← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والتاريخ الإسلامي حافلٌ بمثل هذا النوع من الخروج بكل أسفٍ، لكن هذا النوع من المطالبات الجماعية السلمية حديثة على العالم الإسلامي، ولا يُعرف لها مثيل في تاريخ المسلمين، والمستجدات العصرية في وسائل التغيير والتعبير لا ينبغي إغفالها وإهمالها، طالما لم يرد نصٌّ بإلغائها وإبطالها، ولعلَّها لا تخرج عن نطاق "المصالح المرسلة"، وقاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد". ووجود بعض المفاسد عند استخدام مثل هذه الوسائل، ليس قاطعاً على حرمتها، فإن هذه المفاسد قد تسوغ مقابل دفع مفاسد أعظم منها: عملاً بقاعدة: "جواز ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما"، فشريعة الله قائمة على مراعاة مصالح العباد. والمهم الآن هو القول بأن مطالبة الإنسان بحقوقه الدينية والدنيوية مطالبة مشروعة في أصلها، ما لم يُرتكب فيها محرم كإتلاف الأموال وإزهاق الأنفس، وخاصة إذا كان هذا الحاكم مستبداً ظالماً ناهباً لخيرات الأمة، يسجن ويقتل منهم المئات بل الآلاف. وتتأكد هذه المشروعية إذا كان -مع منعهم من حقوقهم الدنيوية- يمنعهم من حقوقهم الدينية، ويجاهر بمحاربة الدين صباح مساء ويعلن أن نظامه نظامٌ علماني، ويفضل القانون الوضعي على شريعة رب العالمين. لكن لمَّا كانت هذه المطالبات الجماعية يشترك فيها عامة الناس، المثقفون منهم والغوغائيون، وقد تحصل فيها فوضى وشغب، ومنكرات عديدة: كتبرجٍ سافرٍ من بعض النساء -هداهن الله- واختلاطٍ مشين، واحتكاكٍ بالرجال بسبب الزحام، وصوت موسيقى في بعض هذه التجمعات، ورفع راياتٍ عُميَّةٍ وشعاراتٍ جاهلية، وربما شارك بعضَها أصحابُ أحزابٍ علمانية وأتباع دياناتٍ أخرى، إلى غير ذلك؛ فإن مشاركة العلماء وطلاب العلم الكبار ورموز الدعوة وقادتها، قد تتعذر حينئذٍ، ولا تلزمهم، ويكفي منهم التأييد العام بالبيانات والكلمات والخطب مع توجيه العامة نحو ما يحفظ على البلاد أمنها وممتلكاتها، وعدم ارتكاب محظورات في أثناء هذه المطالبات. كما أن سكوتهم فضلاً عن معارضتهم لها، قد يفقد ثقة الناس فيهم، ويتسبب في انفضاضهم عنهم، وربما يتجهون إلى أصحاب الدعوات الباطلة؛ لأنهم سيرون أنهم هم وحدهم الذين وقفوا معهم للمطالبة بحقوقهم المشروعة. ولا شك أن غياب العلماء والدعاة حضوراً أو توجيهاً وانزواءهم في الزوايا فيه مفسدة ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ..... إذا جلس الأكابرُ في الزوايا وقد يستشكل بعض الناس مشروعية هذه المطالبة مع ما قد يحصل معها من فوضى وشغب، وربما تُسفك بسببها دماء، ولا شك أن هذه مفاسد لكنها قد تُحتمل مقابل المصالح العظيمة التي تحصل من تغيير أحوال الشعوب الدينية والدنيوية إلى حال أحسن، وهنا تتفاوت أنظار العلماء وتختلف اجتهاداتهم في تقدير المصلحة وتوقع لمن تكون الغلبة، وعلماء كل بلد أعرف بحاله، مع التأكيد على عدم جواز ارتكاب أي من هذه المفاسد، وأن تكون المطالب سلمية بالشروط والأحوال المذكورة آنفاً. وتظل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد الدقيقة، التي تختلف في توصيفها الأنظار، ويتردد المرء فيها ويحار، فلا ينبغي أن تكون سبباً للفرقة وإلقاء التهم وإساءة الظن. وينبغي أن يُعلم أن ما يصح أو يصلح أن يقال في بلد لا يصح ولا يصلح أن يقال في بلد آخر، إذا كانت مفسدة المطالبة فيه أعظم من السكوت عنها.

стр. 352

فمثلاً بلدٌ كاليمن، أهله مسلَّحون، وفيه قبائل متناحرة، وتنظيمات بدعيَّة مسلحة لها (أجندات) خاصة، ومطالبات انفصالية في أجزاء منه، وفوضى عارمة، قد لا يكون من المصلحة قيام ثورات فيه، لمظنة وقوع هرج ومرْج وفساد عريض، وقد يستثمر مثل هذه الثورات أصحاب الفرق الضالة المنظمة المسلحة المدعومة من الخارج في حين أن أهل السنة فيه مختلفون متناحرون، وقل مثل ذلك في بلد نسبة أهل السنة فيه أقل من أهل البدع ولو ظهرت فيه مثل هذه الثورات لكان أهل البدع أقرب للوصول إلى السلطة من أهل السنة، فلا شك أنه في مثل هذه الحالات التي يغلب على الظن أن تؤدي المطالبات الجماعية فيها إلى وضع وحالٍ أسوأ مما هو عليه = أنها لا تجوز، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وجاءت لتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه وفتاويه، وخلاصة الأمر أن هذه المطالبات الجماعية تختلف من بلد إلى آخر، والحكم عليها خاضعٌ للنظر في المصالح والمفاسد، وهي بهذا تُعد من المصالح المرسلة التي لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين. وهنا يتساءل بعض الناس، ما الموقف الصحيح مما يجري على الساحة اليوم؟ والجواب: لا شك أن زوال طاغية محارب لدين الله مما يثلج صدور المؤمنين لاسيما إذا لم يُتيقن مجيء من هو أسوأ منه، لأن الفرح إنما يكون بزواله ولا أحدَ يعلم الغيب، ولا بمن سيأتي بعده. وقد فرح المسلمون بموت الحجاج بن يوسف الثقفي، ونقلت لنا كتب التاريخ سجود الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز شكراً لله على موته، ولما أُخبر إبراهيم النخعي بموته بكى من الفرح، ولما بُشِّر طاووس بموته فرح وتلا قول الله تعالى: ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ وما كانوا يدرون من يحكمهم بعده. وفي عالمنا المعاصر فرح المسلمون والعلماء بزوال الاستعمار، وحُقَّ لهم ذلك، بل شارك بعض العلماء في الثورات التي أخرجته من بلدان المسلمين رغم أنه خَلَفَهم بعد ذلك في بعض الدول من هو أسوأ منه، فهذا الفرح والدعاء بزوال كل محارب للدين هو أقل ما يجب على العبد المسلم المعظِّم لشرع الله؛ إذْ رفعُ الظلم وإقامةُ العدل مقصودٌ لذاته في الشريعة الإسلامية، وفي الفِطَر السوية، والعقول السليمة. أما المشاركة فقد سبق القول أنها تخضع للمصالح والمفاسد يقدرها علماء كل بلد. والقول بأن تأييد ذهاب أمثال هؤلاء فيه إعانة على من سيأتي بعدهم من أهل السوء، قولٌ صحيح، لكن هاهنا ثلاثة أمور ينبغي التفطن لها: أولاً: أن زوال أمثال هؤلاء مقصود لذاته كما سبق بيانه. ثانياً: أن بقاءهم متيقن في استمرار الفساد في حين مجيء غيرهم مظنة أن يكون أفضل منه، وزوال مفسدة متيقنة أولى من بقائها خشية من مفسدة مظنونة، وإنما يُمنع من زوال المفسدة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أعظم منها كما سبق بيانه. ثالثاً: أنه مما لاشك فيه أن الأمة إذا تخلصت من أمثال هؤلاء أنها ستعيش عقب ذلك فترة من الزمن تستعيد فيها حقوقها الدينية والدنيوية لأن كل من سيأتي بعدهم أياً كان سيحسب لمثل هذه المواقف ألف حساب، وهذا وحده مصلحة غالبة الظن. ويتساءل آخرون: لماذا لا يستثمر الإسلاميون هذه الأوضاع؟ والجواب: إن كان المقصود بالاستثمار المشاركة في السلطة فلا أظن أنهم في حالٍ تمكنهم من ذلك (والمراد بالإسلاميين هنا أعداء الديمقراطية). أما إن كان المقصود المشاركة في اختيار الأصلح أو الأقل سوءًا فهذا ممكن مع كثير من الحرج. لكن واجب الوقت الآن هو استثمار الحدث بالقرب من الناس وتوجيههم، وتسجيل مواقف تدفع بدعوتهم إلى الأمام بعد هدوء العاصفة. وختاماً: فإنَّ على عامة المسلمين في مثل هذه الأوضاع الاسترشاد بالعلماء الربانين والدعاة الموثوقين، والصدور عن رأيهم فيما يشكل عليهم، وعلى العلماء والدعاة تقدير المصالح والمفاسد وفق المنهج الشرعي، مع التحلي بالرويَّة والأناة والحلم في مثل هذه المواقف، وألا يتسرعوا في اتخاذ المواقف إقداماً أو إحجاماً، وأن يجعلوا أمرهم شورى بينهم. أسأل الله أن يعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يولي على المسلمين خيارهم، ويدفع عنهم شرارهم، وأن يوحد صفوفهم، ويجمع كلمتهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 353

الثورة على الظلم والعلمانية د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي ٢ ربيع الأول ١٤٣٢هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن المظاهرات التي نشاهدها هذه الأيام في تونس ومصر والأردن واليمن وغيرها ذات دلالات عميقة، فالمجتمعات الإسلامية سئمت من الأنظمة الظالمة التي تتحاكم إلى غير شريعة الله، وتحمي مصالح القوى الاستعمارية، وتوظف إمكانيات البلاد والعباد لأغراض ذاتية فئوية متعدية على حقوق الشعوب الدينية والدنيوية. إنها ثورة ضد المذاهب والأيديولوجيات المستوردة التي فشلت فشلاً ذريعاً في تعاملها مع الشعوب، فشلت في المحافظة على هوية الأمة وتعبيد الناس لله تعالى، وتحريرهم من الاستبداد والتبعية للغرب، وأخفقت في تطوير وتنمية بلدانهم. لقد فتح الشباب والفتيات الجدد أعينهم على مجتمع يمتلك كل عناصر النهوض والتميز، ويحوي إمكانيات هائلة للخروج من البؤس الحضاري والتراجع التنموي؛ ولعل من أبرز مقومات النهضة الكامنة في الأمة: الدين الصحيح، والتاريخ العريق، والثروات الطبيعية الثرية (النفط، والمياه، والزراعة ... )، والكثرة السكانية وخاصة الشباب، فالأمة الإسلامية المعاصرة أمة شابة فتية، ومع كل هذه المقومات الواعدة إلا أن هذه الشعوب متراجعة ومتأخرة في كافة المجالات، فالتغريب وضياع الهوية والاستبداد وغياب الحريات الشرعية والفقر والبطالة وسرقة الأموال العامة وتحطيم معنوياتها هي من أبرز معالم الواقع المعاش. إن من حق هذه الشعوب - التي يزيد في كل يوم شعورها بالقهر والظلم في دينها ودنياها - أن تنال استقلالها من الفاسدين، والطواغيت الذين يحكمون بغير الشريعة، ويوظفون إمكانيات البلاد في إفساد المجتمع في دينه وأخلاقه، ويسرقون حقوقه وثرواته. هذه المظاهرات التي نراها في العالم الإسلامي اليوم تؤكد حقيقة فكرية مهمة وهي فشل التيارات الفكرية العلمانية التي توصلت إلى الحكم بعد خروج الاستعمار المباشر من البلاد الإسلامية، لقد فشلت هذه التيارات الفكرية عندما أقصت الشريعة الإسلامية عن الحكم، وألزمت الأمة بقوانين ومناهج تناقض دينها وهويتها، وعندما استولت زمرة من الفاسدين على الحكم واحتكروا السلطة، ونفذوا أجندة الدول الاستعمارية، وساروا ببلادهم على خلاف مصالحها الحقيقية، ونهبوا ثروات الشعوب، وجوعوا وأفقروا وأذلوا وأهانوا وحطموا واحتقروا وسرقوا شعوبهم: خدمة لأعدائهم، وتحقيقاً لشهواتهم الخاصة. إن الراصد لنتائج وكيفيات ومآلات التيارات الفكرية العلمانية التي استولت على حكم البلاد العربية والإسلامية يتعجب من صبر هذه الشعوب المظلومة عليهم كل هذه المدة، وبعد كل هذه الفترة والمدة التي ابتليت بهم الأمة ما هي النتائج؟: الحكم بغير الشريعة، تنفيذ رغبات المستعمرين، سرقة أموال الدولة، إفساد أخلاق الناس، مطاردة العلماء والدعاة وكل من يطالب بالنهوض والحريات المشروعة التي تنمي البلاد وتعطي المجتمع الثقة بنفسه وإمكانياته، إخراج أعداد هائلة من الزنادقة والملحدين وأعداء الدين، وأعداد كثيفة مثلها من الراقصات والفاسدات، في الوقت الذي غابت فيه التنمية الحقيقية للمجتمع، والتطوير المفيد لإمكاناته. هذه الثورات هي ثورة على العلمانية والمشروع التغريبي والفاسدين والمستبدين الظلمة، والسارقين لأقوات الفقراء، والناهبين لحقوقهم، والمحتقرين لشعوبهم، والخونة الذين ينسقون مع الأعداء ضد مصالح أهليهم وبلدانهم. هذه الثورة تدل على أن الظلم بلغ مداه، وهذا ما جعل الغرب المستعمر يدعو حلفاءه إلى ضرورة التغيير، وهي حيلة غربية للتخفيف من الاحتقان، والالتفاف على استحقاقات الإصلاح الحقيقية، وإيهام الناس ومخادعتهم بالإصلاح. إن من الواجب على العلماء والمثقفين وقادة الفكر والرأي أن يشاركوا في توجيه هذه الشعوب، وضبط بوصلة هذه الثورات العفوية الناتجة عن احتياجات حقيقية حتى لا يتم اختطافها من سارقي الإنجازات والمتربصين بالأمجاد الذاتية على حساب الحقوق المشروعة للمجتمع. ويجب أن تكون المطالب واضحة وبينة وهي الرجوع الحقيقي إلى الإسلام والتطبيق الصحيح له في الحكم والأخلاق والحقوق والحريات والشورى والتوزيع العادل للثروات والمحافظة على مقدرات البلاد وإمكانياتها وثرواتها، وتطويرها بما يحقق الأهداف المجتمعية الصحيحة، وتنمية المجتمع دينياً ودنيوياً، والعودة إلى الهوية الإسلامية للمجتمع وتاريخه العريق، وعدم السماح بتطبيق التجارب المخالفة لدينه وحضارته، فالأمة لم تعد حقلاً للتجارب الشرقية والغربية بل يجب أن تكون لها خصوصيتها الإسلامية والتاريخية والأخلاقية التي تميز نهضتها وتنميتها وتطورها وحضارتها بخصائصها الذاتية.

стр. 354

على هامش أحداث تونس أحمد بن صالح الزهراني ٢٧ صفر ١٤٣٢هـ لا يمكن لمن يريد أن يسطّر مقالًا في هذه الأيّام أن يعاند رغبة جامحة في التعليق على الحدث الأكبر في هذه الأيّام، أعني سقوط جلاّد من جلاّدي الغرب الّذين نصّبهم على البلاد الإسلامية حارسًا لها من أيّ صوت حُر، خاصّة إن كان صوتًا إسلاميًا مَهما كان بعده عن روح الدّين الحقيقي .. لديَّ أربع مسائل أحبُّ لفت النَّظر إليها: الأولى: تونس اليوم تعيش أيّام فتنة حقيقيَّة نسأل الله أن يقيهم شرَّها، وأن يمكِّن فيها لمن في تمكينه رفعة البلاد وخير العباد، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله وسنّة رسوله ﷺ الّتي لا عصمة لأمّة محمّد ﷺ إلاّ بها. في أيّام الفتن يكثر المتكلّمون، ويطيب للبعض أن يساير الجموع وألاّ يقول إلاّ ما يرضيهم، لكن واجب أهل العلم والعقلاء أن يقولوا الحقيقة، وأن يبيّنوا للنّاس حدود ما أنزل الله على رسوله. واحد من أهمّ ما تمّ التدّليس بشأنه منهج الإسلام في مثل هذه الظروف؛ إذ طلع علينا بعض المنسوبين للدّعوة يصرّح بأنّ الخروج على الحكّام الظّلمة جائز بل واجب، وأنّ القول بتحريم الخروج هو قول وعّاظ السّلاطين وعلماء الحكام. وهذا والله الظّلم بعينه، وقائل هذا الكلام جاهل بحقيقة نفسه قبل أن يكون جاهلًا بحقيقة السنّة؛ فإنّ السنّة مضت واستفاضت بتحريم الخروج بالسلاح والقوة على السّلطان، لا أريد أن أفيض بذكر النصوص الشرعيّة الدّالّة على ذلك؛ فمصادر السنة وأقوال الأئمّة كثيرة جدًا لا تسمح بأيّ تأويل أو تنصّل، وبعض أقوال الأئمّة كانت في عصر واحد من أكثر الطغاة والسّفاكين للدماء، ألا وهو الحجّاج بن يوسف الثقفي، وبعضها كان في أيّام يزيد بن معاوية، لكن تأمّل معي هذا الحديث الّذي يصف فيه النّبيّ ﷺ الحالة بين الحاكم والمحكوم بأبلغ وصف، قال ﵊: «شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .. أرأيت أكثر من ذلك، ترى ما الّذي يجعل شعبًا يبغض حاكمه ويلعنه؟ وأيّ حاكم هذا الّذي بلغ منه الأمر أن يبغض شعبه ويلعنه، وأيّ معاملة سيعامله بها وهو يبغضه ويلعنه؟ تستطيع أن تفرض ما تشاء من الأسباب والصّور، فكلّ ذلك يدخل فيه، ومع هذا تأمّل جواب النّبيّ ﷺ لمّا قال له الصّحابة: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدًا من طاعة»، والحديث في صحيح مسلم وهناك غيره كثير. قال شيخ الإسلام ﵀: «وكان الحسن البصري يقول: إن الحَجّاج عذاب الله؛ فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)» .. وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم» انتهى. وهؤلاء الأئمّة الذين ذكرهم شيخ الإسلام ومن على دينهم من علماء العصر الحديث لا ينهون عن القتال والخروج حبًّا أو حرصًا على ولاة الجور -لا كثّرهم الله- وإنّما خشية على الناس أن يكونوا وقودًا للحرب، خاصّة وهم لا قوة لهم .. هذا من جهة.

стр. 355

ومن جهة أخرى فإنّ كثيرًا من الانقلابات والخروجات لم تأتِ بحكومات خير ممّن سبقها، بل هي مثلها إن لم تكن أسوأ منها، فتذهب دماء النّاس وأعراضهم وأموالهم بلا فائدة. لكن ليس معنى ذلك أنّه لا يجوز سعي النّاس في خلع الحاكم بالطرق السلميّة كالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفضل الجهاد كما قال النّبيّ ﷺ كلمة حق عند سلطان جائر. والشّاهد أنّه لا يجوز استغلال ما حصل في تونس لتهييج النّاس وحثّهم على الفتنة والشغب، خاصة من أقوام يعيشون في الخارج في الدّعة والراحة، ويطلقون الصيحات التثويريّة التي لا تراعي اختلاف الظروف بين بلد وآخر، وبين حاكم وآخر، وبين مطالبات حقيقيّة سببها الجوع والفقر، وبين أخرى دافعها الترف والحريات الموهومة. الثانية: أنّني وإن قرّرت مذهب السنّة في الخروج على الحكّام، فإنّي أحبّ لفت النّظر إلى ملحظ مهمّ لا نملك معه إلاّ أن نردّد: سبحان الله! فقد ظلّت تونس محجوبة عن الشّمس عقودًا طويلة منذ طاغيتها الأوّل بورقيبة حتّى خلفه زين العابدين بن علي ففعل في شعبه الأفاعيل، وأسوأ ذلك معاداته للتديّن بكل أشكاله وصوره .. والآن مزّقه الله كلّ ممزّق، ورأى العالم كلّه من شرقه إلى غربه كيف أسقط الله الطاغية بأدنى الأسباب .. عجيب هذا التقدير الرباني .. لم تحرك جيوش أمريكا ولا أوروبا، ولا عملت أجهزة استخبارات، ولم تدفع الملايين لرشوة القادة والعسكر، ولم يتم استنفار طبع الخيانة لدى طائفة من المارقين .. كانت انتفاضة عفوية طبيعية قدّرها الله تقديرًا .. وإذا جاءت هذه الأحداث قدرية سبّبها مسبّب الأسباب على أيدي من لم يفكر في شرع ولا شريعة، فمن العبث ما قرأناه للبعض من الاستماتة لتأصيل مذهب السّلف في الخروج على الحكّام الظّلمة وتوصيفه للحالة التونسيّة؛ لأنّ القدر في تونس حلّ وحكَم وفصَل، والتأصيل الشرعي لمسألة الخروج في مثل هذه الظروف ليس له محل، وإنّما المطلوب تأصيل الحالة الراهنة والمطالبة بوضع مريح للدّعوة الإسلامية. وشيء آخر هو أنّ زين العابدين وأمثاله لا يجوز أن يُدخل في نطاق مسألة الخروج على حكام الجور؛ لأنّ الأمر فيه أكبر من ذلك بكثير .. فحكومة تونس ونظامها لم تجُر في حقوق الدنيا فقط، بل كانت محارِبة لله ورسوله، وكثير من الشّعائر الإسلامية كان المسلم يستطيع أن يظهرها في أوروبا، ولكنه لا يستطيع أن يظهرها في تونس، حتّى الصّلاة يُضايق في أدائها، فلا ينبغي أن يشكّ عاقل عن أنّ مثلها لا يدخل في مسألة الخروج، أمّا مسألة الفتنة وتقدير المصالح فهذه لها مجال آخر. الثّالثة: يا لها من عبرة .. بعض حكّام العرب يشعر بأمان وطمأنينة كبيرة؛ لأنّه يركن إلى ركن شديد -أعني أمريكا والغرب- أو تغرّه قوّته الداخلية ومنصبه وزبانيته من حوله .. لكن حين يأتي تقدير اللّطيف والخبير يتمّ الأمر بألطف الأسباب، ويرى الحاكم بأمّ عينيه أنّ الرّكن الّذي آوى إليه لم يغن عنه شيئًا، كما رأينا زين العابدين يتسوّل مدرجًا تهبط عليه طائرته قبل أن تسقط بمن فيها ..

стр. 356

وحين أكتب هذا الكلام لا أنظر إلى من يرأس الحكومات العربية فقط، وإنّما أنظر إلى ثلة من المتنفّذين فيها الّذين وصل ببعضهم الحال إلى قريب من حال زين العابدين، سواء من الوزراء أو الأمراء أو المدراء أو قادة الجيوش وذوي المناصب .. فبعض هؤلاء حالهم ليس ببعيد من حال زين العابدين، فما إن يُمكّن للواحد منهم في منصب كبير أو صغير حتّى يبدأ بالظّلم والاستبداد، بعضهم يقفل المساجد، وبعضهم يحارب القرآن، وبعضهم يحارب الحجاب، وبعضهم يحارب أيّ منشط دعوي، وبعضهم يروّج للتغريب والانحطاط الخلقي، ويشيع الفاحشة وأسبابها، ويعلي من شأن الفسقة والمارقين، ويحطّ من شأن العلماء وأهل الشريعة. كلّ ذلك بدعوى محاربة الرجعيّة والظلامية والصعود بمن معه إلى الرقي والعالم الأوّل. ولكنّ الله تعالى يُري هؤلاء آيات في الآفاق؛ فكلّ هؤلاء ليسوا أغنى من زين العابدين، ولا أكثر قوّة وبوليسيّة منه، ولا أشدّ بطشًا، ومع هذا رأينا كيف أذلّه الله لمن سحقهم وأهانهم، وبدأ يسترحمهم أن يبقى، وأن يعطوه فرصة أخرى، ولكنّ الشّعب قال له بكل قوّة: لا .. وأقول أنا لبعض أشباهه الذين نعايشهم: وما هي من الظّالمين ببعيد. الرّابعة والأخيرة: لأهل العلم والدّعاة أن يعوا جيّدًا أنّ المذهب السّلفي يجب أن يبقى نزيهًا بعيدًا عن توظيفه في خدمة الطّغاة وجلاوزتهم، بمعنى أنّه لا يجوز في مثل هذه الظّروف أن يكون الصّوت الوحيد الّذي يجيّر لصالح الظّلمة هو صوت العلماء السلفيّين، نعم أنا أعي جيّدًا حرص الكثيرين على السنّة، وأن لا يتمّ تهميشها في زحمة المتكلمين ورغبات الثائرين، وأعلم كذلك شفقة أهل العلم على النّاس أن يتاجر بهم طلاّب السلّطة وزعماء الأحزاب الذين يستغلون حماس الجماهير لزحزحة أعدائهم، ثمّ يكونون أوّل النّاكثين لوعودهم إذا تمكّنوا .. أعي ذلك جيدًا. والمطلوب موقف وسط، كلّ نظام حاكم يهمّش العلماء وأهل الشّريعة، ويقصيهم وقت رخائه، فيضرب بفتاويهم وأقوالهم عرض الحائط لا يجوز أن يوظّف الحكم الشّرعي بأيّ طريقة ليقوّيه، ويدفع عنه سخط الجماهير، خاصّة ونحن نعلم أنّ هذه الجماهير الّتي نشأت على عينه وربّاها هو على احتقار العلماء، وعدم الأخذ بأقوالهم، ولا نصائحهم لن تحترم أقوال هؤلاء العلماء حين يرون فيها ترسًا يتترّس به الظّالم والمستبدّ لظلمه واستبداده. يجب أن تكون فتاوى أهل السنّة لمن يطيعهم من أهل العلم والدين؛ حتّى لا يشاركوا في الفتنة، ولا تنغمس أيديهم في دم أو مال حرام، أمّا الجماهير الثائرة فليتحمّل ثورتها من ألجأها إلى ذلك تجويعًا وظلمًا وقهرًا وتهميشًا، وليتحمّل ذلك من ربّاها على تنحية الشريعة وإقصاء الدّين؛ فهذه الجماهير الّتي تعوّدت إبّان رخائها في الإعلام الرّسمي والتعامل الحكومي على تهميش أهل العلم لن تأبه لهم، ولا لأقوالهم إبّان شدّتها وعسرها .. وساعتها يحقّ لأهل العلم أن يقولوا لكلّ حاكم ونظام حارب الدين والعلم الشرعي والفضيلة وأقصاها عن حياة النّاس: يداك أوكتا وفوك نفخ.

стр. 357

التسربات الفكرية فهد بن صالح العجلان ٢٣ صفر ١٤٣٢هـ لا تمرّ ساعة دون أن يدخل (محمد) إلى أحد المواقع الالكترونية ليناقش عدداً من أصحاب الطوائف والتوجهات المختلفة في مسائل وقضايا كثيرة، ثمّ بعد أشهرٍ من الجدل والحوار المستمرّ يظهر (محمد) برؤى وأفكار منحرفة يظنّها ضرورية وأساسيّة للدفاع عن أحكام الشريعة وتصحيح صورة الإسلام والسنة. ولقد أصاب أخونا (عبد الرحمن) قريباً مما أصاب (محمد) غير أنّه كان أقلّ انهماكاً في هذه المعمعة فكان دوره يقتصر على المتابعة والقراءة مع بعض الحوارات الهامشية، فما دارت الأيام حتى كان قلب (عبد الرحمن) يحتضن كثيراً من الإشكاليات والشبهات التي كانت تمرّ على عينيه الساخطتين فما لبثت أن سكنت قلبه بعد ذلك. (عبد الرحمن) و (محمد) نموذجان لظاهرتين منتشرتين في واقعنا المعاصر، ظاهرة الشخص الغيور الذي يدخل في نقاش الشبهات دفعاً لها وتحذيراً منها وظاهرة القارئ المطّلع على هذه الحوارات فضولاً وثقافة ثم ما يلبثا بعد هذا إلا قليلاً حتى ينقلب بعضهم على عقبيه أو يكون قد تأثّر - كثيراً- وتشرّب عدداً من الأصول والمقدمات الفاسدة. سأقف مع سبب واحد يفسّر واقع هذه المشكلة، وسأدع بقية الأسباب المؤثّرة لمقام آخر، فلن أتحدّث عن ضعف جانب العبادة والاتصال بالله، أو عن إشكالية تهاون المسلم في تحريك دفعات الشبهات على قلبه من دون أن يشدّ حبل قلبه بالله، ولا عن سبب العجب والثقة والاتكال على النفس الذي يضعف افتقار العبد إلى مولاه، ولا عن ضعف التأصيل الشرعي، ولا عن التفرّد والاستقلال الموهوم الذي يجعل أمثال هؤلاء يأنفون عن سؤال أهل العلم والرجوع إليهم، بل لربّما ظنّ- لعظم الوهم الذي يسكنه- أنه يخوض غماراً لا ينقذ الإسلام ولا يحفظ أصول الدين إلا رأيه وفكره. السبب الذي أريده يتعلّق بواقعة (التسليم بالمقدمات والأصول الفاسدة) فيدخل المحاور والقارئ لهذه الحوارات، وفي غمارمعمعة قضاياها وأمواج إشكالاتها يتخذ لنفسه عدداً من الأصول والقضايا الثابتة يدافع عنها ويجيب عن الشبهات بناءً عليها، وقد غفل عن أن هذه الأصول والقضايا لم تأته من قراءة تدبّرية لكتاب الله ولا من جلوس طويل على صحيح السنة ولا من دراسة بحثية لكتب الفقه وإنما جزم بها من خلال هذه الحوارات وحسم أمرها بعد إلزام من هنا أو ورطة هناك. هي مشكلة قديمة، كثيراً ما يبتلى بها من يقرر أصوله ومحكماته من خلال هذه الحوارات، وقد كانت سبباً ظاهراً لبذور الانحراف العقدي الذي مزّق أمة محمد ﷺ من قديم، فرأس المنحرفين (الجهم بن صفوان) لم يقرر عقيدته في نفي أسماء الله وصفاته إلا بعد نقاشٍ مع فرقة وثنية أحرجته بأنه لا يستطيع أن يحسّ خالقه ولا يشمه ولا يسمع صوته فهو إذنغير موجود، فحيّرته هذه الشبهة ومكث أياماً يبحث عن جواب مريحٍ لها، ثم خرج إليهم فأجابهم بأن وجود الله مثل وجود الروح التي في جسد الإنسان، يقرّ الإنسان بوجودها لكنّه لا يراها ولا يسمع صوتها، ومن خلال هذا الدليل الذي قرّره ليتخلّص من ورطته مع الوثنيين بنى تصوّره عن الله فنفى عنه الصفات التي أخبرنا بها عن نفسه. (انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل ٩٣) وقد بذلت الفرق الكلامية جهداً عظيماً في سبيل إقناع الملاحدة بوجود الله فجاؤوا بالدليل العقلي الشهير (دليل حدوث الأعراض والأجسام) وجعلوا إثبات الله لا يقوم إلا به، فحطموا وعبثوا بسببه بكثير من النصوص والأصول الشرعية.

стр. 358

لاحظ أنّهم لم يكن يرونها أصولاً فاسدة، أبداً، بل كانت عندهم دليلاً شرعياً وأصلاً ضرورياً لحفظ الإسلام وصدّ هجمات أعدائه، فزادهم ثقة وتمسكاً بهذه الأصول ورفضاً لأي قاعدة أو دليل يخالفها لأنه سيكون مضراً بالإسلام حسب رأيهم. وإذا أردنا أن نتخفّف من عرض الإشكالات القديمة ونأتي لواقع إشكالاتنا المعاصرة فسنجد ذات المشكلة حاضرة لم تتغيّر، فمجموعة من الفضلاء يدخلون في حوارات وصدامات فكرية مختلفة وعلى أصعدة متعددة، يضطر بسبب هذه الحوارات لتبني عدداً من القضايا والمقدمات التي يراها مرتكزات أساسية للدفاع عن نصوص الشريعة وحفظ أحكامها، ويدعمها بعدد من الأدلة الشرعية، لكنه قد التقط هذه القواعد من هذه الحوارات ثمبحث بعد ذلك عن أدلتها في الشريعة، ولم يستخرجها من قراءة لنصوص الشريعة أو فحص لكلام الفقهاء. مثلاً: يخوض حواراً مع الغربيين دفاعاً عن بناء المساجد وحق المسلمين في العبادة، ويقوم بجهود مشكورة في إحراج الغربيين بما في موقفهم من تحيّز ضد المسلمين، فيقولون له: (إنّكم لا تسمحون ببناء الكنائس في بلادكم؟) فيجيب مباشرة بأنّ هذا غير صحيح وأن حرية العبادة مكفولة في بلادنا، وإذا كان أحسن حالاً قال: عدم بناء الكنائس خاص بجزيرة العرب بسبب خاصيتها الدينية أو بسبب انتفاء وجود نصراني فيها. فلم يكن بحث بناء الكنائس هنا معتمداً على نصوص الشريعة ولا آراء الفقهاء - وإن جاء ذلك فيما بعد- وإنما جاء لضرورة التخلّص من هذا الإلزام المحرج، فلحاجته لجواب مريح قرر مثل هذه القاعدة مع أن بإمكانه أن يقرر بسهولة أنّ حديثه مع الغربي هو مطالبة له لأن يكون صادقاً مع مبادئه وقيمه، فبما أنكم تقررون الحياد مع الأديان فيجب أن تكونوا كذلك أو تعترفوا بأنكم غير صادقين، وأما موضوع الكنائس في بلادنا فهي متعلقة بأصولنا وقيمنا. وينتفض آخر: غيرة ودفاعاً عن الانتهاكات التي تلحق ببعض الدعاة والمصلحين بناءً على (حرية الرأي) وأنّه حق مكفول للجميع ما دام لم يقع منه عدوان على أحد، ومع مواصلة الحوار والسجال يضطرّ لأن يجعل حرية الرأي في الشريعة مكفولة لأي أحد، فلا عقوبة ولا منع في الشريعة للرأي، وإنما يكون ممنوعاً ما كان اعتداءً على الناس، وأما الرأي المجرّد فهو حق مصان ولا إشكال فيه، ويسوق لذلك بعض النصوص، وهي رؤية علمانية صريحة لا وجود لها في أي تراث فقهي بتاتاً، لكنها ذات المشكلة والمرض القديم، يريد الشخص أن يدافع عن الإسلام فيعتقد بأصل فاسد يرى أنّه لا يمكن تحقيق مقصود الشريعة إلا من خلال هذا الأصل الفاسد. ويعيب شخص ثالث على النصارى تغييبهم للعقل وتعطيلهم له ويسوق لهم شواهد من ذلك في معتقدات الخلاص والتثليث وغيرها فيلزمونه ويقولون: (لديكم أيضاً في الإسلام مخالفة للعقل وسنذكر لك أمثلة) فيذكر لهم بارتياح أنّ الإسلام (يقدّم العقل على النقل) فلا وجه لإشكالكم، وقد ظنّ أنه قدّم جواباً رائعاً لهذه الشبهة، وما درى أنّ أراد أن يصلح خدشاً فهدم قصراً! فتخلّص بهذا الجواب من إحراجهم له لكنّه ادخل على عقله وقلبه فيروساً خطيراً ما دخل عقل احد إلا وعبث بدينه ويقينه. ورابع: يخوض غمار الدفاع عن أحكام الإسلام في المرأة، فيبذل - مشكوراً- غاية جهده في البرهنة والعقلنة لتلك الأحكام لأنه يستشعر أنّ أي ضعف في الدفاع عن هذه الإيرادات المثارة سيكون سبباً للتشكيك في الإسلام ذاته، ثم يخرج من هذه الحوارات بآراء من مثل المساواة المرأة للرجل في الشهادة وجواز توليّها للولايات العامة مطلقاً وبما شاء من القواعد التي يشعر بحاجته لها لدفع الصائلين على الشريعة!

стр. 359

يزيد المشكلة تعقيداً أنّ الشخص في معمعة هذا الحوار لا يشعر بمثل هذه القواعد والمقدمات الفاسدة من أين دخلت عليه، فيحسب أنّه تلقاها من معين الفقه وما يدري أنه إنما غرفها من مستنقع آخر. إذن ما هو الحلّ؟ هل نترك الدفاع عن قضايا الإسلام ودفع الشبهات؟ لا، أبداً، ليس الحلّ بأن نترك الدفاع عن قضايا الإسلام ولا أن نضعف عنه أو نهوّن من أي نشاطٍ فيه، فهذا باب من أبواب الجهاد في سبيل الله، وإنما المطلوب - تحديداً - أن يتحصّن الشخص بالعلم الشرعي أولاً فلا يخوض غمار هذه السجالات من لم يكن عالماً بدينه، ثمّ أن لا يعتمد على نفسه في تقرير القواعد والأصول والأحكام، بل يجب أن يراجع كلام العلماء وتقريرات المتقدمين ويستشير أهل العلم المعاصرين، لأن المقصود ليس أي جواب عن الشبهة، بل لا بدّ أن يكون الجواب صحيحاً ومستقيماً، وإلا وقع الشخص في مشكلتين: تسرّب الأفكار المنحرفة إليه، وعدم قدرته على الإقناع والبرهنة ما دام أنّه قد وقف على أرضٍ زلقة فأقوى عامل يقوّي المحاور أن يكون مستقيماً على الحق لم يخلط معه شيء من الباطل لأنّه (من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئاً من الباطل قد شاركه في بعضه أو نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما تسلط هو به عليه) (مختصر الصواعق المرسلة ٨٠) ثبّت الله قلوبنا على دينه، ورزقنا اليقين، وصرف عنا مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 360

عفواً يا شيخ سلمان، إنه رسول الله ! علوي بن عبد القادر السَّقَّاف ١٥ صفر ١٤٢٩هـ الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة داعيةٌ معروف، له جهودُ في الدعوة إلى الله تعالى لا تنكر، يُسَرُّ المؤمن والداعية بكثيرٍ منها، وله أطروحاتٌ يخالفه فيها كثير ممن يحبونه بصدق ويريدون له الخير -فصديقك من صَدَقك لا من صدَّقك- وفي بعضها وخاصة السنوات الأخيرة خروج عن المألوف عنه قبل سنوات مضت، وبعض هذه الأطروحات لا يجوز السكوت عنها لما فيها من المخالفة الواضحة للهدي النبوي، والناظر إلى أخطائه هذه يجدها منتظمةً في مسارٍ معيَّن، للشيخ فيه تأويل لا يُوافَق عليه، وواجب الأخوة في الله، والنصح لعامة المؤمنين وخاصتهم تقتضي بأن يُذَكَّر الشيخ، لعله يقف وقفةَ مراجعةٍ وتأمُّلٍ في دلالاتِ الشريعة ومآلاتِ الأمور، وألا يستمر في إعراضه عن نصح الناصحين ونقد المحبين له؛ لأن هذا قد يُفضي به إلى مزيدٍ من الابتعادِ والإغرابِ في الاجتهاد؛ لكونه بشراً ضعيفاً محتاجاً لعون الله ونصح إخوانه. من هذه الأطروحات التي لا يجوز السكوتُ عنها مقالة نشرها الشيخ في موقع الإسلام اليوم قبل عام بعنوان ((بين الولاء الإسلامي والفطري)) والتي رد عليه فيها عددٌ من المشايخ الفضلاء، ومنها ما طرحه مؤخراً حول الحدث الأخير المتعلِّق بالرسوم المسيئة للنبي ﷺ التي قام بها حفنة من الكفرة أعداء الله ورسوله في الدانمرك في سبع عشرة صحيفة دانمركية متحدين بذلك مشاعر المسلمين ومسيئين ومستهترين بأعظم مَن له على المسلمين حقٌ ألا وهو رسولُ الله ﷺ ، حيث نشرت وسائل الإعلام الدانمركية خبراً مفاده أن مجموعةً من المسلمين في الدانمرك خططوا لاغتيال أحدِ رسامي الرسوم المسيئة إلى النبي ﷺ فاستبعد الشيخ سلمان -وفقه الله- وقوع هذا التخطيط لقتل الرسَّام، وقدَّر أن الموضوع مجرَّدَ مؤامرةٍ من الحكومة الدانمركية، ولكنه عاد ليقول: ((إذا وُجد في هذه الأيام مَن يفكرون بهذه الطريقة فهم يسيئون إلى النبي ﷺ بنفس القدر الذي أساء به أصحاب الرسوم، أياً كانت المنطلقات والعواطف التي انطلقوا منها)) قال هذا في برنامج الحياة كلمة على قناة الـ ( mbc) الفضائية يشاهده ويسمعه آلاف المسلمين، ثم نُشر ذلك في موقع الإسلام اليوم بتاريخ ٩/ ٢/١٤٢٩هـ فيا سبحان الله!! كيف يكون قاتل المسيء إلى النبي ﷺ قد أساء إليه كمن رسم رسوماً يستهزئ فيها به ﵊؟ لقد كان بإمكان الشيخ العودة -حفظه الله- أن يبدي وجهة نظره في محاولة قتل من أساء إلى النبي ﷺ بغير هذا الأسلوب الذي تقشعر منه جلود الذين آمنوا، والعجيب منه أنه يردف ذلك بقوله: ((أياً كانت المنطلقات والعواطف التي انطلقوا منها)) وهذا يعني أنه لو انطلق أحدُ هؤلاء من نصوص الشرع وأخذ بتوجيه رسول الله ﷺ إلى إهدار دم سابِّهِ والمستهزئ به، وبما أجمع عليه علماءُ المسلمين - كما نقل ذلك عنهم ابن المنذر والقاضي عياض وغيرهما- يكون فعله هذا كفعل من أساء إلى النبي ﷺ ؟! بل لو قدَّرنا أنَّ أحدهم فعل ذلك من باب العاطفة وحبه للنبي ﷺ ولا يعلم شيئاً عن هذه النصوص؛ أيكون فعله كفعل من أساء إلى النبي ﷺ ؟! بل لو سَلَّمنا أن هذا خطأ كما يراه الشيخ سلمان، ومفسدته أعظم من مصلحته، أيكون خطؤه هذا كخطأ وجريمة من أساء إلى النبي ﷺ ؟! لا شك أن هذه زلة من الشيخ سلمان لكن لعلها زلة لسان، ولعله أراد أن يقول بأن كلاًّ من هؤلاء وهؤلاء مسيء، وعلى كل حال ما يزال هناك فرصة للشيخ يوضح فيها مراده بهذا التصريح، ولولا أنه ذكره أمام آلاف المشاهدين لساررته به. ولا ينسى كثير من المسلمين موقف الشيخ ومن كان معه ودورهم المؤثّر سلباً في إفشال المقاطعة الشعبية العارمة قبل نحو عامين عند نشر الرسوم للمرة الأولى مما جرأهم على إعادة الكرة مرة أخرى غير آبهين بمشاعر مليار مسلم مادام فيهم من يسعى إلى وأدها في مهدها. وأخيراً، أسأل الله تعالى أن يقي الشيخ سلمان عواقب ومغبة هذه الطريق الوعرة، وأن يهدينا وإياه إلى الحق وأن يلهمنا رشدنا. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

стр. 361

رابطة علماء أهل السنة تهنئ شعب تونس ١٢ صفر ١٤٣٢هـ الحمد لله الذي قشع الغمة عن تونس وأهلها, ودك عرش الطغيان، وأذل أهل البغي والعدوان، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: (وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَىِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا) سنن أبي داود: (٤/ ٢١٣) أما بعد فإن رابطة علماء أهل السنة ترفع تحية احترام وتقدير وإعزاز لشعب تونس الأبي، الذي أصبح علامة بارزة في رفض الظلم ومقاومة الطغيان ورد العدوان وطلب الحرية التي جاء الإسلام بها وتحت ظلالها الشرعية نمت حضارة القيروان والزيتونة ورباط المنستير. إن المصائب التي مارسها النظام البائد بدأت منذ أن حارب هويتكم وعارض قيم دينكم وصادر شريعة خالقكم وسعى لغرس هوية مستعارة وقيم ونظم مستوردة، مخالفة لأمر الله ومضادة لشريعته التي رضيها لنا وجعلها مناط عزتنا وموئل نهضتننا وكرامتنا. ولم يتوقف هذا البغي العلماني الغاشم المدعوم من أعداء الإسلام عند هذا الحد من الطغيان حتى ضايق الناس في معيشتها ولاحقها متربصا بها الدوائر ملحقا بعلمائها ودعاتها وكل معارض له أنواع الأذى وأصناف الضرر، حتى غدا أولئك تحت طائلة السجن والتحقيق والتشريد وبذلك عاش شعب تونس حياة صعبة عرفها أحرار المسلمين والمنصفين من غيرهم، وأسهموا بما يقدرون عليه في رفع الظلم ودفعه، على تفاوت في ذلك تفاعلا وفاعلية. ولكن عقلية الاستبداد تجعل المستبد في حالة سكر بالسلطة المطلقة، فيتصور أنه قادر على ممارسة طغيانه مادام مدعوما أو مسكوتا عنه من الغرب، غير آبه بشعبه المضطهد المنتهك الحقوق، ولكن شعب تونس الحر أثبت أن نظرية الاستبداد تتهاوى أمام صدق العزيمة وعلو الهمة ووحدة الهدف، وأعطى درسا للواقع والتاريخ تخفق به قلوب المستضعفين في دينهم أو دنياهم وترجف منه قلوب الظالمين. وإننا إذ نهنيء شعب تونس على إنجازه التاريخي هذا ونشاركه البهجة باندحار الطغيان نلفت نظره إلى الحذر من سرقة إنجازه بأيد أخرى ظاهرها مختلف عن العهدين البائدين وحقيقتها ذات الحقيقة، ونذكره بأننا قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، وأن الانتقام ليس من أخلاق الإسلام. نسأل الله أن يوفق أهل تونس لكل خير ورشد وصلاح وفلاح في الدنيا والآخرة. وإن الرابطة تناشد خادم الحرمين الشريفين بطرد هذا الطاغية من أرض الوحي ومهبط الرسالة وتطهيرها منه؛ لأنه كان من أكابر أعداء الوحي والرسالة. وإننا ننادي الطغاة في مشارق الأرض ومغاربها أن يتعظوا بما حدث لهذا الطاغية، وليسارعوا بالعودة إلى الحق، ولا يغرنهم ما تحت أيديهم من القوة الباطلة ولا ما حولهم من الأعوان والجنود، فإن أمر الله إذا أتى فلا راد له. وإنه من توفيق الله ومن المبشرات للرابطة أن يكون سقوط هذا الطاغية يوم الجمعة المبارك ١٠ صفر ١٤٣٢ هـ الموافق ١٣ يناير ٢٠١١ وهو يوم الإعلان عن تأسيس رابطة علماء أهل السنة في مدينة استنبول حاضرة الخلافة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم أمين عام رابطة علماء أهل السنة / دكتور: صفوت حجازي رئيس رابطة علماء أهل السنة / دكتور: أحمد الريسوني

стр. 362

بيان رابطة علماء المسلمين بشأن أحداث تونس ١١ صفر ١٤٣٢هـ الحمد لله الذي أمر بالعدل، وبه أقام السموات والأرض قال تعالى ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل:٩٠]، وجعل القسط نظام الملك وقانون الحكم في الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ [النساء: ٥٨]، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي قال «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلقد تابع العلماء الأحداث المؤسفة، والاعتداءات الغاشمة على الشعب التونسي المسلم، والتي تقع عليه لا من أعدائه، وإنما من قادته وحكومته، وإن رابطة علماء المسلمين ومن واقع الواجب الملقى عليها تستنكر الظلم والاستبداد أياً كان نوعه والحرب على دين الله وعلى المسلمين في تونس, وترفع مناشدتها لعلماء وعقلاء وحكماء وسياسي شعب تونس المناضل لضبط الأمور والحيلولة دون إشاعة الفوضى والانفلات الأمني وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام في استثمار هذه الانتفاضة العظيمة. وإن إقامة العدل هو مطلب الشعب التونسي وما أحسن قول مفسر تونس الشهير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماء الأمم، وسجَّلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية ومصرية وهندية .. ». وإن التاريخ سوف يكتب أن السبب الرئيس لمثل هذه الاضطرابات والقلاقل هو الظلم السياسي الناشئ عن الانحراف عن دين الله ، واستدبار شريعته، ومحاربة أوليائه، والصد عن سبيله. كما تطالب رابطة علماء المسلمين المخلصين من أبناء الشعب التونسي من العلماء والمفكرين والمصلحين الالتزام بالإسلام العظيم ومبادئه وتطبيق الشريعة الإسلامية حتى يسود الإحسان المأمور به مع العدل في قوله تعالى ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ [النحل:٩٠]، وتؤكد الرابطة على أهمية قيام الحكم الذي يعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية على قاعدة الشورى التي طريقها الحوار بين الأمة ممثلة -في أهل الحل والعقد منها- وبين حكَّامها، وقد قال الله تعالى آمرًا نبيه المعصوم ﷺ ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران:١٥٩] وأثنى على أئمة المسلمين وسيَر الراشدين في الشورى بقوله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى:٣٨]. كما تدعو رابطة علماء المسلمين العلماء والدعاة للقيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة هذه الأمم المظلومة والشعوب المضطهدة، وليجددوا في الأمة سيرة العلماء والحكام المجاهدين، ولتبقى الراية في توجيه الأمة إسلامية نقية. وعلى المؤسسات الإسلامية والعالمية، والمنظمات الدولية أن تقوم بواجبها تجاه الدفاع عن حقوق هؤلاء المظلومين ومطالبة الحكومات بإيقاف هذه المجازر، والاستجابة للمطالب المشروعة لهذه الشعوب المغاربية. ووسائل الإعلام الإسلامية والعالمية عليها أن تبرز هذه المآسي، وأن تظهر هذه المخازي، حتى يتنادى القاصي والداني بإيقافها، وتحقيق العدل الذي على أساسه تقوم الدول ولو كانت كافرة، ونفي ومحاربة الظلم الذي يهدم الدول ولو كانت مسلمة. وتوصي رابطة علماء المسلمين الأمة في الشمال الإفريقي بالانضباط بمشروعية الوسائل للتعبير عن المطالب العادلة؛ إذ الغاية وإن شرُفت لا تبرر الوسيلة إذا نزلت، وتحقيق العدالة لا يكون بارتكاب المحرَّمات وإتلاف الممتلكات الخاصة أو العامة، وعلى الجميع التأني والتثبت والبعد عن الفتن، وسد الثغور التي قد ينفذ منها من يريد التشويه أو التشويش على تلك المطالب العادلة أو استغلال هذه الظروف من لصوص الأموال والأعراض والدماء فينطلقوا لتحقيق أغراضهم العدائية أو الانتقامية، ولا يتأتَّى هذا إلا بصبر وشجاعة وثبات وتؤدة ومرابطة على الحق. وعلى العلماء والدعاة والوجهاء وأهل الحل والعقد والمسئولين في البلد أن يتنادوا إلى انتخاب حكومة عادلة تطبق شريعة الإسلام , وتعطي الشعب حقوقه. وقى الله بلاد المسلمين عامة والأمة في الشمال الإفريقي خاصة الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجعل عواقب هذه الأمور إلى خير. وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 363

من تجديد الفقه إلى تجديد الفقيه ياسر بن ماطر المطرفي ٦ صفر ١٤٣٢هـ مدخل مفاهيمي: عادةً ما تسيطر على الوسط الفكري مجموعة من المفاهيم التي تظل ممسكة بزمام البحث في تلك الأوساط على اختلاف مرجعياتها، ويظل الجدل الفكري متمركزاً حولها بشكل أو بآخر، وكلما كانت تلك المفاهيم مستندة إلى مرجعية تمتلك عوامل البقاء كلما بقيت فاعليتها واستمرارها؛ كما هو الحال في مرجعية الإسلام؛ ولذلك فإن الدعوات الفكرية الحداثية التي تسعى إلى إحداث قطيعة معرفية (أو ما يسمى «القطيعة الإبستمولوجية» (١) مع المفاهيم الإسلامية المحْكَمة، لا يمكنها أن تنجح في سعيها؛ لأن بقاء هذه المفاهيم مرتهَن ببقاء الإسلام نفسه؛ ولذلك فإن هذه الدعوة بالقطيعة مستلهَمَة من التجربة الغربية التي أحدث فيها الفكر الغربي - كما يقول دعاة القطيعة - مجموعة من القطائع الإبستمولوجية في تاريخه، كالقطيعة بين اليونان والرومان والعصور الوسطى، ثم القطيعة بين العصور الوسطى وعصور الحداثة وهكذا، بداية على يد غاليلو وديكارت، ثم نيوتن وكانط ثم آينشتاين وباشلار. وإننا لو سلمنا بأن تلك المحاولات كانت تمثل قطيعة حقيقية مع المراحل التاريخية السابقة في هذا الفكر؛ فإن محاولة نقل هذه التجربة إلى واقع الفكر الإسلامي هي محاولة استنبات في أرض غير صالحة لذلك، وسبب ذلك: أن كثيراً من تلك المفاهيم التي صنعها الفكر الغربي هي مفاهيم بشرية خاضعة للبيئة التي نشأت فيها، والظرف التاريخي الذي ولدت فيه، بينما مفاهيم الإسلام المُحْكَمة هي مفاهيم إلهيةُ المصدرِ، مطلقةُ الزمانِ والمكانِ؛ فلا يمكن أن يحدث في الواقع الإسلامي قطيعة مع مفاهيم التوحيد، والإيمان، والحق، والعدل ... ونحوها. أما المفاهيم البشرية الزائفة فلقد جاء الإسلام بالدعوة إلى تخليص الناس منها وإحداث القطيعة التامة بينهم وبينها؛ فهو - سبحانه - ينهى عن الخرافة والشرك فيقول عن ذلك: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار﴾ ٍ المائدة.٧٢ ويحذر من مفهوم الغلو فيقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْحَقَ﴾: النساء١٧١. ويريد - سبحانه - أن يحرر العقل الإنساني من مفهوم تبعية الآباء والأجداد فيقول: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ البقرة:١٧٠ ويتحدث - سبحانه - عن مفهوم الفساد ويصحح طريقة النظر إليه فيقول: ﴿وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ البقرة: ١١ - ١٢

стр. 364

وبناءً على ذلك فنحن بحاجة دائمة إلى دعوة الإنسان لتحرير عقله من تلك المفاهيم الزائفة، وإلى إحداث نوع من الوعي بالمفاهيم الإسلامية المحْكَمة، وبثِّ الروح من جديد في هذه المفاهيم. وأحد تلك المفاهيم الخصبة الأصيلة في الفكر الإسلامي، هو مفهوم (التجديد)، وهو من المفاهيم التي أحدثت كثيراً من الجدل في الوسط الفكري في القديم والجديد، وقد يكون من أسباب ذلك الإجمال الذي يكتنف لفظ (التجديد)، وهذا ما جعله عُرْضة لأن تختلف المناهج في معالجته تبعاً لاختلاف فكر أصحابها، حتى تمكَّن بعض دارسيه من استخدامه لتغيير معالم الدين بدعوى تجديده؛ لكن هذا المفهوم يحفزنا نحو تجديد الرؤية في الموضوعات التي نتطرق إليها تجديداً ملتزماً بمحكمات الشريعة ومبادئها، وهذا ما يجعلنا مطالَبين على نحو دائم بتجديد طريقة تناولنا لكثير من القضايا التي تشغل هذا الواقع المتجدد. وليس المقصود هنا البحث في هذا المفهوم، وإنما تسليط الضوء على جانب من جوانبه فهو يُستخدَم على مستويات عديدة وفي مجالات مختلفة، يعنينا منها في هذا المقال التجديد على الصعيد الفقهي؛ أي: (تجديد الفقه)، والمقصود من الحديث حول هذا المفهوم محاولة نقل مركزية الحديث من حقل تجديد الفقه إلى حقل تجديد الفقيه؛ وهو حامل هذا الفقه. وموجب هذا النقل أن مَنْ يتابع المعالجات المُحْكمة التي طُرحت لنقاش هذا الموضوع يرى اقتصارها على جانب واحدٍ من جوانبه؛ وهو جانب تجديد العلم نفسه، في حين أن ثمة جوانب أخرى ربما لا تَقِل أهمية عن سابقتها غاب الحديث عنها أو كاد، ومنها الحديث عن تجديد (الفقيه)؛ أي: إعادة النظر في وسائل إعداده وتأهيله. وإن عملية نقل مركز الحديث نحو تجديد الفقيه لا تعني القطيعة مع مفهوم تجديد الفقه، ولكنها تعني بشكل أساسي توسيع مساحة البحث في جوانب أخرى مهمة في هذا الموضوع. لماذا تجديد الفقيه؟ في وقت تعقدت فيه مسائل الفقه الواقعية نظراً لتعقُّد الواقع وتشابكه وتداخله، أصبح من الضروري إعادة هيكلة المحاضن التربوية والعلمية التي تصنع الفقيه؛ فلم تَعُد إشكالية هذا الموضوع تنحصر في جانب العلم نفسه وتجديد أساليبه وموضوعاته؛ بل تجاوزت ذلك إلى الفقيه الجديد ونمط تنميته وتطويره. وقد أشار النبي ﷺ في قوله: «وربَّ حامل فقه وليس بفقيه» (١) إلى التفريق بين الفقه نفسه وبين حامله؛ وهو ما يعني أن حَمْل الفقه لا يُلبِس صاحبَه لقب (الفقيه). لقد أصبح كافياً في وعي كثيرين أنه حتى يتسمى الدارس باسم (الفقيه)، وحتى يباشر الحديث حول القضايا الفقهية، لا بد أن يضبط جملة الفروع الفقهية من بعض الكتب المختصرة، ويستحضر أدلتها، ويعرف الراجح فيها وبذلك يحظى بأن يكون واحداً من الفقهاء، وبسبب هذا النمط من التفكير قلَّت العناية بالبرامج التدريبية العملية لتمنية الفقيه وتطويره. يقول الطاهر بن عاشور في وصف هذه الحال: «وكان معنى العلم عندهم: هو سعة المحفوظات - سواء من علوم الشريعة أم من علوم العربية - فلا يعتبَر العالم عالماً ما لم يكن كثير الحفظ، وليس العلم عندهم إلا الحفظ؛ لأنهم كانوا يميلون إلى شيء محسوس مشاهَد في العالِم؛ ومن المعلوم أن الذكاء والنباهة لا يشاهَد لأحد» (٢).

стр. 365

إنه لم يعد كافياً حتى يكون المتعلم فقيهاً فاعلاً في واقعه أن يكتفي بما ترسمه بعض كتب التراث من شروط لمواصفات الفقيه؛ لأن ثمة معارف جديدة تتطلب من فقيه اليوم قَدْراً من الدراية والإحاطة لا نجد الحديث عنها بالقدر الكافي في صورة الفقيه القديمة، وإن السعي لاستنساخ ذلك دون محاولة تطويره أو معرفة الفوارق بين الحاجات العلمية التي كان يتطلبها واقعه وبين حاجات واقعنا العلمية، يعني مزيداً من خلق المشكلات في حياة المتلقين؛ بل ربما أدى ذلك إلى إضعاف هيبة الفقه الإسلامية، وتعرُّضها لكثير من النقد والتشكيك بسبب عدم تأهيل حامليه التأهيلَ المناسب لهذه المرحلة الجديدة، ولقد كانت هذه المشكلة - وهي ضعف تأهيل الفقيه - إحدى أسباب تقليل المتكلمين من شأن الفقه وجعلهم أغلبَ فروعه من باب الظنون وليست من باب اليقين؛ وذلك بسبب ضعف استعداد الفقهاء الذين قدَّموا لهم الفقه في تلك المرحلة. يقول ابن تيمية في ذلك: «إنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء، استطال عليهم أولئك المتكلمون، حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم، لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم» (١). إن ما قاله ابن تيمية من استطالة المتكلمين على الفقهاء في ذاك الزمن، ربما قد يتكرر في هذا الزمن لكن بصورة أخرى وهي صورة التشكيك الفكري التغريبي في أحكام الفقه الإسلامية، وإن من أهم سبل مدافعته: التأهيل المناسب للفقيه الجديد الذي يستوعب مقالات هذا الفكر حتى يُحسِن مدافعته، «ومن لم يعرف أسباب المقالات - وإن كانت باطلة - لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم» (٢). وإن حالة الضعف الفقهي في كتب متأخري الفقهاء هي التي جعلت شيخ الشاطبي يوصيه بعدم الانشغال بكتب الفقه المتأخرة في زمانه والاكتفاء بما كتبه المتقدمون في الفقه؛ حيث يقول: «وأما ما ذكرتُ لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فلم يكن ذلك مني - بحمد الله - محضَ رأيٍ؛ ولكن اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع كتب المتأخرين، وأعني بالمتأخرين: كابن بشير (ت بعد ٥٢٦هـ)، وابن شاس (ت ٦١٠هـ)، وابن الحاجب (ت ٦٤٦هـ)، ومن بعدهم، ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع لكنها محض النصيحة» (٣). لكن الونشريسي كشف عن تلك العبارة الخشنة التي أبهمها الشاطبي، فقال بعد ذكر كلامه: (والعبارة الخشنة التي أشار إليها كان ﵀ ينقلها عن شيخه أبي العباس أحمد القباب (ت حوالي ٧٧٩هـ)، وهي أنه كان يقول في ابن بشير وابن الحاج وابن شاس: فسَّدوا الفقه) (٤)؛ أي: أفسدوا الفقه. وحتى يتضح عمق الحاجة لإعادة صناعة الفقيه الجديد فَلْنبتعد قليلاً عن حالنا اليوم وَلْنتأمل حجم التعقيدات الواقعية المستقبلية في ذهن المتعلم الذي نريد تأهيله ليكون فقيهاً لأمته بعد ثلاثين سنة؛ هل الطرق المنهجية المتداولة اليوم في الساحة العلمية كافية لتأهيل هذا الفقيه ليكون الرجل المناسب لتلك المرحلة؛ أم أننا بحاجة لآليات عملية جديدة تساعد في تأهيل الفقيه الجديد لتعقيدات المستقبل المنتظرة؟ أتصور أن هذا التساؤل هو من جنس التساؤلات الكبيرة التي من غير المنطقي أن يتلخص جوابها في مقال مختصر كهذا، وحَسْبُ هذا المقال أن يضع مجموعة من الرؤى التي يمكن أن تساهم في توضيح هذه القضية. تجديد الفقيه مسؤولية مَنْ؟

стр. 366

يحيلنا الحديث عن مسؤولية تجديد الفقيه وتأهيله إلى الحديث عن واقع العمل المؤسسي في الوسط التعليمي الشرعي؛ فإن الراصد لحركة التعليم خارج إطار الجامعات والكليات يجد أنها تفتقد كثيراً لنظام مؤسسي مبنيٍّ على رسم إستراتيجيات تعليمية بعيدة المدى، وربما يصدق في واقعنا - وإلى حد كبير - ما قاله مالك بن نبي: «لم أكن أعلم أن العمل الجماعي بما يفرضه من تبعات إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع الإسلامي ثم لم يسترجعها بَعْدُ خصوصاً بين مثقفيه» (١). فبينما نلاحظ توجُّها منظَّماً نحو تخريج النجوم والرموز في الفن والرياضة والإعلام، لا نجد جهداً يوازيه في تأهيل وتخريج وتطوير أصحاب التخصصات الشرعية، وإن الذي يتابع سِيَر كثيرٍ من فقهاء اليوم يجد أن الذي صنعهم في الغالب هو جهدهم الذاتي - بعد عون الله سبحانه - ولم تصنعهم مؤسسات تعليمية معيَّنة. وإن ما سيُطرح من رؤى وأفكار حول هذا الموضوع - سواء في هذا المقال أو غيره - ربما تُفهَم على أنها دعوات مثالية، وهذا صحيح إذا ما نظرنا إليها على المستوى الفردي وليس المؤسسي؛ أما على صعيد المؤسسات فهي ليست كذلك، كما أن التطبيق العملي كفيل بأن يُهذِّب هذه المثالية حتى تتناسب مع الواقع العلمي. تجديد ملكات الفقيه: إن الدراسة الفقهية اليوم تتسم بالتقرير المدرسي من خلال دراسة الكتب المذهبية المعتمَدة، ويغيب فيها الدرس الذي يعتني بالتدريب الفقهي أثناء عملية التأهيل الفقهية، والذي يتدرب فيه المتفقه على مجموعة من المهارات الفقهية لتبني له عدداً من الملَكات العلمية؛ فالفقيه الجديد يتطلب في إعداده وتكوينه جملةً من المهارات التي تساعده في تحقيق رسالته بالشكل المطلوب في هذا الزمن، ومن المهارات التي ينبغي أن يُدَرَّب عليها الفقيه الجديد: أولاً: بناء مَلَكَة التفكير الفقهي: التفقه في أصله عملية فكرية؛ لأنه راجع في أصل معناه إلى (الفهم)؛ فهو نوع من ممارسة التفهم في نصوص الشرعية، وعملية التفكير هذه لا تتأتَّى من خلال التلقين المجرد للفروع الفقهية، وإنما من خلال توجيه الدرس الفقهي إلى حَلْقات علمية خاصة تهتم بتطوير عقلية المتفقه الجديد وتمرينها حتى تكتسب القدرة العالية على معالجة المسائل وإدراكها. وحتى لا يجاهد المتفقه الجديد في غير ميدانه، ولا يستنبت عقليته في أرض غير صالحة؛ فمن المهم أن تكون عملية التمرين والتطوير في ميدانها المناسب، ومن تلك الميادين التي تساعد على تقوية تفكير الفقيه ما يلي: ١ - بناء الملَكة التي تعتمد على إرجاع فروع الشريعة إلى كليَّاتها العامة: وذلك حتى يُعرفَ مدى اطراد التشريع الإسلامي، ويتمكن الفقيه من إرجاع الفروع بعضها إلى بعض، وإظهارها على وجه متماسك مطَّرد.٠ والمتأمل في واقع التعليم الفقهي اليوم يجد أن الغالب عليه تقرير آحاد المسائل الفقهية بعيداً عن الاهتمام بربط هذه المسائل بمثيلاتها وما يعضدها من كليات الشريعة وأصولها الكبرى. يقول ابن رشد منبهاً إلى هذا المعنى: «رأينا أن نذكر في هذا الكتاب (كتاب الصرف) سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب؛ فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد ... وبهذه الرتبة يسمى فقيهاً لا بحفظ مسائل الفقه؛ لو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر» (٢).

стр. 367

وبسبب فَقْدِ هذه الملَكة أصبح من غير المستغرَب أن يُقرِّر بعض الفقهاء مسألة في بابٍ على وجهٍ، ثم يقرر في نظيرها تقريراً مخالفاً لها في باب آخر وكلاهما يرجعان إلى تأصيل واحد. يقول ابن تيمية عن حال بعض متبعي الأثر ممن قلَّت معرفته بطريقة التعامل مع القياس الصحيح: «وتجد المستن الذي يشاركه في القياس قد يقول ذلك القياس في مواضع، مع استشعاره التناقض تارة، وبدون استشعاره تارة؛ وهو الأغلب» (١).أما الجويني فيقول أثناء بيانه لأصول مذهب الشافعي: «ومن أراد أخذ المذهب (أي: الشافعي) مِنْ حفظ الصور: اضطرب عليه أمثال هذه الفصول، ومن تلقَّاه من معرفة الأصول: استهان عليه أن يدرك هذه الفصول». وفي نهاية الأمر فإن «نقل الفقه إن لم يعرف الناقلُ مأخذَ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيراً» (٢). ٢ - بناء الملَكَة التي تراعى فيها الأحكام اللازمة عندما تتحول إلى أحكام عارضة؛ أي: عندما يتحول الحكم الواجب إلى حرام، والحرام إلى واجب أو مباح؛ بحسب العوارض التي تَعرِض لهذه الأحكام وَفْقاً لفقه الضرورة أو المشقة أو الحاجة: إن من يتأمل الفقه يجد أنه في الغالب يعطي المتفقه الأحكام اللازمة؛ لكنه في كثير من الأبواب قد لا يعطيه الأحكام العارضة، فهو يقرر الحكم بناءً على الأصل؛ لكن هذا الأصل قد يحتف به مجموعة من الأمور الواقعية التي قد تغيِّر من طبيعة النظر في المسألة؛ وحينئذٍ فإن طريقة التعامل معها محكومة بمجموعة من المعايير ليست من اهتمام كتب الفقه وإنما مجال بحثها: إما علم القواعد الفقهية: كقاعدة المشقة والضرورة والعرف ونحو ذلك. أو علم أصول الفقه في مبحث عوارض الأهلية، ومبحث الأسباب والشروط والموانع. إن كثيراً من المتفقهة يمكنه أن يضبط قاعدة المشقة أو قاعدة الضرورة والحاجة من جهة التنظير الكلي العام لكنه قد لا يُحسِن تنزيلها على الواقع، وحينها ربما قد يحصل منه إفراط أو تفريط في التطبيق، وسبب ذلك: أنه لم يتدريب على ذلك في الدرس الفقهي، وهذا ما يؤدي به إلى ضعف الملكة في هذا الباب، كما أن التدريب على هذه المَلَكة وإن لم يُمَكِّن المتفقه من تنزيل بعض أحكامها على الواقع، فليس أقلَّ من أن يساعده على تَفهُّم بعض فتاوى العلماء التي ذهبت إلى القول بجواز مسألة هي في أصلها حرام بناءً على قاعدة الضرورة أو المشقة أو الحاجة أو العكس، وهذا التفهم من شأنه أن يساهم أيضاً في معالجة واحد من أهم أسباب الفرقة والتناحر التي يشهدها الوسط الشرعي. يقول ابن تيمية في ذلك: «فإن كثيراً من الناس يستشعر سوء الفعل، ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها ثواب الحسنة ما يربو على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجاً في المحبوب، أو يصير مباحاً إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة ... » ثم تحدث عن الصورة الثانية وقال: «فهذا القسم كثر في دول الملوك؛ إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم، وقضاتهم، وعلمائهم، وعبَّادهم؛ أعني: أهل زمانهم، وبسببه نشأت الفتن بين الأمة» (٣).

стр. 368

كما أن التدريب على هذا النوع من التفقه يُعيْن على إعادة حالة التوازن بين من جَعَل الحُكم العارض الذي فرضته بعض الظروف حكماً لازماً في جميع الأزمنة؛ لأن الخطأ في ذلك ربما يتسبب في الجناية على بعض أحكام الشريعة، وإلى هذا نبَّه ابن القيم عندما بيَّن خطأ بعض المتفقهة في فهم بعض تصرفات عمر ﵁ فقال: «والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذر وأجر» (١). ٣ - بناء الملَكة التي تُحسِن التوازن بين اعتبار المدلول اللفظي للنص وبين تفعيل مقصوده: إن الدرس الفقهي اليوم يتحدث عن المقاصد وأهميتها حديثاً نظرياً، وهذا أمر إيجابي لا بد من تكثيفه؛ لكن هذا الدرس في المقابل لا يعتني بالتدريب الفعلي لتطبيق فقه المقاصد، والإشكال الحقيقي في هذا الموضوع يكمن في أن من يحسنون التنظير والضبط لموضوع المقاصد كثيراً ما يحصل بينهم نزاع أثناء التطبيق؛ وذلك لأن الدخول في التفاصيل هو الذي يبين دقة الفهم وعمق الإشكال، والطاهر بن عاشور أشار إلى هذا المعنى وبيَّن أن المفاصل الكبرى في باب المقاصد والمصالح والمفاسد، مقام سهل؛ لكن المشكلة تتعقد عندما تأتي التفاصيل والتطبيقات، فقال: «فأصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة؛ فمقام الشريعة في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هين. واتفاق علماء الشرائع في شأنها يسير، فأما دقائق المصالح والمفاسد وآثارها ووسائل تحصيلها وانخرامها فذاك المقام المرتبك؛ وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداءً وغفلةً وقبولاً وإعراضاً» (٢). وهذا النوع من البحث المقاصدي التفصيلي هو البحث الأخطر في باب المقاصد. يقول ابن عاشور في موطن آخر من كتابه: «وفي إثبات هذا النوع من العلل (وهو ما كانت علته خفية) خطر على التفقه في الدين؛ فمِن أجل إلغائه وتوقِّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تفننت أساليب الخلاف بين الفقهاء» (٣). وإن تدريب المتفقه من زمن مبكر على محاولة التطبيق والتدريب على استعمال المقاصد في حقول التعليم الخاصة وتحت الإشراف العلمي المتزن، سيعين على تجنُّب كثير من مشكلات التفعيل المقاصدي التي نشهدها اليوم؛ فإنه على الرغم من الضعف التأصيلي لفقه المقاصد عند بعض من يمارسه إلا أن مشكلات التفعيل المقاصدي لا تنحصر في ذلك، بل من مشكلاته أيضاً: عدم امتلاك كثيرٍ ممن يمارس التفعيل المقاصدي لملَكة هذا التعامل التي تحتاج إلى قَدْر من الخبرة والنضوج حتى يمتلك الفقيه ناصيتها، وابن تيمية أشار إلى أهمية هذا النوع من الإدراك وأنه يتطلب خبرة طويلة وممارسة عملية فقال: «العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيراً بأسرار الشريعة ومقاصدها وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد» (٤).

стр. 369

٤ - ويتبع ذلك بناء الملَكة التي تُحسِن التعامل مع فقه المصالح والمفاسد: وإن بناءَ هذه الملَكة سيساعد كثيراً في التعامل مع كثيرٍ من الوقائع المشكِلة، وسيساعد أيضاً - وبشكل كبير - على تجاوز كثيرٍ من الخلافات العلمية التي تحصل بناءً على عدم الاستيعاب الكافي لهذه القضية. يقول ابن تيمية: «وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة؛ فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجِّحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجِّحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم العمل بالحسنات، وترك السيئات لكون الأهواء قارنت الآراء ... فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل؛ قد يكون الواجب في بعضها ... العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط: مثل أن يكون نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر» (١). وهذه المهارات والمَلَكات الفقهية لا تؤخذ بمجرد التقرير النظري ما لم يكن معها ممارسة عملية تدريبية. قال رجل لإياس بن معاوية: علمني القضاء. فقال: «إن القضاء لا يُعَلَّم، إنما القضاء الفهم، ولكن قل: علمني من العلم» (٢). إن المهارات التي نتحدث عنها هي من جنس مهارة القضاء، هي بحاجة إلى تطبيقات عملية من خلال إقامة دورات علمية متخصصة، أو إجراء حلقات حوارية تتبنى سياسة التدريب الفقهي، سياسةً عملية تنتقل من مجرد التجريد النظري لفقه المقاصد والمصالح والقواعد والضرورة إلى حلقات وبرامج تطبيقية تجمع عدداً من قضايا الواقع التي يلامسها المتفقه ولا يُحسِن التعامل معها ثم تُطرَح على طاولة النقاش والمباحثة العلمية. وإن كثيراً من الحلْقات التي اهتمت بجانب المسائل الواقعية اعتمدت على أسلوب جمع بعض مسائل النوازل وتقرير الكلام فيها بعيداً عن الحوار والنقاش الذي يُرسِّخ في ذهن المتعلم مأخذ المسألة، ومواطن الخطأ والصواب أثناء عملية التطبيق، وإن أسلوب التقرير المجرد سيحوِّل هذه المسائل النوازل بعد زمن إلى متن فقهي جديد يحفظه الفقهاء الجدد دون وعي كبير بطريقة النظر وأسلوب المعالجة. ثانياً: بناء ملَكة الاعتدال الفقهي: إن نفسية الشخص التي تربى عليها، كثيراً ما تؤثر على طبيعة تعامله مع القضايا العلمية والواقعية، ومن المهم إحداث نوع من التوازن في التعامل مع طبيعة تكوين الإنسان وشخصيته؛ ولذلك يقول ابن تيمية عن جانب من كمالات الشيخين ﵄: «كان من كمال أبي بكر أن يولِّي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشديد باللين، فإن مجرد اللين يُفسِد، ومجرد الشدة تُفسِد؛ فكان يستعين باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك ... وأما عمر فكان شديداً في نفسه؛ فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره، فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة الثقفي» (٣).

стр. 370

وإن نفسية الفقيه ليست بمعزل عن هذا الكلام؛ فقد تؤثِّر نفسية الفقيه في اختياراته الفقهية، وفي طريقة عرضه للمسائل والخلاف الفقهي، وفي هذا المعنى يقول ابن حزم: «إن الناس مختلفون في هممهم واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه وينفرون عما سواه، متباينون في ذلك تبايناً شديداً متفاوتاً جداً: فمنهم رقيق القلب، يميل إلى الرفق بالناس، ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشديد على الناس ... ومنهم معتدل في كل ذلك يميل إلى التوسط، ومنهم شديد الغضب، يميل إلى شدة الإنكار، ومنهم حليم يميل إلى الإغضاء» (١). وفي ظل هذا التنوع الكبير في نفسيات المتلقين فإن واحداً من أهم عوامل بناء الاعتدال الفقهي وضبط عملية التوازن، هو أن يتعلم المتفقه الجديد مرتبة الخلاف في المسائل التي يتلقاها؛ وهذا من خلال معرفة ضوابط الخلاف السائغ وغير السائغ بين العلماء، وكيفية التعامل مع كل نوع من هذه الخلافات من حيث القائلُ، والقولُ، وطريقةُ المناقشة؛ لا يتعلمه من الجهة النظرية فحسب، بل يتعلمه من الناحية التطبيقية، فيُعْرَض عليه كثير من المسائل ليطبِّق عليها تلك الضوابط؛ لأن بناء النفسية المعتدلة في الأداء الفقهي يحتاج إلى تدريب وممارسة من خلال عقد حوارات علمية تعليمية يتدرب فيها المتفقه على أسلوب النقاش والحوار، وعندما يتدرب على ممارسة الحوار والنقاش في مكان علمي هادئ، سيتمكن من تطوير نفسه في التعامل مع أقوال الآخرين. لقد نجح خطابنا الفقهي في تربية المتفقه على لغة الراجح ولغة البحث عن الدليل؛ لكن هذا الجانب - على أهميته - لا يكفي وحدَه؛ بل لا بد أن يتربى وعي المتفقه - بالإضافة إلى القول الذي يختاره ويدين اللهَ به - على معرفة كيفية التعامل مع الأقوال الأخرى التي لا يعتقد رجحانَها، وهذا يعني أن ينضم إلى لغة الراجح والمرجوح لغةُ الخلاف السائغ وغير السائغ، وإن هذا التدريب سيجنِّب المتفقه التعصب لهذا الراجح الذي يعتقده؛ ليس من جهة الالتزام به وإنما من جهة عدم اعتداده بالأقوال الفقهية المعتبَرة الأخرى لمجرد أنها ليست راجحة. وإن إدراك هذا الجانب مهم في تكوين الفقيه. يقول ابن تيمية عن حال غالب الفقهاء وعدم تمييزهم بين درجات المسائل وهو ما يفقدهم الاعتدال في تقرير حكمها: «وأما الخائض فيه (أي: الفقه) فغالبهم إنما يعرف أحدهم مذهب إمامه، وقد يعلمه جملة، لا يميز بين المسائل القطعية المنصوصة والمجمَع عليها، وبين مفاريده، أو ما شاع فيه الاجتهاد؛ فتجده يفتي بمسائل النصوص والإجماع من جنس فتياه بمسائل الاجتهاد والنزاع ... لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين، بل هم نَقَلَة لكلام بعض العلماء ومذهبه» (٢). تفعيل مهارة البحث الفقهي: عندما لا يتسلح الفقيه بقدر كافٍ من الملَكة البحثية فمن الممكن أن يؤثر ذلك على صناعته الفقهية، وكثيرٌ من المتعلمين لا يملك إلا قدراً متواضعاً من معرفة المصادر العلمية، ومناهجها، وكيفية التعامل معها، وهذا يتطلب حلقات تعليمية لا تكتفي بمجرد سرد المصادر وبيان طرق وأساليب البحث؛ بل تنتقل إلى داخل أروقة المكتبات العامة، لتُعَرِّف المتفقهةَ الجدد بمصادر العلوم، ومن ثَّم تكليفهم ببحوث عملية داخل هذه المكتبات، وتقيم عدداً من المناقشات العلمية حول بعض البحوث المعاصرة ومعرفة مَواطن التميُّز المنهجي فيها ومواطن الضعف.

стр. 371

كما أن من جوانب البحث المهمة تفعيل دور البحث التاريخي في العلوم؛ فمن المهم أن يُدرَّب المتفقه الجديد على استكشاف الجانب التاريخي للعلوم والمسائل؛ فقد يدرس المتعلم علم الفقه أو غيره؛ لكنه لا يملك دراية كافية بالتطور التاريخي لهذا العلم ومسائله؛ مع أن هذه المعرفة التاريخية لها أثرها الكبير في فتح ذهنية المتفقه إلى إشكالات العلم، وتفريعاته، وأساليب بنائه. وإن بناء هذه المنهجية البحثية عند المتفقه ستقوده للوصول إلى الصواب الذي يبحث عنه، فإن «من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه» (١). تنمية مهارة التواصل الفقهي مع الجماهير: تواصل الفقيه مع الناس من خلال الكتابة أو الحديث المباشر بحاجة إلى مهارات لا بد من امتلاكها، ومن خلالها يمكن أن يوصل الفقيه رسالته للآخرين على أكمل وجه، ومن الزوايا المهمة في هذا الجانب ما يلي: ١ - في الوقت الذي كثرت فيه الشُُّّبه والتشكيك في الأحكام الشرعية فنحن بحاجة إلى لغة الحديث التي تعتمد أسلوب الإقناع بالأحكام إلى جانب التقرير العلمي المجرد، والتي تُبين محاسن التشريع الإسلامي وفلسفته في تقرير أحكامه، بل تتعدى ذلك إلى مقارنته مع أحكام الشرائع الأخرى حتى تظهر سماحة هذا الدين وتميُّزه عن غيره من الديانات. يقول ابن تيمية: «وإنما ننبه على عِظَم المصلحة في ذلك بياناً لحكمة الشرع؛ لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته أسرع انقياداً، والنفوس إلى ما تطَّلع على مصلحته أعطش أكباداً» (٢). وربما كان من أخصر الطرق للإقناع - أو حتى الإحراج لمن لا يريد ذلك - أن يستعمل الخطابُ لغة الأرقام والإحصائيات في تأييد بعض الأحكام الشرعية، أو أن يذكر بعض التجارب التي حصلت في بلاد أخرى حول بعض القضايا الشرعية. ٢ - ونحن بحاجة في لغة الفقيه الجديد إلى لغة تراعي في حديثها البعد العالمي، وإن مراعاة هذا البعد يعني أن الفقيه لا يكفيه اعتماده على الرصيد الشعبي الذي يجده بين بني قومه، بل لا بد من حديث يستند إلى الأساس العلمي أكثر من استناده إلى الأساس الذاتي الذي يرجع لشخص الفقيه، ويُلْمح ابن تيمية إلى قريب من هذا المعنى؛ حيث يقول: «الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون على ما يشترك الناس في علمه، لا يكون بما اختص بعلمه المجيب؛ إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به» (٣). ومن أجل هذا النوع من العالمية فإننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في الأسلوب الذي يعتمد على (اجتماع الجيوش) والذي يجمع صحيح الاستدلال مع ضعيفه من باب تضافر الأدلة، ولنقدِّر له أحواله الخاصة، ولنقتصر في الاستدلال على الاستدلالات الصحيحة، مع استبعاد ما لم يكن كذلك حتى لا يُشَغب عليها.

стр. 372

٣ - ونحن بحاجة كذلك إلى اللغة التي لا تستغرق في مشكلات البيئة التي يعيش فيها المتحدث؛ بل تتجاوزها إلى مراعاة المشكلات التي يعاني منها المسلمون في بلدان أخرى إسلامية وغير إسلامية، وإن تسميتنا لفقه بعض هذه البلدان بـ (فقه الأقليات) ربما أشعرتنا أحياناً بجعل هذا الفقه على هامش الاهتمام والعناية، لكن الواقع اليوم يثبت أن مسائل هذه الأطراف لم تعد تعني (أقلية) في قطر معيَّن، بل إنها تعني في بلدان أخرى (أكثرية) لكنها محكومة بنظام غير إسلامي ويتعرض أهلها للمشكلات نفسها التي تتعرض لها الأقليات في بلدان أخرى، ثم إننا عندما نغض الطرف عن مقارنتهم بغيرهم فإنهم لم يعودوا (أقلية) بل أصبحت الأرقام تتحدث عنهم بلغة الملايين، ثم إن هذه الأقلية أصبحت مندمجة بصورة غير مباشرة مع الآخرين، فأصبحتَ لا تكاد تستمع لبرنامج مباشر يتلقى فيه الفقيه أسئلة من هنا أو هناك إلا وتجد عدداً من المشاركات التي تأتي من تلك البلدان؛ لتسأل وتستفسر عن مشكلاتها، بل ربما تستشكل بعضَ الأجوبة التي لا تراعي أحوالها. تجديد معارف الفقيه: الفقيه الجديد ينبغي أن يُدْخَل في إعداده وتكوينه مجموعة من المعارف التي تطلبتها التحولات الكبيرة التي يشهدها واقعه، وقبل أن أدخل في دائرة هذه المعارف فإننا لا نريد أن نحوِّل الفقيه الجديد إلى رجل أسطورة تجتمع فيه كافة التخصصات والمعارف، بل كل الذي نريده أن ننظر إلى تلك المعارف بقدر من الاعتدال بين دعوات تدعو أن يكون الفقيه موسوعي المعرفة، وبين دعوات أخرى تريد أن تهمِّش الفقيه حتى تُفقدَه دورَه الإصلاحي بحجة عدم إدراكه لما يتحدث عنه. إن هذه المعارف ستساعد الفقيه على استيعاب عمق المسائل المطروحة عليه؛ فيُميِّز بين تلك المسائل التي يحتاج إلى تحويلها إلى المتخصصين في مجالها، وبين تلك المسائل التي يمكن للفقيه بما يملكه من معارف ضرورية أن يتحدث حولها. كما أن المقصود من إدراك هذه المعارف، هو إدراك القَدْر الأساسي الذي لا يسعه جهله، وليس المراد المعرفة الشاملة التي يحتاجها المتخصصون. فعندما يتحدث الفقيه عن مسألة الربا، ويُبيِّن شيئاً من آثارها، فلا بد أن يكون على دراية بالقدر الأساسي من المعرفة بنظام الاقتصاد الدولي الحديث ونحو ذلك من معارف الاقتصاد الأساسية. كما أن الواقع المعاصر أصبح يفرض على فقيه اليوم - وبشكل متزايد - واجبات أكبر من واجبات الفقيه السابق؛ فإن كثيراً من الناس مهما تحدثنا معهم عن اختلاف التخصصات، واختلاف الأدوار، فلا يزال عند شريحة كبيرة منهم نوع من التمسك بالتوجيه الذي يتلقاه من الفقيه، ومن أكبر أسباب ذلك البعد الديني الذي يحتاجه السائل في حل بعض هذه المشكلات، ومن ثَمَّ فلم يعد بوسع الفقيه اليوم أن يتجنب التوجيه الاجتماعي الرشيد وهو يجيب المستفتي - مثلاً - حول مسألة الطلاق أو اللعان؛ لأن كثيراً من الناس اليوم عندما يسألون قد لا يطلبون من الفقيه فقط بيان الحكم الشرعي للطلاق الذي هو داخل دائرة اختصاصه، بل إنهم يسألونه ليرشدهم كذلك كيف يواجهون مشكلاتهم التي تقودهم إلى الطلاق؟ وهذه وظيفة أخرى ليست داخلة تحت دائرة اختصاصه، وهذا يعني أنه قد أضيف له دور آخر غير دور الإفتاء المجرد. وإن السائل الذي يأتي ليسأل حول بعض المسائل التي تتعلق بالوسوسة في أداء العبادات تتطلب من الفقيه أن يدرك بعض أساسيات التعامل مع مرض الوسوسة ويمكنه بعد ذلك أن يوجه السائل إلى متخصص في هذا المجال. فهل سنضيف لمعارف الفقيه الجديد قدراً - ولو متواضعاً - من بعض الأسس التربوية والنفسية في التعامل مع مشكلات الحياة، كالمشكلات الزوجية وغيرها؛ من التي كثيراً ما تتردد على ألسنة الناس؟

стр. 373

وفي جانب آخر من المعارف فإن حديث الفقيه حديث يراد منه إحداث التغيير في المجتمع؛ وهذا يعني أن يدخل في بناء الفقيه الجديد معارف ضرورية في سُنن التغيير في المجتمع، فليس من دور الفقيه أن يُبيِّن الحكم للناس دون مراعاةٍ لأبعاد هذا الحكم، أو النظر في إمكانية تطبيقه على أرض الواقع. يقول ابن تيمية في هذا المعنى: «فالعالِم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخَّر الله - سبحانه - إنزالَ آياتٍ، وبيان أحكام إلى وقت تمكُّن رسول الله ﷺ إلى بيانها ... ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا داخل في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] (١)، وفي سير الأنبياء ثروة عظيمة من سنن التغيير في المجتمعات استفادت منها مجموعة من الدراسات الإسلامية التي كتبت في (علم الاجتماع). أنني أُدرك إدراكاً تامّاً أن هذه الرؤى التي تقدمت إنما هي بحاجة إلى مزيد من المراجعة والتنقيح، والحديث حولها بحاجة كذلك إلى مجموعة من الورش العملية التي تخرِّج الرؤى حول هذا الموضوع أكثر نضجاً وواقعية، ولعل هذه الأسطر أن تثير مجموعة من التساؤلات حول هذا الموضوع الكبير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 374

المدخل الفقهي للمشروع التغريبي د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي ٢٩ محرم ١٤٣٢هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: منذ انتهاء حقبة الاستعمار العسكري المباشر على بلاد المسلمين تم تسليم المجتمعات الإسلامية لنخب فكرية علمانية تسعى إلى صبغ هذه المجتمعات بالصبغة الغربية في مجال السياسة والاقتصاد والأسرة والتعليم وغيرها من المجالات الاجتماعية. هذه الحقيقة العلمية والتاريخية لم تعد تخفى على المتابع، وليست من قبيل الأوهام أو عقدة المؤامرة كما يردده كُتاب المشروع التغريبي الذين آلمهم كشف المشروع وفضحه أمام المجتمع وتوعية الأمة بمخاطره، وخصوصا بعض المجتمعات التي نشط فيها المشروع التغريبي في فترة متأخرة بعد أن قوي التدين وانتشر العلم وظهرت الدعوة الإسلامية ظهوراً كبيراً وأقبل الناس عليها واستفادوا من منتجاتها النافعة. وطبيعة المشروع التغريبي أنه مشروع خفي لا يظهر مقاصده وغاياته للناس مباشرة لأنه يعلم الموقف الطبيعي للمجتمع الإسلامي من فكره ومنهجه ونتائج مشروعه النهائية التي تتعارض تعارضاً جذرياً مع أصول الإسلام وحقائقه الكبرى، وهذا التخفي هو حال المنافقين الذي وضحه القرآن الكريم. وأمام هذه الإشكالية المعيقة لتقدم المشروع فلا بد من اعتماد مداخل خفية على المجتمع تنقلهم بشكل تدريجي إلى الغايات دون الحاجة إلى مصادمة له لأن الخاسر الوحيد في حال الصدامات هو المشروع الدخيل والوافد الذي لا ينبع من تراث الأمة وهويتها واحتياجاتها الحقيقية. وقد تعددت المداخل الخفية التغريبية على المجتمع الإسلامي وهي بشكل عام تعود إلى نوعين .. مدخل فكري منهجي، ومدخل عملي تنفيذي، فمن النوع الأول: استخدام الشهوات للتغيير الفكري والاجتماعي، وخاصة شهوة المال والجاه والنساء، واحتواء الاتجاه العصراني وما يسمى بالتنوير الإسلامي وتوجيه نتائج منظومته الفكرية لتصب في وعاء المشروع وإنائه، وتغطية المشروع ببعض المفاهيم الشرعية والمسائل الفقهية واستخدامها كمطية للتوصل إلى أهدافهم، والتركيز على المرأة، وإضعاف التدين وهيبة الشريعة في النفوس، ومن النوع الثاني: التغيير النظامي والقانوني وخاصة السياسات العامة، والتأثير الإعلامي، والتنسيق مع الجهات الأجنبية الرسمية وغير الرسمية، ونحوها من الوسائل العملية. وفي هذه الخاطرة الوجيزة سيكون التنبيه على المدخل الفقهي للمشروع التغريبي. الخلاف مع المشروع التغريبي ليس خلافاً في مسائل فقهية، أو في النظر في الأدلة، ومناقشة الراجح والمرجوح، وأقوال العلماء، بل الخلاف معهم في أصول الدين، والرضا بحاكمية الشريعة الإسلامية وهيمنتها على كل أجزاء الحياة والمجتمع؛ فالمشروع التغريبي يريد أن يفرض على الأمة منهجاً فكرياً، ونمطا اجتماعيا، وسلوكا أخلاقيا مستندا الى الفكر الغربي. والنظرة التجزيئية للمشروع التغريبي، أو حصر الخلاف معه في الخلاف الفقهي المجرد نقص في التصور الكلي للمشروع، فهو مشروع شمولي يعتمد على تغيير اجتماعي وسلوكي قائم على أساس فكري علماني، فهو ليس مشروع اختلاط أو حفلات غنائية أو غير ذلك مما يعد من المعاصي إذا أُخِذ بمعزل عن الرؤية الفكرية الكلية التي ينطلق منها.

стр. 375

وبهذه الرؤية الكلية يتضح أن القضية قضية عقدية مهمة يجب الإلمام بها، وعدم تقزيمها والاستخفاف بها، فصاحب المعصية الممارس لها أيا كانت معصيته إذا كانت دون الشرك والكفر معدود من أبناء المجتمع الإسلامي، وهو في خندق واحد مع بقية المسلمين المعظمين للشريعة في مواجهة هذا المشروع، وهو أحد المستهدفين به، وخلافنا العقدي ليس مع هذه الفئة من إخواننا، ولكن الخلاف مع من يتبنى الفكر الغربي منهجا للحياة، ويرى أن النموذج الاجتماعي والفكري الغربي هو الأهدى سبيلاً، والأصلح للأمة الإسلامية المعاصرة. ومن خداع الفكر التغريبي للأمة أن يحول نظرها عن الرؤية الكلية لمشروعه ويفتتها إلى مسائل جزئية يدعي فيها الخلاف الفقهي الذي ينبغي فيه الإعذار، ويصور المسألة وكأنها اختلاف بين العلماء في مسألة فقهية. ويجد هذا الفكر الدخيل من الفقهاء الذين وقعت في نفوسهم الهزيمة أمام ضغط الواقع ما يمكن أن يحتج به، فالفتاوى الشاذة المخالفة للإجماع، والفتاوى المغفلة من أقوى الأدوات والآليات التي يستعملها الفكر التغريبي في واقعنا المعاصر. وقد جاء في الأثر: " ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والأئمة المضلين"، وهذا الأثر ذو معنى عميق، وهو قاعدة علمية في المداخل الفكرية التي يستغلها الزنادقة في كل عصر لهدم الدين، وزلات العلماء تكثر في أزمان الهزيمة النفسية والفكرية؛ لأن أصحابها يبحثون عن مخرج يتعايش مع الواقع الصعب حسب ظنهم، ولهذا ينبغي أن ينتبه لهذا المنفذ الدعاة والمصلحون ويحسنوا سده على الأمة. فزلة العالم، وأفعال الأئمة المضلين في ذاتها ليست أكثر من الذنوب المعتادة، ومع ذلك جاء التعبير في الأثر بأن مآلها ونتيجتها " هدم الدين"، لأنها مدخل موصل لهدم الدين. ومن غرائب ألوان الهزيمة الفكرية التي يفتح بها بعض المنتسبين إلى العلم أبواب الشر على الأمة أن يفتي في مسألة متغافلا عن مناط الواقع، ثم تُستغل فتواه، ويُروج لها لنشر الفساد والانحراف، وسواء قصد هذا أم لم يقصده فهي بوابة مشرعة للطاعنين في الدين والمفسدين للمجتمع. فمثلا من يُسأل عن الغناء فيفتي بجوازه، وهو يريد الغناء الذي يذكره العلماء قديما من تحسين الصوت، أو على قول من يبيح بعض المعازف، والناس لا تعرف إلاّ الكليبات الراقصة المثيرة للشهوات وهي التي تُمارس في الواقع، والتي لو أفتى أحد بجوازها تحديدا لكان كافراً خارجاً عن دائرة الإسلام، أما ما يتحدث عنه فلا يعرفه الناس، ولا يرونه، وليس هو محل الأسئلة المعاصرة. ومن هذه الفتاوى الغريبة من يفتي بممارسة الفتاة للرياضة في المدارس بصورة محتشمة وهو يشاهد المطالبات والصراع المحتدم على رياضة الفتاة لتأهيلها للأولمبياد، وجعل الرياضة النسائية مشروعا متكاملا كما هو الحال في الرياضة للشباب، ففي مثل هذه الحالة؛ فإن من الغفلة الاستدلال بمسابقة عائشة للرسول ﷺ ، أو محاولة التأكيد على الفوائد الطبية للرياضة، فالمناط متعلق بأمر آخر، ولا يُخدع بهذا إلاّ متغافل أو مغفل لا يمتلك الوعي الكافي لمعالجة الأمور. وهذه الفتاوى المغفلة تُعد بوابة مشرعة للفكر التغريبي في تغيير صبغة المجتمع الإسلامي تدريجيا حتى يصبح مجتمعا شهوانيا يسهل تحويله فكريا الى الفكر الغربي الجاهلي. ليس الغاية من هذا الإيراد اتهام من زل من العلماء بأنه تغريبي أو غيرها من التهم معاذ الله، ولكن الغاية هو الانتباه للتغطية الفقهية التي تنتج عن هذه الفتاوى المغفلة التي لا تراعي مآلات الخطاب، ونهايات الأقوال. وأمام هذه التغطية التغريبية للمشروع الفكري والاجتماعي فإنه من الواجب العمل على مواجهة هذا المدخل من جهتين:

стр. 376

الأولى: الكشف عن حقيقة التعامل التغريبي مع المسائل الفقهية وخصوصا مع كثرة من يترخص من دعاة التيسير والتعايش، وربط الجزئيات بالأهداف الكبرى لهذا المشروع، وتوضيح خداعه ومناوراته الفقهية. الثانية: التبيين لخطأ من وقع في مخالفة للإجماع، أو أفتى في أمر خارج مناطه مما يسهل عملية التوظيف التغريبي لها، ومناقشة الأدلة التفصيلية والرد عليها، ورد الأمور إلى صورتها الكلية التي يريدها الفكر التغريبي. فالمشروع التغريبي لا ينتظر فتوى شرعية، أو مسألة فقهية، ولكنه يوظف كل ما من شأنه التأثير على المجتمع المسلم الذي لا يقبل أمرا من الأمور إلا بعد معرفة حكم الله تعالى فيه. وهناك حالة مرتبطة بهذا الموضوع تحتاج إلى تأمل وتحليل وهي حالة الاحتقان في مجتمعنا من بعض المسائل المعدودة من المسائل الفقهية، والمثير للاستغراب أن ذلك ليس في كل المسائل الفقهية، والمحاولات التفسيرية لهذه الحالة كثيرة، فالبعض يرى أن السبب أحادية الرأي، أو عدم معرفة آداب الخلاف، بينما التفسير الأقرب أن هذه المسائل جاءت في سياقات معينة أوجبت التعامل معها وفق سياقها، ويدل لذلك عدم التعامل مع نظائرها التي لم يتم توظيفها لغايات فكرية خرجت بها عن كونها مسائل جزئية إلى رؤى فكرية أصولية شاملة. ولا يكاد توجد مسألة من المسائل الفقهية التي حاول التغريبيون توظيفها إلا وهي معدودة عند العلماء من المسائل الشاذة المخالفة للإجماع والنصوص الصريحة ومقاصد الشريعة والقواعد الكبرى، حتى لو قال بها بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، ففي مرحلة ما بعد الاستعمار ظهر فقهاء ومفتون جاءوا بآراء غريبة ليس لهم فيها دليل واضح، ولا عالم مقتدى، مثل إباحة الربا، وشرعية القوانين الوضعية، وجواز الانضمام لجيش كافر يقاتل المسلمين بحجة الحاجة الوظيفية!!، وغيرها من الفتاوى الغريبة، خاصة ذات الارتباط بضغوط الواقع، والاستسلام له، والتعايش معه، وتبريره.

стр. 377

بيان حول تمثيل شخص النبي محمد ﷺ وجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة الكرام ﵃ المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي ٢٧ محرم ١٤٣٢هـ فإن المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته العشرين المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من ١٩ - ٢٣ محرم ١٤٣٢هـ التي يوافقها: ٢٥ــ٢٩ ديسمبر ٢٠١٠م لاحظ استمرار بعض شركات الإنتاج السينمائي في إعداد أفلام ومسلسلات فيها تمثيل أشخاص الأنبياء والصحابة فأصدر البيان التالي: تأكيداً لقرار المجمع في دورته الثامنة المنعقدة عام ١٤٠٥هـ الصادر في هذا الشأن، المتضمن تحريم تصوير النبي محمد ﷺ وسائر الرسل والأنبياء ﵈ والصحابة ﵃، ووجوب منع ذلك. ونظراً لاستمرار بعض شركات الإنتاج السينمائي في إخراج أفلام ومسلسلات تمثل أشخاص الأنبياء والصحابة، فإن المجمع يؤكد على قراره السابق في تحريم إنتاج هذه الأفلام والمسلسلات، وترويجها والدعاية لها واقتنائها ومشاهدتها والإسهام فيها وعرضها في القنوات، لأن ذلك قد يكون مدعاة إلى انتقاصهم والحط من قدرهم وكرامتهم، وذريعة إلى السخرية منهم، والاستهزاء بهم. ولا مبرر لمن يدعي أن في تلك المسلسلات التمثيلية والأفلام السينمائية التعرف عليهم وعلى سيرتهم؛ لأن كتاب الله قد كفى وشفى في ذلك قال تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) يوسف (٣) وقال تعالى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) يوسف (١١١) ويذكِّر المجمع بقرار هيئة كبار العلماء، وفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، وفتوى مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وغيرها من الهيئات والمجامع الإسلامية في أقطار العالم التي أجمعت على تحريم تمثيل أشخاص الأنبياء والرسل ﵈ مما لا يدع مجالاً للاجتهادات الفردية، كما يذكِّر بما صدر عن الرابطة في ١٦/ ١١/١٤٣١هـ. ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الله تعالى فضل الأنبياء والرسل على غيرهم من العالمين، كما قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (٨٣) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (٨٤) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (٨٥) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) الأنعام (٨٣ - ٨٦) ففي قوله (وكلاً فضلنا على العالمين) تفضيل الأنبياء على سائر الخلق، ومحمد ﷺ هو خير الأنبياء وأفضلهم، كما قال عن نفسه: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع " رواه مسلم. وهذا التفضيل الإلهي للأنبياء الكرام ـ وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ يقتضي توقيرهم واحترامهم، فمن ألحق بهم أيّ نوع من أنواع الأذى فقد باء بالخيبة والخسران في الدنيا والآخرة، قال تعالى ـ في حق نبيه محمد ﷺ : (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) الأحزاب (٥٧). فجعل أذى الرسول ﷺ من أذى الله تعالى، وحكم على مؤذيه بالطرد والإبعاد عن رحمته، والعذاب المهين له. وقد قرّر أهل العلم أن أذية الرسول ﷺ تحصل بكل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال.

стр. 378

وتمثيل أنبياء الله يفتح أبواب التشكيك في أحوالهم والكذب عليهم، إذ لا يمكن أن يطابق حال الممثلين حال الأنبياء في أحوالهم وتصرفاتهم وما كانوا عليه ﵈ من سمت وهيئة وهدي، وقد يؤدي هؤلاء الممثلون أدواراً غير مناسبة ـ سابقاً أو لاحقاً ـ ينطبع في ذهن المتلقي اتصاف ذلك النبي بصفات تلك الشخصيات التي مثلها ذلك الممثل. فعلى الأمة أن تقوم بواجبها الشرعي في الذبّ عن الأنبياء والمحافظة على مكانتهم، والوقوف ضد من يتعرض لهم بشيء من الأذى. والصحابة الكرام رضوان الله عليهم شرفهم الله بصحبة النبي ﷺ ، واختصهم بها دون غيرهم من الناس، ولكرامتهم عند الله اثنى الله عليهم بقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) الفتح (٢٩). ولا يمكن للممثلين مطابقة ما كان عليه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ من سمت وهدي. والذين يقومون بإعداد السيناريو في تمثيل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ينقلون الغث والسمين، ويحرصون على نقل ما يساعدهم في حبكة المسلسل أو الفيلم وإثارة المشاهد، وربما زادوا عليها أشياء يتخيلونها وأحداثاً يستنتجونها، والواقع بخلاف ذلك. وقد يتضمن ذلك أن يمثل بعض الممثلين دور الكفار ممن حارب الصحابة أو عذب ضعفاءهم، ويتكلمون بكلمات كفرية كالحلف باللات والعزى، أو ذم النبي ﷺ وما جاء به، مما لا يجوز التلفظ به ولا إقراره. وما يقال من أن تمثيل الأنبياء ﵈ والصحابة الكرام فيه مصلحة للدعوة إلى الإسلام، وإظهار لمكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب غير صحيح. ولو فرض أن فيه مصلحة فإنها لا تعتبر أيضاً، لأنه يعارضها مفسدة أعظم منها، وهي ما سبق ذكره مما قد يكون ذريعة لانتقاص الأنبياء والصحابة والحط من قدرهم. ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن المصلحة المتوهمة لا تعتبر، ومن قواعدها أيضاً: أن المصلحة إذا عارضتها مفسدة مساوية لها لا تعتبر؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة وأرجح، كما هو الشأن في تمثيل الأنبياء والصحابة. ثم إن الدعوة إلى الإسلام وإظهار مكارم الأخلاق تكون بالوسائل المشروعة التي أثبتت نجاحها على مدار تاريخ الأمة الإسلامية. ووسائل الإعلام مدعوة إلى الإسهام في نشر سير الأنبياء والرسل ﵈ والصحابة الكرام ﵃ دون تمثيل شخصياتهم، وهي مدعوة إلى امتثال التوجيهات الإلهية والنبوية في القيام بالمسؤوليات المتضمنة توعية الجماهير؛ لكي تتمسك بدينها وتحترم سلفها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

стр. 379

شيوخ بني أمية "طبعة جديدة "! عبد العزيز العبد اللطيف ٢٦ محرم ١٤٣٢هـ سئل عبد الله بن المبارك عن الملوك؟ فقال: الزهاد, قيل: فمن السّفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه, (صفة الصفوة لابن الجوزي ٤/ ١٣٩)، ولما أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز- ﵀ فجاء إليه جماعة من شيوخ بني أمية فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو أنه إذا ولّى الله على الناس إماماً تقبل الله منه الحسنات وتجاوز عن السيئات. قال ابن تيمية: "كثير من أتباع بني أمية - أو أكثرهم - كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب, وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام, بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء, والله أمرهم بذلك .. " (المنهاج ٤/ ٥٤١) هذه الطاعة العمياء كانت مضرب المثل, فيقال "طاعة شامية"! بل إن الخصوم قد أدركوا ذلك, حتى قال داعي الدولة العباسية "أما أهل الشام فلا يعرفون إلا طاعة بني مروان" (المنتظم لابن الجوزي ٧/ ٥٦). وها هو الحجاج المبير قد استعبدته هذه الطاعة, ثم هو يحاصر عبد الله بن الزبير- ﵄ في البلد الحرام, ويصيح قائلاً: يا أهل الشام الله الله في الطاعة! (البداية لابن كثير ٨/ ٣٢٩) , وكان الحجاج - ومعه سيّده عبد الملك بن مروان - يقولان: "ننهى عن ذكر عمر الفاروق ﵁ فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية"! (البداية ٩/ ٦٦). ومن خطب الحجاج: "اسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك". (أخرجه أبو داود ٤٦٤٣) واستمر الحجاج على إدمان الطاعة العمياء حتى هلك, فقد جاء في وصيته أنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك عليها يحيى, وعليها يموت, وعليها يبعث!! (البداية ٩/ ١٣٩) هذه الوثنية السياسية لم يسكت عنها سلف الأمة, فما كان لقمع السطوة الحاكم أن يمنعهم من تبليغ رسالات الله تعالى, فإن الإمام الزهري ﵀ لما سأله الوليد بن عبد الملك عن حديث "إن الله إذا استرعى عبداً الخلافة كتب له الحسنات, ولم يكتب عليه السيئات" , فقال: هذا كذب , ثم تلا قوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ص٢٦, فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا. (فتح الباري ١٣/ ١١٣) وكان الحسن البصري ﵀ يقول: سيأتي أمراء يدعون الناس إلى مخالفة السنة فتطيعهم الرعية خوفاً على دنياهم, فعندها سلبهم الله الإيمان، وأورثهم الفقر ونزع منهم الصبر, ولم يأجرهم عليه. وقال الشعبي: "إذا أطاع الناس سلطانهم فيما يبتدع لهم أخرج الله من قلوبهم الإيمان وأسكنها الرعب". وقال يونس بن عبيد: "إذا خالف السلطان السنة, وقالت الرعية قد أمرنا بطاعته أسكن الله قلوبهم الشك وأورثهم التطاعن" (الإبانة الصغرى لابن بطة صـ٥٥) وإن كان هؤلاء الشيوخ قد أضحوا أثراً بعد عين إلا أن داءهم قد استفحل في السنوات الأخيرة, فهناك نماذج أكثر نفاقاً وتملقاً من شيوخ بني أمية, بل صار العقلاء يترحمون على شيوخ بني أمية لما رأوا أفراخهم وورثتهم, وكان الشعبي يقول: " يأتي على الناس زمان يصلّون (يدعون) للحجاج! " فهذا الصنف مصابٌ بالوله للأمراء والهيام بالحكام! فلا يزال لسانه رطباً بذكرهم, ويستهلّ حديثه بتعظيم إمام الزمان, ويختمه بالتسليم والإذعان للسلطان!

стр. 380

ومن المفارقات أن الروافض قد تململوا وضجروا من وثنية أصل "الإمامة" عندهم, فأحدثوا تبديلاً وتمرّداً على ما أصّلوه كما صنع الخميني في "ولاية الفقيه", وفي المقابل فإن بعض متسننة هذه العصر قد اعتراهم هذا النَفَس الرافضي المتهافت من حيث لا يشعرون, فتراهم يقررون بلسان الحال أو المقال أن الإمامة مقصودة لذاتها, وأن للإمام "المنتهى" أو قريباً من ذلك! وقد قرر المحققون من أهل العلم أن مقصود جميع الولايات أن يكون الدين كله لله , وإصلاح دين الناس , فالولاة إنما ن ُ صبوا من أجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو محرر في الأحكام السلطانية للماوردي صـ٥, والحسبة والسياسة الشرعية لابن تيمية بمجموع الفتاوى ٢٨/ ٦١ , ٢٦٢ والطرق الحكمية لابن القيم صـ٢١٧. وقال الطيبي في شرحه لحديث "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" "في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوباً لذاته, وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه" (فتح الباري ١٣/ ١٣) ثم إن متسننةً قد خلعوا لقب "الإمام" و"أمير المؤمنين" ونحوهما على حكام يجاهرون بالعلمنة في السّراء والضراء والمنشط والمكره وينابذون الشرع المنزّل بل والمؤول, حتى أفتى بعضهم - في هذه الأيام - بقتل أحد المرشحين في الانتخابات, لأن في ذلك منازعة وافتياتاً على الإمام الأعظم, والذي قد أَذِن بمسرحية الانتخابات وأقرّها! إنها بلاهة صلعاء وتزلف مقيت, وشماتة بأهل السنة والجماعة ولئن كان قمع الحكام واستبدادهم قد خلّف مهانة وخوراً عند قوم, كما أورث تملقاً ومداهنة ع ند آخرين, فلن تخلو الأرض من قائم لله بحجة من الذين يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحداً إلا الله, ولئن عجز الكثير عن الصدع بالحق فلا أقل أن يسكتوا عن التلبيس وتزويق الباطل وتلميع الطاغوت. ولئن كان بعضهم يتدثّر بلبوس خوف الفتنة .. فلا يُسوّغ ذلك أن تُضفى الشرعية الإسلامية على أنظمة علمانية صارخة في نظمها وموادها, وإنما جاءت الشريعة الإسلامية بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها, فكما يتعيّن مجانبة التزلف الرخيص والإفك المبين وقلب الحقائق, فكذا تراعى قواعد المصالح والمفاسد, فلا يصلح التهور والمصادمة لهذه الأنظمة دون فقه لتلك القواعد والأصول. والتحذير من التهوّر والطيش لا يبرر تقديس الحكام ومداهنتهم, وإن نقد الأنظمة والحكام ومحاسبتهم لا ينفك عن محاسبة أنفسنا وتقويمها, إذ هما أمران متلازمان, فكما تكونوا يُولّى عليكم, فظهور المعاصي وتنوّع الكوارث والبلايا ملازمٌ لظلم الحكام وبطشهم وكما قال ابن القيم: "قد جعل الله سبحانه أعمال البَرّ والفاجر مقضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لابد منه .. فجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين, وتعديّ القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون أن استُرحِموا, ولا يعطفون إن استُعطِفوا, وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم, فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها, فتارة بولاة جائرين .. " (زاد المعاد باختصار ٤/ ٤٦٣, ٤٦٤) والحاصل أنه لابد من مدافعة هذا الفساد العريض لدى الراعي والرعية على وفق ما جاء به الشرع المنزّل كما قال عبد القادر الجيلاني: "نازعت أقدار الحق بالحق للحق". ونقول في الختام كما قال عمر بن عبد العزيز: اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد ﷺ , وأهلك من كان في هلاكه صلاح لأمة محمد ﷺ . (أخرجه ابن أبي شيبة ١٣/ ٤٦٩)

стр. 381

مستقبل السودان بعد الانفصال مدثر أحمد إسماعيل ٢٢/ محرم ١٣٤٢هـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .. بدأت عجلة الأزمة تتسارع، ويقترب توقيت الاستفتاء على فصل جنوب السودان أو بقائه متحداً، والحقيقة المرَّة التي يعلمها كبار الساسة في السودان أنّ عملية الاستفتاء ما هو إلا تحصيل حاصل (١). فالجنوب فعلياً منفصلٌ عن حكومة الشمال قبل الاستفتاء وما تملك حكومة الشمال في أرض الجنوب من قطمير لا سياسياً ولا أمنياً ولا عسكرياً ناهيك عن المحافظة على البقية الباقية من تراث المسلمين إن جازت التسمية لما بقي من لون إسلامي أو عروبي بالتراث؟ كما يعلم كبار الساسة وللأسف الشديد أن الوضع في السودان لن يستقر بمجرد انفصال الجنوب، وإنما ستكون هناك بؤر توتر مستمرة بين الشمال والجنوب، وأن تقرير المصير في جنوب السودان لن يكون آخر تقرير مصير في السودان فهناك دارفور التي يتصاعد فيها الآن الحديث عن العمل المسلح لإسقاط النظام، كما يتصاعد تدريجيا الحديث عن تقرير المصير، وليس دارفور وحدها بل هناك أيضا منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق اللتين تقول بعض القيادات الجنوبية أنَّهما سيلحقان عاجلاً أم آجلاً بالجنوب، باعتبارهما جزءاً من نضاله على حد تعبيرهم (٢). وكم هي الحقائق المرَّة التي يتغافل عنها كبار الساسة ولا يتعاملون حيالها بما يمليه عليهم دينهم إن كانوا بما في دينهم يعلمون أو يعملون!! فهل يا ترى غاب عن علمهم أنَّ عملية الانفصال سوف تواجهها مجموعة معقدة من التحديات؟ (٣) أهمها على سبيل المثال وليس الحصر: الوجود الإسرائيلي القوي ضمن اللعبة. فإسرائيل عملت منذ فترة ليست بالقصيرة على استمالة زعماء التمرد في الجنوب ودعمهم وتسليحهم وتدريب العصابات التي يتزعمونها, كما عملت جاهدةً على استمالة حركات التمرد والانفصال في دارفور.

стр. 382

يقول آفي ديختر وزير الأمن الصهيوني في محاضرة ألقاها في ٤ سبتمبر ٢٠٠٨ في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: (يتساءل البعض في إسرائيل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية؟ ولماذا التدخل في شئونه الداخلية في الجنوب سابقًا وفي الغرب (دارفور) حالياً طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافيا، وطالما أن مشاركته في إسرائيل معدومة أو هامشية وارتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات ارتباطا واهيا وهشا؟ وحتى لا نطيل في الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية تكفي لتقديم إجابات على هذه التساؤلات: * السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسة مثل مصر والعراق والسعودية. * لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي لأن موارده إن استمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب. * لا بدَّ أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم أنها تعد بالتعددية الاثنية والطائفية. وراح ديختر يورد المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلي في إشعال الصراع في جنوب السودان انطلاقاً من مرتكزات قد أقيمت في إثيوبيا وفي أوغندا وكينيا وزائير سابقاً، الكونغو الديمقراطية حالياً. وقال: (إن جميع رؤساء الحكومات في إسرائيل من بنجوريون وليفي أشكول وجولدا مائير وإسحاق رابين ومناحم بيجين ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الاستراتيجي في التعاطي مع السودان الذي يرتكز على تفجير بؤرة أزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب وفي أعقاب ذلك في دارفور). * ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود تضع نصب أعينها أن السودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من السودان قوي وموحد وفاعل. * من واجبنا الأدبي والأخلاقي أن ندعم تطلعات وطموحات سكان الجنوب ودارفور. حركتنا في دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي وعلى نشاط أجهزة معينة. المجتمع الإسرائيلي بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها في الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور. * الموقف الذي أعبر عنه بصفتي وزيراً إزاء ما يدور في دارفور من فظائع وعمليات إبادة ومذابح جماعية هو موقف شخصي وشعبىي ورسمي. * من هنا نحن متواجدين في دارفور لوقف الفظائع وفي ذات الوقت لتأكيد خطنا الإستراتيجي من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتمتع بالاستقلال وإدارة شؤونه بنفسه ووضع حد لنظام السيطرة المفروض عنوة من قبل حكومة الخرطوم. * لحسن الطالع أن العالم يتفق معنا من أنه لا بد من التدخل في دارفور سياسياً واجتماعياً وعسكرياً. الدور الأمريكي في دارفور دور مؤثر وفعال ومن الطبيعي أن يسهم أيضا في تفعيل الدور الإسرائيلي ويسانده. * صانعوا القرار في إسرائيل كانوا من أوائل المبادرين إلى وضع خطة للتدخل الإسرائيلي في دارفور ٢٠٠٣ والفضل يعود إلى رئيس الوزراء السابق إرييل شارون، في كلمة ألقاها خلال اجتماع الحكومة في عام ٢٠٠٣ (حان الوقت للتدخل في غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا في جنوب السودان). * وعندما سئل ديختر: ما هي نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية في الجنوب وفي الغرب والاضطراب السياسي وعدم الاستقرار في الشمال وفي مركز القرار الخرطوم؟ - هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الاحتياط إفرايم سنيه رد ديختر على هذا السؤال: (هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور على غرار استقلال إقليم كوسوفو).

стр. 383

* السودان في ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة في جنوبه وغربه وحتى في شرقه غير قادر على التأثير بعمق في بيئته العربية والأفريقية؛ لأنه متورط ومشتبك في صراعات ستنتهي إن عاجلاً أو آجلاً بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول، مثل يوغوسلافيا التي انقسمت إلى عدة دول: البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا، ويبقى السؤال عالقا متى؟) (١) بعد هذه النقولات الهامة والخطرة يأتي سؤال هام: هل سيعقب الانفصال ازدهار ورخاء كما يتمنَّى ويمنِّي البعض ويكون بين الشمال والجنوب التعايش وحسن الجوار أم سيكون الأمر عكس ذلك؟ والإجابة عليه تكون من خلال التتبع والاستقراء للاتفاقية والمخاض العسير الذي لا زالت تمر به مع استصحاب النقولات السابقة. فالاستقرار والازدهار في السودان الشمالي بعد إعلان الانفصال قد يكون سراباً بقيعة، حسبته الإنقاذ ماءً حتى إذا جاءته لم تجده شيئاً! إنَّ عملية انفصال الجنوب ليست بمثل هذه البساطة التي توحي بها أحاديث البعض، كما أنَّ آثارها لن تتوقف عند جنوب السودان أو شماله بل سوف تشمل وتؤثر على دوائر أكثر اتساعاً بكثير، وستبدأ الحلقة الثانية من مسلسل السودان الجديد (٢). لذا فإنَّ الواجب المحتم على الغيورين والحادبين أن ينظروا النظر العميق وبأقصى درجةٍ من الوضوح والموضوعية في مآلات هذا الوضع الحرج والخطر في آنٍ واحد، ومن ثمَّ تحديد خطوات عملية لمواجهة هذا المستقبل وإدارة الصراع مع الخصوم بمنهجيةٍ سياسيةٍ إسلاميةٍ شرعية. وقد أحسن الطيب زين العابدين في سرد المآلات والمخاطر والمحاذير الناجمة عن انفصال الجنوب وهذه نبذ ومقتطفات مما كتبه (٣): التحديات الأمنية: هناك ستة تحديات أمنية متوقعة يُخشى منها على استقرار السودان في الشمال والجنوب إذا ما وقع الانفصال بين الإقليمين: ١ - حرب بين الشمال والجنوب بسبب الاختلاف على ترسيم الحدود في منطقة أبيي أو غيرها من حدود ١٩٥٦م التي لم تحسم بعد، أو تنفيذ قانون الاستفتاء حول تبعية أبيي أو القبول بنتيجته، أو عدم الاتفاق على حل قضايا ما بعد الانفصال التي نصَّ عليها قانون الاستفتاء: الجنسية، العملة، الخدمة العامة، الوحدات المدمجة، والأمن الوطني والمخابرات، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الأصول والديون، حقول النفط وإنتاجه وترحيله وتصديره، العقود والبيئة في حقول النفط، المياه، الملكية، أي مسائل أخرى يتفق عليها الطرفان. اهـ. واحتمالية هذه الحرب كبيرة فقد كشفت تقارير الدوائر الغربية مؤخرا أن سنوات الهدنة الخمس الماضية تم استغلالها بشكل ملفت للانتباه في تسليح الجنوب وتأهيل ما يسمى الجيش الجنوبي والذي لم يدمج حتى الآن في الجيش المركزي للدولة حيث وصل الأمر إلى إنشاء قوات جوية وبحرية وبرية وقواعد عسكرية بلغت تكاليفها بحدود ٢,٥ مليار بدعوى تحديث قوات الجنوب, ناهيك عن مساعدة دول الجوار الأفريقي في الدعم العسكري للمتمردين مثل إثيوبيا وأوغندا وغيرها من خلال سفن الأسلحة المحملة للمتردين في جنوب السودان والتي تم اختطافها قبالة السواحل الصومالية.

стр. 384

كما أن تقاسم أموال النفط حسب اتفاقية نيفاشا بين الشمال والجنوب أتاح لحكومة جنوب السودان مبلغاً شهرياً يتراوح بين ١٦٠ - ٢٤٠ مليون دولار من نصيبها في بيع النفط السوداني وهذا كله ينفق على الاستعدادات العسكرية والتسليح ولا ينفق منه شيْ على التنمية أو تحديث البنية التحتية بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم دعماً تبلغ قيمته مليار دولار سنوياً للحركة الانفصالية بحجة صرفها على إنشاء البنية التحتية كمساعدة إنسانية. ويرى الطيب زين العابدين أنَّ قرار هيئة التحكيم الدولية في لاهاي ليس مرضياً عنه من كلا المجموعتين الأساسيتين في المنطقة: دينكا نقوك، والمسيرية؛ فالمجموعة الأولى تظن أن حقول البترول في هجليج قد أُخذت منها بغير حق، والثانية تعتبر أن الحدود الشمالية التي ضُمَّت إلى أبيي قد توغلت كثيراً في مناطقهم وحرمتهم من الأراضي ذات المياه الوفيرة التي يعتمدون عليها في سقي بهائمهم وقطعانهم زمن الخريف. وفي ذات الوقت فإن إضافة المنطقة الشمالية لا يخلو من مشكلة بالنسبة للدينكا؛ لأنه يعطي المسيرية الذين يعيشون في تلك المواقع حسب تفسير الحكومة حق التصويت في الاستفتاء حول تبعية المنطقة لبحر الغزال أو إلى جنوب كردفان، فهم يخشون من تصويت المسيرية لصالح الانضمام إلى كردفان. ولكن الحركة الشعبية لا تقر بهذا الحق للمسيرية على أساس أنهم رُحَّل ولا يقيمون في المنطقة بصورة دائمة فلا ينطبق عليهم ما نصت عليه اتفاقية السلام الشامل. تحديد من سيصوت في الاستفتاء بجانب "أعضاء مجتمع دينكا نقوك" ما زال عالقاً، وأحيل البت فيه إلى مفوضية الاستفتاء التي ستحدد معايير الإقامة التي تؤهل صاحبها لحق التصويت في الاستفتاء. وقد يبدأ تمردٌ مسلحٌ جديد في كلٍّ من جنوب كردفان والنيل الأزرق بسبب عدم الرضى عن تنفيذ الاتفاقية التي تخصهما وستقوده عناصر الحركة الشعبية التي جاءت إلى السلطة في الولايتين بقوة السلاح، وربما تدعم الحركة مثل هذا التمرد خاصة إذا كان الانفصال متوتراً ومضطرباً بين طرفي الاتفاقية. ٢ - أن تسري عدوى الانفصال من الجنوب إلى حركات التمرد في دارفور إذا لم تُحل المشكلة قبل الاستفتاء، وإذا لم تشارك الحركات المسلحة وأهل دارفور بصورة كاملة في انتخابات أبريل/نيسان ٢٠١٠م. ٣ - وربما يندلع عنفٌ قبلي في الجنوب أكثر مما هو واقع حالياً، وستتهم الحركة الشعبية كما فعلت في الماضي، المؤتمر الوطني بدعم ذلك العنف ومن ثمَّ تجد العذر لدعم أي تمردٍ يقع في الشمال خاصة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. ٤ - ومن المرجَّح أن يزداد الانفلات الأمني والنهب المسلح في مناطق التوتر (دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق) بسبب الاضطراب السياسي وانتشار السلاح والفقر وازدياد العطالة، خاصةً في أوساط الشباب والخريجين. ٥ - وفي حالة الاضطراب السياسي والانفلات الأمني سيكون السودان أكثر عرضةً للتدخلات الخارجية من دول الجوار (تشاد، ارتريا، ليبيا) وربما من قبل القوات الدولية في السودان التي ستكلَّف بحماية المدنيين ولو ضد القوات المسلحة السودانية. التحديات السياسية: من المؤكد أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى تداعياتٍ سياسيةٍ في الشمال، خاصةً إذا ما كان انفصالاً متوتراً صحبته عمليات عسكرية أو انفلات أمني، وأهم تلك التداعيات المحتملة هي:

стр. 385

١ - زيادة وتيرة الاضطرابات السياسية في أقاليم السودان الشمالية مطالبةً بالمزيد من الحكم اللامركزي ومن اقتسام الثروة مع المركز واحتجاجاً على معالجة الحكومة لبعض القضايا، مثل تنفيذ اتفاقية الشرق أو توطين المتأثرين بسد مروي أو إنشاء خزان كجبار أو غيرها، وربما تشتط بعض الجماعات لتطالب بتقرير المصير أو الانفصال كليةً عن السودان مثل ما فعل الجنوب. ولعل مناطق التوتر الأولى في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وربما شرق السودان تأتي في مقدمة من قد يرفع مثل تلك المطالب من خلال آلية المشورة الشعبية التي قد تُستغل سياسياً ضد الحكومة المركزية؛ كما أن ضعف الموقف الاقتصادي للبلاد المتوقع بعد خروج عائدات بترول الجنوب من موازنة الدولة، وتأثر تلك المناطق بالوضع الاقتصادي الجديد سيشجع على مثل تلك الاضطرابات. ٢ - سيزداد الاستقطاب السياسي بين الحكومة والمعارضة، وستحمِّل المعارضة الشمالية حزب المؤتمر الوطني الحاكم مسئولية انفصال الجنوب واشتعال الاضطرابات في مناطق أخرى، ومن ثمَّ فإنه غير جديرٍ بالاستمرار في الحكم حتى ولو فاز في الانتخابات القادمة لأن استمراره يعني المزيد من التفكيك والانشقاقات، وربما تستغل المعارضة الاضطرابات السياسية لمحاولة تغيير السلطة في الخرطوم خاصةً إذا ما بقيت خارج الحكم عن طريق انتفاضة شعبية ظلت ترددها لسنوات عديدة. ٣ - ازدياد الضغوط الدولية على السودان في مجالات التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، ورعاية حقوق الإنسان، وتحقيق بنود اتفاقيات السلام، وغيرها، وذلك بقصد الضغط على الحكومة حتى تستجيب لمطالب أهل دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق أو يتغير النظام. التحديات الاقتصادية: لعل أهم هذه التحديات هي: ١ - خروج نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب والتي تساوي حالياً حوالي ٨٠% من كل عائدات البترول (تبلغ عائدات البترول بصورة عامة حوالي ٦٠% من موازنة الدولة الاتحادية، وأن الانفصال يعني خروج أكثر من نصف هذه النسبة من الموازنة العامة بعد ٢٠١١م)، وهذا نقصٌ كبير سيتسبب في كثيرٍ من المشاكل الاقتصادية لشمال السودان. ٢ - إذا وقعت عقب الانفصال نزاعات عسكرية، أو انفلاتات أمنية، واضطرابات سياسية، فإن الوضع الاقتصادي سيكون في حالةٍ متردية، وفي تلك الحالة سيتوقف ضخ الأموال من أجل الاستثمار في البلاد. ٣ - لن تستطيع الحكومة مقابلة تعهداتها الداخلية في اتفاقيات السلام تجاه تعمير وتأهيل وتنمية مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، وسيجر عليها ذلك بعض المشكلات والاحتقانات السياسية أو النزاعات المكشوفة، وقد لا تتمكن الدولة من الوفاء بمستحقاتها تجاه الديون الخارجية مما يشكل عليها بعض الضغوط. ٤ - إزاء مثل هذه الأوضاع المتقلبة قد تضطر الدولة لزيادة الضرائب والرسوم الجمركية دون أن تزيد الأجور بنفس النسبة، وهذا يعني زيادة العبء المعيشي على الطبقات المتوسطة والضعيفة التي ظلت تعاني لسنواتٍ من الضائقة المعيشية، ولم تتحسن أحوالها حتى بعد تدفق عائدات البترول، وسيصب ذلك في اتجاه زيادة الاضطرابات السياسية. العلمانيون بعد الانفصال: هنالك مثلٌ سودانيٌّ شائعٌ يقول (إذا وقع الثور كثرت سكاكينه). فالعلمانيون ترتفع أصواتهم لوضع الترتيبات لاستمرار العمل السياسي في الشمال بعد انفصال الجنوب لتطبيق رؤية السودان الجديد. فإسقاط حكومة البشير, إلغاء الشريعة الإسلامية، بسط الحريات العامة الانفتاح على الغرب، كبت الإسلاميين وكتم أنفاسهم.

стр. 386

هذه بعض أهدافهم التي يؤمِّلونها ويجتهدون في تحقيقها، فالأحزاب العلمانية في السودان بمختلف لافتاتهم السياسية يسعون للهيمنة على المجتمع، وجره إلى التعاسة والشقاء، ومحاولة مسخ دين هذا البلد وعقائده وأخلاقه، بل وحتى عاداته الاجتماعية، تحت شعار السودان الجديد، وبقيادة الحركة الشعبية. وقد بدأت خطواتهم في تحقيق ذلك وقطعوا أشواطا، فمن ضمن خطواتهم: ١) استغلال التباينات العرقية أو الدينية - وتوظيفها لزعزعة أمن البلاد: ومن أكبر الدلائل على هذا: (تصريح قيادات الحركة الشعبية في جبال النوبة والنيل الأزرق، وهم يعلنون في مؤتمر صحفي بقاء الحركة الشعبية بالشمال لتغيير الخرطوم ويرون أنَّ انتهاء بنود الاتفاقية لا يعني عدم وجود صراع بين المركز والهامش، لوجود التهميش بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق .... وأن التعدد موجود وقال بعضهم (لن يستطيع أحد إلغاء التعدد في السودان) (١)، وأن مشروع السودان الجديد وُجد ليبقى في الشمال في حالتي الوحدة أو الانفصال. وهددوا وتوعدوا بأنَّ عدم الالتزام بذلك سيؤدي لوجود نفس عوامل انفصال الجنوب في مناطق بالشمال من بينها جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق والشرق .... ) (٢) ٢) تحطيم الشعائر الدينية والمظاهر الإسلامية، واستبدال قيم الإسلام وأخلاقياته بقيم غربية: فيتعرضون لأحكام الشريعة الإسلامية نقداً، ويتعرضون للعلماء طعناً في مناهجهم وتنقصاً لجهودهم أو حطاً لقدرهم، وتكون عندهم جراءة على الشرع، في وسائلهم وخطبهم وأحاديثهم وكلماتهم. ٣) تحريك الوضع الاجتماعي: من خلال اللعب بورقة المرأة، بوصف المرأة مؤثراً قوياً في هز المجتمع. وخير شاهد على هذا ضجيجهم الذي ملؤا به سمع العالم وبصره في قصة فتاة الفيديو المجلودة، ومن قبلُ الصحفية التي استجارت ببطاقة الأمم المتحدة. ٤) استغلال الأحداث والأزمات: خاصة الأزمات السياسية، والاقتصادية، والتحرك في أوساط القوى المعارضة والمعادية، تمهيداً للهيمنة الكاملة التي يتمنون حصولها فيما بعد لهم، ولا أدل على ذلك من استغلالهم أزمة انفصال جنوب السودان وما بعد الاستفتاء؛ ليفرضوا علمانية الدولة ويطالبوا بدستورٍ علمانيٍّ ملحد، تشهد عليهم تصريحاتهم في الصحف ووسائل الإعلام وفي سبيل ذلك يكونون الجمعيات، وينظمون المسيرات، ويصدرون النشرات، ويعقدون المؤتمرات، ويتحالفون مع الأعداء الخارجيين، كاليهود والنصارى وهذا كله معروفٌ مشهود. ففي آخر تصريحٍ لقيادات الحركة الشعبية في الشمال، شددوا على أنهم سيواصلون نشاطهم في الشمال بمشروع السودان الجديد حتى في حالة انفصال الجنوب، وشددوا على أن «التعدد سيكون أساس الدولة الجديدة في الشمال»، ودعوا الحركات المسلحة للعمل من أجل التغيير من الداخل. وقالوا إنَّ (الانفصال لا يعني نهاية الاتفاقية وأنَّ كافة الأحزاب سترتب أوضاعها في حالة الانفصال باعتبار أن هناك خارطة سياسية جديدة.) (٣) وقد ردت الحركة الشعبية على إعلان الرئيس عمر البشير بأنَّ الشمال سيكون دولة إسلامية وعربية، حيث قال نائب رئيس الحركة الشعبية (إن مستقبل الحركة في الشمال يماثل مستقبل أي حزب آخر) (٤) ٥) العمل على نشر الانحلال والفساد وإشاعة الفواحش والشهوات. السودان والشيعة الرافضة:

стр. 387

إنَّ من التحديات التي تواجهنا في السودان بعد انفصال الجنوب، تمدد الشيعة الرافضة، والتي تغذيها وتدعمها دولة إيران والتي استغلت التعاطف السوداني الرسمي مع الثورة الإيرانية، ومساندة إيران لحكومة الإنقاذ السودانية، وتعمق العلاقات بين البلدين كان له دورٌ كبير في انتشار المذهب الشيعي في السودان، وساعد عليه وجود تعاطف سوداني طبيعي بحكم انتشار التصوف في السودان المعروف عنه الحب الشديد لآل بيت النبي ﷺ . وتزايد هذا النفوذ الشيعي مؤخراً نتيجة التعاطف الشعبي السوداني مع "حزب الله" الشيعي إبان العدوان "الإسرائيلي" الأخير على لبنان صيف ٢٠٠٧، مما رفع أسهم حسن نصر الله زعيم "حزب الله" دون النظر أيضاً إلى عقيدته ومذهبه ورأيه في أهل السنة والجماعة. ويؤكد خبراء سودانيون أن الشيعة دخلوا للسودان عبر العلاقات السياسية بين الحكومة وإيران، إضافةً لانتشار التصوف الذي يعلي من شأن آل البيت وحب آل النبي صلى عليه وسلم، والذي يستغله الشيعة في نشر أفكارهم، وأن بعض الصحفيين والكتاب السودانيين العلمانيين والليبراليين استغلوا القضية لتأييد الشيعة بدعوى "حرية الرأي" ومحاربة ما يسمونه "الهوس الديني والإرهاب والظلاميين"، وأنهم يوظفون ذلك في حربهم ضد الإسلام السياسي والسلفي بغطاء حرية الرأي للشيعة. وبشكلٍ عام، التواجد الشيعي في السودان، بدأ في الظهور عبر زوايا وحسينياتٍ معروفة، ولديهم مراكز تعليمية ومنظمات للمرأة، ولديهم انتشار في المناطق المشهورة بالتصوف، وكان أبرز نشاطٍ للشيعة في السودان ظهورهم علناً للمرة الأولى في تجمعاتٍ ضمت مئات الأشخاص في ضاحية جنوب العاصمة الخرطوم، واحتفلوا بذكرى مولد الإمام المهدي، أحد أبرز الأئمة الشيعة. وقال مشاركون في الاحتفال لجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية إن الاحتفال الذي أقيم يوم الجمعة حضره المئات من معتنقي المذهب الشيعي في السودان، جاءوا من مختلف أنحاء البلاد. وشارك في الاحتفال الذي أقيم في استراحةٍ في ضاحية جبل أولياء، نحو ٤٠ كيلومترا جنوب العاصمة الخرطوم، ممثلون للشيعة من مختلف المواقع في السودان، خصوصا من كردفان، والنيل الأبيض وأم ضوبان، وسط، ونهر النيل، شمال. ومن بين المشاركين طلابٌ في الجامعات والمراحل الثانوية، وأساتذة جامعات، وسياسيون، وصحافيون، وطلاب يدرسون في الحوزات الدينية في مدينة قم بإيران. وتقول تقارير غير مؤكدة (إن للشيعة في السودان نحو ١٥ حسينية، أغلب هذا العدد في العاصمة الخرطوم، وأشهرها حسينية في الخرطوم شرق قلب العاصمة، ينظم فيها منتدى دوري يتناول الأمور الخاصة بالمذهب الشيعي، فيما تشير التقارير إلى أن عملها أقرب إلى السرية، "ليس تخوفا من السلطات السودانية، حيث تغمض عينيها حيال نشاطها، ولكن تخوفاً من الجماعات السلفية") (١). وحسب التقارير فإن هذه الحسينيات تلحق بها مكتبات مقروءة وصوتية، وعبرها يتم الحصول على بعثات دراسية في إيران. الواجب المحتم على كل مسلم: ١) ضرورة الكشف عن العلمانيين:

стр. 388

إن الله كشف المنافقين، وأنزل سوراً عديدةً، منها التوبة، حتى كانت تسمى "المقشقشة" ما تركت أحداً إلا ذكرته منهم، حتى بينتهم وفضحتهم، وكانت تسمى "الفاضحة" أيضاً، فنريد من أهل الإسلام - علماء الإسلام وطلبة العلم والدعاة - أن يترسموا ويستلهموا منهج هذه السورة في فضح العلمانيين، وكشفهم، وبيان عوراتهم، خاصةً وأن كثيراً من العامة ينخدعون بهم، وهذه مصيبة، أن تسير الأمة خلف ركابهم مخدوعة؛ لأنهم يستخدمون ألفاظاً إسلامية، وقد يستشهد أحدهم بآيةٍ أو حديث، أو كتابٍ لأهل العلم، وقد ينقل قاعدةً فقهية، وقد يتكلم، وقد يصلي أحياناً، وهذا الفضح لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يكون من خلال التشويش والتهويش والغضب والانفعال والصراخ أبداً، يجب أن يكون من خلال الوثائق والحقائق والمعلومات الدامغة التي تجعل حتى عدوك لا يملك إلا أن يوافقك على ما تقول. ٢/ على أمّة السودان حكاماً ومحكومين أن ينتبهوا لهذه الأخطار المحيطة بهم في الداخل والخارج والتي تهددهم في دنياهم آخرتهم. ٣/ نداء نوجهه إلى كل صفوف العمل الإسلامي أن يؤجلوا خلافاتهم في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بالعباد والبلاد وليفرغوا طاقاتهم ويركزوا جهودهم لمواجهة هذه التحديات. والوقوف أمام المخطط الأميركي الصهيوني لتفتيت بلاد المسلمين، بدايةً بالعراق -وكما قرر الكونجرس الأميركي بجلسته أخيراً - إلى مناطق ثلاث، كردية في الشمال، وسُنية في الوسط، وشيعية في الجنوب. وهو ما يجري الآن بالنسبة إلى السودان وتقسيمه إلى شمالٍ عربيٍّ إسلامي، وجنوبٍ زنجيٍّ مسيحي، وغربٍ عرقيٍّ وشرق قبليٍّ. والخطر مازال قائماً على بعض مناطق الخليج العربي وتقسيمه طائفياً ومذهبياً إلى سُنةٍ وشيعة، أو عرقياً، والأمم المتحدة بالمرصاد تتلقى توجيهات الدول الكبرى باسم حقوق الإنسان، وحقوق الأقليات، والخطر يهدد المغرب العربي كله وتقسيمه إلى عرب وبربر. البدار البدار بالتوبة النصوح: يقول سيدنا علي ﵁ (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة). وقال الحسن البصري (بلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر). لقد صدق فينا قول رب العزة (ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى). وصدق رسول الله صلى الله عليه في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا: (كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل بأسهم بينهم شديداً). فنحن أمةٌ خفرنا العهد مع الله فسلط علينا عدونا من كل جهة، وتداعت علينا الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها. لقد ذقنا مرارة بعدنا عن كتاب الله، وتجرعنا آلام تنكبنا لطريق الله، وحصدنا ما زرعنا من التساهل والتلاعب بدين الله. لقد آن لنا أن نرجع إلى الله، ونفر إليه فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وحال البلاد والعباد ليس لها من دون الله كاشفة. عليكم عباد الله أن تتوبوا إلى ربكم توبةً نصوحاً، وأن تحولوا مما يكره ربكم إلى ما يحب، لعل الله أن يتحول لكم مما تكرهون إلى ما تحبون، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم آية: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود آية: ٣]. أسأل الله تعالى وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يجعل في قلوب المؤمنين الحماس والرغبة الصادقة في العمل الجاد لما يرضيه، وفي الجهاد الصادق في سبيله، وفي قول كلمة الحق، وفي الدعوة إلى الله تعالى، وفي جمع الكلمة، وفي بذل النصيحة، وفي محاولة رد كيد الكائدين، سواء كانوا من العدو الداخلي المستتر، أم من العدو الخارجي المعلن، وأسأله تعالى أن يكلل العاملين بالنجاح، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص؛ إنه على كل شيء قدير.

стр. 389

حلقات التحفيظ .. توقف وعودة أحمد بن عبد العزيز الحمدان ٢٢ محرم ١٤٣١هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فإن من أعظم ما يجب صرف الهمم إليه في تربية الأبناء: تعليمهم كتاب الله تعالى، الذي جعل الله نجاة الأمة وعزتها ورفعتها منوطة بتعلمه وتعليمه والاعتصام به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ *الزخرف: ٤٤* أي: إن القرآن العظيم لفخر لك وللمؤمنين به ومنقبة جليلة لكم، ونعمة لا يقدر قدرها إلاّ العاملون العاقلون، وهو ذكر لكم يذكركم بخيري الدنيا والآخرة، وسوف تسألون عنه، هل أديتم حقه حتى انتفعتم وارتفعتم به، أم جعلتموه وراء ظهوركم كما صنعت الأمم السابقة بكتبها؟ فـ ((القرآن حجة لك أو عليك)) وأمة الإسلام إنما أعزها الله تعالى بكتابه، فمتى تأخرت عنه مقتها الله وأخرها، ومتى اعتصمت به وفقها وقدمها، قال رسول الهدى ﷺ : ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين))، فلا عزة ولا رفعة لنا إلاّ باعتصامنا بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، فنحن أمة أعزها الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقد دلّ القرآن على أن الناس فيهم كريم يرفعه الله بالقرآن، ولئيم يهينه الله بهجره القرآن. ولقد جرب أبناء المسلمين بعد أن استخربت ديارهم مناهج عدة، فما جنوا من شوكها إلا الحنظل، وآن لهم أن يوقنوا أنهم لن ينهضوا من كبوتها، ولن تصلح أحوالهم، ولن ينالوا عزتهم، ولن ينالوا موعود ربهم بالخيرية إلا باعتصامهم بالقرآن العظيم؛ إيماناً وتعلماً وتعليماً وعملاً وصبراً. ومن عظيم النماذج التي ضربها سلفنا الصالح في التضحية في باب تعليم القرآن الكريم: التابعي أبو عبد الرحمن السلمي ﵀، الذي جلس للناس يعلمهم القرآن من خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج بن يوسف، وكان بين تولي الأول وهلاك الآخر اثنتان وسبعون سنة، وكان إذا سئل عما أجلسه للناس مجلسه هذا معلماً؟ قال: سمعت أمير المؤمنين عثمان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). وكان أبو عبد الرحمن يقول: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. قال السيوطي ﵀: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها. وقال ابن خلدون ﵀: تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهالي الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، بسبب آيات القرآن، ومتون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي بني عليه ما يحصل بعد من الملكات. ومن الأمثلة المشرفة الواقعة الآن أنه نشرت الصحف المحلية في ١٠/ ١/١٤٣٢هـ إعلان مدير (المركز الوطني للقياس والتقويم) الأمير الدكتور فيصل المشاري نتائج اختبارات القدرات التي أجراها المركز لطلاب المرحلة الثانوية على مستوى المملكة فحصدت (مدارس تحفيظ القرآن الكريم الحكومية والأهلية للبنين والبنات) التي تعد قطرة في بحر آلاف المدارس المراكز الأولى في التخصصات النظرية لثلاث سنوات متتالية.

стр. 390

وقد ظهر عند كل أمة، أن الأمة تفكر بلغتها، وأعظم تأسيس للعقل المفكر: أن يكون مدركاً لما يقرأ، ومعلوم أنه كلما كان الإنسان متمكناً من حفظ وإتقان كتاب الله كلما كان محباً للقراءة، متمكناً من فهم وإدراك ما يقرأ، الكل بالكل والحصة بالحصة؛ لذلك كان الغالب على هذه الفئة أنها أينما توجهت في التخصصات المختلفة تبذ غيرها إدراكاً وإبداعاً. وإن الأمة في عمومها يوم أن جعلت مناهلها غير هذا المنهل العذب الصافي، والمصدر اللجَب الكافي، ورضيت المناهل التي كدرها وطء الرعاء، ونزح الدلاء، وجدناها كلما أرادت أن تخطوا إلى الأمام خطوة من خطوات رجعت إلى الوراء خطوات في خطوة: ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)). وإن بني يعرب لما ترك جمهورهم تعليم أبنائهم مصدر عزتهم وقوتهم ورفعتهم، متوهمين أنهم بذلك يخطون خطوة نحو عالم الغرب الأول، وجدناهم من تدهور إلى تدهور أشدّ منه. وإنّ الحدث الذي مرّ بنا منذ السابع عشر من شهر شوال من العام ١٤٣١هـ وانتهى - بإذن الله تعالى- بعد مرور خمسة وثمانين يوماً عجافاً، توقفت فيها حلقات تحفيظ القرآن الكريم في منطقة مكة المكرمة، وانصرف ستة آلاف معلم للقرآن، و١٨٥ ألف طالب ينتظرون ويترقبون عودة الحلقات إلى أن يسر الله تعالى عودتها. إنّ هذا الحدث يحمل في طياته منحاً في محن، وعبراً بيّنات تجود بها تأملات، أحببت أن أضع بعضها بين يدي القارئ الكريم، علّها تكون سبباً في انقداح غيرها من العبر في عقول المتأملين، ونفتح الباب لتلقي دروسنا من هذه الحادثة، ونسعى لنستفيد منها في مستقبل أيّامنا، ولا يغرّ بطيب العيش إنسان، وإلاّ فإنّنا سنظل نتلقى الصفعات تلو الركلات، ونحن لم نستطع أن نضع وسيلة لتلافيها، وسنظل نرى من ينام بين كل ركلة وركلة، وبين كلّ صفعة وأختها. وأولى هذه العبر: أنّ كتاب الله تعالى محفوظ بحفظ الله، ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ *الحجر: ٩*، فهذا وعد متحقق جزماً ويقيناً، والله لا يخلف الميعاد، ومن رحمة الله بنا أنّه لم يكل حفظ كتابه إلينا، وكتاب الله ليس بحاجة إلى دفاعنا عنه، بل نحن بحاجة إلى تمسكنا به؛ لذلك نحن لا نخاف على كتاب الله تعالى، وإنّما نخاف من ذنوبنا أن تكون سبباً في حرماننا منه، وفصلنا عنه. ثانيها: ضعف دعمنا الشعبي للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم كان من أسباب وقوف هذه الجمعيات عاجزة عن جعل عمل معلميها وظيفة رسمية، يتقاضى عليها المعلم راتباً يعيش به حياة كريمة، ويترقى من مرتبة إلى مرتبة، ويكون كغيره من الموظفين الذين يجدون مرتباً بعد تقاعدهم يستطيع كلّ منهم أن يعيش به عيشة كريمة، وينال الحقوق التي كفلتها الدولة للموظفين والعمال حين ينطبق عليه نظامهم، لا أن يكون كريشة في مهب ريح. ثالثها: ظهر أنّنا لا نملك خطة بديلة في حال الطوارئ، فما إن أقفلت الحلقات حتى وجدنا الناس بين صمت مخيّم على أجوائهم، وصدمة ملأت نفوسهم، وتحيّر شوّش تفكيرهم، وبدأت عمليات الإسقاط تتوالى، كلٌّ يريد تبرئة نفسه، ورمي لوم التقاعس على غيره، وتناسى أنّه مطالب بالعمل كما أنّ غيره مطالب بالعمل، وإن كانت درجات المطالبة تتفاوت، ونوع العمل يختلف، إلاّ أنّه على كلّ حال مطالب بالعمل من أجل كتاب الله ، وتقصير المقصّر ليس عذراً لمقصّر آخر، ولا حجّة يتذرع بها؛ لينجو من المسؤولية الملقاة على عاتقه، وما كان كلّ ذلك ليقع لولا أنّنا مقصّرون في وضع خطط للطوارئ.
следующие страницы →