة عنهم، ويتلمس ودهم في كتاباته بنظره بذات عينهم في همز المنهج السلفي ولمز رموزه، وهو مزلق خطير، وسبيل لخدش الاعتقاد، فهذا عمران بن حطان تزوج ابنة عمه ليردها عن رأي الخوارج فصرفته إلى منهجها. وختم القول لأهل التنوير، نقول كما قال الجويني: (عليكم بدين العجائز). وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم , , ,

стр. 214

لماذا يرفض العلماء مشروع قيادة المرأة للسيارة عبدالرحيم بن صمايل السلمي الإثنين ٢٧جمادى الآخرة١٤٣٢هـ القراءة الصحيحة للحالة السعودية في إشكالية قيادة المرأة للسيارة هو المفتاح لمعرفة المبرر الحقيقي لرفض العلماء والمجتمع المحافظ للمشروع والفكرة، فمشروع قيادة المرأة للسيارة لم يكن نتاج احتياج مجتمعي حقيقي ظهر بصورة طبيعية، بل جاء وفق أجندة ورؤية كلية للتغيير الفكري والاجتماعي في المملكة، فأول من أطلق شرارة الفكرة هم العلمانيون أيام أزمة الخليج ١٤١١، ثم أصبح شعارا لهم؛ فهو مشروع تغريبي منذ البداية ولو كان مشروعاً مجتمعياً لجاءت المطالبة به من عموم الناس الذين لا يعرف عنهم توجهات ليبرالية أو ارتباطات دولية تسعى للتغيير التحرري المنافي للقيم والأخلاق والمناهج الشرعية. أما مشاركة التنويريين والإصلاحيين فلا قيمة لها لأنهم فئة منهزمة تتبع الليبراليين ليس في هذا الموضوع فحسب بل في أكثر من ذلك، فلو طرح - مثلا - مشروع الاختلاط في التعليم، أو الثقافة الملوثة بالفكر الغربي مثل إتاحة كتب وفعاليات التيارات العلمانية الملحدة لوافقوا على ذلك وموقفهم من سلبيات معرض الكتاب وغيره يدل على ذلك. ولو أخذنا نموذج اجتماعي قريب من السعودية (النموذج اليمني) تقود فيه المرأة السيارة - إن احتاجت - وهي في كامل حشمتها دون أي صراع فكري واجتماعي، وأردنا أن نضع أيدينا على سبب عدم الرفض الاجتماعي القوي من علماء اليمن وقبائلها الشديدة المحافظة على الأعراض لوجدنا أن السبب هو أن هذا الموضوع لم يكن نتيجة رؤية كلية تهدف لفرض التغريب على المجتمع اليمني وإنما جاء في سياق اجتماعي طبيعي. إن من ينظر إلى قضية قيادة المرأة للسيارة بشكل جزئي، أو مبتوت الصلة عن خلفياته الفكرية يقع في الخطأ والظلم: الخطأ في تصور القضية، والظلم في القدح في العلماء، لأن الموضوع عبارة عن غطاء قام به دعاة التغريب لفتح أبواب الفتن على المجتمع، وهذه الرسالة وصلت للعلماء والمشايخ ومن ورائهم المجتمع المحافظ، وتسطيح الموضوع أو مناقشته بصورة جزئية ستجعل الحوار حوله كحوار الطرشان، وسيستمر التجاذب حوله والتزاحم عليه دون نتيجة حقيقية فاعلة. ومن حق العلماء والمشايخ أن يفتوا بالتحريم من هذا المنظور، ومن هذه الزاوية، وهي رؤية مقاصدية عميقة تدرك أبعاد المشروع التغريبي في المجتمع، والاستهتار برؤيتهم وفقههم لا يضر إلا صاحبه، فالكل قادر على السخرية والاستهتار بأفكار الآخرين، ولكن النتيجة للحق وأهله بإذن الله تعالى. ولو وجدت الضمانات الأخلاقية والفكرية والعقدية لما كان هناك من يعارض ذلك من أهل العلم، وكان الوضع أمراً طبيعياً لأن الأصل فيه الإباحة، ولكن هذا الأصل طرأت عليه علل مؤثرة في وصف الحكم، وهي علل حقيقية وليست موهومة، ولا أظن أحداً يحترم عقله وعقول المتابعين ينفي وجود الإشكالات الأخلاقية والفكرية، فالمجتمع مخترق من داخلة بفئات منحرفة متربصة وذات نفوذ داخل القرار وخارجه، وداخل البلد وخارجه. ومن حق أي أحد أن يطالب بالحلول للمشكلات الاجتماعية التي نتجت عن الخلل الحكومي في التخطيط لمصالح الناس، وأوقعتهم في فخ السائقين والخادمات، والتي لن تكون قيادة المرأة للسيارة إلا زيادة لها، وليست حلاً سحرياً كما يصوره المتحمسون، ولكن يجب أن يضع الحلول فئات اجتماعية بعيدة عن الخلفيات الفكرية المتغربة لأنها هي من تسعى للمصلحة الوطنية الصحيحة، وهم الأصل والأكثرية في المجتمع.

стр. 215

ونحن نتذكر الحملات الإعلامية الجائرة التي يقودها التغريبيون وأتباعهم على الهيئات والتعليم، والمطالبة بضم الهيئات للدعوة والإرشاد لإزالة صفة القبض والإلزام عنها، ولما تم تشكيل لجان مستقلة بعيدة عن المذهبية التغريبية توصلت بصورة علمية إلى ضرورة إبقائها على حالها النظامي، ودعمها؛ لأنها تختلف عن الشرطة في وجود البعد العلمي والشرعي فيها، وتختلف عن الدعوة في وجود خاصية القبض والإلزام فيها، ولأنها تستند إلى قيمة دينية وأخلاقية شرعية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعندما يتم بحث المصالح الاجتماعية من أطراف مستقلة عن التغريب الفاسد والتنوير الفاشل، وتراعى فيه منطلقات الشريعة وقيمها فإنها ستصل إلى المصالح الحقيقية للمجتمع. ولا تضيع المصالح والحقوق، وتمرر المشاريع المشبوهة إلا تحت غطاء الصخب، والضجيج، والضغوط الجائرة، والاتهامات، والطعن في النيات والعقليات، والكذب في عرض أفكار أهل العلم والدعوة، والانتقائية غير الواعية، وهذا ما تستعمله المذهبية الليبرالية والتنويرية لتسويق أفكارها ورؤاها وفرضها على المجتمع. ولو وضعت قائمة أولويات المرأة السعودية للمناقشة لكانت قيادة السيارة من آخر القضايا، وهي في الإصلاح المجتمعي أقلها أهمية ولكن الفكر المتحرر حولها لحق مسلوب، وحرية مستلبة، وفضيحة اجتماعية، وعدم ثقة في المرأة .. وغيرها من الأوصاف المتطرفة، ولو سئلت المرأة عن احتياجاتها الواقعية لما كان لهذه القضية أي أهمية على قائمتها، فالقضية قضية فكرية، وصراع تياري وليس حاجة اجتماعية. وإذا كانت هناك حاجة اجتماعية فعليّة فإن السلبية التي تمارسها الحكومة، واكتفاء العلماء بالتحريم لا توجد فيه الكفاية، وإنما الواجب على الحكومة والعلماء وأهل الرأي أن يأخذوا هذه المسألة وغيرها من المشكلات الاجتماعية مأخذ الجد؛ فيقوموا أولاً بالبحث العلمي المحايد عن مدى حاجة المرأة لقيادة السيارة، ثم وضع البيئة الأخلاقية والقيمية المناسبة، وتحديد الضوابط والقوانين المنظمة لها إن كان هناك ثمة حاجة حقيقية، والبحث المتجرد عن كل ما يصلح حال المرأة وإبعادها عن الدنس الأخلاقي، وإيقاف كل من يتخذه مطية لنشر فكره المنحرف، فلا ينبغي أن يكون الصخب والضجيج ورفع الصوت كاف في اعتبار أن هذا الأمر أو ذاك له أهمية أو أولوية، فالبحث المحايد والمتجرد هو من يثبت مدى الحاجة لها، وأفضل الحلول المحقق لمقاصد الشريعة، وأن تلتزم الدولة بواجبها نحو المجتمع بإقامة الدين وسياسة الدنيا به، فالسلبية والهروب منه لا يعالج الإشكال. أما من يثير الصخب بحجة أن هذا حق من الحقوق الطبيعية فالمشكلة معه فكرية وليست متعلقة بالحاجة الاجتماعية الضرورية، فهو غير مقتنع بأن الأصل الشرعي هو قرار المرأة في بيتها، وينطلق من منطلق ليبرالي في ضرورة تعزيز الحرية الفردية، ومطالبه في قضايا المرأة لن تقف عند قيادة المرأة، فهناك الاختلاط في التعليم، والعمل، والحجاب، والمساواة الكاملة بالرجل وغيرها من الأفكار المنحرفة. ولا شك أن من يطالب بقيادة المرأة للسيارة ليسوا كلهم من دعاة التغريب، فمنهم أناس طيبون صادقون انطلت عليهم خديعة الفكر الليبرالي وتوابعه التنويرية، أو ربما تكون لديه رؤية اجتهادية محترمة؛ فالمسألة ليست من مسائل الإجماع القطعي، ولكن ينبغي التفريق بين هاتين الفئتين عند البيان حفاظاً على العدل والصدق، فلا يستوي من ينطلق من منطلق شرعي اجتهادي أو مصلحي - مهما أخطأ - مع من ينطلق من منطلق فكري ليبرالي أو تنويري يعتبر قيادة المرأة المفتاح لمشروعه الفكري في المجتمع.

стр. 216

قيادة المرأة ... حتى تُفهم عبدالعزيز بن مرزوق الطريفي السبت٢٥جمادى الآخرة١٤٣٢هـ لا يمكن أن تُفهم مسألةٌ على وجه تبرأ بها الذمة إلا بفهم أُصولها التي تُبنى عليها، فإذا صحت الأصول صحت النتائج، أو على الأقل تقارب الفهم فيها، وهذا في كل مسألة منظورة في الدين والدنيا، كثيرٌ من المسائل تدور في فلك الأذهان، وفي الصحف وفي المنتديات، ويتقاذف الناس الحديث حول فرعٍ ويبحثون عن صحته، والأصل الذي يُبنى عليه مختلٌ وغير مسلّم بينهم، ومن ذلك الحديث عن (قيادة المرأة للسيارة)، والحديث عن هذه القضية متعلق بالآثار واللوازم، وفي غالبها تتصل بـ (الحجاب والسفور والاختلاط والخلوة والتحرش والخروج بلا حاجة مما يفضي إلى توسع في فضولٍ غير محمود)، وكل من يقول بجواز القيادة للمرأة، فلا بد أن يحمل في قلبه أحد الإيمانين التاليين أو كليهما: أولاً: لا يقر بوجود هذه الآثار ويضعف عنده اليقين من وقوعها، ويدعي أنها وهم يُصنع، وهذا الإيمان إما أن يكون رسخ بدراسةٍ، أو هو وهمٌ أيضاً فيُقابل حقيقة غابت عنه بوهم، والحقائق في الأذهان يحول دون استقرارها شيء لا يُعد من الأسباب. ثانياً: لا يقر أن هذه آثار محرمة أصلاً، أو تكون هذه الآثار ضعيفة الأثر في قلبه، إما لغفلة أو تغافل عن حكمها، أو لعدم مبالات بها، أو لكثرة المخالطة لها أو أنه يعيش وهْناً فكرياً، دفعه إليه ضغط الواقع، أو الهروب من الانضمام إلى طائفة المحرمين، لأنه يستحضر بضعة منهم انشغل ذهنه بالبراءة منهم فشغله ذلك عن إبراء ذمته بالمسألة التي يُسأل يوم القيامة عن الفصل فيها بعينها. وبإرجاع المسائل إلى أصل صحيح، يُتفق أو يُختلف عليه، منهج قرآني وعقلي مسلّم، فحينما قال إبراهيم ﵇ لربه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] لم يُجبه الله سبحانه حتى سأله عن أصل ما يُبني عليه هذا الطلب، والله أعلم به، فقال: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ سؤال عن الإيمان بقدرته سبحانه، قال: ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، وذلك لأن إجابة طلب إبراهيم تتباين حسب اختلاف الإقرار بالأصل. وكل من يقول إن الحجاب عادة والاختلاط جائز، والعلاقة بين الرجل والمرأة كالعلاقة بين الرجل والرجل سواء، أو تجاوز هذه المدرسة ولم يؤمن بأن الحكم لله في حياة الناس، فهذا لا ينبغي أن تُبحث معه مسألة فرعية وهو لا يؤمن بأصلها الذي نشأ لأجله المنع، والخلاف معه كالخلاف على شجرةٍ هل ما تنبته تمر أو عنب، قبل الاتفاق على أصل الشجرة ماهي، وكل من يهُوْن في قلبه أمر الحجاب والاختلاط والخلوة، فهذا وإن سكت فهو ساكت على موافقة في مسألتنا، ويمنعه من القول الخمول وطلب السلامة، وبهذا نعلم أن المجتمع سُعي في السنوات الماضية إلى إخلال الأصول لديه لتضْعُف اللوازم والآثار في باطنه، وليس من العبث الفكري غير المدروس الترويج للاختلاط ومحاولة تطبيع السفور، وتشريعه بواسطة فقهاء وكُتاب، ومنحهم أموالاً طائلة في الخفاء، لأن الأصل إذا اختل واضطرب اختل الفرع ولان، وعلماء الطبيعة يعرفون الزلازل في جوف الأرض بلين سطحها. من فكّر وسعى إلى ابتعاث النساء إلى الخارج، وقام بتشريع الاختلاط، فهو يعلم يقيناً أنه يُعبّد طريقاً ممتداً سيشق السالكون له باختيارهم عشرات الطرق المتفرعة عنه بداهةً بلا إملاء من أحد، فهو وإن تعب في تأسيس أصل مغفول عن آثاره، لكنه أهون من أن يدوم قروناً يؤسس في فرعٍ واحدٍ يُنقض كل مرة.

стр. 217

ولهذا تمت العناية الكبيرة بتلك الأصول والبحث عن القائمين عليها والمعبدين لها بأي ثمن، وقد قال لي رمز علمي كبير، بعد مقالاتٍ كتبتها وغيري في الاختلاط نقضت أقوال المجيزين له، إن خالداً التويجري هاتفه وقال: نحتاج إلى وقفة منك. ينبغي أن لا يتم الخجل من هذا فنحن في صراعٍ شرعي وفكري لا يُحسنه خالد إلا بغيره، وفي أصول العقائد والأفكار له ذلك، ولغيره أن يُبيّن ويوضح، والعبرة بالحجج، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ. وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾، ولكن عند الفصل الأخروي يوم القيامة لا مجال للاعتضاد إلا بالنفس: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة: ٣]. وأما هذا المقال فلن يصح فهمه من ذهن حمل أحد الإيمانين السابقين فضلاً عن كليهما، وسأجعل الحديث في نقاط: أولاً: إذا أردنا الحكم على قيادة المرأة للسيارة، فيجب اتساع النظرة لتقع على الشيء ودوافعه وآثاره ومن يدعو إليه، وأن لا ننظر إلى المسألة ونظنها صعود وسير ونزول، ولا يصح أن يُجعل الحديث حولها مسألةً عينية متجردة عن أسباب ولوازم، فيُنظر إليها على أنها أفعال أفراد لازمة لهم كالطعام والشراب واللباس والسكن، والتحاكم إلى أدلة عينية في هذه المسألة تؤيد المنع أو عدمه فضول، فنلتمس مثلاً نصاً ينهى عنها كالنهي عن الأكل بالشمال أو لبس الحرير، أو تشبيه مقاعد السيارات بظهور الإبل والخيل، فنجعل قيادة المرأة قياس أولى أو قياس مشابه للإبل، ونتجاهل أن الشريعة التي أجازت ركوب الإبل حرَّمتها حتى على الرجال في مواضع فضلاً عن النساء، فالنبي ﷺ الذي أنزل الله عليه الامتنان بركوب الدواب فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤] هو الذي نهى عن ركوب هذه الدواب حال الخوف وورود المفسدة فقال ﷺ : ((الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب))، وقال: ((لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده))، فسفر الواحد على الدابة في الصحراء خطر أوجب النهي ولو كان الراكب رجلاً، وقد جاء النهي في المرأة أن تركب الإبل عند المخاطر والمفاسد وجوازه عند الأمن منها كما في قوله ﷺ : ((توشك الظعينة أن تسافر من مكة الى صنعاء لا تخاف الا الله)) أخرجه البخارى، والظعينة هي المرأة الراكب، ودلالة مفهومه المنع حال الخوف وتحقق المفسدة المخلة بأحد الضروريات الخمس، ولهذا يصح الجمع بين طرفي النقيض تحريم ركوب الإبل على الرجل وجواز السيارة للمرأة. بل إن الجلوس المجرد حتى على الأرض قد يُحذَّر منه عند ورود المفسدة وتحققها، كما في الحديث: ((إياكم والجلوس في الطرقات. فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقها. قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر))، وهذه قيود الجلوس في الطريق الواحدة فكيف إذا كان الجلوس على سيارة تسير في كل الطرقات تمر بكل أحد.

стр. 218

ثانياً: إن هيبة النقد، والخجل من عدم مسايرة الأمم، عقبة تُعمي الذي يتأثر بها وتحجبه عن التوازن في ضبط ميزان الحقائق، وحينما يقع الغرب في الاستهزاء من منع قيادة المرأة للسيارة، فهذا لأنه لا يمانع من أصل بعيد أبعد من أصل الاختلاط والسفور والخلوة وهو أصل الزنا برضا الطرفين واللواط، ومن منطق عقلي صحيح أن يضحك من كانت أصوله كذلك من هذا المنع، بل حينما لا يستغرب ذلك فهذا خلل عقلي معاكس، بل حينما يرى المنع من الاختلاط والخلوة، وهي أصول أصغر من الزنا يجب أن يستنكر ذلك، لأنه لا يُمكن أن يُدرك شخصٌ يُجيز القتل أن يمنعه أحد من ضرب المقتول ولطمه، وكسر يده فضلاً عن إهانته، لأن الأفكار تتلازم وتتسلسل ويُبنى بعضها على بعض. والعجب من ضعف يقين كثيرٍ من الساسة وبعض المفكرين المسلمين والدعاة حينما يخجلون من طرح الغربيين لقضايا المرأة وحقوقها، ويقومون بالحديث بصورة الاعتذار والخجل والتبرير الواهي، بعيداً عن مناقشتهم في أصولهم المختلة، وهذا ضعف إيمان، ووهن فكر، لا يختلف فيه من تأمله. والمرأة التي تعمل في جو مختلط بالرجال لا يصح أن تستوعب منعها من الالتقاء برجل عارض، لساعة أو ساعتين، وهي تستديم الجلوس معه، ومثلها الرجل الجالس معها. وهكذا مسألة السفور وأنواعه، فقيادة المرأة للسيارة مسألة تتكىء على أركان عديدة لن يراها مستوية من مالت لديه الأركان. وهذه الأصول المؤثرة سلباً وإيجاباً، يتدرج تأثيرها على النفوس بمراتب ترتفع وتنزل بحسب قوة القناعات بتلك الأصول. ثالثاً: وجود الكثرة على رأي أو عمل ليست حجة قاطعة على صحة ذلك القول والفعل، وهذا أصل يؤمن به كل المفكرين وأرباب الشرائع السماوية، فنحن نرى في كل قرن هناك فكر غالب وفكر مغلوب، وعقائد مثلها، متعاكسة الاتجاه، ولو قُدر أن يمتد عمر إنسان في ثلاثة قرون أين الحق بالنسبة له؟! والحق في ذاته واحد، ولكن الناس يتأرجحون بحثاً عنه تحت مؤثرات عقليه وشهوات نفسية لا تُحصى. فالخمر المحرمة تحريماً قطعياً، في القرآن والسنة تُباع في جميع الدول الإسلامية فضلاً عن غيرها، إما بصورة خاصة بسوقٍ معينة أو عامةً، ويُستثنى من هذا بلادنا فقط، والزنا برضا الطرفين لا يُجرِّمه جمهور قوانين الأرض وهو محرم في جميع الشرائع، ومع هذا لا يجوز أن يتغير الحق في ذاته لكثرة فاعليه، ومثله شرب الخمر. رابعاً: قيادة السيارة ليست كرامة وإلا لما ترفع عنها الرؤساء والوزراء والكبراء، بل ربما جعلوا أنفسهم في الخلف كي لا يجاوروا المقود والقائد، والمجتمع بحاجة إلى توعية الرجل بحق أهله عليه لا كيف يزداد تفريطاً، وعند الحديث عن المصالح والمفاسد في قيادة المرأة، فيجب الاعتبار بالمجتمعات الأخرى، والنظر إلى المصالح والمفاسد هل هي حقيقة أو وهمٌ، فالحديث عن تقليص العمالة السائقة وهمٌ، فالسائقون في دول الجوار أكثر من بلادنا مقارنة بنسبة مجموع سكانها، الخدم والسائقون مرتبطون غالباً بالغناء والترف، والله أمرنا بالاعتبار قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] هذا طلب الاعتبار بخبر سابقين لا يمكن مشاهدتهم، فكيف بحاليين مشاهدين، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢].

стр. 219

خامساً: يُكثر الإعلام من إتقان ضرب أمثلة ووقائع صحيحة وحكاية نوازل وأزمات، تبرر الحاجة إلى القيادة، وضرب الأمثله للفكرة التي يُهواها الإنسان دائماً ما تجتمع في ذهنه، وتقتنصها النفس من بين آلاف الأمثلة المضادة، فتورث للإنسان حقيقة قطعية وهمية، فكفار قريش ابتلوا بسرد الأمثلة لإقناع النفس بالخطأ، فقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨]، يجب عند تقرير مسألة معينة التفريق بين الأمثلة العارضة والأصول والابتلاء العام. سادساً: كثيراً ما يتحدث كُتاب عن قضايا المرأة بمسوغات شرعية، وتأصيلات علمية، من غيرٍ تمحيص لحقائق تلك الأقوال، وسلامة قول قائليها، فالحديث عن الغيرة على الأعراض كالخلوة مع السائقين، حقٌ في ذاته فالخلوة حرام، ولكن يجب أن لا ننظر إليه كما ينظر أحدنا من ثقب الباب ليحكم على طريق طويل ممتد، فاليد التي أقرت تأنيث بيع الملابس النسائية الداخلية غيرةً على المحارم، هي نفس اليد التي تقف سداً منيعاً أمام تأنيث طب النساء والولادة، وطب التجميل، فتكشف المرأة كل جسدها على فراش العيادة الرجالية، بتصريح نظامي، بينما تثور الغيرة على بيع قطع الألبسه وتؤسس لها حملات إعلامية كبيرة ورسومات كاريكاتيرية، وتقوم قناة سعودية بإظهار فتيات سافرات الوجه وباديات الشعر وبارزات نصف الصدر يتحدثن عن خجلهن من شراء الملابس من رجال، لكن أن يرى آلاف الرجال جسدها السافر جائز ولا حياء ثم، وأما أن يرى لباسها المُلقى على الأرفف فيجب أن يُمنع، القضية إنما هي تحايل لفتح مزيد من الأبواب، يجب أن يتحدث هؤلاء عن حرمة رؤية الأجساد قبل رؤية الأقمشة، إن الدعاوى التي يُصورها كثير من الكتاب بالصورة الشرعية المبتورة، يجب أن نضعها في ميزان الدقة والتمحيص، وأن نتجاوز الحكم على الأفعال والأقوال متجردة عن سياقاتها ونظائرها ولوازمها، لذا لا يمكن أن يتحدث الإعلام عن تحريم الخلوة وخطورتها مجرداً ليحذر الرجال والنساء من جميع صورها كما في المستشفيات وفي الخارج، إلا عندما يكون موصلاً إلى فتح بابٍ آخر كالقيادة. وقد حُدّثت عن مقدم برنامج ومقدمةٍ معه متجاورين في قناة يبينان أهمية قيادة المرأة للسيارة بديلاً عن خطورة الاختلاط بالسائقين الأجانب، وكأنهما إخوة أشقاء. يجب أن نرى من يتحدث عن قضايا صغيره يتحدث بصورة أشد في قضايا من جنسها أكبر منها، وأما أن يعظ كاتب امرأةً متحجبة وسط عاريات أن تغطية الوجه خلافية، فهذا لا يستقيم فهمه إلا إذا نظرت إليه من ثقب باب لا يُريك إلا المتحجبة، وإلا فالمسألة تدَرُّج إلى غايات باطنة. كثيرٌ من التأصيلات الشرعية مدخولة، إذا نظرنا إلى أصحابها، وعند تمحيص لوازم أقوالهم لا نجد وجهاً يستقر عليه قولهم، إلا إذا سوّغنا فصل الأسباب عن مسبباتها، وأصبح الجمع بين المتناقضات ممكناً، وكثيرٌ من الأيدي التي تدعي الطهر، غير صادقة بدعواها عند المحك والنظر حولها، قال الأعمش: أخبرني تميم بن سلمة أن رجلاً شهد عند القاضي شريحٍ وعليه جبّة ضيقة الكمين، فقال شريح: أتتوضأ وعليك جبتك؟ قال: نعم، قال: احسر عن ذراعيك، فحسر عن ذراعيه فلم يبلغ كُمُّ جبته نصف الساعدين من ضيقها، فرد شهادته. وحفظ حق الأمة وفكرها وعرضها أولى باختبار الأيدي وأقلامها عليه من حق فرد واحدٍ منها. والله وحده المحيط بكل شيء علماً.

стр. 220

قيادة المرأة للسيارة .. مناقشة ليبرالية إبراهيم بن محمد الحقيل السبت٢٥جمادى الآخرة١٤٣٢هـ بداية أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من أن أكون ليبراليا، وأعيذ ذريتي ومن أحب بالله العظيم أن يكونوا ليبراليين، لكنني وجدت نفسي مضطرا في مناقشة قضية قيادة المرأة للسيارة من وجهة ليبرالية؛ لأن أهل الغيرة والحمية الدينية -كتابا وكاتبات- ناقشوا هذا الموضوع من جوانبه الشرعية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ولا أريد تكرار ما ذكروا، أجزل الله تعالى مثوبتهم أجمعين .. وقضية قيادة المرأة للسيارة شأنها شأن المشروعات التغريبية الأخرى يريد الليبراليون فرضها بالقوة، وإسكات السلطة السياسية بالاستقواء بالخارج، وإحراج السلطة الأمنية بفرضها واقعا عبر ممارستها في الميدان بدون إذن، وإحراج المؤسسة الدينية بإبراز اللحى الليبرالية في الفضائيات لإيجاد المسوغات الشرعية لها، والجزم بأنه لا نص في المسألة؛ لتنقلب قنوات العهر والرقص، وصحافة النخاسة الفكرية عند مناقشة هذه القضية إلى سلفية أثرية تبحث عن النص في مظانه، وتظهر قدرا كبيرا من إجلاله وتعظيمه لتضرب به الخصم السلفي، ثم تركل النص بالأقدام بعد انتهاء اللحى المستأجرة من تقرير ما يريدون. ومن البدائه التي لا ينبغي الجدال فيها أن قضية قيادة المرأة للسيارة هي قضية مصالح ومفاسد، وليست قضية نصوص حاسمة قاطعة حتى تختزل المسألة فيها، ولا يقتطعها من سياق المشروع التغريبي في السعودية، فيتكلف في الاستدلال لها أو اجترار أقوال من يجيزها إلا جاهل بالواقع فحقه أن يسكت حتى يعلم، أو صاحب هوى يرجو بقوله فيها جاها أو مالاً، ولا أرى ثالثاً لهذين الاثنين؛ إذ إن إفساد المرأة، والجهود الدائبة لتغريب المجتمع السعودي لا تخطئها عين الأعمش فضلا عن المبصر، والدعوة لقيادة المرأة للسيارة لا تنفك عن هذا المشروع. والسؤال الذي أنطلق منه في مقالتي: ما هو المستند الليبرالي لقضية قيادة المرأة للسيارة؟ يرى الليبراليون والليبراليات أن ذلك حق من حقوقها لا يمنعها منه إلا مستبد ظالم سواء كان ذلك الحق استقلالا، أم كان من باب مساواتها بالرجل .. وهذا المستند مفهوم وواضح ولكن لا بد من سؤال مفاده: من أين تُستمد حقوق الناس -ومنهم المرأة- في الفكر الليبرالي الديمقراطي؟ ويجيب الليبراليون عن ذلك بأن استمداد حقوق الناس يكون من الناس أنفسهم؛ لأن الديمقراطية حكم الشعب للشعب، بمعنى أن ما ارتضاه جماعة الناس حقا كان حقا لهم لا يجوز المساس به ما لم يكن فيه تعد على حقوق الآخرين على قاعدة: لك الحرية أن تفعل ما تشاء بشرط أن لا تتعدى على حريات الآخرين، أو تبدأ حريتك من حيث تنتهي حرية الآخر. وهنا إشكال: ما السبيل إلى معرفة ما يريده الناس حقا لهم مما لا يريدونه؟ ويجيبون عن ذلك: بأن معرفة ذلك تكون عن طريق صناديق الاقتراع لترشيح المجالس التشريعية والبرلمانية التي تشرع للناس ما يريدون، وتمنع ما لا يريدون، أو عن طريق تسجيل قياسات الرأي العام حيال القضية المراد إقرارها أو منعها .. وسواء كان الأمر موكولا للمجالس التشريعية والبرلمانية التي صوت الشعب لاختيارها، أو كان الاقتراع على قضية بعينها، أو تم فيها قياس الرأي العام فإن النهاية تئول إلى أن الناس هم أهل الاختيار .. لو أردنا أن نطبق هذه الآلية الليبرالية الديمقراطية على قيادة المرأة للسيارة في السعودية للوصول إلى كونها حقا من حقوق المرأة أو ليست حقا من حقوقها؛ فإن الشعب السعودي هو صاحب القرار والاختيار في ذلك رجالا ونساء؛ لكون هذا الأمر يتعلق بهم ..

стр. 221

سيطعن الليبرالي في أن السعودية لا يوجد بها مجالس تشريعية ولا برلمانية (مجلس الشورى) منتخبة، وبالتالي لا يمكن إخضاع هذا القضية لمجالس أعضاؤها وصلوا إلى كراسيهم بالتعيين الحكومي، وحينئذ لا مناص لمعرفة الرأي العام السعودي حيال هذه القضية من طرحها للتصويت على غرار الانتخابات البلدية .. يعلم الليبراليون أنه لو طرحت قضية قيادة المرأة للسيارة للتصويت فإن الأصوات الغالبة ستختار المنع، حتى لو اقتصر التصويت على النساء فقط فالأكثرية من النساء ستؤيد المنع أيضا، مهما سخر الليبراليون من وسائل إعلامهم، وأساليب خداعهم وكذبهم للدعاية لهذه القضية وترويجها بين النساء، فلن تكون الأصوات المؤيدة لهم إلا قليلة جداً، وهم في واقع الأمر منذ عشرات السنوات يضخون الفكر الليبرالي والمسخ الأخلاقي بكثافة عبر قنواتهم وصحفهم وما ازدادوا من الناس إلا مقتا وبعداً، وليسوا سوى أقلية منبوذة ليس لها أي قبول عند جمهور الناس، حتى إن كثيرا منهم هاجروا إلى دبي ومصر والبحرين هربا من أسرهم التي نبذتهم اجتماعيا، ويلجئون إلى التحالف مع الطوائف الأخرى، وتحريضها على الدولة والمجتمع، والاستقواء بالمنظمات الدولية والسفارات الأجنبية لمحاولة فرض أجندتهم بالإرهاب الفكري والتسلط السياسي الأجنبي .. وما دام أن الليبراليين ليس لهم امتداد شعبي فلو طرحت قضية قيادة المرأة للسيارة في المجتمع للتصويت لخسروها .. فماذا يفعلون؟ هنا تنقسم الأطروحات الليبرالية إلى أقسام: - فمن الليبراليين من يكابر ويدعي أن الناس معهم لكن سطوة التيار الديني تخيفهم، وكأن الشرعيين قد نصبوا المشانق في الشوارع لكل من لا يؤيد فكرتهم، وهذا الادعاء لا يصر عليه إلا الحمقى منهم، وأصبح موضع تندر وسخرية من الغربيين ومن ليبراليين آخرين لم يهبطوا إلى هذا المستوى من التفكير .. - ومن الليبراليين من يحار في هذه القضية وينقطع عن الجدال إن جوبه بها؛ لأن المقتل الفكري لليبرالية هو في سؤال الليبرالي عن كون الناس إن مورست عليهم الحرية بمفهومها الليبرالي فصوتوا ضدها، أو إن طبق عليهم النظام الديمقراطي فصادروه بالطرق الديمقراطية ذاتها، فهل يعطون ما اختاروا أم يقهرون على ما يريده الليبراليون، وهو ما عبر عنه بعض الليبراليين بالمشكلة التي لا حل لها، وهي التي يصغر فيها الليبرالي أثناء النقاش كصغار إبليس يوم عرفة. وحيال هذه القضية ينقلب كثير من الليبراليين على أس الليبرالية وقلبها النابض وهو الحرية، ويرون فرض ما لا يريده الناس بالقوة بحجة أن الناس لا يدركون مصالحهم، وتكون حثالة الليبراليين بفكرها الآسن وصية على البلاد والعباد، فيصادرون رأي الأكثرية لرأيهم، ويقتلون الحرية باسم الحرية، ويصبحون في استبدادهم أشد من النازيين والفاشيين، وهو ما يمارسه أكثر الليبراليين السعوديين حتى إن أشدهم رجسا قال: لا شك في أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق انتخاب أو تصويت، بل هي قيم ثقافية واجتماعية يجب أن تتعمق في النفوس قبل التوجه إلى صندوق الاقتراع .. فانتقده ليبرالي آخر بمقالة عنوانها: عندما ينبري المثقف لشرعنة الاستبداد، ولمزه ليبرالي ثالث يرى أنه ما فرض وصايته على الشعب السعودي بهذه الطريقة الفجة إلا لأنه مستشار في بلاط المستبد على حد وصفه.

стр. 222

والحقيقة أن الانقلاب على مبدأ الحرية باسم الحرية هو شعار الثورة الفرنسية وملهمها فولتير الذي قال: لا حرية لأعداء الحرية، ولا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، وحينئذ تتحول الحرية والديمقراطية -وهما أهم قضيتين في الفكر الليبرالي- إلى آلة استبدادية .. وتصبح الحرية والديمقراطية حقيقتين مطلقتين، مع أن الفكر الليبرالي ينفي وجود الحقائق المطلقة، ويجزم بنسبيتها، ويكون الليبرالي الذي يرفض الشرائع الربانية بحجة أنه لا يؤمن بما يؤمن به الديني من حقائق مطلقة قد انقلب على نسبية الحقيقة، وقال بإطلاقها فيما يتعلق بالحرية والديمقراطية. - ومن الليبراليين من يتعامل مع رفض الشعب السعودي لقيادة المرأة للسيارة بحيلة يتذاكى بها على الناس، فيزعم أن هذا الأمر يجب أن يكون محسوما لا جدال فيه؛ لأنه لا ضرر فيه على أحد، ولا إجبار لأحد، فلا يعتد فيه برأي الأكثرية؛ لأن ممارسة الأقلية له لا تضر بالأكثرية، بمعنى أن من تريد قيادة السيارة تعطى ذلك، ومن لا تريد لا تفعل، ومن تقودها لا تضر الأكثرية الذين لا يريدون هذا الخيار .. ومع أن هذه الحيلة ساذجة من جهة التنظير القانوني والتشريعي الوضعي للمجتمعات فإنها لا تصمد عند النظر والجدال، وما ادعاه الليبرالي أنه قضية مسلمة ليست مسلمة؛ إذ الأضرار في قيادة المرأة للسيارة في مجتمعنا السعودي من النواحي الفكرية والأخلاقية والاقتصادية والأمنية كثيرة، ليس هذا محل عرضها، وقد فصل في هذه المفاسد كثير من أهل العلم والاختصاص، وما يهمني هنا هو عرض بعض النظائر الأوربية لخضوع الأقلية لرغبة الأكثرية ولو بدا أن ما تفعله الأقلية ليس به مساس مباشر بحقوق الأكثرية، واستحضار النماذج الأوربية في هذا الباب هو لأجل أن قبلة الليبراليين السعوديين هي أوربا، وفكرهم الذي يصدرون عنه هو نتاج المفكرين الأوربيين فلننظر هل يتمسكون بلبراليتهم أم ينقلبون عليها؟! فمن الأمثلة الغربية على خضوع الأقلية لرأي الأكثرية: - التعري في الأماكن العامة؛ فجميع القوانين الغربية -على حد علمي- تمنع العري الكامل في الأماكن العامة، وتعاقب عليه؛ لأن الأكثرية في الغرب لا تريد التعري، مع أن المتعري لم يباشر أذية أحد، وممكن أن يقال على المبدأ الليبرالي: إن هذه حرية شخصية، لكن القوانين الغربية ترى في التعري العام حالة يتأذى منها الحياء، أو حالة مخالفة للحياء العام الذي تؤمن به الأكثرية. - ومن ذلك أيضا: أن المرأة في أمريكا تمنع من تعرية صدرها في مكان عام بينما يسمح للرجل بذلك، والمساواة بين الجنسين التي هي من بنيات الفكر الليبرالي تقتضي السماح للمرأة بذلك كما هو للرجل، حتى ثار جدل حول إرضاع المرأة الأمريكية طفلها في الأماكن العامة. - تمنع القوانين الأوربية والأمريكية أن يمسك الرجل أو المرأة بالعضو التناسلي في مكان عام ولو من وراء اللباس، أو أن يعمل أحدهما ما يعد إيحاء جنسياً. كل الأمثلة السابقة تم تقييدها بالحياء، وقد يعبر عن الحياء بالذوق أو الأدب أو يقال: هذا سلوك منفر أو نحو ذلك. والحياء نسبي، وما يخدش الحياء وما لا يخدشه مرجعه إلى العرف العام، وقد تدرج العرف الأوربي في تبذل الرجل والمرأة في اللباس إلى حد مخجل جدا، لكنه لم يصل إلى درجة السماح بالتعري الكامل في الأماكن العامة، وصار الحياء قيداً تقيد به الحرية الشخصية، وتعاقب القوانين على انتهاكه، فمُنعت الأقلية التي تريد التعري من التعري لأجل الأكثرية التي لا تريده، مع أنه باستطاعة الغربيين السماح بالتعري لمن يريده، ومن لا يريده لا يتعرى، ولا يقذف ببصره إلى العراة إن صادفهم في وظيفته أو متجره أو في سوق أو قطار أو نحوه حتى لا يتأذى بمنظرهم .. وإذا أردنا محاكمة قيادة المرأة للسيارة في المجتمع السعودي بطريقة ليبرالية فيجب أن ننظر إلى رأي الأكثرية هل تقبل ذلك أم لا، فإن لم تقبله وجب منع الأقلية من ممارسته، ولا يقال: من تريد أن تقود فلتقد، ومن لا فلا تمنع القيادة من أجلها، وإلا كان ذلك تعديا على حق الأكثرية، مع ما في قيادة المرأة للسيارة في السعودية في هذه المرحلة من أضرار كبيرة على المجتمع السعودي. لكن هنا يركل الليبراليون السعوديون المحكمات الليبرالية القاضية بأخذ رأي الأكثرية، ويصرون على فرض رأي الأقلية التي لا تمثل المجتمع وإنما تمثل الرأي الأجنبي المستورد، ولا يهمهم أن يحدثوا فتنة في الناس، وانشقاقات في صف الوطن الذي طالما تغنوا بالإخلاص له، فإذا جد الجد خانوه.

стр. 223

الاستبدادان إبراهيم بن عمر السكران السبت٢٥جمادى الآخرة١٤٣٢هـ الحمد لله وبعد،، نحن نردد دوماً كلمة " الاستبداد "، ونرميها بكل عبارات الذم والقدح والعيب، لكن هل تساءلنا قبل ذلك: ما هو الاستبداد؟ الاستبداد في معناه العام هو الخضوع لسلطة غير موضوعية، ويزيد الأمر أحياناً إلى محاولة خلق المستندات والحيثيات التي تبرر إكراهات هذه الاستبداد. وبناءً على ذلك فالاستبداد في حقيقته ليس نوعاً واحداً كما يتصور الكثيرون، بل هو على مستويين: استبداد داخلي، واستبداد خارجي، ولكل نوعٍ من نوعي الاستبداد ضحاياه. فضحايا (الاستبداد الداخلي) يغالون في مفهوم طاعة ولاة الأمور فوق القدر الشرعي المأمور به، وينفرون من الاحتساب على الولاة والحكام، ويميلون للتفهم الشرعي لكل أمر يأمر به المسؤولون، ويبحثون في النصوص الشرعية أو التراث الإسلامي لتبرير وتسويغ أوامر المستبد، حتى لو كان بنوع من التطويع، ويتحدثون عن المستبد الداخلي بعبارات الانبهار والتفخيم مثل: طويل العمر، وحبيبنا المفدى، وسيدي فلان، ونحو ذلك، وكل ذلك نتيجة (انهيارهم النفسي) أمام نفوذ المستبد الداخلي. وضحايا (الاستبداد الخارجي) يميلون للتفهم الشرعي قدر الإمكان لثقافة الغرب المنتصر في السياسة والاجتماع والحكم، ويبحثون في النصوص الشرعية أو التراث الإسلامي لتبرير وتسويغ مفاهيم الثقافة الغربية، حتى لو كان بنوع من التطويع، ويتحدثون عن المستبد الخارجي بعبارات الانبهار والتفخيم مثل: المعجزة الغربية، الحضارة الغربية، ونحو ذلك، وكل ذلك نتيجة (انهيارهم النفسي) أمام نفوذ المستبد الخارجي. وتجد ضحايا (المستبد الداخلي) لو قلت لهم أنتم تميلون لتطويع النصوص والتراث لأوامر المستبد الداخي؛ لغضبوا عليك، ورأوك جائراً ظالماً في الحكم والتقييم، ويرددون لك بأنهم لديهم نصوص وهم أقرب للشريعة منك. وهكذا أيضاً: تجد ضحايا (المستبد الخارجي) لو قلت لهم أنتم تميلون لتطويع النصوص والتراث لثقافة المستبد الخارجي؛ لغضبوا عليك، ورأوك جائراً ظالماً في الحكم والتقييم، ويرددون لك بأنهم لديهم نصوص وهم أقرب للشريعة منك. لكن لو تساءلنا: ما هي الآلية الداخلية التي يتم من خلالها تطويع النصوص الشرعية لأفكار المستبد، سواءً المستبد الداخلي أو المستبد الخارجي؟ الواقع أن الأمر يتم على هذه الصورة: تجد كثيراً من النصوص الشرعية تحتمل عدة دلالات نتيجة طبيعة بنيتها اللغوية (وهي قضية دلالية/سيميولوجية)، وعلماء المسلمين يتعاملون مع هذه الاحتمالات الدلالية بـ (منهج علمي) لتحديد الدلالة التي تعبر عن مراد الله، هذا هو المسار الطبيعي للعالم المستقل المتحرر من نوعي الاستبداد، أما الخانع لأحد نوعي الاستبداد فإنه لا يرجِّح بين هذه الاحتمالات الدلالية بمنهج علمي، وإنما ينتقي من هذه الدلالات ما يتوافق مع اتجاه المستبد الذي يخضع له، سواءً كان مستبداً داخياً أو خارجياً، فصار المرجح في الاحتمالات الدلالية للنصوص ليس (المنهج العلمي) وإنما (هوى المستبد) الداخلي أو الخارجي. والخنوع للمستبد الداخلي يكثر عند بعض المنتسبين للسلفية ممن يسميهم السلفيون "أدعياء السلفية"، بينما الخنوع للمستبد الخارجي يكثر عند بعض المنتسبين للثقافة المعاصرة.

стр. 224

ونحن اليوم في عصر (الليبرالية)، ولحظة انتصار وهيمنة (النموذج الليبرالي الغربي)، ولذلك تغزونا مقولاتها المدججة بأقوى وسائل التأثير، وتفرض على تفكيرنا أولوية أسئلتها وإشكالياتها، وتزودنا بقوالب تشكّل تفكيرنا، وتمارس استبداداً عقلياً ونفسياً على كثير من المتطلعين للثقافة المعاصرة، فحين تقرأ كتاباتهم أو تسمع كلامهم لا تخطئ عينك تلك الهزيمة المضمرة بين حروفهم، وتشعر أحياناً أن الكاتب يحاول أن يستقل، لكن ينهار مرة تلو مرة، ويظل تواقاً إلى مشابهة المنتصر في أفكاره، يشعر أنه الأقوى والأصح كلما شابهه. وأحياناً كثيرة يمارس الشخص هذه الهزيمة للمستبد الخارجي دون وعي، نتيجة انتشار مفاهيم المستبد الخارجي وتعملقها في تفاصيل أوعية المعرفة المعاصرة، فيتشربها من خلال الحوارات الفضائية، أو الرواية الحديثة، أو النص السينمائي، أو العمود الصحفي، أو التقرير الإخباري، الخ. دعنا نضرب أمثلة لهذا الاستبداد الخارجي، والخنوع الذي يعيشه الكثيرون لأفكار ومفاهيم وتصورات المستبد الخارجي: تجد بعض الناس صارت أهم قضاياه هي (الموقف من المخالف) وتجد لديه تأزم حقيقي في هذا الموضوع، برغم أنه موضوع عادي جداً خلال التراث الإسلامي، بكل ما فيه من نقد المخالف، وكان العلماء وأئمة السلف ينتقدون المخالف بكل وضوح وحسم، ولو سألته: لماذا صار الموقف من المخالف "أزمة" فقط في هذه اللحظة التأريخية التي انتصر فيها النموذج الليبرالي الذي يشيع روح المغالاة في الحرية؟ لربما كان هذا السؤال بالنسبة له مفتاحاً للتفكير المستقل في هذا الموضوع. وتجد البعض الآخر صار يعتبر أن الحديث عن خطر الرافضة وبيان ضلالهم وتفنيد شبهاتهم (طائفية مذمومة)، حسناً .. لقد كان أهل السنة طوال التاريخ يقولون في الرافضة مالم يقل الدعاة المعاصرون مده ولا نصيفه، فلماذا صار الحديث عن ضلال الرافضة أزمة وطائفية في هذا العصر الذي انتصر فيه النموذج الغربي الليبرالي الذي يمنع المساس بالطوائف؟ أتمنى أن يكون هذا السؤال -أيضاً- مفتاحاً للتفكير خارج استبداد المستبد الخارجي. وتجد بعض الناس يقول لك (انتقد الأشخاص لا الأفكار)، طيب .. ألم يكن السلف يا أخي الكريم ينتقدون الأشخاص والأفكار كلاهما، فلم يكن لدى السلف أصلاً هذا التمييز (انقد الفكرة لا الشخص)!، ألا ترى أننا صرنا خاضعين لسحر النموذج الليبرالي الذي يغلو في حرية الأشخاص ويرفع حساسية الموضوع؟ وبعض الناس صار لديه مشكلة مع (شريعة إنكار المنكر) لأنها تخالف الحرية التي تشربها من النموذج الليبرالي المهيمن، فتراه إذا شاهد أحداً ينكر منكراً قال: هذا إقصاء، أو هذه وصاية، الخ. وعبارة (إقصاء ووصاية) ليست مجرد تعبير أدبي، بقدر ما هي تحمل (ثقافة) تنبض بالليبرالية في داخلها. ومن المقولات الليبرالية التي راجت بين كثير من المنتسبين للثقافة المعاصرة عبارة (تكلم لكن لا تمد يدك) وقريب منها عبارة (تنتهي حريتك حيث تبدأ حرية الآخرين)، فإذا سألته: لماذا يجوز أن تتكلم لكن لا يجوز أن تمد يدك؟ قال لك: حرية التعبير متاحة، لكن أن تمد يدك فهذا عدوان. حسناً يا أخي الكريم .. فإذا كان الكلام عدواناً على الله أو رسوله أو الصحابة أو أحد شرائع الإسلام الخ، فهل سيبقى الكلام أهون من اليد؟! مثل هذه المقولات ليست مجرد آراء، بل هي "معايير" تجري في عروقها دماء الليبرالية الغربية، حيث تفرق بين الرأي والفعل، وتميل إلى فتح المجال للرأي إلى نهاية الطريق، بينما تميل إلى ضبط الفعل بالقوانين، وهذا طبعاً نسبي عندهم.

стр. 225

لكن هل هذا التصور موجود عندنا نحن المسلمين؟ لا، طبعاً فنحن المسلمين نعتبر العدوان على الله ورسوله أعظم من العدوان على حق شخصي، لأن الله ورسوله أعظم في نفوسنا من كل أحد، بخلاف هذا الغربي المسكين الذي لا يعظم إلا نفسه، فالرأي المنحرف في ميزان الشريعة قد يكون أخطر من الفعل المنحرف، والعدوان بالرأي على الشريعة، قد يكون أعظم من العدوان بالفعل على المسلمين، وقد وضح هذا ابو العباس ابن تيمية حيث يقول: (والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد .. ، ولذلك كان النبي ﷺ يقتل من كان يحاربه باللسان، مع استبقائه بعض من حاربه باليد .. ، وكذلك الإفساد قد يكون باليد، وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان أضعاف ما تفسده اليد) [ابن تيمية، الصارم المسلول، ٣/ ٧٣٥، ت الحلواني وزميله]. فتأمل كيف جعل ابن تيمية عدوان الكلمة أضر على الشريعة من عدوان اليد في كثير من الأحيان، ثم قارن ذلك بالعبارة الليبرالية (تكلم لكن لا تمد يدك). وهكذا أيضاً تجد التأزمات الحديثة مع منظومة التشريعات المخالفة لغلو الحرية في الثقافة الليبرالية، مثل: عقوبة المرتد، وأحكام أهل الذمة، وجهاد الطلب، الخ. ومع ذلك كله .. فكلا الشريحتان، أعني ضحايا الاستبداد الداخلي، وضحايا الاستبداد الخارجي؛ يحتاجان من دعاة الإسلام إلى الرفق والهدوء، وأن يوضحوا لضحايا الاستبدادين كيف يخرجون من هذا الخنوع الذي يعيشونه؟ وكيف يتنفسون الاستقلال الحقيقي المتكامل؟ وكيف يتحررون من كافة أشكال الاستبداد؟.بحيث لا يرضى المثقف المسلم بأن يكون رقيقاً لمستبد داخلي يشرعن أوامره الهرقلية، ولا رقيقاً لمستبد خارجي يشرعن ثقافته الليبرالية. وما أكثر ما يكون ضحية الاستبداد غير واعٍ بحاله، يتوهم أنه مستقل وهو يرسف في الأصفاد منذ أزمان .. وأهم وسائل العلاج على الإطلاق: ضخ مفاهيم العزة والكرامة والإباء والشموخ وقيمة المسلم ونحو هذه المنظومة المفاهيمية، بحيث يتأبى من نشأ في مثل هذه الثقافة العزيزة الشامخة أن يخنع وينصاع لمستبد داخلي لا يراك أهلاً لأن تشارك في القرار، ويطلب منك أن تمد معاريضك فقط، أو مستبد خارجي لا يراك أهلاً لأن يكون لك منظومتك التشريعية الخاصة، فيهينك لكي تكون تبعاً له تؤمن بالحرية الليبرالية والديمقراطية وتؤول نصوص الله ورسوله لكي تتوافق مع ثقافته الغربية.

стр. 226

التشغيب على المحكمات والثوابت عبدالرحيم بن صمايل السلمي ١٥جمادى الآخرة١٤٣٢هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقضية الثوابت والمحكمات من أبرز معالم افتراق المنهج الإسلامي عن المناهج والمذاهب والتيارات الفكرية المعاصرة، فالإسلام قائم على مجموعة من المحكمات الثابتة التي لا تتغير مع تغير المجتمعات وتنوعها، فالتوحيد والإيمان وأصول الأحكام والمنهج الأخلاقي وحاكمية الشريعة على النفس والمجتمع وموارد الإجماع، ودلالة النصوص الصريحة لا تتغير في المنهج الإسلامي بين مجتمع رعوي وزراعي او مجتمع صناعي حديث، يقول تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، ويقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وفي وصف الرسول ﷺ للفرقة الناجية يقول: ((من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)). بينما نجد الفكر العلماني والليبرالي والحداثي قائم على نفي الثوابت والمحكمات وهذه إحدى أهم سمات الفكر الغربي الحديث، وفي هذا السياق ينبغي أن ندرك أن العلمانية والليبرالية تنفي الثوابت والمحكمات من جذورها، فمشروع الثوابت والمحكمات الدينية والأخلاقية يتعارض مع الفكر العلماني والليبرالي من الأساس. وذلك من خلال نظريتين فكريتين صبغت الفكر الغربي في أغلب مراحله المعاصرة، وهما: نظرية التطور ونسبية الحقيقة. فالفكر الغربي يعتمد على التطور والتغير والصيرورة الدائمة التي لا تعرف الثبات، وقد كان للداروينية أثر كبير في ترسخ هذه الفكرة في العقل الغربي، وأصبحت معياراً للحق والصواب والتميز والنماء المعرفي والاجتماعي. ونظرية دارون كانت نظرية علمية في الأحياء أول الأمر، ولكنها تحولت - فيما بعد - إلى نظرية إنسانية عامة في مجال الاجتماع البشري. ومن جهة ثانية فإن من أسس الفكر العلماني والليبرالي المعاصر "نسبية الحقيقة" وانه لا توجد حقائق ثابتة خارج الأذهان؛ فما يراه الفرد حقيقة فان غيره قد لا يوافقه عليها ويراه وهماً، وليس أحدهما أولى بالصواب من الآخر .. وأساس الإشكال أنهم قاسوا الأمور الدينية والأخلاقية على التطور التقني المادي في مجال العلوم الطبيعية، ووجدوا أنهم كلما اكتشفوا أمراً وظنوا أنه نهاية المكتشفات فإذا بالأمر ينقلب باكتشاف معلومة جديدة، أو معطى جديدا يفتح آفاقاً واسعة للتطوير، وبهذا أنغرس في العقل والوجدان الغربي أنه لا وجود للثبات، ولا توجد حقائق نهائية بل هو تطور دائم لا نهاية له، ونسبية اعتبارية قابلة للتغير .. هذا من جهة ومن جهة أخرى فالعلمانية تنظر إلى الدين - أي دين كان - على أنه مجرد عقائد ذاتية قائمة على القناعة الشخصية، وأنه لا دليل عليها؛ فهي تستوي مع الخرافات والأساطير والكهانة والسحر وسائر الجاهليات .. ولهذا يرون أن وجود الثوابت القطعية مدعاة للتعصب الديني , لأن مثبت المحكمات يعتقد أنها يقين ثابت وان مخالفه مخطئ وبالتالي ينشأ التعصب .. وقد نشأ عن نسبية الحقيقة وتغيرها الدائم حزمة من المفاهيم الخاصة في الفكر الليبرالي تنافي قطعية الاعتقاد والأحكام والأخلاق واستعملت مصطلحات براقة لتسويق هذا الفكر الهادم لمقومات العقيدة وثوابتها مثل الحرية والتعددية والانفتاح والتسامح الديني ..

стр. 227

وإذا نظرنا إلى الفكر العلماني العربي المعاصر نجد أنه مجرد ناقل للفكر الغربي في نفيه للثوابت والمحكمات: أحيانا باستعمال نفس الأفكار الصارخة التي تنافي حقيقة الإسلام، وأحيانا بالتشكيك في وجود المحكمات أصلا دون تصريح بالنفي، وأحيانا بتضييقها حتى تصبح مجرد اعتقاد وجود الله والإيمان المجمل بالرسول دون الالتزام بالشريعة والتسليم بحاكميتها لكافة شؤون الحياة والخضوع لأمر الله ورسوله في المنشط والمكره، وأصبحت الثوابت عندهم كإيمان المشركين الذي لا يرفع عنهم سوءة الشرك، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. الحيرة المنهجية: وهنا أود الإشارة إلى قضية مهمة وهي أن هناك من تأثر بالفكر الليبرالي وشعاراته من المنتسبين إلى الفكر الإسلامي وأصبح يردد مفاهيمه السابقة ويحاول أسلمتها، ويمرر من خلال المصطلحات المجملة كثيراً من المفاهيم الليبرالية، فمثلاَ: الحرية تطلق على حرية الحق والباطل، فيمرر حرية الباطل من خلال اللفظة المجملة، والطائفية تطلق على الخروج عن الإسلام والسنة بطائفة معينة والدعوة إليها وجمع الناس عليها، وتطلق كذلك على من يحارب العقائد الضالة والفكر المنحرف، ويضيق على أهله، ويمنعهم من الدعوة إليه، فيتم تمرير المفهوم الثاني بعبارة مجملة، وهكذا أصبحت المصطلحات المجملة وسيلة للمراوغة والتضليل، وتمرير الأفكار المنحرفة. وأخطر ما يؤديه هذا التيار التنويري العصراني انه يوقع المتابع له، والمعجب بأطروحاته فيما يمكن تسميته بالحيرة المنهجية، بمعنى أنه يُشعِر من يتلقى عنه أن كل قضية قابلة لإعادة النظر والمراجعة، وأنه بالإمكان تغيير القول فيها، ويصبح المتلقي لا يعرف ما هو الذي يقبل إعادة النظر والمراجعة وما لا يقبل ذلك، وبالتالي يمارس عملية هدم مبطن لكل ما بناه المتلقي من مفاهيم دون أن يبني له شيئا أكثر من هذا الهدم المنهجي وإمكانية التغيير، ويكون مساحة حرة لعبث التيارات العلمانية، وهذه إحدى البوابات التي يلج منها أتباع هذا التيار إلى حياض العلمنة، وهو يظن أنه يعتمد المرجعية الإسلامية!!. ولهذا فهو يشكك في المحكمات والثوابت بحجة أن البعض ادخل فيها بعض العادات والتقاليد دون أن يحدد المواضع بالتفصيل، ثم يمارس تقليلا لدور الثوابت والمحكمات في حماية عقيدة الأمة وبقاء منهجها واستمرار منهجية أهل السنة والجماعة في الأمة، وهو بهذا يفتح بوابة التأثر بالفكر الليبرالي الغربي ويحطم معنويات الأمة وثباتها على مبادئها بل أصبح البعض يتبنى مشروع التغيير كمنهجية مقابلة لمنهجية ترسيخ الثوابت والمحكمات، والتغيير مفهوم مجمل ومحايد لا يمكن أن يمدح لذاته، فالتغيير المحمود الموافق للشريعة هداية واستقامة، والتغيير المذموم المخالف للشريعة انتكاسة وغواية، وكلها يسمى "تغييراً"!! وهذا التيار وان كان لا ينفي المحكمات لفظياً إلاّ انه يحدث لدى متابعه والمحب له حيرة منهجية مبرمجة تجعل منه فرصة سانحة لتقبل الفكر الليبرالي.

стр. 228

ومن المحكمات الشرعية التي تم نفيها أو التشكيك فيها: البراءة من المشركين وبغضهم، واعتقاد كفرهم في الدنيا والآخرة، والجهاد وأحكامه كالجزية واسترقاق الأسرى، وقتل المرتد وغيرها، وتحكيم الشريعة وهيمنتها على كافة الأنظمة، وإنكار المنكر، ومحاربة البدع والمحدثات، وأولوية العقيدة والإيمان، وتحذير الأمة من التيارات الفكرية، والقواعد العامة لمصادر الاستدلال ومناهجه، والحجاب، ومنع الاختلاط، وقواعد الشريعة الكبرى كقاعدة الضرر يزال، وسد الذرائع، وإثبات الصفات والقدر وغيرها من قضايا الاعتقاد، وتحريم الفواحش، والظلم، وتحريم الاعتداء على المسلم وسلبه حقوقه وحريته الشرعية، وغيرها من المسائل الإجماعية التي لا تقبل الخلاف، ويعد الخلاف فيها شاذا لا قيمة له. وليس المقصود هنا الحديث عن أعيان المسائل المعتبرة من الثوابت، ولكن الغرض الإشارة إلى التشغيب الذي يمارسه الفكر الليبرالي، والحيرة المنهجية والتلون الذي يصنعه التيار التنويري للتشكيك في المحكمات ودعوى أن هذه ثوابت اجتماعية، وليست ثوابت شرعية، وهذا يذكرنا بتصوير الإعلام للحجاب ومنع الاختلاط وغيرها بأنها من العادات والتقاليد، وهو إشارة إلى أنها ليست من الدين، ويمكن تعديلها، وتغييرها. توصية: كل ما تقدم الإشارة إليه تؤكد خطورة محاولات القفز على المحكمات في واقعنا المعاصر، وهي تتفاوت من مجتمع لآخر ففي أحيان يكون التشغيب على حاكمية الشريعة في التقاضي وأحيانا على لزوم الحجاب للمرأة المسلمة، أو معارضة تحريم الربا والزنا وشرب الخمر بحجة حرية العلاقات الشخصية، أو الدعوة للاختلاط، وتسويق الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة مثل السيداو وميثاق حقوق الطفل وغيرها من المواثيق الدولية .. وأمام ذلك كله يتأكد ضرورة تأصيل المحكمات وإقناع الأمة بمخاطر القفز عليها وتجاوزها تحت أي ذريعة، وتربية المجتمع عليها والتحذير من نتائج التشكيك فيها وإزالة الحيرة التي يوقعها الخطاب التنويري في نفوس الشباب إزاء هذه القضية المركزية والجوهرية في المنهج الإسلامي.

стр. 229

بيان من رابطة علماء المسلمين عن الأوضاع في سوريا رابطة علماء المسلمين الإثنين ٦جمادى الآخرة ١٤٣٢هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله قاصم الجبارين، مهلك الظالمين، مدرك الهاربين، نكال المجرمين، الحمد لله صريخ المستصرخين، غياث الملهوفين، معتمد المؤمنين، ناصر المستضعفين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. قال تعالي: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: ٧٢] إن رابطة علماء المسلمين لتستنكر وتدين ما يحصل من قمع وإراقة للدماء وكبت للحريات والتعامل مع المتظاهرين بوحشية لا مثيل لها من النظام البعثي في سوريا الذي طالما أوغل في الشعب السوري بالقهر والجبر والظلم والطائفية طيلة عقود أربعة متوالية. وإن رابطة علماء المسلمين ومن الواجب الملقى عليها تجاه هذه الأحداث لتؤكد على ما يأتي: أولا: لابد أن يعلم أن هذا النظام قد جمع بين ثلاث سوآت (النصيرية - والبعثية - والاشتراكية) وكل منه ناقض للإسلام على حده، وأما إذا اجتمعت كلها فتلك ظلمات بعضها فوق بعض، وكفر بواح. ثانيا: ما حصل من إراقة الدماء وإزهاق الأرواح البريئة كل ذاك يتحمله النظام البعثي، وهي جريمة تضاف إلى رصيد مظلم من جرائم هذا النظام الذي ارتكب في حق هذا الشعب الأعزل جرائم قل نظيرها في التاريخ المعاصر. ثالثا: إن قهر الناس وقتلهم دون مطالبهم مسلك خطير يستوجب غضب الله سبحانه ولعنته على فاعله ويجب ان يكفوا عنه قال تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [سورة النساء:٩٣ الاية]. رابعا: إن مطالب الإصلاح وحرية الناس من التوغل الطائفي المنحرف أو السياسي المستبد هو مطلب مشروع يقره الإسلام، بل وتقره سائر الشرائع. والأنظمة الدولية. خامسا: إنه من العار على الحكومات العربية أن تهب بعض الدول الغربية لنصرة الشعب السوري وتتبني قضيته وتبقى الدول العربية متفرجة لم نسمع لها قرارا ولا بيانا ولا شجبا ولا تنديدا. سادسا: إن من واجب القادرين من الشعب السوري في كل القرى والمدن الأخرى أن ينهضوا جميعا لفك الحصار عن إخوانهم في درعا وتخفيف المعاناة عنهم. سابعا: إن من أعظم الناس أجرا عند الله من قام لسلطان جائر فأمره أو نهاه فقتله فعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال ((سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) رواه الترمذي والحاكم وقال صحيح الإسناد وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال ((إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)) رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه وإسناده صحيح، فنرجوا من الله للشهداء الذين صدعوا بالحق أمام هذا النظام أن ينالوا من هذا الأجر أوفر نصيب. ثامنا: إن من واجب الأمة أن تهب لنصرة المستضعفين كما هبت لنصرة غزة لأن ما يفعله النظام السوري في حق إخواننا في درعا يفوق في وحشيته ما فعله اليهود في غزة. تاسعا: على أهل العلم والمصلحين والدعاة القيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة أمتهم وتسديد مسيرتها، وتوجيهها نحو أعدل السبل وأقوم الطرق، التي بها يصلح حال البلاد والعباد، متحرين في ذلك رضا ربهم، ومراعين فقه واقعهم، دون حيف أو خوف، أو ولاءٍ لشرق أو غرب. عاشرا: نناشد منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، والمؤسسات الأهلية وكل شرفاء الأمة التحرك العاجل لنصرة الأطفال والنساء في درعا وعدم التخاذل والتواطؤ مع النظام السوري المجرم. أخيرا: يجب على كل المسلمين الدعاء لإخوانهم في سوريا بالصبر والثبات وتفريج الكربة والنصر على من أراد بهم شرا فإن ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) كما قال رسول الله ﷺ في المتفق عليه من حديث النعمان بن بشير ﵁. نسأل الله تعالى أن يفرج عن إخواننا المكلومين في سوريا وأن يعجل بكشف الغمة عنهم وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز به أهل طاعته ويهدى به أهل معصيته ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر والله ولي التوفيق. رئيس الرابطة الأمين العام الأمين الحاج محمد أ. د. ناصر العمر

стр. 230

قصة الغرب و"الآخر " عايض بن سعد الدوسري الإثنين ٦جمادى الآخرة ١٤٣٢هـ قبل سنوات قليلة اجتاحت العالم العربي والإسلامي حمى كلمة " الآخر "، وأصبح من النادر أن تجد مثقفًا أو صحفيًا أو نصف مثقف أو نحو ذلك لا يذكر كلمة " الآخر ". بعض هؤلاء - وليسوا بالقليل - يذكرون كلمة " الآخر " بخشوع وإخبات، ويستطردون في ذكر محاسنه وحقوقه وإيجابياته وما له علينا وماذا يجب علينا تجاهه، وكيف نُحسن صورتنا أمامه، وننظفها من العار والشنار الذي لحقها من قِبَلِنا، حتى أصبحت صورتنا غير نظيفة أمام " الآخر ". وحيثُ إنَّ للآخر قصة يُستحسن أن نعرفها، وكيف نشأ مصطلح " الآخر "؟ ومن المقصود به؟ وما الذي نشأ قبله؟ وفي أي شيءٍ استخدم؟ هذه الأسئلة مهمة حتى لا تُستخدم الألفاظ في غير معانيها، أو تُقتطع من سياقاتها التاريخية، فتفقد قيمتها أو معانيها أو حتى دلالاتها الخطرة. مصطلح " الآخر " مصطلح وُلِدَ في الغرب، وكان وجوده هناك مسبوقًا بوجود مصطلح " الأنا "، لأن الغرب يرى أنه هو " الأنا " وهو مركز الكون والحضارات، وبقية العالم تُسَمَّى " الآخر "، فنشأ ذلك المصطلح كدلالة على الاستعلاء الغربي تجاه الآخرين، وأصبح العالم يُرى من قِبَلِ زاوية " الأنا " الغربية كالآخر! و" الأنا " الغربية هي نقطة البداية وزاوية الرؤية التي تُقيَّم من خلالها جميع الأشياء، وهذه الرؤية تأتي انطلاقًا من تمركز الفكر الغربي على الذات، الذي نشأ عنه اعتقاد الغربيين "بمركزيَّة الغرب"، ومن ثم أنتج استعلاءً على الآخرين، وكانت المدوَّنات الأدبية والفلسفيَّة الغربية سجلاً حافلاً وموثقًا سُجِّلَ فيه بكل دقة ملامح الاستعلاء الغربي على " الآخر "، الذي يتمثل في الحقيقة والواقع في الشرقي أو بعبارة أدق غير الغربي. ومن هذه النظرة الفلسفية أصبحت العلاقات قائمة على عدم المساواة، بل على غيرية تامة إلى درجة العداوة. ويرى كثيرٌ من المراقبين أنَّ هذه الرؤية ليست حديثةً، بل لها جذورها الضاربة في القِدَم. فأرسطو - مثلاً - يرى أن (الآخر) هو الغريب، أما أكثر الفلاسفة المتأخرين فيرون أن (الآخر) هو الشخص غير الطبيعي، أو العدو، أو الشيطان، أو البربري، أو المتوحش، أو الخطر المميت، أو الشر، أو الإرهابي، أو الأجنبي محل الريبة! ومن فلسفة الغرب لمصطلحيّ " الأنا - الآخر " انطلقت الحملات الاستعمارية تحت مسميات مختلفة، فتارة: حملات صليبية، وتارة: حملات ضد البرابرة، والعامل المشترك هو: أن "الآخر" ليست له قيمة مساوية للغربي، فهو بربري أو متوحش بلا قانون أو إيمان، ولذا فإن الحق في أخذ ما في يديه وما تحت رجليه وسرقة ماله وحقوقه حقٌ مشروع. وقد بيٍّن (فرنسوا شاتليه) في كتاب " أيديولوجيا الغزو " أن الغرب قد نظر للشعوب -التي قصد بلادها الأصلية لاستعمارها - بوصفهم وحوش وبرابرة، فقد عرف الغرب -على حد قوله- أنواعاً من المتوحشين وخاض معهم تجربة؛ كمتوحشي أمريكا وكندا، أي السكان الأصليين الهنود. وحينما عَرَّفَت الموسوعة الغربية L ENCYCLOPEDIE ( المتوحش) - في مقال خاصٍ بالتعريف بالمتوحشين- فقالت: إنه من الشعوب البربرية التي تعيش بلا قانون ولا شرطة ولا دين. ثم تُعطي مثالاً على ذلك بأمريكا التي ما تزال مأهولة بأمم الهنود الحمر المتوحشة -على حد وصفها- بدون ملك ولا قانون ولا إيمان! لقد كان هذا كافيًا لأن تقوم الجيوش الغربية بغزو أمريكا الشمالية وإبادة الهنود الحمر إبادة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، مع أنَّ بعض الباحثين يؤكدون على أنَّ شعوب الهنود الحمر في أغلبيتهم من الشعوب المسالمة والطيبة، وأنه من الثابت بلا شك أنها شعوب لها لغتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها.

стр. 231

ولذلك، تجد أن الأعداد الهائلة للهنود الحمر قد اختفت، بسبب الإبادات الجماعية أو بسبب نشر الأمراض بينهم بطريقة مدروسة ومتعمدة وموثقة تاريخيًا. ومع أنه لم يتبق إلا القليل منهم في أمريكا، وطنهم الأصلي، فإنهم اليوم يُعانون الغربة والتهميش والاحتقار، وأنهم هم الغرباء في أمريكا. أما التصوير الغربي وبالأخص الأمريكي للهنود الحمر، كما تبينه عدد من الدراسات، فإنه تصوير قائم على ثنائية التجريم أو الاحتقار، فالمنتجات الثقافية الغربية-الأمريكية؛ كالأفلام والقصص والرسوم المتحركة، تُكرس في المراحل العمرية الأولى صورة الهندي الغبي والمغفل والأحمق، لكن في المراحل العمرية اللاحقة يتحول الهندي الأحمر إلى مجرم حقير مُدنس للأعراض وقاطع للطريقة و"سالخ لفروة الرؤوس"، وحش بلا رحمة ولا قلب ولا يعترف بقانون. يقول الكاتب الغربي " ريزارد كابوتشينسكي" في مقالٍ بعنوان "التلاقي بالغريب" ٢٠٠٦م: (لم يكن الإنسان الأبيض، الأوروبي، يغادر قارّته إلا بهدفٍ واحد: هو الاحتلال. كان يخرج من دياره ليصبح سيّداً على أراضٍ أخرى وللحصول على عبيد أو المتاجرة أو التبشير. غالباً ما كانت تتحوّل رحلاته إلى حمّامات من الدماء، كما جرى لدى اجتياح كريستوف كولومبوس للأميركيّتيْن، تبعها حملة المستعمرين البيض الآتين من القارّة العجوز، ثمّ اجتياح إفريقيا وأستراليا، إلخ). وبناءً على نظرة الغرب لنفسه " كأنا " ونظرته لغيره " كآخر "؛ تشكلت سياسته تجاههم بوصفهم: إما برابرة يجوز احتلال أرضهم وإهدار جميع حقوقهم الإنسانية، لأنهم -كما يقولون- لا يحق لهم ملك الأرض لأنهم بلا قانون ولا إيمان، وإما مجرد عبيد خلقهم الله لخدمة الرجل الأبيض. يقول فرنسوا شاتليه: (ما نعرفه من أفريقيا، ممالك الغرب التي تنظم بنفسها توريد العبيد، لا يُسمح بتصنيف الأفارقة في عداد المتوحشين، ويُقال عن الأفريقي: إنه خُلق ليخدم). ولعل هذه النظرة الدونية هي التي دفعت المجتمع الأبيض في أمريكا " الأنا " إلى النظر إلى إخوانهم السود " الآخر" كعبيد لا قيمة لهم، أو لعل قيمتهم تقترب من قيمة الحيوانات التي تُستخدم في الزراعة ونحوها! يقول " مالكم إكس" مخاطباً الأمريكان السود: (من أنتم سوى عبيد سابقين، أنتم لم تأتوا على " المايفلاور "، أنتم أُتي بكم على سفينة عبيد مقيدين بالسلاسل مثل الخيول والبقر). طبعًا " المايفلاور " MAYFLOWER هي السفينة التي نقلت المهاجرين والحجاج الإنجليز الأوائل من " بلايموث " في إنجلترا إلى شمال فيرجينيا في أمريكا في عام ١٦٢٠م. ولم تكن العنصرية -والتي شكلت موقف الغرب تجاه " الآخر "- مقتصرة على التجار الجشعين، أو رجال السياسة البرجماتيين، بل كانت -أيضاً- تحظى بدعم فلسفي وتبرير عقلي من أعمدة الفكر الغربيين، والتي وضعت الأسس الأخلاقية لهذه القضية، وقدمت الدعم المنطقي المبرر لموقف " الأنا " من " الآخر ". يقول منتسكو في كتابه الشهير " روح القوانين " مُبينًا حجة من يرى استعباد السود: (إذا كان علي أن أدافع عن حقنا في اتخاذ الزنوج ذوي البشرة السوداء عبيداً، فإنني أقول: إن شعوب أوروبا وقد أفنت سكان أمريكا الأصليين لم يكن أمامها إلا أن تستعبد شعوب إفريقيا، لكي تستخدمها في استصلاح أرجاء أمريكا الشاسعة، وما شعوب إفريقيا إلا جماعات سوداء البشرة من أخمص القدم إلى قمة الرأس، ذات أنوف فطساء إلى درجة يكاد من المستحيل أن ترثي لها، وحاشا لله ذي الحكمة البالغة أن يكون قد أودع روحاً أو على الأخص روحاً طيبة في جسد حالك السواد).

стр. 232

ويؤكد " بندكت أندرسون " أنَّ الأساس الأخلاقي-الليبرالي الذي قدمه الليبرالي الكولومبي " بيدرو فيرمين دو فارجاس " في مطلع القرن التاسع عشر من أجل تبرير استبعاد وإبادة الهنود هو في قوله: (إن كسل الهنود، وغباوتهم، ولا مبالاتهم تجاه الجهود الإنسانية الاعتيادية تدفع المرء إلى الاعتقاد أنهم ينحدرون من عرق منحط). ويؤكدالفيلسوف "رينان" هذا الاعتقاد فيقول: (جنس واحد يلد السادة والأبطال هو الجنس الأوروبي، فإذا نزلت بهذا الجنس النبيل إلى مستوى الحظائر التي يعمل بها الصينيون والزنوج فإنه يثور، إن الحياة التي يتمرد عليها عمالنا يسعد بها صيني أو فلاح من جنس آخر). وبالإضافة إلى المبررات التجارية والسياسية والفلسفية العقلانية، تم إضافة المبرر الديني لتكريس موقف الغرب " الأنا " المجحف من " الآخر "، فبحسب البحوث والدراسات العلمية فإنَّ الغرب -وخصوصاً الأمريكي الأبيض- يرى أن الله كرمه وفضله على خلقه، وأن الله كما منح العبرانيين "اليهود" أرض كنعان والقدس، وطرد منها أهلها الأصليين "الفلسطينيين"، فقد منح أمريكا للأوروبيين المهاجرين إليها، وطرد منها سكانها الأصليين، الهنود. يقول " جون آدمز" في كتاب " أيديولوجيا الغزو": (إن استعمار أمريكا، بداية تحقيق مشروع العناية الإلهية الذي يعني تدفق النور). ويقول فرنسوا شاتليه: (إن تكوين التعابير التي تعني: أمريكا، أمريكي، أمرك. يُشكل الدلائل على هذا التصميم الإلهي. إن أمريكا هي في نفس الوقت كنعان الجديدة، القدس الجديدة، وفيما يخص الأمريكيين، فهم تحت الحماية الإلهية، إن شعباً مختاراً، فقط، هو الذي يستطيع الإقامة في هذا البلد الموهوب بكرم، لقد عاملهم الله مثل العبريين). ومن هذه الرؤية الغربية الضيقة والمتعالية تجاه " الآخر " أصبحت الحضارة الغربية هي المحور والمرتكز للحضارات البشرية، بل لا يوجد حضارة إنسانية غير الحضارة الأوروبية الغربية، وما عداها فقطيع من الشعوب المتوحشة والبربرية أو العبيد. ثم إن " الأنا الغربية " ظهرت في أوروبا بقوة، وانتشرت كالنار في الهشيم، وتبناها ودافع عنها كثير من العلماء والفلاسفة، وهي نظرة -كما سبق- قائمة على " مركزية الحضارة الأوربية " بحيث تستبعد كل ما سواها، فلا حضارة إلا حضارة الغرب. وترى الدراسات والبحوث أنه لأجل أن يُبرر الغربي تفوقه، فقد ذهب العديد من المؤرخين الغربيين إلى ادعاء تأثير جنس بشري مخصوص له خصائص معينة في صناعة التاريخ، إذ لم يتردد البعض في الزعم بأن الجنس الأوروبي هو أفضل الأجناس على الإطلاق، وأنَّ باقي الأجناس الأخرى أقل قدرة في صناعة التاريخ. يقول الفرنسي " جوبينو " في رسالة له حول عدم تساوي الأجناس: (إن الآريين وحدهم هم بناء الحضارة والمحافظون عليها). وكان " جوبينو" لا يعترف بحضارة سوى الحضارة البيضاء، ويؤكد ذلك فيقول: (أن التفاوت العنصري كاف لتفسير مصائر الشعوب). وذهب كل من " جوزيف آرثر " و" هوستن" إلى أن كل الحضارات الأساسية هي من عمل الآريين. وهذه " الأنا " هي التي دَفَعتْ " بلومباخ " إلى تأسيس نظريته الشهيرة التي زعم فيها أن هناك توافقًا بين العبقرية وبين طبيعة العقل الأوربي. ويقول " إفيريت " -أستاذٌ في جامعة هارفارد-: (العرق الأنجلوساكسوني متفوق على نحو لم يسبق له مثيل، ولا يدانيه أحد)! وهذه " الأنا " الغربية -نفسها- هي التي دَفَعت علماء وفلاسفة الغرب إلى تغليف تفوقهم العنصري المزعوم بغلاف البحث العلمي، فالنازيون الألمان يرون أن تفوقهم يُفسر بناءً على عرقهم، وأنهم أفضل العروق وهم السادة، أما الآخرين فهم العبيد!

стр. 233

وحينما سيطرت فكرة " الأنا " على عقل النازية، جعل هتلر يقول بتفوق الألمان بالطبيعة على جميع أجناس البشر، وتقوم فلسفته العنصرية أو " الأنا الألمانية " على فكرة تفوق الجنس "الآري الجرماني" على باقي الأجناس التي أنجبتها الطبيعة، حيث يرى أن الشعب "الآري" فوق الجميع لذلك يجب الحفاظ على نقاوتها. ولذا فقد منع هتلر زواج الألمان من الأجناس الأخرى؛ حتى لا يختلط دمهم النقي بدماء غيرهم الفاسدة. وذهب النازيون إلى أن العروق ليست مختلفة فقط بل متفاوتة، أفضلها وأرقاها وأنقاها العرق الآري، الفرع " النورديكي "، وأدناها وأحطها الأفارقة السود. ويبيّن " ريزارد كابوتشينسكي" أن هذه النظرة العنصرية " للآخر" هي التي دفعت النظام الأبيض الكريه -على حد تعبيره- في جنوب إفريقيا إلى تأسيس علاقاته بالآخرين على مبدأ التمييز العنصري ( apartheid) ، ثم يُفسر هذا التصرف -القائم عدم قدرة على التفاهم مع الآخرين والتطبّع بطباعهم، والرغبة في ببناء الأسوار الضخمة وحفر الخنادق العميقة، للانعزال عن الآخرين- "بأنه فشل للكائن البشري في علاقاته". ثم تتابعت -بعد ذلك- النظريات الغربية لتكريس " الأنا " والبحث عن مسوغات علمية لاستعباد " الآخر " وتبرير شن حروب إبادة وإقصاء في حقه؛ لأن " الآخر " ليس إلا عبدًا لا قيمة له، وتذهب الدراسات إلى أنَّ هذه الأيديولوجية الغربية تُفُسر دواعي الحوادث العنيفة والدموية في التاريخ الغربي، فإبادة الهنود الحمر، والحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش، والحروب الأخرى تطبيقٌ عملي لمفهوم الغرب للآخر، ذلك " الآخر" الذي لا ذنبَ له إلا أنه صُنِفَ غربيًا " بالآخر"، مما يعني أنه مجرد عبد أو بربري في نظر الغرب. يقول فرنسوا شاتليه: (كان على النظام -أي الغربي- إنكار إنسانية العبد، إنه لا يَعْرِفُ، بوصفه حيواناً أو آلة أو كافراً، كيف يشارك في دائرة السوق التي هو مع ذلك دولابها الحاسم، يفترض اقتصاد النخاسة عدم تماثل صارم: "إنسان= أبيض =حر"، "دون الإنسان = غير أبيض= عبد"). لقد تم رسم ملامح " الآخر " بوضوح في الذهنيَّة الغربية بناءً على تصورات الرجل الأبيض، فهو الذي حدد المفاهيم ومن ثم رسم العلاقات بدقة مع الآخرين، فالزاوية الوحيدة التي يُنظر للآخرين من خلالها هي زاوية الغربي، وعين الأبيض، وتقييم الأوروبي، وهذا-كما بُيِّنَ سابقاً- مبني على مفاهيم قائمة على المفهوم الغربي " للأنا " القائمة على التناقض بينها وبين " الآخر ". يقول الكاتب الغربي " ريزارد كابوتشينسكي": (لقد تمّ تحديد مفهوم " الآخر " بحسب وجهة نظر الإنسان الأبيض، الإنسان الأوروبي). ويقول فرنسوا شاتليه: (ثمة معيار أبيض وفيما بعد "آري" يكون منقوشاً على سطح الكرة الأرضية، يكون هذا النقش تناقضياً، تناقض بين الأبيض وغير الأبيض). ويذكر فرنسوا شاتليه أنَّ هناك: (تقسيماً كونياً للعمل: للأبيض النظام والحرية والمثابرة، أما الأصفر فهو جسور وضعيف ولكنه عملي، في حين يكون الزنجي شره وموسيقي وكثير النسل وغير مستقر). لقد لخص بعض الغربيين -قديماً وحديثاً- رؤيتهم وموقفهم من "الآخر"، حيث اعتقدوا أنَّ "الآخر" بكل اختصار هو (الجحيم) الذي لا يرغب أحد في الذهاب أو التعرف إليه أو إقامة علاقات وديَّة أو إنسانية معه. وهذه التصورات المغلوطة والمتجنية تجاه الآخرين هي ما دفعت الكاتب " إدوارد ألبى " في مسرحيته (قصة حديقة الحيوان) إلى تكرار عبارة: (إن الجحيم هو الآخر) على لسان أحد شخصياتها. وكذلك " جون بول سارتر " في مسرحيته (الجلسة السرية) حيث قال بكل وضوح: (إن الجحيم هو الغير).

стр. 234

لقد أرجع " ريزارد كابوتشينسكي" التصورات المغلوطة عند الرجل الغربي عن " الآخر " إلى جهل الرجل الأوروبي الأبيض بكلّ ما له علاقة بالشعوب الأخرى وثقافتها، ومنها كوّنوا فكرة خاطئة عنه، مليئة بالغطرسة والاحتقار. إن خلاصة مصطلح " الآخر " -كما قيل سابقًا- أنه مصطلح غربي يدلُّ على السلبية والعدوانية، في مقابل " الأنا) الغربية الدالة على العلوّ والزهو والتغطرس. هذا جزءٌ ضئيلٌ مما في التراث الغربي عن "الآخر"، ويبقى السؤال الذي قد يُطرح هو: ماذا عن الممارسات الغربية المعاصرة تجاه "الآخر"؟ وهل هناك أي تزحزحٍ في المواقف الغربية تخالف ما هو مسطورٌ في التراث التاريخي؟ هذه الأسئلة مُلحةٌ جدًا وتحتاج إلى إجابات علمية رصينة، لأنه يُمكن أن يُقال: إن ما قيل آنفا ليس إلا تعبيرًا عن مرحلة غربية-تاريخية مضت وتصرمت، ولم تَعد تُلقي بظلالها على الذهنيَّة الغربية في الوقت الحاضر، خصوصًا مع شهرة الغرب بمساندة قضايا حقوق الإنسان ودفاعه عن الديمقراطية والحريات. كثيرٌ من المراقبين يؤكدون أنه حتى مع وجود القوانين المدنية الغربية وحقوق الإنسان في العصر الحديث، والتي يُعتقد أنها تُقيد "الغربي" من ممارسة ثُنائية "الأنا- الآخر"، فإنَّ الإنسان "الغربي" يُحاول جاهدًا أن يتفلت من أسرها كثيرًا؛ إما بعدم تطبيقها خارج حدود "بلاد القانون"، أو بالتلاعب بالقوانين داخل حدود "بلاد القانون"، أو أنَّ الإنسان "الغربي" يرى وجوب التمييز بطريقة ما بينه وبين "الآخر"، أو في نهاية المطاف يرى "الغربي" أن هذه القوانين والحقوق هي من ابتكاره ولذا فهو صاحب المنة واليد العليا.

стр. 235

نكوص الهداة سعيد بن محمد آل ثابت السبت ٤جمادى الآخرة ١٤٣٢هـ منذ أن بزغ فجر الهدى، واستقر الدين في قلوب الموحدين، ولامس الإيمان شغاف القلوب، واطمأن في سويدائها، لم تزل هناك فرادى من الحيارى والتائهين الذين بدلوا وغيروا، وضلوا بعد أن هداهم الله - جل وعلا -، وقد تنامى هذا المعدل في زماننا هذا، حتى لقد سارت به ركبان المجالس العلمية وغير العلمية (ولا حتى المهتمة بشؤون الدعوة)، وحين نُطرق السمع لروايات المربين، والدعاة والمصلحين نجد أن هناك عدداً من القصص المزعجة جراء النكوص والانتكاسة - نسأل الله الثبات -، وإن هذا الموضوع لم يُغفله ذوو الاختصاص حيث يُطرح بين الفينة والأخرى بالطرق والمفاهيم والأفكار مختلفة، ولكن لعلي في هذه العجالة أن أحاول إلقاء الضوء على الأسباب خلف هذا السلوك من وجهات عصرية متعلقة بجوانب لعلها تناسب زماننا هذا، ويكمن فيها - بإذن الله- العظة والحذر، وأعلم يقيناً أن الحاجة لكاتب الموضوع أولى من قارئه، ولو كنتُ مخيراً لقدمت سكوتي وصمتي فالقضية جد حساسة لا يأمن فيها الفرد على ذاته، ولكن حسبي تبليغ دين الله، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربما ساهمنا في تثبيت أحدهم فيُشفِّعُه الله فينا يوم العرض والحساب. أشكال الانتكاسة: لاشك أن واقع الانتكاسة واقع مخيف - نعوذ بالله من الخذلان-، وأشكالها كثيرة، هذا إذا علمنا أن معظم المسلمين قد قرروا في أنفسهم هذا الطريق لأسباب عدة كموعظة سريعة، أو مناصحة صادقة، أو فقد قريب أو عزيز، وسرعان ما يعود إلى طريقه السابق لظروف متعددة، وربما يكون عدم احتضانه في بيئة جيدة، أو هو لم يستظل بظلال صحبة معينة ساهمت في كثير من ذلك، ولا غرو أن من الظواهر المقيتة في هذا الشأن حين ترى جماعة من الإعلاميين والكتاب والصحفيين كانوا مهتدين بل وحتى دعاة، وسرعان ما تغيرت الوجهة! كل ذي لب يؤمن أن ذلك نذير خطر، غير أني سأحدد أشكال الانتكاسة في النفر الذين تمتعوا بطريق الهداية فترة من الزمن فعاشوها، وواكبوا أقران لهم هناك في البيئات الصالحة المصلحة، ثم بدلوا الحسنة سيئة. وأبدأ مستعيناً بالله: أشكال الانتكاسة على نوعين: الانتكاسة الفكرية: وهو يصيب فئة من الناس حيث تبدأ معتقداتهم بالاهتزاز أمام صراعات الأفكار التحررية، وهذا له صور عدة فهناك من ارتد عن دين الله، ومنهم من سلك العلمنة وتحييد الدين بعيداً عن النشاط البشري والحياتي، ومنهم من ركب التنوير وسار يهذي به بعيداً عن الحقائق، والفطرة الصحيحة، وبات مفتياً متفرساً في وقائع الأمة التي لو كانت في عهد عمر لجمع لها أهل بدر. وربما يورده للانحراف الكلي عن الدين القويم كما حدث في البعض، وهذا الشكل من الانتكاسة أشد ضررًا من التالي حيث يكون هذا قاضياً على الخير والهدى في قلب الفرد، زاجاً به في متاهات ليس لها نهاية. الانتكاسة السلوكية: وهذا ما يكون عادة ناشئ من هبوط الإيمان، أو خلل في التربية الذاتية والإيمانية، وربما كان له أسباب خارجية، وقد تظهر صوره في الفتور الدعوي، أو كون الملتزم يصبح لا هم له ولا نشاط؛ فينكفئ على نفسه وخاصته، وربما ذهبت آثار السمت والاستقامة ليساير عامة الناس ودهمائهم بعيداً عن المسؤوليات والتبعات. وهذا النوع قد يعود صاحبه، حيث أنه لا يُصيب بالعادة إلا تغيرات سطحية في المفاهيم، وخلل في السلوك فبتوفيق الله ثم بالمناصحة، والعزم قد يعود صاحبه لأنه غالباً ليس مقتنعاً تماماً بما هو عليه. الدوافع والأسباب: أولاً: (الأسباب شخصية)

стр. 236

إهمال المنابع الإيمانية، وضعف الارتباط بها كالمساجد، وحلق الذكر، ومجالس الإيمان، وعادة ما يكون للمتنسك بداية الطريق صلة بهذه المنابع، وهكذا حتى يُصيب البعض شيئاً من التواني والتراخي في ذلك، فيقل عنده منسوب الإيمان، وتضمر لديه المعاني والمشاعر الإيمانية الوهاجة، ويكون على ارتباط هش بالمداومة على الصلوات في المساجد، والعمرة إلى العمرة والحج إلى الحج، وتقليب صفحات المصحف، وتكمن المصيبة حين يعتقد بأنه قد توصل لمرحلة قد لا يحتاج فيها إلى مجالس الرقائق والإيمان التي يزعم أنها للمبتدئين، ومن ثم ينكفئ على ذاته ونفسه، وهنا يبدأ في مناقشة ذاته، ومحاورتها بعيداً عن المنهجية وأهل العلم، حتى يبدأ بالتنازلات، والتقاعس، والأخذ بالمفضول ليسقط، ويستسلم لقيد من قيود الأرض. الانبهار بالجديد، والتهافت على الحضارة الدخيلة، والانفتاح على المدرسة العلمانية والعقلانية، وهذا يساهم في الجرأة على النصوص المقدسة، والتمرد على أهلية الأحكام الشرعية بالنقد والتأويل واتهام المسلمات والثوابت الإسلامية بمصادمة العصرنة، وعدم مجاراتها لظروف الواقع، ومن ثم اتهام الدين بالجمود والرجعية، وهذه فتنة عظيمة سقط من خلالها عدد مخيف لاسيما ممن اتسم بالعقل في حينه والخيرية, ومفاد هذا الدافع باطل حيث الفهم الحقيقي للدين الإسلامي يجعل هناك تصور صائب تجاه المعتقدات والضوابط الشرعية خصوصاً أنها أتت لتحرر البشرية من ربقة الأسياد، والقبيلة، والأهواء والطواغيت. وساعد في ذلك وجود البعض خلف أسوار التقوقع على النفس ثم الانفتاح العولمي السريع عبر قنوات الإعلام الجديد، وربما هذا الأخير أذكى شيئاً من القنابل الموقوتة في البعض تجاه مسلمات دينهم. الاندفاع والاستعجال والحماسة المفرطة، مع فقدان الروية والتأني. وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء:٧٧]. يقول سيد قطب عن هذه الآية: (إن أشد الناس حماسة واندفاعاً وتهوراً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الجد وتقع الواقعة .. بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالباً ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال؛ قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة؛ فتدفعهم قلة الاحتمال إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل، دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار .. حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشق مما تصوروا. فكانوا أول الصف جزعاً ونكولاً وانهياراً ... ).

стр. 237

البعد عن البيئة المعينة، واستبدالها ببيئة هابطة الغايات، والأولويات، وهذا أثره في التطبع على سلوكيات البيئة الثانية، ولقد قال الحق جل وعلا في حقه نبيه ﵊: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [الكهف٢٨]، والمتدبر في هذه الآية يجد وصف هؤلاء الدعاة تكمن في الفاعلية، والاستمرارية والإخلاص، وهذا يجسد لنا صفات البيئة المناسبة لاحتضان المصلحين والهداة. قلة العلم، والجهل بأحوال الفتور والشره. وأعني بالعلم هو العلم الشرعي والتربوي الذي يساير الفرد حتى موته، وأخذه من العلماء الراسخين، وطلبة العلم الموثقين، ولا يكن الهوى والانكماش على الذات هو المسير الوحيد للسلوك، وإنا نجد في تعاطي الصحابة والسلف الصالح لهذه القضية نموذجاً حياً يمثل مشهد العلم والتعلم وبذل الوقت والجهد فيه, فهذا جابر بن عبد الله ﵁ بلغه عن رجل من أصحاب رسول الله حديث سمعه من رسول الله ﷺ في الشام وهو عبد الله بن أنيس ﵁ فابتاع بعيراً وشد عليه رحله وانطلق يسمع حديث رسول الله-﵊، وذاك شعبة ﵀-يرحل شهراً كاملاً في طلب حديث سمعه من طريق لم يمر عليه. (للاستزادة أنظر الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي). وفي عصرنا الحاضر قوى علمية جمعت بين العلم وصلاح القلوب وتزكيتها منهم من رحل ومنهم من بقي، ونجدهم والله أعلم بحالهم، أبعد الناس من الوقوع في الشبه وإضلال الخلق، وأقربهم للهدى والإصلاح. وهنا يأتي دور العلم بأحوال النفس ومدى إقبالها وإدبارها، وكيف يسايس المؤمن نفسه حين يعلم منها حالاً تعايشها، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شره، وَلِكُلِّ شره فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَي غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ)) (صحيح) انظر حديث رقم: ٢١٥٢ في صحيح الجامع. وهذا النص يوضح لنا المنهج الواضح في حال الشره والفتور. الإمعية والإتكالية، وإهمال البذل والعطاء والتضحية لدين الله عزوجل، وهذا داء عضال وكل يسير في اتجاه مغاير لكنها تتقاطع في البعد عن تحمل المسؤولية، وعدم الالتزام بالأمر، والمهمة الملقاة على عاتق الأخيار، وبالتالي حين يرى الواحد منا في غيره وحتى ذاته بداية الانسلاخ من المسؤوليات والمهام التي على عاتقه (الدعوية وما في معناها)، فليراجع ذاته، وليحاسب نفسه، وعادة أنها بداية للتخلي عن الوظيفة العظيمة، وهي الدعوة إلى الله، والتي هي بمثابة المثبت الأول على دين الله، وتزكية للعلم والخير الذي يحمله المصلح. الإمعية: هو أن يكون هذا الفرد طيلة عمره تبعاً لجماعته التي يعيش معها دون أن يكون له أثر حتى في نقد الأفكار، والمساهمة في الجزئيات، ولا حتى الإيجابية في بعض المظاهر البسيطة، والإتكالية: هو البقاء تحت أستار جهود الآخرين والهروب عن تحمل المسؤوليات والتبعات، وأرجع لأقول إن من الهوان أن يبقى المؤمن خلف هذه الأستار المشوهة، وأنها طريق لإزهاق روح الهداية، ولا نطالب أن يكون الفرد خطيباً مفوهاً، أو ملقياً بارعاً، أو باحثاً مطالعاً، ولكن كل بحسبه.

стр. 238

الاعتداد بالذات (الكبر)، وهو من أخطر أمراض القلوب وأشدها فتكاً، وخطره وعواقبه ضارة، وكل مساراتها تقف ضد معاني الشريعة (التواضع، لين الجانب، وقبول الحق من الإخوان ولو كان أحدهم وضيع في القوم)، قال الحق جل وعلا: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف١٤٦]. وقال أحدهم: تواضعْ تكن كالنجمِ لاحَ لناظر على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ ولا تك كالدخان يعلو بنفسه إلى طبقات الجو وهو وضيعُ والتاريخ والحاضر مليئة جعبته بمن خلف هذا السلاح الفتاك من قتلى في حديقته الدامية فمن إبليس بداية المسيرة لهذا الداء، ولازال، وأقول إن معظم ما يختال الأغلبية في ضعف تدينهم، وسوء علاقاتهم هو نسبة عظيمة من هذا الداء الكامن في القلوب، - والعياذ بالله - والذي يأتي في قوالب عديدة تُسقط على سلوكيات مبررة بحفظ الهيبة، والوقار، وهي من تلبيس إبليس. الغلو والتنطع والتشدد والتشديد، ولا غرو بعدم الملامة على شخص أقر بذلك على ذاته في الأحكام كابن عمر ﵁، وبعض الزهاد والعلماء من السلف الصالح، ولكن أن يظهر ذلك حتى على إحكامه - ما يعتقده ويتورع به - على غيره، وإن السائل يسأل كيف لهذا أن يكون سبباً للضعف والانتكاس؟ إنا نذكره بما رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). وأقول إن المصيبة من يعتقد الفظاظة في الأسلوب، وإهمال اللباقة واللياقة في الحديث من الدين، وإن من تمنهج على هذه الطريقة ثم يجد نفسه في خانة الآحاد لا شك أنه سينتقد ما كان عليه، وبشكل آخر يرمي معتقده، وبيئته الدينية بالاتهامات الباطلة، والدين منه براء، وكم عرفنا من كانت له بدايات في سبيل الخير والإصلاح، وكان متزمتاً متنطعاً في الحكم على الناس ومجابهتهم، حتى بلغ السيل الزبى فتقهقر- والعياذ بالله - حتى وجد نفسه بعيداً عن القلوب والأجساد معاً .. فأصبح في قيد من قيود الأرض ليرجع مع من هوى وسقط. الانغماس في الدنيا وتبعاتها، والانهماك في المباحات، واللهو والسفاسف، والغرق في المرابحة والتجارة، وقلة التورع في المعاملات المالية لاسيما التي في دائرة الشبهة، والغرق الشديد في الرفاهية وعادة ذلك في المسكن والمركب والملبس والمأكل، وكل هذا مندرج تحت (إظهار النعمة المكتسبة) أو (عدم ترك الأبناء عالة يتكففون الناس)!. ولقد قال تعالى في ذم اليهود: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:٩٦].وعن أنس ﵁ -قال: قال رسول الله- ﷺ : "يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول العمر" (رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري). وقد أخبر المصطفى- ﷺ -أمته كما روى البخاري ومسلم، قال: "فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم". (ودرجات الورع أربع: الدرجة الأولى: درجة العدول عن كل ما تقتضي الفتوى تحريمه.

стр. 239

الدرجة الثانية: الورع عن كل شبهة لا يجب اجتنابها، ولكن يُستحب، ومن هذا قول المصطفى ﷺ : ((دع ما يريبك إلى ما يريبك)). الدرجة الثالثة: الورع عن بعض الحلال مخافة الوقوع في الحرام. الدرجة الرابعة: الورع عن كل ما ليس لله تعالى، وهو ورع الصديقين. والتحقيق فيه أن الورع له أول وغاية، وبينهما درجات في الاحتياط، فكلما كان الإنسان أشد تشديداً، كان أسرع جوازاً على الصراط، وأخف ظهراً، وتتفاوت المنازل في الآخرة بحسب تفاوت هذه الدرجات في الورع، كما تتفاوت دركات النار في حق الظلمة بحسب درجات الحرام، فإن شئت فزد في الاحتياط، وإن شئت فترخص، فلنفسك تحتاط وعليها تترخص). بتصرف "مختصر منهاج القاصدين" ص١٠١,١٠٠. التعلق بالذوات والأماكن، وهذا جعل بعض المتعلقين بالرموز حين يبعد هو، أو يذهب ذلك، فإنه يقدم دينه فداءً، ولا نعلم لمن كانت الشعارات الرنانة في دين الله بادئ الأمر، والمحافظة على الواجبات، والبعد عن المنكرات، ولمن كان البذل والعطاء؟ حقاً إنها فتنة وقع فيها البعض، ومقالنا هنا هو ما قاله الصديق أبي بكر-﵁ حين اُفتتن بعض الصحابة بموت رسول الله ﷺ فقد روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، - قَالَ: إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي بِالعَالِيَةِ - فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ " فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ... )) حقاً علينا أن نتتلمذ من هذا الموقف الرباني للتعلق بالله، بل والتوسيع على النفس في الضائقات وفقد العلماء والإخوان بذلك لا العكس.

стр. 240

إتباع الهوى، والاستسلام للشهوات، وعادة ما يكون الهوى المتبع ضلال وغي ومخالفته عين الصواب والحق، قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٥ - ١٧٦].ومن صور ذلك: شهوة الفرج، ولاسيما النساء عند الرجال وكذا المردان، روى البخاري عن النبي ﷺ قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) , وهذا عادة ما يصيب المرء عن طريق بصره، وربما غوي عن طريق شيء آخر؛ لأن مفاتيحه كثيرة، ومقدماته لا تُحصى قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢]، فالمعاين لقوله ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا﴾ يجد البلاغة الوصفية في التحذير، حيث يشمل كل المقدمات والطرق المؤدية لهذه الفاحشة، غير أن أعظمها وأشدها إطلاق البصر الذي ينشأ عنه إطلاق الفكر، قال الحق - سبحانه - ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور٣٠]، ونحن لا نفرض قيداً على أبصارنا، ولكن يُجاهد المرء ذاته وليتلذذ بهذه العبادة العظيمة، وقد تواصى السلف الصالح بهذا الأمر، وكانوا على حرص شديد من فتنة النساء والمردان، قال الحسن بن ذكوان: لا تجالسوا أبناء الأغنياء فإن لهم صورًا كصور العذارى، فهم أشد فتنة من النساء. وقال بعض التابعين: ما أنا أخوف على الشاب الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه. (أنظر الكبائرص٤٢، للذهبي - دار الثريا). أقول كم ذهب جراء شهوته صالحين كثر قدموا دنياهم على دينهم، وكانت بدايتها من رمقة بصر أشعلت فتيلة الهوى، وصادفت قلباً خاوياً فتملكته -والعياذ بالله-، وهذا يحصل كثيراً، ويزول والحمد لله بالتوبة والأوبة والرجوع، لا كما يصيب البعض من اليأس والقنوط. حب التصدر، والشهرة والافتتان بالظهور الإعلامي. وهذه فتنة عظيمة ومصيبة جلية، وتأتي على مداخل وطرق شتى قل من يسلم منها إلا من ﵀، عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَ فِلِدِينِهِ"، وإن الحصيف هو الذي ما يلبث أن يجاهد نفسه في مدافعة ذلك، وفي وقتنا هذا زاد الطين بلة أنه مع تعدد وسائل الإعلام، وزيادة فرص المناصب والوجاهات توجب على الأخيار عدم التراخي والتراجع لسد هذه الثغرات وملأها للمجتمع خيراً ونفعاً، ولكن الرزية أنها أصبحت فتنة عند البعض فحين وصل لذلك الكرسي، أو استلم ذاك المذياع، وربما شوهد عبر الأقمار الصناعية مقدماً أو مشاركاً وربما ضيفاً ... أصبحت غاية له بدلاً من كونها وسيلة لنقل الخير، وقد يبذل القيم والنفيس لديه من أجل أن يقبل الناس صورته، وكلامه، وملبسه، وحتى ربما غير أفكاره وطريقة كلامه استجابة لمطامع البعض، وحتى يصل لما يريدون فيصل هو لما يُريد.

стр. 241

وقد كان السلف الصالح على بلوغ صيتهم ونفعهم ينفرون من الشهرة والتصدر. قال بشر بن الحارث: " ما اتقى الله من أحب الشهرة " سير أعلام النبلاء ١١/ ٢١٦, وقال الإمام أحمد: " أريد أن أكون في شعب بمكة؛ حتى لا أُعرف، وقد بليت بالشهرة "، ولما بلغ الإمام أحمد أن الناس يدعون له قال: " ليته لا يكون استدراجاً "المرجع السابق ١١/ ٢١٠ - ٢١١. وقال سيد عفاني - رفع الله منزلته -: (ولما كان المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب، وحب الجاه هو منشأ كل فساد، لذا كان الهرب والخوف من الشهرة من دلائل الإخلاص) (تعطير الأنفاس في الحديث عن الإخلاص). حب المال والاتجار به. وقد قال تعالى عن ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: من الآية١٥]. وقال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الفتح:١١]، بل الطريف أن البعض يسير في هذا الطريق مدعياً أنه سيكون رمزاً في الإنفاق لدين الله، وهو يذكرنا بقول الله -عزوجل-: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥ - ٧٦]. حقاً إنه واقع مشاهد، وحاضر ملموس، بل العجيب أن البعض أخذ في ذلك مأخذاً بعيداً حيث أسرف على نفسه في الملبس والمركب والمسكن، مدعياً بذلك أنه يريد بها نصرة لدين الله حتى يُرى فتتحسن صورة الأخيار في أعين الناس جاعلاً من أبي بكر وعثمان وابن عوف ﵃ أنموذجاً في ذلك، ونحن نذكره بأفعالهم، ومواقفهم وأعطياتهم، فأحدهم قدم ما يملك كله لله، وآخر يجهز جيش العسرة، وكل ذلك قليل من أفعالهم، وأذكر نفسي وأحبتي بحديث المصطفى ﵊، روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض)). الوقوع في حبائل الشبهات العقدية، وإتباع الفتاوى الدخيلة، والخوض في بعض القواعد الفقهية بقياس قبيح، وهذا مفاده هوىً في النفس، وكلمات حق أحياناً يُراد بها باطل، وعادة كما قال العلماء من تتبع الرخص تزندق. الانهزامية النفسية، واحتقار الذات والتهرب من التكاليف والمسؤوليات، وهذا يصيب العاملين، والمجتهدين في ميدان الخير، فإذا شاهد جراحات الأمة في جسدها، وكيف تمر الدعوة وأهلها في هذه المرحلة، فيُصاب بداء اليأس والانهزام، ولم يكن هذا دأب المصلحين، ولا من سار على ذلك. قال عز من قائل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف١١٠]. ويقول الرسول ﷺ : ((لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لايقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى)) رواه ابن ماجه.

стр. 242

الفوضوية والتشتت في إدارة الذات والوقت، والتخطيط الجاد للمستقبل. وقد بين الله تعالى في كثير من آي القرآن الكريم بعضاً من مصير من كان هذا حاله في الدنيا فقال سبحانه: ﴿حتى إذا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠]. ويحذر الله من التسويف والتأجيل في الصالحات ويؤكد المولى ﵎ على المبادرة والإسراع فيها، فقال الله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. [المنافقون:١٠ - ١١]. ويقول المصطفى- ﷺ لرجل وهو يعظه: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)). أخرجه الحاكم. وهناك الكثير من النصوص والدواعم في شأن الترغيب في شأن الإدارة الصحيحة للذات، ومحاولة برمجتها على المبادرة والجادة في الأعمال، وكذلك الترهيب من التقاعس، والفوضى وإهمال معالي الأمور. وإن من ما يجره هذا الداء الضعف الذاتي والذي يولد الضعف الإنتاجي، ومن ثم ينتج الضعف في الإنتاج، والعمل الجماعي، والخلل في الصف، إذا لا يستطيع تحمل التكاليف والبذل سائر اليوم من كانت الهزلية مطيته، والفوضى سمته. الجزع وضعف اليقين، وقلة الصبر في مواجهة البلاء، والخور أمام الرزايا والمحن العامة والخاصة، وهذا قد يكون من باب التمحيص، وتصفية الصف، ولإبراز الوزن الحقيقي للجماعة الإسلامية. قال الحق- جل وعلا -: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]. يقول سيد قطب عند هذه الآية: (إن الشدة بعد الرخاء، والرخاء بعد الشدة، هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس، وطبائع القلوب، ودرجة الغبش فيها والصفاء، ودرجة الهلع فيها والصبر، ودرجة الثقة بالله أو القنوط، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو التبرم به والجموح! عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن: مؤمنين ومنافقين، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم، وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم، ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده وهم مختلطون مبهمون!).

стр. 243

ذريعة المتابعات الأمنية، والمضايقات عليه، وهذا يصيب كثيراً بل لقد مس حتى من ليس بقريب من الدعوة والإصلاح، وهذا عادة في الجملة ما يكون وهماً، وربما أحياناً تذرعاً، أو حتى تبريراً لتقاعسه، وأقول لمن يدعي ذلك مهما كان الإنسان وهو يمر بهذه الوقائع -إن صحت- أنها لم ولن تكن وسيلة للتخاذل والاستسلام والخور، وإن كان هناك ثمة أخطاء كنت عليها كالتكفير، والتحريض على الأعمال التخريبية فما في وسعك سوى الرجوع والاستغفار، واستمرارك على طريق الحق، وإن كنت تعاني حقاً فبوسعك الكثير من الأساليب لوقف ذلك، وتغيير الصورة السلبية تجاهك، دون أن يمس دينك شيء، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت١٠]. قال أحدهم: لقد خفت حتى لو تمر حمامة لقلت عدو أو طليعة معشر فإن قيل خير قلت هذه خديعة وإن قيل شر قلت حق فشمر وقد يُستثنى من اُبتلوا في بعض البلدان بالمضايقات والأسر، والتسلط عليهم وذرياتهم وأموالهم فقد عفا الله عنهم في النطق بالكفر فكيف بغيره، قال سبحانه: ﴿مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل١٠٦]. التقاعس عن التربية الذاتية، أو الجماعية فربما اهتم بأحدها على حساب الآخر، وكل منها يرمم ويكمل جوانب لا يستطيعها الآخر، فالإخلاص والمناجاة، والبكاء من خشية الله، ومجاهدة النفس، والخلوة مع الله والدعاء تتم مع النفس، والتعاون والإخاء، والأخوة الصالحة والإيثار تتم مع الجماعة، وبالتالي فكل له أهميته، ولكن المعضلة الجفاء مع أحدها بحيث تضمر المنابع الذاتية، أو الجماعية، والمطالع في هدي المصطفى ﵊ يقرأ ذلك في سنحات سيرته، وسلفه الصالح، فهناك أوقات مع العامة، وهناك أوقات خاصة، وبفضل الله فقد أسهمت الأعمال الخيرية المؤسسية والمحاضن التربوية في عصرنا في تعويض الجانب الجماعي، ويبقى العناية بالجانب الذاتي، والحفز الداخلية للرقابة الربانية قال الله-جل وعلا- ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]

стр. 244

الوقوع في الذنوب والمعاصي والأخطاء المتتابعة، والأخذ على النفس في ذلك بأنها منحرفة باغية لا نفع معها ولا وسيلة لاستنقاذها من وحل المعاصي والموبقات، وهذا حقاً شؤم المعصية لكن على المؤمن أحياناً أن يتعامل مع الله بالرجاء، فربما قتله الخوف أحياناً، فما زال في الجسد روح إذاً لا يزال للإنسان توبة وأوبة، قال الله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر٤٩]. وفي الحديث القدسي روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: ((أَذْنَبَ رَجُلٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّكُمْ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، قَالَ: ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّكُمْ: عَلِمَ عَبْدي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، قَالَ: ثُمَّ لَبِثَ مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَذْنَبَ ذَنْبًا، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ لِي، قَالَ رَبُّكُمْ: عَلِمَ عَبْدي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ)). أما آثار الذنوب والمعاصي فيلخصه ابن القيم-﵀ في: (أنها تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه وتقطعه عن السير، فلا تدعه يخطو إلى الله خطوة، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه، فالذنب يحجب الواصل، ويقطع السائر، وينكس الطالب، والقلب إنما يسير إلى الله بقوته، فإذا مرض بالذنوب ضعفت تلك القوة التي تسيره، فإذا زالت بالكلية انقطع عن الله انقطاعاً يصعب تداركه والله المستعان) الجواب الكافي ص١٤٠. أعمال القلوب، وإهمال العناية بها، ودرء أمراض القلوب وإهمال التنبؤ لها، وهذا هو سر عميق علمه من علمه، وجهله من جهله، إذ هناك دقائق وخفايا حري بنا تعلمها والعمل بها أو دونها، قال الإمام ابن الجوزي ﵀: (فوا حسرة لمعاقب لا يدري أن أعظم العقوبة عدم الإحساس بها، فالله الله في تجويد التوبة عساها تكف كف الجزاء، والحذر الحذر من الذنوب خصوصاً ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه، وأصلح ما بينك وبينه في السر وقد أصلح لك أحوال العلانية) صيد الخاطر جزء ١ صفحة ٦٣، وقد قال أحدهم: (أجمع العارفون على أن ذنوب الخلوات هي أصل الانتكاسات، وعبادات الخفاء هي أعظم أسباب الثبات)،فالعناية بالخشية والرجاء والمحبة وكل أعمال القلوب مطلب، والبعد عن الكبر والحب التصدر وطلب الرياسة، والعشق والشهوات المضلة، وسائر أمراض القلوب مهم، بل ومن ضرورات الثبات، وزيادة الإيمان، ومعرفة الواحد الديان. يقول العز بن عبد السلام ﵀: (صلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب، ولذلك قال النبي ﷺ : ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) (رواه البخاري ومسلم) , أي إذا صلحت بالمعارف ومحاسن الأحوال والأعمال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان، وإذا فسدت بالجهالات ومساوئ الأحوال والأعمال فسد الجسد كله بالفسوق والعصيان).قواعد الأحكام (١/ ١٦٧).

стр. 245

قلة تذكر الآخرة، وعرصات القيامة والاستعداد للموت، ولو تمعن كل منا في موقف من مواقف الآخرة من حين تبدأ بالموت وسكراته، وحتى الاستقرار الأخير في الدراين لأعد للسؤال جواباً، ولأمعن النظر، وأوجد الحل، وبحث الطريق، وأيقن بقرب الرحيل. ولقد أحسن من قال: واذكر الموت تجد راحة في ادكار الموتِ تقصير اللأملْ روى أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: " اذكروا الله، اذكروا الله، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه ". رواه أحمد والترمذي والحاكم بسند صحيح. إن في زيارة المؤمن للمقابر، وإتيانه إليها، وتدبر آيات الآخرة، والنظر في أحاديث المصطفى ﷺ في البعث والنشور، والصراط والحساب، تزيد من إيمانه، وتوثق جنانه بالخالق، وتستجيب أركانه لداعي الحق، وباعث الإيمان. ضمور الإخلاص. ختمت به وهو أعظم ما يُمكن أن يُلتزم به، وأسمى ما أمر به الله العبد، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥]. وحسبي أني لست بأهل للحديث عن هذا المعنى الرباني، الذي يجعل من سكنات وحركات المؤمن عبادة خالصة للحق سبحانه، وأيم الله لقد فاز من اعتنى بقلبه، ولازم طلب الخلوص من الشرك، والإخلاص هو منشأ المحبة والخوف والرجاء، والصدق والتوكل وكل خير ينبض به قلب المؤمن. صح عن مسلم في الحديث القدسي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه "، وإن من لم يكن الإخلاص مطيته نفد به الوقود وخلص الزاد في طيات الطريق، وكل عمل مهما كبر صغر فيه الإخلاص فهو صغير، وكل عمل مهما صغر ولكن كبر فيه الإخلاص فهو كبير، ورحم الله ابن المبارك حين قال: (رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية)، وقال أحدهم: أخلص تتخلص. وسُئل سهل بن عبد الله التستري: أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب. صفة الصفوة (٤/ ٦٥). ثانياً: (الأسباب المجتمعية [الخارجية]) سيادة الباطل، واستفحال الباطل وأهله، وهو جزء من الانهزامية النفسية.

стр. 246

ضغط بيئة الأسرة وهم الزوجة والأقرباء، والبيئة المجاورة كالصديق ونحوه، وربما كان منشؤه الغيرة، أو حتى التعتيم الإعلامي السيئ للمصلحين، فيستسلم لهذا الضغوطات ويكون أسيراً لها، وربما اُستخدمت تجاهه أصنافاً من الوسائل في سبيل تخليه من قيمه، ولا أدل من قصة مصعب بن عمير- ﵁ حين أرادت أمه أن ينكص من الإسلام وبذلت حتى روحها في سبيل ذلك، ولذا فإن من جاهد نفسه، وواظب على دعوتهم والبعد عن مصادمتهم، وبحث سبل الهداية لهم بعيداً عن الانهزامية والتخاذل سيجد نتائج ريما إيجابية صرفة، قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه١٣٢]، وحتى الأصدقاء والزملاء ربما لا يضطر أن يواصل معهم الغدوة والروحة إذا لم يحترموا رأيه، ويقدروا شخصه، وقد قال ﵊: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) رواه أبوداود والترمذي. ونعلم من البعض وهو لازال في بداياته قد شرع في دعوة أصدقائه وخلانه قبل أن ينقذ نفسه بدءاً من بعض العوالق الباقية، فانتكس قبل أن يهدي واحداً منهم، وأحدهم ظل في مجتمع أقربائه المليء ب (الكيد للمصلحين والأخيار) مسامراً، ومؤاكلاً ومشارباً، وهو يخبرني بذلك حتى بلغ الحد أن أصبحوا يمارسون المعاصي علانية وهو موجود، ويهزؤون به، ووصل بالأمر أنه أبدا لهم انزعاجه فأخرجوه بكل استهتار وهم في مجلس واحد دون حتى الأخذ بخاطره فيما بعد. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على القلب من وقع الحسام المهند ولو بقي من مضار المكث مع أصحاب المعصية، ومجالستهم التطبع على أخلاقهم لكفت، ولذا حذر الله من ذلك فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. التضييق على أهل الحق، وإقصاؤهم من بعض المهام والوظائف، بل يعيش بعض الأخيار الغربة في أماكن العمل، والمجتمع، وهذا لا يختلف مع سابقه، وبالتالي فإن البعض تنازل عن مبادئه جراء السلامة من هذه المكائد، والوصول لمطامع الدنيا. النفوذ الصحافي الليبرالي والهجمات الشرسة على الشريحة الملتزمة، وربما ساهم في التفلت من شعائر الهداية، وقد أصبحت بعض المصطلحات الرائجة اسماً لاصقاً لمن ظهرت عليه سيما الهداية مثل (وهابي- إرهابي- رجعي- سلفي، أتباع التيار ديني ... )، وإن كان البعض من الملتزمين قد يوافق على بعضها، لكن غياب مفهومها من غيرهم قد يسهم في تضرمه منها، وإبدال صورته الإسلامية بأخرى تجعله (وسطياً) كما زعموا. ثالثاً: (الأسباب الخاصة بالمربين) الاستعجال في التصدير، والحكم على الأشخاص قبل التبين. بل ربما المباهاة بهم ورفعهم على أكتاف غيرهم ومثل ما قال الأول (تزبب قبل أن يتحصرم)، وهذا عادة يُنشء الاكتفاء المبكر على الذات، والشروع في العطاء قبل الأخذ، ونقد الآخرين واستنقاصهم. الضعف العلمي والتربوي وانتقاله عبر الأجيال، واعتقاد بعضهم الكمال العلمي والتربوي.

стр. 247

سوء الاهتمام بالفرد، وعدم الصبر عليه. وإن الاهتمام لابد وأن يشمل الجوانب التي تجب على المربي تجاه من معه من متابعة، وتقويم، والعناية العلمية والدعوية، والسلوكية، والاجتماعية، وبحث الخطط العملية في ذلك، واستشرافها من ذوي الاختصاص والخبرة. والعمل على صقل مواهب الفرد، وتوفير القنوات المناسبة لإبرازها وترقيتها، فالمنبر للملقي، والورقة للكاتب، والإعلام للصحفي والمذيع، والبحث والقراءة للمؤلف والناقد، وكافة المهارات والمواهب. ضعف البصيرة بالواقع، وسوء مجاراة برامجه للواقع المعاصر، فنجد البعض لازال عطاؤه منذ سنين عديدة هو ذات العطاء، وذات المادة والمحتوى، وذات الوسيلة، وربما أسقط التهم وضعف الفائدية في الجديد والمفيد. أقول إنا في عصر العولمة، عصر الفيس بوك والتويتر، عصر البرودباند والأجهزة الذكية، عصر الفكر والثقافة فلابد أن تجاري البرامج والعطاءات هذه المفاصل، ولا يُستغنى عن الأصل والمبدأ، مع توظيف الحديث، والإفادة من الجديد. قلة الفهم والوعي بالتربية لاسيما بالطرق المناسبة للتعامل مع من أصابه الفتور، أو من انتكس. الانهزامية النفسية أمام بعض الفتن والمآزق. فرض السيطرة والتحكم المركزي، والاستعباد السلوكي والعلمي للفرد. امتهان شخصية المتربي وإهمال الحاجات النفسية والعاطفية كالحاجة للحب والتقدير وإعطاء الثقة في النفس، والبعد عن إشباعها والعناية بها، والعكس صحيح في وجود التدليل والسكوت عن الأخطاء وإرجاء عمل الحلول لها بهدف تحبيبه وعدم مجابهته مبكراً، وكل ذلك يُفضي إلى تدهور إيمان المتربي، وسقوطه - والعياذ بالله-، ولاغرو أن يسجل المربي الأول في ذلك رقماً سابقاً، عن عثمان- ﵁ قال: إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن أناساً يعلموني به، عسى ألا يكون أحدهم رآه قط. رواه أحمد وحسنه أحمد شاكر. وموقفه ﵊ مع أخي أنس الصغير حين سأله عن طائره النغير، ومع جابر حين سأله عن زوجه، بل كان النبي ﵊ سائلاً وعالماً بأحوال أصحابه، وهذا قائد إلى القرب منهم والشعور بحاجاتهم. سقوط بعض القدوات ورجال العامة فيما كانوا يدعون لنبذه ومعاداته، بل أصبح التمييع في بعض المسلمات، والانفتاح غير المنضبط هوية البعض، وهذا وإن كان لا يمثل ظاهرة، وربما كان بعضهم لا يقصد به تراخياً وتنازلاً أقصد القدوات إلا أن بعض المتأخرين أسقطوا ذلك على مسايرة الواقع، والفهم للعصر الحاضر، وحين تبحث عن عشرة أحاديث صحيحة في جعبة بعضهم مقارنة بأولئك فلا تكاد تجد نصفها. أقول والحديث هنا عن المربي، لزوماً ألا ينبري لمهنة التربية والتي هي حرفة العظماء لإخراج العظماء إلا من انطبقت عليه ملامح وخصال المربي، وليست مهنة عادية، بل هي من أعظم المهن حيث أنها تقوم على أعظم الخلق، يقول محمد قطب، وهو يتحدث عن المربي: (ولكنا هنا ونحن نتحدث عن المربي، نشير إلى هذه البديهية، وهي أن من يعجز عن القيادة لا يصلح للتربية، ولو كان في ذاته شخصاً طيباً مشتملاً على كل جميل من الخصال .. وليس كل إنسان طيب الخصال قادراً على القيادة ولا الزعامة، ولا مطالباً بها كذلك! فهي أصلاً موهبة لدنية، تصقلها التجارب وتزيدها مضاء وقدرة، ولكنها لا تنشئها حيث لا تكون!).منهج التربية الإسلام (٢/ ٤٨). (معينات على تجاوز المرحلة) مع معرفة الأسباب يظهر لنا العلاج بفعل خلافها، وقد وردت بعض الحلول حيال ذكر الدافع، ويُزاد على ذلك ما يلي:

стр. 248

الدعاء، والابتهال إلى الله بالمعونة والثبات، وما أعظم ما أورثته النصوص في ذلك. ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] , وقد كان يكثر ﵊ في سجوده: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) رواه الترمذي. الحرص على البيئة العلمية التربوية الجادة، ومواكبة ذلك في كل مكان زمان حتى الموت، والبحث عن صاحب سنة يعينك وتعينه، وتدارسه ويدارسك. ففي الترمذي عن حنظلة ﵁ وكان من كتاب النبي ﷺ أنه مر بأبي بكر وهو يبكي فقال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا رجعنا إلى الأزواج والضيعة نسينا كثيراً. قال: فو الله إنا لكذلك انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فانطلقنا فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا رجعنا عافسنا الأزواج والضيعة ونسينا كثيراً، قال: فقال رسول الله ﷺ :" لو تدومون على الحال الذي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، ونأخذ من هذا الحديث كيف هو حال المؤمن حين يقترب من مصدر قوته، وهم العلماء أصحاب الهدى، وكيف به إذا انشغل بالدنيا. تربية النفس ومجاهدتها وتزكيتها، وأطرها على الحق أطراً، (قال أبو بكر الصديق ﵁: من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته) مختصر منهاج القاصدين ص٤٠٣، وهذا يمثل أحد جوانب التزكية عند أفضل الأمة إيماناً، (وقال أنس ﵁: سمعت عمر بن الخطاب-﵁ ودخل حائطاً فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك. وقال البختري بن حارثة: دخلت على عابد بين يديه نار قد أججها وهو يعاتي نفسه، فلم يزل يعاتبها حتى مات). المرجع السابق. ووسائل ذلك كثيرة منها تدبر القرآن الكريم والعمل بما فيه، ومعايشة مجالس الإيمان والوعظ وترقيق القلب، سواء بالقراءة أو بمجالسة الوعاظ والمصلحين، وحضور مجالس الزاهدين والورعين. الدوام على الطاعة والعمل الصالح، وهو هدي المصطفى ﷺ كما تروي أمنا عائشة- ﵂ فتقول:" كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يداوم عليه صاحبه".رواه البخاري، وهنا لفته جميلة وهي المداومة، لأنها كالزاد للمسافر ليسده في طريقه، وأما الانقطاع عن الطاعات، وإهمالها فذلك منفذ خطير على قلب العبد، وسلوكه. تتبع قصص السلف، ومعرفة آثارهم وأقوالهم. الاستشارة والتأني في القراءة لاسيما عند الإطلاع على الحضارات، ونيل الثقافات الأخرى. الولوج في المشاريع والأعمال الدعوية، والتي من خلالها يشرع الفرد في العمل، وربط العلم به، وتنمي عنده الانتماء لما يؤمن به، ويصعب اهتزاز وارتجاف المبادئ والقناعات التي يعتقدها. (الخاتمة) إن حرص المؤمن على أغلى ما يكنزه، وحفاظه على دينه الذي يمثل مهجته وحياته كلها، وبذله الغالي والرخيص في نمائه وزيادته، وعدم المساس به، أو التعدي عليه بأي شكل من الأشكال؛ ليمثل خلاصة موضوعنا، ومسكه الأخير .. وليس ما عرجنا عليه بالحديث المستفيض الذي يقف مع كل نقطة ليشرحها، ويصف مظاهرها وعلاجها، ولكن حسبي أني صورت شيئاً من الداء والدواء لنفسي أولاً، ثم لمن أراد من المؤمنين. يصف الواقع، وينير الطريق، ويبين الحقيقة - بإذن الله-.فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك .. وفي الختام أقول ما كان من حق وهدى فالله منه الخير والتقى، وإن زلل فنفسي وشيطاني والهوى، وأقول كما قال الأول: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ غيره به ... ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ..

стр. 249

ملوك الأرض أهل الرفض د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي ٢٨جمادى الأولى١٤٣٢هـ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: (ملوك الأرض، أهل الرفض) مصطلح أطلقه الحافظ، المحدث، الفقيه، المؤرخ، عماد الدين ابن كثير الدمشقي ﵀ الذي تضلع من علوم الشريعة، واستقرأ التاريخ سطراً، سطراً، وكتبه منذ (البداية) إلى (النهاية)، بروح إيمانية، مبصرة، واعية، ونَفَسٍ شجي، معبِّر. أطلقه الحافظ ابن كثير، وهو يتأوه على ما نزل بالمسلمين من خطوب، ومحن، إبان استيلاء الروافض على الممالك الإسلامية، فقال: (وكل هذا في ذمة ملوك الأرض، أهل الرفض، الذين استحوذوا على البلاد، وأظهروا فيها الفساد. قبحهم الله). [البداية والنهاية: ١١/ ٢٦٧] فقد حل القرن الرابع الهجري، ودويلات الرفض تجثم على الأقاليم الإسلامية، وتنشر الرعب، والخراب، والكفر، والفسوق، والبدعة، في أكنافها: ١ - القرامطة: في الأحساء، والبحرين، يقطعون الطريق على الحجيج، ويقتلونهم في المسجد الحرام، ويلقون جثثهم في بئر زمزم، ويسرقون الحجر الأسود، ويعيثون في البصرة، وسواد العراق فساداً. وقد دام طغيانهم ما بين (٢٧٨ حتى ٤٦٦) هـ. ٢ - العبيديون: أبناء عبيد بن ميمون بن ديصان القداح، لا نسل فاطمة بنت محمد ﷺ ، ورضي عنها، وبرأها من أولئك الأدعياء الأنجاس. وقد حكموا بلاد المغرب، ومصر، ثم أجزاء من فلسطين، والشام، وساموا المسلمين سوء العذاب، لفترة امتدت من (٢٩٧ حتى ٥٦٧) هـ، ونشروا البدعة، والشرك. وكانوا اثني عشر مستخلفاً، لا خليفة، كما قال السيوطي ﵀ في تاريخ الخلفاء. ووصفها مؤرخ الإسلام، الذهبي ﵀ بالدولة العبيدية الخبيثة. ٣ - البويهيون: الأعاجم الذين سيطروا على دار الخلافة، في بغداد، وسيروا خلفاء بني العباس وفق ما يشتهون، واغتالوا منهم من يشاؤون، في الفترة ما بين (٣٢٠ حتى ٤٤٠) هـ. قبحهم الله. ٤ - الحمدانيون: في حلب، وأعمالها، والموصل، في الفترة من (٣١٧ حتى ٣٩٤) هـ ٥ - الصليحيون: في اليمن، في الفترة من (٤٢٩ حتى ٥٦٩) هـ. قال ابن كثير ﵀: (وقد امتلأت البلاد رفضاً، وسباً للصحابة من بني بويه، وبني حمدان، والفاطميين. وكل ملوك البلاد؛ مصراً، وشاماً، وعراقاً، وخراسان، وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضاً، وكذلك الحجاز، وغيره، وغالب بلاد المغرب. فكثر السب، والتكفير منهم للصحابة) [البداية والنهاية: ١١/ ٢٣٣] وهاهو الزمان قد استدار، ودول الرفض الظاهرة، والخفية، تتداعى لإحكام القبضة على بلاد الإسلام، وصنع تحالف طائفي خبيث: ١ - رافضة الخليج في الأحساء والبحرين، يثيرون القلاقل والفتن، ويطمحون إلى تشييع الخليج، وفرسنته. ٢ - الحاكم بأمره القذافي العبيدي، الذي مجَّد الدولة العبيدية، ونسب مصر والمغرب عليها، قبل بضع سنوات، أسفر عن وجهه الكالح، وبطشه الجامح، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، كما الدجال الأكبر. أخزاه الله. ٣ - الخمينيون في إيران يزاولون دور البويهيين، وقد تمكنوا من السيطرة على بغداد، وأهلكوا الحرث والنسل، بتواطئهم مع المستعمر الغربي. ٤ - النصيرية في سوريا الجريحة، يعيدون مآسي الحمدانيين، والدروز المؤلهين للحاكم بأمره العبيدي، ويسفكون دماء أهل السنة، ويمكنون الحاقدين من حزب اللات، وشيعة إيران من بلاد الشام، وفسطاط المسلمين. ٥ - الجارودية في اليمن، المتسترين بالمذهب الزيدي، يتربصون بأهل السنة الدوائر، ويهيئون الطريق للفرس، الروافض، فعادة دولة الصليحيين.

стр. 250

ما أشبه الليلة بالبارحة! هاهم ملوك الرفض يتنمرون على شعوبهم، ويسلبون خيراتهم، وينشرون الشبهات، والشهوات، والبدع، والمنكرات، ويمكنون لأعداء الملة. وهذا حالهم من قبل، فقد وصف الحافظ، المؤرخ، ابن كثير ﵀ أسلافهم، بوصف دقيق، منطبق على سلالتهم، فقال: (وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء، وأكثرهم مالا، وكانوا من أعتى الخلفاء، وأجبرهم، وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة. ظهرت في دولتهم البدع، والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء، والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية، والدرزية، والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام، بكماله، حتى أخذوا القدس، ونابلس، وعجلون، والغور، وبلاد غزة، وعسقلان، وكرك الشوبك، وطبرية، وبانياس، وصور، وعكا، وصيدا، وبيروت، وصفد، وطرابلس، وإنطاكية، وجميع ما، والى ذلك، إلى بلاد إياس وسيس، واستحوذوا على بلاد آمد، والرها، ورأس العين، وبلاد شتى غير ذلك، وقتلوا من المسلمين خلقًا، وأممًا، لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء، والولدان، مما لا يحد، ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها، وصارت دار إسلام. وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد، ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا على دمشق، ولكن الله سلم) [البداية والنهاية: ١٢: ٢٦٧] والصورة منطبقة تماماً! مع استبدال النصارى باليهود. فهؤلاء الروافض الباطنية، الذين يحكمون بلاد الشام، لم يطلقوا رصاصة واحدة، منذ نحو أربعة عقود، نحو إسرائيل! بينما يفرغون رشاشاتهم، وقاذفات دباباتهم في نحور الأبرياء العزَّل من أهل الشام، ويحاصرونهم في بلداتهم، وقراهم، بمرأى، ومسمع من العالم أجمع! وهاهي قنوات الرفض الفضائية، التي ملأت الجو صراخاً، وعويلاً، بسبب فساد خطتهم في البحرين، لا تتحول إلى شيطان أخرس، بل إلى شيطان ناطق، تدافع عن طاغية النصيرية، الذي أهلك نحو ألف إنسان للحفاظ على كرسيه، وتنفذ طائفته، في حين لم يسقط في البحرين سوى بضعة عشر شخصاً، نصفهم من رجال الأمن! وهاهي الشعوب السنية، تنتفض على جلاديها، وتقدم المهج، والأرواح، للتخلص من نير ملوك الرفض، البغيض، فعسى الله أن يقيض لهم يداً من الحق حاصدة، تريح الناس من شرهم، وطغيانهم، وعسى الله أن يأتي بالفتح، أو أمر من عنده. وعسى أن نحاكي ابن كثير ﵀ حين حكى نهايتهم، فقال: (وحين زالت أيامهم، وانتقض إبرامهم، أعاد الله ، هذه البلاد كلها، إلى المسلمين، بحوله، وقوته، وجوده، ورحمته. وقد قال الشاعر المعروف عرقلة: وغدا الشرقُ يحسد الغر ... بَ للقومِ فمصرٌ تزهو على بغدادِ لا كفرعونَ والعزيز ومن كا ... ن بها كالخطيبِ والاستادِ ما حووها إلا بعزمٍ وحزمٍ ... وصليلِ الفولاذِ في الأكبادِ قال أبو شامة: يعني بالاستاد: كأنه نور الاخشيدي، وقوله آل علي: يعني الفاطميين على زعمهم، ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد، وكان اسمه سعيدًا، وكان يهوديًا، حدادًا بسلمية) [البداية والنهاية: ١٢: ٢٦٧] رحم الله ابن كثير، وفك أسر دمشق، وبلاد الشام، وسائر بلاد الإسلام، من تسلط الرافضة اللئام.
следующие страницы →