التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة
(١/ ٤)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
٢٨ ربيع الثاني ١٤٣٢هـ
مقدمة
أقسام البدع
خطر البدع
حكم التعامل مع المبتدع
هجر المبتدع
أنواع الهجر
صفات الهجر
ضوابط الهجر
أصل التعامل مع المبتدع
ضوابط دعوة المبتدع
ضوابط مناظرة المبتدع
تنبيهات عند دعوة المبتدع
مقدمة:
دعوة أهل البدع إلى الحق وظيفة العلماء، لا يجوز التساهل فيها، أو التقصير في أدائها، إذ بها تتم حماية الدين وتنقيته من شائبة الباطل.
وعلى من تصدى لدعوة أهل البدع أن يعرف: ما هي الأصول والضوابط التي ينبغي التزامها؟ وما هي المحاذير والمزالق التي ينبغي تجنبها؟
وقبل البدء في الموضوع، نعرج بشيء من الإيجاز على تعريف المبتدع، والبدعة، وذكر أنواعها، وخطرها، ثم ذكر حكم المبتدع، وما هو الأصل في التعامل معه؟
البدعة: هي طريقة في الدِّين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه؛ وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات. [((الاعتصام)) (١/ ٢١).] وهي ليست على درجة واحدة من الشر، بل هي متفاوتة.
ويصنف العلماء البدعة من عدة زوايا، فمن حيث مجالها، تنقسم إلى:
- بدعة اعتقادية: وهي اعتقاد الشيء على خلاف ما جاء به النبي ﷺ ، كبدعة الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين؛ وكالمجسمة والمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه -تعالى الله علواً كبيراً.
- وبدعة عملية: وهي التي تكون في المسائل الفقهية القطعية أو الظنية، كالتي تكون في العمل الظاهر، كصلاة تخالف ما ورد عن النبي ﷺ ، ونحو ذلك من الأعمال. وكلها داخلة تحت قوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). [أخرجه مسلم في كتاب الأقضية.]
- وبدعية قولية: وهي ما كان فيه تغيير لما جاء في كتاب الله ، ولما ثبت في سنة رسول الله ﷺ ، كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة، مما هو ظاهر المخالفة للكتاب والسنة، وظاهر الفساد والقبح، كأقوال الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشعرية؛ وجميع الفرق المؤولة، التي وضعت لنفسها مناهج مخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة، الظاهرة على الحق إلى قيام الساعة.
ومنهم من قسمها إلى نوعين: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، والثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني.
وتُقسم البدعة بحسب ما يؤول إليها صاحبها إلى: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.
وربما تخلف الحكم على المعين بالبدعة رغم قيامه بها إذا توفر مانع أو انتفى شرط؛ فالحكم على العمل أو القول لا يلزم منه تبديع المعين القائل أو العامل به إلا إذا أقيمت عليه الحجة وتوفرت الشروط وانتفت الموانع.
خطر البدع:
البدعة أشد من المعصية، ويرجع ضررها إلى وجوه:
الأول: أن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسُّنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث). [اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٨١).]
فهي تلبس لباس الدِّين، فيظن المنتسب لها أنها حق وأنه مأجور عليها، وبذلك فإنه يعقد عليها الكره والحب والولاء والبراء والثواب والعقاب، فتزاحم السنن، تقود أصحابها إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال الفاسدة، والخروج عن الشريعة.
стр. 282
الثاني: أنه في مقابل كل بدعة تهدم سنة، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام أيضاً: (من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشِّرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول ﷺ إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان، فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). [مجموع الفتاوى (١٠/ ٥٦٥).] لذا كان منهج المبتدعة قائما على معارضة نصوص الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام. [راجع كلامه في: درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٤٩).]
حكم التعامل مع المبتدع:
المبتدع في الأساس شخص يريد الحق ويقصد التقرب وهذا الغالب في أحوال الكثير من أتباع البدع، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، [الحديد: ٢٧]. فالمبتدع مريد للحق لكنه ضل طريقه إليه.
لذا فإنَّ أهل البدعة قد يظهروا من التنسك أو الأحوال ما يُعبِّر عن اعتقادهم الحق فيما يؤمنون به؛ ومن أجل ذلك فإن المبتدع -ما لم يكن زنديقا- يحكم له بالإسلام ويبقى شأنه وحاله أفضل بكثير ممن قصد الكفر البواح أو الشرك الظاهر. إلا أنه ونظرا لخطورة البدعة على الدِّين نفسه من حيث هو فإن المبتدع (أخطر) شأنا على الدِّين وأهل الإسلام من الكافر والمشرك، لأن البدعة تفسد الإسلام وتحرف الناس عن الحق إلى مزالق لتأويله ما يقسمهم شيعا وأحزابا. وقد أشار الرسول ﷺ في حديثه عن افتراق اليهود والنصارى وهذه الأمة إلى مدى تأثير الاختلاف في الدين على وقوع كثير من الفرق في النار.
لذا كان من منهج الرسول ﷺ حازما وصارما مع من أظهروا الغلو أو أحوال وأقوال بعيدة عن سنته، وتوعد من اتخذ هذا المسلك وحذر أمته منه. لا لشيء إلا لكي يظل الحق الذي أنزله الله ناصعا نقيا مما قد يشوبه من أهواء الناس التي وإن لبت رغبة قوم أو ذائقتهم أو وافقت آراءهم العقلية إلا أنها لن توافق قوما آخرين؛ أما الحق الذي أنزله الله تعالى فيوافق العقول السليمة جميعا وذائقة النفوس البشرية كافة ويدور في حدود طاقاتهم وقدراتهم دون تكلف وتنطع. فكم شوهت البدع -رغم نظر أصحابها إليها بالحسن- الإسلام في نظر غير المسلمين فصرفتهم إلى باطل وزهدتهم في الحق!
стр. 283
وإذا كان المبتدع جزءا من الكيان الإسلامي وجسد الأمة فإن حقوق الأخوة الإيمانية التي قررها الإسلام تظل محفوظة له، متمتعا بكافة الحقوق الشرعية التي فرضها الإسلام. إلا أن هنا ملحظا مهما وهي أن من طبيعة المجتمعات أن تتعامل في الجانب المادي من حياتها عند وجود الضرر والأذى من قبل شخص مريض أو مختل أن يباشروا من التدابير ما يعينهم على إزالة الضرر ورفع الأذى أو في أقل الأحوال حصرها وبما لا يخل بحق المريض أو المختل في الرعاية، مع إمكانية تقييد بعض حرياته أو إسقاط بعض حقوقه لمصلحة أكبر؛ هذه الصورة المادية تقابلها صورة معنوية في حال كان الشخص مجرما أو صاحب خلق سيئ حيث يأتي عوضا عن الحجر الصحي والعلاج المادي حَجْرٌ من نوع آخر وعلاجٌ من نوع آخر؛ وهذه السُّنة الاجتماعية لا يغفلها الإسلام في المبتدع، باعتباره شخصا (مختلا) في جانب (الدِّين) ومن ثمَّ فكما أن للجوانب الأخرى تدابيرها لصيانتها في حياة المجتمع يكون الدِّين أحق بهذه التدابير.
ومن هنا يأتي الإسلام ليرسم أحكام التعامل مع المبتدع من هذه الزاوية، زاوية أن المقصود من التعامل مع المبتدع أمران:
الأول: معالجة (المبتدع) وإخضاعه للتدابير التي من شأنها تحقيق العلاج لأهدافه.
الثاني: صيانة (المجتمع) من الآثار التي قد تلحق به (دينيا) من البدعة ذاتها فضلا عن المبتدع.
وكما هي حالات المرض، يتفاوت تقييم الإسلام للبدعة وصاحبها ومن ثمَّ يختلف تعامل المجتمع الإسلامي مع المبتدع بحسب البدعة ذاتها وبحسب تأثير المبتدع من جهة أخرى.
ومن أولى أحكام التعامل مع المبتدع:
١ - بيان مخالفته للدِّين بالحجة والبرهان والدليل، وهذا ما سلكه الرسول ﷺ مع ذلك الشاب الذي أتى يستأذن الرسول ﷺ في الزنا!! ومع ذلك الشخص الذي توجه إلى الرسول ﵊ بالقول: اعدل يا محمد!
٢ - نصح المبتدع وإظهار الشفقة به، مع بيان عظم ما وقع فيه وعظم الآثار التي ستترتب على بدعته؛ وهذا بالفعل ما قام به عبد الله بن عباس ﵁ وهو يحاور الخوارج ويلزمهم بلازم مذهبهم الذي ذهبوا إليه في شأن الفريقين المتقاتلين من الصحابة.
٣ - الوقوف بصرامة إزاء تحول هذه البدعة إلى مذهب يتلقفه الناس ويتخذونه منهجا؛ لذا حذر الرسول الكريم ﷺ من البناء على القبور واتخاذها مساجد ولعن اليهود والنصارى معرضا بهم كل من يقوم في هذه الأمة بهذه البدعة. كما واجه الرسول ﵊ النفر الذين تقالوا عبادته في شأنهم لما قد غُفِرَ للرسول ﵊ بالبيان والتحذير والإنكار الشديد.
٤ - وفي جميع الأحوال السابقة يبقى للمرء حقوق الإسلام وعليه واجباته لا يسقط منها شيء، لذا فإنه نادرا ما كان يُقصي الرسول ﷺ من جاء بأمر منكر في الدِّين، بل احتمل عليه والصلاة والسلام بقاءهم في المجتمع ولكن مع إنكاره عليهم وتحذيره مما صنعوا. فقد كان يعلم الرسول الكريم أن للشيطان مداخله على بعض الصالحين من جهة تشددهم أو فهمهم خطأ للدين أو تعبدهم لله بما يستحسنونه من حال أو هيئة؛ فإذا لم يُحسن إلى هؤلاء تحولوا إلى أعداء؛ كيف وقد صبر على أعدائه من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي المدينة.
٥ - غير أن هناك وضعا آخر تتحول معه البدعة إلى مهدد حقيقي للدين أو المجتمع وحدته وأمنه واستقراره؛ ما يلزم في هذه الحالة معالجة جادة وصارمة لذلك:
أ- إن كانت البدعة مكفرة: أي أن يحدث المرء من العقائد أو الأفعال أو الأقوال ما يوجب تكفيره، فإن كان ذلك صادر منه عن جهل أو تأول، بُيِّن له، وروجع في الأمر، وأقيمت عليه الحجة، واستتيب من قبل ولي الأمر، فإن وجد أن بدعته صادرة عن زندقة وإلحاد منه عُزر، وإن كان بالقتل. وقتل المبتدع الذي تصل بدعته حدَّ الكفر والزندقة التي بحيث ينتقد الدين بها عادة متبعة في دول الإسلام؛ ويدل عليه الوقائع التي وقعت لبعض المبتدعة، كما فعل علي بن أبي طالب ﵁ بالسبئية حين حرقهم، وكذلك قتل الجعد بن درهم والحلاج وغيرهم. والحاصل: أن القتل مما يعاقب به صاحب البدعة إذا كانت بدعته مغلَّظة مكفرة واستتيب ولم يتب، أو رأى أهل الحل والعقد أو الإمام أو من أفتى من العلماء أن هذا المبتدع يُقتل وإن لم يُستتب.
ب- وإن كانت البدعة مفسقة لكن لها أثرها على وحدة الأمة وأمنها واستقرارها (كبدعة التكفير عند الخوارج)، فلا يُكفَّر صاحبها، لكن مقاتلته فيما لو أفسد في الأرض وحمل السيف واجبة لوأد الفتنة وإخماد ثورتهم، وهذا فعل علي بن أبي طالب ﵁ مع الخوارج، حيث لم يبادئهم بقتال ولا حكم بكفرهم ولا بنفاقهم ومع ذلك قاتلهم لما حملوا السيف على المسلمين.
стр. 284
(٢/ ٤)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
الأربعاء ٦رجب١٤٣٢هـ
الهجر كعلاج للبدعة:
ومن بين أهم المعالجات التي شرعها الإسلام في مواجهة بعض الانحرافات -ومن بينها البدعة- هجر أصحابها، وذلك لتضييق دائرة تأثير أصحابها وقصر مفسدتها وإظهار المجتمع في موقف الرافض لها ليستفيق صاحبها من غفلته ويعود إلى رشده.
ومن فوائد الهجر التي قصدها الشارع:
١ - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في البدعة وتحذيرهم منها.
٢ - تحجيم انتشار البدعة.
٣ - إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع.
٤ - قمع المبتدع وزجره ليضعف عن نشر بدعته. [انظر رسالة (هجر المبتدع)، بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀، إعداد سلمان بن عبد القادر أبوزيد، بتصرف.].
فمعاشرة صاحب البدعة ومخالطته فتولد في صاحب البدعة طمأنينة إلى ما هو عليه، وربما أشعره بقبول المجتمع لبدعته وتزكيته إياها؛ وهذا قد يُغرر بالعامة، إذ أن العامة غالبا في حال جهلهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، وربما استحسنوا ما استحسنه المبتدع فوقعوا فيما وقع فيه، فلا بد إذاً من الحجر على المبتدع استصلاحاً للديانة، وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.
وبعد أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير المبتدع، قال: (فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه)
[(الاعتصام) (١/ ٨٥).].
وعلى كل حال فإن غياب التعامل الصحيح للمبتدع يحيي البدع ويميت السنن، وفي هذا هدم للإسلام بعينه.
أنواع الهجر:
أنواع الهجر ثلاثة:
الأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا.
وهذا النوع من الهجر على قسمين:
١ - هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وقال سبحانه: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) [أخرجه البخاري في الإيمان.].
٢ - هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء.
وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.
النوع الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة ﵃ بأسانيد في الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا.
стр. 285
النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف].
وجعل شيخ الإسلام ﵀ أنواع الهجر في الشرع قسمين، فقال:
(الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، .. فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر) [((مجموع الفتاوى)) (٢٨/ ٢٠)].
صفات الهجر:
الأصل في الهجر هو الإعراض عن المبتدع والبراءة منه. ومن مفرداته تركُ: مجالسته، ومجاورته، وتوقيره، ومكالمته، والسلام عليه، والتسمية له، وبسط الوجه له، وسماع كلامه، ومشاورته .. كل ذلك بقصد إصلاحه إذا عُلم تحقق ذلك؛ أما إذا عُلم فساد حاله أكثر أو تضييع مصلحة المسلمين فتقدر الأمور بقدرها.
وللهجر الشرعي ضوابط، منها:
١ - لا بد أن يؤدي هذا الهجر إلى الهدف الذي شرع من أجله، وهو الإقلاع عن هذه البدعة، وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله، أو من قبل غيره، أما إذا كان المبتدع لا يزيده الهجر إلا تمادياً في السوء، وركوناً إلى أهل السوء، أو غير ذلك من المفاسد فإنه لا يهجر.
فالمؤمن كالطبيب إذا رأى العلاج نافعاً فعله؛ لأن الهجر من باب العلاج، فإن كان الهجر يؤثر خيراً وينفع هُجر، وكان ذلك من باب العلاج لعله يتوب ويرجع عن خطئه إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إذا كان الهجر يسبب مزيداً من الشر وكثرة أهل الشر وتعاونهم فإنه لا يهجر، ولكن يديم له النصح والتوجيه وإظهار الكراهة لما عمل، ولا يبين له موافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحة والتوجيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به -يعني الهجر- زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولاغيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه) [((مجموع الفتاوى)) (٢٨/ ٢٠٣)].
ولو أن طالب علم مثلاً ذهب إلى أهله في بادية بعيدة وخاصة التي يغلبُ عليها البدع، فوجدهم يفعلون ما يفعلون من البدع، فقال: أنا أعرف أن من أصول أهل السنة والجماعة هجر أهل البدع فلنهجرهم، فإنه لن يدع أحداً إلا هجره؛ لأن الناس ألفوا هذه البدع وعاشوا عليها، فيصير هو المنكر المهجور؛ لأن الهاجر في هذه الحالة ضعيف والمصلحة لا تتحقق، والمشكلة ليست في عدم قيام طالب العلم بالإنكار أو عدم هجره لأهل البدع، ولكن المشكلة أن المصلحة الشرعية غير حاصلة. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف.]
٢ - الهجر الشرعي عبادة من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لا بد من توفر ركنيها: الإخلاص، والمتابعة، أي بأن يكون الهجر خالصاً صواباً، خالصاً لله صواباً وفق السنة، وإن هوى النفس ينقض ركنية الإخلاص، كما أن ركن المتابعة ينقضه عدم موافقة الهجر للمأمور به.
٣ - هجر المبتدع ليس عاماً في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، كما أن ترك الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط، وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه بالنص والإجماع، وإن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.
стр. 286
(٣/ ٤)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
الأربعاء ٥ شعبان ١٤٣٢هـ
الأصل في التعامل مع المبتدع:
الموقف الأصلي العام للسلف من المبتدعة هو هجرهم، وترك مجالستهم ومناظرتهم؛ لأن الأمور الباعثة لهم على الهجر من المصالح الدائمة الغالب وجودها مثل الخوف من انتشار البدعة، أو التأثر بها، أما إن تخلفت هذه المصالح، أو كانت المصلحة في غير ذلك الهجر فإن الحكم هنا دائر مع منفعته، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه كما قال ابن تيمية [الفتاوى ٨/ ٢٠٦]
قال ابن عبد البر في فوائد حديث كعب بن مالك في الذين خلفوا: (وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام عنه [التمهيد ٤/ ٨٧] وقال البَغْوي: (وفيه -أي حديث كعب بن مالك- دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد) [شرح السنة ١/ ٢٢٧.]. وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم.
ضوابط في دعوة المبتدعة:
هناك ضوابط ومعالم للمنهج الشرعي في دعوة المبتدعة، والتعامل مع عامة ذوي المخالفات الشرعية، منها:
١ - لا بد أن تكون دعوة أهل البدع قائمة على أصلين: الإخلاص والمتابعة. وذلك أن الحكم ببدعة ما، واتخاذ موقف من أهلها، مسائل شرعية نحن متعبدون بها، فيشترط لها ما يشترط لسائر العبادات، ومعنى الأخذ بالإخلاص أنه ينبغي ألا يكون الموقف عقاباً، أو تألفاً إزاء أحد من المبتدعة تشهياً ولا تشفياً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله [مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٠٧].، وقال ﵀: (إذا كان مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة ... بُيِّن أمره للناس؛ ليتقوا ضلاله، ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح، وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الإنسان؛ مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد أو تباغض أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساوئه مظهراً للنصح، وقصده في الباطن الغض من الشخص، واستيفاؤه منه؛ فهذا من عمل الشيطان [مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٢١].
٢ - ومن المهم عند دعوة أهل البدع معرفة أن البدع ليست بدرجة واحدة، بل تتفاوت بقدر ما ارتبط بها من مفسدة، فمنها ما هو معصية، ومنها ما هو كفر أو شرك، وقد تكون بعض البدع ذريعة إلى الشرك.
فلا بد أن ينزل كل إنسان منزلته، ويدعى بما يناسب حاله، كما قال الشاطبي ﵀: (كل بدعة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها، فيكون منها صغار وكبار؛ إما باعتبار أن بعضها أشد عقاباً من بعض؛ فالأشد عقاباً أكبر مما دونه، وإما باعتبار فوات المطلوب في المفسدة [الاعتصام ١/ ٣٥٩].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الطوائف المنتسبة إلى مبتدعين في أصول الدين على درجات: فمنهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون قد خالف السنة في أمور دقيقة [مجموع الفتاوى ٣/ ٣٤٨].
стр. 287
٣ - من المهم عند دعوة أهل البدع معرفة أن من صفات أهل السنة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق: والمبتدع من أولئك الخلق الذين يرحمهم أهل السنة مع يقينهم بكونهم على بدعة يستحقون بها العقوبة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون فيه موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون مع من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، المائدة: ٨، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، ولا يقصدون لهم الشر ابتداءاً، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق [الرد على البكري ٢/ ٤٩٠].
وقال: (وإذا نظرت إلى المبتدعة بعين القَدَر والحَيْرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاءاً وما أوتوا زكاءاً، وأعطوا فهوماً، وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، الأحقاف: ٢٦) [مجموع الفتاوى ٥/ ١١٩].
ويمثل هذا الخلق العالي أبو أمامة الباهلي ﵁ لما رأى سبعين رأساً من رؤوس الخوارج وقد جُزَّت ونُصِبَتْ على درج دمشق، قال: (سبحان الله! ما يصنع الشيطان ببني آدم؟ كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء، ثم بكى، وقال: إنما بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام) [مسند أحمد ٢٢٣١٤].
٤ - ومن المهم عند دعوة أهل البدع معرفة أن المبتدع والفاسق ينقص من موالاتهما بحسب جريرتهما، ولذلك قد يجتمع في المسلم حب وبغض، فيُحَبُّ لما معه من إيمان، ويُبْغَضُ لما اقترفه من بدعة وعصيان، كما قال شيخ الإسلام: (وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة) [مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٠٩].
ضوابط مناظرة أهل البدع:
ولا بد أن يُعلم عند دعوة أهل البدع أن مناظرة أهل الأهواء من أخطر أنواع المناظرات، وعليه يحمل أكثر كلام السلف في التحذير من ذلك، فينبغي على من تصدى لدعوتهم ومناظرتهم أن يتسلح بالعلم الشرعي، وذلك لما يترتب عليه من آثار مثل:
- ما يمكن أن يقع في قلب من يناظر أهل البدع من شبه أو شكوك.
- في مناظرتهم نشر لبدعتهم، وفي الإعراض عنهم إخماد لها.
- في مناظرتهم تقوية لهم ورفع لشأنهم.
ولذا لا بد عند مناظرة أهل البدع من ضوابط، منها:
стр. 288
١ - ألا تكون المناظرة لأهل البدع عبثاً وتضييعاً للوقت، وإظهاراً للقدرة على قوة الحجة، والتفوق في العلوم، كما كان يحصل كثيراً في مجالس الخلفاء، ولكن لا بد أن تكون في مقام تمييز حق من باطل، وصدع بالسنة وبطريقة السلف في مواجهة الزحف البدعي الظالم فهذا من الجهاد المشروع في سبيل الله باللسان والبيان، وهو قسيم الجهاد في سبيل الله بالسلاح والسنان، ولما كان المجاهد في سبيل الله موعوداً بالنصر بالظفر أو الشهادة فإن المجاهد باللسان لا بد أن يكون كذلك إذا اتقى الله ما استطاع، وكان له من العلم ما يؤهله لخوض غمار معركة المبتدعة بالحجة؛ إذ الحجة في جهاد اللسان تقابل القوة في جهاد الطِّعان، فمن كانت هذه حاله فإنه إذا ناظر المبتدع لم يكن إلا قد قام بواجب الدين عليه، والله تعالى أكرم من أن يضيع من هذه حاله في دينه ونفسه، بل يحميه من البدعة ومن أن يقر ذلك في قلبه، أو أن يكون سبباً مفضياً به إلى الزيغ والبدعة.
٢ - ألا تكون المناظرة هدفاً لذاتها بحيث يظن أنها سبيل صحيح لتحصيل العلم، ويحصل بسبب ذلك التوسع والمسامحة في مخالطة المبتدعة فهذا مذموم أيضاً، كما ورد في ترجمة الإمام العلامة المتفنن أبو الوفاء ابن عقيل (ت ٥١٣هـ) أنه قال عن نفسه: (وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً) [ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ١٢٦، والمنتظم لابن الجوزي ٩/ ٢١٣، وسير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٧].، قال الذهبي معلقاً: (قلتُ: كانوا ينهونه عن مجالسة المبتدعة، ويأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجسَّر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة) [سير أعلام النبلاء ١٩/ ٤٤٧].
٣ - وكذا يُذَم البحث والنظر -فضلاً عن الجدال والمناظرة- إذا كان هذا الباحث متشككاً متحيراً متهوِّكاً؛ فهذا يجب عليه أن يطلب الهدى من مظانه لا أن يخرج للبيداء يلتمس السُقيا.
قال شيخ الإسلام: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يُفسده ذلك المضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار؛ فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة، وقد يُنهى عنها إذا كان المناظر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله، والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة مَنْ لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال، وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة، ومستحبة أخرى، وفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم ومفسدة ومصلحة وحق وباطل) [درء تعارض العقل والنقل: ج٧/ ١٧٢ - ١٧٤].
٤ - ومن المناسب أن تُتبع هذه المناظرات في حالة إذاعتها في تلفاز ونحوه ببرامج هادفة يكون المتحدث فيها من أهل السنة ليغسل في برنامجه أوضار المناظرة، ويجيب فيها عن الإشكالات التي قد ذكرت ولم يسع الوقت لنقاشها.
٥ - الأصل في المناظرات العلنية ألا يُقدم عليها إلا أن يتضح وجه المصلحة فيها بحيث يكون عظيماً ظاهراً، ويكون خوف الضرر والمفسدة فيها قليلاً؛ بحيث يغلب هذا على الظن.
٦ - يجب الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع في الإيغال في بدعته.
٧ - ومن المهم أن يراعى ألا يكون المناظر هو سبب تبغيض الحق إلى الطرف المقابل بالبغي عليه بالقول أو الفعل، أو بسوء خلق، أو بضعف حجة، فليست دعوى المدعي أنه من أهل الحق بعذر له في عدم إظهار البراهين، قال الإمام ابن القيم: (ما كل من وجد شيئاً وعلمه وتيقنه أَحْسَنَ أن يستدلَّ عليه ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه، فهذا لون، ووجوده لون) [مدارج السالكين: ج٣/ ٤٨٦].، وقد قال بشر المريسي للإمام الشافعي ﵀: (إذا رأيتني أناظر إنساناً وقد علا صوتي عليه فاعلم أني ظالم، وإنما أرفع صوتي عليه لذلك) [مناقب الشافعي، للبيهقي: ج١/ ١٩٩].، وعلى كل حال فالأكمل للمناظر أن يكون قاصداً لإيصال الحق إلى الطرف الآخر الذي يناظره متلطفاً في ذلك، فإن أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق كما سبق.
ومن وسائل المناظرة والمجادلة ما يتلطف به إلى إيصال الحق إلى الخصم شيئاً فشيئاً حتى يتشربه، وقد يفتح الله على قلبه فيتبعه، فيكون لهذا المناظر أجر هداية المبتدع، ولو لم يعلم الناس أو المبتدع نفسه بذلك، ولكن قد علم ذلك وأثبته في صحائفه اللطيف الخبير .
стр. 289
(٤/ ٤)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
تنبيهات عند دعوة المبتدع:
وهذه أمور ينبغي أن يُنتبه لها عند قصد دعوة أهل البدع:
١ - ألا يحملنا كراهة البدعة وأهلها على الغلو مع المبتدعة، بل لا بد من العلم ومعرفة القواعد والمقاصد الشرعية التي تضبط تصرفات المكلفين وتقدير المصالح والمفاسد أثناء دعوتهم، فقد ظن أناس أن هجر المبتدع حكم شرعي لازم كملازمة المسببات لأسبابها، وهو بمنزلة الحد أو هو كالبراء، والواقع أن هجر المبتدع كغيره من عقوبات المبتدعة وأهل المنكرات من المصالح المرسَلة التي تقدر بقدرها، ويعمل بها حسب الحال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مبيناً اختلاف الناس في أخذهم بعقوبة هجر المبتدع: (إن أقواماً جعلوا ذلك عاماً فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ... ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجاباً أو استحباباً ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه) (١).
٢ - كما أنه لا يجوز اتخاذ موقف سلبي من مسلم بسبب أمور وقع فيها إلا بعد أن يغلب على الظن أنها بدعة، أو معصية، من خلال معرفة كون ذلك العمل أو الأعمال بدعة فعلاً أو معصية؛ فإن جملة من الخلافات التي تقع بين الناس في المسائل الشرعية يكون سببها قصر النظر في فهم الخلاف المذهبي الفقهي، وفي الوقت ذاته توسيع دائرته ليصبح خلافاً عقدياً أو مخالفات شرعية، أو ربما كانت في أمور دنيوية ليست من الشرع أصلاً (٢).
فينبغي للمسلم أن يعرف مفهوم البدعة وماذا يشمل؟ فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
٣ - كما أنه لا بد من العدل مع المبتدعة حتى يكون ذلك سبباً لاستجابتهم، فإن العدل فضيلة مطلقة؛ لا تقييد في فضله؛ فهو ممدوح في كل زمان، وكل مكان، وكل حال، ممدوح من كل أحد، مع كل أحد، بخلاف كثير من الأخلاق فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد، ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه.
وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده، وبه تُعطى الحقوق، وتُرد المظالم، وبه تأتلف القلوب؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان، وبه يُقبل القول، أو يعذر قائله، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي، فالخلاف مضيق لآراء الناس ومواقفهم، وعند المضايق يذهب اللب، وإذا ذهب اللب فلا تسأل عن ضياع حقوق المخالف؛ بل ضياع الحق نفسه في أحيان كثيرة، ففي الوقت الذي ندين لله تعالى ببغض المبتدع واستيقان استحقاقه للعقوبة نلزم أنفسنا بما ألزمنا الله به من العدل والإنصاف؛ فالعدل منهج شرعي في كل شيء، على أن العدل المحض في كل شيء -كما يقول شيخ الإسلام- متعذر علماً وعملاً، ولكن الأمثل فالأمثل (٣).
стр. 290
وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، [المائدة: ٨]، فمن العدل ذكر ما لهم من صواب، وذلك بحسب المقام والحال، واعتبار المصالح والمفاسد؛ والجمع بين ذكر محاسن المبتدع والتحذير منه غير سائغ في كل مقام، وإفراد المحاسن بالذكر مظنة الاغترار، والاقتصار في جميع الأحوال على التحذير وذكر المثالب بخس وإجحاف، ولكن حسب ما يقتضيه المقام.
ويتمثل هذا العدل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في حديثه عن الباقلاني الأشعري مثلاً حيث يقول: (مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة، والمحاسن الكثيرة، والرد على الزنادقة والملحدين، وأهل البدع حتى إنه لم يكن من المنتسبين إلى ابن كُلاَّب والأشعري أجلَّ منه، ولا أحسن كتباً وتصنيفاً) (١).
وقد ألف شيخ الإسلام كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وهو مخصص للرد على الأشاعرة، وعلى رأسهم أبو عبد الله فخر الدين الرزاي، وقد ذكره في (٢٦١) موضعاً لم يصفه فيها بلفظ شائن، ولا عبارة مقذعة، ولا سماه بالمبتدع.
٤ - من كان راداً على المبتدعة فليتحلَّ بالصبر وإلا فلا يشق على نفسه وعلى المسلمين، وليكف عن الناس أذى لسانه وبنانه فهو صدقة منه على نفسه، وليس لأحد عذر في أن يرد على الباطل بالباطل، والبدعة بالبدعة أبداً.
٥ - لا بد من الحرص على دعوة المبتدعة والرغبة في إيصال الحق إليهم.
٦ - الرغبة في مزاحمة المبتدعة في الوصول إلى الناس، وإعطائهم الأمصال الواقية من تلك البدع وإظهار ضعف حجة المبتدع، والطمع في التأثير على أبناء ملته، وأتباعه على بدعته إذ رجوعهم إلى الحق أيسر من رجوعه إليه.
٧ - الحرص على جمع الناس على كلمة سواء، وذلك أن المسلمين مأمورون بالاعتصام بحبل الله، ولا يمكن اجتماعهم على غيره أصلاً، ففي نفي زغل البدعة وأهلها تقدُّمٌ نحو تحقيق هذا المقصد الشرعي العظيم؛ وليكن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
стр. 291
٨ - اغتفار زلة العلماء والدعاة الذين ثبت أن منهجهم هو منهج أهل السنة، ثم وقع منهم هفوة أو زلة أو بدعة متأولة ينبغي نصحهم والتحذير من الخطأ الذي وقعوا فيه، لكن لا ينبغي إسقاطهم بالكلية، وإخراجهم من المنهج لزلة أو هفوة، فإن العصمة ليست لأحد سوى الأنبياء، كما قال ابن القيم: (وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً؟! ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته) (١)، فإذا كان واجبنا أن نلتمس العذر للمسلم بصفة عامة فينبغي أن يكون لدعاتنا وعلمائنا نصيب أكبر في العذر وإحسان الظن؛ وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى الأساس الذي يقوم عليه هذا المنهج وهو الموازنة بين حسنات الرجل وسيئاته، وما له وما عليه، يقول شيخ الإسلام: (إن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه، إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته كما قررته في غير هذا الموضع) (٢) وقال أيضاً: (إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين) (٣) وقال الشاطبي: (زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليداً له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتداً بهالم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) (٤).
وقال الذهبي: (ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك) (٥).
٩ - لا بد أن نعلم أن عبارات السلف الشديدة في حق المبتدعة خرجت في حق أهل العناد والدعاين إلى البد ع، ومن هذه العبارات ما خرج من أجل الزجر عن الوقوع في البدع والتساهل فيها، أو مع أهلها، قال ابن القيم ﵀: (كان ابن عباس ﵄ شديداً على القدرية، وكذلك الصحابة) (٦) ومما يُظهِرُ شدة الصحابة على المبتدعة وتبرئهم منهم قول ابن عمر ﵄ حينما سئل عن القدرية فقال: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني) (٧).
فينبغي على الداعية لأهل البدع أن يعرف متى يستخدم الشدة؟ ومتى يستخدم اللين؟ وما يحقق المصلحة الشرعية وما لا يحققها، فيضع الشدة في مكانها، واللين في مكانه؛ لأن إغفال هذا الأمر مضر، وكما قال المتنبي:
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى (٨).
والله الموفق للصواب.
стр. 292
بيان بشأن أحداث البحرين
١٨ ربيع الآخر ١٤٣٢هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد
فإن رابطة علماء المسلمين تتابع ما يقع في البحرين من أحداث مؤسفة، اعتدى فيها المتظاهرون من الشيعة على أهل السنة من رجال أمن ومقيمين عزل في مملكة البحرين بالضرب والقتل بصورة وحشية، وإننا في رابطة علماء المسلمين إذ نستنكر هذه الأفعال نود بيان الأمور الآتية:
١ - إن أحداث مملكة البحرين لا تشبه ما حصل في مصر وتونس بحال من الأحوال، فإن ما حدث في تلك الشعوب ثورات سلمية تطالب بالحرية والكرامة، واتفق على ذلك جميع الشعب؛ أما ما يحدث في مملكة البحرين فهي فتنة طائفية تستهدف القضاء على الوجود السني فيها حكومة وشعباً، وأغلب الشعب يرفضها.
٢ - تدعو الرابطة جميع المسلمين في العالم إلى توخي الدقة في تلقي الأخبار عن أحداث مملكة البحرين وعدم الاعتماد على القنوات الطائفية التابعة لحزب الله في لبنان أو التابعة لإيران؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَل َى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] كما تطالب الرابطة وسائل الإعلام والقنوات الإسلامية تسليط الضوء على حقيقة الأحداث من داخل البحرين، وإن الرابطة ليؤسفها ضعف الأداء الإعلامي الرسمي في كشف الحقائق.
٣ - إن رابطة علماء المسلمين قد حذرت في بيان سابق لها من المد الصفوي في مملكة البحرين، وقد كشفت الأحداث حقيقة ما حذرت منه الرابطة من تدخل إيران بشكل سافر في البحرين وبقية دول الخليج.
٤ - إن الرابطة استبشرت خيراً بتعاون دول الخليج في إرسالهم لقوات درع الجزيرة -حسب الاتفاق للدفاع عن أي دولة من دول الخليج - لمواجهة هذا المخطط الصفوي الذي يريد أن يجعل من البحرين بوابة ينطلق منها إلى بقية دول الخليج؛ وقد أمر الله بالتعاون على البر والتقوى بقوله، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ودخول قوات درع الجزيرة إلى مملكة البحرين يندرج ضمن هذا الأمر، ولا يعد احتلالاً كما يصوره أنصار المد الصفوي في العالم، كما تدعو الرابطة دول الخليج لتكوين وحدة خليجية تنضم دولهم في سلك واحد لمواجهة مثل هذا العدو الصفوي.
٥ - إن رابطة العلماء لتدعو أهل السنة إلى التلاحم وتحذر السنة والقبائل العربية على وجه الخصوص من الهجرة من البحرين فإن في هذا إضعاف لأهل السنة وإضاعة لأرضهم.
٦ - تدعو رابطة العلماء حاكم البحرين إلى الحزم في عقوبة كل من يثبت تورطه في الأحداث، وعدم العفو عنهم حتى يرتدع الجاني ويخاف المتربص وحتى يذهب ما في قلوب أهل السنة من الحزن والضيق ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤].
٧ - إن الاستقالات الجماعية التي حصلت من الشيعة في شتى أعمالهم ومناصبهم في مملكة البحرين لترشد اللبيب إلى أهمية البعد عن اتخاذهم بطانة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨] لذا فإننا ندعو ملك البحرين إلى عدم اتخاذهم مستشارين وتوليتهم بمناصب مؤثرة في أي حكومة ولكم في أهل السنة غنية وكفاية، ولكم في التاريخ عبرة وعظة.
стр. 293
٨ - تدعو الرابطة حكومة البحرين وشعبها للرجوع الى الله انطلاقا من قوله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ... )، وذلك بتحكيم شرع الله وإزالة أوجه الفساد من خمر ومراقص وغيرها، ورفع الظلم وإقامة العدل؛ فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.
٩ - حثنا النبي ﷺ في مثل هذه الفتن على الإكثار من العبادة؛ فقال ﷺ (العبادة في الهرج - يعني الفتن- كهجرة إلي) [أخرجه مسلم]، والعبادة في خضم هذه الأحداث والفتن تفيد فائدتين عظيمتين؛ أولاها: أنه تستنزل البركات من السماء وتنشرها في الأرض (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)، والثانية: أن العبادة سبب للهداية والتوفيق في مثل هذه الفتن التي تختلط فيها الآراء وتزيغ فيها العقول ولا يعرف فيها الحق من الباطل.
١٠ - نذكر أهل السنة في البحرين بأهمية تلمس أوجه الخير في الحدث ـ وهي كثيرة- ونشرها بين الناس فإن ذلك يرفع من معنوياتهم، وأن يجتنبوا كل ما يثبط الناس ويخذلهم في مواجهة عدوهم، فقد كان النبي ﷺ يبشر بملك كسرى وقيصر وهم محاصرون في غزوة الخندق.
نسأل الله أن يحفظ أهل السنة في البحرين وفي كل مكان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس الرابطة الأمين العام للرابطة
الشيخ الأمين الحاج د. ناصر بن سليمان العمر
стр. 294
البيان الختامي للمؤتمر الأول لرابطة علماء المسلمين
رابطة علماء المسلمين
٢٨ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد،
فقد انعقد المؤتمر الأول لرابطة علماء المسلمين باسطنبول في الفترة من ٢٧ - ٢٨ ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين من الهجرة يوافقه ٢ - ٣ مارس من عام ألفين وأحد عشر ميلادية، وحضره أكثر من مائة عالم وداعية من خمس وثلاثين دولة.
وكان عنوان المؤتمر: ((العلماء ونهضة الأمة)) وقد عقدت بالمؤتمر خمس جلسات في موضوعه، ألقيت فيها خمس عشرة ورقة، وأقيمت أربع ندوات مصاحبة للمؤتمر حول ما يشهده العالم الإسلامي من تغيرات ومطالبات شعبية بالإصلاح. وانتهى المؤتمرون إلى توجيه هذا البيان إلى الأمة الإسلامية:
أولاً: إن صلاح الأمة الإسلامية مرهون بصلاح العلماء والحكام فهم ولاة الأمر وقادة البلاد وقدوة العباد، وإن إحياء الربانية في الأمة فريضة شرعية، وضرورة مجتمعية، وطريق قاصد للإصلاح ومنطلق أصيل لتحقيق النهضة في جميع المجالات.
ثانياً: إن تجديد هذا الدين والحفاظ على وحدة المسلمين وتعزيز القيم الإسلامية، ورعاية الحقوق الإنسانية، والحريات المنضبطة بالضوابط الشرعية، وقيادة الأمة وإرشادها في مهماتها وملماتها، منوط بأهل العلم الربانيين.
ثالثاً: إن نهضة الأمة المسلمة اليوم تنطلق في بواعثها من كمال دينها وشمول وسعة مفهوم العبادة والعمل الصالح، وعقيدتها الصحيحة وشريعتها السمحة، وخيريتها التي سطرتها كلمات الوحي، وأكدتها صفحات التاريخ والحضارة الإسلامية التليدة.
رابعاً: على الأمة الإسلامية اليوم أن تعي حجم التحديات الكبرى التي تواجهها والتي تمنع تقدمها نحو نهضتها وسؤددها؛ فبالعلم والسنة تواجه الجهل والبدعة، وبالتسلح بالفقه والوعي تواجه المكائد والمخططات الداخلية والخارجية، وبالأخذ بالعلوم المعاصرة والاستفادة من التقنية تتحقق التنمية الشاملة ويقضى على التخلف.
خامساً: على أهل الحل والعقد في الأمة من العلماء العاملين ومن اتبعهم من الولاة الصالحين التصدي للاستعمار الغربي والاحتلال الأجنبي لبلاد المسلمين وإنهاض الأمة لاسترداد عزتها والمفقود من كرامتها بإحياء فقه الجهاد وإقامته في مواطنه المشروعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقبل ذلك وبعده العودة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية وتعظيمها، قال تعالى ((إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه)).
سادساً: يطلب من علماء أهل السنة في كل قطر أن تجتمع كلمتهم، وأن يتحد صفهم في إقامة الدين، والاحتساب على الظالمين وإنصاف المظلومين ونصح الحكام، عبر جهات وهيئات شرعية، وروابط دعوية وعلمية مستقلة عن أنظمة الاستبداد والفساد، والتي تسلطت على حريات العباد بالسجن والاعتقال بغير تهمة أو محاكمة.
سابعاً: لقد اتجهت الأمة الإسلامية اليوم بكل فئاتها نحو التغيير إلى الأفضل وتحقيق الإصلاح بما لا يجوز تعويقه ولا الإبطاء في إنجازه، وهذه المطالبات السلمية المنضبطة لا تعد خروجا على الشرعية ولا مخالفة للشريعة الإسلامية.
ثامناً: يعتبر الظرف الراهن فرصة مواتية لالتحام الأمة بعلمائها، وتحقيق إصلاحات جذرية تشمل الاحتكام إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهما ضمانة تحقيق العدالة الاجتماعية، وضبط مسيرة السياسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية في الأمة على حد سواء.
تاسعاً: تحيي الرابطة إنجازات الأمة الإسلامية في تونس ومصر وغيرهما من بلاد الإسلام، وتذكر بأن التغيير الحقيقي هو ما يبدأ من القلوب توبة إلى الله، واعتصاماً بهداه، وتهيب بكل القوى السياسية والاجتماعية أن تقوم على تحقيق الصلاح ومحاربة الفساد بكل صوره، واختيار خير من يقوم بالأمانة بدون مزايدة أو شعارات جوفاء، قال تعالى: ((إن خير من استأجرت القوي الأمين)).
عاشراً: تقف الرابطة خلف جهاد الشعب الليبي للتحرر من نظامه الفاسد وقائده الخارج عن الإسلام الباغي على أهله، وتدعوهم للصبر والمصابرة حتى يقطع الله دابره، قال تعالى: ((ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله)).
حادي عشر: تحذر الرابطة من المد الصفوي والانخداع بشعاراته المضللة في البحرين وغيره. وتدعو أهل السنة حكومة وشعباً إلى إقامة العدل ومحاربة الظلم والاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
ثاني عشر: العلماء الصالحون في كل بلد هم مرجعية الأمة في نوازلها وعنهم تصدر الأمة في مواقفها، والأصل ألا يفتئت عليهم أحد. والمناصحة واجب شرعي وعمل مرضي، فعلى أهل اليمن والشام وسائر بلاد الإسلام أن يجتمعوا على فتاوى علمائهم وهيئاتهم الشرعية، وأن يقووا كلمتهم.
والله نسأل أن يكتب التوفيق للمسلمين، وأن يلهمهم الصواب والسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 295
العلماء .. وقصور الرسالة !
(الحلقة الأولى)
عبد العزيز الطريفي
٢٤ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من أظهر أسباب قصور النتائج الجهل بحقيقة الذوات، وعدم إدراك ميزانها.
وحصر منافع الأشياء أو قصرها على بعض وجوهها واستعمالاتها، تعطيل لنتائج تعظم وتحقر بحسب المفقود من قيمتها، وهذه سنة كونية، نراها حتى في مخلوقات الله المادية، فالمعادن وكنوز الأرض كانت بين يدي الإنسان منذ أول الخليقة، فهو لم يصنع الطائرة والتقنيات من عدم، ولكنه حينما جهل حقائق الماديات ووجوه الانتفاع منها أثر هذا على نتائجه من قصور مادي شديد إلى حضارة مادية كبيرة، فمعدن الطائرة والتقنية هو المعدن الذي كان بين كفي الإنسان يشرب به ويأكل وغير ذلك من الاستعمالات، فالمادة هي المادة والإنسان هو الإنسان ولكن العلم بحقائق الذوات قاصر، فقصرت النتائج.
وهكذا العالم في كل علم مع معلوماته ورسالته ومواقعها وآثارها في الناس، وكلما توسعت العلوم وتكاثرت تداخلت وتنازعت وزاحم بعضها بعضاً حتى في فروع العلم الواحد، ويجب الإيمان أن كل العلوم في الأرض والسماء متداخلة مهما اختلفت، ولو في أجزاء يسيرة، ويغيب عن الإنسان أكثرها ويعلم القليل جداً (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، والعلم المطلق لله وحده.
إن العالم ورسالته في الإسلام دخلها الجهل بحقيقتها على عصور طويلة، فأثر ذلك على العالم في ذاته وفي مدى العلم الذي ينبغي أن يأخذه، ويؤديه ويبلغه، ونوع خطابه ورسالته، وسمته وحرفته التي يتقوت منها ويرتزق، وصلته بالناس، وعلاقته بالمادة، والسياسة وارتباطه بها، ومن جهل ذاته لم يؤد رسالته، وأخطر أنواع الجهل جهل الرجل بذاته.
لقد جاء الوحي على رسول الله ﷺ يتوالى في ضبط الدين والدنيا وتكوين الصلة بينهما، وجاءت نصوص الوحي في أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج كما جاءت في ضبط البيع والشراء والتعامل مع الخلق والبهائم، وسياسة البشر والرؤساء وذوي الهيئات، والمتباينين في الديانة.
وكان النبي ﷺ إمام العلماء وسلطان الله في الأرض، يأمر وينهى كما أُمر ونُهي من ربه تعالى، وكانت صورة العالم السلطان مكتملة في جسد النبوة، فأثمر ذلك الأمان للأمة قال ﷺ كما في صحيح مسلم: (أنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون).
ولهذا جاء تفسير السلف من التابعين لولي الأمر في القرآن أنهم العلماء تارة وتارة أنهم الأمراء، فهم يرون ذلك من المترادفات، لأنه في زمانهم لا يكون أمير يصدر عامة الناس عن قوله إلا وهو عالم عارف، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فسر ولاية الأمر بالعلم ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وعطاء والحسن البصري وعكرمة.
وقد بقي سلطان الأمر والعلم في جسد محمد ﷺ ، ومن بعده من الأمراء كالخلفاء ﵃، ولذا قال ﷺ : (أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما توعد).
وقد أخذ هذا التركيب ينفك شيئاً فشيئاً، حتى انفصل الأمر عن العلم، وأخذ السلطان يأمر وينهى بسياسة وقصور علم، وانزوى العالم وأخذ يأمر مع قصور في السياسة، فيرى السلطان ما لا يراه العالم، ويعلم العالم ما لا يعلمه السلطان.
стр. 296
وأي اختلال للأمان في الأمة، واضطراب في المجتمعات، فهو بسبب القصور في فهم العالم ورسالته، وانقسام جسد الأمر إلى عالم في جسد، وسلطان في جسد، وانفرد كل واحد منهما بشطر الرسالة، والعملة لا ينفصل أحد وجهيها عن الآخر وتَنْفُق على وجه صحيح في سوق الدين والدنيا.
وقد أحدث هذا الانفكاك فساداً في بعض أنواع العلماء وبعض أنواع السلاطين، ليكتمل وجه القصور في دولة الإسلام دولة الدين والدنيا، فيُحابي العالم في علمه ويترخص للسلاطين مظالمهم، وأخذ السلطان يُميْل إليه وجه العالم ليشتري منه الرأي ليكتمل النقص المفقود عنده وهو العلم والتشريع، فيضعُف العالم فيعطي السلطان رغبته ليكتمل له الأمر المفقود وهو نفوذ الجاه والأمر على الناس لقربه من السلطان.
وقد كان العلماء العارفون من السلف يُدركون أثر هذا الانفكاك، روى الدارمي في سننه عن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: نشر العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله.
وهذا الانفكاك يزداد بقصور السلطان عن تحليه بالعلم، واكتفاؤه بثبوت الطاعة وتحققها، وبقصور العالم عن فهم السياسة ومصالح الناس في الأموال والحقوق، واكتفاؤه ببراءة الذمة لأنه يرى أن ذلك ليس من شأنه.
وهذا الانفكاك لا يُلغي أهلية العالم عن إكمال المنفك منه ليصدر قوله عن رأي نافذ ناضج، ولا يُلغي أهلية السلطان عن إكمال المنفك منه ليصدر حكمه وأمره ونهيه عن علم محكم، ولا يُلغي أيضاً السمع والطاعة بالمعروف للآمر عالماً أو سلطاناً، وقد كان النبي ﷺ يُنبِّيء في كثير من الأخبار ضمناً على انفكاك الأمر في الأمة واختلال نظر العامة في فهم وجهته، وهذا يُفهم كثيراً من حثه على السمع والطاعة في المنشط والمكرة بالمعروف مع إخباره بفساد الآمرين، ولذا قال عبادة بن الصامت ﵁: (دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)، وهذا الاستثناء في الحديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً) إشارة إلى البعد في انفصال العلم عن السلطان بُعداً يستوجب توحيد الكلمة ما لم يبلغ الكفر.
والطاعة لولي الأمر إنما جاءت في النصوص قوية في آخر الزمان مع فساد الأمر لأجل بيان ثبوت هذا الاختلال في الأمر، وأن ضبط الموازين والجمع بين هذه المفترقات الدقيقة أمر يفوق إدراك العامة ودهماء الناس، ومخاطبتهم بالعلاج متعذر، لهذا فيُكتفى بأمرهم بالسمع والطاعة بالمعروف، وأما العلماء فيعرفون حقيقة الرسالة التي حملوها، وتوجيه الناس بها كل زمن بحسب علمائه.
وإن من وجوه الخطأ أن يُدخل العالم نفسَه في خطاب العامة، فينزوي عن فهم حقيقة رسالته ومهماته، وماذا أنيط به من واجبات تجاه الناس وأحوالهم، ومحاولة إتمام القصور في الأمة وغرس الأمان فيها، وأظهر وجوه قصور العالم التي نراها اليوم:
стр. 297
أولاً: التغافل عن عموم الرسالة، وشمول خطاب الوحي في ضبط الدين والدنيا، وحصر العناية بالأحوال والأفعال والعلوم التعبدية الخالصة مما يُشترط فيها النية لحصول الثواب ورفع العقاب، كالصلاة والصيام والحج والذكر ونحوها، وتصحيح وجوه الخطأ والابتداع فيها، وأمر الناس بذلك وأطرهم عليه، ونهيهم عن الترك، وتغافل العلماء عن ضبط دنيا الناس، والاحتراز لأموالهم وصونها من العبث، وأخذها بالظلم والسلب والاختلاس، وما يتعلق بحقوقهم فيما بينهم، وتعاملاتهم في شأنهم كإصلاح ذات البين، وغشيان نواديهم، قصور في فهم الرسالة، وخطاب الوحي وميثاق الله المأخوذ عليهم، وقد أورث هذا اغتراباً في الأفعال وعزلاً للعالم وسلوكه في باب من أبواب العمل والتكسب، والترفع عن مخالطة العامة بالتكسب بالحرفة والصناعة وعمل اليد، والمتاجرة في الأسواق، بدلاً من ترقب يد من يستميله إليه فيعطيه ويمنعه.
ويوسف ﵇ ولج إلى تصحيح دنيا الناس، لعلمه بها وخبرته السابقة بذلك لذا لما طلب إدارة خزائن الأرض قال: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يرى استحقاقه لذلك بسبب الحفظ وهو الأمانة وكذلك العلم وهو معرفة أمر المال وشأنه وتدبير أمور الناس المالية.
وانشغال العالم بالنوع التعبدي الخالص، والتغافل التام عن الآخر أورث انفصالاً في فهم الرسالة، وتهيئةً للأفكار الداخلة على العلم في الإسلام أن الدين والدنيا منفكان عن بعضهما، وأصبح تغافل كثيرٍ من العلماء عن حياة الناس وشأنهم، أرضاً تنبت عليها الأفكار المادية كالعلمانية والليبرالية والشيوعية الاشتراكية لأنها بديلٌ في ضبط دنيا الناس عند فساد دنياهم من ظلم ظالم وقهر قاهر، وربما كان انشغال العالم بشطر رسالته مسوغاً لاستنكار دخول العلماء العارفين في ضبط حياة الناس والعناية بشأنهم، وينتج عنه أن وَجد رموز الفكر العلماني بيئة الإسلام منفكة إلى أصحاب دين وإلى أصحاب دنيا، فاحتاجوا إلى تنزيل الأسماء فحسب، من غير حاجة إلى فصل الأفعال.
وأصبح هذا القصور دعوة مؤيدةً لتصنيف العلماء وتحزيبهم، وربما اضطرب العلماء الداخلون في مصالح الناس في معرفة الوجه الصحيح لموقفهم، بسبب عزلتهم عن مسالك غيرهم من العلماء، فيشعرون بالغربة والعزلة، ومع طول عهد يضعف في كثيرٍ منهم التدين، ويبقى الدين والورع ملازماً لكثيرٍ ممن نأى بنفسه، فتضطرب العامة في فهم الطريق الصحيح إلى أي العلماء يسلك وبأيهم يقتدي.
والعالم وإن انفك عنه السلطان في الأمر ينبغي أن يُكمل ما نقص من أمر السلطان في الأرض فيكون له عوناً إن غفل أو تغافل أو ظلم ببينة ومكابرة ويكون ذلك بالبيان ومقتضى الحال بالمعروف والحسنى، لا بالمنازعة والمغالبة في كل حال لأن ذلك قد يفضي إلى إضاعة الأمر كله بعد أن ضاع شطره.
وإنما تضعف منزلة العالم في الناس إذا انشغل عن دنياهم.
ثانياً: الخلط بين زهد العالم في حفظ الماديات لنفسه، وزهده في حفظ الماديات للناس، وكثيراً ما لا يتم التفريق بين المقامين، فزهد العالم في الدنيا لنفسه محمود، وزهد العالم في حفظ أموال الناس والعطاء لهم وصون حقوقهم مذموم، فالنبي ﷺ لو أراد الدنيا لكان أكثر الناس مالاً وحظاً فيها، ولكن زهد فيها، ومع هذا فكان أكثر الناس حرصاً على العطاء وإغداق المال على الناس، وإصلاح ذات البين والحث على حفظ أموال الناس وتحريم أكلها.
ففي الصحيح عن أنس أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.
стр. 298
وكان ينتصر لحق الضعيف بالبيان للناس إذا أُخذ ماله ولو كان عبداً مملوكاً، فبريرة أمَة مظلومة اشترط أهلها الولاء لهم بعد عتقها لنفسها، فقام النبي ﷺ على المنبر وقال: ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط.
ومع هذا فكان زاهداً في حق نفسه ينام على حصير يؤثر على جنبه، ويقول له الصحابة: لو اتخذنا لك وطأة؟ فقال: مالي وما للدنيا ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها.
بل الخوض في مصالحهم بالصلح أفضل من الانشغال بنوافل الصلاة والصيام ففي سنن الترمذي عن أبي الدرداء قال ﷺ : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة.
وهذا أكثر وقعاً على العامة أن يزهد في المال من يُعطيه، لأنه كان في يده فأوصله لغيره، ويمكنه حبسه لنفسه.
والزهد في الحديث عن حفظ أموال الناس والمجتمعات وبيان خطورة التعدي عليها ثلم عظيم في مهمة الرسالة، وكسر لمفاتيح قلوب الناس، التي لا يُدخل إليها إلا بدنياهم.
والنبي ﷺ كان يُعطي الناس المال تأليفاً واستمالة لقلوبهم، ويحفظ لهم حظ الدنيا ليبقى حظ الدين، ومقتضى ذلك أن من قصر في حفظ دنياهم وتهاون مع قدرته على ضبطها، فهو مضيع لدينهم، ومن نظر إلى مصارف الزكاة الثمانية في القرآن عرف أن المقصود بدفع المال هو حفظ الدنيا ليُحفظ الدين، فلا دين إلا بدنيا.
ثالثاً: حصر التفقه في الدين على أبواب مخصوصة من العلم، ولضعف خوض العالم في دنيا الناس وأفكارهم وصونها ضعُف أخذه للعلم الذي يؤدي إلى تحقيق ما تركه وزهد فيه، فإذا بعُد عملاً وخوضاً في سياسة المجتمعات والدول والحقوق والأفكار المتعلقة بذلك، فهو سيبتعد غالباً عن الخوض في العلوم المؤدية إلى معرفتها ولو كان الجهل بها مضراً بالدين ومسوغاً للتسلل إلى نقض حماه، لهذا يُحسن كثيرٌ من العلماء المعاصرين معرفة الطوائف والفرق السالفة لوجودها في بطون الكتب، ويعرف حجج أهلها ونقضها، ولكنهم ربما يجهلون كثيراً من الطوائف المعاصرة التي هي أشد خطراً من الطوائف السابقة في الناس كالعلمانية والليبرالية والمدارس الفكرية المعاصرة وأثرها على عقائد الناس ودينهم ودنياهم، وإذا ظهر ضعف تفسيرهم لها، وهوان الرد عليها، قويت حجة المخالف ولو كانت ضعيفة لأن حجة العالم أضعف في العرض وإن كانت أقوى في الأصل، والسلاح براميه، فالحاذق العارف يصيب ولو بالسهم، والجاهل يخطيء ولو بالبندقية.
يتبع بإذن الله ..
стр. 299
إضاءات في طريق البناء الفكري المتوازن
سلطان العميري
٢٢ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
تمثل هزيمة حزيران سنة ٦٧م منعطفاً حاداً في تاريخ الفكر العربي المعاصر, فقد أضحت أطياف عديدة مقتنعة بأن التخلف العربي نابع من الداخل, ومن ثم فالإصلاح والخروج من الأزمة لا بد أن يكون منطلقاً ابتدءا من القواعد الداخلية لا من المعسكرات الخارجية.
فقامت نتيجة لتلك القناعة مشاريع فكرية عملاقة متوجهة نحو التراث تبحث في مواده، وتنقب في أرضيته وتحلل في أفكاره وتفكك في مضامينه, وقطعت شوطاً كبيراً في سبيل الظفر بما يمكن أن يكون مخلصاً للأمة العربية مما هي فيه من أزمات, وقد تنوعت تلك المشاريع في مناهجها ومبادئها ومنطلقاتها, وبالتالي في نتائجها ومستخلصاتها.
ثم شهد الفكر العربي منعطفا حادا آخر جعل لتلك المشاريع حضوراً مكثفاً في الوسط الثقافي, وانتشاراً واسعاً لدى الأجيال الشبابية, وغدت تمثل المادة الفكرية التي يبنى عليها ما يسمى بالفكر العربي, فأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع هذا المصطلح (الفكر العربي) هو تلك المشاريع التي انصبت على التراث الإسلامي بمناهجها المختلفة, مع أن الفكر العربي أوسع منها بكثير!
وذلك راجع إلى أن تلك المشاريع نالت نصيباً عالياً من الدعوة، وحظاً وافراً من الترويج، وقدراً كبيراً من الاستدعاء والتجميل والتحسين .. مع خلو الساحة الفكرية من المشاريع المنافسة التي تلبي حاجيات العقول المتسائلة.
وهذا النوع من الدعوة عادة ما يؤدي إلى حالة فقدان التوازن في عقلية المتلقي لتلك المشاريع, فهي توصل إلى استغراق عميق في تلقي الأفكار المتضمنة, وتؤول إلى ضعف شديد في الحاسة النقدية لدى المتلقي, وتنتهي إلى خفوت ظاهر في ثوران التساؤلات المشروعة حول منهجية البحث وآليات التحليل المتبعة في تلك المشاريع.
فإذا اجتمعت هذه الأحوال النفسية مع ما تعانيه تلك المشاريع نفسها من إشكاليات معرفية وتسربات منهجية طافحة, فإنه سيؤدي بالضرورة إلى إحداث أضرار جسيمة في كيان الفكر العربي المعاصر, ليس أقلها شيوع التقليد, واختفاء النقد والتجديد، وضحالة الحيوية والإبداع, وتحريف الحقائق وتضليل المفاهيم.
والأساسات البنائية للمسيرة الفكرية تبنى على الانفصال التام في عقلية القارئ عن تلك المشاريع, وتتطلب الحرص الشديد على التوازن في التعامل معها, وتتطلب أيضا الوعي بالتساؤلات المنهجية التي تحاكم إليها المواد المكونة لها, وتستوجب استحضار الإشكاليات النقدية التي تضفي على ذهنية المتلقي والقارئ الاستقلال وعدم الذوبان في أودية تلك المشاريع.
ومن المهم أن نشير إلى أن الخطابات المنصبة على التراث مكونة من مواد معرفية ثلاث, وكل مادة منها تدور حولها تساؤلات نقدية تحتاج إلى أجوبة واضحة ومحددة, وتتطلب فحصاً منهجياً ومعرفياً صارما.
أما المادة الأولى: فهي الآليات والمناهج التي تمثل الأرضية والقاعدة الصلبة للعملية النقدية, والغالب عليها أنها مستعارة ومنقولة من الفكر الغربي, وهذه المادة تتطلب الفحص المعرفي من جهات عديدة:
١ - التحقق من إمكانية نقل المناهج الفكرية من محاضنها الأصلية إلى محاضن أخرى مختلفة عنها في الخلفيات والطبيعة والتاريخ.
٢ - التحقق من اكتمال بناء تلك المناهج والانتهاء من جميع متطلباتها, والتأكد من أنها في محضنها الأصلي انتهت من طور البناء والتكميل.
٣ - التثبت من فهم الناقل لها، واستيعابه لمضمونها، وإدراكه لحقيقتها ولمسارها وتفاصيلها ومستلزماتها.
٤ - التحقق من سلامة تطبيق المستعير وتنفيذه لأجندتها على الأرضية الأخرى بشكل يتوافق مع مقتضياتها.
стр. 300
٥ - التأكد من صحتها في نفسها واستقامتها، وانضباطها في مقدماتها ومراحلها, والتحقق من المواقف النقدية التي أقيمت حولها في الأرضية الأصلية.
وأما المادة الثانية: فهي المادة التراثية, وتعد بمثابة المواد الخام التي تطبق عليها تلك المنهجيات والآليات, وهي تتطلب الفحص المعرفي من عد جهات:
١ - البحث في نوع المصادر والمراجع التي تم الاعتماد عليها في الوصول إلى المادة التراثية, والتأكد من قيمتها العلمية.
٢ - التحقق من صحة المادة التراثية وسلامتها من الخطأ والتحريف.
٣ - التوصل إلى كيفية التعامل مع المادة التراثية وإجراءات العرض لمحتواها.
٤ - التثبت من فهم المادة التراثية بشكل صحيح، والإدراك الصحيح لمضمونها الحقيقي المتوافق مع منظومتها المعرفية.
٥ - التأكد من استيعاب جميع الشواهد التراثية التي لها ارتباط وعلاقة بموضوع البحث.
وأما المادة الثالثة: فهي النتائج المعرفية التي تم استخلاصها, وهذه المادة تتطلب الفحص من عدة جهات:
١ - مدى اتساق النتيجة مع العقل، واستقامتها مع مبادئه وأصوله الفطرية.
٢ - مدى توافق النتيجة مع التاريخ التراثي, واتساقها مع طبيعته ومجرياته ومراحله ومشاهده وتطوراته.
٣ - مدى موافقة النتيجة لأصول الشريعة, ومطابقتها لمقتضيات دلالات النصوص الموثوقة.
الخطابات المضادة:
وقد شهد الفكر العربي في المقابل نمواً ظاهراً لخطابات قامت بالفحص المنهجي لتلك المشاريع، ومارست عمليات نقدية هامة كشفت فيها عن الأخطاء المعرفية التي تشربتها, وأظهرت مواطن الخلل الفكري التي استشرت في جسدها, وأثارت حولها تساؤلات منهجية تضرب في الأعماق, وقامت بمساءلة معرفية جادة للمنهجيات والآليات المتبعة فيها, ومارست عمليات تمحيصية علنية لموادها المعرفية ونتائجها الفكرية.
وقد تنوعت تلك الخطابات المضادة, فمنها ما هو متضمن في غيره, سواء كان ذلك الغير مؤلفات بحثية عامة أو مجلات علمية, ومنها ما هو مستقل بنفسه, وهذا النوع منه ما هو خاص بفحص اتجاه أو مشروع محدد, كمثل النقد الذي قام به جورج طرابيشي لمشروع الجابري, أو النقد الذي قام به لنقد مشروع حسن حنفي, وكمثل النقد الذي قام به طيب تيزيني لنقد مشروع الجابري, ومنها ما هو عام يتناول القضايا المنهجية في التعامل مع المشاريع الحداثية بشكل عام.
ويبرز التنوع فيها أيضا من جهة أخرى, فقد اشترك في تلك العملية التمحيصية أطياف مختلفة منهم من يدين بدين الإسلام ومنهم من يدين بدين النصرانية, ومنهم الإسلامي ومنهم العلماني, ومنهم من هو بين بين, فكل هؤلاء جمع بينهم النقد الموجه إلى الخطاب الحداثي المسلط على التراث الإسلامي.
وإبراز تلك الخطابات وتسليط الأضواء على مضامينها من أقوى ما يحدث التوازن الفكري في التعاطي مع تلك المشاريع العملاقة, ومن أصلب ما يؤدي إلى تنمية الوعي النقدي لدى القارئ بشكل ناضج وقوي.
وسنقوم بعرض جملة من تلك الخطابات التي توجهت إلى المشروع الحداثي بالنقد. ولا بد أن ننبه على أن اختيار مؤلف بعينه لا يعني تأييد كل ما جاء فيه من أفكار, ولا يتعرض لاتجاه مؤلفه بمدح أو ذم, وليس القصد من عرضه بيان كل ما تضمنه, ولا عرض لكل أفكاره, ولا مدح لطريقة البحث ومنهجيته ... كل هذه الأمور غير مقصودة .. وإنما المقصود توضيح فكرة الكتاب بشكل مختصر جدا، وإبراز بعض المضامين النقدية التي اشتمل عليها .. حتى يتسنى الاستفادة منه بالقدر المناسب.
الكتاب الأول: إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر, ومؤلفه: عبد الغني بارة.
стр. 301
وقام هذا الكتاب بتسليط الأضواء على الصعوبات التي تقف في طريق توضيح مفهوم الحداثة وتأسيسها, واحتوى على مناقشة مطولة لقضية استعارة المناهج الغربية, وبيان الإشكاليات المنهجية والمعرفية التي ترتبط بها, واحتوى أيضا على حشد نصوص كثيرة تضمنت اعترافات عدد من كبار المفكرين العرب بالأزمة المنهجية التي يعشها الخطاب العربي جراء الاقتراض الشديد من الفكري الغربي.
وتضمن الكتاب أيضا أوجه نقدية هامة وجهها عدد من المفكرين العرب إلى خطاب الحداثة تتعلق ببنية المناهج والآليات التي تم تفعليها في مشروعهم.
الكتاب الثاني: القراءة الجديدة للنص الديني, ومؤلفه: د. عبد المجيد النجار.
احتوى هذا الكتاب على مادة شرعية وتاريخية، تم التأصيل من خلالها لطبيعة النص الديني والتأكيد على أنه نص إلهي, وليس مجرد منتج ثقافي, وقرر من خلالها موثوقية النص الديني وسلامته من النقص ودخول الخلل فيه, وأوضح موضوعية النص الديني واستقرار دلالاته ومعانيه ومضامينه الحكمية.
وأبان عما في القراءة الجديد التي قام بها الخطاب الحداثي من إشكاليات منهجية ومخالفات دينية وتجاوزات للمبادئ العقلية وقفز على الحقائق التاريخية.
الكتاب الثالث: استقبال الآخر, الغرب في النقد العربي المعاصر, ومؤلفه: سعد البازعي.
ويقدم هذا الكتاب صورة للنقد العربي المعاصر, ويكشف عن التحديات والمشكلات التي يعاني منها, ويؤكد على أنها أكثر من المنجزات وأوسع منها.
واستهل الكتاب بشرح معالم الإشكاليات المنهجية في الخطاب العربي, وكشف عن مقدار التهالك والارتماء في أحضان الفكر الغربي، ودرجة الإعجاب والتقليد التي وصل إليها.
ثم أكد على أهمية الخصوصية السياقية للنقد الغربي, وعلى ارتباطها العضوي بالأرضية التي نبتت فيها.
وقدم الكتاب مادة نقدية قوية, يمثل الوقوف عليها ترسانة هامة في التعامل مع الخطاب العربي المعاصر .. فقد حشد مواقف عدد من كبار المفكرين العرب الذين وقفوا ضد الاقتراض المحموم من الفكري الغربي, وكشف عن أن عددا من المناهج المستعارة لم تكتمل بعد في موطنها الأصلي, وأبان عن الأغلاط التي وقع فيها المقترضون حين نقلوا المناهج الغربية, سواء في فهمها، أو في نقلها، أو في تصويرها, أو في مقدار وطريقة اقتراضهم, وأوضح أيضا الآثار العلمية التي تنتج عن الاستهلاك للمنتج الغربي.
الكتاب الرابع: التيار العلماني الحديث, وموقفه من تفسير القرآن, ومؤلفه: منى الشافعي.
يظهر في هذا المؤلف استغراق في العرض، ويظهر فيه خفوت في تحليل مقالات العلمانية وتحرير مواقفهم, وكثرت فيه المباحث الاستطرادية.
ومع هذا فقد كشف تشكيك الخطاب العلماني في مصدرية القرآن وثبوته، وأظهر مقدار التحريف الذي مارسه على التفسير، والتجاوزات المنهجية التي وقع فيها.
وكشف أيضا عن المراوغة العلمانية في نشر أفكارهم، وشرح طريقتهم وأساليبهم في إضفاء الشرعية عليها, وأبان عن التجاوزات في المادة التراثية التي قام العلمانية بتحليلها، وأوضح الخلل المنهجي الذي وقعوا فيه.
وأزال الغطاء عن غياب الموازين، وتحديد المعايير العلمية في التعامل مع المواد التراثية والشرعية.
وجمع الكتاب قدراً كبيراً من التناقضات المعرفية التي وقع فيها بعض الخطاب العلماني.
الكتاب الخامس: العلمانيون والقرآن الكريم, ومؤلفه: د: أحمد الطعان.
ويعد هذا الكتاب موسوعة ضخمة, جمع فيه مؤلفه قدراً كبيراً من تقريرات الخطاب الحداثي ومواقفهم, وحشد فيها جملة كبيرة من نصوصهم ومقالاتهم, وهو يعد خزينة كبيرة تقدم خدمة عالية لمن يقصد الوقوف على حقيقة المشروع الحداثي, ولكن ذلك الجمع على حساب النقد والتمحيص, فقد بدت هذه المهمة خافتة.
стр. 302
وقد كشف الكتاب عن تناقضات عديدة وقع فيها الخطاب الحداثي, وكشف أيضا عن الانتقائية في التعامل مع التراث, وتصفية بعضه لحساب بعض, كما فعل مع الشافعي لحساب الشاطبي.
وأشار إلى عمليات التزوير التي مورست في الأحداث التاريخية والفكرية, وأشار إلى شذوذات مورست خرج بها الخطاب الحداثي عن المعقول وعن قطعيات الشريعة, وقام بعملية نقدية احتوت على المقارنة بين المادة التراثية كما هي في المصادر الأصلية وبين حضورها في المنتج الحداثي, وأبان مدى التخليط الكبير الذي وقع.
وشرح الطريقة الخاطئة التي مورست في الاقتراض من الفكر الغربي, مما يجلي ظاهرة الاستلاب الفكري الذي يعيشه الخطاب العربي بشكل ظاهر.
الكتاب السادس: تجديد المنهج في تقويم التراث, ومؤلفه: د. طه عبد الرحمن.
يقوم هذا الكتاب على الجانب البنائي من حيث الأصل, فالمقصد الأصلي له هو اكتشاف الآليات والمناهج التي تشبع بها التراث, ومحاولة تجديدها وتسليط الأضواء عليها، وبيان فاعليتها, وكان من ضروريات العملية البنائية المرور على المشاريع التي تناولت التراث بالدرس لتقييمها وفحصها, وتقديم نظرة فاحصة حولها, انكشف من خلالها جملة من الإشكاليات المنهجية التي تعاني منها تلك المشاريع.
وكان التركيز على مشروع الجابري بشكل مكثف, لمبررات عديدة تظهر من خلال قراءة الكتاب.
وقام المؤلف بمحاكمة واسعة شملت قطاعات متعددة من مكونات النقد الحداثي, فانطلق من تأكيد جهل الحداثيين بالثراث، ودلل على ذلك, وأبرز الآفات الكبرى التي تشبعت بها مشاريعهم.
وقد أولى الآليات المنهجية التي قام عليها النقد الحداثي مزيد اهتمام, وبين أنها لا تتناسب مع طبيعة التراث العربي, وفضلا عن ذلك فإن نقلها لم يسلم من التحريف والتغيير, حيث إن الناقل لها لم يتمتع بالفهم الجيد لها ولم يستوف واجبات الترجمة والنقل, وبين أن الآليات التي اعتمد عليها الجابري لا تمثل نسقا متكاملا حيث إنها تؤدي إلى مقتضيات متناقضة.
الكتاب السابع: روح الحداثة, ومؤلفه د: طه عبد الرحمن.
أراد المؤلف في هذا الكتاب أن يؤسس لحداثة إسلامية لا تعتمد على المنطلقات الغربية، وإنما تنبع من الأصول الإسلامية, وحاول أن يشرح روح الحداثة التي يرى أنها تمثل القيم الإسلامية بشكل مكثف.
ويعد الكتاب في جملته نقداً إجمالياً لظاهرة الاقتراض من الفكر الغربي, وتقييماً منهجياً لحالة الاستهلاك الكبرى التي وقع فيها الخطاب الحداثي.
وقد عقد المؤلف فصلاً تناول فيه القراءة الحداثية للنص الديني, وكشف عن خططها واستراتيجياتها, ونقد من خلاله فكرة التأنيس للنص الديني وقطع صلته بالله تعالى, ونقد كذلك عقلنة النص وإزالة الجانب الغيبي منه, ثم تناول فكرة التاريخية التي تعد مرتكزا هامة للقراءة الجديدة بالنقد والتفكيك.
وانتهى بعد قراءة مطولة إلى أن الخطاب الحداثي يعاني من فقد القدرة على النقد، حيث إنه لم يكن لديه تصور تام للموضوع, ويعاني أيضا من ضعف التصور للمنهجيات التي نقلها, وكشف عن أنه نقل منهجيات مازالت في طور البناء ولم تكتمل بعد, وأنه نقل أفكاراً عبارة عن وسائل نقدية أشبه بالموجات الفكرية الزائلة منها بالمنجزات العلمية الراسخة.
стр. 303
ولا بد من التنبيه على أن هذا الكتاب والذي قبله يتصف بالصعوبة في العبارة والتعقيد في التركيب, والدقة العالية في الترتيب، والتركيز الشديد في الألفاظ, بحيث يصعب فهمه والاستمرار في قراءته, ولكن يمكن التغلب على هذه الإشكالية بالاطلاع على كتاب "حوارات المستقبل" للمؤلف نفسه, فإن هذا الكتاب يعد كالمدخل لفكر طه عبد الرحمن؛ لأنه عبارة عن حوارات دارت بينه وبين كبار القريبين منه, وقد قرب فيها أفكاره ومصطلحاته بشكل جيد وسهل في نفس الوقت.
الكتاب الثامن: الحداثيون العرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرآن الكريم, ومؤلفه: د. الجيلاني مفتاح.
قام المؤلف في كتابه برصد تاريخي للخطاب الحداثي العربي, وأوضح مراحله التي مر بها, ومدارسه واتجاهاته، وأبان عن موقف الحداثيين من القرآن وعلومه, وكشف عن منهجهم في فهم القرآن, وجمع عدداً من تطبيقاتهم العقدية والفقهية, وهو في كل ذلك يقدم أوجها نقدية يكشف فيها عن الخلل الغائر في الخطاب الحداثي.
وفي تشخيص الممارسات المنهجية الخاطئة لدى الحداثيين العرب كشف عن: المجازفة وغياب الدليل, وانتشار التناقض والتصادم الكثيف, والتمويه والمراوغة, والانتقائية وغياب الاتساق, والقفز على الحقائق التاريخية, فضلا عن المجاوزة الظاهرة لقطعيات النصوص الشرعية.
الكتاب التاسع: ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر, ومؤلفه: د. خالد السيف.
قام المؤلف برصد تاريخي لظاهرة التأويل، وتتبع لمسيرته التاريخية والجغرافية, وتتبع لنموها في الفكر العربي وتطوراتها وتشكلاتها, وجذورها التي استمدت منها.
والكتاب في جملته يعد عرضاً شيقاً لأبرز الأفكار التي قامت عليها القراءة الحداثية للنص الشرعي, إلا أنه يظهر فيه الاستغراق في الشرح والبيان على حساب النقد والتفكيك لكثير من المضامين التي تم عرضها في الكتاب.
ويقف القارئ له على بيان جيد للإشكاليات المنهجية التي وقعت فيها القراءة الحداثية, ومنها: ظاهرة الإسقاط المنهجي التي لم يراع فيها التناسب بين طبيعة المناهج المستعارة وبين طبيعة الأرضية المطبقة عليها, ومنها: المبالغة والتجاوزات في ادعاء النتائج, ومنها: نقل مناهج وآليات لم تكتمل بعد ولم يحسم الأمر فيها, ومنها: الكشف عن أثر غياب التدليل على الأفكار والدعاوى, ومنها: مخالفة الأسس النظرية التي قامت عليها القراءة الجديدة للمبادئ الفطرية.
الكتاب العاشر: المرايا المحدبة, ومؤلفه: د. عبد العزيز حمودة.
يعد هذا الكتاب أول ثلاثية الدكتور عبد العزيز حمودة التي قام فيها بنقد موسع للخطاب الحداثي العربي المعاصر, والكتاب الثاني منها يحمل اسم: المرايا المقعرة, وحمل الثالث اسم: الخروج من التيه, وقد كشف فيها المؤلف عن الإشكاليات المعرفية والمنهجية المتجذرة في بنية الحداثة, وتعد هذه الثلاثية موسوعة ضخمة تحتاج إلى دراسات مطولة تكشف ما تضمنته من قيم نقدية ومبادئ تمحيصية.
ولعل من أبرز ما تضمنه كتاب المرايا المحدبة: كشفه عن أساليب الخطاب الحداثي الدعوية حيث يقصد إلى الغموض في العبارات والألفاظ، والتكلف في المصطلحات، والمراوغة المتعمدة, وإظهاره للتناقضات العديدة التي وقع فيها, واكتشافه للانتقالات التي يقوم بها الحداثيون من مشروع إلى مشروع مناقض له من غير أي مبرر, وتبيانه كيف أنهم استعاروا مناهج غربية نقدها الغرب نفسه وتجاوزها بمراحل متقدمة, وحشده للأزمات التي يعيشها الخطاب الحداثي, سواء الأزمة في المصلح نفسه، أو في نقله واستعارته، أو في فهمه واستيعابه.
стр. 304
ويتضمن الكتاب أيضا جمعا للأدلة العقلية الواقعية التي يثبت من خلالها بطلان نظرية التفكيك التي نادى بها عدد من الفلاسفة الحداثيين, ويشتمل الكتاب أيضا على حشد كبير لأقوال عدد من كبار المفكرين العرب أقروا فيها بالمأزق المنهجي الذي وقع فيه الخطاب الحداثي.
الكتاب الحادي عشر: القرآن الكريم والقراءة الجديدة, دراسة تحليلية نقدية لإشكالية النص عند محمد أركون, ومؤلفه: د. الحسن العباقي.
يقف الكتاب من أول صفحاته وقفة جادة وصارمة مع المشروع الأركوني, ويواجهه بأسئلة واعتراضات شرعية وتاريخية وعقلية عديدة, يشكف من خلالها القفزات الهائلة التي وقعت من أركون في بناء مشروعه النقدي, وهو كتاب نقدي تساؤلي من أوله إلى آخره, ويكاد يستوعب المواد الثلاث المكونة للمشاريع النقدية.
فقد وقف مع أركون في كثير من المضامين المعرفية التي نسبها إلى التراث، وبين كيف أن توصيفه لها لم يكن صحيحا, وخاصة مما ادعى فيه أركون بأنها من اللامفكر فيه.
وقام بحصر تعاملات أركون مع القرآن الكريم وقدم حولها تساؤلات منهجية تضرب في العمق, وتكشف مقدار الخلل المنهجي الذي وقع فيه.
وحكام النتائج التي توصل إليها إلى العقل والمبادئ الفطرية، وكشف عن مخالفتها الظاهرة لذلك.
وأظهر في أثناء الكتاب عددا غير قليل من التناقضات التي وقع فيها أركون, وبين أبعادها على فكره ومشروعه.
الكتاب الثاني عشر: الغارة على التراث الإسلامي, ومؤلفه: جمال سلطان.
يحتوي هذا المؤلف - مع صغر حجمه - على مادة علمية جيدة تساعد بشكل كبير على انعتاق عقلية القارئ من ذلك الزخم الكبير الذي أحيطت به المشاريع الحداثية، فقد جمع عددا من الاعتبارات التي تؤكد قيمة التراث, وضرورة الصرامة المنهجية في التعامل معه، وسلط الأضواء على الأمور التي تبرز خصوصيات التراث الإسلامي عن غيره, وأشار إلى آثار القفز على هذه الخصوصية، ونبه على غياب الأبجديات المنهجية في الدراسات التراثية المعاصرة، وأولى قضية الإسقاط المنهجي اهتمام خاصة، وضرب أمثلة على التزوير التاريخي في تلك الدراسات
في تصوري أن الوقوف على هذه المؤلفات واستخلاص ما اشتملت عليه من رؤى نقدية من أقوى ما يؤسس العقلية النقدية, ومن أصلب ما يحقق التوازن الفكري في التعامل مع المنتج الحداثي. وبلا شك فهناك مؤلفات أخرى تحتاج إلى إبراز وتتطلب تسليط الأضواء عليها, ولعل ذلك يكون في مناسبات أخرى إن شاء الله تعالى.
стр. 305
تهافت الفراعنة
عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
٢٢ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
«اللهم أنت أمتَّه فاقطع عنا سُنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش، يمدُّ بيد قصيرة البنان، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، يرجّل جمته ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر، فيهذر حتى تفوته الصلاة، لا من إله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل، ثم قال الحسن: هيهات والله حال دون ذلك السيف والسوط» (١).
هكذا قال سيد التابعين الحسن البصري ﵀ بعد أن سجد لله شكراً لما بلغه هلاك الحجاج بن يوسف (٢).
ومصارع الطغاة، وزوال سلطانهم، وتهاوى عروشهم من سنين الله تعالى وآياته التي توجب التفكر والاعتبار، وها أنت تعاين أنظمة وحكومات في غاية الجبروت والبطش والاستبداد، ثم يفجؤهم الخطب فإذا هي أنظمة هشّة تتساقط كأوراق الخريف .. فالأمر كله لله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].
لكن هؤلاء الفراعنة والطغاة ما كان لهم أن يقارفوا طغيانهم واستبدادهم إلا بوجود جماهير تمنحهم الثقة المطلقة، والاستجابة العمياء، فالشعوب التافهة في كل زمان ومكان هي التي تصنع المستبدين، وتغريهم بالطغيان (٣).
وأما الشعوب التي تربى أبناؤها على الشجاعة والإقدام، فما كان لهم أن يرضوا بالهوان، أو يستكينوا للطغيان، ولسان حالهم يقول:
ولا يقيم على خسف يُراد به ... إلا الأذلّان عيرُ الحيّ والوتدُ
هذا على الخسف معقول برمُته ... وذا يشجُ فلا يبكي له أحد
وفي أحداث تونس ومصر أروع الأمثلة في دور الشعوب عموماً والشباب خصوصاً في مدافعة الفساد ومحاربة الطغيان.
يقول الأستاذ محمد الغزالي ﵀: «وقد راقبنا الثورات التي اشتعلت في أرجاء الشرق ضد الغزاة المغيرين على بلاد الإسلام، فوجدنا جماهير الشباب هم الذين صلوا حرها، وحملوا عبئها، واندفعوا بحماستهم الملتهبة وإقدامهم الرائع يخطّون مصارع الأعداء، ويرسمون لأمتهم صور التضحية والفداء.
ولا يزال الشباب من طلاب وعمال وقود الحركات الحرة، وطليعة الثائرين على الفساد والاستبداد، وقبلة المربين والمرشدين (٤).
بل إن عامة هؤلاء الشباب - في تونس ومصر - لا يجمعهم حزب منظّم ولا فكر «مؤدلج» فكان خلوهم من ذلك من أسباب إقدامهم وعفوية موقفهم وصدق مدافعتهم .. وقد أدرك العباسيون هذه الحقيقة أثناء القيام بدولتهم، فبعثوا دعاتهم إلى خراسان حيث القلوب الفارغة والصدور السليمة.
فقد حكى ابن الجوزي في حوادث سنة مائة أن محمد بن علي العباسي كان يقول لدعاة الدولة العباسية: «أما الكوفة فهناك شيعة علي وولده، وأما البصرة فعثمانية ترى الكفّ، تقول كن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل، وأما الجزيرة فحرورية، وأما الرقة فمسلمون أحلاف النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون إلا طاعة بني مروان، وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليها أبو بكر وعمر.
ولكن عليكم بخراسان فإن هناك الصدور السليمة والقلوب الفارغة التي لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل» (٥).
стр. 306
ومهما يكن السيل جارفاً وهادراً، فما دام أن بغيته الإصلاح واجتثاث الفساد، فلابد من البدار في مثل هذه الأحداث قبل فوات الأوان، وكما قيل «الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود» وإن على الإسلاميين أن يبذلوا قصارى جهدهم في تصحيح مسار هذه الاحتجاجات وتعديل وجهتها وفق الأحكام الشرعية والمصالح المرعية، فلا يسوغ أن نواري هويتنا الإسلامية في غمرة هذه الأحداث، ولا أن نغيّب الخطاب الشرعي المنزل لأجل أن نجامل واقعاً متردياً أو قوى أجنبية ..
كما لا يسوغ لبعض المنتسبين للعلم والدعوة أن يؤثروا الاختفاء، ويصمتوا عن واجب البلاغ المبين، والاحتساب في هذه الوقائع، فليس لهم أن يتنصلوا عن مدافعة الظلم وإقامة العدل والتعارف مع الأحرار على البر والتقوى .. وأسوأ من ذلك أن يتلفّع أولئك باعتزال الفتن ما ظهر منها وما بطن!
وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوف الفتنة من أدواء النفاق قديماً وحديثاً، وتلوث به بعض المتديِّنة في الماضي والحاضر .. وهذا ما كشفه ابن تيمية بقوله: «ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة.
كما قال تعالى عن المنافقين، ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي ﷺ بالتجهز لغزوم الروم .. فقال: «يا رسول الله إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر فائذن لي ولا تفتني فأنزل الله فيه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩] يقول: إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه الذي زيّن له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه، بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟
وهذه حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين لله وتكون به كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها .. » (١).
ولم يقتصر ابن تيمية على هذا التأصيل بل أتبعه بالتحقيق والتطبيق .. فجاهد في سبيل الله، وأزال المنكرات، وأتلف الشركيات ومحاها .. بل أقام الحدود وعزر .. حتى ثار عليه بعض الذين في قلوبهم مرض، فبيّن خطأهم وأزال لبسهم فسكنوا وسكتوا (٢).
وعند سقوط نظام، وخلو بلادٍ من سلطان، فإن المتعين القيام بالإصلاح حسب المستطاع، ودرء الفساد عن البلاد .. وهذا ما حرره أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨هـ) حيث قال: «ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإنما ينهى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبداداً إذا كان في الزمان وزر قوّام على أهل الإسلام، فإذا خلا الزمان عن السلطان وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان ..
وإذا لم يصادف الناس قوّاماً بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عمّا يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عمّ الفساد البلاد والعباد» (٣).
стр. 307
فما سطّره الجويني يعدّ أنموذجاً مهماً في التعامل مع النوازل، وتحقيقاً لفقه الأزمات والأحداث الطارئة، ولئن كان نظام الطوارئ في الحكومات القمعية قد خلّف شللاً في الحياة، وخنوعاً وسلبية في المواقف والأحوال، فإن التجارب الرائدة والمبادرات العملية في تكوين اللجان الشعبية والتطوعية ونحوها من أجل إصلاح دنيا الناس ومعاشهم وتوفيراً منهم وقت الأزمات .. إن ذلك أورث تراحماً وتعاوناً واجتماعاً وتآلفاً.
وأخيراً: إن أحداث تونس ومصر كشفت عن أزمة في فقه السياسة الشرعية لدى فئام من إخواننا السلفيين، فهناك من هاله تتابع الخطوب وعجلة الأحداث، فآثر الصمت والعي، واستروح إلى السلبية والعجز، متدثراً بالرزانة والوقار ومجانبة الغوغاء والدهماء!
ورحم الله الإمام الشعبي إذ يقول: «نعم الشيء الغَوغاء، يسدّون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السّوء».
وأشنع من ذلك أن يدّعي بعضهم أن هذه المظاهرات والاحتجاجات خروج على الإمام! فأين تذهب عقول هؤلاء! فهل ثبتت شرعية هذه الأنظمة العلمانية - التي تجاهر بمنابذة الشرع المنزّل في قونينها وواقعها - حتى يقال بالخروج عليها؟!
ورضي الله عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القائل: «لابد للناس من إمارة برّة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البّرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء».
فانظر - رحمك الله - هل تحسّ بهذه الولاية الفاجرة في نظام تونس ومصر ونظائرها؟!
وكما قال ابن تيمية: «وجماع السياسة العادلة في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل».
وهذه الأنظمة المذكورة وأشباهها قائمة على الخيانات والظلم والاستبداد.
ثم إن الخروج يكون بالسيف، وهذه المظاهرات والاحتجاجات قد جانبت القوة والسلاح، على عكس هذه الأنظمة البربرية التي لا تفهم إلا السحق والقمع، وأيضاً فإن هذه المظاهرات مطالبة بإقامة العدل وأداء الأمانات إلى أهلها، ومحاسبة اللصوص الكبار .. بل قد يتحقق لهم جملة من هذه المطالب - كما هو واقع مشاهد - وإن اكتنف هذه التجمعات بعض المفاسد والشرور، فإن مصالحها تربو على مفاسدها، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
وفي التاريخ وقائع متعددة من هذا القبيل، ومن ذلك أن في سنة ٣٠٨هـ ارتفع الغلاء والمكوس في بغداد، فاضطربت العامة لذلك، وأوقعوا شغباً .. وعندئذ أزيلت المكوس وهبطت الأسعار.
والحاصل أن على إخواننا السلفيين أن يراجعوا مواقفهم تجاه الأنظمة وبنظرة شمولية فاحصة، متحرين الفقه والدليل، والدراية بالواقع والحال، فكما يُتقى التهور وقمع السلطان، فكذلك يُتقى الركون للظالمين أو الذبّ عن الخائنين بلسان الحال أو لسان المقال والله المستعان.
стр. 308
نظرة واقعية في أحداث ليبيا
علوي بن عبد القادر السَّقاف
٢٠ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
الحمد لله، كاسر الأكاسرة، وقاصم القياصرة، وقاهر الهراقلة، ومهلك الفراعنة، وهازم الأباطرة، أحمده حمد الشاكرين على ما منَّ به على أهل مصر وتونس، ونسأله المزيد من الصلاح والإصلاح لهم ولأهل ليبيا، وهو القائل سبحانه: ﴿لئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُم﴾.
أما بعد:
فلا يخفى على أحدٍ حالُ حاكم ليبيا ومحاربته للإسلام، عيانًا بيانًا، جهارًا نهارًا، حتى بات يعرف ذلك الصغير والكبير، والعالم والجاهل، حتى وصفه بعض الزعماء العرب بأنه صنيعة الاستعمار، وقد صدق من وصَفَه بذلك، فها هو يُصرِّح في خطابه الأخير باعتزائه إلى الغرب والقانون الدولي لحرب شعبه وتدميره بيتًا بيتًا، وها هو الغرب يسكت عن جرائم صنيعتهم، ويتفرج على ذبحه للعُزَّلِ من الناس، وهم الذين صمُّوا آذاننا بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد خرسوا وعَمُوا لما تعارضت مبادؤهم تلك مع مصالحهم الاقتصادية في ليبيا، فبئست هذه الازدواجية.
ولما كان حال هذا الرجل غير خافٍ على أحد، وأنه ممن أظهر الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان؛ مما جعل هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وفيهم المشايخ العلماء - الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ صالح اللحيدان وغيرهم - يصدرون بياناً بتكفيره في عام ١٤٠٢ هـ، جاء فيه:
(( ... وفي طليعة هذه الطوائف المنحرفة والموجهة طاغية ليبيا معمر القذافي، ذلك الرجل الذي نذر نفسه لخدمة الشر، وإشاعة الفوضى، وإثارة الشغب، والتشكيك في الإسلام.
لقد استعرض المجلس أطوار هذا الرجل، وسرعة استجابته لعناصر الشر والكيد والحسد، حيث صار يهذي في أجهزة إعلامه بما يستحي مِن ذكره مَن له ذوق سليم أو عقل مستقيم, يتضح ذلك في أقواله وأفعاله وتقلباته في جميع ميادين عمله، داخل بلاده وخارجها، وفي مقدمة ذلك تعرُّضه للعقيدة الإسلامية. فلقد أقبر هذا الرجل السنة النبوية، وسخر من الحج إلى بيت الله الحرام، ومن المسلمين الذين يقفون في عرفات، وصدرت بتفنيده فتاوى شرعية من هيئات ومجالس إسلامية عليا، ومع ذلك لا يزال هذا المسكين يتخبط في متاهات من الزيف والضلال تعطي القناعة التامة أنه ضال ملحد.
إن مجلس هيئة كبار العلماء وهو يستنكر تمادي هذا الدَّعي على الإسلام والمسلمين ليقرر ويؤكد أنه بإنكاره لسنة رسول الله ﷺ ، واستفتائه بالحج (كذا)، واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية، واتجهاته الآثمة الباطلة يعتبر بذلك كافراً وضالا مضلاً)) (انظر كتاب: "الرد الشافي على مفتريات القذافي" (ص ١٠١)، من مطبوعات رابطة العالم الإسلامي).
والكل يعلم من حال الرجل أنه لا يزال في ضلاله القديم، وفي استكباره، واستخفافه بالشريعة.
لما كان حاله كذلك، لم نرَ أحداً يشكك في حكم الخروج عليه من الناحية الشرعية، فضلاً عن حكم التظاهر السلمي عليه. لكن الحديث ينصب في مثل هذه الحالة على تحقق القدرة على ذلك.
وفي مثل هذه النوازل والأزمات تثور عادةً أسئلةٌ كثيرة في أذهان الناس، منها:
هل ما فعله الليبيون وهم يعلمون جبروت حاكمهم صوابٌ أم خطأ؟ وهل يستمرون في ثورتهم مع إصراره هو وابنه على سفك الدماء أم يتخلَّوْن ويعودون أدراجهم؟ وغير ذلك من الأسئلة.
فأقول وبالله التوفيق:
стр. 309
أولاً: ما قام به الليبيون ابتداءً - ومن قبلهم أهل تونس ومصر- وإن عدَّه البعض خروجاً على الحاكم إلا أنه ليس من باب الخروج الذي يمنع منه الفقهاء والسلف (والذي من صفته أن يكون فيه التقاء مجموعتين بأسلحتهما ويترتب عليه من الاضطراب والفتنة والهرج والمرج ما يقتضي عدم جوازه ابتداءً واستدامة)، ولكن الحالة المعاصرة التي نتحدث عنها لم تكن معروفة من قبل، وجدَّ فيها ما يُغيِّر مناطها عن مناط ما اتفقت كلمة الأئمة على المنع منه، ألا وهي الاحتجاجات السلمية التي قد تؤدي إلى مواجهة مسلحة من طرف واحد وتُفضي إلى ذهاب أرواح كثيرة، وقد تفضي -في المقابل- إلى مفاسد قليلة في مقابل مكاسب كبيرة كما حصل في تونس ومصر، ومسألة إراقة الدماء في أمثال هذه المظاهرات ربما يُقال: إنها مصاحبة أحياناً، ولكنها ليست بلازمةٍ لها على كل حال؛ إذ إنها قد تنفكُّ عنها، وتنجح هذه الثورات دون دماء، ومقاتلة من أيٍ من الجهتين. ولذلك لما رأى السلف أن القيام على حكام الجور والفسق يؤدي إلى مفسدة كبيرة أجمعوا على منع ذلك، كما قال الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (١/ ٣٩٩): (لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك -أي الخروج- لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبَّر)، أما في وقعة تونس ومصر القريبتين فالأمر على خلاف ذلك، ولم تُفضِيا إلى ما هو أشد من ذلك.
ثانياً: أن الحالة في ليبيا تختلف عن الحالة في مصر حيث إن حاكم ليبيا معروف بكبريائه، وجنون عظمته، وحبه لسفك الدماء، وهذا ما رأينا نتيجته منذ الأيام الأولى من اندلاع التظاهرات حتى الآن. كما أنه معروف بسيطرته على الجيش، وكافة الأجهزة الأمنية، إلا أنه قد خذله الشرفاءُ منهم.
ثالثاً: الحديث عن ثورة أهل ليبيا على حاكمهم وصوابه من خطئه، قد فات أوانه، بعد أن فرضتْ الأحداث نفسها على أرض الواقع، فليس من المصلحة الخوض فيه الآن، فهو أمرٌ قد مضى وانقضى. على أنه لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان اعتبار أن توقيت الثورة الليبية جاء متزامنًا مع نجاح الثورتين في الجارتين عن اليمين والشمال (تونس ومصر). الأمر الذي سهَّل على الساعين لإسقاط القذافي مهمتهم، ومهَّد لتوحيد الصف، ومنْع -أو تحجيم- الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد.
رابعاً: أنه بعد أن قامت المواجهة بين الشعب وهذا المجرم لا يشك عاقل أن تراجع الليبيين عن ثورتهم فيه من المفاسد الشيء الكثير.
ومما ينبغي التنبيه عليه حول هذا الأمر:
١ - أنَّ إيقاف المواجهة الآن لن يكون في صالح الشعب حتماً؛ لأن هذا السَّفَّاح سوف ينتقم من شعبه، ويسفك من دماء أبنائه خلال الأشهر القادمة أكثر مما يُتوقع سفكُهُ خلال أيام ثورة الشعب عليه، وتاريخه الأسود يشهد بذلك، فقد قتل أكثر من ١٢٠٠ سجينٍ ليبيٍّ في حادثة واحدة عام ١٩٩٦م.
٢ - أنَّ هزيمة الشعب الليبي أمام حاكمه وتراجعه عن ثورته تشجع أمثاله ومن على شاكلته لسلوك المسلك نفسه في التصدي لأي مواجهة سلمية قادمة ضد الظلم والطغيان.
٣ - وفي المقابل، فإنَّ هزيمة الشعب الليبي أمام حاكمه سوف تثبط من عزيمة وهمة أي شعب آخر يمكن أن يزيح من أمامه الظلم والطغيان. وقد يجعلها آخر ثورات الشعوب ضد من يحكمها بغير شرع الله من أمثال القذافي.
٤ - أثبتت تجربتا تونس ومصر لليبيا أن الحاكم مهما كان طغيانه لا يستطيع أن يقف أمام شعب كامل ثائر مقهور مظلوم.
٥ - القبلية الليبية عامل مرجح لجعل الكفة في صالح الشعب. وشعب عمر المختار معروف بقوته وصبره وجلَده.
стр. 310
٦ - أن النصر إنما هو صبر ساعة، وفي كل يوم تكتسب الثورة قوة وتزداد الانشقاقات في صفِّ النظام الليبي، ويستقيل من نظامه الواحد تلو الآخر، ويتبرأ منه كل شريف منضمًا إلى الشعب في ثورته.
٧ - بدأ العالم الغربي محاولةً منه لحفظ ماء وجهه يندد ويدين على استحياء، وفي كل يوم تتعالى صيحات المستنكرين على جرائم هذا الطاغية مما يزيد من الضغوط عليه.
لهذه الأسباب وغيرها صار من الواجب على كل ليبيٍّ أن ينحاز إلى شعبه في هذه الثورة ضدَّ هذا السفاح، وأن يعمل ما في مقدوره للتخلص منه. ويجب على قوات الجيش وأجهزة الأمن أن تعلن رفضها له، وتضييقها عليه، وتأييدها للشعب حفاظًا على أمنه وأرواحه وممتلكاته.
ومن واجب الحكومات العربية والإسلامية التدخل السريع في وقف شلالات الدم ومجازر الحاكم الليبي، وألا تدع الفرصة لتدخلات أجنبية تفرض أجندتها وسيطرتها على بلد إسلامي بدعوى الحفاظ على الأمن أو بما يحقق مصلحتها.
أمَّا إخواننا في ليبيا الشقيقة شعباً العدوة نظاماً، فإننا ننصحهم بالصبر والثبات، وأنه مما يزيد الأمل في نصرتهم سماعنا لكثرة تردادهم لذكر الله من التهليل والتكبير، وصدق اللجأ إلى الله تعالى، وهذا ما لم نكن نسمعه في ثورتي تونس ومصر إلا قليلاً.
وأمَّا إخوانهم المسلمون في كافة المعمورة فعليهم الدعاء بالنصر والتأييد لأحيائهم، والمغفرة والرحمة لموتاهم، وأن يقنتوا لهم في صلواتهم؛ فإنها نازلة وأي نازلة.
وبعد انكشاف الغمة يُنصح الجميع، ويُذكَّرون بوجوب التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ ، بعد أن ظلت كثيرٌ من دول المسلمين تتخبط لعشرات السنين وراء الأوهام المستوردة، فلم تُسعدها الدكتاتوريات، ولا الديمقراطيات، لا الشرق ولا الغرب، فلا يجوز ولا يسوغ بعد هذه التضحيات أن يوسَّد أمر المسلمين ثانية إلى غير أهله، أو إلى من يغصب الأمة دينها، وخيراتها من غير الأمناء. و ((لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين)) رواه البخاري ومسلم.
نسأل الله أن يكشف عن المسلمين الغمة، وأن يجعل في هذه الأحداث عبرة وعظة للأمة، وأن يُهلك مَن بهلاكه صلاح المسلمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 311
بيان حول أحداث ليبيا
رابطة علماء المسلمين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن رابطة علماء المسلمين تتابع الأحداث الجارية على أرض ليبيا، وإنها لتأسف على دماء المسلمين التي تهدر، وأرواحهم التي تزهق، بسبب الظلم ووأد الحرية، وإن الرابطة وهي تتابع تلك الأحداث ومن واقع الواجب الملقى عليها تؤكد على ما يأتي:
أولًا: إن المطالبة بتحقيق العدل ورفع الظلم مقصد شرعي، وإن المناداة بتحقيق التنمية ومحاربة التخلف حق إنساني، وإن الإلحاح على شُوريَّة الحكم في البلاد واختيار الشعب من يمثله بصدق أساسٌ من أسس الاستقرار، ولا تمثل تلك المطالبات خروجًا أو مخالفة شرعية، بل ذلك من جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيًا: إن حاكم ليبيا قد حكم عليه العلماء بالردة قبل أكثر من ثلاثين سنة، وعليه فتكون ولايته غير شرعية، ولا يجوز طاعته، وعند القدرة يجوز الخروج عليه، وحكم القصاص واجب لمن قتل مسلما فكيف بمن طاش في دماء المسلمين وقتل منهم المئات، فالواجب على المسلمين دفعه بكل سبيل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم". الفتاوى الكبرى (٤/ ٦٠٨).
ثالثًا: على رجال الجيش الأمناء أن يقوموا بواجبهم الذي تحملوه بحماية أمتهم، ويصدروا الأوامر بمنع استخدام القوة ضد العزل الشرفاء، وألا يلوثوا أيديهم بدماء الأبرياء، فإن حرمة الدماء عند الله عظيمة، وقد قال النبي ﷺ : «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا».
رابعًا: على أهل العلم والمصلحين والدعاة القيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة أمتهم وتسديد مسيرتها، وتوجيهها نحو أعدل السبل وأقوم الطرق، التي بها يصلح حال البلاد والعباد، متحرين في ذلك رضا ربهم، ومراعين فقه واقعهم، دون حيف أو خوف، أو مراعاة لشرق أو غرب، وندعو الأئمة للدعاء في الصلوات لإخوانهم.
خامسًا: إلى الشعب الليبي العريق، إننا نقف معكم، وخلف مطالبكم، ونرفض كلَّ ظلمٍ واقع عليكم، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بسلمية تلك المطالبات، والحفاظ على الممتلكات، حتى تقطعوا كل طريق على المتربصين بكم، ونذكركم بالتمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وجمع القلوب والائتلاف، والبعد عن الفرقة وأسباب الاختلاف مع لزوم الصبر والثبات والفزع إلى الدعاء حتى يفرج الله تعالى الغُمَّة، ويكشف الكربة، والحرص على إصلاح النوايا فإن هذه النفوس أنفس من أن تزهق لغير الله.
سادسًا: إن الشعب الليبي شعب مسلم أبيٌّ يأنف من الظلم، ويتأبى على الضيم، ولا يصلح بحال أن يكون محكومًا إلا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ وفي ذلك تحقيق ما ينشده من حرية وعدالة وتنمية.
سابعًا: على الجهات الخيرية الإسلامية، المحلية والدولية القيام بواجبها نحو إغاثة الشعب الليبي المسلم، وعلى وسائل الإعلام العربية القيام بدورها في نقل وتصوير هذه المأساة الإنسانية ببشاعتها؛ ليقف العالم على خطورة ما يجري على أرض ليبيا وليقوم كل بواجبه.
وأخيرًا نذكر بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم:٤٢]، نسأل الله تعالى أن يلطف بعباده في ليبيا، وأن يرزقهم الثبات، ويربط على قلوبهم، وأن يعجل برفع الظلم عنهم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 312
بيان العلماء والدعاة في أحداث مصر وتونس
١٧ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والإنعام.
أما بعد.
فقد رأى العالم كيف سقط طاغوت مصر الذي بدل الشريعة، وأذل شعبه، وتسبب في جعله من أفقر شعوب الأرض، وسخر أجهزة الدولة لخدمة وحماية شخصه، وحول أمن الدولة لإرهاب الشعب، وأعان اليهود على المسلمين في غزة بغلق معبر رفح، وملاحقة الأنفاق ودفنها، وبناء الجدار الفولاذي بوصاية كاملة من المخابرات اليهودية والأمريكية، وأشد منه ولاءً لليهود وعَداءً للإسلام والمسلمين طاغوتُ تونس، الذي خنق الشعب التونسي المسلم، ونهب أمواله، وصادر حقوقه، وسامه سوء العذاب، وفتن المسلمين عن دينهم، وحارب مظاهر الإسلام، وفتح أبواب الفاحشة والفساد والمجون، ومنع الحجاب، وأقام دور البغاء بإشراف رسمي مباشر من وزارة الداخلية، فأحل الحرام، وحرم الحلال، وفعل ما لم تفعله دول الكفر، كل ذلك سعياً منه في إخراج جيل تونسي ممسوخ من الإسلام، وهذا العمل الذي تبناه طاغوت تونس لهو أشد فتكاً بالمجتمع التونسي من القتل بالسلاح؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة ١٩١)، وقال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة ٢١٧).
أما السجون والتعذيب والفساد المالي والإداري والسياسي في تونس ومصر فباب لو فتحناه لم نستطع إغلاقه.
ثم هرب الطاغيتان، على أشد حال من الذل، وهذه سنة الله تعالى في الظالمين، قال الله تعالى: ﴿ .. إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ (السجدة٢٢)، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ .. ﴾ (إبراهيم٤٢).
وسقوطهما ليس حدثاً مختصاً بأهل مصر وتونس بل هو نعمة كبرى من الله تعالى على المسلمين جميعاً، فالحمد لله حمداً كثيراً.
وتأسيساً على ما سبق، وانطلاقاً مما أوجبه الله تعالى على أهل العلم من بيان الحق والنصح للخلق، فإننا نذكر أنفسنا وإخواننا المسلمين بالآتي:
стр. 313
أولاً: وجوب شكر نعمة الله تعالى علينا، وذلك بالعودة إلى الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج٤١)، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (يونس٩٨)، والعودة إلى دين الله تعالى وتحكيم شرعه ليس مختصاً بالجانب السياسي فقط بل يعم جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والصحية والقضائية والأمنية مع إقامة ذكر الله تعالى، وإظهار شعائره، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحكم الله تعالى فيه الخير والعدل والصلاح للعباد والبلاد، وهو الذي يحفظ للناس كرامتها وحريتها وحقوقها قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة٥٠)، وقال تعالى: ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف٤٠)، وقال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة٤٤)، وهذه وصيتنا لكل حكام الدول الإسلامية التي لم تحكم بالشريعة، وأن يتذكروا وقوفهم بين يدي الله تعالى.
ثانياً: لقد ذمت الشريعةُ الاستبدادَ بالرأي سواء أكان ذلك صادراً من حاكم أو وزير أو مدير، وأمَر الله تعالى بالشورى، وجعلها من أهم صفات المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (الشورى٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ .. ﴾ (آل عمران١٥٩) وليس الفرق بين الشورى الربانية، وبين الديمقراطية الوضعية في طريقة الانتخابات أو استطلاع الرأي العام، وإنما الفرق في المنطلق العقدي؛ فالديمقراطية الوضعية تجعل الحاكم في كل شيء هو الشعب؛ فيصوتون حتى على المحرمات في الإسلام كإقامة دور البغاء، والسماح بالشذوذ، والخمر، والربا، أو منع الأذان، والحجاب، ونحو ذلك.
أما الشورى في الإسلام فالحكم فيها لله وحده، فما أوجبه الشرع أو نهى عنه فلا يملك أحدٌ تغييره، وإنما البحث والتصويت في كل ما كان داخلاً في دائرة المباح في جميع مناحي الحياة.
ثالثاً: لقد أمر الله تعالى بالاجتماع ونهى عن التنازع والبغي، لكنه اشترط أن يكون الاجتماع على الكتاب والسنة، قال الله تعالى:" وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال٤٦)، وقال تعالى:" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ .. " (١٠٣آل عمران)، وحبل الله هو القرآن الكريم.
فنوصي إخواننا وأحبتنا في مصر وتونس أن تجتمع كلمتهم على من يتبنى تحكيم الشريعة، أما الأحزاب المعاندة لله ورسوله ﷺ ؛ كالشيوعية والعلمانية، فإنه لا يجوز ترشيحها، ولا الانخراط فيها.
رابعاً: العودة إلى القرآن الكريم من خلال إنشاء حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتعليمه، وإقامة الدورات والدروس العلمية، في العقيدة والتفسير والحديث والفقه، وإدخال العلوم الشرعية في مناهج التعليم، وإعادة الجامعات الإسلامية إلى عزها ومجدها.
стр. 314
خامساً: القيام بدعوة الرسل وهي دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تكون عبادته بما شرع، والتحذير من الشرك، ومن مظاهره المنتشرة في كثير من البلاد العربية والإسلامية: شرك القبور، فمن صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله؛ كالدعاء، أوالاستغاثة، أوالذبح لغير الله فقد أشرك، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ .. ﴾ (النحل٣٦)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ (الجن١٨).
والتحذير من مظاهر الابتداع في الدين، فمن عبد الله بغير ما شرع فقد وقع في البدعة، قال نبينا محمد ﷺ :"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" متفق عليه من حديث عائشة ﵂.
سادساً: إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها عمود الإسلام "الصلاة" جماعة في المساجد؛ فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:" ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلا يؤم الناس، ثم آخذ شعلا من نار، فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد" متفق عليه.
سابعاً: إلى أخواتنا المؤمنات في تونس على وجه الخصوص لقد أمركن الله تعالى بالجلباب، ونهاكن عنه ابن علي، وقد أزاحه الله تعالى عن تونس، فلا عذر للمؤمنة في تركه، وأنت من نساء المؤمنين اللاتي أمرهن الله تعالى في قوله:﴾ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ (الأحزاب٥٩).
ثامناً: من سنة الله في الأمم والأفراد أنها إذا أصرت على معصية الله أخذها بذنوبها، ومن هذه الذنوب التي طغت: الظلم، والاستبداد، وعدم تحكيم الشريعة، وتمكين البطانة المفسدة، ونهب خيرات المسلمين، والفساد المالي، والإداري، والربا، والإعلام الماجن، وترك الصلاة، ومظاهر البدع المخالفة لعقيدة التوحيد، والسكوت عن المنكرات، فلنبادر جميعاً بالتوبة الصادقة, والإقبال على طاعة الرحمن قال الله تعالى: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ .. ﴾ (العنكبوت ٤٠)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ (الأنعام ٤٤)، وقد يؤخر الله العقوبة ابتلاءً واستدراجاً قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (القلم٤٥).
تاسعاً: الواجب محاكمة هؤلاء الطواغيت وأعوانهم في الظلم محاكمةً شرعية.
عاشراً: أن يكون القضاء الشرعي مستقلاً، ولا سلطان عليه إلا الكتاب والسنة، وعدم استثناء أحد من المثول أمام القضاء رئيساً كان أو إعلامياً، وسواء أكان الاستثناء بطريقة مباشرة أو ملتفة؛ كوضع أنظمة ولوائح مآلها إلى تقييد أو منع دعاوى الحسبة، أو وضع حصانة تقيد مقاضاة المسؤولين أو الإعلاميين، أو إرهاب المدعي ومحاصرته بطريقة غير مباشرة.
стр. 315
حادي عشر: قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (هود١١٦)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف١٦٥)، فكانت النجاة لمن كان ينهى عن السوء والفساد، والمراد بالسوء والفساد هو ما اعتبره الشرع سوء وفساداً؛ من ترك الفرائض والواجبات وارتكاب الموبقات والمحرمات، فالواجب محاربة السوءِ والفسادِ بجميع أنواعه؛ الفسادِ المالي، والإداري، والقضائي، والإعلامي، والأمني، والخلقي، وغيرها وأن تضع الدولة جهازاً لمحاربة الفساد وهو الذي سماه الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران١٠٤)، وقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .. ﴾ (آل عمران١١٠).
ثاني عشر: الحذر من استرضاءِ أعداء الإسلام، وتقديمِ التنازلات لهم، والانهزاميةِ النفسية أمامهم، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾ (هود١١٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ (الإسراء٧٥).
ثالث عشر: الأجهزة الأمنية إنما هي لحماية الناس، وحفظ حقوقهم وحرياتهم التي كفلها لهم الإسلام، لا أن تكون أداة للحاكم في ظلم الشعب، وإرهابه، وسلب حقوقه.
والخطاب هنا يتجه إلى جميع حكام الدول العربية والإسلامية، وننتظر منهم عاجلاً إيقاف عجلة الفساد، وأن لا يحول أحدٌ من الحجَّاب بينهم وبين القيام بواجبات الإمامة وحاجة الناس.
نسأل الله تعالى أن يحفظ تونس ومصر وجميع بلاد المسلمين بحفظه، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الموقعون:
العلامة: عبدالله بن محمد الغنيمان - أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سابقاً.
الشيخ: د. عبدالله بن حمود التويجري - أستاذ الحديث وعلومه في السعودية.
الشيخ: د. عبدالمجيد بن عزيز الزنداني - رئيس جامعة الإيمان باليمن.
الشيخ: سليمان عثمان أبو نارو - أمير جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة بالسودان.
الشيخ: داعي الإسلام بن سالم الشهال - مؤسس التيار السلفي بلبنان.
الشيخ: عبد الآخر حماد الغنيمي - داعية إسلامي بمصر.
الشيخ: د. عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف - أستاذ العقيدة المشارك في جامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: عصام بن محمد بن إسحاق العباسي - باحث شرعي في مملكة البحرين
الشيخ: د. محمد بن موسى العامر - عضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: د. عبدالغني بن أحمد التميمي - رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج.
الشيخ: أ. د. محمد بن تركي التركي أستاذ الحديث بجامعة الملك سعود بالرياض.
الشيخ: زهير بن مصطفى الشاويش - مؤسس المكتب الإسلامي في بيروت.
الشيخ: بدر بن ناصر الشبيب - الأمين العام للحركة السلفية بالكويت.
الشيخ: د. وجدي غنيم - داعية إسلامي.
стр. 316
الشيخ: د. شوكت كرانسكي - داعية إسلامي في كسوفا.
الشيخ: محمد بن عبد الله الحويط داعية إسلامي في ألمانيا.
الشيخ: د. عبد الله بن محمد الحاشدي - أستاذ جامعي بجامعة الإيمان باليمن.
الشيخ: مرصاد موتشاى - داعية إسلامي في جمهورية الجبل الأسود.
الشيخ: د. حامد بن حمد العلي - أستاذ الحديث في الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الكويت.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن عمير النعيمي - عضو هيئة التدريس بجامعة قطر.
الشيخ: أ. د. عبد العزيز مختار إبراهيم - أستاذ الحديث وعلومه بجامعة تبوك.
الشيخ: د. علي بن سعيد الغامدي - أستاذ الفقه بالمسجد النبوي والجامعة الإسلامية بالمدينة.
الشيخ: خالد بن أحمد زعرور - مؤسس وقف إحياء السنة بلبنان.
الشيخ: د. وليد بن عثمان الرشودي - عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود.
الشيخ: د. طارق بن محمد الطواري - أستاذ الحديث في الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الكويت
الشيخ: ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي - باحث شرعي بالطايف.
الشيخ: د. عدنان محمد أمامة - داعية إسلامي بلبنان.
الشيخ: د. محسن بن حسين العواجي - عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
الشيخ: عبد الوهاب الحميقاني - داعية إسلامي باليمن.
الشيخ: د. يوسف بن عبدالله الأحمد - عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: حسن قاري الحسيني - داعية إسلامي بالبحرين.
الشيخ: د. خالد بن عبدالله الشمراني - أستاذ الفقه المشارك بجامعة أم القرى
الشيخ: د. محمد بن سليمان البراك - عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
الشيخ: د. حمد بن إبراهيم الحيدري - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: فهد بن سليمان القاضي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عبد الله بن ناصر السليمان - مفتش قضائي بالرياض.
الشيخ: د. محمد بن عبد الله الهبدان - المشرف العام على مؤسسة نور الإسلام العالمية بالرياض.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن جميل قصاص - الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
الشيخ: سعد بن ناصر الغنام - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد الصادق مغلس - قاضي في وزارة العدل وعضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: عبد الله بن علي الغامدي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عارف بن أحمد الصبري - عضو لجنة تقنين الشريعة في مجلس النواب باليمن.
الشيخ: إبراهيم بن محمد الحقيل - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. مهران ماهر عثمان - داعية إسلامي بالسودان.
الشيخ: عبدالمحسن بن محمد الأحمد - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. محمد عبدالكريم - رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم بالسودان.
الشيخ: قاسم بن علي العصيمي - داعية إسلامي باليمن.
الشيخ: د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي - أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى بمكة الكرمة.
الشيخ: عبد الرحمن بن محمد الهرفي - عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية.
الشيخ: د. ناصر بن يحيى الحنيني - المشرف العام على مركز الفكر المعاصر بالسعودية.
الشيخ: عادل بن حسن بن يوسف الحمد - داعية إسلامي بالبحرين.
الشيخ: حمد بن عبدالله الجمعة - باحث شرعي في الرياض.
الشيخ: د. عبدالله بن عمر الدميجي - عميد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى سابقاً
الشيخ: حسين بن محمد الحبشي - باحث شرعي بالسعودية.
الشيخ: د. رياض بن محمد المسيميري - أستاذ التفسير المشارك بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: مراد بن أحمد القدسي - عضو هيئة علماء اليمن وعضو رابطة علماء المسلمين.
الشيخ: د. ستر بن ثواب الجعيد - رئيس قسم القضاء بجامعة أم القرى سابقاً بمكة المكرمة.
الشيخ: سلطان بن عثمان البصيري - القاضي بالمدينة النبوية.
стр. 317
الشيخ: د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي - أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بالرياض.
الشيخ: د. إبراهيم بن علي الحذيفي - عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
الشيخ: د. خالد بن محمد الماجد - أستاذ الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: د. عبد الله بن ناصر الصبيح - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: ناصر بن محمد الأحمد - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. سليمان بن صالح الجربوع - عضو رابطة الفقه الإسلامي بالسعودية.
الشيخ: بدر بن إبراهيم الراجحي - القاضي بالمحكمة العامة بمكة المكرمة.
الشيخ: د. عبدالعزيز بن محمد الوهيبي - المشرف العام على مجلة مؤتمر الأمة.
الشيخ: جمال بن إبراهيم الناجم - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد بن عبدالله الحصم - داعية إسلامي بالكويت.
الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله الوهيبي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد بن عبدالعزيز اللاحم - أستاذ العقيدة بوزارة التربية والتعليم.
الشيخ: عبدالله بن علي الربع - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: أحمد بن عبدالله الراجحي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد بن علي عبد الله الغيلي - عضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن محمد الفارس - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: الشيخ: د. عبد الملك التاج - رئيس قسم الأصول بجامعة الإيمان وعضو هيئة علماء اليمن.
مسفر بن عبدالله البواردي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عبدالعزيز بن صالح العقل - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. صالح بن عبدالله الهذلول - عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
الشيخ: عبدالله بن عمر السحيباني - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن صالح المزيني - المشرف العام على موقع رياض الإسلام.
الشيخ: د. سعيد بن ناصر الغامدي - أستاذ العقيدة المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة.
الشيخ: د. عيسى بن عواض العضياني - مدير التوجيه والإرشاد بإسكان وزارة الدفاع بالمدينة النبوية.
الشيخ: محمد بن على الآنسي - خطيب مسجد الشهداء وداعية إسلامي باليمن.
الشيخ: غازي جبر الرياشي - عضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري - أستاذ القرآن وعلومه المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض.
الشيخ: عبدالمحسن بن مريسي الحارثي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عبدالله بن فهد السويلم - باحث شرعي بالسعودية.
الشيخ: د. محمد بشر القباطي - داعية إسلامي باليمن.
الشيخ: د. سليمان بن محمد العثيم - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: حسين بن عبدالرحمن الغامدي - داعية إسلامي بالسعودية.
стр. 318
بيان حول أحداث البحرين
مجموعة من المشايخ
١٥ ربيع الأول ١٤٣٢هـ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد:
فإن العالم اليوم يتابع المتغيرات المتسارعة في تونس ومصر وما حصل فيهما - بتوفيق من الله - من سقوط ذريع لرموز الظلم والطغيان، ثم ما تبع ذلك من خروج متظاهرين في مملكة البحرين على نسق من سبقهم في تونس ومصر مطالبين بالإصلاح وبعضهم نادى بإسقاط النظام كما شوهد في وسائل الإعلام، ولنا مع هذه المظاهرات في مملكة البحرين وقفات:
١ - نذكر ملك البحرين وكافة ملوك وقادة العالم الإسلامي أن صلاح البلاد والعباد يكون بإقامة حكم الله فيهم وتطبيق الشريعة عليهم ورد التنازع لحكم الله ورسوله عملا بقول الله جل في علاه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) وسياسة الناس بالشريعة هو الخير المطلق والسعادة التامة للراعي والرعية وهو أهم وظائف الإمامة ونوصيكم وفقكم الله بما أوصى به الحسن البصري عمر بن عبد العزيز رحمهما الله حيث قال: (إن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة لكل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، وهو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، وهو كالعبد الذي ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، وهو الذي لا يحكم في عباد الله بحكم الجاهلية ولا يسلك بهم سبيل الظالمين، ولا يسلط المستكبرين على المستضعفين، فهو وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم).
٢ - النصيحة واجبة على كل مسلم عملا بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة هذه الأمة وسبب خيريتها كما قال الله جل في علاه (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تكون إلا بالطرق المشروعة والإقتداء الحق بالسنة حتى لا تخرج عن دائرة البر والخير إلى دائرة الإحداث والشر.
٣ - إن المتابع للمظاهرات في البحرين يجد أنها تخرج عن دائرة المطالبة بالحقوق، إلى دائرة تنفيذ مخططات مشبوهة وأجندات ظاهرة، تمثل طليعةً لمدٍ صفوي مجوسي يحلم بالاستيلاء على الخليج العربي وتكوين هلال فارسي طالما نادوا به وسعوا لتحقيقه، ومصداق ذلك أنه بمراجعة مراكز الإحصاء العالمية يتبين أن مملكة البحرين من أقل بلدان العالم بطالة مع قلة مواردها المادية وأن جملة كبيرة من المتظاهرين هم أصحاب وظائف وأعمال، ودعاوى المطالبة بإطلاق الحريات المزعومة؛ مقصودها الحقيقي؛ تغيير هوية الحكم وتمكين المد الصفوي منه لا قدر الله، فعلى العقلاء أن يبصروا هذا الخطر وأن لا يكونوا عونا لهذا المد الصفوي في المنطقة وليأخذوا العبرة من العراق الذي سلب أمنه واستقلاله وخيراته.
стр. 319
٤ - أن المطالبة بالإصلاح والدعوة لذلك، يكون مقبولا وناجحاً كما هو الحال في ثورتي تونس ومصر حين يتجرد من أي إملاءات خارجية، وحين يتبناه غالب الشعب، لا طائفة من طوائفه.
٥ - ننصح إخواننا في البحرين؛ بأن لا ينخدعوا بمثل هذه الفتنة، وألا يشاركوا في هذه المظاهرات التي تخدم المد الصفوي والذي سيقوض أركان دولتهم ويهز وحدتهم وأن يعلموا أن الخروج في مثل هذه المظاهرات محرم شرعا؛ نظرا لظهور مقاصدها الخبيثة، ولما هو مقرر شرعاً من أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وبالتالي فلا يجوز المشاركة فيها ولا الوقوف في صف من يدعوا لها أو ينظمها وليعلم أنه شريك في الأثم معه
نسأل الله يحفظ إخواننا في البحرين بحفظه وأن يقينا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن ... وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الموقعون:
١ - د. سعد الحميد جامعة الملك سعود
٢ - د. محمد القحطاني جامعة أم القرى سابقا
٣ - د. خالد الشمراني جامعة أم القرى
٤ - د. أحمد الزهراني الجامعة الإسلامية سابقا
٥ - د. محمد الخضيري جامعة القصيم
٦ - د. ناصر الحنيني جامعة الإمام محمد بن سعود
٧ - د. خالد العجيمي جامعة الإمام محمد بن سعود سابقا
٨ - الشيخ / أحمد الحمدان وزارة الشؤون الإسلامية
٩ - الشيخ / حمود التويجري داعية مكة المكرمة
١٠ - د. عبدالله الدميجي جامعة أم القرى
١١ - د. يوسف الأحمد جامعة الإمام محمد بن سعود
١٢ - الشيخ / فهد القاضي داعية الرياض
١٣ - د. وليد الرشودي جامعة الملك سعود
стр. 320
توحيد القلوب أولى من الحكم على صدَّام
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
١٨ ذو الحجة ١٤٢٧هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فقد كنت عزمت على ألاَّ أكتب في هذا الموضوع شيئاً وقد كتب فيه كثيرون، وكلما كتب أو تكلم عالمٌ أو طالبُ علمٍ زادت الهوة واتسع الخلاف -مع الأسف- ما بين مؤيدٍ لهذا أو معارضٍ لذاك، وهذا من القصور في النظر وضيق الأفق، فالمسألة لا تعدو أن تكون مسألة اجتهادية في تحقيق المناط لمسألة شرعية، إذ الكل متفق على الأصول الشرعية التي تحكم هذا الباب وإنما اختلافهم في تنزيل هذا الحكم على شخص معين لاختلاف أنظارهم في بعض أحوال هذا المعين والواقع الفعلي لأيامه الأخيرة، إنما الأمر الذي يجب ألا يُختلف فيه هو أن توحيد الصف وائتلاف الكلمة أولى بكثير من الحكم على صدَّام: هل مات مسلماً أم كافراً؟ أمَّا أن تكون هذه المسألة سبباً في الطعن في العلماء وطلاب العلم والدعاة، وسبباً للفرقة والاختلاف فهذا مما يكرهه الله ورسوله، ولا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة شعاراً يفاضلون بها بين العلماء، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٧): ((مسائل الاجتهاد من عَمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان؛ فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا؛ قلَّد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم)) فكان ينبغي على من خاض في هذه المسألة إن ظهر له رجحان أحد القولين أن يأخذ به دون أن ينكر على غيره، وإلا قلَّد من يثق فيه من العلماء وانتهى الأمر. أمَّا تسويد الصفحات والوجوه بالردود على هذا أو ذاك دون أخذ العبر والدروس من إعدامه، وما لابس ذلك من ظروف زمانية ومكانية وغير ذلك فهو من الحرمان، أو قل من قلة التوفيق لملاحظة حكمة الله، وسنته في خلقه.
إنَّ صدَّام حسين كان يعلن انتماءه لحزب البعث العربي الاشتراكي -الكافر- بل إنه أحد دعائمه، وقد حارب الله ورسوله أيام حكمه وقتل من العلماء والمصلحين والأبرياء ما الله به عليم، وكان يحكم شعبه بغير ما أنزل الله، وجرَّ على شعبه وعلى الأمة الإسلامية الويلات والدمار، وكان يتحدث باسم البعث لا باسم الله، ثم نُقل عنه بالتواتر من أهل العراق أنه قد تغير في نهاية حكمه للعراق وربما صحب هذا الزعم شيءٌ من المبالغة، وقد وُجد في زمن المتناقضات من يرفع شعار الإسلام ويحاربه في آن واحد!، فإذا لاحظت ذلك كُلَّه ثُم أضفت إليه أن العلماء نصُّوا على أن من كان مرتكباً ناقضاً من نواقض الإسلام ولكنه ينطق بالشهادتين على وجه العادة فهو كافر حتى يتبرأ من هذا الناقض = علِمتَ مأخذ من حكم بكفر صدَّام وعدم الترحم عليه من العلماء.