ضغط بيئة الأسرة وهم الزوجة والأقرباء، والبيئة المجاورة كالصديق ونحوه، وربما كان منشؤه الغيرة، أو حتى التعتيم الإعلامي السيئ للمصلحين، فيستسلم لهذا الضغوطات ويكون أسيراً لها، وربما اُستخدمت تجاهه أصنافاً من الوسائل في سبيل تخليه من قيمه، ولا أدل من قصة مصعب بن عمير- ﵁ حين أرادت أمه أن ينكص من الإسلام وبذلت حتى روحها في سبيل ذلك، ولذا فإن من جاهد نفسه، وواظب على دعوتهم والبعد عن مصادمتهم، وبحث سبل الهداية لهم بعيداً عن الانهزامية والتخاذل سيجد نتائج ريما إيجابية صرفة، قال سبحانه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه١٣٢]، وحتى الأصدقاء والزملاء ربما لا يضطر أن يواصل معهم الغدوة والروحة إذا لم يحترموا رأيه، ويقدروا شخصه، وقد قال ﵊: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل)) رواه أبوداود والترمذي. ونعلم من البعض وهو لازال في بداياته قد شرع في دعوة أصدقائه وخلانه قبل أن ينقذ نفسه بدءاً من بعض العوالق الباقية، فانتكس قبل أن يهدي واحداً منهم، وأحدهم ظل في مجتمع أقربائه المليء ب (الكيد للمصلحين والأخيار) مسامراً، ومؤاكلاً ومشارباً، وهو يخبرني بذلك حتى بلغ الحد أن أصبحوا يمارسون المعاصي علانية وهو موجود، ويهزؤون به، ووصل بالأمر أنه أبدا لهم انزعاجه فأخرجوه بكل استهتار وهم في مجلس واحد دون حتى الأخذ بخاطره فيما بعد.
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على القلب من وقع الحسام المهند
ولو بقي من مضار المكث مع أصحاب المعصية، ومجالستهم التطبع على أخلاقهم لكفت، ولذا حذر الله من ذلك فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨].
التضييق على أهل الحق، وإقصاؤهم من بعض المهام والوظائف، بل يعيش بعض الأخيار الغربة في أماكن العمل، والمجتمع، وهذا لا يختلف مع سابقه، وبالتالي فإن البعض تنازل عن مبادئه جراء السلامة من هذه المكائد، والوصول لمطامع الدنيا.
النفوذ الصحافي الليبرالي والهجمات الشرسة على الشريحة الملتزمة، وربما ساهم في التفلت من شعائر الهداية، وقد أصبحت بعض المصطلحات الرائجة اسماً لاصقاً لمن ظهرت عليه سيما الهداية مثل (وهابي- إرهابي- رجعي- سلفي، أتباع التيار ديني ... )، وإن كان البعض من الملتزمين قد يوافق على بعضها، لكن غياب مفهومها من غيرهم قد يسهم في تضرمه منها، وإبدال صورته الإسلامية بأخرى تجعله (وسطياً) كما زعموا.
ثالثاً: (الأسباب الخاصة بالمربين)
الاستعجال في التصدير، والحكم على الأشخاص قبل التبين. بل ربما المباهاة بهم ورفعهم على أكتاف غيرهم ومثل ما قال الأول (تزبب قبل أن يتحصرم)، وهذا عادة يُنشء الاكتفاء المبكر على الذات، والشروع في العطاء قبل الأخذ، ونقد الآخرين واستنقاصهم.
الضعف العلمي والتربوي وانتقاله عبر الأجيال، واعتقاد بعضهم الكمال العلمي والتربوي.
стр. 247
سوء الاهتمام بالفرد، وعدم الصبر عليه. وإن الاهتمام لابد وأن يشمل الجوانب التي تجب على المربي تجاه من معه من متابعة، وتقويم، والعناية العلمية والدعوية، والسلوكية، والاجتماعية، وبحث الخطط العملية في ذلك، واستشرافها من ذوي الاختصاص والخبرة. والعمل على صقل مواهب الفرد، وتوفير القنوات المناسبة لإبرازها وترقيتها، فالمنبر للملقي، والورقة للكاتب، والإعلام للصحفي والمذيع، والبحث والقراءة للمؤلف والناقد، وكافة المهارات والمواهب.
ضعف البصيرة بالواقع، وسوء مجاراة برامجه للواقع المعاصر، فنجد البعض لازال عطاؤه منذ سنين عديدة هو ذات العطاء، وذات المادة والمحتوى، وذات الوسيلة، وربما أسقط التهم وضعف الفائدية في الجديد والمفيد. أقول إنا في عصر العولمة، عصر الفيس بوك والتويتر، عصر البرودباند والأجهزة الذكية، عصر الفكر والثقافة فلابد أن تجاري البرامج والعطاءات هذه المفاصل، ولا يُستغنى عن الأصل والمبدأ، مع توظيف الحديث، والإفادة من الجديد.
قلة الفهم والوعي بالتربية لاسيما بالطرق المناسبة للتعامل مع من أصابه الفتور، أو من انتكس.
الانهزامية النفسية أمام بعض الفتن والمآزق.
فرض السيطرة والتحكم المركزي، والاستعباد السلوكي والعلمي للفرد.
امتهان شخصية المتربي وإهمال الحاجات النفسية والعاطفية كالحاجة للحب والتقدير وإعطاء الثقة في النفس، والبعد عن إشباعها والعناية بها، والعكس صحيح في وجود التدليل والسكوت عن الأخطاء وإرجاء عمل الحلول لها بهدف تحبيبه وعدم مجابهته مبكراً، وكل ذلك يُفضي إلى تدهور إيمان المتربي، وسقوطه - والعياذ بالله-، ولاغرو أن يسجل المربي الأول في ذلك رقماً سابقاً، عن عثمان- ﵁ قال: إنا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن أناساً يعلموني به، عسى ألا يكون أحدهم رآه قط. رواه أحمد وحسنه أحمد شاكر. وموقفه ﵊ مع أخي أنس الصغير حين سأله عن طائره النغير، ومع جابر حين سأله عن زوجه، بل كان النبي ﵊ سائلاً وعالماً بأحوال أصحابه، وهذا قائد إلى القرب منهم والشعور بحاجاتهم.
سقوط بعض القدوات ورجال العامة فيما كانوا يدعون لنبذه ومعاداته، بل أصبح التمييع في بعض المسلمات، والانفتاح غير المنضبط هوية البعض، وهذا وإن كان لا يمثل ظاهرة، وربما كان بعضهم لا يقصد به تراخياً وتنازلاً أقصد القدوات إلا أن بعض المتأخرين أسقطوا ذلك على مسايرة الواقع، والفهم للعصر الحاضر، وحين تبحث عن عشرة أحاديث صحيحة في جعبة بعضهم مقارنة بأولئك فلا تكاد تجد نصفها.
أقول والحديث هنا عن المربي، لزوماً ألا ينبري لمهنة التربية والتي هي حرفة العظماء لإخراج العظماء إلا من انطبقت عليه ملامح وخصال المربي، وليست مهنة عادية، بل هي من أعظم المهن حيث أنها تقوم على أعظم الخلق، يقول محمد قطب، وهو يتحدث عن المربي: (ولكنا هنا ونحن نتحدث عن المربي، نشير إلى هذه البديهية، وهي أن من يعجز عن القيادة لا يصلح للتربية، ولو كان في ذاته شخصاً طيباً مشتملاً على كل جميل من الخصال .. وليس كل إنسان طيب الخصال قادراً على القيادة ولا الزعامة، ولا مطالباً بها كذلك! فهي أصلاً موهبة لدنية، تصقلها التجارب وتزيدها مضاء وقدرة، ولكنها لا تنشئها حيث لا تكون!).منهج التربية الإسلام (٢/ ٤٨).
(معينات على تجاوز المرحلة)
مع معرفة الأسباب يظهر لنا العلاج بفعل خلافها، وقد وردت بعض الحلول حيال ذكر الدافع، ويُزاد على ذلك ما يلي:
стр. 248
الدعاء، والابتهال إلى الله بالمعونة والثبات، وما أعظم ما أورثته النصوص في ذلك. ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨] , وقد كان يكثر ﵊ في سجوده: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) رواه الترمذي.
الحرص على البيئة العلمية التربوية الجادة، ومواكبة ذلك في كل مكان زمان حتى الموت، والبحث عن صاحب سنة يعينك وتعينه، وتدارسه ويدارسك. ففي الترمذي عن حنظلة ﵁ وكان من كتاب النبي ﷺ أنه مر بأبي بكر وهو يبكي فقال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا أبا بكر نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا رجعنا إلى الأزواج والضيعة نسينا كثيراً. قال: فو الله إنا لكذلك انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ فانطلقنا فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ما لك يا حنظلة؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنا رأي عين فإذا رجعنا عافسنا الأزواج والضيعة ونسينا كثيراً، قال: فقال رسول الله ﷺ :" لو تدومون على الحال الذي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، ونأخذ من هذا الحديث كيف هو حال المؤمن حين يقترب من مصدر قوته، وهم العلماء أصحاب الهدى، وكيف به إذا انشغل بالدنيا.
تربية النفس ومجاهدتها وتزكيتها، وأطرها على الحق أطراً، (قال أبو بكر الصديق ﵁: من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته) مختصر منهاج القاصدين ص٤٠٣، وهذا يمثل أحد جوانب التزكية عند أفضل الأمة إيماناً، (وقال أنس ﵁: سمعت عمر بن الخطاب-﵁ ودخل حائطاً فسمعته يقول وبيني وبينه جدار: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ بخ، والله لتتقين الله يا ابن الخطاب أو ليعذبنك. وقال البختري بن حارثة: دخلت على عابد بين يديه نار قد أججها وهو يعاتي نفسه، فلم يزل يعاتبها حتى مات). المرجع السابق.
ووسائل ذلك كثيرة منها تدبر القرآن الكريم والعمل بما فيه، ومعايشة مجالس الإيمان والوعظ وترقيق القلب، سواء بالقراءة أو بمجالسة الوعاظ والمصلحين، وحضور مجالس الزاهدين والورعين.
الدوام على الطاعة والعمل الصالح، وهو هدي المصطفى ﷺ كما تروي أمنا عائشة- ﵂ فتقول:" كان أحب العمل إلى رسول الله ﷺ الذي يداوم عليه صاحبه".رواه البخاري، وهنا لفته جميلة وهي المداومة، لأنها كالزاد للمسافر ليسده في طريقه، وأما الانقطاع عن الطاعات، وإهمالها فذلك منفذ خطير على قلب العبد، وسلوكه.
تتبع قصص السلف، ومعرفة آثارهم وأقوالهم.
الاستشارة والتأني في القراءة لاسيما عند الإطلاع على الحضارات، ونيل الثقافات الأخرى.
الولوج في المشاريع والأعمال الدعوية، والتي من خلالها يشرع الفرد في العمل، وربط العلم به، وتنمي عنده الانتماء لما يؤمن به، ويصعب اهتزاز وارتجاف المبادئ والقناعات التي يعتقدها.
(الخاتمة)
إن حرص المؤمن على أغلى ما يكنزه، وحفاظه على دينه الذي يمثل مهجته وحياته كلها، وبذله الغالي والرخيص في نمائه وزيادته، وعدم المساس به، أو التعدي عليه بأي شكل من الأشكال؛ ليمثل خلاصة موضوعنا، ومسكه الأخير .. وليس ما عرجنا عليه بالحديث المستفيض الذي يقف مع كل نقطة ليشرحها، ويصف مظاهرها وعلاجها، ولكن حسبي أني صورت شيئاً من الداء والدواء لنفسي أولاً، ثم لمن أراد من المؤمنين. يصف الواقع، وينير الطريق، ويبين الحقيقة - بإذن الله-.فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ..
وفي الختام أقول ما كان من حق وهدى فالله منه الخير والتقى، وإن زلل فنفسي وشيطاني والهوى، وأقول كما قال الأول: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ غيره به ... ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ..
стр. 249
ملوك الأرض أهل الرفض
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
٢٨جمادى الأولى١٤٣٢هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد:
(ملوك الأرض، أهل الرفض) مصطلح أطلقه الحافظ، المحدث، الفقيه، المؤرخ، عماد الدين ابن كثير الدمشقي ﵀ الذي تضلع من علوم الشريعة، واستقرأ التاريخ سطراً، سطراً، وكتبه منذ (البداية) إلى (النهاية)، بروح إيمانية، مبصرة، واعية، ونَفَسٍ شجي، معبِّر. أطلقه الحافظ ابن كثير، وهو يتأوه على ما نزل بالمسلمين من خطوب، ومحن، إبان استيلاء الروافض على الممالك الإسلامية، فقال: (وكل هذا في ذمة ملوك الأرض، أهل الرفض، الذين استحوذوا على البلاد، وأظهروا فيها الفساد. قبحهم الله). [البداية والنهاية: ١١/ ٢٦٧]
فقد حل القرن الرابع الهجري، ودويلات الرفض تجثم على الأقاليم الإسلامية، وتنشر الرعب، والخراب، والكفر، والفسوق، والبدعة، في أكنافها:
١ - القرامطة: في الأحساء، والبحرين، يقطعون الطريق على الحجيج، ويقتلونهم في المسجد الحرام، ويلقون جثثهم في بئر زمزم، ويسرقون الحجر الأسود، ويعيثون في البصرة، وسواد العراق فساداً. وقد دام طغيانهم ما بين (٢٧٨ حتى ٤٦٦) هـ.
٢ - العبيديون: أبناء عبيد بن ميمون بن ديصان القداح، لا نسل فاطمة بنت محمد ﷺ ، ورضي عنها، وبرأها من أولئك الأدعياء الأنجاس. وقد حكموا بلاد المغرب، ومصر، ثم أجزاء من فلسطين، والشام، وساموا المسلمين سوء العذاب، لفترة امتدت من (٢٩٧ حتى ٥٦٧) هـ، ونشروا البدعة، والشرك. وكانوا اثني عشر مستخلفاً، لا خليفة، كما قال السيوطي ﵀ في تاريخ الخلفاء. ووصفها مؤرخ الإسلام، الذهبي ﵀ بالدولة العبيدية الخبيثة.
٣ - البويهيون: الأعاجم الذين سيطروا على دار الخلافة، في بغداد، وسيروا خلفاء بني العباس وفق ما يشتهون، واغتالوا منهم من يشاؤون، في الفترة ما بين (٣٢٠ حتى ٤٤٠) هـ. قبحهم الله.
٤ - الحمدانيون: في حلب، وأعمالها، والموصل، في الفترة من (٣١٧ حتى ٣٩٤) هـ
٥ - الصليحيون: في اليمن، في الفترة من (٤٢٩ حتى ٥٦٩) هـ.
قال ابن كثير ﵀: (وقد امتلأت البلاد رفضاً، وسباً للصحابة من بني بويه، وبني حمدان، والفاطميين. وكل ملوك البلاد؛ مصراً، وشاماً، وعراقاً، وخراسان، وغير ذلك من البلاد، كانوا رفضاً، وكذلك الحجاز، وغيره، وغالب بلاد المغرب. فكثر السب، والتكفير منهم للصحابة) [البداية والنهاية: ١١/ ٢٣٣]
وهاهو الزمان قد استدار، ودول الرفض الظاهرة، والخفية، تتداعى لإحكام القبضة على بلاد الإسلام، وصنع تحالف طائفي خبيث:
١ - رافضة الخليج في الأحساء والبحرين، يثيرون القلاقل والفتن، ويطمحون إلى تشييع الخليج، وفرسنته.
٢ - الحاكم بأمره القذافي العبيدي، الذي مجَّد الدولة العبيدية، ونسب مصر والمغرب عليها، قبل بضع سنوات، أسفر عن وجهه الكالح، وبطشه الجامح، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، كما الدجال الأكبر. أخزاه الله.
٣ - الخمينيون في إيران يزاولون دور البويهيين، وقد تمكنوا من السيطرة على بغداد، وأهلكوا الحرث والنسل، بتواطئهم مع المستعمر الغربي.
٤ - النصيرية في سوريا الجريحة، يعيدون مآسي الحمدانيين، والدروز المؤلهين للحاكم بأمره العبيدي، ويسفكون دماء أهل السنة، ويمكنون الحاقدين من حزب اللات، وشيعة إيران من بلاد الشام، وفسطاط المسلمين.
٥ - الجارودية في اليمن، المتسترين بالمذهب الزيدي، يتربصون بأهل السنة الدوائر، ويهيئون الطريق للفرس، الروافض، فعادة دولة الصليحيين.
стр. 250
ما أشبه الليلة بالبارحة! هاهم ملوك الرفض يتنمرون على شعوبهم، ويسلبون خيراتهم، وينشرون الشبهات، والشهوات، والبدع، والمنكرات، ويمكنون لأعداء الملة. وهذا حالهم من قبل، فقد وصف الحافظ، المؤرخ، ابن كثير ﵀ أسلافهم، بوصف دقيق، منطبق على سلالتهم، فقال:
(وقد كان الفاطميون أغنى الخلفاء، وأكثرهم مالا، وكانوا من أعتى الخلفاء، وأجبرهم، وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة. ظهرت في دولتهم البدع، والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء، والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية، والدرزية، والحشيشية، وتغلب الفرنج على سواحل الشام، بكماله، حتى أخذوا القدس، ونابلس، وعجلون، والغور، وبلاد غزة، وعسقلان، وكرك الشوبك، وطبرية، وبانياس، وصور، وعكا، وصيدا، وبيروت، وصفد، وطرابلس، وإنطاكية، وجميع ما، والى ذلك، إلى بلاد إياس وسيس، واستحوذوا على بلاد آمد، والرها، ورأس العين، وبلاد شتى غير ذلك، وقتلوا من المسلمين خلقًا، وأممًا، لا يحصيهم إلا الله، وسبوا ذراري المسلمين من النساء، والولدان، مما لا يحد، ولا يوصف، وكل هذه البلاد كانت الصحابة قد فتحوها، وصارت دار إسلام. وأخذوا من أموال المسلمين ما لا يحد، ولا يوصف، وكادوا أن يتغلبوا على دمشق، ولكن الله سلم) [البداية والنهاية: ١٢: ٢٦٧]
والصورة منطبقة تماماً! مع استبدال النصارى باليهود. فهؤلاء الروافض الباطنية، الذين يحكمون بلاد الشام، لم يطلقوا رصاصة واحدة، منذ نحو أربعة عقود، نحو إسرائيل! بينما يفرغون رشاشاتهم، وقاذفات دباباتهم في نحور الأبرياء العزَّل من أهل الشام، ويحاصرونهم في بلداتهم، وقراهم، بمرأى، ومسمع من العالم أجمع!
وهاهي قنوات الرفض الفضائية، التي ملأت الجو صراخاً، وعويلاً، بسبب فساد خطتهم في البحرين، لا تتحول إلى شيطان أخرس، بل إلى شيطان ناطق، تدافع عن طاغية النصيرية، الذي أهلك نحو ألف إنسان للحفاظ على كرسيه، وتنفذ طائفته، في حين لم يسقط في البحرين سوى بضعة عشر شخصاً، نصفهم من رجال الأمن!
وهاهي الشعوب السنية، تنتفض على جلاديها، وتقدم المهج، والأرواح، للتخلص من نير ملوك الرفض، البغيض، فعسى الله أن يقيض لهم يداً من الحق حاصدة، تريح الناس من شرهم، وطغيانهم، وعسى الله أن يأتي بالفتح، أو أمر من عنده. وعسى أن نحاكي ابن كثير ﵀ حين حكى نهايتهم، فقال:
(وحين زالت أيامهم، وانتقض إبرامهم، أعاد الله ، هذه البلاد كلها، إلى المسلمين، بحوله، وقوته، وجوده، ورحمته. وقد قال الشاعر المعروف عرقلة:
وغدا الشرقُ يحسد الغر ... بَ للقومِ فمصرٌ تزهو على بغدادِ
لا كفرعونَ والعزيز ومن كا ... ن بها كالخطيبِ والاستادِ
ما حووها إلا بعزمٍ وحزمٍ ... وصليلِ الفولاذِ في الأكبادِ
قال أبو شامة: يعني بالاستاد: كأنه نور الاخشيدي، وقوله آل علي: يعني الفاطميين على زعمهم، ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينسبون إلى عبيد، وكان اسمه سعيدًا، وكان يهوديًا، حدادًا بسلمية) [البداية والنهاية: ١٢: ٢٦٧]
رحم الله ابن كثير، وفك أسر دمشق، وبلاد الشام، وسائر بلاد الإسلام، من تسلط الرافضة اللئام.
стр. 251
بيان بشأن جرائم النظام السوري ضد إخواننا في سوريا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القائل: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فقد شهد العالم الإسلامي في الآونة الأخيرة أحداثاً جساماً ومتلاحقة تجري على أرضه، من اشتعال الثورات وقيام الانتفاضات من قبل بعض الشعوب المقهورة التي رزحت تحت ظلم الأنظمة الحاكمة العميلة عقوداً من الزمان، وقد قوبلت هذه المطالبات الشعبية بشتى أنواع القمع الهمجي والقتل الوحشي من قبل هذه الأنظمة الغاشمة، والتي من آخرها ما تشهده الساحة الآن من جرائم مروعة يرتكبها النظام السوري ضد شعبه المسلم الأعزل، والذي طالب بحقه المشروع والمسلوب على مدى سنين عجاف عاشها تحت الظلم والضيم في ظل هذا النظام الذي ما فتئ يمارس أبشع أنواع التنكيل والقتل والاعتقال لأفراد شعبه رجالاً ونساء وأطفالاً.
وإن مما أوجبه الله على أهل العلم وأخذ عليهم فيه الميثاق هو أن يبينوا الحق للناس ولا يكتموه.
وتأسيساً على ما سبق فإننا نود توضيح الأمور الآتية:
أولاً: نذكر في هذا المقام بدعوة النبي ﷺ لأهل الشام بالبركة في قوله: " اللهم بارك لنا في شامنا وبارك لنا في يمننا " رواه الترمذي، وبما ورد عنه ﷺ في فضل الشام ومنه ما ورد في الصحيحين عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة "، قال: " وهم بالشام "، وفي الصحيحين -أيضاً- عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه أخبر " أن ملائكة الرحمن مظلة أجنحتها بالشام " فالشام حاضرة الإسلام وخيارها الوحيد الإسلام.
ثانياً: إن ما يطالب به الشعب السوري المسلم في بلاد الشام من الحصول على الحقوق المكفولة له ورفع الظلم والقهر عنه الذي تجرع ويلاته ردحاً من الزمان؛ لهو حق مشروع كفله الشرع المطهر بل والنظم الحديثة.
ثالثاً: ما يمارسه النظام الغاشم في سوريا من قتل وتشريد واعتقال وترويع ضد أفراد شعبه؛ لهو جريمة تستوجب الوقوف من كافة الدول لمنع هذا الإبادة البشعة، وذلك حسب الأوامر الإلهية في نصرة المسلم لأخيه المسلم فهو لا يسلمه ولا يخذله كما أخبر النبي ﷺ ، وكذلك حسب الأعراف البشرية من مواثيق دولية تقضي بالأخذ على يده ليكف عدوانه.
رابعاً: مما يتوجب على رجال الأمن وأفراد الجيش في سوريا الوقوف مع أبناء شعبهم وحمايتهم من عدوان هذا الطاغية، وعدم الانصياع لما يأمر به من ممارسات إجرامية في حق هذا الشعب المغلوب.
خامساً: الواجب على المسلمين مؤازرة إخوانهم فيما يمرون به من فتنة عظيمة ومحنة عصيبة، وتقديم يد العون لهم ومساعدتهم بكافة صور الدعم، كلٌ بحسبه، والتضرع إلى الله تعالى بالدعاء لهم بأن يكشف كربتهم، ويحقن دماءهم ويحمي أعراضهم وأموالهم.
стр. 252
سادساً: نوصي إخواننا في بلاد الشام المسلم أن يلجؤوا إلى الله تعالى في محنتهم هذه، وأن يصبروا على ما أصابهم ويحتسبوا ما عند الله، فهم مجاهدون في سبيله، وأن يعين بعضهم بعضاً، وأن يبتعدوا عن كل أشكال العدوان والتخريب لممتلكات إخوانهم من أفراد الشعب، ويلتفوا حول علمائهم الصادقين؛ ليصدروا عن أمرهم ويسترشدوا برأيهم؛ فعلماء كل بلد هم أعلم بحالهم والأنسب لهم، فالرجوع إليهم ضرورة يقتضيها الشرع والمنطق السليم، وليكونوا في جهادهم مخلصين ولنبيهم ﷺ متبعين. كما نسأله سبحانه أن يعجل لهم الفرج ويولي عليهم خيارهم ويكف عنهم بأس الذين كفروا، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الجمعة ٢٥/ ٥/١٤٣٢هـ
الموقعون:
١. د. محمد بن ناصر السحيباني
٢. أ. د. ناصر بن سليمان العمر
٣. سعد بن ناصر الغنام
٤. عيسى بن درزي المبلع
٥. د. ناصر بن محمد الأحمد
٦. أحمد عبدالله الزهراني
٧. د. عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف
٨. محمود إبراهيم الزهراني
٩. د. وليد بن عثمان الرشودي
١٠. د. سعد بن عبدالله الحميد
١١. عبدالعزيز بن عبدالرحمن العجلان
١٢. د. خالد بن محمد الماجد
١٣. أ. د. سليمان بن حمد العودة
١٤. سعد بن علي العمري
١٥. علي بن إبراهيم المحيش
١٦. إبراهيم بن محمد بن أبكر عباس
١٧. حسن بن صالح الحميد
١٨. د. علي بن سعيد الغامدي
١٩. د. محمد بن عبد الله الخضيري
٢٠. خالد بن عبدالرحمن العجيمي
٢١. د. عبدالله بن عبدالعزيز الزايدي
٢٢. د. محسن بن حسين العواجي
٢٣. عبد الله بن صالح القرعاوي
٢٤. عبد الله بن فهد السلوم
٢٥. عثمان بن علي الهبدان
٢٦. د. موفق بن عبدالله كدسه
٢٧. د. خالد بن عبدالله الشمراني
٢٨. د. محمد بن صامل السلمي
٢٩. حسين بن محمد الحبشي
٣٠. د. عبدالله بن عبدالرحمن الوطبان
٣١. د. ناصر بن يحيى الحنيني
٣٢. د. محمد بن عبدالله الهبدان
٣٣. د. محمد بن عبدالعزيز اللاحم
٣٤. مبارك بن يوسف الخاطر
٣٥. د. محمد بن صالح العلي
٣٦. د. عبدالله بن ناصر الصبيح
٣٧. د. عبدالرحمن بن صالح المحمود
٣٨. حمود بن ظافر الشهري
٣٩. فهد بن سليمان القاضي
٤٠. إبراهيم الحماد
٤١. د. محمد سعيد القحطاني
٤٢. عبدالله بن علي الغامدي
٤٣. بدر بن إبراهيم الراجحي
٤٤. عثمان بن عبدالرحمن العثيم
٤٥. محمد بن سليمان المسعود
стр. 253
المخزون السياسي في الشريعة
سلطان بن عبدالرحمن العميري
٢٢جمادى الأولى١٤٣٢هـ
من المبادئ المستقرة لدى كل المسلمين: أن الله تعالى أكمل لهم الدين وأتم عليهم النعمة بحيث أنه لم يبق شيء يحتاجه المسلمون في الجانب التشريعي إلا وقد بُين لهم على أكمل وجه
فالشريعة الإسلامية كاملة في جميع جوانبها وتامة في سائر أنظمتها فالكمال ضارب فيما يتعلق بالعبادات من الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها ومتحقق فيما يتعلق بالمعاملات من البيع والشراء وأنواع العقود وحاصل فيما يتعلق بالأنكحة والمواريث وسائر المعاملات الاجتماعية.
والمجال السياسي من المجالات التي شملها الكمال والتمام في الشريعة الإسلامية؛ إذ هو ليس مختلفا في طبيعته عن سائر المجالات الحياتية الأخرى.
ومن المستبعد عقلا أن يتعهد الإسلام بالتشريع والتوجيه في مجالات البيع والشراء والربا والرهن والإشهاد وأحكام النكاح والطلاق وأحكام الذبح ونحوها ثم لا يشرع في المجال السياسي ولا يقدم رؤية شرعية تنضبط بها علاقات الناس فيما بينهم وتُحفظ بها حقوقهم
والمراد بالكمال في الدين هو أن الإسلام وما تضمنه من نصوص ومبادئ كافٍ في هداية الأمة ووصولها إلى الرشد في عباداتها وعلاقتها بالله تعالى وفي معاملاتها وسياسيتها وأنظمتها في سائر عصورها ويشرح الطاهر عاشور معنى الكمال في الشريعة فيقول:"إكمال الدين هو إكمال البيان المراد لله تعالى الذي اقتضت الحكمة تنجيمه، فكان بعد نزول أحكام الاعتقاد التي لا يسع المسلمين جهلها، وبعد تفاصيل أحكام قواعد الإسلام التي آخرها الحج بالقول والفعل، وبعد بيان شرائع المعاملات وأصول النظام الإسلامي، كان بعد ذلك كله قد تم البيان المراد لله تعالى في قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩] وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] بحيث صار مجموع التشريع الحاصل بالقرآن والسنة كافيا في هدي الأمة في عبادتها، ومعاملتها، وسياستها، في سائر عصورها، بحسب ما تدعو إليه حاجاتها، فقد كان الدين وافيا في كل وقت بما يحتاجه المسلمون" (التحرير والتنوير٤/ ١٠٣)
والمقتضى العقلي لثبوت الكمال في الدين هو أن الأمة إذا أعطت النصوص الشرعية حقها من النظر والبحث فإنها لن تحتاج إلى غيرها من الأمم في إقامة دينها ودنياها وستجد في المخزون الشرعي ما يحقق لها الكفاية في بناء النظم وحفظ الحقوق وضبط شؤون الحياة مما يتحقق بها الغنى التشريعي عن كل المنهاج والأنظمة المستوردة من الأمم الأخرى وها هو ابن القيم يشرح هذا المعنى فيقول: "وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها وهو مبنى على حرف واحد وهو عموم رسالته ﷺ بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغهم عنه ما جاء به فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص: عموم بالنسبة إلى المرسَل إليهم وعموم بالنسبة إلى كل ما يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها" (إعلام الموقعين ٤/ ٣٧٥)
وزيادة على ذلك فإنه لا يمكن لأمة من الأمم أن تصل إلى إحداث قوانين وأنظمة تشريعية تكون أفضل مما يمكن أن تُوصِلَ إليه نصوص الإسلام لو أعطيت حقها وهذه ضمانة شرعية بأن أمة الإسلام ستكون أعلى الأمم قدرا ... وأنضجها سلوكا ... وأحكمها نظاما وتشريعا ... وأعلاها سياسة وأن كل الأمم ستكون تابعة لها إن استثمرت المخزون الذي جاءت به الشريعة وهذا لا ينفي أن تتفوق بعض الأمم على أمة الإسلام إذا فرطت في استثمار المخزون الشرعي لديها.
стр. 254
وليس معنى التقرير السابق منع الأمة من الاستفادة من تجارب ومنجزات الأمم الأخرى وإنما معناه: أن استفادتها لا تكون عن احتياج وفقر في مرجعيتها وموروثها التشريعي ولا نضوب في مخزونها الديني وإنما يجيء الاحتياج ويصبح ضرورة واقعية حين تفرط الأمة في إعطاء النصوص الشرعية حقها وتفرط في دينها وتنصرف عن تحليل الموروث الشرعي والمعرفي التي تضمنته النصوص.
ضخامة المخزون السياسي الشرعي:
المادة السياسية في الإسلام مادة ضخمة ثرية بحيث إنها تستطيع أن تلبي حاجات الأمة الإسلامية على مر عصورها فقد اهتمت الشريعة اهتماما واسعا بالمجالات المرتبطة بحياة الناس ومعيشتهم وسعت إلى بناء الأحكام وتأسيس المبادئ التي تحقق لهم السعادة وتضبط لهم العلاقات المختلفة وقدمت في ذلك نصوصا كثيرة وقد توصل بعض علماء الإسلام إلى أن آيات الأحكام غير محصورة في عدد معين من القرآن وأن استنباط الحكم الشرعي خاضع لقوة القريحة وعمق التفكير ومنهم من حصرها في عدد معين وأوصلها إلى ثمان مئة آية وأما أحاديث الأحكام فقد أوصلها بعضهم إلى أربعة آلاف حديث من غير المكرر وبعضهم زاد على ذلك وبعض نقص عن هذا العدد.
وكذلك هو الحال في المجال السياسي فإن اهتمام الشريعة به لا يقل عن غيره من المجالات ولأجل هذا فإن مصادر الشريعة من نصوص القرآن والسنة - أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتصرفاته- احتوت على قدر كبير من النصوص المتضمنة للمبادئ والأحكام التشريعية التفصيلية وهي تمثل ثروة هامة يمكن من خلالها تقديم رؤية ناضجة يسعد بها الإنسان في حياته السياسية.
وقد قام الإسلام بعمليات استصلاحية للنظم الفاسد في الجاهلية كنظام البيع ونظام الزواج وغيرهما وأتى بنظم بديلة عنها ومن المستبعد عقلا أن يقوم الإسلام بذلك ثم لا يقوم باستصلاح النظام السياسي ولا يقدم فيه بديلا يسعد الناس به وهو نظام مماثل لتلك الأنظمة في الطبيعة والحكم فضلا عن أنه من أكثر الأنظمة فسادا في الجاهلية وأعمقها تأثيرا في حياة الناس.
تجربة الخلافة الراشدة:
ويزيد من ضخامة الموروث السياسي وحيويته ويوسع من مخزونه ويقوي من قدرته على مواجهة المتغيرات وتلبية المتطلبات: تجربة الخلافة الراشد فهذه التجربة داخلة في صميم الموروث السياسي الشرعي؛ لأن النبي ﷺ أضفى عليها الشرعية وزكاها ووصفها بأنها خلافة نبوة وأمر بإتباعها وجعلها سنة متبعة فقد قال ﷺ :"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ... " (المسند ١٨٤٣٠) وقال ﷺ :"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد فإنه من يعش منكم فسيري اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (الترمذي٢٦٠٠).
فنحن مأمورون من قِبَلِ الشرع بإتباع السنن التي كان عليها الخلفاء الراشدون سواء كانت السنن السياسية أو العبادية المحضة وذلك أن لفظ السنة عام يشمل كل ما كانوا عليه وسياق النصوص يؤكد على أن المعنى الأولي للسنة فيها هي السنة السياسية؛ لأن سياقها جاء في معرض الأمر بطاعة ولي الأمر والنهي عن مخالفته
стр. 255
فمرحلة الخلافة الراشد تعد صورة زاهية في العقل الجمعي الإسلامي ونموذجا ملهما للأجيال المتطلعة للرقي السياسي ووقودا مفيدا في استنهاض الهمم الراكدة وهو النموذج الأكثر دقة ... والأجمل صورة ... والأروع منظرا ... والأبهى حلة ... والأقوى جاذبية ... والأشد بنيانا ... والأنقى منبعا ... والأبلغ تأثيرا.
وتبرز قيمة تجربة الخلاقة الراشد بالنسبة لأجيال الأمة اللاحقة بأمرين اثنين:
الأول: أنها تجربة بشرية فهي تشترك مع عموم الأمة بأنه لم تكن صادرة من المعصوم ﷺ وإنما هي نموذج قائم على التطبيق البشري للتشريعات السياسية الإسلامية وهذا الحال يقربها من أجيال الأمة ويفتح الباب لتشوف الأمة إلى الإصلاح السياسي ويجعل ذلك أمر قريبا ومطلبا ممكنا ويسد المنافذ السلبية التي تصور الحكم السياسي الإسلامي بأنه غير متاح للتجربة البشرية.
الثاني: إنها تجربة غزيرة التطبيقات فقد شهدت مرحلة الخلافة الراشدة مشاهد سياسية جديدة وتغيرات كبيرة في طبيعة المجتمعات الداخلة تحت نطاق الحكم السياسي وتنوعات واسعة في العلاقات بين طبقات تلك المجتمعات واختلافات ظاهرة في ثقافتهم وأديانهم وتصوراتهم وسلوكياتهم وتعددات كبيرة في عرقياتهم وبلدانهم.
وهذه الغزارة ساعدت على توسيع المادة السياسية في تلك التجربة وعلى استيعابها لكثير من الإشكاليات فإذا أراد الباحث المعاصر أن يتحقق من تلك الغزارة فإنه سيجد شاهد ذلك في كمية القضايا السياسية التي ثارت في ذلك الزمن وسيقف فيها على أجوبة وحلول لكثير من القضايا التي هي محل بحث ومثار جدل في عصرنا.
ومن أمثلة القضايا التي نجد لها حلا في تلك التجربة: طبيعة العلاقة بين الحكام والمحكوم وتحديد الدوائر التي يسمح فيها للحاكم بالتحرك ودور الأمة والشعب في الشأن السياسي والموقف من التعددية السياسية والدينية وحكم إنشاء الأحزاب والمجالس النيابية والموقف من الترجيح بالأكثرية وتحديد مفهوم المواطنة وضوابطها وإيضاحا تاما لقضية الحقوق والأموال العامة وغيرها من القضايا.
فإذا اجتمعت هذه المادة الغزيرة مع الموروث الشرعي المعصوم فستكَوِنُ مخزونا شرعيا وسياسيا ضخما تستطيع الأمة من خلالها أن تبني مشروعا سياسيا ناضجا يخرجها مما هي فيه من الانحطاط السياسي ويرتفع بها إلى مستويات عالية من الرقي.
أنواع الموروث السياسي:
ينقسم الموروث السياسي الذي تتناقله الأمة عن العهد النبوي والعهد الراشدي إلى قسمين:
القسم الأول: الموروث الذي يحمل الطابع التشريعي وهذا النوع يأخذ أوصاف الأحكام العبادية الأخرى كأحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج من حيث وجوب الالتزام به ولزوم الاستمساك بصفته وحدوده وضوابطه.
فالتشريع السياسي في الإسلام ليس مجرد قضايا كلية فقط كالأمر بالعدل والمساواة والشورى وإنما يتضمن قضايا تفصيلية تتعلق ببعض شؤون السياسية ومتعلقاتها الجزئية.
وهذا الأمر ليس غريبا في التشريع فقد الشريعة جاءت في باب المعاملات بأصول كلية ومقاصد عامة تضبط الجزئيات الداخلة في نطاقها كالنهي عن الجهالة والغرر والربا ومع ذلك فقد جاءت بأحكام تفصيلية ملزمة تتحقق بها تلك المقاصد وتزيد من تأكيدها كالحال في شروط البيع وأنواع المبيعات وضوابط الإقراض والعقود ونحوها.
وكذلك هو الحال في المجال السياسي فهو لا يختلف عن غيره من المجالات الحياتية فالمادة التشريعية فيه ليست كلية فقط تشترك فيها كل المجتمعات وإنما فيها قدر كبير من المواد التفصيلية الملزمة.
стр. 256
ومما يدل على ذلك: أن مبدأ الحرية ليس مطلقا في الإسلام كما هو الحال في كل الأنظمة الأخرى وإنما هو مقيد بقيود تفصيلية تتوافق مع أصول الإسلام وأحكامه وقد حددت النصوص الشرعية تلك القيود وهذا نوع من التشريع التفصيلي الملزم في المجال السياسي.
وكذلك هو الحال في مبدأ المساواة فإن هذا المبدأ ليس مطلقا وإنما لا بد فيه من اعتبار الضوابط التي دلت عليها نصوص الشريعة ومقاصدها وهذا نوع من التشريع التفصيلي.
بل إن طبيعة العقد الذي بين الحاكم والمحكومين يأخذ في بعض تفاصيله الطابع التشريعي؛ لأنه عقد وكالة وهو من العقود التي جاءت الشريعة فيه بأحكام تفصيلية ملزمة.
وكذلك بينت الشريعة الأحكام التفصيلية المتعلقة بحكم الجمعة والجماعات والجهاد مع الحكام وضوابط الطاعة له والخروج عليه.
وقد ضيف بعض الإسلاميين دائرة الجانب التشريعي في المجال السياسي وتوصل إلى أن الإسلام لم يأت فيه إلا بأصول كلية ومبادئ عامة فقط كالأمر بالعدل والمساواة والحرية والشورى.
ونحن إذا رجعنا إلى الموروث السياسي في الشريعة نجد أنه احتوى على مادة تشريعية تفصيلية كبيرة تساعد على انتظام المجال السياسي مع الأنظمة الأخرى التي جاءت بها الشريعة فهي لم تترك كل ضوابط الحرية لتجارب الناس يقيدونها كيف شاؤا على حسب تجاربهم وإنما أقامت ضوابط عديدة تجعل الحرية المتاحة منسجمة مع المجالات الأخرى ومتوافقة معها.
القسم الثاني: الموروث الذي يحمل الطابع الإجرائي وهو عبارة عن الأمور التي دخلت في الخطاب السياسي لأجل مصلحة تنفيذ الحكم الشرعي وانضباطه لا لأجل الإلزام به فهي أمور لم يرع فيها الجانب التشريعي وإنما روعي فيه الجانب التنفيذي.
ويدخل في هذا النوع القضايا المتعلقة بالشكل التطبيقي للدولة والآليات التنفيذية والتراتيب والوسائل التي تتحقق بواسطتها الأحكام التشريعية والمقاصد الكلية.
فشكل الدولة وآليات التنفيذ فيها ليست أمورا توقيفية ملزمة وإنما هي مصالح مرسلة راجعة إلى مراعاة الموارنة بين المصالح والمفاسد وهي أمور متروكة لقدرات الأمة ومهاراتها على التطوير والتجديد والبحث على المناسب والمفيد.
وليس معنى هذا إغلاق باب الاستفادة من الأمور الإجرائية التي كانت في العهد النبوي والراشدي وإنما غاية ما يدل عليه كشف طبيعته وبيان منزلته فقط.
وعدم التمييز بين هذين النوعين - التشريعي والإجرائي- يعد أحد أهم الأسباب التي أدت إلى كثير من الالتباس والاضطراب في تحرير الخطاب السياسي في الإسلام وأضحت كثير من القضايا مثار جدل ومحل اختلاف نتيجة تلك الرؤية الملتبسة التي لم تستطع أن تميز بين طبيعة الأنواع الداخلة في الموروث السياسي وهذه الإشكالية كان لها حضور مؤثر منذ زمن بعيد في الفكر الإسلامي وقد ذكر ابن القيم طرفا من الخلاف فيها ثم وصفها بوصف بليغ يكشف عن مدى خطورتها وأثرها فقال:"وهذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك ومعترك صعب " (الطرق الحكمية ١٣).
ويتطلب الإنقاذ السياسي قدرا كبيرا من إدراك الفوارق المؤثرة بين النوعين - التشريعي والإجرائي- ومهارة فائقة في الموازنة بينها والبلوغ إلى هذا التمييز يعد أحد المرتكزات الأساسية للوصول إلى النموذج السياسي الملهم ومتى ما بقيت الصورة في حالة الالتباس فإنه ستتحول بعض القضايا التشريعية إلى أمور مصلحية غير لازمة وتغدو بعض القضايا الإجرائية المصلحية أمورا تشريعية ملزمة وهنا يقع الخلط والاختلاط والتضارب في الرؤية الإسلامية السياسية.
المكتسبات الرفيعة:
стр. 257
الانطلاق في الإنقاذ السياسي للعالم العربي والإسلامي من المخزون السياسي الشرعي يحقق مكاسب عالية الجودة ورفيعة المستوى وبالغة القدر وعميقة التأثير والمكاسب التي يمكن استخلاصها متعددة الفروع ولكنها ترجع إلى ثلاثة مكاسب رئيسة.
المكتسب الأول: الظفر بالقوة الدافعة: تحتاج المشاريع التي تقصد إلى التغيير الجذري في البنى المجتمعية إلى مادة روحية عالية التأثير وقوية الإشعاع حتى تتمكن من أداء وظيفتها على المستوى المطلوب ومتى ما فقدت تلك المشاريع المادة الروحية فإنها ستتحول إلى قوالب جامدة قليلة التأثير أو عديمته وقد شهد التاريخ نماذج تؤكد هذه النتيجة فإن أنظمة الشيوعية لم تتجذر في المجتمع؛ لأنها ألغت كل القوى الروحية الدافعة للعمل والداعية للاقتناع بالتنظيمات فكان مصيرها الفشل الذريع.
والحالة في هذا الارتباط حالة طردية، فكلما ازدادت المادة الروحية جمالا وقوة وعلوا وحيوية ازداد تأثيرها وفعاليتها في النفوس ودفعتها إلى العمل والامتثال للقيم والمبادئ.
وهنا تبرز خاصية الإسلام في صياغة أنظمته المجتمعية فهو لم يقدمها جافة فارغة وإنما شبعها بالروح الدينية الدافعة التي تحقق القناعات الذاتية لدى أفراد المجتمع وتسيره نحو امتثال قوانينها وتشريعاتها بقوة داخلية لا خارجية ... جاء الإسلام بتلك الروح التي تحمل كينونة خاصة تخاطب الوجدان الإنساني وتمتاز بالحيوية والنشاط والإيحاء بالحقائق الكبرى وتخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذها.
إن المنطلق الديني الذي يختزنه الموروث الشرعي السياسي هو المنطلق الذي قلب أحوال العرب في الجاهلية وانتزع منهم رواسب الظلم والجهل والبغي والاستبداد وحولهم إلى نماذج مختلفة في تصوراتها وسلوكها وعلاقاتها.
إن الروح التي استطاعت فعل ذلك تستطيع أن تؤثر في المجال السياسي لدينا فتخرج لنا النموذج الملهم .. النموذج الذي سار عليه النبي ﷺ وأصحابه.
فالقوة في المخزون السياسي ليست منحصرة في الجانب المعرفي والقيمي فقط بل تتعدى ذلك إلى الجانب الروحي فهو يمتلك طاقة روحية عالية تسيطر على القلوب والأرواح وتدفعها نحو الامتثال والإصلاح وتدعوا الأمة إلى أن تقول كلمة الحق وتنصح للحاكم وتحاسبه وتقومه إذا اعوج ولا تخاف في الله لومة لائم. فالانطلاق من عدل النبي ﷺ والخلفاء الراشدين أبلغ في التأثير في نفوس الناس من الانطلاق من النظام الديمقراطي والابتداء من حفظ النبي ﷺ والخلفاء الراشدين للأموال العامة أعمق في الأثر من الابتداء من النظام الديمقراطي.
إن إبراز هذه النماذج العالية في الموروث الشرعي يحقق الضمانات القوية في المحافظة على الحقوق والأموال العامة لما يمتلكه من القوة الروحية مما لا يوجد في غيره من الأنظمة.
وقد أثار عدد من المفكرين العرب سؤالا عن مقدار الضمانات التي يمتلكها النظام الديمقراطي للمحافظة على مقدرات الشعوب وعلى امتثال العدل في الممارسات الفعلية وتوصل د/ راشد الغنوشي إلى أن المبادئ الديمقراطية لم تستطع "كبح جماح الفئات القوية الضاغطة عن التحكم والإفساد وتسخير السلطة لإفراغ جملة الضمانات التي قدمتها الديمقراطية من محتوياتها" (الحريات العامة٢/ ١٠).
وأكد على أن النماذج الغربية للديمقراطية تمارس استبدادا ناعما وفداحة كبيرة في النهب المنظم لأموال الناس وقال:"رغم أهمية الآليات الديمقراطية ومبادئها ... فإنها لئن وضعت حدا لكثير من ضروب العنف السافرة كالتي كانت عليها الأنظمة الديكتاتورية فإنها لم تضع حدا بل لم تخفف إن لم تكن فاقمت من ضروب العنف الخفية" (السابق ٢/ ١١).
стр. 258
وكل هذا يؤكد لنا خطورة الفراغ الروحي الذي يعاني منه النظام الديمقراطي ويؤكد أهمية البعد الديني والروحي الذي تشبع به المخرون السياسي في الشريعة وضرورة استحضاره في الإصلاح.
ومتى ما ابتعدنا عن الخطاب الشرعي المشبع بالروح الدينية وذهبنا نعتمد على الأنظمة الفارغة من تلك الروح وغدونا نظهر للناس ونبشرهم بأنظمة مفتقرة إلى تأسيس شرعي في أصلها ومحتاجة إلى الامتداد التاريخي الديني نكون في الحقيقة قد تخلينا عن نقطة القوة في الإصلاح السياسي ومنبع الاقتداء وشرط النجاح.
إننا بحاجة ملحة في هذا العصر الذي شُوه فيه الخطاب السياسي في الإسلام وغيبت فيه كثير من معالمه وصوره وأقيمت في طريق الوصول إليه عقبات وعقبات نحن في حاجة أن نعود إلى الروح الدافعة التي بثها النبي ﷺ في الوجود ونسعى إلى التشبع منها وبثها في الواقع مرة أخرى.
المكتسب الثاني: الوقوف على النموذج الملهم: إن التوجه نحو المخزون السياسي الشرعي - سواء النبوي منه أو الراشدي- والحرص على استيعابه وجمع كل مفرداته وتطبيقاتها المشرقة وإعمال النظر في نصوصه والبحث في كنوزه والتنقيب عن أصوله سيوصل إلى النموذج الصافي من كل ما يكدر صفوه.
وبذلك تتحقق الركيزة الأولى من الركائز التي يقوم عليها الإصلاح السياسي في المجتمع المسلم فكما أن التجديد في مجالات البيع والشراء والمعاملات لا يبدأ من الاعتماد على النماذج الخارجية وإنما يتطلب أولا إبراز النموذج التشريعي الكامل وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ثم تحاكم إليه النماذج والتجارب الأخرى ليحصل بينها التلاحق والتبادل ... فكذلك الحال في المجال السياسي فإن الخطوة الأولى في مشروع تجديده وإنقاذه لا تكون بالانطلاق من النموذج الديمقراطي أو غيره وإنما تبتدئ أولا من إبراز النموذج السياسي الذي قدمته الإسلام وتحديد معالمه ومبادئه وتفصيلاته التشريعية والإجرائية ثم بعد ذلك يتم التوجه نحو تجارب الأمم الأخرى ليحصل بينها وبين ما قدمته الشريعة من تلاحق وتبادل.
والوصول إلى النموذج الملهم يحقق لنا من جهة أخرى الشروط التي يجب توفرها في المشاريع المتعلقة بمصير الأمة فإن هذا النوع من المشاريع يجب أن يكون متصفا بوضوح المنطلق وسلامة المأخذ وقوة الأدلة وانضباط المصطلحات ووضوح المقدمات وجلاء المآلات لأنها لا تقبل أنصاف الحلول ولا الضبابية ولا الإجمال؛ إذ هي متعلقة بمصير الأمة ومن أكبر من يحق لنا تلك الشروط:
هو أن نقف على النموذج البنوي والراشدي في المجال السياسي بصورته الحقيقية وبإدراك ناضج واعٍ مستوعب لحدوده ومعالمه وضوابطه.
وفائدة أخرى نكتسبها من الوقوف على النموذج الكامل وهي إبراز النموذج العادل الذي أسعد الناس وحافظ على حقوقهم من أقوى ما يكشف زيف الأنظمة المستبدة الظالمة, ومن أصلب ما يرفع الستر عن خوائها الداخلي ويقلل من مشروعيتها فتلك النماذج الكاملة تمثل كابوسا مخيفا للمستبدين وغصة في حلوقهم وشهادة تاريخية على إفلاسهم وقد ذكر ابن كثير في تاريخه أن الحجاج وسيده عبدالملك بن مروان كانا ينهيان عن ذكر سيرة عمر بن الخطاب ويقولان:"إنها مرارة للأمراء ومفسدة للرعية" (البداية ٩/ ٦٦)
وهذا الحال يدعونا على مراجعة صادقة لمنطلقاتنا الإصلاحية السياسية وغيرها, ويدفعنا إلى الإلحاح بالسؤال: هل من الأفضل أن تعلق الأمة بالنماذج الكاملة التي تمثل البعد الشرعي وتحقق الامتداد التاريخي لها, أم تعلقها بالنموذج الديمقراطي الذي يعاني من انفصام نكد بين النظرية والتطبيق ويتألم من تشويهات تطبيقية عديدة على أكثر من صعيد وفي أكثر من بلد.
стр. 259
المكتسب الثالث: تحقيق التوازن الإصلاحي: الانطلاق من المادة السياسية في الإسلام تعد ضمانة من أقوى الضمانات لإدراك التوازن في العملية الإصلاحية فالذهنية المنطلقة من ذلك الموروث تكون عادة متوجهة نحو الشمول والاستيعاب وسالمة من الاختزال والضيق في المجال الإصلاحي لأن الإسلام عقد ترابطا شديدا ومعقدا بين أنظمته فكل مجال منها متداخل مع غيره تداخلا كبيرا ومنسجما معه انسجاما عاليا بحيث تُكَوِّن في النهاية لحمة واحدة تمثل التصور الإسلامي للكون والحياة.
وقد ألمح عبدالوهاب خلاف إلى هذا التداخل حين قال:"العقيدة لها أثرها في إحسان العبادة والعقيدة والعبادة لهما أثرهما في تكوين الأخلاق والأخلاق لها أثرها في حراسة التشريع والتشريع له أثره في حماية الدولة ورفعتها والدولة لها دورها في الحفاظ على العقائد والعبادات والأخلاق والتشريعات فكل هذه الأمور يؤثر بعضها في بعض ولا يستغني بعضها عن بعض فلا بد من العناية بها جميعا إذا أردنا أن نقيم حياة متكاملة متوازنة كما أمر الله " (علم أصول الفقه ٣٧).
وهذا الكلام يؤكد على أن عربة الإصلاح لا تسير على عجلة واحد وإنما لا بد فيها من عجلات متعددة حتى يمكنها أن تسير باتزان وفي طريق مستقيم وتحقيق الاتزان وإقامة ذلك الترابط الذي يقيم الحياة كما أمر الله يقوم أول ما يقوم على إدراك الموروث الشرعي والانطلاق منه في مسيرة الإصلاح.
ولا نعني بالتوازن الإصلاحي هنا: إلغاء التخصص في مجال من المجالات ولا نعني به أيضا المنع من كثرة الاهتمام به دون غيره ولا نعني به المطالبة بالمساواة بين كل المجالات في كل الأحوال في الدعوة والاهتمام كل هذه المعاني غير مقصودة وإنما نعني به إعطاء كل مجال ما يتطلبه من إصلاح مع عدم التحقير والتقليل- بالقول أو بالممارسة - من الجمالات الأخرى.
ومتى ما افتقد المشروع الإصلاحي التوازن فإنه يظل في حالة من السلبية والعدمية وهذا ما وقع فيه الفكر العربي المعاصر فلو قمنا بعملية تحليلية للمشاريع الإصلاحية التي قدمت في الفكر العربي المعاصر فإنا نجدها تعاني من الاختزال الشديد في تصور فكرة الإصلاح نتيجة افتقادها للتوازن المنضبط فبعض تلك المشاريع تصور أن الإنقاذ الحقيقي يكون بالإصلاح الثقافي والفكري دون غيره, وبعضها يتصور أن الإنقاذ الحقيقي يكون بالإصلاح السياسي دون غيره,
وبعضها يحدد مجالات أخرى مختلفة وبقليل من سعة الأفق والهدوء في المعالجة يتبين لنا أن الركيزة الأولى في الإصلاح هي في التوازن بين كل تلك المجالات وإعطاء كل مجال ما يستحقه من جهد وبحث وتأصيل.
الخطوات العملية لاستثمار المخزون السياسي:
تضمن الموروث السياسي في الشريعة إشارة هامة إلى العودة الحميدة للنظام السياسي الرشيد ووعدا صادقا به فقد قال ﷺ :"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة " (المسند ١٨٤٣٠)
فهذا الخبر يفتح الآمال أمام الأمة لتسعد بجمال الأنظمة الإسلامية ولكن من المستحيل عقلا أن ترجع الخلافة الراشدة بنفسها من غير جهد أو عناء ومن المستبعد عقلا أن تقوم خلافة النبوة في الواقع مع جهل الناس بها وبمعالمها وبتفاصيلها وبقلة وعي الناس بها.
стр. 260
وهذا كله يستدعي من الأمة حرصا شديدا على معرفة معالم الخطاب السياسي في الإسلام وتحديدا واضحا لمبادئه وأقسامه ومحتوياته واهتماما واسعا بمفرداته وملامحه وغوصا عميقا في بحار واستخراج كنوره.
وأحسب أن استثمار الخطاب السياسي في الشريعة يقوم على ثلاث خطوات:
الخطوة الأولى: الجمع والتصنيف: ما زال المخزون السياسي مبعثرا في المصادر الإسلامية ولم يحظ بمشروع يجمع شتاته ويؤلف بين متفرقه فهو مبعثر في القرآن وكتب السنة من الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات وكتب الحديث الأخرى وكذلك هو مفرق في كتب التاريخ والتراجم فهو يحتاج إلى قدر كبير من البحث والتنقيب ليجمع في مكان واحد كما فعل الفقهاء في نصوص الأحكام ويتبع ذلك القيام بتمييز الصحيح من الضعيف منها ثم يعقب ذلك تبويبها وتقيمها على الأبواب والمسائل.
والمتابع للكتب المؤلفة في فقه السياسة يجد عزوفا ظاهرا عن الاستناد إلى المخزون الشرعي في السياسة واعتمادا كبيرا على الاجتهاد والتخريج والاستنباط الشخصي وقد قام الدكتور/حاكم المطيري بعملية استقرائية استطاع من خلالها الكشف عن قدر كبير من ضخامة الموروث السياسي في الشريعة ولو قمنا بالمقارنة بين ما جمعه وبين ما في كتب فقه السياسة سواء المتقدمة منها ككتاب المارودي وأبي يعلى أو المتأخرة والمعاصرة فإن سنجد بينها فارقا شاسعا في كمية المخزون السياسية التي تم استحضاره واستثماره في بناء التصورات السياسية وهذا الحال يكشف لنا أحد الإشكاليات المنهجية في تلك المؤلفات.
الخطوة الثانية: الدراسة والتحليل: لا يكفي في استجلاء الصورة الحقيقية للخطاب السياسي في الإسلام مجرد جمع المادة السياسية فيه فقط بل تحتاج مع ذلك إلى دراسات علمية معمقة تعتمد على مهارات التحليل المنهجي البليغة وتستند إلى آليات البحث الفقهي المتقن حتى يمكننا التوصل إلى حقيقة ما كان عليه الخطاب السياسي في المرحلة الكاملة ويمكننا التمييز بوضوح بين الجانب التشريعي منه والجانب الإجرائي ويمكننا أيضا تحديد الضوابط التشريعية بشكل واضح وجلي.
ومما يساعد على إنجاز تلك الدراسة المعمقة للمخزون السياسي: التخلص من الخطاب الفردي والتوجه نحو الرؤية الجماعية فمن المهم أن يتحول البحث السياسي ليكون بحثا مؤسسيا يحمل رؤية جماعية وذلك عن طريق عقد الندوات وإقامة المؤتمرات وحلقات النقاش وتبني المراكز البحثية لهذا الموضوع فقد غدت المنهجية الجماعية ضرورة واقعية نتيجة تعقد الواقع وتشابك القضايا السياسية في واقعنا المعاصر وازدياد ترابطها وتداخلها مما يستدعي ضرورة التخلص من الرؤية الفردية والانتقال إلى الرؤية الجماعية.
الخطوة الثالثة: الدعوة والتوعية: تحتاج المشاريع التي تقصد إلى التغيير الجذري إلى قدر كبير من الدعوة الجماهيرية وتتطلب جرعة عالية من تنمية حس الوعي الحقوقي بها وبأهميتها وفائدتها فلا يكفي في الإصلاح السياسي أن يكون هما خاصا بالنخبة أو فكرا محدودا في الدائرة المثقفة وإنما لا بد أن ينتقل إلى الجماهير ليكون رأيا عاما وهما مشتركا بين كل الفئات.
والمخزون السياسي في الإسلام يمتلك قوة عالية من التأثير ورؤية واضحة توصل إلى درجة عالية من الوعي الحقوقي يمكن من خلالها تكوين القوة الضاغطة على الواقع لتغييره وتبديله.
وفي ختام هذه الجولة في المخزون السياسي وبعد اكتشاف ضخامته وأهميته وجودة مكتسباته يبدو أن سؤالا ملحا غدا يلوح في الأفق وهو: من المسئول عن تغييب المخزون السياسي الشرعي وعن خفوت أثره في الواقع المعاصر؟!
стр. 261
حجاب الفقراء
عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
١٤ جمادى الأولى ١٤٣٢هـ
كتب الشيخ علي الطنطاوي ﵀ مقالاً ماتعاً وطريفاً عن الحجاب استهلَّه بهذه الديباجة: «ليطمئن السيدات، فليس الكلام عن حجاب النساء، ولكن عن حجاب الأمراء، وإن كان الصنفان يتشابهان في أمور كثيرة:
- في الحروف (امرأة - أمراء) كلها من (أ، م، ر)، وأثقل القول على النفس فِعْل الأمر.
وفي أنَّا إن خضعنا للنساء طَغَيْن طغيان الأمراء، وإن لِنَّا للأمراء (تدلَّلوا) دلال النساء.
وفي الحجاب الذي يغري ولا يغطي، ويُطمِع ولا يطعم، يلبس النساء العديد من الثياب ولكنها ثياب لا تستر جسداً، ويتخذ الأمراء الواسع من الأبواب ولكنها لا تُدخِل أحداً.
والحجاب عند الصنفين زينة وفخر، ولو تعرَّى الأمراء عن الشارات والزينات والأبواب والحجاب لخسروا أغلب هيبة الحكم ... » (١).
وقد أشار الشوكاني ﵀ إلى هذه البَهرَجة والتهويل في إيوانات السلاطين، وأن رسولاً قدم من بلاد نائية إلى أحد خلفاء بني العباس، وعاين هذه التهاويل والعجائب، فامتلأ قلبه مهابة وروعة، وتعاورته أسباب التعظيم والانبهار من كل حدب وصوب، فما إن وقعت عين هذا البائس على الخليفة حتى قال: أهذا الله؟ فقالوا: لا. بل هذا خليفة الله. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً (٢).
وبيَّن صدِّيق حسن القنوجي ﵀ أن إيوانات السلاطين التيمورية بالهند على هذا المنوال، وأن الرِّعدة تعتري أجسام الأقوياء، ويلحقهم الذهول والاندهاش إثر معاينة التزويقات والزينات (٣).
ولئن كانت هذه الأبهة والتهويل ترسِّخ تأليهاً وتعظيماً للسلاطين، وتثبيتاً للوثنية السياسية، فإن الغلو في القبور بإسراجها والبناء عليها يجلب وثنية الأضرحة وعبادتها، وقد أوضح الشوكاني ذلك بقوله: «لا ريب أن السبب الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زيَّنه الشيطان للناس: من رفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها بأكمل تحسين، فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بُنيَت عليه قبة فدخلها، ونظر على القبور الستورَ الرائعة، والسرجَ المتلألئةَ، وقد سطعت حوله مجامر الطيب، فلا شك أنه يمتلئ قلبه تعظيماً لذلك القبر، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع في قلبه من العقائد الشيطانية» (٤).
ومهما يكن الحجاب للمرأة والأمير، فإن للفقراء (الصوفية) حظاً وافراً من هذا الحجاب؛ ولا سيما أن الفقراء لهم صِلات حميمة بالأمراء وأصحاب النفوذ في القديم والحديث، ومن ذلك أن صوفياً وعظ أحد الأمراء الظَّلَمة فأعطاه شيئاً فقبله، فقال الظالم: كلنا صيَّادون، وإنما الشباك تختلف (٥)، بل ربما أفضى بهم الحال إلى تأييد الأعداء والمستعمرين.
وقد وصف ابن تيمية الصوفية قائلاً: «بل أكثرهم يكرهون متابعة الرسول ﷺ ، وهم مِنْ أبعد الناس عن الجهاد في سبيل الله، بل يعاونون أعداءه ويدَّعون محبته» (٦).
ومن ذلك أن صوفية داغستان جاهرت بتأييدها للزعيم الشيوعي «لينين»، وصوفية العراق باركت الاحتلال الأمريكي للعراق، وصوفية مصر تقيم المظاهرات لأجل تأييد حسني مبارك (٧).
стр. 262
كما أن للصوفية ولعاً بالنساء؛ حتى استحلَّ بعضهم مؤاخاة النساء والخلوة بهنَّ (١). والقوم تحرِّكهم العاطفة والسماع، ويؤثرون التواجد والرقص كالنساء، ويعشقون الأصوات الحسنة والصور الجميلة (٢).
وسأكتفي بمثالين على حُجُب الصوفية:
أولاهما: أن أبا الحسن الباهلي (تلميذ أبي الحسن الأشعري) كان يحتجب عن الرجال، فكان تلاميذه كالباقلاني وابن فورك يحضرون درسه، وقد أرخى الستر كي لا يروه! ولما سألوه عن ذلك، أجاب: إنهم يرون السُّوقة (وهم أهل الغفلة) فيروني بالعين التي يرون أولئك بها (٣).
وهذا أنموذج لفساد الورع والتعبُّد المتنطَِّع، وإلا فقد كان سيد المرسلين ﷺ يعاين الكفرة كفرعون هذه الأمة أبي جهل وغيره من أئمة الكفر، ويغشى أسواق قريش، ويطوف بالكعبة وحولها ستون وثلاثمائة صنم.
وثانيهما: ما ادَّعاه أبو حامد الغزالي في إحيائه حيث قال: «مقصود الرياضة تفريغ القلب، وليس ذلك إلا بالخلوة في مكان مظلم، فإن لم يكن مكان مظلم فيلفُّ رأسه في جبَّة، أو يتدثر بكساء أو إزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق، ويشاهد جلال حضرة الربوبية».
وقد تعقَّب ابن الجوزي هذا الصنيع فقال: «انظر إلى هذه الترتيبات، والعَجَب كيف تصدر من فقيه عالم! ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق، وأن الذي يشاهده جلال الربوبية، وما يؤمِّنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات: الماليخويا (٤)، وقد يسلم الإنسان في مثل هذه الحالة من الوساوس؛ إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء .. نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة» (٥).
وخيالات وأوهام الغزالي - عفا الله عنه - تعكس نكوصه عن نوازل عصره، وتنصُّله عن الالتفات إليها، فإن «الإحياء» ألَّفه زمن الحروب الصليبية الأولى .. ومع ذلك فالغزالي غارق في خلواته، متيَّم بالتدثر. فلم يُقِم لهذه الحروب وزناً ولا أثراً.
ثم إن هذه الأحوال لا تحقق علماً نافعاً، ولا عملاً صالحاً، وإنما هي أوهام وسلوب لا حقيقة لها في الأعيان.
وما أجمل ما حكاه ابن تيمية قائلاً: «غاية كلام الغزالي في السلوك ينتهي إلى التعطيل؛ ولهذا ذاكرني مرة شيخ جليل له معرفة وسلوك وعلم في هذا، فقال: كلام أبي حامد يشوقك فتسير خلفه منزلاً من منزل، فإذا هو ينتهي إلى لا شيء» (٦).
والناظر إلى أحوال الصوفية وسلوكهم، يجد أن كثرة التنقلات هو دأبهم، وأن تفسُّخ العزائم ونقض الهمم غالب عليهم مع كثرة دعاويهم المثالية الجامحة .. فقد تشددوا في العبادة ثم أعقب ذلك التحلل والفجور، وتنطعوا في دقائق الورع ثم انهمكوا في أكل أموال الناس بالباطل كما هو مبسوط في موضعه، وكذا الحجاب والاستتار، فقد آل الأمر بمتأخريهم إلى التجرُّد من الثياب وكشف العورات كما في مجاذيبهم؛ فمنهم من أطربه السماع، فمزق الثياب، وخرج عارياً إلى الصحراء (٧)، ومنهم «شعبان المجذوب كان عرياناً لا يلبس إلا قطعة جلد يغطي قُبُله ودُبُره فقط .. وكانت الخلائق تعدُّ رؤيته عيداً» (٨)!
ومن بوائق زنادقة الصوفية أن «الفاجر» التلمساني يجيز نكاح المحارم، ويقول: الجميع عندنا حلال - يعني نكاح الأم والأجنبية - ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام. فقلنا: حرام عليكم (٩).
стр. 263
وهكذا جعل هذا الزنديق المأفون لزومَ الشرع المنزَّل حجاباً.
إن الحجاب حقيقة هو الإعراض عن محبة الله - تعالى - وقصده وعبادته، وتنكُّب سبيل السُّنة والاتباع.
كما شرحه ابن القيم قائلاً: «إذا دعى الله عبده إلى معرفته ومحبته وشكره، فأبى العبد إلا إعراضاً وكفراً، قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره، وصدَّه عن الإيمان به، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى، وذلك عدلٌ منه فيه، وتكون عقوبته بالختم والطبع والصدِّ عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار، كما قال - تعالى -: ﴿كَلاَّ إنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٦] فحجابه عنهم إضلال لهم وصد عن رؤيتهم وكمال معرفته، كما عاقب قلوبهم في هذه الدار بصدِّها عن الإيمان» إلى أن قال: «وقوله - تعالى -:
﴿وَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٥٤]، والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجاباً يحول بينهم وبين فهمه وتدبُّره والإيمان به «فالحجاب يمنع رؤية الحق» (١).
«فنسأل الله - تعالى - علماً نافعاً فهو الأصل؛ فمتى حصل أوجب معرفة المعبود وحرك إلى خدمته بمقتضى ما شرعه وأحبه، وسلك بصاحبه طريق الإخلاص، وأصل الأصول العلم. وأنفع العلوم النظر في سير الرسول ﷺ وأصحابه، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٨١]» (٢).
стр. 264
للذين يسألون أين المشروع السلفي ؟
محمد بن إبراهيم السعيدي
السبت ٥ جمادى الأولى١٤٣٢هـ
أين المشروع السلفي؟ أين المشروع السلفي؟ أين المشروع السلفي؟
سؤال غريب تكرر عليَّ من كل صوب، حتى أثار فيَّ الدهشة بشكل لم أتصوره من نفسي حيال هذا الموضوع تحديدًا، فقد طرحه عدد من كتَّاب المقالات في بلادنا، وفي البلاد العربية، في سياقٍ من الانتقاص للتوجه السلفي الذي يسمونه من باب الخطأ الشائع تيارًا، فيزعمون أن الأحداث الأخيرة في البلاد العربية كشفت- بما لا يدع مجالًا لشكهم- ما يُعانيه السلفيون من فراغ في جانب المشروع السياسي، وأنهم لذلك تخبَّطوا في هذه الأحداث خبط عشواء، فلم يستقم لهم رأي، ولم تستبن لهم طريقة، وقد أثَّر هذا السؤال وما ورد عليه من إجابات على كثيرٍ من السلفيين، فأمَّنُوا على ما ورد فيه، وفحصوا الأرض بأرجلهم يبحثون فيها عن مشروع لهم لم تلده الأيام بعد.
ما أثار دهشتي هو إصرار هؤلاء على الانتقاص من السلفية؛ لكونها - في نظرهم - لا تملك مشروعًا سياسيًّا، دون أن يُكلِّفوا أنفسهم مراجعة الواقع من حولهم ليقولوا لنا قبل أن يغمزوا في السلفية: أين المشروع الإخواني؟ وأين المشروع التبليغي؟ وأين المشروع التنويري؟ وأين المشروع الليبرالي؟ وأين المشروع الماركسي والاشتراكي وهلم جرًّا؟ أين هذه المشاريع؟
لو تأملوا الواقع بإنصاف لأيقنوا: أنه لا يوجد في هذه الأزمة خاصة أي مشروع لكل تلك الجماعات, أسلاميةً كانت أم غير إسلامية.
فلماذا هذه الهجمة وهذا الانتقاص والاستخفاف على التيار السلفي وله، وبه؟
من يقرأ هذه التساؤلات وما كُتِب وراءها من نقد للسلفية، وتهويل لمظهر الفراغ الذي لحقها جرَّاء الأحداث الأخيرة، يعتقد أن الإخوان قد كوَّنوا دولتهم بشعارها الذي نشأت عليه: الإسلام هو الحل، وأن التنويريين قد اكتسحوا الانتخابات البرلمانية في أكثر الدول العربية، وأن الليبراليين قد نعموا بالحرية التي أرادوها وأسعدوا بها من حولهم، وأن اليساريين قد فرغوا من لمِّ شتاتهم الذي أحدثه سقوط الماركسية السوفيتية.
لم يسألوا أنفسهم: هل هذه الثورات التي حدثت صنعتها هذه التوجهات الفكرية الناعية على السلفيين ما هم فيه من فراغ مزعوم أم صنعها غيرهم؟
الجواب: بل صنعها غيرهم، بدليل أن أحدًا لم يدَّعِ لنفسه حتى اليوم أنه هو من صنعها.
ثم هل نجح أيٌّ من هذه التوجهات أن يحل بديلًا عن أي نظام من الأنظمة التي سقطت أو التي سوف تسقط؟
الجواب: أيضا لا, لم يستطع أيُّ توجه أن يحل محل الأنظمة الساقطة، بل لم يستطع أن يُقدم أحدٌ منهم نفسه بديلًا، ولعلي أخص بالحديث الإخوان المسلمين فإنهم أعرق الحركات المعاصرة في العمل السياسي، كما أن نجاحهم لو تمَّ وفق مشروعهم الأصيل لكان ذلك مكسبًا لكل التوجهات الإسلامية والسلفية منها على وجه الخصوص، وذلك لأن الكثير من رجالاتهم العاملين في المقدمة سلفيون من حيث الانتماء العقدي والفقهي، حتى هم حين قدَّموا أنفسهم للعمل السياسي في تونس ومصر أجَّلُوا مطالبهم العتيقة من أجل ذريعة السياسة، فلم يعودوا يرفعون شعار الإسلام هو الحل، كما كانوا يفعلون حين كانوا حركة محظورة، بل إن المتأمل في مشروعهم المطروح بعد الثورتين التونسية والمصرية يحسب أن هذا التأجيل تخلٍ عن تراث الإخوان الذي استشهد من أجله حسن البنا وحسن الهضيبي وسيد قطب وعبد القادر عودة وغيرهم، والذي ضاعت في سبيله أعمار زكية بين جنبات السجون العسكرية، ذلك التراث الذي يوجزه لنا رسم السيفين المتقاطعين يحملان مصحفًا.
стр. 265
مشروع الحزب السياسي لإخوان اليوم أقرب ما يكون إلى مشروع أي حزب علماني يعلن عن مبادئ الحق والحرية والعدالة والمساواة، لا كبير فرق بينهم وبينهم.
هل هذا هو المشروع الإخواني الذي طالما سمعناهم يرددونه ملخصا في: الله غايتنا، الإسلام طريقنا، الجهاد سبيلنا، والأبيات التي قالها سيد قطب ﵀ رحمة واسعة وتقبله في الشهداء:
أخي أنت حرٌّ وراء السدود ... أخي أنت حرٌّ بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصمًا ... فماذا يُضيرك كيد العبيد
إنَّ ما نقرأ عنه اليوم في تونس ومصر ليس هو المشروع الإخواني، بل هو مشروع حزب يتبنى فكرة العلمانية الجزئية التي نادى بها المسيري يرحمه الله، ولا قد ينحصر اختلافه عن أي حزب ليبرالي في أن القائمين عليه لهم تاريخ مشرف في الحركة الإسلامية في كل من تونس ومصر، أما أن يُقال: إن ما نقرأه اليوم هو مشروع الإخوان المسلمين فكلا.
بالنسبة لي: لا أعيب على الإخوة الذين تبنوا هذا الطرح السياسي ميلهم إلى أخف الضررين، وأهون المفسدتين، ومحاولة الإصلاح بتقديم التنازلات من قبيل الانحناء للريح، ومحاولة الإصلاح قدر المستطاع, لا أعيب عليهم ذلك، فقد يكون ما فعلوه شيئًا من الحكمة، لكن العيب كل العيب هو أن يُصوروا هذه التنازلات وهذا الارتخاء على أنه هو المنهج الإسلامي في الحكم، ويستدل عليه أحدهم من الكتاب والسنة على أنه مطلب القرآن، وأنه الإسلام الذي ناضلوا منذ الأربعينات الميلادية من أجله.
إذاً ليس من المطابقة للواقع القول: إن ما يُقدمه الإخوان الآن في تونس ومصر هو المشروع الإخواني (الإسلام هو الحل)، وكذلك ما يقوم به الإصلاحيون اليمنيون اليوم من المطالبة بإسقاط النظام، ضمن لقاء مشترك يجمعهم مع أعداء المشروع الإسلامي، ليس من المطابقة للواقع أن يقال إنه هو المشروع الإصلاحي، كل ذلك إنما هو نشاط سياسي لا يختلف فيه هؤلاء عن غيرهم من الأعداء التقليديين لأطروحاتهم، بدليل أن الجميع الآن لا فرق بينهم في أدوات النضال ولا مصطلحاته وأولوياته.
أعود لتأكيد أني لا أنعى عليهم عملهم السياسي، بل آمل أن يحقق الله على أيديهم الكثير من الخير، لكنني لا أسلِّم لهم بأن ما يقومون به هو المشروع الإسلامي الذي عرفناهم به قديمًا،
إذًا فالإخوان دخلوا السياسة بعد الثورات، ولكن ليس بمشروعهم، بل بمشروع مستعار.
نعم مشروع مستعار يشبه إلى حد كبير المشروع الذي دخل به النورسيون في تركيا حلبة النزاع السياسي، وفازوا بسدة الرئاسة من خلاله، لكن الأتراك أعلنوا أن هذا ليس هو مشروعهم الحقيقي حين وصفوا حزبهم صراحة بالعلمانية، وأقروا أنهم لا يستطيعون العمل في هذه الظروف ببرنامجهم الذي يعبِّر عنهم.
فعلى التسليم جدلا بأن السلفيين لا يملكون مشروعًا سياسيًّا، لا يحقُّ لأحد أن ينعى عليهم ذلك ما دام الواقع أثبت أن من لديهم مشروعًا سياسيًّا لم يستطيعوا التقدم به إلى الحلبة، وأخذوا بدلًا عنه ثوبًا مستعارًا من خصومهم الذين ينازعونهم في مشروعية وجودهم.
أما لماذا اضطربت مواقف السلفيين، فسؤال ينبئ عن عدم معرفة صحيحة بطبيعة التكوين السلفي, فالسلفيون ليسوا جماعة تخضع لقيادة فكرية أو حركية حتى تتوحد مواقفها تبعًا لهذه القيادة أو تلك، بل هم أصحاب مدرسة دعوية، ومنهج استدلالي يذهبون إليه في العقيدة والفقه والأخلاق, وحين تأتي النوازل يعرضونها على طريقتهم في الاستدلال، وتختلف رؤاهم حولها بشكل طبعي، تبعًا لاختلافهم في فهم النصوص أو تنزيلها على الواقع، وتبعًا لرؤية كل منهم للمصلحة والمفسدة وطرق تقديرها.
стр. 266
لذلك نجد أن من السلفيين من هم أعضاء في جماعات سياسية، كالإخوان والنهضة والإصلاح، ومنهم من لا ينتمي إلى جماعة سياسية، وله انتماءات مذهبية أو فكرية أخرى يرى أن مواقفها لا تتعارض مع ما يوصل إليه المنهج السلفي في الاستدلال.
من يعرف ذلك عن السلفيين لن يستغرب اختلاف مواقفهم في هذه الأحداث، بل ربما يجد الغرابة فيما لو اتحدت مواقفهم، فهذه طبيعة البشر حينما لا تجمعهم قيادة فكرية أو سياسية يدينون لها بالتسليم، لا بد أن يختلفوا، وليس ذلك في المواقف الحاسمة وحسب، بل حتى المواقف التافهة قلَّما تجد بين أصحاب المصلحة الواحدة اتفاقًا بشأنها، ما لم يجتمعوا على صوت واحد يسلِّموا له، ويقفوا عند رأيه.
هناك معضلة أخرى يشترك فيها السلفيون مع غيرهم، وهي أن فرصة الحديث في كل أمر جليل متاحة للجميع, ويجد الكثيرون ممن ليسوا أهلًا للفتوى من أنفسهم الجرأة على الإقدام على إبداء آرائهم في النوازل الخطيرة، وصبغ هذه الآراء بصبغة الفتوى، أي أنها فيما يرون هي حكم الله تعالى في المسألة دون أن يؤدوا ما عليهم من واجب شرعي، وهو استفراغ الوسع في الاجتهاد في هذه النازلة، باستخدام كل ما يعرفه علماء أصول الفقه من أدوات الاجتهاد.
وأقول: إن هذه بلوى عامة لدى السلفيين وغيرهم، لكنَّها قد تبدوا أكثر جلاء عند السلفيين؛ لكونهم لا يخضعون - كما قدمت - لقيادات علمية تجمع شتات آرائهم في مثل هذه المواقف، وتحدد من له أهلية الكلام ممن يجب أن يلتزم الصمت.
أما غير السلفيين فإنهم وإن كانوا يرجعون إلى قيادات تجمع شتات فكرهم، إلا أن سيطرة التوجهات الحزبية على هذه القيادات تحول دون استشرافهم للنصوص الشرعية الاستشراف اللائق بها، ولذلك تأتي اجتهاداتهم في النوازل مطلية بطلاء الهوى المحض الذي يُخفي ما يشاء من النصوص ويبدي ما يشاء منها.
وفيما يتعلق بالمشروع السياسي، أين المشروع السياسي السلفي؟
في ظل هذه الحركات الشعبية بدأ الكثيرون من السلفيين الشباب يشعرون بسحر السياسة وتحركاتها، ولم يجدوا عند علمائهم سوى أحاديث الطاعة لولي الأمر، والتي يختلفون أيضًا في طُرق تنزيلها على الواقع، فأحسوا بصدق القول بأن السلفية تفتقر إلى مشروع سياسي يتناسب مع مطالب العصر.
وللجواب لابد أن نعلم أن مصطلح المشروع مصطلح لا يزال غير محرر عند أكثر من يتحدثون عنه، لاسيما كتَّاب الصحافة والإعلاميين، الذين هم أكثر الناس جدلًا بشأنه، وعندي أن المراد به في العرف الفكري المعاصر: مجموعة المبادئ والوسائل والغايات التي تتبناها جماعة ما؛ لتحقيق رؤيتها للنهضة والإصلاح في مجتمعها، وحين نتأمل الفكر السلفي ممثلًا في الإنتاج الغزير لأبرز رموزه، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية، نجد أنه يرشد إلى مشروع متكامل للنهضة والإصلاح في الأمة، لكن الإصلاح السياسي في هذا المشروع يأخذ مكان الثمرة التي تنتج بعد الاشتغال بالإصلاح الديني للأمة بكل مكوناتها، والقادة والقائمون على الشأن السياسي جزءٌ غير منفصل عنها.
стр. 267
فليست السياسة هي مشروع السلفيين للنهضة والإصلاح بل هي جزء من هذا المشروع، ولهذا نجد أن التغيير السياسي ليس أوليًّا في برنامجهم إلا في جانب النصيحة لأئمة المسلمين، كما في حديث: (الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وهو الحديث الذي يؤكد على الفكرة التي يتبناها السلفيون من عدم الفصل في مشروعهم بين الحكام والمحكومين، وتتضمن النصيحة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الثابت لعموم الأمة كأحد مظاهر خيريتها الثابتة في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. [آل عمران:١١٠]
أما التخطيط والترتيب من أجل الوصول إلى سدة الحكم، فهذا في حال عدم ثبوت الكفر البواح من الحاكم، شأن فردي لا يتدخل المشروع السلفي فيه كثيرًا, بل يغلب عليه أنه كسائر تصرفات العباد تنتابه الأحكام التكليفية الخمسة، فقد يكون واجبًا، وقد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا,، فللسلفيين حكم فقهي مستفاد من نصوص الشرع، أو من الأدلة الأخرى المستفادة حجيتها من النص الشرعي على كل من يصنع ترتيبًا كهذا، أو يُشارك فيه، سواء أكان فردًا أم جماعة؛ لأن السلفيين هم- كما قدمت- أصحاب منهج استدلالي في الاعتقاد والفقه، ولهذا فهم يحكمون على التصرفات البشرية بما يرونه مناسبًا لها من الأحكام التكليفية.
وقد يخرج من السلفيين من يأخذ طريقه في العمل السياسي، فعمله إذ ذاك لا يكون حجة على المنهج السلفي، أو عورة عليه، كما يقول بعض من يريد الإساءة للسلفية، بل إن سلفية هذا الناشط لا تعصمه من أن يحكم إخوانه من علماء المدرسة السلفية على تصرفاته بأحد الأحكام التي يرون أنها تُلائم ما قام به من عمل، حسب ما لديهم من طرق في استنباط الأحكام.
وللسلفيين بمجموعهم نظرة دقيقة جدًّا، وفريدة لا نظير لها، فيما يحكمون عليه بالوجوب أو الندب من المشاريع السياسية، وبالتالي تجد أن هذه المشاريع قليلة الوجود في التاريخ الحديث، بل ربما نادرة، أو قل: إن الذاكرة الحديثة المدونة لن تسعفنا إلا بأمثلة قليلة منها: مثال الدولة السعودية بأطوارها الثلاثة، وأمثلة جميع الثورات الإسلامية المسلحة، والحركات غير المسلحة ضد الاستعمار الصليبي والماركسي قديمه وحديثه.
أما الحكم بالإباحة فالغالب على السلفيين عدم الاعتراض على النشاط السياسي الذي يقوم به إخوانهم من أبناء الحركات الإسلامية ضمن حدود النظام داخل الأنظمة التي تدَّعي الديمقراطية، وتسمح لمواطنيها بالتعددية السياسية، أقول الغالب؛ لأن من السلفيين من لا يرون المشاركة ضمن أنظمة لا تحتكم لشرع الله تعالى على اعتبار أن ذلك تعبير عن الرضى بحكم الطاغوت.
أما الكراهة والتحريم فيحكم السلفيون بهما على كل تحرك سياسي ضمن نظام لا يسمح بالمشاركة السياسية، ويكون بقاؤه رغم ما فيه من استبداد محققًا لقدرٍ من مقاصد الشريعة سوف يكون تحقيقها في خطر حين حدوث الصدام بين هذا النظام، وبين الحركات السياسية الإسلامية, وهي خلاصة الحكمة التي يرونها في الأحاديث الموجبة لطاعة الولاة، وتحريم الخروج عليهم، والتي يلتزمونها بشدة؛ لكونها قاطعة في دلالتها، قطعية في ثبوتها.
стр. 268
قلت قبل قليل: إن المشروع السياسي لا يتدخل كثيرًا فيما إذا لم يكن من الحاكم كفر بواح، وأقول هنا: إنه إذا وُجِد الكفر البواح, أو حين يكون النظام من الظلم بحيث لا يمكن حالًا أو مآلًا أن تتحقق على يديه مقاصد الشريعة، فإنهم لا يحرمون العمل ضده, ولكنهم يتحرزون أشد التحرز في أخذ عُدَد التمكن والاستطاعة؛ لأن العمل دون تمكن ودون استطاعة خطير الأثر من حيث المآلات القريبة والبعيدة, كما أن نظامًا من هذا النوع يعسر تحت رايته, بل ربما يستحيل تطبيق المادة الأولى والأهم من المشروع السلفي، وهي تديين المجتمع وتعبيده لله , فإذا استحال في ظل نظام ما التحرك السلفي لإعادة المجتمع إلى مفاهيم الإسلام وقيمه، استحال بالتالي ما يترتب على هذه العودة وهو الإصلاح السياسي، وهنا يكون التغيير السياسي بشتى طُرقه متاحًا ومباحًا، ما لم يغلب على الظن إفضاء محاولات التغيير إلى شر هو أعظم مما يمكن من الخير.
أين الثورات الشعبية الحالية من هذا كله:
لا السلفيون ولا غيرهم كانوا وراء قيام هذه الثورات الشعبية، وقد كانت كما يقول الكثيرون مفاجِئَةً للجميع حتى من أيدوها فور حدوثها، ومن شاركوا فيها, وكان السلفيون حين قامت هذه الثورات مشغولين حقًّا بمشروعهم الدعوي العلمي بشكل يبعث إعجاب محبيهم، وسخط شانئيهم، فلهم قنوات فضائية عديدة تستقطب جمهورًا عريضًا في الوطن العربي كله، رغم محدودية مواردها، وبساطة قدراتها الإعلامية, ويُشرفون على مواقع إلكترونية ذات تخصصات مختلفة تغطي أكثر احتياجات المستهلكين لخدمات الإنترنت، من موسوعات علمية إلكترونية، ومنتديات تخصصية، ومنتديات أخرى حرة وغرف بالتوك متخصصة في العقائد، وأخرى في الاستشارات, وصحف تعد من أكثر مواقع الإنترنت زيارة وتأثيراً, كما يقومون على الكثير من المساجد التي استطاعوا أن يُعيدوا لها رسالتها الدينية والاجتماعية, ناهيك عن الجهود التطوعية التي وصلوا بها إلى قلوب الأرامل والأيتام والمعوزين في جميع الأقطار, والعجيب في جهودهم أنها سريعة التأثير عظيمة البركة، فلا يُحصى عدد من تحصن بسببهم من بدعة الرفض, أو أنقذه الله تعالى بعلمهم من شرك القبورية, أو أعاذه الله بإخلاصهم من شرك العلمنة، أو فخ التحرر والليبرالية, كما لا يُحصى عدد ما أبطلوه من الخرافات المتوارثة، والخزعبلات الرائجة, هذا إضافة إلى من أدخله الله بفضل جهدهم في دين الإسلام، وأخرجه من ظلمات الكفر والفسوق والعصيان.
حقًّا لقد كان السلفيون يسيرون بالمجتمعات العربية بهدوء وتؤدة إلى طريق النجاح والنجاة، مكتسحين كل ما يقابلهم من عقبات بحكمة المؤمنين المخلصين لربهم فيما يقولون ويفعلون.
شهد بنجاح السلفيين في مصر بعض المعتاشين على رواج الخرافات، وشيوع الشركيات من نصابي الموالد، وسدنة المقابر، وسماسرة إيران حين عقدوا مؤتمرًا شارك فيه بعض الأزهريين لمناقشة الخطر السلفي على المسلمين والعالم، وانتهى المؤتمرون إلى أن السلفيين أخطر على الإسلام من الصهاينة، وأنه إن لم يقف مدهم فسوف يُعاني العالم من وجودهم أمر العذاب.
كان هذا المؤتمر أنموذجًا لضريبة النجاح التي يدفعها السلفيون, وشهادةُ تفوق يرفعها من يشعر على وجوده بالخطر، حين يدهمه صاحب الحق ويدمغه.
قامت هذه الثورات، وهذا الحال من النجاح هو ما يَعيشه السلفيون فماذا فعلوا؟
لم يختلف منهج السلفيين وطريقتهم, فقد نظروا إلى هذه الثورات نظرة فقهية، كما هي قاعدتهم التي قدَّمت بيانها، وحقًّا قد اختلفوا في حُكمها الشرعي نظرًا لاختلافهم في تنزيل الدليل، واختلافهم أيضًا في تقدير المآلات، ومنهم من شارك فيها، ومنهم من توقَّف، ومنهم من أبى.
стр. 269
لكن الجميع: من شارك ومن توقف ومن أبى، لم يستعيروا ثوبًا ليس من ثيابهم، كما فعل غيرهم, بل جُلُّهم محافظ على مبادئه مستمسك بسلفيته، سائر في مشروعه الذي قامت الثورة وهو عليه.
نعم إن منهم من رفض الثورة وندم آخراً على رفضها فما المشكلة؟
رجل أو رجال حكموا بخطأ أمر ثم بدا لهم صوابه ما الضير في ذلك, ولماذا نتجاوز بمثل هذا الموقف حدوده، ونجعله دليلًا على تذبذب السلفيين، وعدم قراراهم، أو نجعله شاهدًا على فراغهم، وعدم قدرتهم على تقدير الأمور وجهلهم بالسياسة.
هم في كل الأحوال خير من رجل نعرفه، حكَم بصواب أمر، ثم لمَّا بدا خطؤه أطرق إطراق من لا يعنيه الأمر.
أنتهي هنا إلى جواب سؤال المقال: أين المشروع السلفي؟
فأقول: المشروع السلفي في إصلاح جميع تركيبات الأمة قائم لم ينقطع، وحين لا يراه بعضهم فليس ذلك لعدم وجوده، بل لجهلهم به, فالتصديق- كما يقول الفلاسفة- ناتج التصور.
وحين قامت الثورات وقف السلفيون منها موقف العلماء مع النوازل، أول ما يبحثون فيها عن حكم الله. واختلاف رأيهم ناتج اختلاف معطيات اجتهادهم.
توصيات في آخر الحديث:
١ - النظر إلى الذات بعين البصيرة خيرٌ من جلدها، ومما يؤسفني أن كثيرًا من السلفيين بدؤوا بالثانية وتركوا الأولى، مع أنهم لو نظروا إلى أنفسهم نظرة فاحصة لخفت وطأتهم على أنفسهم وأهليهم.
٢ - الحملة الجائرة ضد السلفية ولاسيما في مصر بعد انتهاء الثورة وحتى الآن جزء من محاولات القضاء على النفسية السلفية المعتدة بمنهجها, تلك النفس التي كانت وما تزال من أعظم المؤثرات على انتشار دعوتهم؛ لأن النفوس مجبولة على حب الأقوياء والثقة بما عندهم.
٣ - المشاركة من السلفيين في العمل السياسي ينبغي أن لا تكون ردة فعلٍ تجعلهم ينصرفون إلى السياسة بكليتهم؛ لأنهم إن فعلوا ذلك سيفقدون مشروعه حقًّا.
٤ - ما زال الوقت مبكراً حتى نسمي ما قدمته هذه الثورات نجاحاً، ونحن ننظر مع إشراقة كل يوم إلى غمام جديد يتساقط عن وجه الشمس.
стр. 270
الثبات يا شعب ليبيا
راغب السرجاني
هل نحن في حلم؟!
إن ما نراه في عالمنا العربي في هذه الأيام هو أغرب من الخيال في تصورات الكثيرين .. ولو رجعنا بأذهاننا شهرين أو أكثر قليلاً، وقبل بداية ثورة تونس من المستحيل في عُرْف المعظم أن تحدث مثل هذه الثورات المجيدة في تونس ومصر وليبيا، وأن تصاحبها ثورات أخرى في عدة بلدان عربية في آنٍ واحد.
إنني - والله - أرى رحمات ورحمات تنزل من الله الكريم على الأمة العربية في هذه الأيام .. نعم هناك آلام ومعاناة، لكن منذ متى والشعوب تتحرر دون ألم ومعاناة .. إنها سُنَّة ماضية لا خُلْفَ فيها ..
نجحت تونس ..
ونجحت مصر ..
وقريبًا ستنجح ليبيا إن شاء الله ..
في قلبي يقين بذلك .. أكاد أرى نصرها .. وأكاد أرى ذلّ القذافي وبطانته ..
أيها الشعب الليبي الحبيب ..
الثبات الثبات؛ إنما النصر صبر ساعة ..
لست وحدك يا شعب ليبيا الأصيل ..
بل كلنا نعاني معك, ويعتصر قلوبنا الألم لألمك، والحزن لحزنك، وننتظر نصرك مثلك تمامًا أو أشد .. فأنتم منا ونحن منكم، وطريقنا وطريقك واحد، وأيدينا مرفوعة إلى الله دومًا أن يُنزِل عليك السكينة، وأن يُهلِك عدوَّك وعدو المسلمين.
لقد عشنا - يا شعب ليبيا العظيم - في مصر ظروفًا مشابهة لظروفكم، ومنَّ الله علينا بأكثر مما كنا نحلم به، وما زالت أفضاله ورحماته تتنزَّل علينا، وقد أردت في هذا المقال أن أتبادل معكم بعض النصائح من واقع خبرتنا في ميدان التحرير وغيره من ميادين مصر، ومن واقع تجربتنا المشابهة لتجربتكم، وأسأل الله أن يعطيكم أفضل مما أعطانا، فهو الكريم سبحانه لا تنفد خزائنه ..
أولاً: اعلم أيها الشعب العظيم أن النصر من عند الله، وأن كل شيء بيده سبحانه، وأن طواغيت الأرض جميعًا لا يعجزون الله، ولكنه يؤخر النصر لحكمة، وإلاّ فإنه يقول للشيء كن فيكون، ونحن لا نحيط بحكمته، ولا نحصي فوائد فعله وتقديره، ولكنه - سبحانه - يُطلِعنا على طرف من حكمته في تأخير النصر؛ حتى تصح عبادتنا وتستقيم له سبحانه .. فمن حكمة تأخير النصر الاختبار للمؤمنين، فلو كان طريق النصر ناعمًا لسار فيه الخلق أجمعون، لكنه شاء - سبحانه - أن يجعله صعبًا عسيرًا طويلاً حتى يتخلف عنه المتخاذلون، فلا يبقى فيه إلا العباد الخالصون المخلصون، وعليهم سينزل نصر الله بإذنه تعالى.
ومن حكمة تأخير النصر انتقال فريق من الظالمين إلى معسكر المؤمنين، فيكونون بذلك عونًا لهم بإذن الله، ويستنقذهم الله من عقاب الظالمين، وهذا نراه كل يوم في ليبيا، حيث تتوافد مواكب الخير، ويترك الكثير من جند الظالمين مواقعهم الأولى إلى مواقع أخرى جديدة ما عهدوها قبل ذلك، وهذه رحمة بهم وبالمؤمنين. ومن حكمة تأخير النصر أن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولعل المُطالِع لنهاية الرئيس حسني مبارك يفهم هذه الحقيقة جيدًا، وقريبا إن شاء الله سترون نهاية فاجعة للقذافي، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون.
إنها حِكَم كثيرة من وراء تأخير النصر، لكنه في النهاية يأتي بإذن الله، ولتعلموا أن النصر لا يأتي إلا بعد أشد لحظات المجاهدة، بل يأتي عندما يصل الناس إلى حالة من الألم والفزع، يظنون فيها أن النصر لن يأتي، فعندها ينزل برحمة الله .. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].
стр. 271
أيها الشعب الليبي العظيم، إن قناعتكم بأن النصر من عند الله هي التي ستكون سببًا في سرعة نصركم بإذن الله، ولو اعتقدتم في أعدادكم أو عُدَّتكم، أو الغرب أو الشرق، فإن النصر سيبتعد، وقد يذهب بالكلية؛ فكونوا على حذرٍ، وراقبوا قلوبكم، وأخلصوا لله، وارفعوا أيديكم له، واعتمدوا عليه، واطلبوا منه؛ فهو كاشف النصر ومزيل الهم، وهو على كل شيء قدير.
ثانيًا: أيها الشعب العظيم، وحِّد صفك، واجمع شملك، وكونوا جميعًا يدًا واحدة على الظلم .. لقد حرص الظالمون الذين حكمونا على تقسيمنا شيعًا وقبائل وفِرقًا وجماعات، ودسُّوا بيننا الضغائن، ووضعوا بعضنا عينًا على بعض، وكان هذا سبيلهم في قيادتنا ووسيلتهم في السيطرة علينا .. فإذا أردنا سبيل النجاة، فإن هذا لا يكون إلا بالوحدة، والاعتصام بحبل الله المتين .. يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فعلى قادة العشائر الليبية، وكذلك على المفكرين والعلماء والدعاة ورءوس القوم، أن يجتمعوا ليل نهار لتنظيم الصفوف الليبية في كيان واحد مواجه لهذا الطاغوت القذافي، ولننبذ أي خلاف، ولنترك كل القضايا الفرعية مهما اختلفت توجهاتنا ومدارسنا ومناهج تفكيرنا، ولنجعل لنا جميعًا هدفًا واحدًا جليًّا واضحًا، وهو إسقاط النظام الفاسد برمته، وبعدها يمكن أن نجلس مرة ثانية لنتفاهم على مستقبل ليبيا وطرق صياغته، أما الآن فلا نشتِّت أنفسنا، ولا نفرِّق جمعنا، بل نقف جميعًا في خندق واحد، وعندها سينزل نصر ربنا إن شاء الله.
ثالثًا: الظالمون ضعفاء للغاية!
هذه - والله - حقيقة غابت عنا السنوات الطوال ..
لقد غادر زين العابدين بن علي تونس في وقت كان العالم كله يظن فيه القوة، ويراه جبارًا من كبار الجبارين في الدنيا.
وتنحى حسني مبارك بعد ثمانية عشر يومًا فقط من الثورة المصرية السلمية، ولم تنفعه الأوتاد التي دقّها في أعماق أرض مصر على مدار ثلاثين سنة!
إن الظالمين في غاية الضعف! وما المتاريس التي يضعونها حولهم، وعشرات -بل مئات- الآلاف من الجنود التي يحيطون أنفسهم بهم إلا علامة على شدة جبنهم وضعفهم.
والسؤال الذي سيقفز إلى الذهن مباشرة: كيف يحكم هؤلاء الضعفاء شعوبًا كبرى لعشرات السنين؟!
والجواب أن الشعوب لا تدري مصدر قوتها، ومن ثَمَّ استطاع هذا الطاغوت الضعيف أن يتسلط على شعبٍ لا يعرف مفاتيح قوته ..
وما هي مفاتيح القوة للشعب؟
إنها في النقطتين اللتين ذكرناهما في البداية ..
قوَّة ارتباط بالله, وقوَّة وحدة في الصف ..
لو ارتبط الشعب بصدق بالله، ولو وحَّد صفه وصار يدًا واحدة في مواجهة الظالمين، فعندها ستُزلزل عروش المتكبرين وسيكتشف الأسد -الذي رُبِّي على أنه حمل وديع- أنه من أقوى الأسود، وسيفر الظالم فرار الجرذان، وإن غدًا لناظره لقريب!
رابعًا: أحيانًا يشعر الثوار أن قُواهم قد بدأت تخور، وأن عزيمتهم على وشك الانهيار .. تذكروا عندها أن عدوَّكم يعاني من مثل معاناتكم؛ فالله يقول: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
فلو صبرتم قليلاً لانهار عدوكم قبل انهياركم، خاصةً أنكم تجاهدون من أجل حق، وهو يقاتل من أجل باطل؛ فأنتم تطلبون رضا الله بوقوفكم في وجه السلطان الجائر، وهو يطلب سخط الله بظلمه الذي زاد على أربعين سنة؛ ولذلك قال الله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. فهم لا يطمحون في جنة، ولا يبحثون عن غفران، إنما هم قوم فاسقون، عاشوا للظلم والفساد، ويريدون أن يموتوا على نفس الحال، فتعسًا لهم .. !!
стр. 272
خامسًا: انشروا روح الأمل والتفاؤل بين الناس, وعيشوا في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تطمئن قلوبكم، وتبشركم بمستقبل واعد لهذه الأمة, وإياكم والإحباط؛ فإن المحبَطين لا يُغيِّرون، واليائسين لا ينتصرون.
وعليكم بنشر أخبار انتصاراتكم ولو كانت جزئية يسيرة, وتناقلوا أخبار معاناة عدوكم, وكذلك أخبار تحلُّل قوتهم وانفصال الأفراد والهيئات عنهم. كما أن عليكم أن تتابعوا لهفة المسلمين عليكم, وتأييدهم لكم, وقَلَّ الآن أن تسمع خطبة جمعة أو درس إلا ويكون في ختامه دعاء لكم, كما أن صورتكم في عيون الغرب صارت عظيمة, ولقد كنتُ في إيطاليا منذ عدة أيام, ورأيت انبهار الشعب الإيطالي بشجاعتكم, ومع أن برلسكوني صديق للقذافي, إلا إن هذا لم يمنع وسائل الإعلام من إبداء استنكارها الشديد لجرائم القذافي البشعة, وهذا كله يصبُّ في النهاية في مصلحتكم, فأبشروا.
سادسًا: استلهموا تاريخ أجدادكم الأشاوس, لقد حارب أجدادكم الكرام عدوكم الإيطالي السنوات والسنوات, وقدموا الشهداء والتضحيات، وأذاقوا الجيش الأوربي آلامًا عميقة، ويكفي أن تراجعوا قصة جدكم الشهيد عمر المختار ﵀؛ لتروا كيف تحقَّق لكم النصر في النهاية بعد رحلة طويلة من الجهاد والكفاح.
لقد رأيتم في تاريخكم أن النصر يأتي مع الصبر, فاقرءوا تاريخكم جيدًا، بل واقرءوا تاريخ كل حركات التحرر في الدنيا, فهذا - لا شكَّ - سينفعكم أشد النفع. وأنصح أيضًا بقراءة متأنية لثورة تونس ثم ثورة مصر؛ فالظروف تتشابه في أمور كثيرة, وجميل جدًّا أن تبدءوا من حيث انتهى الآخرون, وأن تستفيدوا من إيجابياتهم, وتتجنبوا سلبياتهم .. وعمومًا فقراءة التاريخ تضيف إلى أعمارنا أعمارًا، وتضع لنا في طريق المستقبل أنوارًا.
سابعًا: اعلموا أن من يقوم بنصف ثورة فهو يحفر قبره بنفسه!
فلا بُدَّ لكم - وليس لكم اختيار- من إكمال المسيرة، ولا بد أن تضعوا هدفًا واحدًا واضحًا أمامكم, ولا تكثروا من الأهداف فتتشتتوا, وهذا الهدف الواحد هو إقصاء القذافي عن الحكم, ولا تفكروا في شيء آخر الآن, ولا تكثروا من الرموز التي تريدون إسقاطها, ولا الأحلام التي تريدون تحقيقها؛ حتى لا يأخذكم عدوكم في مسالك متشعبة, أو طرق جانبية. ولعل هذا الدرس كان من أروع الدروس في الثورة المصرية حيث كان هدف إقصاء الرئيس حسني مبارك هدفًا واحدًا واضحًا للثورة, وتهاوت إلى جواره الأهداف الأخرى من الإصلاحات الكبيرة والصغيرة؛ ولذلك لم يستطع النظام أن يضحك على الشعب أو يخدعه، فلم تسكن حركة الثوار أو تهدأ عندما بدأ الرئيس في نزع بعض رموز السلطة من أماكنها، أو القيام ببعض التعديلات والتطويرات, وإنما كانت الرسالة واضحة, وهي أن لنا مطلبًا واحدًا, وبعده يمكن أن نتكلم في بقية الأمور.
واعلموا أيها الشعب العظيم أن بقاء القذافي في كرسيه سيعني مجزرة أكبر من التي حدثت عشرات المرات؛ فلا تتركوه في مكانه أبدًا.
ثامنًا: احترسوا من الغرب الأوربي والأمريكي ..
стр. 273
إن زعماء هذه الدول الاستعمارية ما يبحثون إلا عن مصلحتهم, ولا يعنيهم في شيء المعاناة التي تعيشونها وقد كانوا هم أشد العون لكل الزعماء الدكتاتوريين في العالم العربي, وما صرحوا بأنهم معكم إلا عندما وجدوا أن ورقة القذافي أو غيره من الزعماء فد صارت محروقة وتالفة, ولو بدا لهم أن القذافي متمكن من الأمور لما قرروا حربه. ويكفي أن تراجعوا تصريحات أوباما المضحكة أثناء الثورة المصرية, فهو مع اختيار الشعب اليوم, ثم مع الرئيس مبارك غدًا, ثم مع الشعب بعد غد, ومرة أخرى مع الرئيس مبارك! هكذا حسب الظروف! والمضحك أن الزعماء الأوربيين كانوا يترنحون خلفه يمينًا ويسارًا, وما جهروا جميعًا بعظمة الثورة المصرية إلا بعد أن سقط النظام ونجحت الثورة!!
ولو كان عمر سليمان هو الذي سيطر وحكم لوضعوا أيديهم في يده, فلا تكترثوا بتعليقاتهم، إنما اعتمدوا على ربكم ثم على قوتكم ووحدتكم.
كما لا ترعبوا أنفسكم باحتمالية دخول الغرب إلى بلادكم,؛ فالغرب يعاني من فشل في العراق وأفغانستان وفلسطين، ولا أعتقد أنه يمكن أن يدخل عسكريًّا عندكم, خاصة أن الأحداث ساخنة حولكم, من الشرق في مصر, ومن الغرب في تونس, فلا داعي لبث القلق والفزع في صفوف الشعب دون داعٍ مهم.
وإياكم إياكم أن تفتحوا أنتم لهم الباب, فلا تقبلوا عونًا عسكريًّا من أوربا أو أمريكا، مهما كان الأمر, وضعوا نصب أعينكم الحكمة العربية القديمة: "ما حكَّ جلدَكَ مثلُ ظُفرِك, فتولَّ أنت جميع أمرك".
تاسعًا: دائمًا عيشوا وفي أذهانكم صورة مستقبلكم السعيد إن شاء الله، لو تخلصتم من هذا الطاغية .. إننا الآن في مصر نحقق -بفضل الله- نجاحًا كل يوم، ونكتشف فسادًا في كل لحظة, ولا نستوعب حجم الخير الذي فتحه الله لنا، فعيشوا على هذا الأمل ..
إن أموالكم منهوبة، وأفواهكم مكممة, وبلادكم ضعيفة, وحرياتكم مقيدة, وشبابكم عاطل, وكل هذا بسبب نظام فاسد ظالم لا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ..
إن مجرد التفكير في المستقبل السعيد عندما تُرفع غُمَّة القذافي ونظامه عنكم، ستعطيكم شحنة هائلة من القوة والثبات. ويكفي أن تطالعوا أخبار مصر يوميًّا؛ لتروا الخير العميم الذي بدأنا نعيشه من أول لحظات خروج طاغيتنا, فاللهم عجِّل فرجكم.
عاشرًا: اعلموا - أيها الشعب الليبي الأصيل - أن نجاحكم لن يعود عليكم أنتم وحدكم بالخير, بل سترون الدول هنا وهناك تحذو حذوكم, وتقلد تجربتكم، ولا تستبعدوا وحدة رائعة بين كثير من دول العالم العربي والإسلامي، وهذا كله سيكون نتيجة عملكم وجهادكم وثباتكم، فكونوا أنتم السابقين، وضعوا أمام أعينكم قول الله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]
فاللهم اجعل هذه الثورة في ميزان حسناتكم, واجعل كل الثورات التي تحدث بسببها في ميزانكم كذلك.
كانت هذه هي النصيحة العاشرة ..
فتلك عشرة كاملة!
أسأل الله أن ينزل عليكم ثباتًا من عنده, وأن يستعملكم لنصرة دينه, وإحقاق الحق, وإزهاق الباطل, وأن يخلص نياتكم, ويصلح أعمالكم, ويحسن خواتيمكم, ويهلك عدوكم, ويشفي صدوركم وصدور المؤمنين ..
إنه ولي ذلك والقادر عليه ..
وأسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.
стр. 274
حديث عن المستقبل
محمد العبدة
الخميس ٣ جمادى الأولى١٤٣٢هـ
تتسارع الأحداث العالمية في كل يوم، فلا أحد كان يتوقع ما يجري من أحداث في تونس ومصر وقبل هذا لم يتوقع أحد سقوط الإتحاد السوفييتي بهذه السرعة، ولم تطل مدة زهو الغرب بانتصار الليبرالية والرأسمالية، فما لبث صاحب كتاب (نهاية التاريخ) أن تراجع عن هذه الفكرة، ونهاية التاريخ عنده هو استقرار الليبرالية الغربية وأنه لا مرد لها، وسرعان ما أدى اقتصاد (السوق) إلى نتائج غير متوقعة، وبدأت الكوارث الاقتصادية في أوروبا قبل غيرها (اليونان، إيرلندا والبرتغال ... ) وبعد ثورة المعلومات والاتصالات هل يمكننا التحدث عن المستقبل؟
إن أصحاب الدراسات المستقبلية يتكلمون بحذر عندما يطرقون هذا الموضوع، وكانوا في السابق أصحاب جرأة ويتحدثون عن المستقبل البعيد، يقول الخبير العالمي (جون نايسبت): "لا أعتقد أن أي شخص يمكن أن يعرف بالتفصيل ما سوف يحدث بعد خمس سنوات من الآن، إن ذلك يعتمد إلى حد كبير على ما سوف يحدث اليوم، ثم في السنة التي تليها، ثم التي تليها، ويتشكل كل ذلك بملايين المتغيرات"
ورغم هذا الحذر في الحديث عن المستقبل، ورغم واقع المسلمين الضعيف إلا أنه لا بد من التطرق إلى هذا الموضوع، فهناك فرص كثيرة للذين يفكرون أن في استطاعتهم إحداث تغييرات لمصلحة الأمة ثم إن هذا الحديث مما يساعد على بناء الحاضر، وهو من باب الإعداد والتخطيط، وليس من باب الرجم بالغيب، فالمستقبل يعني عدم الإذعان للواقع المرير، وعدم الإذعان للشعور المحبط المأساوي، والمسلم لا يفقد نظرته المتفائلة رغم كثرة الشر، وعندما يذكر القرآن الكريم تداول الأيام بين الناس فإنما يبذر في النفس إحساساً عميقاً من اليقظة التاريخية المستقبلية، والكتاب الكريم عندما يقص علينا قصص الأنبياء، فهو لأخذ العبرة وللإعلام بما ستراه هذه الأمة بعد عصر الرسالة، وفي مستقبل الأيام، والأمة الإسلامية أمة غير منقطعة لأنها موصولة بماض عريق من دعوة الأنبياء.
بعد نزول الوحي على محمد ﷺ ذهب مع السيدة خديجة ﵂، ليقص على ورقة بن نوفل ما جرى له في غار حراء، قال ورقة بعد أن سمع من محمد ﷺ "هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك" فقال له الرسول ﷺ : "أومخرجي هم؟ " قال: "نعم"، ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي. كيف توقع ورقة أن قريش ستخرج محمدا ﷺ من مكة، لأنه بنى على التجربة السابقة للأنبياء وتحدث عن المستقبل بوثوق وتمكن.
وفي غزوة الأحزاب بشر رسول الله ﷺ المسلمين بفتح بلاد كسرى وقيصر، مع أن المسلمين في تلك المعركة كانوا في حالة خوف وزلزلة، ولكنه تداول الأيام وانتصار الحق على الباطل، وكأن المبشرات لا تأتي إلا عند اشتداد الأزمات.
ومن التخطيط للمستقبل من خلال معرفة الواقع ما رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال النبي ﷺ "أكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس"، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل.
والغاية من هذا الإحصاء هو أن النبي ﷺ يريد معرفة الطاقات والإمكانات الموجودة ليطمئن على ذلك فالتخطيط السليم يبنى على المعلومات الدقيقة.
стр. 275
وعندما كتب ابن خلدون عن علم العمران، ذكر أن من فوائده معرفة الواقع (والمنتظر) وكأن الذي يتقن هذا العلم يمكن له أن يستشرف المستقبل ويتوقع ما تأتي به الأيام، ولعل أهم علامة مميزة لمفكر هي رؤيته المستقبلية لأنه يرى ما لا تستطيع العقول الصغيرة أن تتصوره، وقد يكون ما نتوقعه يحدث ببطء، وقد يكون هناك مفاجآت لأن المتغيرات كثيرة، ولكن كما يقول الجاحظ: "إنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور واستشفافهم ما تجيء به العواقب، وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم، أما معرفة الأمور عند تكشفها، فذاك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول والعالمون والجاهلون"
لا شك أن الحديث عن المستقبل يشكل تحدياً كبيراً، ولكن محاولة تصوره أفضل من داء الارتجال الذي نعاني منه، فلا إعداد للأمر عدته، ولا أخذ الأهبة والاحتياط للأمر قبل أوانه، ولكنه الارتجال على ضوء الحاضر، وأبسط مثال عل ذلك هو تخطيط المدن في بلادنا فبعد أن تتوسع المدينة توسعاً كبيراً، يتذكر القائمون على إدارتها أنه لا بد من حفر الشوارع وتخريبها لتمديد الكهرباء والماء ... ولا نتكلم عن هدر الطاقات في ميادين التربية والثقافة والاقتصاد، وهدر الطاقات في ميادين العلم والدخول إلى الحضارة التي أساسها عندنا هو الدين.
هل كنا بحاجة إلى ذكاء شديد لنتوقع ماذا سيحدث بعد سقوط بغداد؟ وهل من الصعوبة توقع ماذا يريد الغرب عندما يلح على انفصال جنوب السودان؟ ليس بالأمر العسير معرفة هذا، ولكنه عدم التبصر في العواقب.
قد تكون صورة الأوضاع في الواقع الحالي قاتمة ولكن لا ينبغي أن يتسرب اليأس إلى نفس المسلم، فاليأس شر سلاح يفتك بالإنسان، ولا ينبغي أن يتوقع المسلم كل يوم شراً، فمستقبل الشعوب لا يُرسم وكأن العالم لن يتغير، فالتقدم والتأخر منوط أيضاً بمشيئة الإنسان التي هي ضمن مشيئة الله ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧] فالعمل اليسير قد يقوم به عدد قليل من البشر، ولكنهم يصنعون مستقبلاً، فالتجار الحضارمة والعمانيين الذين وصلوا إلى جزائر إندونيسيا كان من آثار رحلتهم أن أسلم أهل تلك البلاد والسفن التي كانت تتاجر بالعبيد في إفريقيا وأمريكا، كان من نتائجها أن يوجد اليوم في أمريكا مليونا مسلم من الأمريكيين السود ولهم تأثير في مجرى الأحداث هناك.
إن فريضة الحج فرصة نادرة للالتقاء بين المسلمين ولها من الجذب والتأثير ما يفوق أي عمل بشري، وهذا من أسرار هذه الفريضة العظيمة "فقوافل الحجاج في الماضي والحاضر تشق أرجاء العالم الإسلامي في مسيرة لا تتوقف ولا تبالي بالعقبات، فقد كان حجاج بيت الله من الأندلس والسودان والصين والملايو وكأن قوافل الحج كانت أسلحة محاريث تشق الأرض الإسلامية وتقلب تربتها، وتأذن لشمس العقيدة أن تتخللها في عمق، وتبعث فيها الحياة"
يملك المسلمون أشياء كثيرة، ولكنها بحاجة لمن يستفيد منها ويستغلها، فالموقع الجغرافي في وسط العالم له تأثيره وميزاته، وخاصة بوجود الأماكن الإستراتيجية كالممرات المائية المعروفة
يملك المسلمون ثروة فقهية (قانونية) لا نظير لها في تاريخ البشرية، تبحث في تفاصيل حياة الإنسان، وفيها من المرونة ما يتسع لكل مشكلة طارئة. يقول المستشار القانوني طارق البشري متحدثاً عن هذه الثروة: "إن العبقرية الإسلامية تدهشني في هذا المجال، فأنا حتى اليوم وبعد ما يقرب من نصف قرن في العمل في القضاء أشعر أني ما زلت تلميذاً عند هؤلاء القوم (الفقهاء) "
стр. 276
يعيش العالم تخبطاً فكرياً واقتصادياً واجتماعياً، فمن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن البنيوية إلى التفكيكية، يقول الباحث الأمريكي (دانيال بل) عن الحداثة: "لقد وصلت إلى منتهاها، إلى نهاية الشوط التاريخي، ولم تحقق السعادة للبشر بالرغم من شيوع السلع وتوافرها، مما أدى إلى العودة للبحث عن (الإشباع الروحي) .. "ومذهب التفكيكية في الأدب هو الفوضى الشاملة، لأن المعرفة في نظرها كيان متغير، دائم التحول في دوامة الصيرورة، وأنه من الاستحالة تثبيت معنى واحد للكلمة، بل لها معانٍ تتكاثر وتنتشر بلا حد، وهذا المذهب هو التخريب بعينه لأنه تشكيك في الأفكار واللغة والنص والسياق
وفي الاقتصاد وبعد أن هيمنت نظرية (السوق) والرأسمالية المتوحشة، سقطت كثير من الدول في المديونية والإفلاس، وخضع القرار السياسي للقرار الاقتصادي.
هل يستطيع المسلمون أمام هذا الاضطراب في الأفكار أن يقدموا شيئاً قوياً للإنسان وللإنسانية في الفكر والسلوك والأعمال الاجتماعية؟
إن واقع المسلمين ينبئنا على أن هناك بعض المبشرات:
١ - فشل الأفكار التي غزت المنطقة: كانت المنطقة العربية في عمومها وكأنها محطة تجارب لأفكار مستوردة، نبتة غريبة أرادوا زرعها في أرض غير أرضها، وإذا صلحت في مكانها فهي لا تصلح في مكان آخر، جربوا الليبرالية والقومية العنصرية والاشتراكية ... وقد فشلت كل هذه الأفكار على أرض الواقع والتطبيق العملي، وكان من نتائجها كوارث كبرى أصابت المنطقة. ومنها كارثة ١٩٦٧ فيما سمي بحرب الأيام الستة بين إسرائيل والدول العربية المحيطة بها، حيث خسرت هذه الدول صحراء سيناء والضفة الغربية والجولان، وكذلك كارثة ١٩٩١ حين استولى العراق على أرض الكويت، وما تبع ذلك من انقسام في العالم العربي، وتدخل الغرب وفرض الحصار على العراق. وهذه الأفكار المستوردة كانت أفكاراً هجينة، فلم تكن الليبرالية العربية هي ليبرالية الغرب، ولا الاشتراكية العربية هي اشتراكية بعض الدول والأحزاب في الغرب، وإنما هي صورة مشوهة مختلطة بالفساد الإداري والنزعات العائلية والقبلية والصراع بين المدينة والريف، عدا عن أنها أفكار هي في الأصل مضادة لعقيدة الأمة وتطلعاتها، وكان البديل هو الإسلام، فالناس يريدون حكاماً لا ينهبون خيرات البلاد، ويريدون حكاماً يعملون لصالح أوطانهم كما حدث في تركيا بعد أن عاشت عقوداً من العلمانية المتطرفة ومصداق ذلك نتائج الانتخابات في أي بلد عربي إذا أجريت بنزاهة وتجرد.
стр. 277
٢ - تراجع العولمة: العولمة كفكرة هي في الغالب مبدأ للهيمنة الاقتصادية، ولا بد أيضاً من الهيمنة الثقافية التي تخدم الاقتصادية، وقد بدأت بالشركات الكبرى متعددة الجنسية، وكذلك مؤسسات النقد العالمية في أمريكا، والعولمة الثقافية تحاول فرض (التغريب) على شعوب المنطقة، وهذه العولمة وإن كانت قد فرضت نفسها على الواقع في كثير من المناطق في العالم وهي مستمرة، ولكنها لم تنتشر وتتقوى كما كان يخطط لها أصحابها أو كما يتصورون، والمعارضة لها قوية خاصة من الذين يريدون الحفاظ على البيئة، والمسلمون يمكن أن يستفيدوا من العالمية لا من العولمة فرسالتهم عالمية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] والعالم واسع، والعالم ليس الغرب فقط، العالم مفتوح للدعوة بالحسنى، الشرق الأقصى بكل دوله له مكانته الآن، البلدان التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي أكثر سكانها مسلمون، وهي مجال حيوي لإستراتيجية إسلامية، عندما يحمل المسلم نفسية العالمية وعندما يملك المعرفة والشجاعة، فستكون القارات الخمس من مجاله الدعوي، وسنرى أن هناك جوانب عقدية وسلوكية تفتح للمسلم منافذ للقوة والرزق، وفي العادة فإن المغامر لا يكون من غثاء الناس بل هو الذي يحوّل المكان لخدمته، وإن سنة التدافع تجعل المسلم في المشاركين في موجات التاريخ وأن يقدم نموذج الإنسان الذي تخلص من أمراض الحضارة المعاصرة، وهو النموذج الذي تفتقده البشرية اليوم، حيث تعاني من الرأسمالية المتوحشة كما تعاني من الاتجاهات المادية وتغوّل الدولة على الفرد.
٣ - ظاهرة النمو السكاني: من عوامل قوة الدول كثرة سكانها، وكان من مظاهر ضعف الدولة العثمانية في أواخر أيامها قلة السكان وفي الوقت نفسه كان الانفجار السكاني في بريطانيا الذي رافق النزعات الاستعمارية عند الأوروبيين، وكان من نتائجه الهجرة إلى أمريكا وأستراليا وتكوين دول ومستعمرات، وفي العصر الحديث لا شك أن أحد أسباب النمو الكبير في اقتصاد الصين هو كثرة سكانها. وقد يقال أن الكثرة ليست دائماً مؤشراً على القوة، وهذا صحيح، ولكن هذه الكثرة مع التعليم والتدريب العالي وتوفر العدالة الاجتماعية، وزرع الثقة في النفوس كل ذلك سيجعل في الكثرة قوة صالحة. تعاني أوروبا اليوم من النقص من عدد السكان، وتحاول التعويض عن ذلك باحتكار التفوق التكنولوجي والعسكري، ففي عام ٢٠٠٠ للميلاد كان عدد سكان أوروبا ٧٢٨ مليون وسيصبح هذا العدد ٦٠٠ مليون عام ٢٠٢٥م، وهذا يعني نقصاً في الأجيال الشابة، المسلمون اليوم هم أكثر من خمس سكان العالم، ونسبة الشباب في هذا العدد الكبير هي المتفوقة على الشعوب الأخرى، وهذا مؤشر لتنمية قوية تعيد للمسلمين دورهم الإيجابي في العالم.
стр. 278
٤ - ردة الفعل على المواقف الموتورة من الإسلام: المواقف التي تظهر بين الحين والآخر ضد الإسلام والمسلمين، سواء كانت رسمية أو من جهات مؤسساتية، وسواء كانت ظاهرة مكشوفة أو مخفية، وآخرها محاولة حرق المصحف في أمريكا، هذه المواقف زادت المسلمين حرصاً وتفانياً على دينهم، وجعلتهم ينتبهون إلى شيء لم يحسبوا حسابه، وهذا مما أدى إلى الرجوع إلى هويتهم وثقافتهم وحضارتهم. وإن إصرار طفلة في فرنسا على ارتداء الحجاب وتحديها للسلطات الفرنسية ليعد حدثاً قوياً، وهذا التأييد الأعمى للصهيونية من قبل أمريكا والغرب وهذا الاحتلال لبلاد المسلمين، مما زاد في التحديات التي تصقل شخصية المسلم، وتعيده إلى الواقع الحقيقي لمجرى الأحداث، وليفكر كيف تكون الحلول المناسبة. نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية مقالاً بعنوان (بوش والحرب) ذكرت فيه أن الرئيس الأمريكي كان متأثراً بدوافع دينية تجاه المشرق الإسلامي، وهو يبدأ نهاره بقراءة من كتاب (مختارات دينية) وقد أصبح معلوماً أن أحد أسباب تأييد رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) للحرب على العراق هو الدين. لا يتجرأ إعلامي في الغرب على تفسير الكتب المقدسة لدى البوذي أو اليهودي مثلاً، ولكن كل إعلامي أو سياسي هناك لديه الجرأة على أن يفسر الإسلام، بل ويفسره حسب أهوائه للمسلمين؟! كل هذا مما ساعد على اتضاح الصورة أمام المسلمين ليكونوا على بينة من أمرهم، هذا مع وجود من يرى أن السبيل الصحيح هو الحوار القائم على التفاهم واحترام خصوصيات المسلمين، وهم قلة، وهذا مما دعا وزير الثقافة الفرنسي ليعتذر للشعب التونسي عن تأييد حكومته للديكتاتورية التي كانت تحكم تونس سابقاً.
٥ - الإعلام: عندما ظهرت قوة الإعلام في السنوات الأخيرة تخوف بعض الناس من هذا التطور الجديد، وذلك لأن هذا الإعلام إخطبوط كوني يمتص كل شيء، ويجرد ضحاياه من القدرة على التفكير المستقل، والقدرة على النقد والحوار الصادق الجريء، فهو يبث من طرف واحد، وصاحب الثروة الكبيرة يستطيع أن يسخر هذا الإعلام لمصلحته أو مصلحة فئته أو حزبه، ولكن هذه النظرة للإعلام والتخوف منه قد تتغير بعد أن استطاع المسلمون الاستفادة من (الإنترنت) وإنشاء المواقع القوية الجيدة، ومن خلال هذه الشبكة يستطيع كل إنسان أن يبدي رأيه أو يحاور الطرف الآخر، وهكذا ظهرت الحوارات الكثيرة عن الإسلام وتعرف الناس في البلاد العربية على أمور كانوا يجهلونها من خلال بعض القنوات الفضائية، وكانت ممنوعة عنهم بسبب الأنظمة الاستبدادية.
٦ - الرجوع إلى التدين وزوال العصر الصناعي: أصاب الغرور كثيراً من علماء أوروبا وفلاسفتها في القرن التاسع عشر، وذلك حين ظنوا أن التقدم العلمي سيحل كل مشاكل الإنسان، واقترن هذا الغرور بالإلحاد والمادية واللأدرية كما نجده عند (فيور باخ) و (ماركس) و (داروين) و (نيتشه). فماركس يعتبر أن الدين له دور سلبي، فهو إلى جانب الرأسمالي الذي يستغل الطبقة العاملة وأن الطبقة الفوقية تستعمل الدين كمخدر تبريري لأعمالها. ولكن العلماء في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين عادوا ليطمئنوا من هذا الغرور، عاد عباقرة الرياضيات والفيزياء من أمثال (ماكس بلانك) و (ألبرت آينشتاين) ليقولوا: إن التعبير عن الحقيقة يزداد صعوبة وأن الاحتمال هو أعلى درجات اليقين، وأن العلم أعرج من دون دين، والدين هو الذي يقرب من الحقيقة.
стр. 279
وفي كتابه الشهير (الموجة الثالثة) تنبأ (توفلر) بزوال الليبرالية الغربية خلال العقدين القادمين، كما زالت الشيوعية، بما أن كلاً من الليبرالية الغربية والشيوعية هي من نتاج القرن التاسع عشر، أي نتاج العصر الصناعي الذي ينتهي اليوم ليحل محله عصر ما بعد الصناعي، عصر توزع جديد للسلطة على مستوى العالم يطال جميع الألوان والأعراق والثقافات.
يتساءل الكاتب (دين هامر) في كتابه ( The God Gene) كيف يتمركز الإيمان في نفوس البشر؟ لماذا يكون للروحانية هذه القوة وتلك السيطرة على العالم؟ ويصل في بحثه إلى أن الروحانية أو على الأقل جزء منها تتمركز في حياتنا الوراثية، ولو أطلع المؤلف على القرآن الكريم لعلم أن ما يبحث عنه هو الفطرة التي ذكرها القرآن الكريم، وهو الميثاق الذي جاء في الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢]
وهذا الذي ذكرناه عن التحولات في الغرب لا يعني أن تقدم المسلمين مرهون بانهيار الغرب، ويجب على المسلمين ألا ينتظروا تدهور الغرب حتى يخططوا للمستقبل، فإن الغرب رغم ابتعاده فعلاً عن الأسس التي قامت عليها حضارته، ورغم ما يكتبه بعض مفكريه الحريصين عليه والذين يشعرون بخطر التراجع عن القيم والأخلاق التي ترسخ الحضارات، ورغم تراجع الحرية التي أعطت الغرب قوته، فإنه يحاول دائماً إصلاح نفسه وتدارك أخطائه، وتدارك الأخطار التي تحيط به.
هذه المبشرات لا تعني المستقبل الواعد، لأن المستقبل مرهون بوجود مرتكزات أساسية، سواء كانت موجودة تحتاج إلى تفعيل أكثر، أو أنها لا بد أن توجد، ولا تنفع الآمال دون عمل، ولا ينفع التفاؤل المفرط دون الأخذ بالأسباب.
ومن هذه المرتكزات:
١ - الاهتمام بالمؤسسات والجمعيات الأهلية التي تخدم المسلم، وأن تكون هذه المؤسسات تابعة للأمة، لأن المؤسسات الوقفية الخيرية في تاريخ المسلمين هي التي استمرت وأبقت الأمة قوية في العلم والتضامن الاجتماعي حتى لو لم تساعدها الدولة، بل رغم استبداد بعض تلك الدول وانشغالها بالصراعات الداخلية. والملاحظ أن الغرب يهتم كثيراً بهذا النوع من المؤسسات الاجتماعية والثقافية والخيرية، والتي كانت أيضاً من أسباب نهضة، ولكنه يعمل على إلغائها أو تهميشها في العالم الإسلامي.
٢ - الاهتمام بالإنسان: فقد استغرق العصر الصناعي مائتي سنة ليبدأ عصر (الكمبيوتر) وأما عصر (الإنترنت) فما يزال في بدايته وعلى المسلمين أن يتهيأوا لهذا القادم، حيث أصبحت المعلومات قيمة كبيرة، وأصبحت الأدمغة البشرية المفكرة هي رأس المال الحقيقي، كانت ثروة الأمم تقاس بما عندها من ذهب أو معادن وغير ذلك من كنوز الأرض، وأما اليوم فإن الثروة هو الإنسان المتعلم المتفوق، والعالم الإسلامي يملك ثروة بشرية متعلمة، ولكنه يعاني من هجرة الأدمغة إلى الغرب بسبب سوء أحواله السياسية والاقتصادية، وفي المجتمع الإسلامي ما تزال العلاقات بين الناس يسودها نوع من التضامن والتعاون، وما تزال الأسرة متماسكة والعلاقات العائلية جيدة بشكل عام.
стр. 280
٣ - لا مستقبل إلا بالدين: هذه الأمة أخرجت بالدين (هو الذي اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) وإن القطيعة مع الماضي هي أسوأ ما تبتلى به أمة من الأمم، لأن الماضي هو الجذور المنغرسة في حياتنا الثقافية، ومن الغريب أن أمماً أخرى وبلاداً أخرى عندما عزمت على النهوض بلورت نظامها التعليمي بالتأكيد على الهوية الخاصة بعقائدها وتقاليدها والمثال على ذلك (سنغافورة) وكان التركيز على التاريخ لأن الجهل بتاريخ الأمة يعوق الشعور بأهمية العمل، كما كان التركيز أيضاً على القيم والأخلاق
العلماء في الأمة الإسلامية هم القادة، وما أتى المسلمون إلا من قلة العلماء الربانيين، العلماء الذين لا يُيئِسون الناس من المستقبل، ويفقهون أحاديث الفتن ويضعونها موضعها الصحيح وفي سياقها، فهذه الأحاديث "لم يخبر بها الرسول ﷺ أمته إلا لأجل أن يكونوا على بصيرة من مقاومة ضرها، واتقاء تفاقم شرها، لا لأجل أن يتعمدوا إثارة تلك الفتن والاصطلاء بنارها"
٤ - البعد عن الخوف وعن اقتصاد التبذير: لا نستطيع التحدث عن المستقبل ونحن نعيش ثقافة الخوف وحياة السفه في إنفاق الأموال، فالأخطار الخارجية ليست هي التي تأتي بالدرجة الأولى، المشكلة تكمن في الأخطار الداخلية، "إن أفضل طريقة لمقاومة البرودة الخارجية هي أن يجري الدم في الداخل، الشجاعة تأتي من الداخل، من القلب، نتحدث كثيراً عن الهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لكي نبدأ الحديث عن الهزائم والخسائر التي ألحقناها بأنفسنا"
ماذا يخاف المسلمون ولماذا يضعون أنفسهم موضع المدافع والمُحاصر، ولماذا يشعرون وكأنهم سينقرضون وهم الآن أكثر من خمس سكان العالم، ولماذا يضخمون من نظرية المؤامرة وتكالب الأعداء حيث يصبح الفرد يائساً من المستقبل ومن النهوض والتقدم. ولماذا لا يكونوا حاضرين في مراكز القرار العالمي، ويحاورون الآخرين من موقع القوة وموقع النديّة، وهم قوة حضارية لها قيمها وسبلها ومناهجها، وهم قوة سياسية واقتصادية. وإذا كان الإسلام سيصبح قوة (جيوسياسية) كما يقول الرئيس الأمريكي السابق (نيكسون): وإذا كان العالم الإسلامي سوف تكون له أهمية كبرى خلال القرن القادم وأنه قوة مستقبلية كما يقول الكاتب الروسي (سولجنستن): إذا كان هكذا فيجب ألا نرضخ لما يجري اليوم، ولا نسلم بغرق المركب، وأمريكا لن تتحول إلى إمبراطورية، لأنه ما من دولة تبتدئ بالتراجع الاقتصادي إلا وتحاول أن تغطي عن ضعفها بتركيز سياستها على التفوق العسكري، وهنا يبدأ التراجع كما يقول المؤرخ الأمريكي (بول كينيدي) إننا نعيش فترة انتقالية كبرى، وعالم الغد لا يحتمل أن تحتكره أية دولة أو كتلة من الكتل.
٥ - لا بد أن يثق المسلمون بوعد الله، وأن تتسع الآمال التي هي من فطرة الإنسان، "ولو قصرت الآمال ما تجاوز الإنسان حاجة يومه، وفرق بين الآمال والأماني، فالآمال هي التي تتقيد بالأسباب، والأماني ما تجردت عنها". وإذا كان المطلوب من الإنسان تحقيق الغاية التي خلق لأجلها (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) فالإنسان يستطيع بإذن الله تحقيق المستقبل عندما يحقق الغاية.
الأمة الإسلامية نجت من خطرين اجتمعا عليها: الخطر الصليبي والخطر المغولي، وخرجت بعد عشرات السنين أقوى بنياناً، ولو تعرضت أمة أخرى لمثل ما تعرضت له هذه الأمة لاندثرت وأصبحت أحاديث القصاص. الأمة الإسلامية لها وزنها وقيمتها، والله جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، وهذا يفرض على المسلمين مسؤولية كبيرة لمقاومة الفساد في الأرض، والإصلاح لا يتم في ليلة واحدة، والخير لا يأتي دفعة واحدة، وسنة الله في خلقه التدرُّج، والإسلام يستطيع أي يؤدي دوراً حاسماً لثقافة مضادة لثقافة العولمة، ويستطيع الإسلام مناقشة القضايا الكبرى التي تتحدث عنها البشرية اليوم (الهوية، البيئة، الاستقلال، والعولمة ... )
٦ - الاستفادة من هجرة المسلمين إلى الغرب واستقرارهم فيه وخاصةً الشباب المتعلم الذي حافظ على دينه وخلقه، وإن الانفتاح الإيجابي يستطيع أن يفعل شيئاً كثيراً، والمشاركة السياسية لحماية حقوق المسلمين سيكون لها دور في الحفاظ على الهوية كما أن التعاون مع الأغلبية في القضايا التي تحقق قيم الإسلام وقيم الإنسانية سينهي الخوف الذي تشعر به بعض الشعوب العربية بسب الأخطاء التي ترتكب باسم الإسلام، والذين أسلموا من أهل تلك البلاد يمكن أن يكون لهم دور مهم في بلادهم لصالح الإسلام والمسلمين.
стр. 281
التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة
(١/ ٤)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
٢٨ ربيع الثاني ١٤٣٢هـ
مقدمة
أقسام البدع
خطر البدع
حكم التعامل مع المبتدع
هجر المبتدع
أنواع الهجر
صفات الهجر
ضوابط الهجر
أصل التعامل مع المبتدع
ضوابط دعوة المبتدع
ضوابط مناظرة المبتدع
تنبيهات عند دعوة المبتدع
مقدمة:
دعوة أهل البدع إلى الحق وظيفة العلماء، لا يجوز التساهل فيها، أو التقصير في أدائها، إذ بها تتم حماية الدين وتنقيته من شائبة الباطل.
وعلى من تصدى لدعوة أهل البدع أن يعرف: ما هي الأصول والضوابط التي ينبغي التزامها؟ وما هي المحاذير والمزالق التي ينبغي تجنبها؟
وقبل البدء في الموضوع، نعرج بشيء من الإيجاز على تعريف المبتدع، والبدعة، وذكر أنواعها، وخطرها، ثم ذكر حكم المبتدع، وما هو الأصل في التعامل معه؟
البدعة: هي طريقة في الدِّين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه؛ وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات. [((الاعتصام)) (١/ ٢١).] وهي ليست على درجة واحدة من الشر، بل هي متفاوتة.
ويصنف العلماء البدعة من عدة زوايا، فمن حيث مجالها، تنقسم إلى:
- بدعة اعتقادية: وهي اعتقاد الشيء على خلاف ما جاء به النبي ﷺ ، كبدعة الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين؛ وكالمجسمة والمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه -تعالى الله علواً كبيراً.
- وبدعة عملية: وهي التي تكون في المسائل الفقهية القطعية أو الظنية، كالتي تكون في العمل الظاهر، كصلاة تخالف ما ورد عن النبي ﷺ ، ونحو ذلك من الأعمال. وكلها داخلة تحت قوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). [أخرجه مسلم في كتاب الأقضية.]
- وبدعية قولية: وهي ما كان فيه تغيير لما جاء في كتاب الله ، ولما ثبت في سنة رسول الله ﷺ ، كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة، مما هو ظاهر المخالفة للكتاب والسنة، وظاهر الفساد والقبح، كأقوال الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشعرية؛ وجميع الفرق المؤولة، التي وضعت لنفسها مناهج مخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة، الظاهرة على الحق إلى قيام الساعة.
ومنهم من قسمها إلى نوعين: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، والثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني.
وتُقسم البدعة بحسب ما يؤول إليها صاحبها إلى: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.
وربما تخلف الحكم على المعين بالبدعة رغم قيامه بها إذا توفر مانع أو انتفى شرط؛ فالحكم على العمل أو القول لا يلزم منه تبديع المعين القائل أو العامل به إلا إذا أقيمت عليه الحجة وتوفرت الشروط وانتفت الموانع.
خطر البدع:
البدعة أشد من المعصية، ويرجع ضررها إلى وجوه:
الأول: أن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسُّنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث). [اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨١).]
فهي تلبس لباس الدِّين، فيظن المنتسب لها أنها حق وأنه مأجور عليها، وبذلك فإنه يعقد عليها الكره والحب والولاء والبراء والثواب والعقاب، فتزاحم السنن، تقود أصحابها إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال الفاسدة، والخروج عن الشريعة.
стр. 282
الثاني: أنه في مقابل كل بدعة تهدم سنة، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام أيضاً: (من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشِّرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان، فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). [مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦٥).] لذا كان منهج المبتدعة قائما على معارضة نصوص الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام. [راجع كلامه في: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٤٩).]
حكم التعامل مع المبتدع:
المبتدع في الأساس شخص يريد الحق ويقصد التقرب وهذا الغالب في أحوال الكثير من أتباع البدع، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، [الحديد: ٢٧]. فالمبتدع مريد للحق لكنه ضل طريقه إليه.
لذا فإنَّ أهل البدعة قد يظهروا من التنسك أو الأحوال ما يُعبِّر عن اعتقادهم الحق فيما يؤمنون به؛ ومن أجل ذلك فإن المبتدع -ما لم يكن زنديقا- يحكم له بالإسلام ويبقى شأنه وحاله أفضل بكثير ممن قصد الكفر البواح أو الشرك الظاهر. إلا أنه ونظرا لخطورة البدعة على الدِّين نفسه من حيث هو فإن المبتدع (أخطر) شأنا على الدِّين وأهل الإسلام من الكافر والمشرك، لأن البدعة تفسد الإسلام وتحرف الناس عن الحق إلى مزالق لتأويله ما يقسمهم شيعا وأحزابا. وقد أشار الرسول ﷺ في حديثه عن افتراق اليهود والنصارى وهذه الأمة إلى مدى تأثير الاختلاف في الدين على وقوع كثير من الفرق في النار.
لذا كان من منهج الرسول ﷺ حازما وصارما مع من أظهروا الغلو أو أحوال وأقوال بعيدة عن سنته، وتوعد من اتخذ هذا المسلك وحذر أمته منه. لا لشيء إلا لكي يظل الحق الذي أنزله الله ناصعا نقيا مما قد يشوبه من أهواء الناس التي وإن لبت رغبة قوم أو ذائقتهم أو وافقت آراءهم العقلية إلا أنها لن توافق قوما آخرين؛ أما الحق الذي أنزله الله تعالى فيوافق العقول السليمة جميعا وذائقة النفوس البشرية كافة ويدور في حدود طاقاتهم وقدراتهم دون تكلف وتنطع. فكم شوهت البدع -رغم نظر أصحابها إليها بالحسن- الإسلام في نظر غير المسلمين فصرفتهم إلى باطل وزهدتهم في الحق!
стр. 283
وإذا كان المبتدع جزءا من الكيان الإسلامي وجسد الأمة فإن حقوق الأخوة الإيمانية التي قررها الإسلام تظل محفوظة له، متمتعا بكافة الحقوق الشرعية التي فرضها الإسلام. إلا أن هنا ملحظا مهما وهي أن من طبيعة المجتمعات أن تتعامل في الجانب المادي من حياتها عند وجود الضرر والأذى من قبل شخص مريض أو مختل أن يباشروا من التدابير ما يعينهم على إزالة الضرر ورفع الأذى أو في أقل الأحوال حصرها وبما لا يخل بحق المريض أو المختل في الرعاية، مع إمكانية تقييد بعض حرياته أو إسقاط بعض حقوقه لمصلحة أكبر؛ هذه الصورة المادية تقابلها صورة معنوية في حال كان الشخص مجرما أو صاحب خلق سيئ حيث يأتي عوضا عن الحجر الصحي والعلاج المادي حَجْرٌ من نوع آخر وعلاجٌ من نوع آخر؛ وهذه السُّنة الاجتماعية لا يغفلها الإسلام في المبتدع، باعتباره شخصا (مختلا) في جانب (الدِّين) ومن ثمَّ فكما أن للجوانب الأخرى تدابيرها لصيانتها في حياة المجتمع يكون الدِّين أحق بهذه التدابير.
ومن هنا يأتي الإسلام ليرسم أحكام التعامل مع المبتدع من هذه الزاوية، زاوية أن المقصود من التعامل مع المبتدع أمران:
الأول: معالجة (المبتدع) وإخضاعه للتدابير التي من شأنها تحقيق العلاج لأهدافه.
الثاني: صيانة (المجتمع) من الآثار التي قد تلحق به (دينيا) من البدعة ذاتها فضلا عن المبتدع.
وكما هي حالات المرض، يتفاوت تقييم الإسلام للبدعة وصاحبها ومن ثمَّ يختلف تعامل المجتمع الإسلامي مع المبتدع بحسب البدعة ذاتها وبحسب تأثير المبتدع من جهة أخرى.
ومن أولى أحكام التعامل مع المبتدع:
١ - بيان مخالفته للدِّين بالحجة والبرهان والدليل، وهذا ما سلكه الرسول ﷺ مع ذلك الشاب الذي أتى يستأذن الرسول ﷺ في الزنا!! ومع ذلك الشخص الذي توجه إلى الرسول ﵊ بالقول: اعدل يا محمد!
٢ - نصح المبتدع وإظهار الشفقة به، مع بيان عظم ما وقع فيه وعظم الآثار التي ستترتب على بدعته؛ وهذا بالفعل ما قام به عبد الله بن عباس ﵁ وهو يحاور الخوارج ويلزمهم بلازم مذهبهم الذي ذهبوا إليه في شأن الفريقين المتقاتلين من الصحابة.
٣ - الوقوف بصرامة إزاء تحول هذه البدعة إلى مذهب يتلقفه الناس ويتخذونه منهجا؛ لذا حذر الرسول الكريم ﷺ من البناء على القبور واتخاذها مساجد ولعن اليهود والنصارى معرضا بهم كل من يقوم في هذه الأمة بهذه البدعة. كما واجه الرسول ﵊ النفر الذين تقالوا عبادته في شأنهم لما قد غُفِرَ للرسول ﵊ بالبيان والتحذير والإنكار الشديد.
٤ - وفي جميع الأحوال السابقة يبقى للمرء حقوق الإسلام وعليه واجباته لا يسقط منها شيء، لذا فإنه نادرا ما كان يُقصي الرسول ﷺ من جاء بأمر منكر في الدِّين، بل احتمل عليه والصلاة والسلام بقاءهم في المجتمع ولكن مع إنكاره عليهم وتحذيره مما صنعوا. فقد كان يعلم الرسول الكريم أن للشيطان مداخله على بعض الصالحين من جهة تشددهم أو فهمهم خطأ للدين أو تعبدهم لله بما يستحسنونه من حال أو هيئة؛ فإذا لم يُحسن إلى هؤلاء تحولوا إلى أعداء؛ كيف وقد صبر على أعدائه من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي المدينة.
٥ - غير أن هناك وضعا آخر تتحول معه البدعة إلى مهدد حقيقي للدين أو المجتمع وحدته وأمنه واستقراره؛ ما يلزم في هذه الحالة معالجة جادة وصارمة لذلك:
أ- إن كانت البدعة مكفرة: أي أن يحدث المرء من العقائد أو الأفعال أو الأقوال ما يوجب تكفيره، فإن كان ذلك صادر منه عن جهل أو تأول، بُيِّن له، وروجع في الأمر، وأقيمت عليه الحجة، واستتيب من قبل ولي الأمر، فإن وجد أن بدعته صادرة عن زندقة وإلحاد منه عُزر، وإن كان بالقتل. وقتل المبتدع الذي تصل بدعته حدَّ الكفر والزندقة التي بحيث ينتقد الدين بها عادة متبعة في دول الإسلام؛ ويدل عليه الوقائع التي وقعت لبعض المبتدعة، كما فعل علي بن أبي طالب ﵁ بالسبئية حين حرقهم، وكذلك قتل الجعد بن درهم والحلاج وغيرهم. والحاصل: أن القتل مما يعاقب به صاحب البدعة إذا كانت بدعته مغلَّظة مكفرة واستتيب ولم يتب، أو رأى أهل الحل والعقد أو الإمام أو من أفتى من العلماء أن هذا المبتدع يُقتل وإن لم يُستتب.
ب- وإن كانت البدعة مفسقة لكن لها أثرها على وحدة الأمة وأمنها واستقرارها (كبدعة التكفير عند الخوارج)، فلا يُكفَّر صاحبها، لكن مقاتلته فيما لو أفسد في الأرض وحمل السيف واجبة لوأد الفتنة وإخماد ثورتهم، وهذا فعل علي بن أبي طالب ﵁ مع الخوارج، حيث لم يبادئهم بقتال ولا حكم بكفرهم ولا بنفاقهم ومع ذلك قاتلهم لما حملوا السيف على المسلمين.
стр. 284
(٢/ ٤)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
الأربعاء ٦رجب١٤٣٢هـ
الهجر كعلاج للبدعة:
ومن بين أهم المعالجات التي شرعها الإسلام في مواجهة بعض الانحرافات -ومن بينها البدعة- هجر أصحابها، وذلك لتضييق دائرة تأثير أصحابها وقصر مفسدتها وإظهار المجتمع في موقف الرافض لها ليستفيق صاحبها من غفلته ويعود إلى رشده.
ومن فوائد الهجر التي قصدها الشارع:
١ - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في البدعة وتحذيرهم منها.
٢ - تحجيم انتشار البدعة.
٣ - إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع.
٤ - قمع المبتدع وزجره ليضعف عن نشر بدعته. [انظر رسالة (هجر المبتدع)، بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀، إعداد سلمان بن عبد القادر أبوزيد، بتصرف.].
فمعاشرة صاحب البدعة ومخالطته فتولد في صاحب البدعة طمأنينة إلى ما هو عليه، وربما أشعره بقبول المجتمع لبدعته وتزكيته إياها؛ وهذا قد يُغرر بالعامة، إذ أن العامة غالبا في حال جهلهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، وربما استحسنوا ما استحسنه المبتدع فوقعوا فيما وقع فيه، فلا بد إذاً من الحجر على المبتدع استصلاحاً للديانة، وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.
وبعد أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير المبتدع، قال: (فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه)
[(الاعتصام) (١/ ٨٥).].
وعلى كل حال فإن غياب التعامل الصحيح للمبتدع يحيي البدع ويميت السنن، وفي هذا هدم للإسلام بعينه.
أنواع الهجر:
أنواع الهجر ثلاثة:
الأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا.
وهذا النوع من الهجر على قسمين:
١ - هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) [أخرجه البخاري في الإيمان.].
٢ - هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء.
وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.
النوع الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة ﵃ بأسانيد في الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا.
стр. 285
النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف].
وجعل شيخ الإسلام ﵀ أنواع الهجر في الشرع قسمين، فقال:
(الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، .. فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر) [((مجموع الفتاوى)) (٢٨/ ٢٠)].
صفات الهجر:
الأصل في الهجر هو الإعراض عن المبتدع والبراءة منه. ومن مفرداته تركُ: مجالسته، ومجاورته، وتوقيره، ومكالمته، والسلام عليه، والتسمية له، وبسط الوجه له، وسماع كلامه، ومشاورته .. كل ذلك بقصد إصلاحه إذا عُلم تحقق ذلك؛ أما إذا عُلم فساد حاله أكثر أو تضييع مصلحة المسلمين فتقدر الأمور بقدرها.
وللهجر الشرعي ضوابط، منها:
١ - لا بد أن يؤدي هذا الهجر إلى الهدف الذي شرع من أجله، وهو الإقلاع عن هذه البدعة، وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله، أو من قبل غيره، أما إذا كان المبتدع لا يزيده الهجر إلا تمادياً في السوء، وركوناً إلى أهل السوء، أو غير ذلك من المفاسد فإنه لا يهجر.
فالمؤمن كالطبيب إذا رأى العلاج نافعاً فعله؛ لأن الهجر من باب العلاج، فإن كان الهجر يؤثر خيراً وينفع هُجر، وكان ذلك من باب العلاج لعله يتوب ويرجع عن خطئه إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إذا كان الهجر يسبب مزيداً من الشر وكثرة أهل الشر وتعاونهم فإنه لا يهجر، ولكن يديم له النصح والتوجيه وإظهار الكراهة لما عمل، ولا يبين له موافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحة والتوجيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به -يعني الهجر- زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولاغيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه) [((مجموع الفتاوى)) (٢٨/ ٢٠٣)].
ولو أن طالب علم مثلاً ذهب إلى أهله في بادية بعيدة وخاصة التي يغلبُ عليها البدع، فوجدهم يفعلون ما يفعلون من البدع، فقال: أنا أعرف أن من أصول أهل السنة والجماعة هجر أهل البدع فلنهجرهم، فإنه لن يدع أحداً إلا هجره؛ لأن الناس ألفوا هذه البدع وعاشوا عليها، فيصير هو المنكر المهجور؛ لأن الهاجر في هذه الحالة ضعيف والمصلحة لا تتحقق، والمشكلة ليست في عدم قيام طالب العلم بالإنكار أو عدم هجره لأهل البدع، ولكن المشكلة أن المصلحة الشرعية غير حاصلة. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف.]
٢ - الهجر الشرعي عبادة من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لا بد من توفر ركنيها: الإخلاص، والمتابعة، أي بأن يكون الهجر خالصاً صواباً، خالصاً لله صواباً وفق السنة، وإن هوى النفس ينقض ركنية الإخلاص، كما أن ركن المتابعة ينقضه عدم موافقة الهجر للمأمور به.
٣ - هجر المبتدع ليس عاماً في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، كما أن ترك الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط، وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه بالنص والإجماع، وإن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.