← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الشيخ: د. شوكت كرانسكي - داعية إسلامي في كسوفا. الشيخ: محمد بن عبد الله الحويط داعية إسلامي في ألمانيا. الشيخ: د. عبد الله بن محمد الحاشدي - أستاذ جامعي بجامعة الإيمان باليمن. الشيخ: مرصاد موتشاى - داعية إسلامي في جمهورية الجبل الأسود. الشيخ: د. حامد بن حمد العلي - أستاذ الحديث في الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الكويت. الشيخ: د. عبدالرحمن بن عمير النعيمي - عضو هيئة التدريس بجامعة قطر. الشيخ: أ. د. عبد العزيز مختار إبراهيم - أستاذ الحديث وعلومه بجامعة تبوك. الشيخ: د. علي بن سعيد الغامدي - أستاذ الفقه بالمسجد النبوي والجامعة الإسلامية بالمدينة. الشيخ: خالد بن أحمد زعرور - مؤسس وقف إحياء السنة بلبنان. الشيخ: د. وليد بن عثمان الرشودي - عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود. الشيخ: د. طارق بن محمد الطواري - أستاذ الحديث في الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الكويت الشيخ: ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي - باحث شرعي بالطايف. الشيخ: د. عدنان محمد أمامة - داعية إسلامي بلبنان. الشيخ: د. محسن بن حسين العواجي - عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. الشيخ: عبد الوهاب الحميقاني - داعية إسلامي باليمن. الشيخ: د. يوسف بن عبدالله الأحمد - عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام بالرياض. الشيخ: حسن قاري الحسيني - داعية إسلامي بالبحرين. الشيخ: د. خالد بن عبدالله الشمراني - أستاذ الفقه المشارك بجامعة أم القرى الشيخ: د. محمد بن سليمان البراك - عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. الشيخ: د. حمد بن إبراهيم الحيدري - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض. الشيخ: فهد بن سليمان القاضي - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: عبد الله بن ناصر السليمان - مفتش قضائي بالرياض. الشيخ: د. محمد بن عبد الله الهبدان - المشرف العام على مؤسسة نور الإسلام العالمية بالرياض. الشيخ: د. عبدالرحمن بن جميل قصاص - الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. الشيخ: سعد بن ناصر الغنام - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: محمد الصادق مغلس - قاضي في وزارة العدل وعضو هيئة علماء اليمن. الشيخ: عبد الله بن علي الغامدي - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: عارف بن أحمد الصبري - عضو لجنة تقنين الشريعة في مجلس النواب باليمن. الشيخ: إبراهيم بن محمد الحقيل - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: د. مهران ماهر عثمان - داعية إسلامي بالسودان. الشيخ: عبدالمحسن بن محمد الأحمد - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: د. محمد عبدالكريم - رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم بالسودان. الشيخ: قاسم بن علي العصيمي - داعية إسلامي باليمن. الشيخ: د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي - أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى بمكة الكرمة. الشيخ: عبد الرحمن بن محمد الهرفي - عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية. الشيخ: د. ناصر بن يحيى الحنيني - المشرف العام على مركز الفكر المعاصر بالسعودية. الشيخ: عادل بن حسن بن يوسف الحمد - داعية إسلامي بالبحرين. الشيخ: حمد بن عبدالله الجمعة - باحث شرعي في الرياض. الشيخ: د. عبدالله بن عمر الدميجي - عميد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى سابقاً الشيخ: حسين بن محمد الحبشي - باحث شرعي بالسعودية. الشيخ: د. رياض بن محمد المسيميري - أستاذ التفسير المشارك بجامعة الإمام بالرياض. الشيخ: مراد بن أحمد القدسي - عضو هيئة علماء اليمن وعضو رابطة علماء المسلمين. الشيخ: د. ستر بن ثواب الجعيد - رئيس قسم القضاء بجامعة أم القرى سابقاً بمكة المكرمة. الشيخ: سلطان بن عثمان البصيري - القاضي بالمدينة النبوية.

стр. 317

الشيخ: د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي - أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بالرياض. الشيخ: د. إبراهيم بن علي الحذيفي - عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. الشيخ: د. خالد بن محمد الماجد - أستاذ الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض. الشيخ: د. عبد الله بن ناصر الصبيح - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض. الشيخ: ناصر بن محمد الأحمد - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: د. سليمان بن صالح الجربوع - عضو رابطة الفقه الإسلامي بالسعودية. الشيخ: بدر بن إبراهيم الراجحي - القاضي بالمحكمة العامة بمكة المكرمة. الشيخ: د. عبدالعزيز بن محمد الوهيبي - المشرف العام على مجلة مؤتمر الأمة. الشيخ: جمال بن إبراهيم الناجم - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: محمد بن عبدالله الحصم - داعية إسلامي بالكويت. الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله الوهيبي - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: محمد بن عبدالعزيز اللاحم - أستاذ العقيدة بوزارة التربية والتعليم. الشيخ: عبدالله بن علي الربع - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: أحمد بن عبدالله الراجحي - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: محمد بن علي عبد الله الغيلي - عضو هيئة علماء اليمن. الشيخ: د. عبدالرحمن بن محمد الفارس - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: الشيخ: د. عبد الملك التاج - رئيس قسم الأصول بجامعة الإيمان وعضو هيئة علماء اليمن. مسفر بن عبدالله البواردي - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: عبدالعزيز بن صالح العقل - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: د. صالح بن عبدالله الهذلول - عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم. الشيخ: عبدالله بن عمر السحيباني - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: د. عبدالرحمن بن صالح المزيني - المشرف العام على موقع رياض الإسلام. الشيخ: د. سعيد بن ناصر الغامدي - أستاذ العقيدة المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة. الشيخ: د. عيسى بن عواض العضياني - مدير التوجيه والإرشاد بإسكان وزارة الدفاع بالمدينة النبوية. الشيخ: محمد بن على الآنسي - خطيب مسجد الشهداء وداعية إسلامي باليمن. الشيخ: غازي جبر الرياشي - عضو هيئة علماء اليمن. الشيخ: د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري - أستاذ القرآن وعلومه المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض. الشيخ: عبدالمحسن بن مريسي الحارثي - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: عبدالله بن فهد السويلم - باحث شرعي بالسعودية. الشيخ: د. محمد بشر القباطي - داعية إسلامي باليمن. الشيخ: د. سليمان بن محمد العثيم - داعية إسلامي بالسعودية. الشيخ: حسين بن عبدالرحمن الغامدي - داعية إسلامي بالسعودية.

стр. 318

بيان حول أحداث البحرين مجموعة من المشايخ ١٥ ربيع الأول ١٤٣٢هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد: فإن العالم اليوم يتابع المتغيرات المتسارعة في تونس ومصر وما حصل فيهما - بتوفيق من الله - من سقوط ذريع لرموز الظلم والطغيان، ثم ما تبع ذلك من خروج متظاهرين في مملكة البحرين على نسق من سبقهم في تونس ومصر مطالبين بالإصلاح وبعضهم نادى بإسقاط النظام كما شوهد في وسائل الإعلام، ولنا مع هذه المظاهرات في مملكة البحرين وقفات: ١ - نذكر ملك البحرين وكافة ملوك وقادة العالم الإسلامي أن صلاح البلاد والعباد يكون بإقامة حكم الله فيهم وتطبيق الشريعة عليهم ورد التنازع لحكم الله ورسوله عملا بقول الله جل في علاه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) وسياسة الناس بالشريعة هو الخير المطلق والسعادة التامة للراعي والرعية وهو أهم وظائف الإمامة ونوصيكم وفقكم الله بما أوصى به الحسن البصري عمر بن عبد العزيز رحمهما الله حيث قال: (إن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة لكل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، وهو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، وهو كالعبد الذي ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، وهو الذي لا يحكم في عباد الله بحكم الجاهلية ولا يسلك بهم سبيل الظالمين، ولا يسلط المستكبرين على المستضعفين، فهو وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم). ٢ - النصيحة واجبة على كل مسلم عملا بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة هذه الأمة وسبب خيريتها كما قال الله جل في علاه (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تكون إلا بالطرق المشروعة والإقتداء الحق بالسنة حتى لا تخرج عن دائرة البر والخير إلى دائرة الإحداث والشر. ٣ - إن المتابع للمظاهرات في البحرين يجد أنها تخرج عن دائرة المطالبة بالحقوق، إلى دائرة تنفيذ مخططات مشبوهة وأجندات ظاهرة، تمثل طليعةً لمدٍ صفوي مجوسي يحلم بالاستيلاء على الخليج العربي وتكوين هلال فارسي طالما نادوا به وسعوا لتحقيقه، ومصداق ذلك أنه بمراجعة مراكز الإحصاء العالمية يتبين أن مملكة البحرين من أقل بلدان العالم بطالة مع قلة مواردها المادية وأن جملة كبيرة من المتظاهرين هم أصحاب وظائف وأعمال، ودعاوى المطالبة بإطلاق الحريات المزعومة؛ مقصودها الحقيقي؛ تغيير هوية الحكم وتمكين المد الصفوي منه لا قدر الله، فعلى العقلاء أن يبصروا هذا الخطر وأن لا يكونوا عونا لهذا المد الصفوي في المنطقة وليأخذوا العبرة من العراق الذي سلب أمنه واستقلاله وخيراته.

стр. 319

٤ - أن المطالبة بالإصلاح والدعوة لذلك، يكون مقبولا وناجحاً كما هو الحال في ثورتي تونس ومصر حين يتجرد من أي إملاءات خارجية، وحين يتبناه غالب الشعب، لا طائفة من طوائفه. ٥ - ننصح إخواننا في البحرين؛ بأن لا ينخدعوا بمثل هذه الفتنة، وألا يشاركوا في هذه المظاهرات التي تخدم المد الصفوي والذي سيقوض أركان دولتهم ويهز وحدتهم وأن يعلموا أن الخروج في مثل هذه المظاهرات محرم شرعا؛ نظرا لظهور مقاصدها الخبيثة، ولما هو مقرر شرعاً من أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وبالتالي فلا يجوز المشاركة فيها ولا الوقوف في صف من يدعوا لها أو ينظمها وليعلم أنه شريك في الأثم معه نسأل الله يحفظ إخواننا في البحرين بحفظه وأن يقينا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن ... وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الموقعون: ١ - د. سعد الحميد جامعة الملك سعود ٢ - د. محمد القحطاني جامعة أم القرى سابقا ٣ - د. خالد الشمراني جامعة أم القرى ٤ - د. أحمد الزهراني الجامعة الإسلامية سابقا ٥ - د. محمد الخضيري جامعة القصيم ٦ - د. ناصر الحنيني جامعة الإمام محمد بن سعود ٧ - د. خالد العجيمي جامعة الإمام محمد بن سعود سابقا ٨ - الشيخ / أحمد الحمدان وزارة الشؤون الإسلامية ٩ - الشيخ / حمود التويجري داعية مكة المكرمة ١٠ - د. عبدالله الدميجي جامعة أم القرى ١١ - د. يوسف الأحمد جامعة الإمام محمد بن سعود ١٢ - الشيخ / فهد القاضي داعية الرياض ١٣ - د. وليد الرشودي جامعة الملك سعود

стр. 320

توحيد القلوب أولى من الحكم على صدَّام علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف ١٨ ذو الحجة ١٤٢٧هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله فقد كنت عزمت على ألاَّ أكتب في هذا الموضوع شيئاً وقد كتب فيه كثيرون، وكلما كتب أو تكلم عالمٌ أو طالبُ علمٍ زادت الهوة واتسع الخلاف -مع الأسف- ما بين مؤيدٍ لهذا أو معارضٍ لذاك، وهذا من القصور في النظر وضيق الأفق، فالمسألة لا تعدو أن تكون مسألة اجتهادية في تحقيق المناط لمسألة شرعية، إذ الكل متفق على الأصول الشرعية التي تحكم هذا الباب وإنما اختلافهم في تنزيل هذا الحكم على شخص معين لاختلاف أنظارهم في بعض أحوال هذا المعين والواقع الفعلي لأيامه الأخيرة، إنما الأمر الذي يجب ألا يُختلف فيه هو أن توحيد الصف وائتلاف الكلمة أولى بكثير من الحكم على صدَّام: هل مات مسلماً أم كافراً؟ أمَّا أن تكون هذه المسألة سبباً في الطعن في العلماء وطلاب العلم والدعاة، وسبباً للفرقة والاختلاف فهذا مما يكرهه الله ورسوله، ولا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة شعاراً يفاضلون بها بين العلماء، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢٠٧): ((مسائل الاجتهاد من عَمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان؛ فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا؛ قلَّد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم)) فكان ينبغي على من خاض في هذه المسألة إن ظهر له رجحان أحد القولين أن يأخذ به دون أن ينكر على غيره، وإلا قلَّد من يثق فيه من العلماء وانتهى الأمر. أمَّا تسويد الصفحات والوجوه بالردود على هذا أو ذاك دون أخذ العبر والدروس من إعدامه، وما لابس ذلك من ظروف زمانية ومكانية وغير ذلك فهو من الحرمان، أو قل من قلة التوفيق لملاحظة حكمة الله، وسنته في خلقه. إنَّ صدَّام حسين كان يعلن انتماءه لحزب البعث العربي الاشتراكي -الكافر- بل إنه أحد دعائمه، وقد حارب الله ورسوله أيام حكمه وقتل من العلماء والمصلحين والأبرياء ما الله به عليم، وكان يحكم شعبه بغير ما أنزل الله، وجرَّ على شعبه وعلى الأمة الإسلامية الويلات والدمار، وكان يتحدث باسم البعث لا باسم الله، ثم نُقل عنه بالتواتر من أهل العراق أنه قد تغير في نهاية حكمه للعراق وربما صحب هذا الزعم شيءٌ من المبالغة، وقد وُجد في زمن المتناقضات من يرفع شعار الإسلام ويحاربه في آن واحد!، فإذا لاحظت ذلك كُلَّه ثُم أضفت إليه أن العلماء نصُّوا على أن من كان مرتكباً ناقضاً من نواقض الإسلام ولكنه ينطق بالشهادتين على وجه العادة فهو كافر حتى يتبرأ من هذا الناقض = علِمتَ مأخذ من حكم بكفر صدَّام وعدم الترحم عليه من العلماء.

стр. 321

وأما الفريق الآخر فقد لحظوا أن صدَّاماً بعد سقوط بغداد وهروبه ظهرت منه قرائن تدل على نوع تغير عنده: فقد قُبض عليه في مكان يدل على أنه كان يقرأ القرآن ويصلي فيه وحده أو مع نفرٍ قليلٍ من حرسه، وهذا ينفي عنه أنه كان يفعل ذلك على وجه العادة أو الخداع للشعب حيث لا شعب ولا دولة، وكذا ما نَقل عنه الأعداء والأصدقاء عن حاله في السجن من كثرة صلاته وقراءته للقرآن حيث لا يراه إلا الله وأعداؤه وهذا نقلٌ ثابتٌ لا يتطرق إليه الشك، وفي هذه الأثناء لا يُعرف عن الرجل أنه كان يدعو لمبادئ حزب البعث الكفرية مما قد يشير إلى أنه أقلع عنها، فمن كان يرى من أهل العلم أنه لابد من التبرؤ مما كان يعلنه من الكفر رأى أنه ما زال على كفره، ومن كان يرى أن الإقلاع عن الكفر وعدم الوقوع فيه مع قرائن أخرى تدل على إسلامه حكم بإسلامه ولو لم يتبرأ صراحة، فالمسألة اجتهادية. ومن القرائن التي تدل على تغير صدَّام في أيامه الأخيرة، آخرُ وصية كتبها قبل إعدامه ففيها الكثير من التوجه إلى الله، والاستشهاد بالآيات، ولم يذكر حزب البعث ولا لمرة واحدة إلا إشادته بثورة ١٩٦٨م التي مكنته من مسك زمام الحكم في العراق. وعندما سيق إلى المشنقة ولم يبق بينه وبين الموت إلا لحظات لم يتوجه إلى حزب البعث، ولم يذكره، بل ذكر الله وتوجه إليه، ونطق بالشهادتين في ظروف يعرفها من استمع إليها وشاهدها، ومثل هذا التشهد في مثل هذا الظرف يصعب أن يكون على وجه العادة، ولو قالها خوفاً من المشنقة لقلنا لمن كفره: أشققت عن قلبه؟ فكيف وقد قالها أمام من ساءهم نطقُه بها، وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله ﷺ : ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، فالذي يغلب على الظن -والعلم عند الله- أن الرجل مات مسلماً تُرجى له الرحمة، وليس كلُّ من مات مسلماً يجب الترحم عليه، ورحمة الله واسعة ((وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل الجنة فيدخلها)) وأمَّا ما يذكره بعضهم من أن الحكم على صدَّام بإسلام يقتضي أنه كلما نطق مرتدٌ محاربٌ للإسلام بالشهادتين عند موته حكمنا بإسلامه، فجوابه: هل من كان حاله الكفر المحض عملاً واعتقاداً يثبِّته الله ويوفقه للنطق بالشهادتين عند وفاته وهو باقٍ على كفره؟ قال البغوي في تفسيره: ((قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني قبل الموت، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ عند السؤال في القبر، ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾ عند البعث، والأول أصح.)) أ. هـ ولو سلمنا أنَّ ذلك جائزٌ عقلاً، أليس هناك فرقٌ بين من كان يصرح بالكفر حتى إذا ما أدركه الموت نطق بالشهادتين وبين من أظهر الإسلام قبل وفاته بزمن ولم يصرح بكفر ثم نطق بالشهادتين عند وفاته؟ أليس هذا من تثبيت الله له؟ وإني لأعجب من حماس بعض الناس لتكفير صدَّام، كما أعجب من حماس آخرين للترحم عليه والغلو في التعاطف معه حتى عدُّوه شهيداً! وهو لم يقاتل في سبيل الله يوماً واحداً في حياته، ناسين جرائمه وقتله لعلماء المسلمين، فما أضعف العقول! وأيَّاً كان الأمر فالمسألة اجتهادية، وتوحيد القلوب أولى من اختلافها في الحكم عليه. والله أعلم.

стр. 322

الرد على من زعم جواز التبرك بالآثار النبوية المكانية علوي بن عبد القادر السَّقَّاف الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد: فقد أرسل لي أحد الفضلاء - جزاه الله خيراً - نسخة من كتاب للشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ بعنوان ((الآثار النبوية في المدينة المنورة وجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها)) مكتوب عليه: (وقف لله تعالى ١٤٢٧هـ)، فشدني عنوانه وبخاصة قوله (وجواز التبرك بها)، فقرأته على عجل، وشدني أكثر تفسيره للآثار النبوية: بالآثار النبوية المكانية، فعدت له ثانية بعد أيام لأسجل هذه الملاحظات والوقفات مع الكتاب، ولو فسح الله في الوقت والعمر فسأفرد لهذا الموضوع كتاباً مستقلاً. يقع الكتاب في خمسٍ وسبعين صفحة من الحجم المتوسط بدأه الشيخ بتقسيم الآثار إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: آثار تاريخية كأنواع المباني والأواني والنقود القديمة وهذا جعله الشيخ من اهتمام دارسي التاريخ والحضارة. الصنف الثاني: آثار خرافية كالقبور والأضرحة. وهذا استنكره المؤلف ودعا لمحاربته - جزاه اللهُ خيراً - الصنف الثالث: آثار إسلامية نبوية وهذه يرى وجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها كما هو صريح عنوان الكتاب. وذكر للمحافظة على هذا الصنف أربع فوائد: الاعتبار بها، والتبرك بها، وأنها تساعد على دراسة السيرة النبوية، وأنها زينة للمدينة. وهذه الورقات تناقش المؤلف في دعواه جواز التبرك بهذا الصنف من الآثار - وليس معنى هذا أني أوافقه فيما عدا ذلك - فدعوى الشيخ إذن: وجوب المحافظة على هذه الآثار من أجل التبرك بها. هذا، وقد استدل المؤلف - عفا الله عنه - على دعواه تلك بأدلة، لا تنهض للدلالة على تلك الدعوى بحال، ولذا أرى لزاماً بيان سرِّ الخلط الذي وقع بسببه الشيخ ومن سبقه، ذلكم هو عدم التفريق بين التبرك والتعبد، أو قل بين التبرك من جهة، وبين الاقتداء والذي منه شدة الاتباع للنبي ﷺ من جهة أخرى، وكذا عدم التفريق بين آثار النبي ﷺ التي هي جزءٌ منه كنخامته، وشعره، أو ما لامس جسده الشريف الطاهر كماء وضوئه، وملابسه، ورمانة منبره التي كان يمسك بها أثناء الخطبة، عدم التفريق بين هذه الآثار وبين الأماكن التي جلس عليها أو صلى فيها، أو مرَّ بها. أمَّا آثاره ﷺ سواءً كانت جزءاً منه ثم انفصلت عنه، أو خارجةً عنه لكنها لامست جسده الطاهر، فهذه هي التي كان الصحابة ﵃ يتبركون بها دون توسع، وربما استمر الأمر على ذلك سنوات معدودات ممن أتى بعدهم، ثم انقرضت الآثار وانقرض تبعًا لذلك هذا التبرك، أما تلك الأماكن التي جلس عليها أو صلى فيها ثم بمرور الزمن اندرس منها ما لامس جسده الشريف وبقيت البقعة المكانية كما هي، فهذه هي التي وقع فيها الخلط عند المؤلف كما هو الحال عند غيره، ولذا عدَّها بعضُ الخلف مما يُتبرك به.

стр. 323

والتبرك معناه: طلب البركة، وهي زيادة الخير، ويكون بالأعمال كالصلاة والصيام والصدقة وكل أمر شرعه الله ففيه بركة الأجر والثواب، ويكون بالذوات وآثارها، وقد تقدم أن ما كان بذات النبي ﷺ وما لامسها أنه جائز، والشيخ في كتابه هذا إنما يعني التبرك بالذوات سواءً لامست جسده أم لا، ولذا ذكر جواز التبرك بالمكان في الصفحات: (٢٥،٢٤،٢٣،١٦)، وجواز التبرك بالمواضع والآثار ذكره صفحة (١٧)، والتبرك بالمسح على رمانة المنبر ذكره صفحة: (١٣ و ٢٥)، ومما يدل على أنَّ الشيخ - عفا الله عنه - يخلط بين هذين المعنيين ما قاله عن قول عتبان ﵁ لما طلب من النبي ﷺ أن يصلي في بيته: ((فأتخذه مصلى)) - وسيأتي الكلام عنه -، قال عنه تارة (ص١٥): ((ومعنى قول عتبان هذا: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلي فيه)) وقال (ص٢٣): ((أقرَّ النبي ﷺ عتبان على التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي ﷺ ) فهو تارة يجعل التبرك بالصلاة وتارة يجعله بالمكان. وقد استدل الشيخ على صحة دعواه بستة أدلة: الأول: حديث عتبان بن مالك الأنصاري ﵁ وطلبه من النبي ﷺ أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى ففعل ﵊، والحديث في الصحيحين. الثاني: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ وأنه كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي كان النبي ﷺ يصلي عندها. والحديث في الصحيحين. الثالث: تحري الصحابة ﵃ الصلاة عند أسطوانة عائشة ﵂. وهو حديث منكر سيأتي الكلام عنه. الرابع: حديث جابر بن عبد الله ﵄، وأنه كان يأتي مسجد الفتح ويدعو عنده، وسيأتي الكلام عنه. الخامس: ما ورد من تتبع عبد الله بن عمر ﵄ للأماكن النبوية تبركاً بها. السادس: ما نُقل عن بعض أئمة السلف، كمالك وأحمد والبخاري. وقبل الإجابة على هذه الأدلة أو الشبهات، لابد من التأكيد على أنَّ جواز التبرك بآثار النبي ﷺ بهذا المعنى الذي ذكره المؤلف، ليس مما قال به أحدٌ من سلف الأمة، بل ولا قال به أحدٌ من الأئمة الكبار عند سبر أقوالهم ومدلولاتها، وليس هو من باب ما يسوغ فيه الاجتهاد، ولذا فإن الرد على هذه الشبهات لا يتعلق بتصحيح حديث اختلف المحدثون فيه، ولا بتوثيق رجل اختلف علماء الجرح والتعديل في شأنه، ولا هو بمأخذ في دلالة لفظة، حمالة أوجه، وإنما هو في تصور الدلالة وانطباقها على الواقع، الأمر الذي غاب عن الشيخ - غفر الله له -، وأنا على يقين تام بأنه لو تأملها، لرجع عن قوله، كيف لا؟! وهو المعروف بدفاعه عن السنة، وذوده عن حياضها في مدينة الحبيب المصطفى ﷺ . والرد على ما ذكره واستدل به الشيخ سيكون إن شاء الله على وجهين: مجمل، ومفصل: فأما المجمل، فيقال:

стр. 324

لو كان الأمر كما قال الشيخ - عفا الله عنه - (ص١٤) ((التبرك بما يسمى (الآثار النبوية المكانية) أي الأماكن التي وُجد فيها النبي ﷺ أو صلى فيها أو سكن بها أو مكث بها ولو لبرهة)) أ. هـ، لو كان المشروع من التبرك بآثاره ﷺ يبلغ هذا الحد، لكان حجم المنقول من ذلكم التبرك من أفعال الصحابة أكثر من أن يحصر وبما يغني الشيخ عن عناء تتبع الوارد في هذا الباب، ذلك أن عدد ما نَزَله النبي ﷺ من الأماكن يفوق العد والحصر، وما وطئته قدماه الشريفتان يتجاوز التعداد، ومع ذلك فلم يثبت عن الصحابة ﵃ أنهم تبركوا بالمكان الذي نزله، أو أنهم تتبَّعوا مواطئ أقدامه ﷺ لا في حياته ولا بعد وفاته، كتبركهم بآثاره ﷺ كشعره ووضوئه ونخامته، دع عنك أن يتتابعوا عليه، فلما تركوه وهم من هم حرصاً على الخير وحباً للنبي ﷺ كان فيه أبلغ دليل على عدم مشروعية مثل هذا الصنيع بل وبدعيته وخروجه عن الهدي الأول. فدعوى التبرك بما مكث به ولو لبرهة: دعوة للتبرك بغار حراء، وشعاب مكة، وجبال مكة والمدينة وسهولهما، وما لا حصر له من الأماكن. أمَّا الجواب المفصل فيقال: = أمَّا حديث عتبان بن مالك ﵁ فقد أورده بتمامه (ص١٤) ثم قال: ((والدلالة من هذا الحديث واضحة في قول عتبان ﵁ "فأتخذه مصلى" وفي إقرار النبي ﷺ ومعنى قول عتبان هذا: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلي فيه، قال الحافظ ابن حجر: وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ أو وطئها، قال ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة. وقد علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على هذه الفقرة بقوله: هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي ﷺ لما جعل الله فيه من البركة وغيره لا يُقاس عليه لما بينهما من الفرق العظيم .... ثم قال المؤلف: يفهم من كلامه هذا - أي ابن باز - الإقرار بدلالة حديث عتبان على مشروعية التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي ﷺ وهو المقصود)) اهـ. فأنت ترى هنا أن الدعوى أكبر من الدليل، فالدعوى هي وجوب المحافظة على آثار النبي ﷺ المكانية من أجل التبرك بها حيث إنَّ من فوائد المحافظة عليها - كما ذكر في الفائدة الثانية - التبرك بها، فالشيخ - عفا الله عنه - يوجب المحافظة على هذه الآثار حتى نتمكن من التبرك بها، وأين في حديث عتبان، أو من كلام ابن حجر، أو حتى من كلام ابن باز المحافظة على هذه الآثار؟!، غاية ما في الحديث أن عتبان ﵁ طلب من النبي ﷺ أن يصلي في بيته كي يتخذه مصلى هذا أوّلاً. ثم بعد ذلك نأتي لمناقشة ما إذا كان ذلك للتبرك أم لا؟ فالحديث يحتمل احتمالات عدة ذكرها العلماء: منها: ما نقله المؤلف عن ابن حجر. ومنها: مالم ينقله المؤلف من قول ابن حجر في الصفحة نفسها: ((ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع)) (هامش فتح الباري) (١/ ٥٢٢) وقد كان ﵁ ضريراً.

стр. 325

والاحتمال الثالث: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١٧/ ٤٦٨) حيث قال: ((فإنه قصد أن يبني مسجداً وأحب أن يكون أول من يصلي فيه النبي ﷺ وأن يبنيه في الموضع الذي صلى فيه، فالمقصود كان بناء المسجد)) وقال في (اقتضاء الصراط المستقيم) (٢/ ٧٥٤): ((ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول الله ﷺ فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن هذا أصلُ قصدِه بناء مسجد فأحب أن يكون موضعاً يصلي له فيه النبي ﷺ ليكون النبي ﷺ هو الذي رسم المسجد)) أ. هـ. فأهل بيت عتبان ﵁ لم يُنقل عنهم أنهم فعلوا ذلك، ولا أحدٌ من الصحابة تبعه في ذلك وطلب من النبي ﷺ ما طلبه عتبان مع أنَّ فيهم من هو أفضل وأحرص على الاقتداء بسنة النبي ﷺ منه كأبي بكر وعمر وغيرهما، بل لم يُنقل عنهم حرصهم على التنفُّل في محرابه ﷺ . ثم إن هذا ينسحب أيضاً على النساء، فنساؤه في بيوته ﷺ لم يُنقل عنهن أنهن كنَّ يفعلن ذلك، أم أنَّ التبرك خاص بالرجال دون النساء؟!. كلُّ ما في الأمر أن عِتبان كلَّ بصرُه، وفعل فعلاً كان يرى عليه فيه غضاضة، وهو صلاته في بيته، فأراد إقرار النبي ﷺ له على فعله، وأراد النبي ﷺ إكرامه ومواساته، وهو الرؤوف الرحيم بصحابته وبالمؤمنين ﷺ . وقد ذكر المؤلف (ص٢٣) أن عمر بن الخطاب ﵁ ذهب مع النبي ﷺ وأبي بكر ﵁ إلى بيت عتبان ﵁ وفي (ص١٤) قال: ((وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب ﵁) أ. هـ يعني حديث المعرور بن سويد والذي فيه إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على من قصد الصلاة في مكان صلى فيه النبي ﷺ وسيأتي - فهذا فقه عمر ﵁، وهو الذي ذهب مع النبي ﷺ إلى بيت عتبان بن مالك ﵁ كما ذكر المؤلف، فمن أولى بالاتباع؟! وأياً كان الأمر فلا يُعرف أن الصحابة ﵃ أو من أتى بعدهم، حافظوا على مصلى عتبان ﵁ ليتبركوا به، إلا ما رواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٥٥٠) عن الواقدي أنه قال: (فذلك البيت - يعني بيت عتبان - يصلي فيه الناس بالمدينة إلى اليوم) والواقدي متروك كذاب. = أمَّا الدليل الثاني وهو أثر سلمة بن الأكوع ﵁ فقد قال المؤلف - عفا الله عنه - (ص١٧): ((وثبت عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه كان يتحرى المكان الذي كان يصلي فيه رسول الله ﷺ بين المنبر والقبلة: ففي الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة ﵁ أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يتحرى ذلك المكان. وفي رواية في الصحيح أيضاً قال يزيد كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها)) أ. هـ

стр. 326

فأين في أثر سلمة ﵁ التبرك بالأسطوانة أو بالمصلى خلفها، غاية ما فيه تحريه الصلاة عندها اقتداء بتحري النبي ﷺ وهذا من جنس الصلاة خلف مقام إبراهيم أو في مسجد قباء مع أن الصلاة عندهما أوكد من الصلاة عند الأسطوانة لما ثبت من فعله وقوله وترتيب الأجر على ذلك، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من السلف أن الصلاة خلف المقام أو في مسجد قباء، كانت للتبرك بالمكان بل هو اقتداءٌ بالنبي ﷺ طلباً للأجر لا لبركة المكان، ثم لو كان ذلك للتبرك فأين سلمة وسائر الصحابة ﵃ من محرابه ﷺ ، وهذا ما سبق الحديث عنه من أنَّ الشيخ يخلط بين التبرك والتعبد والاقتداء بالنبي ﷺ ، ولذلك علق شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) (١٧/ ٤٦٧) على حديث سلمة ﵁ بقوله: ((وقد كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة قال لأني رأيت رسول الله ﷺ يتحرى الصلاة عندها فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل الصلاة كان ذلك القصد للصلاة متابعة)) أ. هـ فهي متابعةٌ قصداً للأجر وليست تبركاً بالمكان، ويتأكد هذا التخريج بأنَّ سلمة ﵁ وغيره من الصحابة كذلك، ما كانوا يتحرون كلَّ بقعةٍ صلى فيها النبي ﷺ إنما كانوا يتحرون ما كان يتحراه ﷺ ، ومذهب الشيخ أن كل مكان مكث فيه النبي ﷺ ولو لبرهة فهو محلٌ للتبرك وهو على خلاف مذهب سلمة المستدل بفعله، ثم أين في الأثر إشارة إلى التبرك المزعوم؟! غاية ما فيه تحريه الصلاة حيث تحرَّاها النبي ﷺ ، ولو سلمنا جدلاً أن التحري كان للتبرك فهو تبركٌ بما لامس جسده الشريف في ذلك الوقت، وليس تبركاً بالبقعة ذاتها، فلو أراد أحدٌ اليوم أن يصلي خلف الأسطوانة تأسياً فله ذلك، أما تبركاً فلا، أيتبرك بالفرش الأعجمية أم بأنواع الرخام المصنوع في الشرق أو الغرب؟! فليس ثمة ما مسَّ جسده الطاهر صلوات الله وسلامه عليه. ومن الغرائب أن الشيخَ يعدُّ هذا الأثر من قسم المرفوع حتى يعارض به أثر عمر بن الخطاب ﵁ فيقول (ص٢٧): ((فهذا أثر موقوف على عمر ﵁ فكيف يناهض حديثين مرفوعين مقطوعاً بهما رواهما البخاري ومسلم، وهما: حديث عتبان، وحديث سلمة بن الأكوع المتفق عليه)) ولا أدري ما وجه كون حديث سلمة ﵁ مرفوعاً وهو من فعله واجتهاده بعد وفاة النبي ﷺ ؟! = أمَّا ثالث أدلته وهو تحري الصحابة الصلاة عند أسطوانة عائشة ﵂ فقد أورد فيه حديثاً منكراً، ولو صح فليس فيه دليل على التبرك، فقد قال - عفا الله عنه - (ص٢١): ((وأسطوانة عائشة كانت تسمى أسطوانة المهاجرين حيث كانوا يجتمعون عندها، وكان الصحابة يتحرون الصلاة عندها، ذكر ذلك الحافظ في الفتح، ... ثم قال: روى الطبراني في الأوسط عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: إن في المسجد لبقعة قِبَل هذه الأسطوانة، لو يعلم الناس ما صلُّوا فيها إلا أن تُطَيَّر لهم فيها قرعة ... الخ الحديث)).أ. هـ والحديث رواه الطبراني في (الأوسط) (١/ ٤٧٥) من طريق عتيق بن يعقوب قال حدثنا عبد الله ومحمد ابنا المنذر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومحمد بن المنذر هو الزبيري يروي عن هشام أحاديث موضوعة ومنكرة، وعبد الله أخوه لا تُعرف له ترجمة. انظر: (السلسلة الضعيفة) للألباني (٢٣٩٠)

стр. 327

والحديث - لو صح - ليس فيه دليل أنهم كانوا يتحرُّون الصلاة عند الأسطوانة تبركاً بل اقتداءً بالنبي ﷺ ، بل كان الصحابة ﵃ يبتدرون السواري وهي الأسطوانات - وقد كانت من خشب - للصلاة عندها وجعلها سترة لهم، وهذا معروف مشهور. ثم إن الغريب من الشيخ أنه لم يكتفِ بأسطوانة عائشة المزعومة بل زاد عليها وقال (ص٢٠): ((ومن الأماكن النبوية في الروضة الشريفة الأسطوانات الأخرى، وهي: أسطوانة السرير، وأسطوانة الحرس، وأسطوانة الوفود، وأسطوانة التوبة، وأسطوانة التهجد)) ولا أدري أيريد من الناس الذهاب إلى هذه الأسطوانات ليلتمسوا البركة عندها؟! مع العلم أن أياً من هذه الأسطوانات لم يرد فيها حديث خلا أسطوانة التوبة - والتي تيب عندها على أبي لبابة ﵁ فقد ورد فيها حديث إسناده ضعيف، انظر: صحيح ابن خزيمة (رقم٢٢٣٦) وضعيف ابن ماجه (رقم٣٥٠). = أمَّا دليله الرابع، فهو حديث جابر بن عبد الله ﵄ فقد قال الشيخ (ص٢٣): ((وثبت عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه كان يأتي مسجد الفتح الذي على الجبل، يتحرى الساعة التي دعا فيها النبي ﷺ على الأحزاب ويتحرى المكان أيضاً ويقول: ولم ينزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت تلك الساعة فدعوت الله فيه بين الصلاتين يوم الأربعاء إلا عرفت الإجابة)) وقال في موضع آخر (ص٥٩): بعد أن ذكر الحديث ((يقصد ﵁ أنه يتوخى الزمان والمكان أي يدعو في تلك الساعة في ذلك المكان الذي دعا فيه النبي ﷺ في مسجد الفتح، بدليل رواية البخاري في الأدب المفرد ولفظه: .. - ثم ذكر اللفظ المتقدم آنفاً -)) أ. هـ وحديث جابر هذا رواه الإمام أحمد في (المسند) (٢٢/ ٤٢٥ بتحقيق الأرنؤوط) والبزار في مسنده ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٠٠) من طريق أبي عامر العَقَدي عن كثير بن زيد بلفظ: ((إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة))، وفي إحدى روايات البزار أنه: ((يدعو في تلك الساعة في مسجد قباء)) ذكرها المؤلف نفسه (ص٥٩)، ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٣) وابن الغطريف في جزئه (ص١٠٧) ومن طريقه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (ص٤٩) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد عن كثير بن زيد بلفظ: ((إلا توخيت تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت فعرفت الإجابة)) ورواه البخاري في الأدب المفرد (٢/ ١٦٧ مع الشرح) من طريق سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد بلفظ: ((إلا توخيت تلك الساعة فدعوت الله فيه))، وأصح هذه الروايات إسناداً رواية أحمد فأبو عامر أوثق من عبيد الله ومن سفيان لذلك قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ١٤٢): رواه أحمد والبزار وغيرهما وإسناد أحمد جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٢): رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات، وكثير بن زيد نفسُه فيه كلام انظر: (السنن والأحكام) (٤/ ٣٠٠) للضياء المقدسي و (اقتضاء الصراط المستقيم) (٢/ ٨١٦) لابن تيمية، والحديث ضعف إسناده الأرنؤوط في تخريجه للمسند من أجل كثير بن زيد، وحسَّنه الألباني في (صحيح الأدب المفرد) (١/ ٢٥٦) و (صحيح الترغيب والترهيب) (٢/ ٢٤) باللفظين معاً، وأنكر ابن تيمية أن يكون جابر ﵁ كان يتحرى المكان فقال في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨١٦) ((ولم يُنقل عن جابر ﵁ أنه تحرى الدعاء في المكان بل في الزمان)).

стр. 328

= أمَّا تتبع عبد الله بن عمر ﵄ للأماكن النبوية فقال المصنف (ص١٧): ((وقد بوب البخاري في صحيحه فقال: "باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ " وذكر فيه أحاديث فيها تتبع عبد الله بن عمر ﵄ لهذه المواضع والتبرك بها، ومثله سالم ابنه كان يتحرى هذه المواضع، ويُفهم من تبويب البخاري وذكره لهذه المواضع أنه يرى مشروعية التبرك بذلك)) وفي (ص٢٣) قال: ((ولذلك لم ينقل أن عمر أنكر على ابنه عبد الله شدة تتبعه للأماكن النبوية وتبركه بها، بل لم يرد عن أي أحدٍ من الصحابة أنه أنكر عليه ذلك، فهم وإن لم يُنقل عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك مثله لكن عدم إنكارهم يدل على مشروعية فعله ﵁) أ. هـ والعجب لا ينقضي من صنيع المؤلف هذا! فقد زعم أن ابن عمر ﵄ كان يفعل ذلك تبركاً وليس فيما أورده ما يشير إلى ذلك، ثم زعم أن البخاري من تبويبه هذا يُفهم منه أنه يرى مشروعية التبرك، فبنى خطأً على خطأ، والبخاري بريء من ذلك، ثم زعم أن عمر ﵁ لم ينكر على ابنه وسيأتي أنه أنكر على ما هو أشد من ذلك، فماذا يريد الشيخ من كل ذلك؟! وهاكم نص الحديث كما أورده البخاري، ولنفتش سوياً عما زعمه المؤلف من تبرك ابن عمر ﵄ بهذه الأماكن، قال البخاري: ((حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا فضيل بن سليمان قال: حدثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي ﷺ يصلي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة وسألت سالماً فلا أعلمه إلا وافق نافعاً في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء)) أ. هـ، فأين في الحديث أن ابن عمر كان يتبرك بهذه الأماكن حتى يرتب عليها المؤلف كلامه السابق؟! وكذا تبويب البخاري: ((باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ) أين فيه مشروعية التبرك بهذه المساجد والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ؟! وهذا يؤكد ما ذكرته من أنَّ مبنى خطأ المؤلف هو الخلط بين ما كان يفعله الصحابة اقتداءً واتباعاً للنبي ﷺ وما كانوا يفعلونه تبركاً.

стр. 329

أما زعمه أن عمر ﵁ لم ينكر على ابنه عبد الله فجوابه: أنه أنكر على جمع من الصحابة فعلوا فعل ابن عمر ﵃، فعن المعرور بن سويد الأسدي قال: ((وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، فلما انصرف إلى المدينة، وانصرفت معه، صلى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ و ﴿لإيلاف قريش﴾، ثم رأى أناساً يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهبون هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجداً ها هنا صلى فيه رسول الله ﷺ ، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه يتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعاً، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله، فليصل فيها، ولا يتعمدنَْها)). رواه الطحاوي في (مشكل الآثار) (١٢/ ٥٤٤) واللفظ له، وابن أبي شيبة في (المصنف) (٢/ ٣٧٦) وهذا الأثر صحح إسناده ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١/ ٢٨١) والألباني في (تخريج فضائل الشام) (ص٤٩) وقال في (الثمر المستطاب) (١/ ٤٧٢): وهذا إسناد صحيح على شرط الستة. والحديث صريح في إنكار عمر ﵁ على من فعل ذلك وهذا الإنكار كان أمام جمعٍ من الصحابة، ولا أدري كيف خفي هذا على الشيخ؟ بل لم يخف عليه، فقد سبقت الإشارة إلى أنه قال (ص١٤): ((وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب ﵁) فهو - غفر الله له - يعرف حديث عمر الذي أنكر فيه على من فَعَلَ فِعْلَ ابنه عبد الله ثم يقول ولم يُنقل عن عمر أنه أنكر على ابنه! ومن نظر في سيرة عمر ﵁ يجدها مُطَّرِدَةً في إنكار مثل هذا الصنيع حتى أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع النبي ﷺ تحتها لما بلغه أنَّ ناساً يأتونها ويصلون عندها. كما في مصنف ابن أبي شيبة (٢/ ٣٧٥) وقال ابن حجر في الفتح: ((ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر ﵁ بلغه أن قوماً يأتون شجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت)) أما على رأي الشيخ فإنه تجب المحافظة على الشجرة، ويجوز التبرك عندها كذلك! قال ابن تيمية كما في (اقتضاء الصراط المستقيم) (٢/ ٧٥٦): ((كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم))، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز «الذي عدَّه المؤلف ممن يجيزون التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي ﷺ كما سبق نقله عنه: ((والحق أن عمر ﵁ أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء، سد الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه ﵄، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك، لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به ﷺ في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب والله أعلم)) (هامش فتح الباري) (١/ ٥٦٩). ثم إنَّ عبد الله ابن عمر ﵄ كان من شدة تتبعه للنبي ﷺ يحب أن يقضي حاجته حيث قضاها رسول الله ﷺ كما ثبت ذلك عنه في مسند الإمام أحمد (١٠/ ٢٩٤ رقم ٦١٥١ بتحقيق الأرنؤوط) وصحيح البخاري (٢/ ٥١٩ رقم ١٦٦٨)، فهل كان ذلك منه تبركاً؟!

стр. 330

= أمَّا استشهاده بأقوالٍ لأئمة السلف كمالك وأحمد والبخاري فقد قال - عفا الله عنه - (ص٢٥): ((ومشروعية التبرك بالأماكن النبوية هو مذهب البخاري كما ذكرنا - يعني تبويبه في كتاب الصلاة، باب: المساجد التي على طريق المدينة وسبق الرد عليه - ومذهب البغوي، والنووي، وابن حجر، بل هو مذهب الإمام أحمد «وقد استدل الإمام على ذلك بأن الصحابة كانوا يتبركون برمانة المنبر، يتبركون بالموضع الذي مسته يد النبي ﷺ ، وهو مذهب مالك، فقد روى أبو نعيم في الحلية أن هارون الرشيد أراد أن ينقض منبر النبي ﷺ ويتخذه من جوهر وذهب وفضة فقال له مالك: لا أرى أن تُحرم الناس من أثر النبي ﷺ ، وسبق كلامه في استحباب صلاة النافلة في مكان مصلاه ﷺ من مسجده)) أ. هـ. يعني بذلك ما ذكره (ص٢٠) أن مالكاً سئل أي المواضع أحب إليك الصلاة فيه؟ قال: أما النافلة فموضع مصلاه، وأما المكتوبة فأول الصفوف. والذي يهمنا هنا هو النقل عن الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والبخاري، وبغض النظر عن صحة أسانيد هذه الأقوال فأين هي مما يدعو إليه المؤلف من المحافظة على آثار النبي ﷺ المكانية للتبرك بها؟! فكلام الإمام أحمد عن رمانة منبره ﷺ وكلام الإمام مالك عن نقض المنبر هو عمَّا مسته يد النبي ﷺ لا عن آثاره المكانية، فأين هو المنبر اليوم وأين رمانته؟! أمَّا ما نقله عن الإمام مالك وأنه يرى أفضلية صلاة النافلة في موضع مصلاه فهذا على سبيل الاقتداء لا التبرك، وقد قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص١٠٨): ((وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ﷺ ماعدا قباءً وأحداً -يعني شهداء أحد)) وقال ابن بطال في شرح البخاري (٣/ ١٥٩) ((روى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الرسول ﷺ ، فقال: ما يعجبني ذلك إلا مسجد قباء))، أما الإمام أحمد فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٥٤): ((وأما أحمد فرخَّص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيداً، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم)) يعني حتى ما جاء فيه الأثر كمسجد قباء يشدد فيه أحمد إذا اتخذ عيداً، فماذا بعد ذلك؟! ومن عجائب الشيخ في هذا الكتاب أنه يدعو إلى التبرك الآن بشرب ماء الآبار التي سقط فيها خاتم النبي ﷺ قبل أربعة عشر قرناً، قال - عفا الله عنه - (ص١٣): ((ومنه - أي التبرك - قصدُ الآبار النبوية التي نُقل أنَّ النبي ﷺ تفل فيها أو صبَّ وضوءه فيها، أو سقط شيء من متعلقاته فيها، كبئر أرِيس التي سقط فيها خاتمه بقصد التبرك بالشرب منها، فهذا أمر مشروع لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي ﷺ ، لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه ﷺ الذي كان الصحابة يتسابقون إلى التبرك به)) أ. هـ، وهذا لا أعرف أحداً سبق الشيخ إليه، وقوله: ((لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه))، غير صحيح فالصحابة ﵃ فَرَّقوا بينهما فكانوا يتبركون بوضوئه ولم يُنقل عنهم أنهم كانوا يشربون من ماء بئر أرِيس تبركاً بعد سقوط خاتم النبي ﷺ فيه من يد عثمان ﵁ كما في الصحيحين. والخلاصة: أنَّ التبركَ بآثار النبي ﷺ الحسيَّة كبطنه وشعره ونخامته وكذا ما لامس جسده الطاهر الشريف كوضوئه وملابسه؛ صحيحٌ، قد فعله الصحابة ومِن بعدهم بعض التابعين ثم عفا الفعل كما عفا الأثر، وما قَصَدَه النبي ﷺ للصلاة أو الدعاء عنده من الأماكن كمسجد قباء ومقام إبراهيم فقصده للصلاة أو الدعاء اقتداءً به، سنةٌ مستحبة، أمَّا التبرك بها فبدعةٌ منكرة، وأمَّا ما لم يقصده من الأماكن فالصحيح عدم قصد الصلاة عنده إلا إذا وافق ذلك وقت صلاة، أمَّا وجوب المحافظة على الآثار النبوية المكانية لغرض التبرك عندها فلم يقل به أحدٌ من العلماء لا من السلف ولا من الخلف، وفتحه فتح باب شرٍ وفتنة. والله أعلم وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 331

وقفات مع موضوع المسعى الجديد بقلم المشرف على موقع الدرر السنية الشيخ علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف aasaggaf@dorar.net ١٦/٤/١٤٢٩ هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: بادئ ذي بدء أود التنويه إلى أن هذه الوقفات ليست فتوى بصحة السعي في المسعى الجديد أو بطلانه، ولا هي بحث علمي يسرد الأدلة ويناقشها، ولكنها توصيف للحال وتكييف للمشكلة وتوضيح للموقف الذي ينبغي أن يتخذه المسلم إزاءها. الوقفة الأولى: أن هذه القضية معضلة وليست بالهينة، ونازلة من النوازل التي ما ينبغي أن يفتي فيها متوسطو طلبة العلم فضلاً عن صغارهم، وما ينبغي أن يُترك من هب ودب من الإعلاميين وغيرهم يخوضون فيها بجهل أوهوى أو لأطماع شخصية. الوقفة الثانية: أنها قضية تمس ركناً من أركان الإسلام، وعبادة من أشرف العبادات (الحج والعمرة)، فعلى المسلم ألاَّ يستخف بها ويبحث عن أيسر الفتاوى فيها، بل عليه أن يتحرى أصوبها وأحوطها ولا يغتر بكثرة المفتين والمؤيدين، لكن عليه أن ينظر في أقوال أكثرهم علماً وورعاً، وأحرصهم على اتباع السنة. الوقفة الثالثة: على طالب الحق ألا يغتر بما تتناقله وسائل الإعلام من مجلات وصحف وإنترنت وغيرها فهذه ليست مصادر لتلقي العلم إلا ما كان منها منقولاً عن الثقات الأثبات. الوقفة الرابعة: أصل الخلاف في المسألة قضيتان: الأولى: هل نحن مقيدون في السعي بين الصفا والمروة بعرضهما أم يجوز الخروج عنهما بما يقاربهما أو يحاذيهما؟ والثانية: كم عرض الصفا والمروة وهل يتسعان فتشملهما التوسعة الجديدة أم لا؟ لذلك انقسم المتكلمون في هذه المسألة إلى ثلاث فئات: الأولى: ترى جواز السعي خارج عرض جبلي الصفا والمروة. والثانية: ترى أنه لابد من السعي بين الجبلين عرضاً وطولاً ولكنهم يرون أن عرضهما يتسع ليشمل المسعى الجديد وزيادة، وهاتان الفئتان تجوِّزان السعي في المسعى الجديد. والثالثة: ترى أنه لابد من السعي بين الجبلين عرضاً وطولاً وأن المسعى الجديد خارج عرض الجبلين من جهة الشرق المقابلة للكعبة من الجهة الأخرى، وبالتالي فهم لا يجيزون السعي في المسعى الجديد. الوقفة الخامسة: أن غالبية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية إضافة إلى علماء كبار ليسوا فيها، هم من الفئة الثالثة. وحجتهم أنه ثبت تاريخياً أن عرض المسعى ستة وثلاثون ذراعاً تقريباً أي ما يعادل ٢٠ متراً وهو عرض المسعى الحالي بعد آخر توسعة حصلت له عام ١٣٧٥هـ، وأن الجدار القائم وضع بفتوى من سماحة مفتي المملكة آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم بعد أن كلف لجنة عاينت الموقع وحددت عرض الصفا وبناء على هذه الفتوى تمت التوسعة المذكورة آنفاً، وهذا أقوى دليل لدى المانعين. الوقفة السادسة: أنه صدرت خلال الأشهر الماضية فتاوى لبعض العلماء وبحوث علمية لبعض طلبة العلم ودراسات تاريخية وجغرافية وجيولوجية وتقارير هندسية لمنطقة المسعى وتم توثيق شهادة عدد من كبار السن من أهالي مكة لدى المحكمة بمكة يشهدون أن المسعى ممتد إلى التوسعة الجديدة، وهذا أقوى أدلة المجيزين، وقد قرأت هذه الفتاوى والبحوث، وتناقشت مع عدد ممن لديهم الصور والخرائط والتقارير الجغرافية والجيولوجية واطلعت على شهادة الشهود. الوقفة السابعة: أن وسائل الإعلام نقلت لنا تأييد عدد كبير من علماء ومفتي العالم الإسلامي لبناء التوسعة الجديدة وأغلبهم علق ذلك بالمصلحة والتوسعة على الحجاج والمعتمرين، وهذا فيه دلالة على أحد أمرين: إما أن يكون هذا المؤيِّد لم يحط علماً بالقضية ويظن -ثقة- أن المسعى الجديد لا يخرج عن عرض الصفا، أو أنه ممن لا يرون بأساً بالسعي خارج الصفا تيسيراً على الناس. الوقفة الثامنة:

стр. 332

أن علماء الشيعة كبارهم وصغارهم مختلفون كذلك فمنهم المجيز ومنهم المانع، وإنما ذكرتهم -مع أنه لا يُعتد بفقههم- لما لهم من ثقل سياسي وحضور كثيف في الحج والعمرة وقد يكون له تأثير في مسار القضية. الوقفة التاسعة: إن أعمال التوسعة للمسعى حتى كتابة هذه السطور تسير على قدم وساق، ليل نهار، وما هي إلا أشهر ويصبح المسعيان الجديد والقديم -بعد إعادة بنائه- جاهزين للاستخدام وتتحول القضية من نقاش علمي نظري إلى تطبيق عملي وسيسأل الناس نحج أم لا نحج؟ نعتمر أم لا نعتمر؟ نسعى أم لا نسعى؟ وكيف نسعى؟ الوقفة العاشرة: وهي بيت القصيد، ما موقف المسلم من كل ما يجري؟ وما العمل الآن؟ وما المتوقع أن يحصل في الأشهر القليلة القادمة؟ وما الذي سيسفر عنه هذا الخلاف القائم اليوم؟ وهذه كلها أسئلة تحتاج إلى إجابة: أولاً: من الناحية الشرعية فلن يعدو الأمر ثلاث احتمالات: ١ - أن يقتنع المانعون بأدلة المجيزين ويصدروا فتوى بالجواز (ولو بالأغلبية) ٢ - أن يقتنع المجيزون بأدلة المانعين ويتراجعوا عن أقوالهم (ولو بالأغلبية) وأعني بهم العلماء وبعض طلبة العلم الذين كتبوا بحوثاً علمية في الموضوع أما أصحاب الإشادة والتهنئة والتبريك فليسوا من أهل هذه المسائل في قبيل ولا دبير. ٣ - أن يبقى كلٌ على رأيه. وإن تراجع بعض هؤلاء وبعض هؤلاء بما لا يؤثر في رفع الخلاف. ثانياً: من الناحية العملية فلن يعدو الأمر ثلاثة احتمالات أيضاً وهي تبع للناحية الشرعية: ١ - في حال اقتناع المانعين بأدلة المجيزين فالأمر واضح، وسيمضي المشروع كما خُطط له وسيسعى الناس في المسعى الجديد (إلا قليل منهم ولا حكم لهم) ٢ - في حال اقتناع المجيزين بأدلة المانعين فالأمر أيضاً واضح وسيكون السعي في المسعى القديم بعد أن يكون قد تم تجديده آنذاك، أما مبنى المسعى الجديد فستكون له وظيفة أخرى يحددها المسئولون عن إدارة المسجد الحرام. ٣ - الحالة الثالثة وهي بقاء كلٍّ من الفريقين -أو أغلبهم- على رأيه، فها هنا لا يخلو الأمر من حالين: الحال الأول: أن يمضي الأمر بما يوافق رأي المانعين فيؤول الأمر إلى ما ذُكر قبل قليل وهو: حال اقتناع المجيزين بأدلة المانعين الحال الثانية: أن يمضي الأمر بما يوافق رأي المجيزين وهنا لا يخلو من حالين أيضاً: الأول: أن يكون المسعى الجديد في اتجاه واحد من الصفا إلى المروة والقديم في اتجاه واحد أيضاً من المروة إلى الصفا -وهذا هو ما صُمم له حسب اطلاعي على المخططات- وهنا لا بد أن يكون للعلماء المانعين وقفة مع الحدث وفتوى تتناسب مع هذه النازلة ومع الوضع القائم. الثاني: أن يكون كلٌّ من المسعيين القديم والجديد باتجاهين، فيكون السعي في مبنى المسعى الجديد من باب الاختيار لا الإجبار، وهنا سيقلد الساعون من يثقون في فتواه وسيتبع بعضهم الأيسر له دون النظر في الحكم كما هو الحال في السعي في الطابق العلوي. وعليه فالخوض في هذا الآن ليس مجدياً وفيه تضييع للأوقات، كما أنه ليس من الحكمة التسرع في إطلاق الأحكام واتخاذ موقف قد يندم عليه المرء مستقبلاً. الوقفة الحادية عشرة: ما العمل الآن وقد تم هدم المسعى القديم ولا يوجد إلا المسعى الجديد ومن العلماء من يفتي بجواز وإجزاء السعي فيه ومنهم من يفتي ببطلانه؟ والجواب أنه مادام الأمر كذلك فلا يخلو الأمر من حالات ثلاث: ١ - أن يكون المرء مقتنعاً بقول المانعين فلا يسعه خلافه ولا يجزئه السعي. ٢ - أن يكون المرء مقتنعاً شرعاً لا هوىً بقول المجيزين فيقلدهم وكلٌّ يتحمل مسئولية فتواه. ٣ - أن يكون متردداً ولم يظهر له رجحان أحد القولين فهذا الأولى في حقه الأخذ بالأحوط وبما عليه الأكثر علماً واتباعاً للسنة.

стр. 333

بقي أمرٌ آخر، وهو: هل هذا الاختلاف من الأمور الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف ولا إنكار في مسائل الاجتهاد أم هو من المسائل التوقيفية المنصوص عليها؟ وهذا محله الوقفة الأخيرة. الوقفة الأخيرة: هذه المسألة المعضلة، والنازلة المجلجلة، من حيث النظر إلى النصوص الشرعية فهي مسألة توقيفية وليست اجتهادية فالسعي بين الصفا والمروة طولاً وعرضاً يكاد يكون محل اتفاق بين العلماء ولو خالف البعض فيه، ومن حيث توصيف الحال وهل المسعى الجديد يقع ضمن الصفا والمروة أم خارجهما؟ فمحل نظر وبحث واجتهاد وعليه يدور الخلاف. وبالنظر إلى أدلة الفريقين تبين أن أقوى دليل لدى المانعين كما سبق ذكره شهود العيان عند بدء أول توسعة للمسعى بين عامي ١٣٧٤هـ و ١٣٧٨هـ وأقوى دليل لدى المجيزين شهود كبار السن الموجودين الآن، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط ليس هذا محله، ولكن لا بأس في الاختصار لتتضح الصورة: (١) أما شهود العيان فكان ذلك عام ١٣٧٤هـ حيث شُكلت لجنة لمعاينة موضع المسعى ورفعت تقريرها لسماحة مفتي المملكة آن ذاك الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والذي بناء عليه أصدر فتواه قائلاً: (تأملت قرار الهيئة المنتدبة من لدن سمو وزير الداخلية، وهم فضيلة الأخ الشيخ عبدالملك بن إبراهيم وفضيلة الشيخ عبدالله بن دهيش وفضيلة الشيخ علوي المالكي حول حدود موضع السعي مما يلي الصفا المتضمن أنه لا بأس بالسعي في بعض دار آل الشيبي والأغوات المهدومتين هذه الأيام توسعة، وذلك البعض الذي يسوغ السعي فيه هو ما دفعه الميل الموجود في دار آل الشيبي إلى المسعى فقط وهو الأقل، دون ما دفعه هذا الميل إلى جهة بطن الوادي مما يلي باب الصفا وهو الأكثر؛ فإنه لا يسوغ السعي فيه، فبعد الوقوف على هذا الموضع في عدة رجال من الثقات رأيت هذا القرار صحيحًا، وأفتيت بمقتضاه) (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٥/ ١٣٢) والجدير بالذكر هنا أن اللجنة كما في تقريرها اصطحبت معها مهندساً وفنياً وقالت في نهاية التقرير: (هذا ما تقرر متفقاً عليه بعد بذلنا الوسع، سائلين من الله تعالى السداد والتوفيق) ثم وقع الجميع، وهذا يعني أن قرارهم هذا كان إجماعاً منهم كما أنهم بذلوا فيه وسعهم وطاقتهم. وفي يوم الثلاثاء الموافق ١٠/ ٢/١٣٧٨هـ شُكلت لجنة أخرى من عدد من المشايخ وأعيان أهالي مكة وهم: الشيخ عبدالملك بن إبراهيم، والشيخ عبدالله بن جاسر، والشيخ عبدالله بن دهيش، والسيد علوي المالكي، والشيخ محمد الحركان، والشيخ يحيى أمان، وبحضور صالح قزاز وعبدالله ابن سعيد مندوبي محمد بن لادن لمعاينة مساحة الصفا والمروة، واستبدال الدرج بمزلقان، ونهاية أرض المسعى ومما جاء في تقرير اللجنة: (وبالنظر لكون الصفا شرعًا هو الصخرات الملساء التي تقع في سفح جبل أبي قبيس، ولكون الصخرات المذكورة لا تزال موجودة للآن وبادية للعيان، ولكون العقود الثلاثة القديمة لم تستوعب كامل الصخرات عرضًا. فقد رأت اللجنة أنه لا مانع شرعًا من توسيع المصعد المذكور بقدر عرض الصفا. وبناء على ذلك فقد جرى ذرع عرض الصفا ابتداء من الطرف الغربي للصخرات إلى نهاية محاذاة الطرف الشرقي للصخرات المذكورة في مسامتة موضع العقود القديمة ... ) (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٥/ ١٤١) وجاء في مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٥/ ١٣٨): (من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:

стр. 334

فبناء على أمركم الكريم المبلغ إلينا من الشيخ يوسف ياسين في العام الماضي حول تنبيه الابن عبدالعزيز على وضع الصفا ومراجعة ابن لادن لجلالتكم في ذلك، وحيث قد وعدت جلالتكم بالنظر في موضوع الصفا ففي هذا العام بمكة المكرمة بحثنا ذلك، وتقرر لدي ولدى المشايخ: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ علوي عباس المالكي، والأخ الشيخ عبدالملك بن إبراهيم، والشيخ عبدالله بن دهيش، والشيخ عبدالله بن جاسر، والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد: على أن المحل المحجور بالأخشاب في أسفل الصفا داخل في الصفا، ماعدا فسحة الأرض الواقعة على يمين النازل من الصفا فإننا لم نتحقق أنها من الصفا، أما باقي المحجور بالأخشاب فهو داخل في مسمى الصفا، ومن وقف عليه فقد وقف على الصفا كما هو مشاهد، ونرى أن ما كان مسامتاً للجدار القديم الموجود حتى ينتهي إلى صبة الأسمنت التي قد وضع فيها أصياخ الحديد هو منتهى محل الوقوف من اليمين للنازل من الصفا. أما إذا نزل الساعي من الصفا فإن الذي نراه أن جميع ما أدخلته هذه العمارة الجديدة فإنه يشمله اسم المسعى، لأنه داخل في مسمى ما بين الصفا والمروة، ويصدق على من سعى في ذلك أنه سعى بين الصفا والمروة. هذا وعند إزالة هذا الحاجز والتحديد باللينبغي حضور كلاً من المشائخ: الأخ الشيخ عبدالملك، والشيخ علوي المالكي، والشيخ عبدالله بن جاسر والشيخ عبدالله بن دهيش، حتى يحصل تطبيق ما قرر هنا، وبالله التوفيق) وعندما أرادت الدولة السعودية عام ١٣٩٣هـ توسعة المسعى أصدرت هيئة كبار العلماء وقتها فتوى بجواز السعي فوق سقف المسعى نظراً لأن المسعى قد استوعب مابين الصفا والمروة طولاً وعرضاً وجاء في الفتوى: (وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة، وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضاً) وكل هذا يعني أن حدود نهاية الصفا قد تم تحديدها منذ ذلك الوقت وبناء عليه تم بناء الجدار الواصل من الصفا إلى المروة لذلك كان يفتي العلماء بعد ذلك ببطلان من سعى خارج هذا الجدار. (٢) وأما شهود الحال فقد وُثقت شهادة سبعة من كبار السن من أهالي مكة بالمحكمة العامة بمكة المكرمة وصدر بها صك شرعي بتاريخ ٢٤/ ١٢/١٤٢٧هـ جاءت شهاداتهم على النحو التالي: ١ - فوزان بن سلطان بن راجح العبدلي الشريف من مواليد عام ١٣٤٩هـ، قرر قائلاً: إنني أذكر أن جبل المروة يمتد شمالاً متصلاً بجبل قعيقعان وأما من الجهة الشرقية فلا أتذكر وأما موضوع الصفا فإنني أتوقف. ٢ - عويد بن عياد بن عايد الكحيلي المطرفي، من مواليد عام ١٣٥٣هـ، قرر قائلاً: إن جبل المروة كان يمتد شرقاً من موقعه الحالي بما لا يقل عن ثمانية وثلاثين متراً، وأما الصفا فإنه يمتد شرقاً بأكثر من ذلك بكثير. ٣ - عبد العزيز بن عبدالله بن عبدالقادر شيبي، من مواليد عام ١٣٤٩هـ، قرر قائلاً: إن جبل المروة يمتد شرقاً وغرباً وشمالاً ولا أتذكر تحديد ذلك بالمتر، وأما الصفا فإنه يمتد شرقاً بمسافة طويلة حتى يقرب من القشاشية بما لا يزيد عن خمسين متراً. ٤ - حسني بن صالح بن محمد سابق، من مواليد عام ١٣٥٧هـ، قرر قائلاً: إن جبل المروة يمتد غرباً ويمتد شرقاً بما لا يقل عن اثنين وثلاثين متراً. وكنا نشاهد البيوت على الجبل ولما أزيلت البيوت ظهر الجبل وتم تكسيره في المشروع، وأما جبل الصفا فإنه يمتد من جهة الشرق بأكثر من خمسة وثلاثين أو أربعين متراً.

стр. 335

٥ - محمد بن عمر ابن عبدالله زبير، من مواليد عام ١٣٥١هـ، قرر قائلاً: إن المروة لا علم لي بها وأما الصفا فالذي كنت أشاهده أن الذي يسعى كان ينزل من الصفا ويدخل في برحة عن يمينه، وهذه البرحة يعتبرونها من شارع القشاشية ثم يعود إلى امتداد المسعى بما يدل على أن المسعى في تلك الأماكن أوسع. ٦ - درويش بن صديق بن درويش جستنيه، من مواليد عام ١٣٥٧هـ، قرر قائلاً: إن بيتنا سابقاً كان في الجهة الشرقية من نهاية السعي في المروة وكان يقع على الصخور المرتفعة التي هي جزء من جبل المروة، وقد أزيل جزء كبير من هذا الجبل بما في ذلك المنطقة التي كان عليها بيتنا وذلك أثناء التوسعة التي تمت في عام ١٣٧٥هـ، وهذا يعني امتداد جبل المروة شرقاً في حدود من خمسة وثلاثين إلى أربعين متراً شرق المسعى الحالي، وأما الصفا فإنها كانت منطقة جبلية امتداداً متصلاً بجبل أبي قبيس ويعتبر جزءاً منه وكنت أصعد من منطقة السعي في الصفا إلى منطقة أجياد خلف الجبل. ٧ - محمد بن حسين بن محمد سعيد جستنيه، من مواليد عام ١٣٦١هـ، قرر قائلاً إن جبل المروة كان يمتد من الجهة الشرقية والظاهر أنه يمتد إلى المدعى وأما جبل الصفا فإنه يمتد شرقاً أيضاً أكثر من امتداد جبل المروة. والملاحظ على هذه الشهادات أنها غير متطابقة فمنهم من لا يذكر الامتداد، ومنهم من أثبت الامتداد ولا يذكر المسافة، والذين أثبتوها على خلاف كم هي؟ ولم يتفق اثنان على قول واحد، وإن كان الغالبية يرون -حسب ذاكرتهم- أن هناك زيادة على الموجود حالياً. وخلاصة الأمر أن دليل المانعين القوي هو شهود العيان قبل البدء في أول توسعة عام ١٣٧٥هـ ودليل المجيزين القوي هو شهادة الشهود بعد ذلك بـ ٥٤ عاماً، ولكلٍ منهما أدلة أخرى لا ترفع الخلاف، من ذلك نقل المانعين لأقوال عدد من العلماء وخاصة علماء الشافعية والتي منها ما ذكره النووي في (المجموع) (٨/ ٧٦): (قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي فلو مر ورواء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف، قال أبو علي البندنيجي في كتابه (الجامع): موضع السعي بطن الوادي، قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئاً يسيراً أجزأه وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجزئه) انتهى. ومن ذلك أيضاً قول الرملي الشافعي كما في (نهاية المحتاج شرح المنهاج) (٣/ ٣٨٣): (إن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيراً لم يضر كما نص عليه الشافعي ﵁. فقول الشافعي: (إن التوى شيئاً يسيراً أجزأه) مفهومه: لو التوى كثيراً لم يجزئه فكيف بالعشرين متراً وهي زيادة المسعى الجديد؟! وغيرها من الأقوال الموجودة في مظانها من كتب الفقه وذكرها عدٌد ممن كتب في هذا الموضوع بتوسع وليس هنا محل التفصيل فيها. لذلك ختمت اللجنة -التي تمت الإشارة إليها وفيها عددٌ من علماء وأعيان الحجاز ونجد- تقريرها بقولها: (وحيث أن الحال ما ذكر بعاليه، ونظراً إلى أنه في أوقات الزحمة عندما ينصرف بعض الجهال من أهل البوادي ونحوهم من الصفا قاصداً المروة يلتوي كثيراً حتى يسقط في الشارع العام فيخرج من حد الطول من ناحية باب الصفا والعرض معاً ويخالف المقصود من البينية بين الصفا والمروة. وحيث أن الأصل في السعي عدم وجود بناء وأن البناء حادث قديما وحديثا. وأن مكان السعي تعبدي، وأن الالتواء اليسير لا يضر، لأن التحديد المذكور بعاليه العرض تقريبي، بخلاف الالتواء الكثير كما تقدمت الإشارة إليه في كلامهم فإننا نقرر ما يلي: ......... )

стр. 336

كما استشهد المانعون بذرع عددٍ من المؤرخين عرض المسعى كالأزرقي والفاكهي وغيرهما وقد نصوا أنه خمسة وثلاثون ذراعاً ونصف ذراع، أي ما لا يزيد عن عشرين متراً وهو عرض المسعى القديم. أما المجيزون فمن أدلتهم الأخرى أن الصفا والمروة كانا أكبر مما هما عليه الآن، وأن الفقهاء لم يحددوا عرض المسعى، وأن المؤرخين اختلفوا فيه وأن لديهم دراسة جيولوجية وخريطة تم إعدادها قبل عشرين عاماً توضح امتداد جبل الصفا إلى جبل أبي قبيس، الخ. ولكن يبقى كما سبق ذكره أن أقوى أدلة لدى الطرفين: شهود العيان عام ١٣٧٥هـ وشهود الحال الآن. وبعد: فعلى المسلم أن يتحرى الصواب ولا يتعصب لرأي أو شخص، فالمسألة لها ما بعدها سنين عديدة وعليه أن يحذر من أن يأخذه الحماس والعاطفة والتعصب لرأي دون آخر، وليتذكر الوقوف بين يدي الله تعالى وألا يجعل ما يتوهم أنه مصلحة أو تيسير على الناس هو الفيصل في القضية، كما لا يضيق على الناس ما يسَّره الله وأباحه لهم. وأختم بكلام للشيخ محمد بن إبراهيم يتناسب مع هذا المقام حيث قال كما في مجموع فتاويه (٥/ ١٤٦): (إنه يتعين ترك الصفا والمروة على ما هما عليه أولاً، ويسعنا ما وسع من قبلنا في ذلك، ولو فتحت أبواب الاقتراحات في المشاعر لأدى ذلك إلى أن تكون في المستقبل مسرحاً للآراء، وميداناً للاجتهادات، ونافذة يولج منها لتغيير المشاعر وأحكام الحج، فيحصل بذلك فساد كبير. ... ولا ينبغي أن يلتفت إلى أماني بعض المستصعبين لبعض أعمال الحج واقتراحاتهم، بل ينبغي أن يعمل حول ذلك البيانات الشرعية بالدلائل القطعية المشتملة على مزيد البحث والترغيب في الطاعة والتمسك بهدي رسول الله ﷺ وسنته في المعتقدات والأعمال، وتعظيم شعائر الله ومزيد احترامها) وما أحوج طلاب العلم اليوم لكلام قاله الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ لطلابه يوصيهم قائلاً: (أوصيكم بالثبات في جميع أموركم فإنه من أعظم ما انتفعت به، فإني أخذت على نفسي أن لا أغير رأياً رأيته في أمر علمي أو عملي حتى يثبت لي خطؤه كما ثبت لي صوابه فانتفعت بذلك كثيراً) اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 337

في الأحداث عبرة - رؤية منهجية فالح بن محمد الصغير ١٣ ربيع الأول ١٤٣٢هـ حديثنا اليوم يفرضه الواقع ليقرأ قراءة تأملية لاستنباط ما يمكن استنباطه من تلك الأحداث التي قدرها الله علينا في هذه الأزمنة وبخاصة مع تطور عالم الإتصال ليعيش الحدث كل من يحيا على وجه الكرة الأرضية بيسر وسهولة، مما جعل كثيرا من المعطيات تأخذ حقها بوضوح فيستطيع المتأمل الوقوف عند بعضها فلعل بارقة تظهر تمثل معلما من معالم المسيرة في هذه الحياة على كافة المستويات. ونظرة سريعة في واقع العالم العربي والإسلامي نجد أن أحداثا متسارعة ومتلاحقة فعلى سبيل المثال:- الوضع في تونس وما آل إليه وضع الحاكم والشعب، وكذا الوضع في السودان وما جرى من استفتاء في الجنوب نحو الإنفصال، وقبله في وبعده المنازعات في دار فور، وكذلك الوضع في مصر وما آل إليه الآن، ولا يخفى وضع الصومال وما فيه من تناحر الطوائف والقبائل وغيرها. أما العراق وأفغانستان فلا زالت الأرض محتقنة لا يعلم مدى احتقانها إلا الله سبحانه، وثمة أحداث تمثل قلاقل من هنا وهناك، كأحداث الإرهاب المتكررة في مناطق مختلفة ونالت بلادنا نصيب منها، والنزاعات في لبنان وتدخل قوى وأطراف أخرى في الشأن اللبناني، ناهيك عن المواقف الطائفية بمنازعها المبدئية والسياسية، وحدث بملئ فيك عن الأزمات الاقتصادية وما آلت إليه، وبخاصة في البلدان متوسطة الدخل تلك التي أوجعتها هذه الأزمات. أما المشكلات الاجتماعية المتنوعة، والتي تشكل أزمات مجتمعية متتابعة فأخذت أشكالا أكثر بروزا مع تعمق الأحداث السياسية والاقتصادية. في ظل هذه الأحداث تبرز أسئلة للمتأملين، أسئلة منهجية، وأسئلة في قضايا جزئية، أسئلة في المواقف، وأسئلة تنحو منحى البحث عن العلاج. ما سبب هذه الأحداث؟ ما أبعادها؟ ومن المحرك لها؟ وهل هي عفوية أو خطط لها؟ ومن المسؤول؟ وما موقف الأفراد؟ والمؤسسات المدنية؟ والدول؟ ... الخ وترد افتراضات وحتميات، وإستنتاجات قد تكون في دائرة (اللامعقول) في النظرة الأولية عند المتلقي. وفي كل الأحداث يذهب ضحايا، ويعلو أشخاص، وتبرز مشكلات ويدخل المحللون في دوامة أخرى، وهكذا دواليك. لست أزعم أن لدي إجابة على هذه الأطروحات فهي تحتاج إلى مراكز علمية، وبيوت خبرة، تحمل أفقا واسعا، ونظرة شمولية وتنويعا في التخصص، وعمقا في ربط الأحداث، وقدرة على الاستيعاب، وتأنيا في المعالجة، وهذا بلا شك ينفي النظرة الفردية، ويطرد الانفعال تجاه حدث ما، وبكبح جماح الاستعجال. ويبعد النزعة تجاه العمومية في الطرح لمجرد الاستباق وهذا لا يعني: الإهمال، وعدم المشاركة، والمناقشة والتأمل، وطرح الأفكار الهادفة إلى الإثراء أظن أنها معادلات صعبة بصعوبة تلك المواقف، ولكنها بتلك النظرة الشمولية الواسعة المتأنية المتعمقة من تلك المراكز والبيوت تتجلى، والمهم: أن تتجلى فيها المواقف السلمية والرؤى المقاربة الصواب، وبهذا يُتحرى النجاة، وتتجاوز الصعاب. من هنا أطرح هذه التأملات فلعلها تصب في دائرة المشاركة الإيجابية. وذلك من خلال الاستنتاجات الآتية: - أولها: أظن أن من الخير أن نجدد ما نتيقنه ونعتقده من أن مدبر هذا الكون هو الله ، وبيده مقادير كل شيء، يقول تعالى نفسه جل وعلا:] يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [، وقال ﵊:) يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء (, فما من حدث يقع إلا وقد قدره ، ولا يرفعه إلا هو ] ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [. وهذا يفرض علينا: -

стр. 338

١ - الإيمان بذلك لنربط الأحداث بالخالق جل وعلا. ٢ - أن ما يتلمس ما هو إلا أسباب يتحرى فيها الصواب للخروج من المآزق. ٣ - أن هذه الأحداث تقع لأغراض: - إما ابتلاءً، أو عقوبة، أو ابدالاً لقوم بدل قوم، أو انتقالا لمرحلة تاريخية معينة، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر. ٤ - أن الكون متحرك وتكون حركته إيجابية إذا إقتفى الناس السنن الشرعية والسنن الكونية والقدرية التي وضعها الله سبحانه. ٥ - أن نتلمس الوقوف مع المواقف الإيجابية وهذا لا يكون إلا وفق هذه السنن. ٦ - أن حركة الناس لا تكون إيجابية مثمرة إذا خالفت منهج الله سبحانه في هذه الأرض، وإن أمهلهم فترة من الزمن ليبقى وقتا للمراجعة فيستدركوا أمرهم. ٧ - أن نعلم أن تلك الأقدار لا تعني -في منهج الله تعالى - السلبية والابتعاد والتنحي في زوايا ينوح فيها الأفراد، والمؤسسات على أنفسهم بل تفرض الإيجابية في التفكير والتخطيط والمشاركة والعمل، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى عمارة الكون غاية من الغايات التي خلق الإنسان من أجلها،] قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [. ٨ - إدراك أن هذه - الابتلاءات أو العقوبات، أو التغيير أيا كانت حكمة وقوعها - تتطلب الرجوع الصادق إلى الله تعالى، أفرادًا أو مؤسسات ودولاً، هذا الرجوع الذي يتمثل بتجديد الاعتقاد به سبحانه، والعمل بشرعه في جميع مناحي الحياة، والتواصي بذلك، والتعاون عليه، وإدراك أن السلامة والنجاة، والرقي والتقدم، مرهون بتنفيذ أوامر الله جل وعلا، والانتهاء عن نواهيه، والوقوف عند حدوده، فمن المعلوم أن حركة الكون إيجابًا وسلبًا مرهونة بحركة الإنسان، وكلها بتقدير الله جل وعلا، والدلالة على ذلك صريحة وواضحة في كتاب الله] لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ. أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [[الأعراف،٩٦ - ٩٩]. وإدراكنا أن هذه الأحداث هي منذر واضح من الفقه الحي الذي يجب أن يسود ثقافتنا وتعاملنا لئلا تزل الألسن وتنزلق الأقدام. لعل تلك منطلقات يمكن إبرازها لاستدعاء المواقف الصائبة لئلا نغرق في النظرات البشرية البحتة القاصرة فننحرف أو نضل. الثاني: هذه الأحداث ليست بدعا في التاريخ القديم والحديث فقد مر مثلها وأشد وأخف، ولذا كما نستدعي عند دراستنا لتلك الأحداث الكبرى الأدلة الشرعية، والسنن الإلهية، نستدعي أيضا المواقف التاريخية، فلا يبقى سردا للتغني به وأمجاده، أو النوح وضرب الخدود والصدور لموت فلان أو علان، أو لمرور مرحلة تاريخية صعبة. أزعم أن هذا من أوجب ما يمكن استدعاؤه على تلك المراكز العلمية، وبيوت الخبرة بل على المفكرين والعقلاء الذين يحترمون كلمتهم ويقدرون آراءهم قبل غيرهم. ولماذا يكون كذلك؟ لأن سنن الله تعالى في الكون واحدة لا تتغير، وإنما الذي يتغير الحدث نفسه، وإن كانت الحقيقة متقاربة. فما مر من أحداث في تونس - مثلاً - فقد سبق مثله في التاريخ القريب والبعيد. هذا يفرض أن لا يقع الشعب التونسي فيما وقع فيه غيره من الشعوب فيستغله المتربصون فعادت لتبدأ من الصفر، وهذا يستدعي من عقلاء البلد وحكماؤه أن يتأملوا ذلك جيدا.

стр. 339

وما يجري في السودان فقد سبق مثله في التاريخ القريب من تقسيم الشام، وهذا يحتم على عقلاء السودان وأهل الحل والعقد فيه أن يتأملوا الموقف ومآلاته. وما ينشط من طوائف من هنا وهناك فقد نشطت مثيلاتها فدراسة عوامل ذلك وفق تلك السنن تفرض على العقلاء الوعي التام، وعدم التساهل والتغاضي، وما تنتشر من أفكار مخالفة للدين -وإن حاول أصحابها أن يُلَبِّسوها لباسه - فهم أول من يدرك أن الآخرين يعلمون منهجهم وطريقة تفكيرهم وكثيرا من سلوكياتهم، أقول في التاريخ القريب مر مثل ذلك وما فكرة القومية العربية عنا ببعيد ولم تفلح في إنقاذ الأمة العربية. وقل مثل ذلك في المشكلات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية. وهمسة هنا لأهل الدعوة أن يعو جيدا هذا المنطلق فالمسألة ليست عواطف, ولا مواقف للتسابق، ولا أمجادا شخصية، أو تشبعًا بما لم يعط. فالمرحلة ليست كسابقتها وفي التاريخ عبرة. (فليتأمل). الثالث: يجتمع في تلك الأحداث الأقدار الكونية، والأقدار الشرعية، وللإسلام منهج في التعامل معهما يجمعها الإيمان بما وقع ومن ثم حسن التعامل معها وفق المنهج الشرعي، وما تقتضيه قواعد المصالح والمفاسد، من منظور أهل الحل والعقد، والعقلاء والحكماء، وأهل التخصص، والخبرة. ولعل من ما يندرج في ذلك:- عدم تفسير الظواهر بالمنظار الأولي وإن كان يتوافق مع العواطف، أو الرغبات الكامنة في النفوس، فلا شك أن مثل هذه الأحداث بقدر الله تعالى، لكن الله جل وعلا علمنا الربط بين الأسباب ومسبباتها، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى:] إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [. وعليه فلن تتغير المجتمعات إلى الأحسن، أو ترقى رقيا يطغى على المصالح الذاتية، والحزبية, ما لم يتغير الناس نحو التعامل مع سنن الله الشرعية، فالله جل وعلا أمر بعبادته، وبحسن الاعتقاد تجاهه، وبمكارم الأخلاق، وضرورة التعامل الاقتصادي وفق شرعه، ومعالجة المشكلات الاجتماعية من منظور الكتاب والسنة، والمناهج التربوية من منطلق مفردات التأصيل الشرعي .. أزعم أنه إذا لم يتغير الناس وفق هذه السنن لن تتبدل أحوالهم نحو الأصلح والأمثل لمجرد ذهاب شخص وإتيان آخر، وإن تغنى من تغنى بذلك. وفي الوقت نفسه ما لم تتجه الأنظمة نحو القيم العليا، والعدل، وإعطاء الحقوق، وتجنب الظلم والاعتداء على حقوق الناس وأموالهم، والنظر إلى المصالح العليا على حساب المصالح الخاصة والذاتية والفردية والحزبية. ما لم يكن كذلك فالمعادلة واحدة، والنتيجة واحدة، من استمرار السلبيات, وتفاقم المشكلات. الرابع: هذه الأحداث تجلّي عظم المسؤولية على أهلها، واستجلاب النصوص المعظمة لذلك، وكلما كبرت الأعمال زادت المسؤولية، فلنتأمل قوله تعالى:] إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا [وقوله ﵊ (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وغيرها من النصوص. هذا يحتم على أهل المسؤوليات استشعار عظم المسؤولية وما تقتضيه هذه المسؤولية من أعمال يجب أن يقوموا بها، ابتداء بمسؤولية الفرد عن نفسه، وانتهاء بمسؤوليات الولاة والعلماء لأنها أعظم المسؤوليات. في هذا الشعور - أعني الشعور بالمسؤولية - تتولد القيم العليا السابقة ومن أعظمها: شدة الحرص على هذه القيم، وإيجاد السبل للقيام بها، وأحياؤها في النفوس، وتمثلها في الواقع، فالحاكم، والوزير، والمدير، والعالم، والقاضي، والموظف، والمؤتمن على الأموال، والداعية، والمعلم, ورب الأسرة (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).

стр. 340

إن واقع كثير من هؤلاء لا يتعدى نظره لهذه الأحداث سوى علامات التعجب والإستغراب لما يقع خلاف السياق عند غيره في الظاهر .. لكن أن ننتقل إلى سلوك واضح بعد تقويم عملي فهذا قد لا يدخل دائرة تفكيره .. فإذا أردنا العبرة الحقة فلينتقل السياق إلى التصور الصحيح، والعمل السليم المبني على الشعور بالمسؤولية، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة في مسيرة دعوته كلها. ابتداء من وصفه بالأمين قبل البعثة إلى أن أشهد الناس في حجة الوداع على قيامه بالتبليغ .. ولكل من هؤلاء وأولئك مجال عظيم في سيرته لتلقي ما يعنيه. وهذا يحتم على كل مسؤول أيا كان نوع المسؤولية القيام بها بمقتضى الأمانة وعظمها، ومن هنا تسد كل ثغرة يمكن أن يلج منها كل مفسد ومخرب، وعدو متربص، وحاسد وحاقد، كما يسد فيها باب الظلم والتعدي، والتجاوز. الخامس: أظنه لم يعد خافيا أن للأعداء أيد متنوعة تهدف إلى العبث في ديار المسلمين مستهدفة ما يجعلها في المرتبات المتأخرة، والتابعة لغيرها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا، كما تكون بحاجة مستمرة لهؤلاء الأعداء, وعالة عليهم حتى في أدق حاجياتهم من المآكل والمشارب، والألبسة, والمراكب .. الخ وهذا يحتم علينا -في جميع المستويات -أمور منها:- ١ - تجديد الوعي بما ذكره الله من عداوة الشيطان لبني آدم, والعمل الجاد لمحاربته. ٢ - تجديد الوعي بما ذكره الله من تربص أعداء الإسلام والمسلمين بالمسلمين وإن بدت نواجذهم بالضحك، ويتبع ذلك دراسة أحوالهم وخططهم وحيلهم ضد الإسلام وأهله ودياره. ٣ - إعادة النظر في مناهجنا الحياتية وسائر أحوالنا المختلفة وترتيب الأولويات للقضايا والأعمال على مستوى الأفراد والمؤسسات. ٤ - وهذا لا يعني عدم التعامل مع الأعداء بل يجب أن يتعامل معهم وفق المنهج الشرعي القائم على الحسنى، لكن هذه الحسنى تفرض ذلك الوعي المنشود. ٥ - ترك المناقشات والمماحكاة التي لا تؤدي إلى نتائج إيجابية مثل (قضية المؤامرة) إقرارا لها أو نفيا لها فالإقرار المطلق لكل شيء مرفوض عقيدة، والنفي المطلق مثله، ويبقى حسن الوعي للأمور العملية هكذا أحسب كما جاء في تعاليم القرآن الكريم. ٦ - تربية الأمة - من أهل التربية كل فيما يخصه - على حقائق القرآن الكريم الخاصة بالتعامل مع الآخرين أيا كانوا لندرك تلك القيم العليا التي تحفظ الأمة من الشرور والآثام، وتسد الثغرات التي ينفذ منها الأعداء والحساد، كما تحفظها من الاستعجال، وردود الأفعال، واقتراف المحرمات والمنكرات. السادس: لا شك أن مبدأ الإصلاح: مبدأ إسلامي منطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية، بل إنه مهمة الأنبياء والمرسلين، ومن ذلك: إصلاح الأفراد -أيا كانت مواقعهم وأحوالهم - والمؤسسات، والوزارات، لكن مما ينبغي تذكّره هنا: ١ - أن للإصلاح منهجا يقوم عليه، ذكره الله في القرآن الكريم وفصلّه رسول الله ﷺ في السنة النبوية، وطبقه عمليا ﵊ في سيرته, وكتب فيه الأئمة والعلماء كتابات مستفيضة قديما وحديثا، وعليه ينبغي بل يتأكد على أهل العلم إبراز ذلك المنهج بوضوح، وله تفصيلات ليس هذا مقامها فهو العاصم بإذن الله من الزلل والإنحراف والغلو والشطط. ٢ - من أهم المهمات في الإصلاح وضوح الغاية والهدف، فلا تكفي الشعارات البراقة ولا العمومات، ولا الدعاوى غير الواقعية، وهذا الوضوح ينفي الفردية والأنانية، والمصالح الذاتية، والارتقاء على كتف الإصلاح إلى مآرب أخرى، والغاية حددها الله سبحانه بـ (البلاغ) وبينها رسول الله ﷺ في حجة الوداع (اللهم هل بلغت فاشهد).

стр. 341

٣ - حسن الغاية لا يبرر الوسيلة، وهذه قاعدة راسخة من أعظم القواعد في الإصلاح، تعني أنه لا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بوسائل محرمة مهما كان حسن الغاية، وشرفها، وعظمها، وبذلك يجب تحكيم الشرع في هذه الوسائل ومن ذلك: الإنتحار وحرق الأجساد والأنفس، والتعدي على الممتلكات، والتخريب والدمار، ولقد مر على النبي ﷺ وأصحابه من الضيق والشدة والكرب في مكة وفي المدينة مالم يمر مثله على كثيرين مما لا يعلمه إلا الله تعالى لكنه ﵊ لم يتجاوز المشروع إلى الممنوع، بل رسم منهجا يجب أن يقتفيه أهل الإصلاح عنوانه (العمل والصبر) مهما كانت الأحوال ومهما بلغت من الضيق والشدة. وبلا شك أن هذا المنهج ينفي ردود الأفعال السلبية، والعواطف غير المرشدة، كما ينفي الجمود وعدم التحرك للإصلاح والقعود والكسل. ٤ - ولكي يبلغ الإصلاح المبلغ المطلوب ويوصل إلى غايته يجب أن يتمسك بآدابه حتى لا ينفرط الزمام، وتتسع الفجوات لدخول الأعداء والمتربصين، وتلك - وأيم الله - مهمة عظيمة - أعني مهمة المصلحين - لكن لا يبلغ شرفها إلا من اتسم بتلك الآداب، وأخلص فيها القصد، وتحرر من الذاتية والحزبية. السابع: الظلم عاقبته وخيمة، والظلم ظلمات ونتيجته حتمية في الدنيا والآخرة، تأملوا قوله تعالى:] ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [وقوله ﷺ : (واتق دعوة المظلوم فإن دعوته مستجابة) وقوله أيضا: (الظلم ظلمات). وعند التأمل في بعض ما جرى من أحداث نجده نتيجة للظلم، فالدوائر تدور على الظالمين ولو بعد حين. ومن هنا يتحتم العمل بتحري العدل في كل شيء حتى على مستوى الأسرة الصغيرة، فكثير من الإنحراف والبغي والعدوان والقتل والتدمير سببه الظلم. وبالظلم تحصل كثير من الآفات المجتمعية، والأمراض الفتاكة والجوع والبطالة، والقهر، ومن ثم السرقة، والمخدرات، والاعتداء على الأعراض، وسلب الأموال، كلها نتائج مؤهلة للظلم. وهذا يستوجب الوعي بذلك في مختلف الأحوال، لكي يبتعد الجميع عن الظلم، ليس في الأموال فحسب وإنما في سائر الحقوق. ولا شك أن ضد الظلم: العدل، وهو المنشود في كل مسؤولية. الثامن: في مثل هذه الأحوال التي تدور بين اليأس - كما في حال العراق، والصومال، والسودان (الآن) ولبنان -وبين التطلع إلى الأفضل كما يراه البعض في حال تونس، يرد سؤال وهو: أننا نردد وجوب الاتحاد بين الدول وتوحيد الكلمة، فنلقي باللائمة والواجب إما على الدول، وإما على المجتمعات وإما على الحكام .. وهكذا دواليك، لكن ما الواجب على الفرد المسلم في سائر المجتمعات؟ وهو سؤال في غاية الأهمية ينحى فيه المجيبون مناح عدة منها:- العودة إلى الإجابة العمومية وهنا يبقى الإشكال نفسه، ومنها: الإنتقال إلى عمومية أخرى كالإتيان ببعض البشارات العامة وطلب الفأل دون تفقيط عملي. ومنها: اليأس والقنوط أنه لا مخلص أبدا ومن ثم القعود والكسل وعدم العمل. ومنها: أن هذه الأحداث لا تخص الأفراد مطلقا بل هي واجب على الحكومات ومن ثم يقع الفرد في توتر مستمر، ويتواصل التوتر إلى الأسرة والشارع ويقع ما يقع من المفاسد العظمى .. ومنها: الإجابة بدور الفرد إلى أن يحمل ما لا يحتمل فيباشر التغيير العام، فيقع فريسة للأحزاب والمنظمات والمتربصين ونتيجة ذلك: القتل والتدمير والرجوع إلى الوراء، ولذلك أرى أنه يتحتم على العلماء والعقلاء وأهل الرأي والفكر والدعوة أن يفقطوا دور الفرد بشفافية ووضوح ويوصلوه إلى الأفراد لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، وأشارك هنا في ذكر النقاط الآتية:- ١ - أن من دور الفرد: الإعداد العلمي والتربوي له ولمن تحت يده كل بحسبه.

стр. 342

٢ - الشعور بكل قضية بحسبها فليست كل القضايا في ميزان واحد، فقضية السودان ليست كقضية لبنان، والصومال غير مصر، وأحوال السياسة غير الاقتصاد، وهكذا، فينبغي أخذ كل قضية بمعطياتها، ومعرفة ما هو المشترك بينها وغير المشترك. ٣ - الدعاء لكل المسلمين حكامهم وعلمائهم ومفكريهم وقادتهم، وهو من أهم الواجبات الفردية والجماعية، وهذا منطلق من معرفة أن هذا الكون بقدر الله، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح. ٤ - عدم قياس مجتمعك على أي مجتمع آخر فلكل ظروفه وأحواله التي تجعل النظر والأحكام مختلفة، فتستوجب الرجوع إلى علماء البلد وعقلائه وحكمائه ليرسموا المنهاج العملي لأهله. ٥ - عدم الوصاية على الآخرين، فمما يسمع ويقرأ أنه على أهل البلد الفلاني أن يعملوا كذا وكذا، مثل دخولهم في حكومة فلان أو عدم دخولهم، أو مناهضتهم لهم أو عدم ذلك .. وهكذا مما يربي في النفوس الاحتقان والتوتر والفرقة والتناحر .. وربما يكون لبعض الأفراد صلة معينة مع من يوجد في تلك البلدان فيصل إلى أن يملي عليه .. وهذا من الآفات للفرقة، ولعل بديل ذلك إرجاع أي أمر إلى علماء البلد نفسه وحكمائه وأهل الحل والعقد فيه لئلا تتسع دائرة المشكلات فتصعب الحلول، وأزعم أن هذا مما أسهم في تعقيد مشكلة العراق وأفغانستان والصومال وغيرها. ٦ - الإسهام بما يطلب من الفرد فعند طلب المساعدة المادية، أو الفكرية، أو الرأي أو غيرها يسهم بما يستطيع من خلال القنوات الواضحة. ٧ - التأكيد على أن الواجبات متفاوتة فهناك واجب وأوجب، وواجب ومستحب، وما يسمى اليوم (فقه الأولويات) فيتنبه الفرد إلى ألا يقفز إلى المستحب وهو لم يعمل الواجب، ومن الواجبات القيام بمهامك الواجبة عليك ثم التي تليها. وهذا من الفقه الأكبر الذي يعصم من وقوع الفرد في قواصم كثيرة. ٨ - ضبط اللسان لئلا يزل، فزلته قد تسري إلى آفاق بعيدة من حيث لا يشعر الفرد، ولهذا جاءت الآثار الكثيرة بأهمية: ضبط المشاعر، وأهمية العبادة في الفتن، وعدم الوقوع فيها، والصبر، والدعاء. وما يرى من التناقض بين مقالات بعض الأفراد مع أنفسهم كان بهذا السبب (فليتأمل). ٩ - البعد عن مواطن الفتن والشبهات والشهوات التي يكون الفرد مسهما فيها بتأجيج الفتن فيقع في المحظور، مثل الخوض في بعض القضايا الشرعية الكبرى وهو لا يحسنها، ومما سمعته في هذه الأحداث: تجويز الانتحار، والسمة بالبطولية لهؤلاء ونحو ذلك، وهي زلة ليست بالسهلة. ومن ذلك: إلقاء المعلومات والجزم فيها ولو لم تكن من مصدر موثوق ومن ثم تداول هذه المعلومات حتى تصبح حقائق وهي ليست كذلك أصلا. ١٠ - المبادرة بالأعمال الخيرية والتطوعية وبخاصة عند الحاجة إليها كما يكون ذلك في بعض الأزمات. * * * أحسب أن هذه من مهمات الأفراد سواء تلك التي توجب عملا ما أو تنفيه, والنفي المؤكد كالواجب المؤكد. التاسع: تعيش المجتمعات والمؤسسات بل والأفراد بين خطين متوازيين هما خط البناء والتنمية، وخط معالجة المشكلات، وللبناء والتنمية خططها الخمسية والعشرية، وكذا مراجعة نظمها وأحوالها ومعالجة مشكلاتها. ومن المهم: إدراك أن الأصل هو العمل بخط البناء، وفي ذات الأمر تعالج المشكلات الواقعة من خلال قنواتها الطبيعية. وعند التأمل هنا: نجد أن كثيرا من تفاقم المشكلات لعدم وجود استراتيجية (عملية) للعمل بالخطين، أو لإهمال احدهما، أو لضعف الإخلاص في التخطيط والأداء، وكلها آفات تستوجب من أهل الحل والعقد النظر فيها، وما تفاقم مشكلات المخدرات، والبطالة، والسرقة، والفقر، والإعتداء .. وسائر الجرائم إلا بسبب إحدى إهمال تلك الخطوط أو بعضها.

стр. 343

أعتقد أننا بحاجة للنظر الجاد في سائر المجتمعات العربية والإسلامية بجد وعزم ونية صادقة للعمل بهذين الخطين. إن الواجب في هذا المعلم كبير على أهل الحل والعقد والحكمة والرأي بمختلف التخصصات والمسؤوليات مما يستوجب المبادرة والجدية. العاشر: وأختم بالعودة إلى النفوس البشرية، وضرورة تعاملها بالقيم العليا، فأزعم أننا كبارا وصغارا ذكورا وإناثا، بحاجة إلى تجديد غرس تلك القيم: فالإخلاص، والصدق، والشفافية، وحسن الأداء، ومحاولة الإتقان، والعمل، والعدل، وإعطاء الحقوق، والأمانة، ومعالجة المشكلات، وصد المناوئين، وسد الأبواب التي ينفذ منها الحقد والحسد والتعدي والظلم والاعتداء والإخلال بالأمن والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، كلها مقررات أساسية للبناء والتنمية، وهذه المقررات هي جزء من العودة إلى شرع الله تعالى ودينه وتعاليمه التي يجب أن تكون المصدر الأساس للانطلاقة إلى الإصلاح والبناء والتنمية والسير بحرية نحو التقدم والمنافسة ومعالجة المشكلات الكبرى والصغرى. * * * أعود لأقول: تلك خواطر متفرقة لا يجمعها سوى ما جرى ويجري من أحداث تهز المشاعر لأخذ العبرة والدرس، وهي إسهام فردي أرجو أن يصب في باب المنهجية السلمية للتعامل مع هذه المشكلات وأمثالها، وهي لا تعدو إلا أن تحمل تذكيرًا لمن يهمهم الأمر، كما أحسب أنها نقطة إيجابية في هذا الباب، وتفاؤل يحمل نقاطا عملية عند اجتماعها قد يتكون منها منهاج عملي يسهم في الإصلاح المنشود. فإن لم تكن هذا ولا ذاك فلعلها تفيد في براءة الذمة، ومشاركة الآخرين خواطرهم. وأختم ذلك كله بالنداء لقادة الفكر والرأي والعلم والحكمة والدعوة والمسؤولية بأن لا تحملوا الرجل العامي أكثر مما يتحمل في عملية البناء والمعالجة، فالمسؤولية تكبر بكبر همّة أصحابها في العلم والعمل والمسؤولية, وأنتم أهل لها وعلى مستواها. أعانكم الله. سدد الله الخطى وحقق الآمال

стр. 344

غداً سأحتفل بمولد النبي ﷺ ناصر العلي جامعة أم القرى ١١ ربيع الأول ١٤٣٢هـ وُلِد الهُدى فالكائنات ضياءُ * وفَمُ الزمانِ تبسُّمٌ وسناءُ يا خيرَ من جاء الوجودَ تحيةً * من مُرْسَلِين إلى الهدى بك جاؤوا يومٌ يَتِيهُ على الزمان صباحُهُ * ومساؤه بِمُحمَّدٍ وضَّاءُ سألت نفسي سؤالاً: لماذا لا أحتفل بمولد النبي ﷺ ؟ أيعقل أن كل المحتفلين به على خطأ؟! لماذا لا نعلن حُبَّنا للرسول ﷺ مثلهم؟! ونثبت لهم أننا نحبه. فهم يتهموننا أننا لا نحبه!! أستغفر الله .. معاذ الله .. أن يتهم مسلمٌ مسلماً أنه لا يحب النبي ﷺ ؟! فكَّرت وقدَّرت .. ثم قرَّرت أن أحتفل رغم كون الفكرة لم تَحْظَ بقناعتي حتى الآن، لكني سأحتفل. ولماذا لا أحتفل بمولد النبي ﷺ ؟ دعونا نحتفل! فقد يكون الحق والصواب مع المحتفلين؟ لديَّ عقلٌ وإدراك، وقد درست الشريعة وعرفت بعضاً من أحكامها، ولا أدعي إحاطتي بعلومها. ولكن بما لدي من بصيص علم - ولاسيما القواعد الكلية والمبادئ العامة للشريعة - سأجرب أن أحتفل. يا تُرى كيف سيكون احتفالي؟! سأحاول وأنا أحتفل بالمولد ألَّا أرتكب منكرًا وألَّا أغشى زُوْرًا. غداً هو يوم الثاني عشر من ربيع الأول، وسأبدأ فيه احتفالي أولاً بقراءة كتب السيرة النبوية والشمائل المحمدية ﷺ . ولكني لن أتغنى بقصيدة البُرْدَة للبُوْصِيْري, فقد درستُ العقيدة وعلمت بأن فيها ما يناقض التوحيد والعقيدة والعياذ بالله. حسنًا .. سأبدأ بقراءة كتاب "الرحيق المختوم" لكني لما قرأته تفاجأت إذ وجدت مكتوباً فيه: ((ولد سيد المرسلين ﷺ بشِعْبِ بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول)). قلت في نفسي: المشهور المعروف عند الناس أنه وُلِد ﷺ في يوم الثاني عشر من ربيع الأول؟! فعرَّجْت على كتبٍ أخرى في السيرة كالإمام ابن كثير الشافعي وغيره، فإذا بها تذكر اختلافاتٍ شتى في تاريخ مولده: أكانت ولادته صباحاً أم مساءً؟ أكانت في ربيع الأول أم ربيع الآخر أم في صفر أم في رمضان؟ وبكلٍّ قيل، بل اختلفوا في تحديد عام ولادته؟. اختلف علماء السير والتاريخ في تحديد سنة ولادته وشهر ميلاده ويومه وساعته. ولما علمتُ أن عمر ﵁ أرَّخ بهجرة المصطفى ﷺ بإقرارٍ من الصحابة، ولم يؤرِّخْ بمولده ﷺ ، أدركتُ أن الصحابة ﵁ لم يكونوا يعلمون جزماً يوم ولادته، بل لم يكونوا يرون أنّ ضبط تاريخ مولده ﷺ له أهميةٌ يترتَّب عليها حكمٌ شرعي. فقلت: إذن لماذا أحتفل في الثاني عشر ولا يوجد سند تاريخي يؤيده!! فتضعضعت قناعتي. ولكني سأستمر في القراءة والبحث والاحتفال. إن كتب السير والتاريخ بل وكتب الحديث الشريف أجمعت على أن ولادته ﷺ كانت يوم الإثنين، وكان حبيبنا ﷺ يصومه شكراً لله؛ ولمَّا سئل عن ذلك؟ قال «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ» رواه مسلم. ولم أجد فيها أن النبي ﷺ كان يتحرَّى صيام الثاني عشر من ربيع الأول مرةً في السنة، بل كان يصوم كل إثنين بمناسبة ولادته وبعثته فيه. لكنَّ كثيرًا من المحتفلين بالمولد في كل عام مرة أو أكثر! ربما لا يحرصون على صوم يوم الإثنين من كلِّ أسبوع! أليس هذا قلباً للحقائق؟! ?أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ?.

стр. 345

ثم إن صاحب المولد ﷺ لم يُضِفْ إلى الصيامِ احتفالاً كاحتفال أرباب الموالد من تجمعاتٍ ومدائحَ وذبائحَ وحلوى وحمص وأذكارٍ وصلواتٍ عليه ﷺ بألفاظٍ غريبةٍ ومحدثة. ثم سألت نفسي: أفلا يكفي الأمةَ ما كفى نبيَّها، ألسنا نحب المصطفى ﷺ ؟ ?وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ?. ومن عجيب ما قرأت ورأيت في بعض البلدان العربية والإسلامية أنهم يحتفلون بالمولد بإقامة حفلات غنائية أو إنشادية تصحبها دفوف ومعازف موسيقية. فقلت في نفسي: أليس المصطفى ﷺ قال «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». رواه البخاري تعليقا ووصله غيره، وهو صحيح. لقد رأيتهم يتراقصون ويتمايلون ويتواثبون، لقد كانوا رجالا ونساء، أيعقل هذا؟!.تساءلت أيرضى أحدهم أن يراه رسول الله ﷺ بهذه الحال؟! يا راقصا أو زاحفا لتَعَبّدٍ ** ما كان هذا من صنيع محمد ما كان يرقص بالدفوف عبادة ** أو كان يزحف للقبور بمسجد ثم أعدت السؤال على نفسي مرة أخرى: لماذا لا أحتفل بمولد النبي ﷺ بطريقة أخرى؟ بلا معازف، ولا رقص، ولا بردة. سأفرح بيوم ميلاده ﷺ ، وسأحتفل - كما احتفل صاحب المولد ﷺ كل إثنينٍ بصيامه كل أسبوع قدر استطاعتي. حسنا .. أمسكت بكتاب آخر عن الشمائل المحمدية وبدأت أقرأ فيه، فاليوم هو الثاني عشر من ربيع الأول. لكن عقلي شرد سابحا في تفكير عميق: يا ترى هل سأقتصر على قراءة كتب السير والشمائل المحمدية في هذا اليوم السنوي فقط؟! يا ألله! هل حبي وكثرة ذكري للنبي ﷺ فقط في هذا اليوم؟! .. ألست أحبه وأذكره كل يوم؟! أيُّ معنىً لتخصيص يومٍ واحدٍ في السنة نتذكر فيه رسول الله ﷺ ؟. هل نسيناه حتى نتذكره؟! هل يجوز ألَّا نفرح به ﷺ إلا مرة واحدة في السنة؟ هل هذه الطريقة فيها توقير للمصطفى ﷺ أم أنها إجحاف بحضرة النبي ﷺ ؟ هل أصبحت محبة النبي ﷺ يوماً في السنة؟! وهو القائل: «البخيلُ مَنْ ذُكِرتُ عنده ولم يُصَلِّ عليَّ». فبالله عليكم! أي بخل تصفون به من يقول نخصص للنبي ﷺ يوماً واحداً أو يومين أو ثلاثًا أو عشرًا أو عددًا محدودًا في السنة نحتفل به ﷺ ونقرأ سيرته، ونصلي عليه ﷺ ؟ أليس هذا بُخلاً وإجحافًا في حقِّ نبينا الهادي ﷺ ؟!. يجب على الأمة المسلمة أن تجعل سيرة النبي ﷺ نصب أعينها في كل حين، وأن تتعلم من سيرته وسنته وآدابه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. ينبغي أن نذكر النبي ﷺ في صلاتنا، وإذا سمعنا الأذان، وإذا دخلنا المسجد، ونذكره في أوقات كثيرة، بل يكون ذكره ﷺ برؤية من يمتثل سنته ﷺ . فمثلاً إذا رأيتَ شاباً مؤمناً يتمثل في مظهره سنة ﷺ معفياً لحيته، مقصراً ثوبه، مستاكاً بأراكه، فإنك سرعان ما تتذكر النبي ﷺ . وإذا رأيت القرآن تذكرت النبي ﷺ ، لأنه هو الذي جاءنا بهذا القرآن، فمتى يغفل المؤمن عن ذكرى النبي ﷺ !! فيجب علينا أن تكون محبته ﷺ تملك شغاف قلوبنا، وكل أمر من أمورنا نزنها بميزانه، ونطبقه على سنته ﷺ ، فيكون تذكرنا له في الحقيقة في كل وقت، وفي كل عمل.

стр. 346

فإذا رأيت امرأة في الطريق أو على الشاشة أتذكر أنه ﷺ أمرني أن أغض بصري، فأغضه. وإذا أردتُ أن أخيط ثوباً عند خياطٍ أتذكر نهي النبي ﷺ عن إسباله، فأقصره. وإذا تعاملت مع الجمهور أتذكر نبيي ﷺ المبسام، فأبتسم في وجوههم. وفي البيت وبين أهلي أتذكر حبيبنا ﷺ كيف كان خيرنا لأهله. وهكذا يا حبيب رسول الله في كل أمر من الأمور نحن ملزمون باتباع هدي النبي ﷺ ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً?. ثم كرَّةً بعد مرَّة أسائل نفسي: لماذا لا أحتفل بمولد النبي ﷺ ؟ وقبل أن أجيب، جال بخاطري سؤال وأنا أفكر في الاحتفال بمولد النبي ﷺ ، وهو: هل نحن لمّا نحتفل بمولد النبي ﷺ نبتغي بذلك أجراً وثواباً وقربى من الله أو أننا نحتفل لمجرد العادات وأكل الحلوى والرز بالحمص والتلهي بالألحان الشجية المطربة؟ أظن في الناس خيراً، إنهم ينشدون بفعلهم هذا الأجر من الله تعالى. عندئذ تذكرت حديث المصطفى ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» رواه الشيخان. وقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه. نعم تذكرت هذين الحديثين، وتذكرت ما قرره العلماء من أن جميع العبادات توقيفية، أي لا نعبد الله ولا نتقرب إليه إلا بما أمرنا به ﷺ ؛ لأنه قال: «ما تركتُ شيئاً يُقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به» رواه الطبراني. فالقاعدة في العبادات أن نتعبد الله بما شرع لا بالبدع، حتى لو بدا العمل حسنا، فهو مردود على صاحبه. وسمعت أرباب الموالد يقولون: إن المولد بدعة حسنة. لكني قرأت حديث النبي ﷺ الذي كان يردده ويفتتح به خطبه، يقول: «أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» رواه النسائي وغيره. قال: "كل بدعة ضلالة". وتذكرتُ قول إمام دار هجرة المصطفى ﷺ وهو عالم المدينة في عصره الإمام مالك بن أنس ﵀، قال: ((من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة)). هذا شيء خطير جداً، ما الدليل على ذلك يا إمام؟ قال الإمام مالك: ((اقرؤا إن شئتم قول الله تعالى:?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً? فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليومَ ديناً)). متى قال الإمام مالك هذا الكلام؟ قاله في القرن الثاني من الهجرة، أحدِ القرون المفضلةِ المشهودِ لها بالخيرية! فما بالكم بالقرن الخامس عشر؟! هذا كلامٌ يُكتب بماء الذهب، لكننا عن أقوال الأئمة الذين نزعم أننا نقتدي بهم غافلون. تذكرت كل هذه المعاني فخفت والله أن أكون مبتدعا في احتفالي. خفت أن ينطبق فيَّ قول الله تعالى? قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً?. وخشيت أن يصدق فيَّ قول ابن مسعود ﵁ ((كم من مريد للخير لا يصيبه!!)). فقررت أن أترك الاحتفال بمولد النبي ﷺ . لكني واصلت قراءة سيرة المصطفى العطرة ﷺ .

стр. 347

وعدت واتهمت نفسي بالقصور في العلم، وطفقت أبحث عن فعل النبي ﷺ وأصحابه والأئمة الأربعة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) عليهم رحمة الله، فهالني أنني لم أجد حديثاً واحداً لا صحيحًا ولا ضعيفًا بل ولا موضوعًا أن النبي ﷺ احتفل بمولد نبيٍّ من الأنبياء، ولم أجد أثراً واحداً لا صحيحًا ولا ضعيفًا بل ولا موضوعًا عن صحابيٍّ واحدٍ أنه احتفل بمولد النبي ﷺ ، بل لم أجد إماماً واحداً من الأئمة الأربعة فعل ذلك. فقلت يا سبحان الله! أمرٌ لم يفعله رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام ﵃ ولا إمامٌ من الأئمة الأربعة المتبوعين، وأفعله أنا، لا والله. ومع ذلك أكملت قراءتي وأنهيت قراءة الغزوات وفتح مكة، وها أنا ذا قاربت من نهاية كتاب السيرة الذي بين يدي. إنها اللحظات الأخيرة الحرجة في حياته ﷺ , إنها الساعة التي أظلم فيها كل شيء، ساعة وفاته ﷺ . إنها الداهية العظمى والمصيبة الكبرى التي قال لنا فيها ﷺ : «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتِهِ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ». حقًّا إنه يوم الخسران الأكبر، يوم أن انقطع الوحي الشريف، وانقطعت السماء عن الأرض. يقول أنسرضي الله عنه: ((لما كان اليومُ الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينةَ أضاء منها كلُّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله ﷺ الأيديَ حتى أنكرنا قلوبنا)) رواه الترمذي بسند صحيح. لقد فاضت روحه الشريفة ﷺ إلى الرفيق الأعلى في الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحاديةَ عشرةَ للهجرة. هنا لم تختلف كتب السير في تحديد يومِ وفاته كما اختلفت في تحديد يوم ولادته. ربطتُ بين المناسبتين، مناسبة الوفاة المجزوم بها مع مناسبة الولادة المظنون بها في شهر واحد وفي يوم واحد. فصرختُ: يا إلهي!! كيف لي أن أحتفل بيوم وفاته ﷺ ؟! كيف لعقلٍ أن يجمع بين فرح وسرور وحزن وألم في نفس الوقت؟! يا إلهي!! أيجوز لأحد يُحِبُّ النبي ﷺ أن يحتفل بموته ﷺ ؟! بل لو دعا إنسانٌ إلى جعل يوم الثاني عشر من ربيع الأول يوم حزن لكانت شبهته أقوى من شبهة المحتفلين بذلك اليوم، لماذا؟ لأن الأحزان غَلَّابةٌ على الأفراح، فلو قُدِّر أنه توفي والد أحد الزوجين في ليلة عرسهما، لعُدَّ احتفالهم تلك الليلة ضربا من الجنون. وهكذا لو مات ولدك يوم العيد، لانقلب فرح العيد حُزْنًا ومأتماً وعزاءً. إن أعداء المسلمين سيضحكون علينا: فإن نحن ابتهجنا وفَرِحْنَا بولادته ﷺ قالوا: انظروا إلى المسلمين إنهم يفرحون بوفاة نبيهم! وإن نحن حَزِنَّا وصَنَعْنا مأتماً لوفاته ﷺ قالوا: انظروا إلى المسلمين إنهم يحزنون لولادة نبيهم. فماذا نفعل؟ الأمر يسير، إننا لسنا بحاجة إلى احتفاء أو عزاء، إنما اتباع للنبي ﷺ . ولهذا لا غرابة أن كان العُبَيْديون الرافضة هم أول من أحدث بدعة المولد. فهل هؤلاء أهل للاقتداء والائتساء؟!. إلى هنا وسأستريح قليلا عن قراءة السيرة بعدما تبينت لي الأمور، وانكشفت لي الحقائق. هل سأحتفل بمولد النبي ﷺ ؟ لا، لن أحتفل بالمولد بعد اليوم. إن احتفالي الحقيقي هو أن أسير على خطاه ﷺ ، وأن أحيي سنته، وأن أدافع عنها, وأن أُحِبَّه وأحبَّ آلَ بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين. اللهم إنا نُشهدك يا الله بأننا نحب عبدَك ونبيَّك سيدَنا محمداً ﷺ ، اللهم ارزقنا بمحبتنا له شفاعةً تنجينا بها من عذاب أليم، وتُدخِلُنا بها جنتك ياربَّ العالمين. وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 348

بيان من الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات بشأن الأحداث ٤ ربيع الأول ١٤٣٢هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده، وبعد؛ فإن الأمة المصرية تمر اليوم بمرحلة بالغة الخطورة، تستوجب أن يقوم العلماء والدعاة وأصحاب الرأي والحكماء بواجبهم نحو مناصحة أمتهم. والموقعون على هذا البيان يتوجهون إلى مختلف طوائف الأمة بما يلي: أولاً: إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة هو الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، والتعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان. ثانيًا: إن الأمة لن تسمح بالمساس بالمادة الدستورية التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة، واحترام مرجعية الشريعة الإسلامية وأنها المصدر الرئيس للتشريع، وذلك لأنها صمام الأمن والأمان والسلام لجميع أفراد الوطن مع التأكيد على ضرورة إلغاء قانون الطوارئ وكل ما يشير إليه. ثالثًا: لقد اتجهت الأمة اليوم بكل طوائفها نحو التغيير والإصلاح بما لا يجوز تعويقه، ولا الإبطاء في إنجازه، وإن إقامة العدل وتحقيق التنمية وإصلاح الحكم ومؤسساته -هو اختيار الشعب الذي يمثل الاستقرار المنشود. وهذه المطالبات السلمية المنضبطة لا تعد خروجًا على الشرعية، أو مخالفة للشريعة الإسلامية. رابعًا: إن تحقيق الأمن والسلام والتكافل والتراحم بين فئات المجتمع مرهون بإجابة مطالب الشباب المشروعة، وإعطاء الضمانات الكفيلة بتأمين جموع المتظاهرين، واتخاذ الإجراءات التي تكشف عن صدق النوايا، والتي يمكن إعادة بناء جسر الثقة والمصداقية الذي انهار بسبب ما وقع من أخطاء ونقض للعهود. خامسًا: تؤكد قوى المجتمع على حفظ مكتسباتها وتطالب بالوقوف خلف مطالب الشباب، وإنجاز التغيير في الاتجاه الصحيح، دون انزلاق مع توجهات منحرفة، أو شعارات مضللة، وتنبه إلى أن هذه المطالب تتفق مع جميع الشرائع السماوية والمواثيق الدولية فضلاً عن إجماع الأمة. سادسًا: يناشد الجميع المسئولين عن البلاد بحقن الدماء وحفظ الأرواح وضبط الأمن، وسرعة اتخاذ الإجراءات لمحاسبة الفاسدين دون إبطاء تحقيقًا لمصالح البلاد والعباد. سابعًا: يحتسب الموقِّعون على هذا البيان المقتولين من أهل الإيمان بسبب الاعتداء عليهم -شهداء عند الله تعالى، ويستحق أهلهم تعويضًا عما لحقهم من الخسائر والأضرار في الأنفس والممتلكات. ثامنًا: على جموع المتظاهرين أن يعملوا على حفظ مطالباتهم بسلوك الطرق السلمية في التعبير والمطالبة، والبعد عن كل ما يعرِّض هذا الجمع للأخطار، وكل ما يؤدي إلى الإضرار بالوطن والمواطنين، ويوجد ذرائع البطش والتنكيل. تاسعًا: يشيد الموقعون على هذا البيان بالموقف الوطني المشرف للجيش المصري ورسالته في حفظ أمن الوطن والمواطنين. عاشرًا: ندعو جموع الشعب المصري إلى إشاعة الرحمة والرفق، والعفو والصفح، عن كل من أساء أو اعتدى بشرط تحقق المطالب، ونجاح المقاصد، قال -تعالى-: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين) (الشورى:٤٠). حفظ الله مصرنا آمنة مطمئنة، وحمى شبابها ورجالها، وولّى عليها خيارها، وجعل ولايتها فيمن خافه واتقاه واتبع رضاه، برحمته إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين. القاهرة، ليلة السبت الموافق: ٢/ ٣/١٤٣٢هـ- ٥/ ٢/٢٠١١م. الموقعون على البيان: ١ - أ. د. نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية سابقًا. ٢ - أ. د. عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعتي الأزهر وأم القرى.

стр. 349

٣ - أ. د. علي أحمد السالوس أستاذ الفقه والأصول والنائب الأول لرئيس مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا. ٤ - أ. د. مروان شاهين أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر. ٥ - أ. د. الخشوعي الخشوعي محمد وكيل كلية أصول الدين بجامعة الأزهر سابقًا. ٦ - د. يحيى إسماعيل أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر سابقًا. ٧ - د. عبد المنعم البري الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر. ٨ - أ. د. عمر عبد العزيز الأستاذ بكلية الدعوة جامعة الأزهر. ٩ - أ. د. محمد عبد المقصود داعية إسلامي. ١٠ - د. محمد إسماعيل المقدم داعية إسلامي. ١١ - فضيلة الشيخ مصطفى محمد داعية إسلامي. ١٢ - د. سعيد عبد العظيم داعية إسلامي. ١٣ - د. ياسر برهامي داعية إسلامي. ١٤ - د. محمد يسري إبراهيم المستشار بجامعة المدينة العالمية. ١٥ - د. صفوت حجازي داعية إسلامي. ١٦ - د. محمد عبد السلام داعية إسلامي. ١٧ - د. أحمد النقيب داعية إسلامي. ١٨ - فضيلة الشيخ خالد صقر داعية إسلامي. ١٩ - د. عطية عدلان عطية الأستاذ بجامعة المدينة. ٢٠ - د. أحمد فريد داعية إسلامي. ٢١ - فضيلة الشيخ أحمد هليل داعية إسلامي. ٢٢ - د. هشام عقدة داعية إسلامي. ٢٣ - د. هشام برغش داعية إسلامي. ٢٤ - د. محمد رجب داعية إسلامي. ٢٥ - فضيلة الشيخ نشأت أحمد داعية إسلامي. ٢٦ - د. ياسر الفقي المدرس المساعد بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر. ٢٧ - د. وليد الجوهري داعية إسلامي. ٢٨ - د. مدحت عبد الباري داعية إسلامي.

стр. 350

نظرة شرعية في الأحداث الراهنة علوي بن عبدالقادر السقاف ٢ ربيع الأول ١٤٣٢هـ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد: فإن الأمة العربية تمر هذه الأيام بأحداث عصيبة وعسيرة؛ تنبئ عن تغيرٍ كبيرٍ ربما طال بعضًا من الأنظمة التي جثمت على صدور شعوبها عقوداً من الزمن، ويتابع الناس أحداث تونس ومصر بكل اهتمام وشغف، وقلوبهم معلقة بآمال المستقبل المجهول، وما يدري المرء هل ستلحق دولٌ أخرى بأختيها أم لا؟ وفي خضم هذه الأحداث تدور أسئلةٌ كثيرةٌ في أذهان كثيرٍ من الشباب، ويجري نقاشٌ عريضٌ عبر مجالسهم، ونواديهم، وعبر التقنيات الحديثة من مجموعات بريدية، ومواقع اجتماعية، كالموقع الشهير (الفيسبوك) وغيره، ويتساءلون عن مشروعية الاحتجاجات الجماعية وجدواها، وهل هي صورة من صور الخروج على الحاكم؟ وما الموقف الصحيح منها؟ ولماذا لا نرى بعض الرموز الدعوية تشارك فيها وتقود المسيرة؟ وهل هذا خطأ منهم أو صواب؟ وهل سيجني ثمرتها الإسلاميون أم سيقطفها غيرهم؟ وغيرها من الإشكالات والاستفسارات التي يبحثون لها عن إجابات؛ وللأسف لا يجدون! فأقول وبالله أستعين: أما الخروج على الحاكم المسلم الذي يحكم بشرع الله، وقد أقام في المسلمين الصلاة، ولم يروا منه كفراً بواحاً، فمنهج أهل السنة والجماعة واضح في تحريمه، ولو جار أو ظلم، لحديث: ((ما أقاموا فيكم الصلاة)) رواه مسلم، ولحديث: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان)) رواه الشيخان، وقد كان هناك خلاف بين السلف في حكم الخروج على الحاكم الجائر، ثم استقر أمرهم على ما سبق، نص على ذلك القاضي عياض والنووي كما في شرحه لمسلم (١١/ ٤٣٣)، وابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ٥٢٩)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (١/ ٣٩٩)، وغيرهم، وهو الحق إن شاء الله، وكأنه إجماع منهم. وأما من نحَّى شريعة الله ولم يحكم بها، وأظهر الكفر البواح؛ فقد أجاز العلماء الخروج عليه بشرط القدرة حتى لا تُسفك دماءٌ معصومة، وتزهق أرواحٌ بريئة، قال الإمام ابن باز ﵀: (لا يجوز الخروج على السلطان إلا بشرطين، أحدهما: وجود كفر بواح عندهم من الله فيه برهان. والشرط الثاني: القدرة على إزالة الحاكم إزالة لا يترتب عليها شرٌ أكبر منه) (مجموع فتاوى ابن باز) (٨/ ٢٠٦) وأعني بالخروج هنا: الخروج بالقوة بحيث يتقاتل الطرفان، ويحمل كلٌّ منهما السلاح في وجه الآخر. وقد عانت الأمة الإسلامية كثيراً من حركات الخروج هذه، حيث ذهبت فيها أرواحٌ كثيرة دون طائل، لكن تسمية المطالبات بالحقوق الدينية والدنيوية - ولو كانت جماعية - خروجاً فيه نظر، وقياس الوفيات التي قد تحدث فيها سواء بسب الازدحام والاختناق أو بسبب الاعتداء عليهم؛ قياس ذلك على الدماء التي تُسفك عند الخروج المسلَّح قياسٌ مع الفارق، فشتان بين هذا وبين الهرج والمرج الذي يحصل عند الخروج بالسيف كما حصل في ثورة ابن الأشعث وغيرها.

стр. 351

والتاريخ الإسلامي حافلٌ بمثل هذا النوع من الخروج بكل أسفٍ، لكن هذا النوع من المطالبات الجماعية السلمية حديثة على العالم الإسلامي، ولا يُعرف لها مثيل في تاريخ المسلمين، والمستجدات العصرية في وسائل التغيير والتعبير لا ينبغي إغفالها وإهمالها، طالما لم يرد نصٌّ بإلغائها وإبطالها، ولعلَّها لا تخرج عن نطاق "المصالح المرسلة"، وقاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد". ووجود بعض المفاسد عند استخدام مثل هذه الوسائل، ليس قاطعاً على حرمتها، فإن هذه المفاسد قد تسوغ مقابل دفع مفاسد أعظم منها: عملاً بقاعدة: "جواز ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما"، فشريعة الله قائمة على مراعاة مصالح العباد. والمهم الآن هو القول بأن مطالبة الإنسان بحقوقه الدينية والدنيوية مطالبة مشروعة في أصلها، ما لم يُرتكب فيها محرم كإتلاف الأموال وإزهاق الأنفس، وخاصة إذا كان هذا الحاكم مستبداً ظالماً ناهباً لخيرات الأمة، يسجن ويقتل منهم المئات بل الآلاف. وتتأكد هذه المشروعية إذا كان -مع منعهم من حقوقهم الدنيوية- يمنعهم من حقوقهم الدينية، ويجاهر بمحاربة الدين صباح مساء ويعلن أن نظامه نظامٌ علماني، ويفضل القانون الوضعي على شريعة رب العالمين. لكن لمَّا كانت هذه المطالبات الجماعية يشترك فيها عامة الناس، المثقفون منهم والغوغائيون، وقد تحصل فيها فوضى وشغب، ومنكرات عديدة: كتبرجٍ سافرٍ من بعض النساء -هداهن الله- واختلاطٍ مشين، واحتكاكٍ بالرجال بسبب الزحام، وصوت موسيقى في بعض هذه التجمعات، ورفع راياتٍ عُميَّةٍ وشعاراتٍ جاهلية، وربما شارك بعضَها أصحابُ أحزابٍ علمانية وأتباع دياناتٍ أخرى، إلى غير ذلك؛ فإن مشاركة العلماء وطلاب العلم الكبار ورموز الدعوة وقادتها، قد تتعذر حينئذٍ، ولا تلزمهم، ويكفي منهم التأييد العام بالبيانات والكلمات والخطب مع توجيه العامة نحو ما يحفظ على البلاد أمنها وممتلكاتها، وعدم ارتكاب محظورات في أثناء هذه المطالبات. كما أن سكوتهم فضلاً عن معارضتهم لها، قد يفقد ثقة الناس فيهم، ويتسبب في انفضاضهم عنهم، وربما يتجهون إلى أصحاب الدعوات الباطلة؛ لأنهم سيرون أنهم هم وحدهم الذين وقفوا معهم للمطالبة بحقوقهم المشروعة. ولا شك أن غياب العلماء والدعاة حضوراً أو توجيهاً وانزواءهم في الزوايا فيه مفسدة ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ..... إذا جلس الأكابرُ في الزوايا وقد يستشكل بعض الناس مشروعية هذه المطالبة مع ما قد يحصل معها من فوضى وشغب، وربما تُسفك بسببها دماء، ولا شك أن هذه مفاسد لكنها قد تُحتمل مقابل المصالح العظيمة التي تحصل من تغيير أحوال الشعوب الدينية والدنيوية إلى حال أحسن، وهنا تتفاوت أنظار العلماء وتختلف اجتهاداتهم في تقدير المصلحة وتوقع لمن تكون الغلبة، وعلماء كل بلد أعرف بحاله، مع التأكيد على عدم جواز ارتكاب أي من هذه المفاسد، وأن تكون المطالب سلمية بالشروط والأحوال المذكورة آنفاً. وتظل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد الدقيقة، التي تختلف في توصيفها الأنظار، ويتردد المرء فيها ويحار، فلا ينبغي أن تكون سبباً للفرقة وإلقاء التهم وإساءة الظن. وينبغي أن يُعلم أن ما يصح أو يصلح أن يقال في بلد لا يصح ولا يصلح أن يقال في بلد آخر، إذا كانت مفسدة المطالبة فيه أعظم من السكوت عنها.

стр. 352

فمثلاً بلدٌ كاليمن، أهله مسلَّحون، وفيه قبائل متناحرة، وتنظيمات بدعيَّة مسلحة لها (أجندات) خاصة، ومطالبات انفصالية في أجزاء منه، وفوضى عارمة، قد لا يكون من المصلحة قيام ثورات فيه، لمظنة وقوع هرج ومرْج وفساد عريض، وقد يستثمر مثل هذه الثورات أصحاب الفرق الضالة المنظمة المسلحة المدعومة من الخارج في حين أن أهل السنة فيه مختلفون متناحرون، وقل مثل ذلك في بلد نسبة أهل السنة فيه أقل من أهل البدع ولو ظهرت فيه مثل هذه الثورات لكان أهل البدع أقرب للوصول إلى السلطة من أهل السنة، فلا شك أنه في مثل هذه الحالات التي يغلب على الظن أن تؤدي المطالبات الجماعية فيها إلى وضع وحالٍ أسوأ مما هو عليه = أنها لا تجوز، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وجاءت لتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه وفتاويه، وخلاصة الأمر أن هذه المطالبات الجماعية تختلف من بلد إلى آخر، والحكم عليها خاضعٌ للنظر في المصالح والمفاسد، وهي بهذا تُعد من المصالح المرسلة التي لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين. وهنا يتساءل بعض الناس، ما الموقف الصحيح مما يجري على الساحة اليوم؟ والجواب: لا شك أن زوال طاغية محارب لدين الله مما يثلج صدور المؤمنين لاسيما إذا لم يُتيقن مجيء من هو أسوأ منه، لأن الفرح إنما يكون بزواله ولا أحدَ يعلم الغيب، ولا بمن سيأتي بعده. وقد فرح المسلمون بموت الحجاج بن يوسف الثقفي، ونقلت لنا كتب التاريخ سجود الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز شكراً لله على موته، ولما أُخبر إبراهيم النخعي بموته بكى من الفرح، ولما بُشِّر طاووس بموته فرح وتلا قول الله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ وما كانوا يدرون من يحكمهم بعده. وفي عالمنا المعاصر فرح المسلمون والعلماء بزوال الاستعمار، وحُقَّ لهم ذلك، بل شارك بعض العلماء في الثورات التي أخرجته من بلدان المسلمين رغم أنه خَلَفَهم بعد ذلك في بعض الدول من هو أسوأ منه، فهذا الفرح والدعاء بزوال كل محارب للدين هو أقل ما يجب على العبد المسلم المعظِّم لشرع الله؛ إذْ رفعُ الظلم وإقامةُ العدل مقصودٌ لذاته في الشريعة الإسلامية، وفي الفِطَر السوية، والعقول السليمة. أما المشاركة فقد سبق القول أنها تخضع للمصالح والمفاسد يقدرها علماء كل بلد. والقول بأن تأييد ذهاب أمثال هؤلاء فيه إعانة على من سيأتي بعدهم من أهل السوء، قولٌ صحيح، لكن هاهنا ثلاثة أمور ينبغي التفطن لها: أولاً: أن زوال أمثال هؤلاء مقصود لذاته كما سبق بيانه. ثانياً: أن بقاءهم متيقن في استمرار الفساد في حين مجيء غيرهم مظنة أن يكون أفضل منه، وزوال مفسدة متيقنة أولى من بقائها خشية من مفسدة مظنونة، وإنما يُمنع من زوال المفسدة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أعظم منها كما سبق بيانه. ثالثاً: أنه مما لاشك فيه أن الأمة إذا تخلصت من أمثال هؤلاء أنها ستعيش عقب ذلك فترة من الزمن تستعيد فيها حقوقها الدينية والدنيوية لأن كل من سيأتي بعدهم أياً كان سيحسب لمثل هذه المواقف ألف حساب، وهذا وحده مصلحة غالبة الظن. ويتساءل آخرون: لماذا لا يستثمر الإسلاميون هذه الأوضاع؟ والجواب: إن كان المقصود بالاستثمار المشاركة في السلطة فلا أظن أنهم في حالٍ تمكنهم من ذلك (والمراد بالإسلاميين هنا أعداء الديمقراطية). أما إن كان المقصود المشاركة في اختيار الأصلح أو الأقل سوءًا فهذا ممكن مع كثير من الحرج. لكن واجب الوقت الآن هو استثمار الحدث بالقرب من الناس وتوجيههم، وتسجيل مواقف تدفع بدعوتهم إلى الأمام بعد هدوء العاصفة. وختاماً: فإنَّ على عامة المسلمين في مثل هذه الأوضاع الاسترشاد بالعلماء الربانين والدعاة الموثوقين، والصدور عن رأيهم فيما يشكل عليهم، وعلى العلماء والدعاة تقدير المصالح والمفاسد وفق المنهج الشرعي، مع التحلي بالرويَّة والأناة والحلم في مثل هذه المواقف، وألا يتسرعوا في اتخاذ المواقف إقداماً أو إحجاماً، وأن يجعلوا أمرهم شورى بينهم. أسأل الله أن يعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يولي على المسلمين خيارهم، ويدفع عنهم شرارهم، وأن يوحد صفوفهم، ويجمع كلمتهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 353

الثورة على الظلم والعلمانية د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي ٢ ربيع الأول ١٤٣٢هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن المظاهرات التي نشاهدها هذه الأيام في تونس ومصر والأردن واليمن وغيرها ذات دلالات عميقة، فالمجتمعات الإسلامية سئمت من الأنظمة الظالمة التي تتحاكم إلى غير شريعة الله، وتحمي مصالح القوى الاستعمارية، وتوظف إمكانيات البلاد والعباد لأغراض ذاتية فئوية متعدية على حقوق الشعوب الدينية والدنيوية. إنها ثورة ضد المذاهب والأيديولوجيات المستوردة التي فشلت فشلاً ذريعاً في تعاملها مع الشعوب، فشلت في المحافظة على هوية الأمة وتعبيد الناس لله تعالى، وتحريرهم من الاستبداد والتبعية للغرب، وأخفقت في تطوير وتنمية بلدانهم. لقد فتح الشباب والفتيات الجدد أعينهم على مجتمع يمتلك كل عناصر النهوض والتميز، ويحوي إمكانيات هائلة للخروج من البؤس الحضاري والتراجع التنموي؛ ولعل من أبرز مقومات النهضة الكامنة في الأمة: الدين الصحيح، والتاريخ العريق، والثروات الطبيعية الثرية (النفط، والمياه، والزراعة ... )، والكثرة السكانية وخاصة الشباب، فالأمة الإسلامية المعاصرة أمة شابة فتية، ومع كل هذه المقومات الواعدة إلا أن هذه الشعوب متراجعة ومتأخرة في كافة المجالات، فالتغريب وضياع الهوية والاستبداد وغياب الحريات الشرعية والفقر والبطالة وسرقة الأموال العامة وتحطيم معنوياتها هي من أبرز معالم الواقع المعاش. إن من حق هذه الشعوب - التي يزيد في كل يوم شعورها بالقهر والظلم في دينها ودنياها - أن تنال استقلالها من الفاسدين، والطواغيت الذين يحكمون بغير الشريعة، ويوظفون إمكانيات البلاد في إفساد المجتمع في دينه وأخلاقه، ويسرقون حقوقه وثرواته. هذه المظاهرات التي نراها في العالم الإسلامي اليوم تؤكد حقيقة فكرية مهمة وهي فشل التيارات الفكرية العلمانية التي توصلت إلى الحكم بعد خروج الاستعمار المباشر من البلاد الإسلامية، لقد فشلت هذه التيارات الفكرية عندما أقصت الشريعة الإسلامية عن الحكم، وألزمت الأمة بقوانين ومناهج تناقض دينها وهويتها، وعندما استولت زمرة من الفاسدين على الحكم واحتكروا السلطة، ونفذوا أجندة الدول الاستعمارية، وساروا ببلادهم على خلاف مصالحها الحقيقية، ونهبوا ثروات الشعوب، وجوعوا وأفقروا وأذلوا وأهانوا وحطموا واحتقروا وسرقوا شعوبهم: خدمة لأعدائهم، وتحقيقاً لشهواتهم الخاصة. إن الراصد لنتائج وكيفيات ومآلات التيارات الفكرية العلمانية التي استولت على حكم البلاد العربية والإسلامية يتعجب من صبر هذه الشعوب المظلومة عليهم كل هذه المدة، وبعد كل هذه الفترة والمدة التي ابتليت بهم الأمة ما هي النتائج؟: الحكم بغير الشريعة، تنفيذ رغبات المستعمرين، سرقة أموال الدولة، إفساد أخلاق الناس، مطاردة العلماء والدعاة وكل من يطالب بالنهوض والحريات المشروعة التي تنمي البلاد وتعطي المجتمع الثقة بنفسه وإمكانياته، إخراج أعداد هائلة من الزنادقة والملحدين وأعداء الدين، وأعداد كثيفة مثلها من الراقصات والفاسدات، في الوقت الذي غابت فيه التنمية الحقيقية للمجتمع، والتطوير المفيد لإمكاناته. هذه الثورات هي ثورة على العلمانية والمشروع التغريبي والفاسدين والمستبدين الظلمة، والسارقين لأقوات الفقراء، والناهبين لحقوقهم، والمحتقرين لشعوبهم، والخونة الذين ينسقون مع الأعداء ضد مصالح أهليهم وبلدانهم. هذه الثورة تدل على أن الظلم بلغ مداه، وهذا ما جعل الغرب المستعمر يدعو حلفاءه إلى ضرورة التغيير، وهي حيلة غربية للتخفيف من الاحتقان، والالتفاف على استحقاقات الإصلاح الحقيقية، وإيهام الناس ومخادعتهم بالإصلاح. إن من الواجب على العلماء والمثقفين وقادة الفكر والرأي أن يشاركوا في توجيه هذه الشعوب، وضبط بوصلة هذه الثورات العفوية الناتجة عن احتياجات حقيقية حتى لا يتم اختطافها من سارقي الإنجازات والمتربصين بالأمجاد الذاتية على حساب الحقوق المشروعة للمجتمع. ويجب أن تكون المطالب واضحة وبينة وهي الرجوع الحقيقي إلى الإسلام والتطبيق الصحيح له في الحكم والأخلاق والحقوق والحريات والشورى والتوزيع العادل للثروات والمحافظة على مقدرات البلاد وإمكانياتها وثرواتها، وتطويرها بما يحقق الأهداف المجتمعية الصحيحة، وتنمية المجتمع دينياً ودنيوياً، والعودة إلى الهوية الإسلامية للمجتمع وتاريخه العريق، وعدم السماح بتطبيق التجارب المخالفة لدينه وحضارته، فالأمة لم تعد حقلاً للتجارب الشرقية والغربية بل يجب أن تكون لها خصوصيتها الإسلامية والتاريخية والأخلاقية التي تميز نهضتها وتنميتها وتطورها وحضارتها بخصائصها الذاتية.

стр. 354

على هامش أحداث تونس أحمد بن صالح الزهراني ٢٧ صفر ١٤٣٢هـ لا يمكن لمن يريد أن يسطّر مقالًا في هذه الأيّام أن يعاند رغبة جامحة في التعليق على الحدث الأكبر في هذه الأيّام، أعني سقوط جلاّد من جلاّدي الغرب الّذين نصّبهم على البلاد الإسلامية حارسًا لها من أيّ صوت حُر، خاصّة إن كان صوتًا إسلاميًا مَهما كان بعده عن روح الدّين الحقيقي .. لديَّ أربع مسائل أحبُّ لفت النَّظر إليها: الأولى: تونس اليوم تعيش أيّام فتنة حقيقيَّة نسأل الله أن يقيهم شرَّها، وأن يمكِّن فيها لمن في تمكينه رفعة البلاد وخير العباد، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله وسنّة رسوله ﷺ الّتي لا عصمة لأمّة محمّد ﷺ إلاّ بها. في أيّام الفتن يكثر المتكلّمون، ويطيب للبعض أن يساير الجموع وألاّ يقول إلاّ ما يرضيهم، لكن واجب أهل العلم والعقلاء أن يقولوا الحقيقة، وأن يبيّنوا للنّاس حدود ما أنزل الله على رسوله. واحد من أهمّ ما تمّ التدّليس بشأنه منهج الإسلام في مثل هذه الظروف؛ إذ طلع علينا بعض المنسوبين للدّعوة يصرّح بأنّ الخروج على الحكّام الظّلمة جائز بل واجب، وأنّ القول بتحريم الخروج هو قول وعّاظ السّلاطين وعلماء الحكام. وهذا والله الظّلم بعينه، وقائل هذا الكلام جاهل بحقيقة نفسه قبل أن يكون جاهلًا بحقيقة السنّة؛ فإنّ السنّة مضت واستفاضت بتحريم الخروج بالسلاح والقوة على السّلطان، لا أريد أن أفيض بذكر النصوص الشرعيّة الدّالّة على ذلك؛ فمصادر السنة وأقوال الأئمّة كثيرة جدًا لا تسمح بأيّ تأويل أو تنصّل، وبعض أقوال الأئمّة كانت في عصر واحد من أكثر الطغاة والسّفاكين للدماء، ألا وهو الحجّاج بن يوسف الثقفي، وبعضها كان في أيّام يزيد بن معاوية، لكن تأمّل معي هذا الحديث الّذي يصف فيه النّبيّ ﷺ الحالة بين الحاكم والمحكوم بأبلغ وصف، قال ﵊: «شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .. أرأيت أكثر من ذلك، ترى ما الّذي يجعل شعبًا يبغض حاكمه ويلعنه؟ وأيّ حاكم هذا الّذي بلغ منه الأمر أن يبغض شعبه ويلعنه، وأيّ معاملة سيعامله بها وهو يبغضه ويلعنه؟ تستطيع أن تفرض ما تشاء من الأسباب والصّور، فكلّ ذلك يدخل فيه، ومع هذا تأمّل جواب النّبيّ ﷺ لمّا قال له الصّحابة: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدًا من طاعة»، والحديث في صحيح مسلم وهناك غيره كثير. قال شيخ الإسلام ﵀: «وكان الحسن البصري يقول: إن الحَجّاج عذاب الله؛ فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)» .. وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم» انتهى. وهؤلاء الأئمّة الذين ذكرهم شيخ الإسلام ومن على دينهم من علماء العصر الحديث لا ينهون عن القتال والخروج حبًّا أو حرصًا على ولاة الجور -لا كثّرهم الله- وإنّما خشية على الناس أن يكونوا وقودًا للحرب، خاصّة وهم لا قوة لهم .. هذا من جهة.

стр. 355

ومن جهة أخرى فإنّ كثيرًا من الانقلابات والخروجات لم تأتِ بحكومات خير ممّن سبقها، بل هي مثلها إن لم تكن أسوأ منها، فتذهب دماء النّاس وأعراضهم وأموالهم بلا فائدة. لكن ليس معنى ذلك أنّه لا يجوز سعي النّاس في خلع الحاكم بالطرق السلميّة كالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفضل الجهاد كما قال النّبيّ ﷺ كلمة حق عند سلطان جائر. والشّاهد أنّه لا يجوز استغلال ما حصل في تونس لتهييج النّاس وحثّهم على الفتنة والشغب، خاصة من أقوام يعيشون في الخارج في الدّعة والراحة، ويطلقون الصيحات التثويريّة التي لا تراعي اختلاف الظروف بين بلد وآخر، وبين حاكم وآخر، وبين مطالبات حقيقيّة سببها الجوع والفقر، وبين أخرى دافعها الترف والحريات الموهومة. الثانية: أنّني وإن قرّرت مذهب السنّة في الخروج على الحكّام، فإنّي أحبّ لفت النّظر إلى ملحظ مهمّ لا نملك معه إلاّ أن نردّد: سبحان الله! فقد ظلّت تونس محجوبة عن الشّمس عقودًا طويلة منذ طاغيتها الأوّل بورقيبة حتّى خلفه زين العابدين بن علي ففعل في شعبه الأفاعيل، وأسوأ ذلك معاداته للتديّن بكل أشكاله وصوره .. والآن مزّقه الله كلّ ممزّق، ورأى العالم كلّه من شرقه إلى غربه كيف أسقط الله الطاغية بأدنى الأسباب .. عجيب هذا التقدير الرباني .. لم تحرك جيوش أمريكا ولا أوروبا، ولا عملت أجهزة استخبارات، ولم تدفع الملايين لرشوة القادة والعسكر، ولم يتم استنفار طبع الخيانة لدى طائفة من المارقين .. كانت انتفاضة عفوية طبيعية قدّرها الله تقديرًا .. وإذا جاءت هذه الأحداث قدرية سبّبها مسبّب الأسباب على أيدي من لم يفكر في شرع ولا شريعة، فمن العبث ما قرأناه للبعض من الاستماتة لتأصيل مذهب السّلف في الخروج على الحكّام الظّلمة وتوصيفه للحالة التونسيّة؛ لأنّ القدر في تونس حلّ وحكَم وفصَل، والتأصيل الشرعي لمسألة الخروج في مثل هذه الظروف ليس له محل، وإنّما المطلوب تأصيل الحالة الراهنة والمطالبة بوضع مريح للدّعوة الإسلامية. وشيء آخر هو أنّ زين العابدين وأمثاله لا يجوز أن يُدخل في نطاق مسألة الخروج على حكام الجور؛ لأنّ الأمر فيه أكبر من ذلك بكثير .. فحكومة تونس ونظامها لم تجُر في حقوق الدنيا فقط، بل كانت محارِبة لله ورسوله، وكثير من الشّعائر الإسلامية كان المسلم يستطيع أن يظهرها في أوروبا، ولكنه لا يستطيع أن يظهرها في تونس، حتّى الصّلاة يُضايق في أدائها، فلا ينبغي أن يشكّ عاقل عن أنّ مثلها لا يدخل في مسألة الخروج، أمّا مسألة الفتنة وتقدير المصالح فهذه لها مجال آخر. الثّالثة: يا لها من عبرة .. بعض حكّام العرب يشعر بأمان وطمأنينة كبيرة؛ لأنّه يركن إلى ركن شديد -أعني أمريكا والغرب- أو تغرّه قوّته الداخلية ومنصبه وزبانيته من حوله .. لكن حين يأتي تقدير اللّطيف والخبير يتمّ الأمر بألطف الأسباب، ويرى الحاكم بأمّ عينيه أنّ الرّكن الّذي آوى إليه لم يغن عنه شيئًا، كما رأينا زين العابدين يتسوّل مدرجًا تهبط عليه طائرته قبل أن تسقط بمن فيها ..
следующие страницы →