← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

هذه بعض أهدافهم التي يؤمِّلونها ويجتهدون في تحقيقها، فالأحزاب العلمانية في السودان بمختلف لافتاتهم السياسية يسعون للهيمنة على المجتمع، وجره إلى التعاسة والشقاء، ومحاولة مسخ دين هذا البلد وعقائده وأخلاقه، بل وحتى عاداته الاجتماعية، تحت شعار السودان الجديد، وبقيادة الحركة الشعبية. وقد بدأت خطواتهم في تحقيق ذلك وقطعوا أشواطا، فمن ضمن خطواتهم: ١) استغلال التباينات العرقية أو الدينية - وتوظيفها لزعزعة أمن البلاد: ومن أكبر الدلائل على هذا: (تصريح قيادات الحركة الشعبية في جبال النوبة والنيل الأزرق، وهم يعلنون في مؤتمر صحفي بقاء الحركة الشعبية بالشمال لتغيير الخرطوم ويرون أنَّ انتهاء بنود الاتفاقية لا يعني عدم وجود صراع بين المركز والهامش، لوجود التهميش بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق .... وأن التعدد موجود وقال بعضهم (لن يستطيع أحد إلغاء التعدد في السودان) (١)، وأن مشروع السودان الجديد وُجد ليبقى في الشمال في حالتي الوحدة أو الانفصال. وهددوا وتوعدوا بأنَّ عدم الالتزام بذلك سيؤدي لوجود نفس عوامل انفصال الجنوب في مناطق بالشمال من بينها جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق والشرق .... ) (٢) ٢) تحطيم الشعائر الدينية والمظاهر الإسلامية، واستبدال قيم الإسلام وأخلاقياته بقيم غربية: فيتعرضون لأحكام الشريعة الإسلامية نقداً، ويتعرضون للعلماء طعناً في مناهجهم وتنقصاً لجهودهم أو حطاً لقدرهم، وتكون عندهم جراءة على الشرع، في وسائلهم وخطبهم وأحاديثهم وكلماتهم. ٣) تحريك الوضع الاجتماعي: من خلال اللعب بورقة المرأة، بوصف المرأة مؤثراً قوياً في هز المجتمع. وخير شاهد على هذا ضجيجهم الذي ملؤا به سمع العالم وبصره في قصة فتاة الفيديو المجلودة، ومن قبلُ الصحفية التي استجارت ببطاقة الأمم المتحدة. ٤) استغلال الأحداث والأزمات: خاصة الأزمات السياسية، والاقتصادية، والتحرك في أوساط القوى المعارضة والمعادية، تمهيداً للهيمنة الكاملة التي يتمنون حصولها فيما بعد لهم، ولا أدل على ذلك من استغلالهم أزمة انفصال جنوب السودان وما بعد الاستفتاء؛ ليفرضوا علمانية الدولة ويطالبوا بدستورٍ علمانيٍّ ملحد، تشهد عليهم تصريحاتهم في الصحف ووسائل الإعلام وفي سبيل ذلك يكونون الجمعيات، وينظمون المسيرات، ويصدرون النشرات، ويعقدون المؤتمرات، ويتحالفون مع الأعداء الخارجيين، كاليهود والنصارى وهذا كله معروفٌ مشهود. ففي آخر تصريحٍ لقيادات الحركة الشعبية في الشمال، شددوا على أنهم سيواصلون نشاطهم في الشمال بمشروع السودان الجديد حتى في حالة انفصال الجنوب، وشددوا على أن «التعدد سيكون أساس الدولة الجديدة في الشمال»، ودعوا الحركات المسلحة للعمل من أجل التغيير من الداخل. وقالوا إنَّ (الانفصال لا يعني نهاية الاتفاقية وأنَّ كافة الأحزاب سترتب أوضاعها في حالة الانفصال باعتبار أن هناك خارطة سياسية جديدة.) (٣) وقد ردت الحركة الشعبية على إعلان الرئيس عمر البشير بأنَّ الشمال سيكون دولة إسلامية وعربية، حيث قال نائب رئيس الحركة الشعبية (إن مستقبل الحركة في الشمال يماثل مستقبل أي حزب آخر) (٤) ٥) العمل على نشر الانحلال والفساد وإشاعة الفواحش والشهوات. السودان والشيعة الرافضة:

стр. 387

إنَّ من التحديات التي تواجهنا في السودان بعد انفصال الجنوب، تمدد الشيعة الرافضة، والتي تغذيها وتدعمها دولة إيران والتي استغلت التعاطف السوداني الرسمي مع الثورة الإيرانية، ومساندة إيران لحكومة الإنقاذ السودانية، وتعمق العلاقات بين البلدين كان له دورٌ كبير في انتشار المذهب الشيعي في السودان، وساعد عليه وجود تعاطف سوداني طبيعي بحكم انتشار التصوف في السودان المعروف عنه الحب الشديد لآل بيت النبي ﷺ . وتزايد هذا النفوذ الشيعي مؤخراً نتيجة التعاطف الشعبي السوداني مع "حزب الله" الشيعي إبان العدوان "الإسرائيلي" الأخير على لبنان صيف ٢٠٠٧، مما رفع أسهم حسن نصر الله زعيم "حزب الله" دون النظر أيضاً إلى عقيدته ومذهبه ورأيه في أهل السنة والجماعة. ويؤكد خبراء سودانيون أن الشيعة دخلوا للسودان عبر العلاقات السياسية بين الحكومة وإيران، إضافةً لانتشار التصوف الذي يعلي من شأن آل البيت وحب آل النبي صلى عليه وسلم، والذي يستغله الشيعة في نشر أفكارهم، وأن بعض الصحفيين والكتاب السودانيين العلمانيين والليبراليين استغلوا القضية لتأييد الشيعة بدعوى "حرية الرأي" ومحاربة ما يسمونه "الهوس الديني والإرهاب والظلاميين"، وأنهم يوظفون ذلك في حربهم ضد الإسلام السياسي والسلفي بغطاء حرية الرأي للشيعة. وبشكلٍ عام، التواجد الشيعي في السودان، بدأ في الظهور عبر زوايا وحسينياتٍ معروفة، ولديهم مراكز تعليمية ومنظمات للمرأة، ولديهم انتشار في المناطق المشهورة بالتصوف، وكان أبرز نشاطٍ للشيعة في السودان ظهورهم علناً للمرة الأولى في تجمعاتٍ ضمت مئات الأشخاص في ضاحية جنوب العاصمة الخرطوم، واحتفلوا بذكرى مولد الإمام المهدي، أحد أبرز الأئمة الشيعة. وقال مشاركون في الاحتفال لجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية إن الاحتفال الذي أقيم يوم الجمعة حضره المئات من معتنقي المذهب الشيعي في السودان، جاءوا من مختلف أنحاء البلاد. وشارك في الاحتفال الذي أقيم في استراحةٍ في ضاحية جبل أولياء، نحو ٤٠ كيلومترا جنوب العاصمة الخرطوم، ممثلون للشيعة من مختلف المواقع في السودان، خصوصا من كردفان، والنيل الأبيض وأم ضوبان، وسط، ونهر النيل، شمال. ومن بين المشاركين طلابٌ في الجامعات والمراحل الثانوية، وأساتذة جامعات، وسياسيون، وصحافيون، وطلاب يدرسون في الحوزات الدينية في مدينة قم بإيران. وتقول تقارير غير مؤكدة (إن للشيعة في السودان نحو ١٥ حسينية، أغلب هذا العدد في العاصمة الخرطوم، وأشهرها حسينية في الخرطوم شرق قلب العاصمة، ينظم فيها منتدى دوري يتناول الأمور الخاصة بالمذهب الشيعي، فيما تشير التقارير إلى أن عملها أقرب إلى السرية، "ليس تخوفا من السلطات السودانية، حيث تغمض عينيها حيال نشاطها، ولكن تخوفاً من الجماعات السلفية") (١). وحسب التقارير فإن هذه الحسينيات تلحق بها مكتبات مقروءة وصوتية، وعبرها يتم الحصول على بعثات دراسية في إيران. الواجب المحتم على كل مسلم: ١) ضرورة الكشف عن العلمانيين:

стр. 388

إن الله كشف المنافقين، وأنزل سوراً عديدةً، منها التوبة، حتى كانت تسمى "المقشقشة" ما تركت أحداً إلا ذكرته منهم، حتى بينتهم وفضحتهم، وكانت تسمى "الفاضحة" أيضاً، فنريد من أهل الإسلام - علماء الإسلام وطلبة العلم والدعاة - أن يترسموا ويستلهموا منهج هذه السورة في فضح العلمانيين، وكشفهم، وبيان عوراتهم، خاصةً وأن كثيراً من العامة ينخدعون بهم، وهذه مصيبة، أن تسير الأمة خلف ركابهم مخدوعة؛ لأنهم يستخدمون ألفاظاً إسلامية، وقد يستشهد أحدهم بآيةٍ أو حديث، أو كتابٍ لأهل العلم، وقد ينقل قاعدةً فقهية، وقد يتكلم، وقد يصلي أحياناً، وهذا الفضح لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يكون من خلال التشويش والتهويش والغضب والانفعال والصراخ أبداً، يجب أن يكون من خلال الوثائق والحقائق والمعلومات الدامغة التي تجعل حتى عدوك لا يملك إلا أن يوافقك على ما تقول. ٢/ على أمّة السودان حكاماً ومحكومين أن ينتبهوا لهذه الأخطار المحيطة بهم في الداخل والخارج والتي تهددهم في دنياهم آخرتهم. ٣/ نداء نوجهه إلى كل صفوف العمل الإسلامي أن يؤجلوا خلافاتهم في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بالعباد والبلاد وليفرغوا طاقاتهم ويركزوا جهودهم لمواجهة هذه التحديات. والوقوف أمام المخطط الأميركي الصهيوني لتفتيت بلاد المسلمين، بدايةً بالعراق -وكما قرر الكونجرس الأميركي بجلسته أخيراً - إلى مناطق ثلاث، كردية في الشمال، وسُنية في الوسط، وشيعية في الجنوب. وهو ما يجري الآن بالنسبة إلى السودان وتقسيمه إلى شمالٍ عربيٍّ إسلامي، وجنوبٍ زنجيٍّ مسيحي، وغربٍ عرقيٍّ وشرق قبليٍّ. والخطر مازال قائماً على بعض مناطق الخليج العربي وتقسيمه طائفياً ومذهبياً إلى سُنةٍ وشيعة، أو عرقياً، والأمم المتحدة بالمرصاد تتلقى توجيهات الدول الكبرى باسم حقوق الإنسان، وحقوق الأقليات، والخطر يهدد المغرب العربي كله وتقسيمه إلى عرب وبربر. البدار البدار بالتوبة النصوح: يقول سيدنا علي ﵁ (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة). وقال الحسن البصري (بلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر). لقد صدق فينا قول رب العزة (ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى). وصدق رسول الله صلى الله عليه في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا: (كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل بأسهم بينهم شديداً). فنحن أمةٌ خفرنا العهد مع الله فسلط علينا عدونا من كل جهة، وتداعت علينا الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها. لقد ذقنا مرارة بعدنا عن كتاب الله، وتجرعنا آلام تنكبنا لطريق الله، وحصدنا ما زرعنا من التساهل والتلاعب بدين الله. لقد آن لنا أن نرجع إلى الله، ونفر إليه فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وحال البلاد والعباد ليس لها من دون الله كاشفة. عليكم عباد الله أن تتوبوا إلى ربكم توبةً نصوحاً، وأن تحولوا مما يكره ربكم إلى ما يحب، لعل الله أن يتحول لكم مما تكرهون إلى ما تحبون، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٣١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سورة التحريم آية: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [سورة هود آية: ٣]. أسأل الله تعالى وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يجعل في قلوب المؤمنين الحماس والرغبة الصادقة في العمل الجاد لما يرضيه، وفي الجهاد الصادق في سبيله، وفي قول كلمة الحق، وفي الدعوة إلى الله تعالى، وفي جمع الكلمة، وفي بذل النصيحة، وفي محاولة رد كيد الكائدين، سواء كانوا من العدو الداخلي المستتر، أم من العدو الخارجي المعلن، وأسأله تعالى أن يكلل العاملين بالنجاح، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص؛ إنه على كل شيء قدير.

стр. 389

حلقات التحفيظ .. توقف وعودة أحمد بن عبد العزيز الحمدان ٢٢ محرم ١٤٣١هـ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فإن من أعظم ما يجب صرف الهمم إليه في تربية الأبناء: تعليمهم كتاب الله تعالى، الذي جعل الله نجاة الأمة وعزتها ورفعتها منوطة بتعلمه وتعليمه والاعتصام به، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ *الزخرف: ٤٤* أي: إن القرآن العظيم لفخر لك وللمؤمنين به ومنقبة جليلة لكم، ونعمة لا يقدر قدرها إلاّ العاملون العاقلون، وهو ذكر لكم يذكركم بخيري الدنيا والآخرة، وسوف تسألون عنه، هل أديتم حقه حتى انتفعتم وارتفعتم به، أم جعلتموه وراء ظهوركم كما صنعت الأمم السابقة بكتبها؟ فـ ((القرآن حجة لك أو عليك)) وأمة الإسلام إنما أعزها الله تعالى بكتابه، فمتى تأخرت عنه مقتها الله وأخرها، ومتى اعتصمت به وفقها وقدمها، قال رسول الهدى ﷺ : ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين))، فلا عزة ولا رفعة لنا إلاّ باعتصامنا بكتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ ، فنحن أمة أعزها الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقد دلّ القرآن على أن الناس فيهم كريم يرفعه الله بالقرآن، ولئيم يهينه الله بهجره القرآن. ولقد جرب أبناء المسلمين بعد أن استخربت ديارهم مناهج عدة، فما جنوا من شوكها إلا الحنظل، وآن لهم أن يوقنوا أنهم لن ينهضوا من كبوتها، ولن تصلح أحوالهم، ولن ينالوا عزتهم، ولن ينالوا موعود ربهم بالخيرية إلا باعتصامهم بالقرآن العظيم؛ إيماناً وتعلماً وتعليماً وعملاً وصبراً. ومن عظيم النماذج التي ضربها سلفنا الصالح في التضحية في باب تعليم القرآن الكريم: التابعي أبو عبد الرحمن السلمي ﵀، الذي جلس للناس يعلمهم القرآن من خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ إلى زمن الحجاج بن يوسف، وكان بين تولي الأول وهلاك الآخر اثنتان وسبعون سنة، وكان إذا سئل عما أجلسه للناس مجلسه هذا معلماً؟ قال: سمعت أمير المؤمنين عثمان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). وكان أبو عبد الرحمن يقول: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا. قال السيوطي ﵀: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها. وقال ابن خلدون ﵀: تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهالي الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، بسبب آيات القرآن، ومتون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي بني عليه ما يحصل بعد من الملكات. ومن الأمثلة المشرفة الواقعة الآن أنه نشرت الصحف المحلية في ١٠/ ١/١٤٣٢هـ إعلان مدير (المركز الوطني للقياس والتقويم) الأمير الدكتور فيصل المشاري نتائج اختبارات القدرات التي أجراها المركز لطلاب المرحلة الثانوية على مستوى المملكة فحصدت (مدارس تحفيظ القرآن الكريم الحكومية والأهلية للبنين والبنات) التي تعد قطرة في بحر آلاف المدارس المراكز الأولى في التخصصات النظرية لثلاث سنوات متتالية.

стр. 390

وقد ظهر عند كل أمة، أن الأمة تفكر بلغتها، وأعظم تأسيس للعقل المفكر: أن يكون مدركاً لما يقرأ، ومعلوم أنه كلما كان الإنسان متمكناً من حفظ وإتقان كتاب الله كلما كان محباً للقراءة، متمكناً من فهم وإدراك ما يقرأ، الكل بالكل والحصة بالحصة؛ لذلك كان الغالب على هذه الفئة أنها أينما توجهت في التخصصات المختلفة تبذ غيرها إدراكاً وإبداعاً. وإن الأمة في عمومها يوم أن جعلت مناهلها غير هذا المنهل العذب الصافي، والمصدر اللجَب الكافي، ورضيت المناهل التي كدرها وطء الرعاء، ونزح الدلاء، وجدناها كلما أرادت أن تخطوا إلى الأمام خطوة من خطوات رجعت إلى الوراء خطوات في خطوة: ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)). وإن بني يعرب لما ترك جمهورهم تعليم أبنائهم مصدر عزتهم وقوتهم ورفعتهم، متوهمين أنهم بذلك يخطون خطوة نحو عالم الغرب الأول، وجدناهم من تدهور إلى تدهور أشدّ منه. وإنّ الحدث الذي مرّ بنا منذ السابع عشر من شهر شوال من العام ١٤٣١هـ وانتهى - بإذن الله تعالى- بعد مرور خمسة وثمانين يوماً عجافاً، توقفت فيها حلقات تحفيظ القرآن الكريم في منطقة مكة المكرمة، وانصرف ستة آلاف معلم للقرآن، و١٨٥ ألف طالب ينتظرون ويترقبون عودة الحلقات إلى أن يسر الله تعالى عودتها. إنّ هذا الحدث يحمل في طياته منحاً في محن، وعبراً بيّنات تجود بها تأملات، أحببت أن أضع بعضها بين يدي القارئ الكريم، علّها تكون سبباً في انقداح غيرها من العبر في عقول المتأملين، ونفتح الباب لتلقي دروسنا من هذه الحادثة، ونسعى لنستفيد منها في مستقبل أيّامنا، ولا يغرّ بطيب العيش إنسان، وإلاّ فإنّنا سنظل نتلقى الصفعات تلو الركلات، ونحن لم نستطع أن نضع وسيلة لتلافيها، وسنظل نرى من ينام بين كل ركلة وركلة، وبين كلّ صفعة وأختها. وأولى هذه العبر: أنّ كتاب الله تعالى محفوظ بحفظ الله، ﴿إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ *الحجر: ٩*، فهذا وعد متحقق جزماً ويقيناً، والله لا يخلف الميعاد، ومن رحمة الله بنا أنّه لم يكل حفظ كتابه إلينا، وكتاب الله ليس بحاجة إلى دفاعنا عنه، بل نحن بحاجة إلى تمسكنا به؛ لذلك نحن لا نخاف على كتاب الله تعالى، وإنّما نخاف من ذنوبنا أن تكون سبباً في حرماننا منه، وفصلنا عنه. ثانيها: ضعف دعمنا الشعبي للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم كان من أسباب وقوف هذه الجمعيات عاجزة عن جعل عمل معلميها وظيفة رسمية، يتقاضى عليها المعلم راتباً يعيش به حياة كريمة، ويترقى من مرتبة إلى مرتبة، ويكون كغيره من الموظفين الذين يجدون مرتباً بعد تقاعدهم يستطيع كلّ منهم أن يعيش به عيشة كريمة، وينال الحقوق التي كفلتها الدولة للموظفين والعمال حين ينطبق عليه نظامهم، لا أن يكون كريشة في مهب ريح. ثالثها: ظهر أنّنا لا نملك خطة بديلة في حال الطوارئ، فما إن أقفلت الحلقات حتى وجدنا الناس بين صمت مخيّم على أجوائهم، وصدمة ملأت نفوسهم، وتحيّر شوّش تفكيرهم، وبدأت عمليات الإسقاط تتوالى، كلٌّ يريد تبرئة نفسه، ورمي لوم التقاعس على غيره، وتناسى أنّه مطالب بالعمل كما أنّ غيره مطالب بالعمل، وإن كانت درجات المطالبة تتفاوت، ونوع العمل يختلف، إلاّ أنّه على كلّ حال مطالب بالعمل من أجل كتاب الله ، وتقصير المقصّر ليس عذراً لمقصّر آخر، ولا حجّة يتذرع بها؛ لينجو من المسؤولية الملقاة على عاتقه، وما كان كلّ ذلك ليقع لولا أنّنا مقصّرون في وضع خطط للطوارئ.

стр. 391

وأتذكر أنّه في زمن سيطرة الاتحاد السوفيتي على بلدان المسلمين في وسط آسيا (الجمهوريات الإسلامية)، كانت تأتينا أنباء من بعض من كان يزور تلك الديار ذات الجدار الحديدي، أنّ المساجد عُطّلت، وأصبحت قراءة القرآن وكتب الدين تعد جريمة يعاقب عليها القانون الشيوعي، وأنّ النّاس أبعدوا عن دينهم، ومنعوا من كتاب ربهم قسراً، ومع ذلك كانوا يدخلون الأقبية يتعلمون فيها القرآن، وكنت أسمعه كضرب من الأساطير. وفي حجّ عام ١٤١٦هـ كنت والشيخ طلال بن أحمد العقيل، والدكتور رضوان بن حسن الرضوان مع سماحة شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀، في زيارته المعتادة التي كان يقوم بها كل عام قبل وبعد الحجّ؛ ليلتقي حجاج الخارج في المطار، وزرنا حجاج دولة من الدول الإسلامية التي خرجت للتو من نير السيطرة السوفيتية، وكانوا قد نزلوا من طائرتهم، ينتظرون إنهاء إجراءات جوازاتهم، وكان جمهورهم من كبار السن الذين شابت لحاهم، فطلب الشيخ مترجماً، فوجدنا أحد المطوفين الذين يتكلمون لغتهم لكنه لا يجيدها، وبدأ الشيخ حديثه معهم في بيان توحيد الربوبية الذي ولج منه إلى تقرير الألوهية، ولم يرعنا إلا صوت شاب يركض من بعيد، وينادي بصوته: أنا أترجم .. أنا أترجم، فأعطاه مكبر الصوت، وبدأ يترجم ويتكلم بطلاقة، ورأينا المستمعين يبدو عليهم التأثر أكثر، وبعد أن فرغ الشيخ، أقبل على الشيخ يسأل: من الشيخ؟ فرد الشيخ مبتسماً: محمد بن عثيمين. وإذا بالشاب ينظر إلى الشيخ باندهاش، ويقول بصوت عال: الشيخ محمد؟! قال: نعم. قال: ابن صالح؟! قال: نعم. قال: ابن عثيمين؟! قال الشيخ: نعم. وإذا بالشاب يضم الشيخ ويقبل رأسه ويبكي، ثم قال للشيخ: يا شيخ، أتأذن لي أن أبلغهم، من أنت؟ قال الشيخ: نعم. وكان الشيخ ونحن معه في دهشة من أمره، فأخذ الشاب مكبر الصوت وحدثهم بكلام لم نفهم منه إلاّ اسم الشيخ، ولقد كان منظراً مؤثراً تأثرنا به جميعاً، حين رأينا الشاب يخبرهم وهو فرح متأثر، وما إن ختم كلامه حتى رأينا أصوات بكاء الحجاج، واللحي قد خضبت بالدموع، وقاموا يصطفون أمام الشيخ، وهذا زاد من دهشتنا، فالتفت الشاب إلى الشيخ، وقال: يا شيخ، هؤلاء كلهم طلابك، لقد كانوا يقرؤون القرآن، ويتفقهون على كتبك وبرامجك الإذاعية في الأقبية تحت الأرض، يا شيخ كلهم يعرفونك، ولكنهم لم يروك، وقد بكوا فرحاً برؤياك، وهم يستأذنونك في السلام عليك، ثم سلموا على الشيخ، وانصرفنا. لقد تمكن هؤلاء الناس في الأقبية تحت نير الحكم الشيوعي أن يواصلوا حفظ كتاب الله، ويتفقهوا بما يمكنهم الوصول إليه من كتب العلماء، ولم يقولوا: لم لم يفعل فلان كذا؟ ولم لم يقل فلان كذا؟ بل عملوا هذه الخطة التي دامت أكثر من سبعين سنة، فحفظ الله تعالى لهم دينهم بها، فما بالنا نحن تعطل فينا كلّ شيء بأدنى هزة؟! رابع هذه العبر: رأينا سنّة الله تعالى في الشامتين من بعض المتلبرلين، الذين طبلوا وزمروا فرحاً بالخبر، حتى أنّ أحدهم كتب في موقع من مواقعهم: هذه خطوة جريئة إلى الأمام، قطعت الصلة بمصدر من مصادر الخرافة والرجعية في هذا الزمن. ويا لها من كلمة ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ *مريم: ٨٩ - ٩٠*. وقام بعضهم بكيل التهم ضد إخواننا الذين علّمونا وعلموا كبار مشايخنا القرآن الكريم، فمنهم من اتهمه بالإرهاب، ومنهم من اتهمه بانحراف في العقيدة ... إلخ.

стр. 392

ولا يجد المؤمن أمراً يخفف عنا صدمة بعض كلماتهم إلا يقيننا بأنّ هذه سنّة المجرمين مع الأنبياء والصالحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ *الذاريات: ٥٢، ٥٣*. وعن ربيعة بن عباد ﵁، قال: (رأيت رسول الله ﷺ وهو يمر في فجاج ذي المجاز، قبل أن يهاجر، وهو يدعو الناس إلى الإسلام، يتبع الناس، يدعوهم إلى الله في منازلهم، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، إلا إنهم يتبعونه، وهو لا يسكت، يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. فلم يزل يرددها مراراً، وخلفه رجل أحول وضيء الوجه، ذو غديرتين، يتبعه، يقول: يا أيها الناس، لا تقبلوا منه، إنه غوي، صابئ، كاذب، لا يفتنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. ويرمي عقبيه بالحجارة حتى أدمى عقبيه. قلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهو يذكر النبوة. قلت: ومن هذا الأحول، الذي يمشي خلفه يكذبه؟ قال: هذا عمه أبو لهب. قال: ورسول الله ﷺ يفر منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان). خامس عبرة: أنّ الإغراق في الترفه، وجعله هدفاً لا يحيد المرء عنه، يحول بينه وبين كثير من أعمال الخير والاحتساب، ولقد ظهر ذلك جليّاً في عزوف السعوديين عن الجلوس إلى طلاب التحفيظ، ونيل شرف تعليمهم كتاب الله تعالى، ولقد أخبرني بعض مسؤولي الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم عن عزوف السعوديين عن التشرف بهذه المهنة، وأنّ الجمعية تعطيه راتب المعلم غير السعودي الحافظ المجاز، وهو لا يحفظ إلا ثلث القرآن، وغير مجاز، ومع ذلك يشترط المسجد الذي يريد أن يكون فيه، ويوافقونه على طلبه، ثم لا يلبث - بعد مدة قد لا تطول- أن يتركنا فجأة، ويوقعنا في حرج البحث عمن يسد مكانه، وها هم من بين أكثر من ألف معلم لم يجدوا إلاّ أقل من ثلاثين وافقوا موافقة مبدئية، ولا شكّ أنّ هذا خلل كبير لابدّ من إيجاد حلّ له. سادس عبرة: كثرت الدندنة حول (مخرجات التعليم وسوق العمل)، ومع أنّ هذا سوق عمل كبير جداً، إلا أنا لم نر من أشار إليه أدنى إشارة، بل جلّ ما نقرؤه تحريض ضد أن تهتم الجامعات بهذا النوع من التخصص، وإذا كانت جمعيات منطقة مكة المكرمة فقط تحتاج إلى أكثر من ستة آلاف معلم ومعلمة لتعليم القرآن - غير الحلقات التي لم تجد معلمين إلى الآن - فأين من سودوا صفحات زواياهم بالمنادات للمواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل؟ لقد أقاموا الدنيا وما أقعدوها من أجل ١٦٨ عمل كاشيرة، بحجة أنها تنهي بطالة النساء، فأين هم من ٣٠٠٠ وظيفة معلمة، تنهي -حسب رأيهم - بطالة آلاف النساء. سابعها: الكلمة أمانة، وقد رأينا جميعاً كثيراً ممن خاض في هذه المسألة بدون علم، أو بهوى، وتكلم بكلام، أسأل الله أن يوفقه للتوبة منه، فيه من المجازفات شيء كثير، ولو أنّه تذكر قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ *ق: ١٨*، وقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُون﴾ *الصافات: ٢٤*، وقول رسول الله ﷺ : ((وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم القيامة)). وهذا يجعلنا نتنبه إلى أنّ ليس كل ما يقال يمكن تصديقه، فكم من بريء اتهموه، وكم من متهم برؤوه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ *النساء: ١١٢*.

стр. 393

ثامنها: سلاح المؤمن: دعاؤه ربّه أن يسهل له أمره، وتملقه وإلحاحه عليه، ورفعه خاضعاً يديه، هو من أعظم ما يدخره العبد للملمات، هذا السلاح الذي يستحي الله ﷻ أن يرد يدي صاحبه صفراً، كذلك يغضب ممن يلقيه جانباً ويجعله آخر اهتماماته، ولقد رأينا أننا لم نعط هذا السلاح حقّه في هذه الفترة التي توقفت فيها الحلقات، وغفل بعضنا عن قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ *غافر: ٦٠*، وقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ *النمل:٦٢*. قال الماوردي ﵀: وإنما خص إجابة المضطر لأمرين: أحدهما: لأن رغبته أقوى وسؤاله أخضع. الثاني: لأن إجابته أعم وأعظم؛ لأنها تتضمن كشف بلوى وإسداء نعمى. وإني لأدعو الله والأمرُ ضيق ... عليّ فما ينفك أن يتفرجا وربّ أخ سُدت عليه وجوهه ... أصاب لها لما دعا الله مخرجا مع أنّ كثيراً منّا رأى نماذج تثلج الصدر في التواصي بالدعاء، وتحري مواطن الإجابة، حتى في خارج بلادنا، فقد أخبر إمام مسجد معروف، قال: اتصل بي رجل تركي كان يعمل في جدة، وسألني: يا شيخ ماذا حصل عندكم، فقد سمعت إمام مسجدنا في تركيا يقنت لعودة الحلقات في مكة المكرمة؟! تاسعها: ما تزال مجالس بعضنا لا تتجاوز البكاء عند وقوع ما لا نرضاه، ولا تنطلق إلى فعل ما يرضي الله، بل قد يقع بعضهم في تجاوزات شرعية، يحاول بها سد خلل ضعفه، وستر عجزه وخوره، ولا يسعى لفعل شيء موجب يكون من ورائه ما يخدم الإسلام والمسلمين، متواكلاً في ذلك على من يسعى لرمي عبء المسؤولية عليه، متذرعاً بأنه لا يستطيع أن يصنع شيئاً. وهذه بلية ابتلي بها بعضنا، فلابدّ من إنكارها؛ بتوجيه من يكثر منها إلى أن يكون فاعلاً لا بكّاءً لوّاماً فقط. عاشرها: ظهور عظمة كتاب الله تعالى في نفوس المسلمين حيث اهتزت مشاعرهم، وهالهم ما وقع، وهذا أمر مهم حريّ بالعاقل أن لا يهمل استثماره؛ لصالح كتاب الله تعالى. العبرة الحادية عشرة: لنتذكر جيداً أنّ هذا الأمر لم يكن ليصيبنا إلاّ بتفريط منّا في جنب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ *الشورى: ٣٠*، ولنعلم أنّه لم ينزل بلاء من السماء إلاّ بذنب، ولا يكشف إلاّ بتوبة، فلنبادر إلى التوبة النّصوح؛ ليرفع البلاء، ويعمّ الرخاء، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ *نوح:١٠ - ١٢*

стр. 394

الثانية عشرة: أنّ المملكة العربية السعوديّة مع تكالب أعدائها، والضغوط التي تمارسها القوى العظمى الدوليّة عليها، وانحسار أداء الجهات الدعوية والإغاثية عمّا كانت عليه خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وظهور بعض النماذج غير الموفقة التي كانت وما زالت تستعدي علينا غيرنا، وتسعى لتشويه صورتنا؛ بالنّفخ في كلّ خطأ يقع، وتشويه كلّ خير يظهر، بل وبنشر الفساد من خلال بعض وسائل الإعلام، مع كل ذلك وغيره ما زالت أمامنا فسحة لتصحيح الوضع؛ لأنّ مقومات التصحيح موجودة، والمسلمون قاطبة تشرئب أعناقهم لكلّ حدث يقع في قبلة المسلمين، ويتألمون أشدّ الألم لكلّ ما يرونه خروجاً عن النّهج الذي قامت عليه هذه البلاد، ويشتدّ نكيرهم علينا، ولا يحقّ لنا أن نلومهم؛ لأنّ ما يؤملونه فينا ومنّا أفضل ممّا نحن عليه، وأكبر ممّا نظنّه مرض لنا، فهم لم يعرفونا ويحبونا لأنسابنا وجاهنا، ولا عقاراتنا وأرصدتنا، ولا لإبلنا وأغنامنا، ولا لمنتدياتنا وأفلامنا، وإنّما لأنّنا البلد الوحيدة التي ينادي حكامها ليل نهار أنّهم يطبقون الشريعة، ويحمون الملّة، ويخدمون الحرمين الشريفين، وينصرون قضايا المسلمين، أحبونا لما رأوا النّماذج المسلمة المشرقة منّا التي قادت الخير في كلّ موطئ قدم تطؤه، أحبونا لجائزة الملك عبد العزيز، والأمير نايف وسلمان ومحمد بن فهد للقرآن والسنة، فإذا خرجنا أمامهم بغير هذه الصورة، فلا نلم أنفسنا إذا تغير حبهم إلى كره، وإعجابهم إلى احتقار، وتعلقهم إلى نفور، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ *آل عمران:١٨٢*، والعرب تقول: يداك أوكتا وفوك نفخ. الثالثة عشرة: ظهرت قيمة حلقات تحفيظ القرآن، ومعلمي التحفيظ، وتجلت في النّفوس لما حُرم أبناؤنا منها ٨٥ يوماً، وظهر لكثير من الآباء والأمهات أنّ أبناءهم والحلقات؛ كحبّ قمح في سنبله، لا يصلح إلاّ فيه، وإن أخرج منه قبل اشتداده لم ينتفع به. وهذه حادثة من مئات غيرها لامرأة كان ابنها ذو السنوات الست في حلقة تحفيظ، وكانت أمّه تأتي به كلّ يوم عند باب المسجد، ثم تنتظره، فإذا خرج أخذته إلى بيتها، وبعد أن توقفت الحلقات، اتصلت بمشرف الحلقات تطلب منه أن يوافق على انضمام ابنها إلى الحلقة التي بقيت، فأخبرها أنّ هذه حلقة مؤقتة لطلاب الثانوية والجامعة، يقوم عليها أحد الطلاب تطوعاً بانتظار أن يعود معلمهم إليهم، ولا أستطيع إلحاق ابنك بهم لفارق السنّ، وأرى أن تعلميه في بيتك قصار السور، يقول المشرف: فهالتني إجابتها، حيث قالت: يا أستاذ، أنا حافظة وعندي إجازة في القرآن الكريم، لكن ولدي يحترم معلمه ويستجيب له أكثر مني، وينتفع به. قال: حينها ظهرت أمامي الخيرية التي ذكرها رسول الله ﷺ : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وأنها تقتضي المنزلة العالية والهيبة لمن جلس يعلم الناس القرآن؛ لأنها مرتبطة بعظيم، وهو كتاب الله تعالى. قال: فاعتذرت منها، وطلبت منها أن تصبر لحين عودة الحلقات، فظلت تردد: يا رب، يا رب، يا رب، وتبكي، وأنهت المكالمة. الرابعة عشرة: المحن تكون سبباً في صقل أفذاذ الرجال، فما أحوجنا إلى اهتبال هذه الفرصة ليتحمل شبابنا مسؤولياتهم، في زمن أصبح التواكل وعدم الاهتمام سمة بعض الشباب، ولكنّه قد ينتفض إذا رأى أنّه في وجه العاصفة. قال أحد المعلمين: لما جاء خبر إبعادنا عن الحلقات، جمعت الشباب الذين أعلمهم، ونظرت إليهم نظرة تحفيز، ووضعت يدي على أكتافهم، وقلت لهم: هذا زمنكم ... إني قد مضى زمني. فكان ذلك الموقف سبباً في تأثر الطلاب تأثراً عميقاً، وتقدم أحد الشباب وهو يسكن في بلدة تبعد عن الحلقة ٧٠ كيلو، ولسان حاله يقول: أنا لها. وقام بالمهمة خلفاً لمعلمه. فكم نحن بحاجة إلى صناعة الرجال الذين يحملون المسؤولية ويواصلون الطريق على مائدة القرآن. العبرة الخامسة عشرة: تعودنا أنّه كلّما وقعت مسألة من مسائل ما يسمى بـ (حقوق الإنسان)، ضجّت بعض الهيئات والجمعيات الخارجية، مدّعية أنّ حقوق الإنسان تنتهك، ونحو ذلك من (شجب واستنكار)، أمّا في هذا الحدث فقد مرّ وكأنّ الأمر لا يعنيهم، ونحن لا نريد تدخلهم في جليل ولا حقير، ولا قنطار ولا قطمير، ولكنّا نظهر المكاييل المختلفة التي يعاملون بها الناس، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ *المطففين:١ - ٣* ولا أشك أنّ العبر في هذا الحدث أضعاف ما ذكرتُ، ولم يكن القصد من المقال الحصر، ولكنه محاولة لفتح باب التأمل، واستخراج العبر، وإضافتها. والله تعالى أعلم.

стр. 395

ولا تهنوا د. سليمان بن صالح الجربوع ٢٢ محرم ١٤٣٢هـ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله لا يخفى على أحد الفتن التي تحدث كل يوم في أمتنا الإسلامية من انتهاك لحرمتها وتدنيسٍ لمقدساتها واستهزاء بها، ومن ناحية أخرى فقد بدأ الوهن ينتشر في قلوب كثير من الناس وفقدوا الثقة في استعادة مجد تلك الأمة بل ربما فقدوا الثقة في ربهم هل تخلى عنهم أم لا يستطيع نصرهم؟! واستبد بهم اليأس من إمكانية التغيير من وضع الهزيمة إلى نصر. أريد في هذه الأسطر أن أوضح للقارئ أن مرحلة الضعف التي تمر بها الأمة الآن ليست أولَ مرحلةِ ضعفٍ تمر بها، وليس أولَ انهزامٍ تراه الأمة على مر تاريخها وعصورها، ولكنها دائما ما حاول أعداؤها القضاءَ عليها فإذا بها تقوم من جديد، قال أحد المستشرقين على فترة ضعف المسلمين أيام الغزو التتاري والصليبي:" كانت المقولة في بداية القرن الثاني عشر الميلادي متى سيموت جيش محمد، وما إن قارب القرن على الانتهاء حتى تبددت المقولة أي شيء سيوقف جيش محمد"؟ وأريد أيضا أن أوضح أن الإسلام لا يهزم قط وإنما تهزم أجيال؛ لأنها ليست جديرة بالنصر ولا بالتمكين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .... [المائدة: ٥٤]. وقال أيضا: ﴿إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .... [التوبة: ٣٩]. وهاك بعض مراحل الضعف التي ألمت بالأمة على مدى عصورها لترى أن كل هذه المراحل لم تزدها إلا قوة إلى قوتها وكانت كالأسد في براثنه. ١. في بداية البعثة واجه المسلمون محنا وضعفا وانهزاما كثيرا وعظيما ولكنَّ روحَهُمْ كانت تطَّلع إلى النصر حتى جاء بعد عشر سنين ـ بهجرتهم إلى المدينة ـ قضوها بين آلام التعذيب والمقاطعة المالية والمعنوية التي دامت ثلاث سنوات، ومع كل ذلك كان النبي ﷺ يمر عليهم ويقول لهم ـ وهذا ما نود أن نقوله للناس اليوم مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وعاصيهم ـ)) ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغَ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل الله به الكفر (( .... [قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح]. ٢. وعندما طلب منه أصحابه النصرة خاطبهم بقوله ﷺ :)) .... والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون (( .... [رواه البخاري].

стр. 396

٣. في غزوة أحد انقلب نصرنا أمام أعيننا إلى هزيمة كادت نهايتها أن تكون بمقتل رسول الهدى محمد ﷺ ، ولكن الله سلم، فسبب الهزيمة مخالفة أمر النبي ﷺ ، وليس قوة الأعداء ـ، وكانت في السنة الثانية للهجرة يوم السبت، ولكن ونحن مثخنون بجراح الانهزام نودينا من فوق سبع سماوات بقوله تعالى:)) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (( .... [آل عمران: ١٣٩]. حتى ونحن في حال انهزامنا وانكسارنا نحن الأعلون بنص كتاب الله؛ لأننا ونحن منهزمون لا نزال الطائفة الوحيدة على وجه البسيطة وربوعها تقول لا إله إلا الله. ومع تلك الجراحات التي أصابت المسلمين يوم السبت يؤمروا بأن يخرجوا يوم الأحد لملاقاة المشركين في حمراء الأسد، بل زيادة في العزة لا يخرج إلا من خرج بالأمس معهم، وتحقق ما أراد الرسول ﷺ فلما رأى أبو سفيان هذا تراجع عن مهاجمة المدينة وقفل راجعا إلى مكة المكرمة. ٤. وعندما أحيط المسلمون بعشرة آلاف مقاتل من جُلِّ قبائل العرب واليهود، بل أحيط من خارج المدينة ومن داخلها ـ أرى أن التاريخ يعيد نفسه من جديد ـ، وانظر إلى الموقف ساعتها، قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ .... [الأحزاب: ١٠ - ١١]. في تحالف الأشرار وقتئذ ـ كما هو الحال الآن ـ انقسم الناس إلى أقسام: قسم المنافقين ـ يمثلهم في الوقت الحاضر المنافقين والضعفاء والعملاء ـ قالوا: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .... [الأحزاب: ١٢ - ١٣]. وقسم المؤمنين الثابتين الواثقين بنصر لله ـ يمثلهم في عصرنا المتفائلين العاملين في الدعوة بروح تحمل حلاوة النصر واستنشاق رياحه من قريب ـ: ﴿وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ .... [الأحزاب: ٢٢ - ٢٣]. وقسم النبي ﷺ الذي مثل أقصى حالات الشموخ في زمن الانكسار والثقة بنصر الله والتفاؤل وأجمل معاني الأمل، إذ لما استعصت الصخرة على أصحابه استدعوه فكسرها على ثلاث ضربات، كل ضربة يخرج منها برقة ويبشر الرسول ﷺ أصحابه بأنه مع الضربة الأولى فتح الله لي اليمن، والضربة الثانية فتح الله لي الشام والمغرب، والضربة الثالثة فتح الله لي المشرق .... [رواه ابن إسحاق في السيرة والنسائي]، والمنافقون والمرجفون يثبطون الهمم ويحبطون الآمال: " يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ".

стр. 397

٥. ومات القائد والرسول الكريم محمد ﷺ وكانت المصيبة العظمى في تاريخ الأمة، وهام الصحابة على وجوههم، ولكن أبو بكر فهم الأمر فهما عميقا لذلك صار أكمل الأمة إيمانا:" من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت "، ما كان قوله هذا إلا لإيضاح أن هذا الإسلام ليس مرتبطا بأحد، وإلا لانتهى بموته ﷺ ، وإنما هو مرتبط بالله فقط، ورتل الآية التي أنزلها الله يوم أحد يوم أُعْلِنَ موتُهُ ﷺ فاتنبه لذلك الصحابة فبين الله لهم أن محمدا بشرٌ يجري عليه شئون الكون مجريها، وأن الجهاد يكون لله والنصر بيد لله ليس بيد أحد من مخلوقاته: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ .... [آل عمران: ١٤٤]. ٦. وتكالب الأعداء مرة أخرى على هذه الأمة من خلال فئات ثلاث: الفئة الأولى: مانعو الزكاة وأصر أبو بكر على محاربتهم. والفئة الثانية: حروب الردة وحاربهم أبو بكر حتى قضى عليهم. والفئة الثالثة: الروم على حدود الدولة وأنفذ لهم أبو بكر جيش أسامة، وعندما دخل عليه الفاروق بأمر من أصحابه بأن يكف عن إرسال جيش أسامة لحاجة المدينة لمن يحميها قال ﵁ قولته المشهورة:" والله لو أن الطير تخطفني، وأن السباع من حول المدينة، وأن الكلاب جَرَتْ بأرجل أمهات المؤمنين ما رددت جيشا وجّهه رسول الله ولا حللت لواءً عقده، والله لو لم يكن في القرى غيري لأنفذته، أو أطيعه حيا وأعصيه ميتًا؟! " لأنه كان واثقا في نصر الله لهذه الأمة مهما تكالب عليها أعداؤها ومهما رأى المثبطون أن الأمة ضعيفة عن مواجهة كل هذا الكم من الهجمات، لذلك مات ﵁ بعدها بسنتين وجيوشه تغزو في اليرموك. ٧. وفي بدايات القرن الرابع الهجري دخل القرموطي كما يروي لنا ابنُ كثير بيت الله الحرام يوم التروية، ووقف هو وجنوده في ساحته يفتكون بالحجيج وبكل من تعلق بأستار الكعبة، وما فتئ يقول: أنا اللهُ أنا الذي أحي أنا الذي أميت، أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ واقتلع ـ عليه من الله ما يستحق ـ الحجر الأسود وأخذه معه إلى خراسان، حتى عاد إلى مكانه بعد ثلاث وعشرين سنة. هل هزم الإسلام؟ هل وقف الطواف طيلة هذه المدة؟ لأن الإسلام ليس مرتبطا بمدينة ما وإنما هو مرتبط بالله لا غير. ٨. وفي عام اثنين وتسعين وأربعمائة للهجرة دخل الصليبيون بيت المقدس، ويصور دخولهم وما فعلوه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: " استحوذ الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل ـ أي: مليون ـ فقتلوا في وسطه أزيد من سبعين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا. قال ابن الجوزي وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلا من فضة زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورا من فضة زنته أربعون رطلا بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلا من ذهب، وذهب الناس على وجوههم هازعين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة

стр. 398

والسلطان ... " ولكن لم ينجدهم أحد. وتصور كتب الغربيين الموقف من شدة سفك جنودهم لدماء المسلمين أن خيولهم غاصت في هذا الدماء. وصار المسجد الأقصى مشتى لخنازيرهم، وظل هكذا المسجد أسيرا لا تقام فيه الصلاة ولا يرفع فيه الآذان ثنتين وتسعين سنة ـ عمر اليهود في المسجد الأقصى واحد وستون سنة والصلاة تقام فيه والآذان يرفع فيه ـ حتى قيض الله لفتحه صلاح الدين الأيوبي ﵀. فتأمل كم جيلًا مر وعاش ومات ولم يرَ المسجد الأقصى حرا في أيدي المسلمين؛ لأنها أجيال لم تستحق النصر، ولكن جيل صلاح الدين جيل يستحق أن يتوج بطلا للملحمة الإسلامية لذلك فتح الله على يديه القدس، وسيقيض الله لهذه الأمة من هو مثل صلاح الدين لإعادة مجدها من جديد، ولكنكم قوم تستعجلون. ٨ - وفي القرن السابع الهجري بدأ التتار التحرش بالدولة الإسلامية فسفك أعراض المؤمنات في بخارى وسمرقند وترمذ وغيرها من البلاد، بل كانت النساء يربطن من أثدائهن ويشددن منها، وقتل خلق كثير وغدر وفجر وبقر بطون الحوامل واستباحت بيضة الإسلام. ثم كانت الفجيعة الكبرى والحدث الضخم وهو دخوله بغداد، معتقدا ـ كما يعتقد أحفاده اليوم ـ أنه بالقضاء على بغداد دار الخلافة وقَتْلِ الخليفة يكون قد قضى على الإسلام. ولكن أريد أن أنقل لك بالنص تصوير ابن كثير لهذا الموقف:" وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنشاب من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه وكانت من جملة حظاياه وكانت مولدة تسمى عرفة جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، وفزع فزعا شديدا " وقد أحصى ابن كثير عدد القتلى الذين قتلهم التتار في بغداد فقط من بين ثمانمائة ألف قتيل إلى ألف ألف قتيل إلى قول بعضهم أنهم ألفا ألف قتيل، حتى ذكر أن الناس في دمشق قد مرضوا بسبب تعفن الجثث في بغداد مما أفسد الهواء، بل كان الرجل " يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويُؤسر من يختارون من بناته وجواريه ". وبل كان التتاري إذا مر على المسلم في بغداد ولم يكن حاملا سيفه يقول للمسلم انتظر هنا حتى آتي بسيفي وأقتلك فينتظره المسلم المغلوب على أمره.

стр. 399

وقد أعمل السيف فيها أربعين يوما، وجرت أنهار بغداد مرة باللون الأسود لكثرة ما أغرق فيها من الكتب، ومرة باللون الأحمر لكثرة قتل المسلمين. يقول ابن كثير: " ولما انقضى أمد الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول ـ جمع تل ـ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاءُ والوباءُ والفناءُ والطعنُ والطاعونُ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضا، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباءُ الشديدُ فتفانوا ولحقوا بمن سبقهم من القتلى واجتمعوا في البلى تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ". وانطلقوا بعد ذلك إلى الديار الشامية ـ كما يخطط أحفادهم اليوم الذين لم يقرؤوا تاريخنا ـ يأسرون ويقتلون ويفتكون بالمسلمين وأحرقوا أسوار قلعة دمشق ودكوها دكا، وساندوا النصارى على المسلمين في دمشق فظل النصارى يشربون الخمر في المساجد ويسكبونها على عتبات المساجد. وبعد هذا الانهزام والانكسار الذي مرت به الأمة الإسلامية بعده بسنتين في عين جالوت ينتصر المسلمون عليهم بقيادة الملك المظفر قطز، ويهزمونهم شر هزيمة، بل بدأ التتاريون في الهروب من الديار الشامية " فتتبعهم المسلمون ـ كما يقول ابن كثير ـ: " من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الأموال فيهم، ويستفكون الأسارى من أيديهم قهرا ولله الحمد والمنن على جبره الإسلام ومعاملته إياهم بلطفه الحسن. وجاءت بذلك البشارة السارة فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر لله فرحا شديدا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدا، وكبت أعداء الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون، ونصر الله دينه ونبيه ولو كره الكافرون ". ٩. وفي سنة ستة عشر وستمائة دخل الصليبيون دمياط وقتلوا أهلها وظلوا يفجرون بالنساء في المساجد ويفتضون العذارى، وأخذوا نسخة من القرآن وأرسلوها إلى الجزائر. وبعد سنتين استنجد الملك الكامل بأخيه الأشرف فنجد وحاصروا الصليبيين في دمياط حتى اضطروهم على الصلح وطردوا شر طردة وقتل منهم عشرة آلاف كافر بالله ورسوله ﷺ . ١٠ - وفي عام سبع وستين وتسعمائة وألف قام اليهود بضرب مصر وسوريا فدكوا الأراضي المصرية وضربوا المطارات المصرية، وحتى ضربوا الطائرات على الأرض قبل أن تقلع، وتاه الجنود في الصحراء وضلت أمة قيل أنها سترمي اليهود ومن ورائهم في البحر. وفي عام ثلاث وسبعين أي بعدها بست سنين ـ بما تبقى منها من إيمان ـ انتصر المسلمون وعبروا خط بارليف واستردت الأمة كرامتها لتعلم الدرس: ﴿إِنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبْتَ أَقْدَامَكُمْ﴾. ١١ - وعندما تدخل شارون المسجد الأقصى عام ٢٠٠٠ وظن أنه بهذا الصنيع يهزم المسلمين هزيمة روحية انطلقت انتفاضة لم تكن في حماس والفتح فقط، وإنما ـ بحسب تعبير بعض الجرائد الإسرائيلية ـ امتدت لتشمل عناصر لم تشملها من قبل.

стр. 400

وفي الختام لن تنتصر هذه الأمة إلا عندما تؤتى صبر نوح على قومه فقد دعاهم عشرة قرون ولم ييأس ويستعجل النصر حتى أتاه بعد عشرة قرون ـ عمر أمة محمد ﷺ حتى الآن خمسة عشر قرنا ـ وظل يدعو بين قومه سرا وجهارا، يدعو بالصوت والقدوة حتى إذا استغشوا ثيابهم دعاهم بالإشارة ﵇ ثم يؤمر ببناء السفينة فيسخر قومه منه فيسخر منهم، وفي نهاية هذه القصة قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ .... [هود: ٤٩]. وحاول أن تتأمل ختام هذه الملحمة. وتؤتى يقين موسى بنصر ربها في أشد وأصعب الأوقات، فانظر إلى موقفه مع السحرة وقد جمعوا له سبعين ألف ساحر إذ قال لهم بعزة المؤمن الواثق بنصر الله:"فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ" قمة الاستهزاء بمكرهم وألاعيبهم، حتى إذا ألقوا: " فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ " فكانت النتيجة:" وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ " .... [هود: ٨٠ - ٨٢]. ولما لحقه فرعون فصار فأحاطه من الخلف وأحاطه البحر من الأمام وظن قومه أنهم هالكون على يد فرعون لا محالة، كان موسى يردد:" قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ " فكانت النتيجة:" فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ " .... [الشعراء: ٦٢ - ٦٣]. وتؤتى ابتسامة محمد ﷺ وشموخه وثقته بنصر ربه له وهو في الغار مع صاحبه وقريش كلها تطلبه حيا أو ميتا:" ما ظنك باثنين الله ثالثهما " .... [متفق عليه]. اعلم أخي الكريم أنه لن يهزم قوم نزل فيهم:" وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " .... [آل عمران: ١٣٩]. والحمد لله رب العالمين.

стр. 401

هوس التفسير السياسي بقلم: فهد العجلان ١١محرم ١٤٣٢هـ تتملكني الدهشة والإعجاب كلما نظرت في بعض المواقف الصارمة لأئمة السلف من الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعامل مع (السلطة السياسية). ولو فتح الشخص صفحة ذلك التاريخ لانهالت على ناظريه عشرات القصص والأخبار في إنكار الدخول على السلاطين، أو تولي القضاء لهم، وإسقاط الرواية عمَّن وجدوه مترخصاً في ذلك، إلى مواقف أشد حسماً وصرامة كمثل ما روي أن (خلفاً البزار) رفض الرواية عن شيخه (الكسائي) بسبب أنه سمعه مرة يقول: سيدي الرشيد، فقال: (إن إنساناً مقدار الدنيا عنده أن يجعل من إجلالها هذا الإجلال لحري أن لا يؤخذ عنه شيء من العلم) (١). وأتساءل مع القارئ الكريم: ما سبب هذه الصرامة المنهجية التي سلكها أولئك الأئمة؟ يحلو لكثير من الناس أن يبحث لها عن مبررات وأعذار؛ لأن ثَمَّ قناعة في التفكير الفقهي المعاصر بعدم رجحان مثل هذه المواقف بناءً على قاعدة جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي آراء قابلة في تفاصيلها للاجتهاد والأخذ والرد. غير أن ما يدهش المتابع حقاً أن هذا الموقف في جملته قد كان صيانة ربانية وعناية إلهية لهذه الشريعة من حيث لا نشعر؛ لأن (التفسير السياسي) هو أعظم قوس جائرة سُدِّدت إلى جسد التراث الإسلامي؛ فكل الدراسات الفكرية المعاصرة التي أخذت تنبش في تاريخ الإسلام وتراثه كانت تعتمد بشكل رئيس على تأثير السياسة على النصوص الشرعية وطرائق الاستدلال والاجتهاد، وأن الأحكام والنصوص لم يكن مردُّها إلى التشريع والديانة بقدر ما هي متأثرة بواقعها الذي صاغته السياسة. وحين يعرف المتابع حقيقة ما كان عليه العلماء في ذلك الزمن، وبُعدَهم عن السلطة، وتحاشيهم عنها، وتحفُّظهم من مجرد الدخول عليها أو تولي القضاء لديها، فإنه سيجد أن مثل هذا الاتهام ضرب من الهجاء والشتيمة لا أساس له من البحث العلمي. يغطي التفسير السياسي مساحة واسعة في حركة خلايا العقل العَلماني المعاصر، ولو تعطل هذا التفسير لتوقفت حركة تلك القراءات عن البحث في تراث الفقهاء ونصوص السَّنة؛ فلا يقرأ الباحث منهم أي حكم أو ينظر في أي نص إلا ويفتش عن أثر السياسة في الموضوع، وبطريقة كسولة جداً لا تتعدى ربط أي نص شرعي بأقرب حدث سياسي، وتعليق أي حكم بأدنى سلطان (فما من شيء في هذا التاريخ إلا وهو مبصوم بخاتم السياسة: الفكر، والفقه، والاجتماع، والاقتصاد، واللغة، والفن، والجغرافيا، والسيكولوجيا، بل النص الشرعي ذاته) (٢). فكلها مصبوغة بالسياسة، ولم يبقَ ما هو خارج عن تأثير السياسة إلا شيء واحد، وهو ما يكتبه مثل هذا المؤلف، والبحوث والأفكار التي يقررها فهي بلا شك بعيدة عن تأثير السياسة التي تبصم على كل شيء. ومع أن التفسير السياسي هو أكبر الأدوات التفسيرية التي يعتمدها هؤلاء في قراءتهم للتراث، وهو أكثرها شيوعاً وحضوراً؛ إلا أنه في الوقت نفسه أضعف نقطة وأهش زاوية يعتمدون عليها؛ فنشر نماذج وأمثلة للتفسير السياسي على السطح كافٍ لكشف المستوى الموضوعي والعلمي لتلك الدراسات، وأن هذا التفسير يعبر عن حالة مَرَضيَّة أكثر من تعبيره عن روح علمية. فأحدهم يقرر تأثير السياسة على الشافعي؛ لأنه: (الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذي تعاون مع الأمويين مختاراً راضياً) (٣). ولشدة ضغط المرض السياسي خفي عليه معرفة مولد الشافعي الذي يعرفه الجميع وهو (سنة ١٥٠هـ)؛ أي: بعد زوال الدولة الأموية بثماني عشرة سنة.

стр. 402

وباحث آخر يفسر الظاهرية التي كان عليها (ابن حزم) بأنها موقف سياسي اتخذه ابن حزم لأجل أن الدولة الأموية بالأندلس تحتاج لمشروع يناهض المشروع الثقافي لخصميها (العباسي) و (العبيدي) فجاءت بابن حزم: (لينطق باسمها ويحمل مشروعها الثقافي) (١). وقد أعماه التفسير السياسي عن إدراك الحقيقة التاريخية الواضحة من أن الدولة الأموية بالأندلس قامت سنة (١٣٨ هـ)؛ أي: قبل مولد ابن حزم بما يقارب قرنين ونصف من الزمان؛ إذ ولد سنة (٣٨٤ هـ)، وسقطت الدولة سنة (٤٢٢ هـ) وابن حزم ما يزال في عز شبابه (ت ٤٥٦هـ). ومؤلِّف ثالث يتهم كعب الأحبار بأنه يروي الأخبار تملُّقاً لعبد الملك بن مروان (٢) مع أن كعباً قد توفي عام ٣٤ هـ قبل أن يتولى عبد الملك الخلافة بما يزيد عن ثلاثين سنة، وهي فضيحة يستحي منها أي باحث لم يبتلى بمرض التفسير السياسي. وقد كنا نحسب مصطلح (إجماع أهل المدينة) عند المالكية دليلاً وأصلاً شرعياً، لكننا لم ننتبه لكونه سلاحاً سياسيّاً وعصياناً للسلطة كما تفطَّن أحدهم حين قال: (فلو أراد إمام دار الهجرة التقرب إلى السلطة السياسية لوجد الطريق إلى ذلك سهلاً، بإسقاط هذا الأصل الذي انفرد به دون غيره، والذي يكفي لندرك بعده أن نرى فيه محاولة لإضفاء الشرعية على إجماع أولئك الذين قاوموا طويلاً سلطتي دمشق وبغداد) (٣). وخذ من الأمثلة والقراءات العقلانية التي تحكم على الحديث إذا ورد في فضل أحدٍ بأنه من وضع أنصاره، وإذا ورد في ذم أحد بأنه من وضع أعدائه، وأي نص له علاقة بالواقع فهو من صياغة الواقع له. ومع ذلك، فالهوس بالتفسير السياسي لم يكن من إبداعهم وابتكارهم، بل نقلته تلك الدراسات المعاصرة من المدرسة الاستشراقية التي غرستها في أدمغة تلاميذها المقلدة فما عادوا يبصرون جيداً من دونها، وقد أحسن العلاَّمة (المعلمي) وصف بعض أسباب الخلل لديهم من أنهم: (إ نما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منها) (٤)؛ فهؤلاء الناس يعرفون الدواعي لتأثير السياسة من جهة قوة السلطان ورغبة الناس في التملق إليهم لكنهم لا يعرفون الموانع التي تحول دون تأثير السياسة كمثل ما عليه العلماء من الديانة والعدالة، ونفرتهم من الكذب، وما جرى من صيانة للعلم بالرواية والتدوين والجرح والتعديل مما يجعل تأثير السياسة فيها مستحيلاً. فحقيقة الأمر أن كثيراً من القوم إنما يعبرون عما يجدونه في نفوسهم، فإذا شاهدوا تأثير السياسة على تغيير قناعاتهم ومذاهبهم ظنوا أن غيرهم لن يكون أحسن حالاً منهم، مع كثافة جهلٍ تحول دون فهمهم لحال التراث والشريعة التي يريدون تقديم تفسير لها، للحد الذي يقرر فيه أحدهم: (لقد كان القائمون بجمع الروايات (النصوص) من المحدثين هم أنفسهم الفقهاء الذين يمارسون اللحظة ذاتها، عملية التدوين النصي وعملية التنظير الفقهي وفي ظل هذا الوضع لا يؤمَن من التداخل والقلب بين التشريع والتفسير) (٥)، فهو يتصور أن الفقهاء لم يكونوا يفرقون بين أقوالهم وبين أقوال النبي ﷺ ؛ فيمكن للفقيه أن تختلط عليه فيجعل قوله هو قول الرسول ﷺ من حيث لا يشعر، فهذا التصور الظريف في فهم تاريخ المسلمين يفسر لك سر تضخم هذا الوهم في رؤوسهم.

стр. 403

هذا (التفسير السياسي) لا يقوم على أي إثبات أو برهنة علمية، فطريقتهم تقوم على ربط أي حكم أو نص شرعي بالسياسة من دون أي دلائل قاطعة، وإنما لأنه يشك - أو يريد أن يشك بالأصح - يبدأ في البحث عن أي مؤثر سياسي من دون أي يقدم على ذلك أي برهنة، وهذه الطريقة في إنكار الحقائق والطعن في الشرائع بمحض الأوهام ليست مبتكرة لهم فهي طريقة قديمة في التعامل مع محكمات الشريعة، فهذا أحد المبتدعة القدامى يدعي أن الزنادقة قد دسوا على أهل الحديث اثنا عشر ألف حديث من حيث لا يشعرون (لاحظ ضخامة العدد)، وهو ما دفع الإمام الدارمي إلى الجواب عنه متهكماً: (دونك أيها المعارض فأوجدنا عشرة أحاديث دلسوها على أهل العلم ... أو جرب أنت فدلس عليهم عشرة حتى تراهم كيف يردونها في نحرك) (١). هل معنى هذا أن السياسة لا تؤثر ولا تستغل الأحكام الشرعية؟ أبداً، بل لها تأثير ولا شك في ذلك، لكن تأثيرهم لم يمسَّ أصل الشريعة ولا نصوصها ولا مذاهب الفقهاء وأصولهم؛ فالتأثير يكمن في استغلال بعض النصوص والمواقف، وربما في تقديم بعض الفقهاء لأهوائهم وشهواتهم إرضاءً للسياسة لكن ذلك لا يضر إلا من فعل، أما نصوص الشريعة وأصول الاستدلال وقواعد الفقه فقد كانت في منعة أي منعة، عن التأثر بذلك، وكل محاولة تُثبِت خلاف ذلك فإنها ما زالت عاجزة عن إقامة أي إثبات علمي سوى الاعتماد على الشك والخرص على طريقة أحدهم حين يحلل أحداث التاريخ منطلقاً من (يبدو) و (أظن) و (لا يُسْتبعَد)، ثم بعد ذلك (فتحصل يقيناً) (٢).

стр. 404

مقاصد المحتسبين فهد العجلان ٦ محرم ١٤٣٢هـ بين يديّ عشرات الإيرادات والشبهات التي توضع باستمرار أمام ناظري المحتسبين (الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر)، تأتي بمقصّها على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتأخذ من أطرافها وجوانبها وأعاليها حتى تنزل بها إلى الموضع المناسب الذي لا ينالها فيه تهكّمات وتذمّرات المنحرفين والعلمانيين، كما تقوم هذه الإيرادات بدور قاتم السلبية في الضغط على صدور المحتسبين ليصبحوا أقل غيرة وأخفّ حماسة وأضعف يقيناً. سأستعرض هذه الإيرادات سريعاً، وسأنثرها جميعاً على الطاولة، وسأحاكّمها إلى المقاصد التي أرادتها الشريعة من شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنتدبّر نصوص القرآن والسنة لنعرف مراد الله ومراد رسوله ﷺ ثمّ نسلّط هذه الإضاءة على تلك الإيرادات لنكشف عوارها وخللها: أول سؤال هنا: في كيفية معرفة مقاصد الشريعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في أي باب آخر؟ قد ذكر المختصون عدداً من الوسائل والطرق الكاشفة عن مقاصد التشريع، أهمها وأوضحها هي ذات الأوامر والنواهي الصريحة في النصوص الشرعية، فكلّ نصّ شرعي جاء بأمر أو نهي فهو مما يريده الله ويقصده. إذاً؛ فالمقصد الأول للاحتساب هو الامتثال لمراد الشريعة في وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتهاء عن نهيها في ترك هذه الشعيرة. نقرأ في كتاب الله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ *آل عمران: ١٠٤* وهو من صفات النبي ﷺ التي ذكرها القرآن: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ *الأعراف:١٥٧* ويقول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)). فالمسلم حين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قد حقق المقصد والغاية والمعنى الذي يريده الله منه ويريده منه النبي ﷺ . فإذا قمت بأداء الصلاة الفريضة جماعة، أو أدّيت فريضة الحجّ، أو صمت مع المسلمين شهر رمضان، فإنّك تقوم بذلك امتثالاً وطاعة وعبودية لله، ولا تطلب من وراء ذلك مصلحة ولا سمعة ولا غاية دنيوية، ولو اعترض عليك أحد: (بأنّ هذه العبادات لا تقدّم لك شيئاً مادياً ملموساً) لرفعت يدك حمداً لله أن لم يحرمك الهداية كما حرم هذا المسكين. كما أنّ من يقوم بهذه العبادات لن يلتفت إلى ضاحك أو عابث أو مثبّط أو حتّى مؤذٍ ومعتدٍ لأنّه يرى أنّ طاعة الله لا تقبل المفاضلة مع حظوظ النفس وأهوائها. كذلك المحتسب، فهو حين ينصح ويذكّر بالله يقوم بعبادةٍ كالصلاة والزكاة، لا يبحث من ورائها عن غاية دنيوية ولا مصلحة عاجلة، ولا يفتّ في عضده ساخر أو عابث أو مثبّط لأن شأن العبادات ومرضاة الله أعظم. حين يتجلّى هذا المعنى العظيم في قلب المسلم، فيرى أن (الأمر بالمعروف) و (النهي عن المنكر) عبادة يحبّها الله ويقصدها ويريد من عباده القيام بها، حين يتصلب هذا الأصل تتفتّت معه أشكال الاعتراضات والإيرادات: فحين يعترض معترض بأن (كلّ شخص مسؤول عن نفسه ولن يضرّ إلا نفسه) أو يطلب (بأن لا تتدخّل في خصوصيات الآخرين) أو إذا حسن حاله قال (أصلح حالك ولا عليك منهم). فهو إنسان قد غاب عنه مقصد الشريعة تماماً، لأن من أمرني بالصلاة هو من أمرني بهذه الشعيرة. وإذا قال قائل: (لا فائدة من هذا الإنكار؛ فسواء نصحت أم لم تنصح فالمنكر لم ولن يتغيّر!)

стр. 405

فهو إنسان لم يستوعب بعد أن المسلم لن يبحث عن فائدة أعظم من امتثال أمر الله، والقيام بما يريد الله. ولو قال قائل: (هم يعرفون أنه حرام وربّما يكونوا أعلم منك به فلا معنى لإنكاره) فقد غاب عنه أن هذه الشعيرة ليست موجهة إلى تعليم الناس ما جهلوه فقط، بل التعليم جزء من هذه الشعيرة وليس هو كلّ الشعيرة. وسنجد في القرآن من مقاصد هذه الشعيرة: تحصيل المعاني الشريفة التي ألبسها الله للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكرين. فقد وصف الله هذه الأمة بالخيرية لقيامها بهذه الشعيرة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ *آل عمران:١١٠* ووصفها بالفلاح بسبب ذلك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ *آل عمران: ١٠٤*. وجعله من صفات المؤمنين، ورتّب لهم الرحمة بسببه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ *التوبة:٧١* كما ذمّ الله التاركين لهذه الشعيرة المفرّطين فيها فقال سبحانه: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ *المائدة:٦٣*، وعابهم فقال تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ *المائدة:٧٩* فالفلاح والخيرية والرحمة وغيرها من المعاني العظيمة هي ثمرة من ثمار القيام بهذه الشعيرة، وإهمالها سبب للعيب والذم والهلاك. إذن؛ فمن غير المتوقّع ممن فهم هذه المقاصد وكان مستحضراً لها أن يكون اعتراض بعضهم (بأنّ طبيعة الاحتساب تجعلك إنساناً غير مقبول لدى قطاع كبير من الناس، وربّما ينفرون منك ويستثقلون مجالسك، فالسكوت والمداراة والدخول في الموضوعات المشتركة يجعلك أكثر جاذبية وأقدر على التواصل والتعايش) لن تكون هذه إلا ممازحة ثقيلة الاعتبار لأنّ مقامه عند الله لا يدانيه شيء، وهو يستحضر أن استجلاب رضا الناس هبة ربانية لطالما حُرم منها من داهنهم، ووهبها الله لمن كان صادقاً معهم ولو خالفوه (من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس). لا يشكّ أحد أن المحتسب يضحّي بقدر واضح من سمعته ومكانته وتقدير الناس له من جرّاء هذا الأمر، فمن يدخل في مكان تصدع فيه أصوات الموسيقى فيقوم ناصحاً لهم أو من يحضر في مجالس تلاك فيها أعراض الناس فينصحهم وينكر حديثهم ... فربما يكون في محلّ امتعاضهم وتذمّرهم من وجوده لكنّ هذا ثمن لا بدّ أن يقدّم لتحصيل المقامات العالية. وأما حين يكون المحتسب لديه سلطة تجعله حائلاً بين بعض الناس وشهواتهم - كالقائمين على جهاز الحسبة - أو حين يلتهب غيرة على انتهاكات من لديهم سطوة الإعلام فإنه سيناله من التشويه والإسقاط والتبشيع ما لا يقدره له إلا الله. ومن مقاصد الاحتساب في الشريعة: تغيير المنكر وإزالته وتطهير المجتمعات المسلمة منه، كما قال النبي ﷺ (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فالأمر بالمعروف في مقصود الشريعة يراد به (الدعوة إليه وتثبيته والإلزام به)، والنهي عن المنكر في مقصود الشريعة يراد به (إنكاره ومنعه وإزالته).

стр. 406

فحين يحاول بعضهم تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع (سحب وصف الإلزام والمنع) فيكون من باب النصيحة والتعبير عن الرأي من دون أي فرض أو إلزام فيقول: (ينصح الإنسان ويبين له المنكر لكن من دون فرض وصاية عليه) فهو رأي بعيد عن المعنى الشرعي لهذه الشريعة. هي محاولة تلفيقية لتقريب مفهوم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من المفهوم العلماني، لأنّ العلمانية لا تعارض من تعبير الإنسان عن رأيه فيُظهر ما يراه معروفاً وُينكر ما يراه منكراً، لكن من المرفوض والمستهجن تماماً أن يكون ثمّ فرض أو إكراه لأحد على أن يفعل أمراً أو يترك شيئاً بناءً على أن ذلك حكم الشريعة، لأن ذلك من قبيل انتهاك الحريات وفرض الوصاية على الآخرين. ليس هذا التلفيق جديداً، فقد اعتادت ذاكرتنا الفكرية المعاصرة أن كلّ حكم شرعي يواجه بمعارضة ورفض علمانية لا بدّ أن يقوم من الإسلاميين من يتطوّع لمحاولة تقديمها بصورة تكون مقبولة لديهم، من خلال التقليم والتقزيم للمفهوم الشرعي حتى يبدو مقبولاً. إذن؛ فحين تنهى الشريعة عن أمر، فلا يكفي أن يكون التعامل معه فقط بالنصيحة وإبداء الرأي من دون أن يكون ثمّ تدخل قانوني ونظامي من الدولة للإلزام به، فكلّ المحرمات في الشريعة تدخل في ضمن نطاق الممنوع نظاماً، لا يجوز انتهاكه ومن فعل فهو معرّض للعقاب. يعترض البعض على هذا الكلام (أن كثيراً من المحرمات في الشريعة لم تحدد الشريعة لها عقاباً معيناً مما يعني أنّه لا يلزم معاقبته ولا منعه). وهنا خطأ فاحش، فعدم وجود عقاب محدد لا يعني أن الفعل يكون مشتهراً لا يمنع منه الإنسان، فيكفي أن الشريعة حرّمته حتى يكون ممنوعاً نظاماً، وحين يكون ممنوعاً نظاماً فلا بدّ من عقاب لمن ينتهك النظام والقانون. هذه مقدمات بدهية، [فالمحرم لا بدّ أن يكون ممنوعاً] و [الممنوع لا بدّ أن يجازى من ينتهكه] وقد يسقط عنه العقاب، لكن لا يمكن إسقاط العقوبة مطلقاً عنه، لأنّ إسقاطها مطلقاً يعني أنّك تمنع الناس من شيء وتبيح لهم في نفس الوقت أن يفعلوه مراراً وتكراراً من دون أن تفعل شيئاً، وهذا يؤدّي تلقائياً إلى أن لا يكون ممنوعاً، وحينها يكون مثل المباح مثلاً بمثل، وهذا منافٍ تماماً ومناقض لمقصود الشريعة من جعله منكراً. مثال يوضّح المقصود: فحين تحرّم الدولة نظاماً أن يقطع الإشارة وهي حمراء، فلا بدّ أن يكون ثمّ نظام وقانون يمنع مثل هذا الأمر، وحين يقع الشخص في المخالفة فلا بدّ من مجازاته، وقد تسقط عنه العقوبة لأي سبب كان لكن لا يمكن أن تمنع الدولة شيئاً من دون أي جزاء، لأن معنى هذا أن يقطع الإنسان الإشارة مرة وعشرين وألف من دون أي جزاء، وهذا يجعل قطع الإشارة كمثل أي شيء غير ممنوع فلا قيمة لكونه ممنوعاً، وحين لا يكون ممنوعاً فيكون إذن من قبيل المباحات تماماً. كذلك الأمر في بقية الأحكام الشرعية (فالخمر حرام، والربا حرام، والطعن في الشريعة حرام، ونشر البدع حرام ... ) فلا بدّ أن تكون ممنوعة نظاماً، وأن يكون ثمّ جزاء لمن يخالف، وحين يشرحها الإنسان على أنّها محرمات فقط في الشريعة لكنها في الواقع والنظام ليست محرّمة فهو تصوّر علماني للشريعة الإسلامية، يتصوّر أن في الإمكان أن يكون (ثمّ محرّم في الشريعة) وليس هو (محرّم في النظام والقانون) وهذه هي فلسفة العلمانية في عزل الدين عن الدولة. وإذا عرف هذا الأصل زالت كافّة الإشكاليات التي تثار على طبيعة عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه يقوم ببعض الواجب في منع المنكر وإقامة المعروف.

стр. 407

فقائل: (أن الأمر والنهي في الشريعة لا يحتاج لسلطة وإنما هو واجب اجتماعي يقوم به الناس) فهو بهذا يسقط صفة القوّة والإلزام التي تتّصف بها هذه الشعيرة لتكون قريبة من المفهوم العلماني. وينفي آخر (صلاحية الدولة للتدخّل في مثل هذه القضايا لأنّ هذا ليس من اختصاصها) وهذا مبني على اعتقاد أن الدولة تكون محايدة في قضايا الدين كما هي الرؤية العلمانية. والمقصد الرابع لهذه الشعيرة: الإعذار إلى الله، كما ذكر الله ذلك في المناظرة التي جرت بين الفئة التي سكتت عن جريمة أصحاب السبت مع الفئة التي أمرت ونهت ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ *الأعراف:١٦٤*. فمن مقاصد هذه الشعيرة ومعانيها أن يقوم المسلم بالواجب حتى يبرأ ويعذر أمام الله. ليس المطلوب أن يتغيّر المنكر ويزول، أبداً ليس هذا هو المقصود الوحيد، إن حصل فبها ونعمت وإلا فقد حصل الإعذار، فحين يعترض شخص متندراً (بأنّ هذا المنكر لن يزول وأن خلفه مؤسسات ونظم وقوى ... ) فهو لا يدري ما مقصود الشريعة من هذا الاحتساب؟ فالحديث المتكرر من بعض الناس من أنّ (هذا المنكر منتشر وظاهر وكلّ الناس تفعله فلا حاجة لإنكاره) كلام من لا يعي ماذا يريد المحتسب من هذه الشعيرة. نعم، لو كان المحتسب يعلم يقيناً أو غلب على ظنّه أن الشخص الذي وقع في الخطأ لن يقلع أبداً عن فعله ولن يستفيد بتاتاً من نصيحته فقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا يكون سبباً لسقوط وجوب الأمر والنهي خلافاً للرأي الآخر - وقد حكاه بعضهم قولاً للعلماء - ممن يرون أن الوجوب لا يسقط بسبب هذا. [انظر الآداب الشرعية: ١/ ١٥٥] لكن لاحظ أن الخلاف هنا في سقوط (الوجوب) وليس في سقوط (الأمر والنهي) فهو مشروع على كلّ حال وربّما يقول بعضهم هو جائز، لكنهم في النهاية لا يمكن أن يكون حالهم حال من يتعامل مع المحتسب في هذه القضايا على أنه (قليل بصر وضعيف فقه وغير مدرك للمقاصد الشرعية) بل وربّما تحمّس قليلاً فقال (هم سبب زيادة المنكرات)! على أنّ الحديث عن عدم تأثير الأمر والنهي حديث تثبيطي بعيد عن الواقع، فللقيام بهذه الشعيرة دور عظيم التأثير في إصلاح الأوضاع وتعديل السلوك وتقويم الانحرافات بما لا يخفى، لكن هذه الروح الكسولة تبثّ فيروساً قاتلاً لإحساس أي شخص يريد أن يقوم بأداء هذا الواجب، بحيث أنه سيتقاعس حتى عن المنكرات التي يجزم هو بإمكانية تغييرها أو يغلب على ظنه، ومع ذلك فلن يفعل شيئاً، لأن الضعف قد سرى في روحه وسكن قلبه فما عاد يفكّر في أي إصلاح، بخلاف أصحاب العزائم والهمم فإنهم كثيراً ما يصلح الله على أيديهم من الأمور المستعصية ما لم يكونوا يحتسبون، ولو التفتوا لهذه الدعوات لما قام آمر ولا ناهٍ. على أنّ الإصلاح ليس بالضرورة أن يكون لجميع الناس ولكافة المجتمع، يكفي أن يتحقق الإصلاح ولو على بعض الأفراد، فإصلاح بعض الناس أو بعض السلوك هو مقصد ومطلب شرعي. يا أخي: افترض عدم وجود أي إصلاح ولا تأثير، يكفي أن تبقى المفاهيم والمعاني الشرعية ثابتة في النفوس، يكفي أن يعرفوا أن الخمر حرام والربا حرام والموسيقى حرام والتبرج حرام ولو كانت هذه المحرمات ضاربة بأطنابها في المجتمع، يكفي أن تكون الأحكام ثابتة لم تنسى ولم تمت، وبقاء الأحكام كفيل بإصلاح الأمور ولو بعد حين.

стр. 408

فالكلمات التي تملأ فضاء الناس من قبيل (الحملة ضدّ هذا المشروع فاشلة) و (إنكار هذا المنكر خاسر) و (ستخسرون) و (ستفشلون) .. كلام من لا يعرف ما هو الفشل والنجاح في معادلة هذه الشعيرة، الفشل والخسارة في عدم تحقيق مقصد الشريعة، القيام بها نجاح بحدّ ذاته يكفي في نجاحه أن تبقى المفاهيم صحيحة، فلو أن شخصاً صلى في مسجدٍ ما عشر سنوات، وقام فيه الليالي الطويلة، ثم هدم هذا المسجد وسوّي بالأرض هل يكون هذا الرجل فاشلاً خاسراً؟ أبداً، ولا من قام ونصح وبيّن ثمّ ثبت المنكر واستقرّ لا يكون فاشلاً ولا خاسراً. هذا الربا منتشر في كل المجتمعات الإسلامية لكن الجميع يقول هو حرام، وقل مثلها في الخمور والتبرج وغيرها. وهل وقف هذا التثبيط عند هذا الحدّ؟ لا، فالضعف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرض يصيب النفوس فتظهر كثير من الأعراض على فكره وسلوكه من حيث لا يشعر، وتتشكّل في صور عديدة ليست إلا عرض لهذا المرض، فمرّة يقول: (هذا المنكر قادم قادم) ويتحدّث بلغة الفاهم العارف بالمحيط السياسي والمتغيرات الدولية، وما أدري ما قيمة كونه قادم أو غير قادم في الأمر والنهي، يا أخي لو كان قائماً بجذوره لوجب إنكاره ولما ساغ السكوت عنه، فكيف تزول هذه الشعيرة مع شيء لمجرّد أنه سيقدم؟ والمشكلة الأكبر: أنّ هذه المنكرات القادمة كثيرة جداً، وإذا أبيد الحسّ الشعبي الرافض والممانع لأي سلوك أو فكر يخالف أصوله وقيمه فمعناه أننا سنكون مستعدين نفسياً للقبول بكافة المنكرات والانحرافات التي يخطّط لها، ليس فقط مجرد تخطيط، بل الأمر وصل إلى حدّ التنفيذ ومتابعة الدول ومعاقبة المتخلّف كما هي قرارات الهيئات والمؤتمرات الدولية التي تريد فرض أجندتها الفكرية في إشاعة الفاحشة وتطبيع العلاقات المحرّمة على كافة الدول، فمع هذه النفسية الهزيلة لا يمكن للمجتمعات المسلمة أن ترفض أي شيء من هذه المؤتمرات والقرارات، وما عليهم سوى أن يقرروا حتى تكون قراراتهم موضع التنفيذ لدينا لأننا أصحاب حكمة ونظر في عواقب الأمور! ومرّة يقول (الناس لديهم تحديات كبيرة تمسّ هوية المسلم وتعرّض أصوله للذوبان ... ) ويواصل في الحديث حتى يهوّن من أي منكر غيره، وكأن وجود منكر كبير يكون سبباًَ لترك ما دونه من المنكرات؟ وآخر يستغرب: (لا يصحّ المطالبة بجميع الأحكام الشرعية وإنما تكون المطالبة بالحدّ الذي يمكن أن يكون مقبولاً وممكن التحقيق) ولا مشكلة أن يكون هذا جزء من التنوع في الإنكار، فينكر بعضنا المنكر بكلّيته، ويطالب بعضنا بالتخفيف منه، لكن الإشكالية الحقيقية أن تكون هذه المطالبة الجزئية هي الأصل والحكم الشرعي وما عداه فهو غير واعٍ ومحطّ استخفاف وعيب؟ إلى غير ذلك من التبريرات التي ليته جعلها خطاً له ومنهجاً خاصاً به، لكنّه يريد فرضها على بقية الإخوان المحتسبين الغيورين الذين فيهم عزيمة وقوّة واستعداد للتضحية والبذل فيفتّ في عضدهم بمثل هذه الأشكال التبريرية التي ليست إلا أعراض للضعف الذي يصيب الإنسان. إن مفهوم (الإعذار) يعني أن الله تعالى يريد من عباده أن يشيعوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون ظاهراً بينهم حتى ولو لم يكن ثمّ نتيجة أو ثمرة لذلك، فالمقصود أن تعذر وتبرئ ذمتك وتظهر براءتك وإنكارك، حينها فأي دعوى أو قول ينافي هذا الأصل فهو معارض لمقصد الشريعة.

стр. 409

فمن يكرر القول دائماً وأبداً بأنه (لا يجوز أن يترتب على المنكر منكر أعظم منه) كلام صحيح لكن تكراره وإعادته بمناسبة وغير مناسبة لا يعدو أن يكون تثبيطاً وتخذيلاً، فهذا شرط استثنائي لا يصحّ أن يكون هو الأصل في تقرير هذه الشعيرة، فالأصل أن تأمر وتنهي وتنصح وتذكّر وفي حالة وجود مثل هذا الأمر يتوقّف الإنسان، لا أن يكون هذا هو الأصل والقاعدة المستمرة. على أنّ هذا الأصل يجب أن يبقى استثنائياً ويجب أن يكون صادقاً ودقيقاً فلا بدّ أن يكون ثم منكر فعلا يترتب على هذا الإنكار وقد تأكّد الإنسان من وجوده، ولا يصح أن يكون مثل هذا الكلام إيراداً ثابتاً يتحرّك في كلّ قضية. والمؤلم حقاً أن هذا الكلام يشاع في وقت ضعف القيام بهذه الشعيرة، وانتشار التفريط الكبير فيها بين أوساط الناس، فبدلاً من أن يشدّ عزم الناس للقيام بها وإحياء معالمها، يزيد المشكلة ويعمّق الخطأ بمثل هذه التبريرات الباهتة. قولوا لي بربّكم: لو جاء شخص فتحدّث عن الصدقة بهذه الطريقة: (الشخص قبل أن يتصدّق عليه أن يتأكد أن يضع صدقته، فقد يترتب على صدقتك منكرات مفاسد وجرائم، فحرام عليك أن تتصدّق في هذه الحالة وأنت آثم ومفرّط حينها) وإذا سمع أحداً يتحدث عن الصدقة جاءه تحفّظ على دعوته للصدقة بأنّ الصدقة ليست مقبولة دوماً، بل قد تكون وبالاً على صاحبها، ولا يكفي أن يتصدّق الإنسان حتى ينال رضا الله والجزاء الحسن .. إلخ. لا شكّ أنّ تصرّف مقيت ومستهجن، لكنه هو ذات الأسلوب الذي يمارس مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويطالب بعضهم فيقول: (الحكمة والعقل أن نقبل ببعض المخالفات الشرعيّة لأنّ مجيئها حتمي الوجود، فلنقبل بها أول الأمر مع وضع الضوابط خير من رفضها مطلقاً فتأتيك بصورة أعظم من دون ضوابط). يبدو شكلها جميلاً حقاً، أن تأتي بالمنكر بنسبة ٤٠% مثلاً هذا اليوم، خير من أن يأتيك بعد أسبوع أو شهر أو سنة بنسبة ٩٠%، فهذه الحسبة الرياضية رائعة جداً، لكن هذا التفكير الرياضي غير قادر على إيجاد مثال واحد فقط على هذه النظرية، سيتحدث طويلاً لكنه لن يتمكن من أن يذكر واقعة ارتكب فيها المنكر استعجالاً فحفظ بسبب ذلك من قدوم المنكر الأشنع ببركة الاستعجال في تقديمه، فالذي يحصل أن مثل هذا التفكير يضعف جانب مواجهة المنكر ونصح أصحابه ويخفف من حرارة المجتمع من وجوده حتى يمرّ مرور الكرام، وأما نسبة التخفيف فهي خيالية تجريدية تعيش في ذهن صاحبه ولا قيمة لها في الواقع، بل الواقع يقول إن المعارضة والممانعة والرفض هو الذي يخفف المنكر القادم، وهو الذي يجعل ثم ضوابط واحتياطات له، لأنّ أكبر عامل يحسب أمره هو عامل الرفض الشعبي وموقف الناس ونفرتهم، فحين لا يكون ثم أي رفض فلا معنى لأن يخفّ حضور هذا المنكر. البنوك الإسلامية لم تنشأ إلا من جراء الرفض العلمي الكبير للبنوك الربوية، فعاشت البنوك الربوية فترة ثم نهضت البنوك الإسلامية، ولو أن المشايخ في ذلك الوقت قالوا: (نأخذ بجواز الربا ونبحث عن تأويل أو قول مرجوح هنا أو هناك ونضع بعض القيود خير من ارتكاب الناس للحرام) لما قامت البنوك الإسلامية أبداً، وقل مثل هذا في الإعلام الإسلامي وغيره. ويبالغ بعضهم فيضع الشروط والقيود التي يجب أن يلتزم بها المسلم قبل أن يأمر أو ينهي أو ينصح فيضعون من الشرائط ما تؤدّي إلى (إجهاض) هذه الشعيرة وإماتتها في النفوس.

стр. 410

فيشترط بعضهم أن (لا تكون المسألة خلافية) لأنّه لا (إنكار في مسائل الخلاف) مع أنّ مسائل الخلاف إن كان ثمّ نصّ شرعي فيها فإنها تعامل كغيرها من المسائل، وقد اتفق الفقهاء على أنّ القاضي إذا حكم بحكم فخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أنه يجب نقض قوله إجماعاً كما حكاه جمع من العلماء، فإذا كان في حكم القاضي فكيف بغيره؟ وهذا القول يؤدّي في نهايته إلى تصفية هذه الشعيرة من الوجود، لأن معنى هذا الكلام أن لا ينصح ولا ينهى إلا من كان عالماً بجميع مذاهب الفقهاء وأقوالهم حتى لا ينهي عن شيء فيه خلاف، وكم عدد هؤلاء الناس في المجتمع؟ ثمّ معنى هذا أن الإنسان لا يراعي وجود آية في كتاب الله أو حديث في سنة رسول الله ﷺ وإنما يراعي وجود خلاف أو عدم خلاف، فالمتبع حينها لكلام العلماء لا لنصوص الشريعة. ومعنى هذا أيضاً أن (المنكر) ليس هو ما أنكرته الشريعة و (المعروف) ليس هو ما أمرت به الشريعة، بل المنكر هو ما أجمع العلماء على إنكاره، والمعروف هو ما أجمع العلماء على اعتباره، فأصبح وصف الشريعة غير حاسم في الموضوع. ولشناعة هذا اللازم قال الفقيه الظاهري ابن حزم: (ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما أجمعت عليه الأمة فقط، ويترك كلَّ ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقاً بإجماع الأمة) [الإحكام في أصول الأحكام:١/ ٢٩١] وإذا علمنا إضافة إلى ذلك: أن المسائل الخلافية واسعة جداً، خاصة إذا أدخلنا فيها خلافات المعاصرين فلا يوجد إذن ما يجوز إنكاره إلا المحرمات الضرورية التي من أنكرها فقد كفر، كالزنا والخمر ونحوها، وأما عامّة نصوص السنة فلا اعتبار لها ولا قيمة؟ لأجل ذلك كان الاحتجاج بالخلاف شبهة ميتة وقول ساقط كما قال ابن عبد البرّ: (الاختلاف ليس بحجَّة عند أحد عَلِمْتُه من فقهاء الأمة؛ إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجَّة في قوله) [جامع بيان العلم وفضله:١/ ١١٥] فالصحيح أنّ هذه القاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) بعيدة جداً عن هذا التداول لها في الساحة الفكريّة، فهي قاعدة في القضايا التي لا نصوص فيها، ومن جهة أخرى إنما تكون مع الشخص الذي يتبع قولاً فقهياً باجتهاد منه أو باتباع لعالم يراه، وليس المقصود أنّ هذه المسائل لا ينكر فيها مطلقاً، وإنما إذا كان شخص ما قد اتبع عالماً واستفتاه فلا ينكر عليه لأنّه معذور. فتطبيق هذه المسألة بهذه الطريقة يؤدّي إلى إبادة الحسّ الاحتسابي في النفوس فلا يأمر أحد ولا ينهى، وتفعل المحرمات وتشاع ويبحث عن أي قول فقهي فيها، وكلّ هذا منافٍ لمقصد الشريعة من (الإبراء) و (الإعذار). لا مشكلة كبيرة لديّ مع الشخص الذي يتخذ لنفسه منهجاً في عدم الإنكار في مسائل الخلاف بناءً على فهمه لهذه القاعدة أو توسيعه لمفهوم الخلاف المعتبر، فهذا في النهاية اختياره واجتهاده وإن كنت أراه مخطئاً، لكن الخلل الأكبر أن يعتقدها قاعدة كلّية يحاكم الناس إليها، ويلاحق إخوانه بها ويضعف من نشاطهم وحماسهم، وقد كان كافيه أن يعرف أن هذه القاعدة هي محلّ خلاف أيضاً، وبالتالي فلا يجوز له أن ينكر بها على الآخرين لأنّه يعتقد بالصوابية المطلقة لقاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف).

стр. 411

خامس هذه المقاصد القرآنية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: النجاة من العقاب الدنيوي، فوجود الناصحين الغيورين ضمان في الدنيا من عقاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ *هود:١١٧* فكون الإنسان صالحاً في نفسه لا يكفي للنجاة من الهلاك؛ فالعقوبة إذا نزلت لم تقتصر على الظالمين فقط ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ *الأنفال:٢٥* وفي الصحيحين لما قام النبي ﷺ فزعاً يقول: (ويل للعرب من شر قد اقترب) فقالت له أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: (أنهلك وفينا الصالحون؟) قال: (نعم إذا كثر الخبث). إذا عرفت هذا، أدركت سر هذا التلازم بين (الإيمان بوجود العقوبات الإلهية) وبين (احترام شعيرة الاحتساب) فكلّ من لا يبالي بهذه الشعيرة تجد لديه إشكال عميق مع العقوبات، فالتفسير المادي للحوادث يؤدّي به إلى إنكار وجود عقوبات إلهية على المعاصي والذنوب، سواءً أنكرها بلسانه أو بحاله، وأما من يؤمن بوجود عقوبات إلهية على المعاصي والذنوب فهو يسلّم بخطر هذه المعاصي وضرورة الاحتساب عليها. ومن المقاصد الشرعية لها أيضاً: بيان الأحكام الشرعية، فإظهار الأحكام الشرعية، وإخبار الناس بما يريد الله ويريده النبي ﷺ منهم، هذا مقصد بحدّ ذاته وغاية شريفة وعمل عظيم، ولو لم يحصل عمل وقد أخذ الله الميثاق الغليظ على أهل العلم بالبيان ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ *آل عمران:١٨٧* فالعلم بالشريعة بحدّ ذاته بركة ونور وخير، وهو سبب للعمل بها وإشاعة تطبيقها، لأجل ذلك جاءت النصوص الشرعية في الحث على العلم والتعلم والثناء على العلماء، وحين ينتشر الخطأ ويعمّ الانحراف ويسكت العلماء عن البيان بدعوى (فساد الزمان) و (عدم إمكانية التغيير) و (أنّ الفساد قادم لا محالة) أو (مجاملة لأحدٍ من الناس) فإن معنى هذا أن تسود الغربة لكثير من أحكام الشريعة. كثيراً ما يقول بعض الناس (تخوضون معارك خاسرة مع الموسيقى-الربا-الاختلاط-البدع- .. ) وهي شائعة ظاهرة، وهب أنّ أكثر الناس لم يعملوا بهذه الأحكام، بل هبهم كلّهم تركوها، يكفي أن تبقى مفاهيم الشريعة ظاهرة بيّنة واضحة يعرفها الصغير والكبير، فهذا مقصد شرعي عظيم، وهو ضمانة لعودة الناس إلى الالتزام بها يوماً ما عاجلاً أو آجلاً، ولئن شاع مثلاً سماع الموسيقى في زماننا في أمكنة كثيرة فصار الشخص يسمعها دائماً وأبداً إلا أنّه مع هذا الظهور الكبير لها، ومع وجود أقوال وفتاوى كثيرة تبحث لها عن مخرج شرعي إلا أنك لو سألت أي أحد من الناس عن حكمها لقال لك مباشرة: هي حرام، وربما ساق لك بعض أحاديث النبي ﷺ ، وهذا من بركة البيان والتعليم الذي ينظر في أهمية بيان الحكم الشرعي أولاً وأخيراً بغضّ النظر عن تطبيق الناس أو التزامهم، قارن هذا بمن ينظر في هذا الموضوع فيرى انتشار المخالفة وابتلاء الناس فيرى أنه (لا بدّ من البحث عن رأي يوسّع على الناس ما ضاق عليهم حتى لا يقعوا في الحرج ولا يكون هذا سبباً لمزيد من انحرافهم) فيسكت عن القول بالتحريم وربما أفتاهم بالجواز أو حكى لهم القولين جميعاً، تأمل كيف سيعود الأمر في النهاية على الحكم الشرعي فينسى أو يغيب لا بسبب أن الشخص لا يرى الحكم أو يضعف أدلته بل بسبب مراعاته لحال الناس التي بسببها أضعف أصل الحكم الشرعي، وما ذاك إلا لغفلة المسلم عن مقصد البيان وضرورته.

стр. 412

ولو نظر المسلم في موضوع البدعة ومدى شناعتها وتحذير الشريعة منها لوجد أن من خطورة البدعة أنها تأتي بمفاهيم وأصول جديدة محلّ أصول الشريعة، فتأتي البدعة لتدفن السنّة، حتى تشيع وتنتشر في الناس فتكون هي الأصل والسائد والواقع بسبب غياب الآمرين والناهين الذي يظهرون الأحكام، وهنا ظهرت عظمة الذين قاموا بمقاومتها وإظهار السنن فيها كيف استطاعوا أن يبينوا أحكام الشريعة ويظهروها بعد أن عاشت مدفونة بسبب ضعف البيان والتعليم. فحين يتحذلق بعض الناس فيقول: (إذا جاء الأمر وتعود المجتمع عليه فستخفّ المعارضة والممانعة كما خفّت وضعفت في أمور أخرى، وبالتالي فالنفرة التي تجدونها هي بسبب عدم الاعتياد لا غير). نعم، صدق ولا شك، فالشيء إذا تعوّدت النفوس عليه فستألفه وتعتاده ولا تجد نحوه النفرة والاستنكار الكبير، فمن يتعوّد على رؤية الخمور ومشاهدة المناظر الإباحية والمعاملات الربوية لن يجد في نفسه تلك النفرة التي يجدها من كان بعيداً عن هذه المحرمات. فهذا الوصف صحيح، لكنه وصف لا علاقة له بالموضوع، فسواء اعتادت النفوس أم لم تعتد، العبرة بكونه منكراً أو معروفاً بما هو متقرر في الشريعة، بل ومثل هذا الكلام يستدعي منه المزيد من الحرص على هذه الشعيرة - لو كان صادقاً- حتى لا تعتاد النفوس على المنكرات وتألفها لا أن يطالب ويحرص على تطبيعها في المجتمع حتى تخفّ حرارة الغيرة والاستنكار، فلئلا يكون الاعتياد أو عدم الاعتياد هو الحاكم والمؤثر على تحديد المعروف والمنكر يجب البيان والتعليم والإشهار للأحكام الشرعية حتى يكون المعيار هو النص لا الواقع والدليل لا العادة والإلف. فهذه أبرز مقاصد الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " الامتثال لأمر الله"، و"الظفر بالصفات الحسنة"، و"البراءة من الصفات الذميمة"، و"صيانة المجتمعات من المنكرات"، و"بيان ما يريد الله وما لا يريد"، و"الإعذار إلى الله"، و"النجاة في الدنيا والآخرة" يجزم المسلم من مجموعها أنّ الله تعالى يريد "إشاعة" هذه الصفة وترسيخها وتعظيمها في النفوس وأن تكون أصلاً وقاعدة ومنهجاً شاملاً للمجتمع المسلم، وأي رأي أو اجتهاد في هذه الشعيرة يجب أن يستحضر هذه المقاصد، ولا إشكال في وجود قدر من التباين والاختلاف والاجتهاد في تحقيق مناط هذه الشعيرة، شريطة أن يكون هذا تنوعاً في القيام بهذه الشعيرة لا تهويناً من جهود الآخرين ولا تثبيطاً لعزائمهم أو استخفافاً بدورهم، وليس المقصود بأي حال من الأحوال أن لا يكون ثمّ خطأ أو انحراف في أفعال بعض المحتسبين أو طرائقهم أو الدعوة لعدم التعرّض لها، كلا؛ فالإنكار عليهم جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 413

وثائق ويكيليكس .. صيد ثمين أم طعم مثير ؟! مصطفى عبدالجواد ١ محرم ١٤٣٢هـ لا شك أن عملية تسريب مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية عبر موقع "ويكيليكس" تُعد الأضخم على مر التاريخ، فلم يحدث أن تعرضت دولة من قبل لتسريب هذا الكم من وثائقها السرية إلى وسائل الإعلام، لتصبح مداولات دبلوماسييها وتقديراتهم وآرائها الخاصة متاحة لعشرات الملايين عبر الانترنت، لكن تقدير الخطورة والأهمية التي تحملها هذه الوثائق يبقى أمراً غير محسوماً حتى الآن، فالبعض يراها مجرد "ثرثرة" لا تحمل جديداً، بينما يرى آخرون أن مصداقية أمريكا تعرضت لضربة عنيفة، وأن الكثيرين من ساسة العالم سوف يترددون كثيراً قبل الإفصاح عن مواقفهم الخاصة في حضرة المسئولين الأمريكيين، خشية أن يفاجئوا بها في اليوم التالي منشورة عبر العالم. ورغم أن الطريقة التي وصلت بها هذه الوثائق إلى القائمين على موقع "ويكيليكس" مازالت مجهولة حتى الآن، إلا أن تقارير صحفية أشارت لتورط مجند بالجيش الأمريكي يدعي برادلي ماننج في الأمر، مستغلاً عمله في قسم تحليل المعلومات بالمخابرات العسكرية الأمريكية، ما منحه صلاحية الدخول لقواعد المعلومات الموصوفة بالسرية، والتي تتضمن ملايين الوثائق الخاصة بمختلف الوزارات والوكالات الفيدرالية، لكن صلاحيات ماننج، بحكم كونه مجنداً صغيراً، اقتصرت على قواعد المعلومات الأقل سرية وخطورة والمصنفة تحت بند "سري"، بينما لم تطل يده الوثائق الأكثر خطورة المنصفة تحت فئة "سري للغاية". تحت الحزام وبالفعل فإن ما جرى نشره حتى الآن من تلك الوثائق يخلو من أي معلومات أو وثائق خطيرة، فمعظم الوثائق الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية عبارة عن مراسلات روتينية بين مقر الوزارة بواشنطن والدبلوماسيين الأمريكيين عبر العالم، لكنها لا تخلو مع ذلك من تقديرات وتقييمات و"همز ولمز" قد يغضب مسئولي الدول التي يعمل فيها هؤلاء الدبلوماسيون، كما أنها - وهذا هو الأشد خطراً وإحراجاً لواشنطن - تتضمن مواقف غير معلنة أفضى بها ساسة هذه الدول إلى مسئولين ودبلوماسيين أمريكيين في جلسات خاصة، ومن ثم فإن الإفصاح عنها يضع قائليها وناقليها في حرج بالغ. وقد حاولت الولايات المتحدة استباق هذا الحرج والتقليل من وطأته بإجراء سلسلة اتصالات مع مسئولي الدول الواردة في تلك الوثائق، لإطلاعهم مسبقاً على فحواها قبل أن يتم نشرها على "ويكيليكس"، إلا أن ذلك لم يقلل من حجم الغضب في دولة مثل روسيا، التي تضمنت الوثائق انتقادات واتهامات عنيفة بحق رئيسها دميتري ميدفيديف ورئيس وزرائها فلاديمير بوتين، خاصة الأخير الذي اتهمته إحدى الوثائق بإقامة علاقة وثيقة مع المافيا وتربحه والدائرة المقربة منه مليارات الدولارات جراء ذلك. أما تركيا فقد تضمنت إحدى الوثائق مزاعم بحصول رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان على أموال بطريقة غير مشروعة وامتلاكه حسابات سرية في بنوك سويسرا، إضافة لمزاعم أخرى حول مساعدة مقاتلي تنظيم القاعدة في العراق، وتزويد إيران بمعدات لبرنامجها النووي. ولم تقتصر القائمة على روسيا وتركيا، وإنما امتدت لتشمل دول عدة، مثل فرنسا وإيطاليا وباكستان وأفغانستان، إضافة إلى معظم الدول العربية. من المستفيد؟

стр. 414

وكان لافتاً فيما سرب من وثائق حتى الآن خلوها من أي مواقف أو معلومات تضر بإسرائيل، بل إن ما تضمنته الوثائق يصب بشكل مباشر في مصلحة إسرائيل، سواء من جهة تشويه صورة تركيا ورئيس وزرائها أردوغان، عدو إسرائيل الجديد، عبر وصمه بالفساد وإظهاره بمظهر المتواطئ مع إيران، كما أن الوثائق تحاول الإيحاء بوجود إجماع غير معلن من جانب دول الجوار العربي على ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وذلك على عكس ما يصرح به قادة هذه الدول في العلن، ولا شك أن ضرب إيران يشكل مطلباً إسرائيلياً ملحاً، كي تبقى تل أبيب متفردة بامتلاك السلاح النووي في المنطقة. هذه الملاحظة دفعت الرئيس التركي عبد الله جول، ومعه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي تعد بلاده أحد أشد المتضررين من نشر الوثائق، للاستنتاج بأن ما يحدث ليس تسريباً وإنما عملية منظمة ومنسقة تمر عبر "مصفاة" لتحقيق أهداف محددة سلفاً، أما وزير الداخلية التركي فقد كان أكثر تحديداً واتهم إسرائيل صراحة بالوقوف وراء تسريبات ويكيليكس، منطلقاً من نظرية بوليسية تدعو للبحث عن "من المستفيد؟ ومن الخاسر؟ " لفك لغز أي قضية، وبهذا المنطق خلص الوزير التركي إلى كون إسرائيل هي المستفيد لخلو الوثائق من أي إدانة تمسها، في حين أن أكبر الخاسرين هم خصوم إسرائيل، سواء تركيا أو إيران، وبالتالي فإن الفائدة الإسرائيلية مزدوجة. تسريب منظم وإذا ما اعتمدنا نظرية التسريب المتعمد للوثائق، فإن هناك عدة سيناريوهات لذلك: الأول: يتهم جهات في الاستخبارات الأمريكية بالوقوف وراء ذلك بهدف تضييق الخناق على إيران، وإيصال رسالة للعالم بأن إجهاض برنامج طهران النووي، ولو عبر القوة العسكرية، يعد هدفاً مشتركاً ليس فقط بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإنما تتفق عليه دول الجوار العربي، وإن كانت تقول في العلن عكس ذلك، كذلك فإن التسريبات تبالغ كثيراً في إظهار طبيعة العلاقة بين إيران وتركيا، ما قد يجعل أنقرة أكثر حذراً في المستقبل تجاه أي تعاون مع طهران. ويرى أنصار هذا السيناريو أن دفع هذه الوثائق، التي أشبه ما تكون بمداولات داخلية، إلى العلن ربما يساعد في دفع الرأي العام الأمريكي لمساندة مواقف بعينها، حسبما يخطط مسربو الوثائق، أي أنهم يريدون مساندة الرأي العام لتمرير وجهة نظرهم على حساب تيارات أخرى داخل الإدارة الأمريكية، كذلك فإن إطلاع الأمريكيين على المخاوف والتحذيرات الواردة في الوثائق سوف يبرر للإدارة الأمريكية اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه بعض حلفائها، متذرعة في ذلك بإرضاء الرأي العام، وهو ما ينطبق بشكل خاص على الأوضاع في باكستان وأفغانستان. أما ثاني السيناريوهات فيتهم التيارات اليمينية ومناصري إسرائيل بالوقوف وراء التسريبات، أولا: لإحراج الرئيس أوباما وتصويره بمظهر العاجز حتى عن حماية وثائق إدارته، فما بالك بأمن الولايات المتحدة ومواطنيها؟، وثانيا: لدفع أوباما لتبني سياسات أكثر شدة تجاه إيران وصولاً إلى وضع الخيار العسكري على الطاولة، كذلك فإن الوثائق تستهدف كشف حجم المشكلات والإخفاقات التي تعاني منها إدارة أوباما في مجال إدارة السياسة الخارجية، وعجزها عن اتخاذ مواقف رادعة تحفظ مصالح أمريكا، مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. تحالف ثلاثي ويذهب السيناريو الثالث إلى وقوف تحالف من المخابرات الأمريكية والهندية والإسرائيلية وراء الوثائق المسرَّبة، فالأمريكية والإسرائيلية تريدان تكثيف الضغوط على إيران، وعزلها عن جيرانها العرب عبر زرع الشكوك بينهما، إضافة لردع تركيا عن تعزيز علاقتها مع طهران، أما المخابرات الهندية فإن ما تضمنته الوثائق عن برنامج باكستان النووي يعد صيداً ثميناً، إذ أنها تحذر من إمكانية سيطرة المتشددين الإسلاميين على منشآت إسلام آباد النووية، أو نجاح تنظيم القاعدة في اختراق العاملين في تلك المنشآت بما يمكنه من امتلاك سلاح نووي، وهو ما يعزز وجهة نظر نيودلهي القائلة بأن باكستان غير جديرة بامتلاك سلاح نووي، وأنه يجب تجريدها من ذلك أو على الأقل وضع منشآتها النووية تحت إدارة دولية. ورغم أنه لا يمكن القطع بمدى صحة أي من تلك السيناريوهات، إلا أن ما يتم تسريبه من وثائق يؤكد يوماً بعد آخر أن ما يحدث ليس عملاً عبثياً أو مجرد فشل أمني أدى لتسريب الوثائق، وإنما هي عملية منظمة يقف وراءها أشخاص أو جهات تدرك قيمة ما تتضمنه الوثائق من وقائع ومعلومات وتقوم بنشره بشكل منهجي ومبرمج، أي أن ما تصوره البعض "صيد ثمين" عبر الإطلاع على وثائق الخارجية الأمريكية والبنتاجون ومعرفة خفايا ما يدور في الدهاليز، ربما يكون "طعم مثير" لاصطياد فريسة أهم وأخطر مما تضمنته الوثائق من مواقف قد تضر بدبلوماسية واشنطن ومصداقيتها على المدى القريب.

стр. 415

الانقلاب على المنهج .. الأسباب والعلاج إبراهيم بن محمد الحقيل ٢٥ ذو الحجة ١٤٣١هـ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨] ((يا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي على طَاعَتِكَ)) ((يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي على دِينِكَ)) ((اللهم إني أعوذ بك من الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ)) ((اللهم إني أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللهم إني أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي)). لا يعرف العبد قيمة هذه الأدعية المأثورة وأهميتها إلا حين يرى كثرة الانتكاس في الناس، وتقلب قلوبهم، وتغير مناهجهم، وانتقالهم من فكر إلى فكر، ومن منهج إلى آخر، بل من الاستسلام لله تعالى ولشريعته إلى التمرد عليه وعلى شريعته. لقد رأينا وسمعنا لأناس كانوا من أهل الخير والصلاح والعلم والدعوة والاحتساب والجهاد، أضحوا من أهل الردة والزندقة والإلحاد! ورأينا دعاة رزقهم الله تعالى من تحصيل العلم وقوة الحجة وحدة العقل وروعة البيان ما حشد جمهور الأمة خلفهم، وشرقت محاضراتهم في الأرض وغربت، ثم خلعوا جلودهم ولبسوا جلودا غيرها، واقتحموا ميادين من كانوا قبل ينتقدونهم، وقبلوا منهم استضافتهم في صحفهم وفضائياتهم، ولم يكن ذلك بالمجان أو لتبليغ الدعوة فحسب ... ولكل تنازل ثمنه! ورأينا من استسهلوا إباحة المحرمات، وإسقاط الواجبات .. ومنهم من قضوا شطر حياتهم في حراسة الفضيلة ثم انقلبوا يبيحون ما يروج للرذيلة ويقضي على الفضيلة. وسمعنا عمن بكت الجموع لحسن أصواتهم بالقرآن، ولبكائهم في قراءتهم ودعائهم فارقوا المحاريب إلى غيرها! ورأينا من خضعوا لضغط الواقع الاقتصادي فتساهلوا في أنواع من المعاملات المحرمة، ووظفتهم قلاع الربا في لجانها لتسبغ الشرعية على كثير من تجاوزاتها! ورأينا من خضعوا لضغط الواقع السياسي، ومتطلبات الجاه والإعلام فحولوا قطعيات الشريعة إلى ظنيات، ثم أتوا عليها بالمسح والتحوير والتدوير لإضعاف الولاء والبراء، وإعلاء شأن الروابط الجاهلية، وتفتيت الرابطة الإيمانية، وتسويق آثام الحضارة المعاصرة. كل أولئك وقع ولا يزال يقع، وهو مرشح للازدياد، وما كان أحد يظن قبل عقدين أن شيئا من هذا سيحدث، وهو ينبئ عن ضعف النفس البشرية التي قد تتبدل قناعاتها بين لحظة وأخرى، فلا حول ولا قوة للعبد إلا بالله العزيز الحكيم. ولقد حاولت أن أتلمس أسباب انقلاب القلوب، وتبدل القناعات، وانتكاس المفاهيم عند المبدلين فوجدت أن منها ما يعود إلى ذات المنقلب، ومنها ما يعود إلى المجتمع .. القسم الأول: أسباب تعود لذات المنقلب: السبب الأول: مشارطة الله تعالى في دينه، وقلَّ من الناس من يسلم من ذلك لكنهم لا يشعرون به، ولا يبين لهم إلا عند الابتلاء، ولو تأملنا أشهر حديث في النية الذي لا يكاد يوجد باب من أبواب الشريعة إلا دخله، بل كان أساساً فيه حتى عده بعضهم نصف الشريعة لوجدنا معنى المشارطة فيه: ((فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ وَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه.)) (١) ومشارطة العبد لله تعالى في التزام دينه، والأخذ بعزائم شريعته قد تكون لغاية واحدة، وقد تكون لغايات عدة، وقد تكون لغاية صحيحة، كما قد تكون لغاية غير صحيحة، لكن أصل المشارطة غير صحيح.

стр. 416

فمن المشارطة على غاية غير صحيحة التزام الشريعة لغاية دنيوية كطلب رئاسة دينية، فإذا لم تحصل بدّل حاله لنيلها بطريق أخرى، أو إذا حصلت له رئاسة دنيوية تخلى عن شيء من الدين لأجلها. وقد يصبر صبراً طويلاً على الدين لما يرجو من عاقبته الدنيوية، كما وقع لرويم البغدادي الزاهد (ت:٣٠٣) قال جعفر الخلدي: من أراد أن يستكتم سراً فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة، فقيل: وكيف يتصور ذلك؟ قال ولي إسماعيل بن إسحاق القاضي قضاء بغداد وكانت بينهما مودة أكيدة، فجذبه إليه وجعله وكيلاً على بابه، فترك لُبْس التصوف، وَلَبِس الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى الدور وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها، فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها. (١) نقل حادثته هذه شيخ الإسلام ابن تيمية وعلق عليها بقوله: هذا مع أنه ﵀ كان له من العبادات ما هو معروف، وكان فقيهاً على مذهب داود. (٢) وكم رأينا في زمننا هذا من أشخاص بدلوا حالهم بعد الجاه والمال أو في سبيل طلبهما؟! ومن المشارطة على غاية صحيحة طلب العز والنصر والتمكين للأمة؛ فبعض الناس يلتحق بركب الأخيار ويلتزم حدود الشريعة، وينافح عن الدين بيده وقلمه ولسانه، ولكنه لا يجعل غايته من ذلك تحقيق العبودية لله تعالى، وطلب مرضاته، أو لربما اشترك في قلبه مع هذه الغاية غايات أخر، كمن يجعل التزامه بالمنهج الصحيح سلماً لعز الأمة ورفعتها وتمكينها، كونه يوقن بهذه الحقيقة المقررة في الكتاب والسنة. وقد يرى كثير من الناس أن هذه غاية نبيلة ومطلوبة ومرغوب فيها، لكن يفوت عليهم أن تحقيق العبودية لله تعالى يجب أن يكون غاية لا يزحمها شيء البتة، ويكفي في سوء هذا المنهج أن أصحابه حولوا دين الله تعالى إلى وسيلة لتحقيق غاية أخرى وهي عز الأمة وتمكينها ونصرها، فإذا فات هذا المطلوب غيروا الوسيلة لتحقيقه. ومن راجع الخطاب الدعوي قبل عقدين فسيرى تكثيفاً في المبشرات بقرب نصر الأمة وعزها والتمكين لها، وأنها تعيش مرحلة مخاض، وأن نصر الله تعالى قريب، وأن اشتداد الظلمة يعقبه الفجر، وأن بعد العسر يسراً، فلما لم يقع ذلك كما قرروه في أذهانهم في زمن معين انسلخوا من منهجهم، وانقلبوا على من بقي عليه بالتنقيص والثلب؛ ليثبتوا للناس أن تحولهم عنه كان صحيحاً .. وليتهم لما فعلوا ذلك كفوا أقلامهم وألسنتهم عن منهج الأمس ومن ثبت عليه، ولم يصطفوا مع المنافقين في حربهم عليه.

стр. 417

ومن جعل المنهج الحق وسيلة لغاية أخرى فحري أن يفارق الحق إلى الباطل إذا لم تتحقق الغاية أو استبطأها. والواجب على المسلم أن يربي نفسه، وعلى الدعاة أن يربوا أتباعهم على جعل الحق هو الغاية، ولا يكون وسيلة لأي شيء آخر، ولنا عبرة في أنبياء الله تعالى الذين لم يُمَكَّن لبعضهم في الأرض، بل قتلهم أعداؤهم، وآخرون لم يتبعهم إلا قليل من الناس فهذا نبي الله تعالى نوح ﵇ يخبر الله عنه فيقول ﴿وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] ونبينا محمد ﷺ يقول: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النبي وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ ليس معه.)) (١) السبب الثاني: الجهل بسنة الله تعالى في معاملته لعباده، فيرى المتمسك بالدين أن نصوص النصر والعز والتمكين، وكون العاقبة للمتقين تتناوله وإخوانه، وأنهم الموعودون بذلك، مع ما فيهم من نقص وخلل في تحقيق شروطه، وأيضاً ما يعتريهم من استعجال في وقوعه، واستبطاء لتحقيقه؛ فيكيفون وعد الله تعالى لعباده بالنصر والتمكين على ما في أذهانهم، ويخضعون سنن الله تعالى في خلقه لمطلوبهم وعجلتهم. والعجلة طبع في الإنسان لا يكاد ينفك عنه ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] والنبي ﷺ لما أخبر عن تمكين الله تعالى لدينه قال: ((وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)) (٢) فهو استعجال في طلب النصر، وتحقق سنن الله تعالى في عباده، ومن هنا ندرك الحكمة من كثرة التأكيد على أن وعد الله تعالى حق وقرنه بالأمر بالصبر والإخبار أن العاقبة للمتقين؛ لأن النفس البشرية جزوعة ملولة كثيرة السخط والتذمر، نزاعة للكسل والدعة والهوى، فلا بد من اليقين مع الصبر لتحقق الوعد ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ [الرُّوم:٦٠] وتكرر هذا الأمر في آيتين أخريين، وأمة بني إسرائيل عذبت عذاباً أليماً طويلاً على يد فرعون وجنده، ومع ذلك كانت وصية موسى لهم هي الصبر ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] وليس من الصبر في شيء تغيير المنهج الصحيح والانقلاب عليه استبطاء للنصر والتمكين. فالواجب على المؤمنين عموماً وأهل الدعوة خصوصاً أن يجعلوا مشاعرهم وسلوكهم وتصوراتهم تجاه الأمة وقضاياها، وما يحصل لها من الألم والذل والهوان على أيدي أعدائها، وما يُرغب فيه من نصرها وعزها والتمكين لها .. خاضعة للنصوص لا أن نخضع النصوص لرغباتنا وأهوائنا، فإن سنن الله تعالى لا تتبدل. ولو نظرنا إلى أشهر قضية للمسلمين مع أعدائهم في عصرنا، وأكثرها تناولاً في كتاباتهم وخطبهم ومحاضراتهم ومجالسهم هي قضية احتلال اليهود بمعونة النصارى لبيت المقدس قبل ستة عقود، وهي القضية التي عجز المسلمون عن نجدة إخوانهم فيها، فأدى ذلك إلى يأس كثير من الناس حتى ممن ينتسبون للعلم والدعوة من حلها، فركبوا مراكب التطبيع مع اليهود، أو على الأقل سكتوا عن هذه القضية لمللهم من تناولها.

стр. 418

ولو أنعمنا النظر في التاريخ لوجدنا أن الصليبيين احتلوا بيت المقدس زهاء تسعين سنة، وعطلت الصلاة في المسجد الأقصى، ورفع الصليبيون عليه صلبانهم، واتخذوه اصطبلات لخيولهم، وحظائر لخنازيرهم، وربما داخل كثيراً من القلوب آنذاك يأس من عودته للمسلمين، لكنه عاد بعد تسعين سنة من البناء والدعوة والجهاد، وكثير من الذين شاركوا في إعادة بناء صفوف الأمة آنذاك، ودعوة الناس إلى أن يعودوا إلى دينهم، ويتوبوا من ذنوبهم، وكانوا فاعلين في تحقق النصر العظيم الذي توج على يد صلاح الدين رحمه الله تعالى بطرد الصليبيين منه .. كثير منهم لم يذوقوا حلاوة هذا النصر، واخترمتهم المنايا قبل إدراكه، ومنهم الملك العادل نور الدين، وليس صلاح الدين إلا ثمرة من ثمراته. إن كثيراً من المتحمسين لدين الله تعالى يزعجهم حال الأمة وضعفها، وانتهاك الملأ منها للحرمات، وتعطيل الشرائع، والصد عن دين الله تعالى، فلا يتحلون بالصبر والحكمة في مواجهة هذا الواقع الأليم، ولا يصدرون عن العلماء الربانيين، بل منهم من يطعنون فيهم متهمين إياهم بالمداهنة والجبن والضعف، ويظنون أنهم أقدر من العلماء على مواجهة الملأ من أقوامهم، وأن الناس ينصرونهم، فيعرضون أنفسهم لما لا يطيقون من البلاء، فيؤدي ذلك بهم إلى الانتكاس، والانقلاب على المنهج الصحيح. والله تعالى رحيم بعباده، عليم بقدرتهم وطاقتهم، فلم يكلفهم ما لا يطيقون ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] وتغيير المنكر كان فيه تدرج من اليد إلى اللسان إلى القلب حسب القدرة، وأباح الله تعالى النطق بكلمة الكفر لدفع البلاء، ولحماية المؤمن نفسه من الافتتان، مع أن كلمة الكفر أسوأ شيء يقال وهي سبب للعذاب. وقد روى حذيفة وهو أعلم الصحابة بالفتن وأسباب النجاة منها عن النبي ﷺ أنه قال: ((لاَ ينبغي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قال: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُ)) (١) والمؤمن مطالب بإصلاح نفسه، ثم تعدية هذا الصلاح إلى غيره، فإذا كان سعيه في إصلاح غيره يعود على نفسه بالفساد كف عن ذلك .. وهذا يتصور وقوعه حال الفتن، وغلبة الأهواء، وقوة أهل الفساد، وتمكنهم من البلاد والعباد؛ ولذا جاء الأمر بالعزلة حال غربة الدين، وكثرة الفتن؛ للحفاظ على النفس من التردي والتبديل والانقلاب، وعلى هذه الأحوال تحمل الأحاديث والآثار، ومنها:

стр. 419

١ - حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عن الْمُنْكَرِ حتى إذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كل ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ)) (١) ٢ - حديث عَبْدَ الله بن عَمْرٍو قال: قال لي رسول الله ﷺ : ((كَيْفَ أنت إذ بَقِيتَ في حُثَالَةٍ مِنَ الناس؟ قال: قلت: يا رَسُولَ الله، كَيْفَ ذلك؟ قال: إذا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا -وَشَبَّكَ الراوي بين أَصَابِعِهِ يَصِفُ ذَاكَ- قال: قلت: ما أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يا رَسُولَ الله؟ قال: اتَّقِ الله ، وَخُذْ ما تَعْرِفُ، وَدَعْ ما تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهِمْ)) (٢) ٣ - قول علي بن أبي طالب ﵁: (إنَّ أول ما تُغْلَبُونَ عليه من الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ، فَأَيُّ قَلْبٍ لم يَعْرِفْ الْمَعْرُوفَ وَلاَ يُنْكِرُ الْمُنْكَرَ نُكِّسَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ) (٣) ٤ - حديث سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قال: قال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: (آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟ قال: إنْ خِفْت أَنْ يَقْتُلَك فَلاَ تُؤَنِّبْ الإِمَامَ فَإِنْ كُنْت َلاَ بُدَّ فَاعِلاً فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ (٤) ٥ - قول حذيفة ﵁ قال: (إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله») (٥) ٦ - قول ابن مسعود ﵁ قال: (إنكم في زمن الناطق فيه خير من الصامت، والقائم فيه خير من القاعد، وسيأتي عليكم زمان الصامت فيه خير من الناطق، والقاعد فيه خير من القائم، فقال له رجل: كيف يكون أمر من عمل به اليوم كان هدى، ومن عمل به بعد اليوم كان ضلالة؟ فقال: اعتبر ذلك برجلين من القوم يعملون بالمعاصي، فصمت أحدهما فسلم، وقال الآخر: إنكم تفعلون وتفعلون فأخذوه فذهبوا به إلى سلطانهم، فلم يزالوا به حتى عمل مثل عملهم) (٦) ٧ - كان الأحنف رحمه الله تعالى جالساً عند معاوية ﵁ فقال: (يا أبا بحر، ألا تتكلم؟ قال: إني أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت) (٧) ٨ - قال مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله تعالى: (لئن لم يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه مئة ألف سيف أرمي إليه كلمة فيقتلني إن ديني إذاً لضيق) (٨) قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى بعد أن ساق جملة من الآثار: (أجمع المسلمون على أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك، والأحاديث عن النبي ﷺ في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً لكنها كلها مقيدة بالاستطاعة) (٩)

стр. 420

والناس في هذا الباب طرفان ووسط؛ فطائفة اتكئوا على نصوص الرخصة لتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسوغوا المنكرات بأنواع الحيل، وعدوا النهي عن المنكر نوعاً من الخروج المذموم، وهؤلاء هم مرجئة العصر، ولا فرق بينهم وبين العلمانيين إلا أن هؤلاء يتمسحون بالشريعة، وينطقون بالكتاب والسنة، وإلا فهم في النهاية يلتقون مع المشروع العلماني التغريبي. وطائفة أخرى أخذوا بنصوص العزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يفطنوا لقدراتهم، وظنوا أنهم يقوون على البلاء، لكنهم لما ابتلوا افتتنوا فغيروا مناهجهم، وانقلبوا على إخوانهم، وكانوا طرائق قدداً. وأهل الوسط هم الذين عملوا بنصوص العزيمة في مواطنها، وأخذوا بنصوص الرخصة في مواضعها، وفروا من الفتن، ولم يعرضوا أنفسهم لما لا طاقة لها به من البلاء، فسلم لهم دينهم، ودرءوا من الشر ما استطاعوا، ولا زالوا ثابتين، ثبتنا الله تعالى وإياهم على الحق المبين. والمؤمن إذا عجز عن النهي عن المنكر مباشرة لجأ إلى الأمر بالمعروف، فإن أمره بالمعروف نهي عن المنكر بطريق غير مباشر. والانفتاح الذي أصيبت به بلادنا وإن أدى إلى تسرب منكرات كثيرة، وتسبب في تطاول المنافقين على الشريعة وحملتها ومؤسسات تبليغها؛ فإن فيه خيراً من جهة تنشيط الإنكار باللسان وبالقلم؛ فإن دعاوى حرية الرأي التي يتكئ المنافق عليها في تسويق المنكر يستطيع المحتسب أن يتكئ عليها في النهي عن المنكر، وذم أهله، وفضيحة المسوقين له. السبب الثالث: عدم العناية بعلم الباطن والسلوك، وإهمال تزكية النفس بالأعمال الصالحة، وربما كان للمنقلب معاص في السر أهملها، فكان ضعيفاً في مواجهة المنكر وأهله، خائراً في مقابلة الابتلاء بالصبر والثبات، فانهار في الابتلاء وانقلب على منهجه، وقل أن نجد عالماً من علماء السلف إلا وله كتابة في الزهد أو الرقاق أو تزكية النفس، سواء كانت مفردة أم ضمن مصنف، وهم وإن كانوا يكتبون لغيرهم فإنهم أول من ينتفع بما يكتبون. والمؤمن إذا اعتنى بصلاح باطنه، وسعى في زيادة إيمانه، وعمل على رسوخ يقينه، وأرى الله تعالى من نفسه اجتهاداً وجِدَّاً في ذلك أعانه الله تعالى وسدده ووفقه لما أراد، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً، قال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد:١٧] أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها. (١) السبب الرابع: تأصل فساد القلب بالشبهات أو بالشهوات، فقد يبتلى العبد بشبهة لا يصرفها عن نفسه بالمحكم من الشريعة، ولا يستعيذ بالله تعالى من شرها، ولا يلجأ إلى العلماء الراسخين في دحضها، فتتمكن من قلبه، وتعمل عملها فيه، فينقلب بسببها عن منهجه، وبسبب الشبهة في الدين انتكس عدد من الأذكياء المشاهير قديما وحديثا. وقد يرد على القلب شهوة تفسده سواء كانت شهوة معصية يلتمس لها الإباحة بعسف النصوص وتحريف معانيها، فيستسيغ ذلك في كل ما يعرض له من شهوة، حتى يكون ديدنه تحريف الشريعة، واتباع المتشابه منها، واستخراج شواذ الفقه، فيردى بسبب شهوته. وأحياناً يكون تحريفه للشريعة لأجل غيره من ذوي الجاه أو المال أو الإعلام؛ لينال حظوة عندهم، فشهوته تكون في حظوته عندهم، ولا ينال ذلك إلا باتباع شهواتهم في إباحة ما حرم الله تعالى عليهم، أو إسقاط بعض الواجبات عنهم.

стр. 421

أو يكون فيه شهوة بغي وانتصار للنفس، تظهر حال مساجلته لأقرانه، فينتصر لنفسه بمخالفة منهجهم ولو كان حقاً؛ لمجرد أنه يريد مناكفتهم فيه، والانتقام منهم، وهو في واقع الأمر لا ينتقم إلا من نفسه، والانتصار للنفس سبب للذل وضعف الانتصار للحق. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها، فنضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات، أو كما قال، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. (١) ففساد القلب وزيغه إنما يكون بسبب شبهة أو شهوة يستسلم لها العبد فيسلب التوفيق، ويحيق به الخذلان، ويعاقب على تقصيره في تحصين قلبه، واستسلامه لوارد الشبهة أو الشهوة، وقد قال الله تعالى في المنافقين ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] وقال سبحانه في اليهود ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [الصَّف:٥] وقال في المؤمنين الذين دافعوا وارد الشبهات والشهوات ﴿وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، وكما لا يمكن للإنسان أن يصعد سلماً ثم يجد نفسه في القبو، فلا يمكن أن يترقى في الإيمان واليقين، ويجاهد في صلاح قلبه ثم يجد نفسه زائغاً منحرفاً عن الحق مفارقاً أهله؛ فإن عدل الله تعالى وحكمته ورحمته تأبى ذلك، قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: من نسأل بعدك؟ قال: عبد الوهاب الوراق، قيل له: إنه ليس له اتساع في العلم، قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. (٢) السبب الرابع: الانفصام بين الظاهر والباطن، ثم اليأس من رحمة الله تعالى، وذلك بأن يكون العبد مقيماً على معصية لم يستطع الانتهاء عنها مع محولاته المكرورة، ولا سيما إذا كان ذلك مما يتعلق بالشهوات، فيقذف الشيطان في قلبه أنه منافق؛ إذ كيف يقيم على هذه المعصية، ويخفيها عن مشايخه وأقرانه، ويظهر أمامهم بمظهر أهل الاستقامة والتقوى، ولا يزال هذا الصراع في قلبه إلى أن ييأس من الإقلاع عن معصيته، ويرى أنه لا يمكن أن يصاحب الأخيار وهو على هذا الحال، فيتنصل منهم شيئاً بعد شيء، ويتخذ رفقة أخرى لا ضير أن يبوح لهم بسره، ويظهر معصيته أمامهم، ويظن أنه ارتاح من تأنيب ضميره. ولو علم المسكين أن تأنيب قلبه له الذي يجده وهو مع الأخيار خير له من مفارقتهم، فهو دليل على حياة قلبه، وعلى بقاء النفس اللوامة، أما مفارقته لهم، وإظهاره لمعصيته، وانقلاب حاله فهو إماتة للنفس اللوامة، وتسليم قياده للنفس الأمارة بالسوء.

стр. 422

السبب الخامس: منافسة الأقران، فقد يكون له قرين في مثل استقامته أو علمه لكنه تقدم عليه بالحظوة عند الناس أو بمنصب ديني أو بالشهرة أو يفتح الله تعالى له بابا من العلم أو الرزق لا يفتحه لقرينه، فيحسده على ذلك، ويركب الصعب والذلول للحاق به ولو تنازل عن بعض مبادئه أو أكثرها .. وينحصر همه في أن يصله أو يتعداه، ويعظم ذلك إذا كان قرينه أقل منه علماً أو دعوة، أو كان أحد تلاميذه، أو اهتدى عليه فيغار منه، وأعرف شخصا كذلك، إذ ما زال يتقرب لذوي الجاه بالوشاية في قرين أصغر منه لحسده إياه على ما آتاه الله تعالى من العلم حتى فاقه، ومنافسة الأقران في حظوظ الدنيا تؤدي إلى ذل النفس وانحطاطها، وبيعها الدين وتسخيرها الفقه لخدمة الخلق؛ لطلب نصرتهم وعزهم، يقول ابن عاشور رحمه الله تعالى: الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس. (١) السبب السادس: أن يكون للشخص أتباع يظن أنهم ينصرونه ولا يتخلون عنه، فلا يقع ما ظنه منهم فينتقم منهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- بمخالفة منهجهم ولو كان صواباً، وكل نبي حمل أعباء الدعوة وحده، وتحمل ما يناله منها وحده، ولم ينتظروا نصرة من غير الله تعالى، وهم قدوة الدعاة إلى الله تعالى. أسباب تتعلق بالمجتمع (مجتمع العلماء والدعاة): السبب الأول: صد الطاقات الواعدة، والمواهب الصاعدة، وإهمالها وعدم العناية بها، مع أنها ترى أنها أميز من غيرها من الأقران، والواجب على التابع أن لا يؤثر ذلك فيه لكن بعض الأتباع ضعيف، فعند إهمال المتبوع له -عالم أو داعية أو مرب- يفارق التابع مجلس متبوعه ودرسه، وربما انقلب عليهم بالحط والثلب، وحينها يجد من يتلقفه من أهل الشر، فيرفعه ويعتني به ويستخدمه معول هدم للحق، وأذكر أن فتى يافعاً نبيهاً صار بينه وبين مشايخ بلدته جفوة واختلاف فيمم شطره لبعض مشاهير الشعراء من النصارى، فاعتنى به عناية فائقة لما رأى من نبوغه وعبقريته، وظل يتعاهده ويواصله بالمراسلة مع أن هذا الفتى في العشرينيات، والنصراني في الثمانينيات. وحدثني بعض أهل العلم والأدب عمن عاصر عبد الله القصيمي -العالم السلفي الذي انقلب إلى ملحد- أن من أسباب صدوده عن أهل العلم، وثورته على الدين وأهله أنه لما قدم من مصر كان يعتمر العقال، ويعتني بمظهره اعتناء زاد على المألوف، فكأن بعض أهل العلم استوحشوا ذلك منه فجفوه، وكان دُعي إلى وليمة لبعض أهل العلم، فلم يأبهوا به ولم يقدموه، فحمل ذلك في نفسه وفارقهم. وفي مقابل ذلك نرى جلدا من أتباع الباطل في تكثير أتباعهم، والدفاع عنهم، واستماتتهم في نشر باطلهم، وكان لي قريب في المرحلة المتوسطة وكان كتب قصيدة فيها شيء من تمرد ونشرها في بعض الصحف، فاطلع عليها سفير سبعيني، فأرسل له رسالة خاصة يثني عليه بها. ورأيت شاباً انتحل مذهب الحداثيين في التمرد، فجاوز المعهود في قوله، فأُخذ به، فوقف معه الحداثيون وسائر المنحرفين وقوفاً عجيباً، ودافعوا عنه باستماتة حتى ألغوا ما يستحق من العقاب. وفي مقابل ذلك فإن كثيراً ممن ابتلوا وهم على الحق لم يلتفت لهم أحد، فربما ضعف بعضهم بسبب ذلك، وانقلب على منهجه السابق.

стр. 423

وتفسير خذلان أهل الحق لأتباعهم، ونصرة أهل الباطل لأفراخهم أن أهل الباطل في مجتمعات المسلمين هم الأقلية، وأهل الحق هم الأكثرية، ومن السنن البشرية أن الأقلية دائمة التكتل، وتسعى في تكثير الأتباع، وتكون معتادة على أجواء التوتر، وتتقن التعامل مع الأزمات، بينما الأكثرية تكون في حالة أمن واسترخاء، ولم تعتد على أجواء التوتر، ولا تحس بفقد بعض أفرادها لكثرتهم. كما أن الحكومات قد تعودت من الأقليات على أنواع من التمرد فلا تستنكره منهم مهما كان عظيماً، بخلاف الأكثرية التي يستكثر منها ما هو صغير. السبب الثاني: الانفصام بين العلم والعمل: فأحياناً يقع الطالب على مخالفة وقع فيها شيخه -وهو يراه مثله الأعلى- فيسقط من عينه، ويجني على نفسه بإسقاط المنهج الذي ينتهجه شيخه، ويبحث له عن منهج آخر، وقد حُدثت عن بعض أهل العلم ممن هام في بعض المبتدعة، فتعصب له أن بداية ذلك: رحلته لشيخ يأخذ عنه، فرأى في بيته ما يكره أن يراه من شيخه، فنفر منه وتحول إلى شيخ مبتدع كان قد سمع به، فرآه على حال من الزهد لم يره في شيخه الأول، فكان ذلك فتنة له؛ فلزمه وهام به، وركب شيئاً من بدعته. ولو أنه أحسن لسأل شيخه عما كره فلعله معذور فيه، أو متأول، أو غير ذلك. ولو وفق للهدى لفرق بين علم الرجل وسمته؛ فليس كل زاهد في الدنيا يصيب السنة، وليس كل مخطئ في سلوكه يهجر لخطئه ولو كان من علماء السنة، والحق يعرف بالأدلة من الشريعة، ولا يعرف الحق بالرجال، كما أن الباطل يعرف بطلانه بالأدلة، ولا يحيله زهد صاحبه إلى حق. السبب الثالث: ضعف الفقه في علاج خطأ من أخطأ من أهل العلم والصلاح، أو فعل خلاف ما هو أولى أو ما لا يليق بأمثاله، أو أتى بقول شاذ، فيكون حقه التعنيف والتقريع والسخرية في كثير من الأحيان مما يجعله يصر ويكابر ويدافع عن موقفه ولو كان خطأ، وهنا يتسلل الشيطان إلى قلبه، ويركبه أهل السوء والنفاق؛ لتنفيره من أهل استقامة والصلاح، أو يحرج فيجتنبهم فيجد في الطرف الآخر من يحسن استقباله وتسليته. وأعرف واحداً من النابهين في العلم خالف في مسائل ولم يكن من أهل البلد الذي عاش طيلة عمره فيه، فكأن بعض الحاسدين له اقتنصوا مخالفته فشنعوا عليه وضايقوه حتى فارقهم ورحل عن بلادهم، فتلقفه آخرون، وأحسنوا احتواءه، ووضعوه في مقامه اللائق به علمياً، وسخروا قوته العلمية في تشريع كثير من الرخص على وفق منهجهم، ونقد المنهج السابق بحجة التشدد. ولا شك في أنه يلام في ذلك، لكن النفس البشرية تضعف أمام المضايقات، وتستعبد لإحسان الآخرين ولو كانوا مخالفين في المنهج الصحيح.

стр. 424

ولو تأملنا السنة النبوية لوجدناها مليئة بحفظ مكانة الشخص ولو أخطأ، وعدم الإسراف في الإنكار عليه بتنقيصه والإزراء به، وفرق بين التعرض لشخصه بالهمز واللمز والتعرض لقوله بالتخطئة والنقد، وكثير من الناقدين لا يفرقون بينهما، والنبي ﷺ لما أقام الحد على الشارب فسبه بعض القوم قال ﷺ رداً عليهم: ((لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ، وفي رواية: لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ على أَخِيكُمْ)) (١) وكان من هدي النبي ﷺ إنزال الناس منازلهم (٢)، ووضعهم في المقام اللائق بهم، وقال في سعد بن معاذ ﵁: قوموا إلى سيدكم، (٣) وأنزل سيد قريش أبا سفيان منزلته فقال في الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. (٤) فالنابهون والمميزون وذوو الشأن ليسوا كغيرهم، وينبغي إعطاؤهم حقهم من التوقير والاحترام والاهتمام؛ لأن في تأليفهم خدمة للدعوة وإعزاز للدين بهم. ومنهج النبي ﷺ في هذا الباب أنه كان يعامل كل أحد بحسب إيمانه وقوته في الحق: فهجر الثلاثة المخلفين؛ لما ظهر من صدقهم في عدم اختلاق الأعذار؛ وذلك لتربيتهم، وظهر صدق توبة كعب ﵁ في رفضه لعرض ملك غسان .. فلا تكون هذه المعاملة قاعدة ثابتة، ولا تصلح مع كل أحد. ولم يول خالد بن الوليد ﵁ في أول إسلامه مع شهرته في القيادة، وجعله جنديا تحت قادة هو أولى بالقيادة منهم من الجهة العسكرية، وما أرى ذلك -والله أعلم- إلا تربية له؛ ليكون إسلامه لله تعالى ولا حظ فيه لشيء من الدنيا والهوى ... فلما صح ذلك من خالد ﵁ ولم يتضعضع أنزله النبي ﵊ منزلته اللائقة به وولاه وقال: سيف من سيوف الله (٥)، ولما أخطأ تبرأ من خطئه (وقال اللهم أبرأ إليك مما فعل خالد) (٦) لكنه لم يهدره ولم يعزله. وهكذا فعل الصديق ﵁، فلما تولى عمر خشي أن يفتن الناس به فعزله ولم يهدر منزلته بل أمر أبا عبيدة أن يستشيره في الحرب. وأعطى المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، والأنصار أسلموا ولم يريدوا من الدنيا شيئا، لأن النبي ﵊ لما أسلموا ما كان عنده شيء، بل خاطروا بدنياهم لأجله، وهذا من أبين الأدلة على تمكن الإيمان من قلوبهم، فعاملهم بحسب إيمانهم. والمخطئون في معاملة من أخطأ من النابهين على طرفين: فطرف يداهنهم في دين الله تعالى لإرضائهم، ويوافقهم في بعض باطلهم بزعم أن يقبلوا الحق الذي عنده، وهي طريقة من يظنون أنهم من أهل التيسير، وهم في الحقيقة أهل التمييع والمداهنة في دين الله تعالى مع الكفار والمنافقين والمنحرفين، ولما ساومت قريش رسول الله على دينه أنزل الله تعالى سورة الكافرون؛ ليعلم الناس أنه لا مساومة على دين الله تعالى، وحسم النبي ﷺ هذا الأمر فقال: ((فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، والله أني لاَ أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ على الذي بعثني الله له حتى يُظْهِرَهُ الله له أو تَنْفَرِدَ هذه السَّالِفَةُ)) (٧) يعني: رقبته الشريفة.

стр. 425

وطرف آخر يجفوهم ولا يأبه بهم، وإذا أخطئوا عنف عليهم وتجاوز في انتقاده لهم، فتخسرهم الأمة بسبب هذه المواقف التي يمكن اجتنابها. وينتج عن خروجهم من صف الدعوة مفاسد أهمها: ١ - ربما خسارتهم لدينهم، كمن ألحدوا أو انتهجوا مناهج الشك، أو صححوا أديان الكفار، نسأل الله تعالى العافية ٢ - خسارة الأمة لطاقات نابهة. ٣ - استخدام أعداء الإسلام لهم، وتجييشهم ضد الدعوة والدعاة من أوجه: أ - الاستفادة مما لديهم من معلومات شرعية للطعن في الشريعة أو للاستدلال على ما يريدون من انحراف الناس، وقد رأينا بعد موجات الارتداد والانقلاب أن كثيرا من وسائل الإعلام التي تدعو الناس إلى الفساد والثورة على الدين صارت تعرض من النصوص والأقوال ما يؤيد شبهاتها، وكل هذا إنما يؤخذ من هؤلاء المنقلبين على أعقابهم سواء كان مباشرة وبأقلامهم أم بواسطة. ب - محاولة إقناع المترددين بهؤلاء الذين سبقوهم إلى الانحراف، وخاصة أنهم يصفونهم بالجراءة والشجاعة والتحرر من التقليد، ويلقون في أنفسهم بأنهم رواد وطلائع للتغيير وللنهضة المنتظرة. ت - الصد عن دين الله تعالى، كأنهم يقولون لمن يريد الاستقامة على دين الله تعالى والانتظام في سلك الصالحين: هؤلاء جربوا الطريق قبلك. ث - كشف عورات المسلمين، بذكر ما رأوا على الصالحين والدعاة والعلماء من هفوات وزلات لا يسلم منها بشر، وتضخيمها والكذب عليها. ومن ذلك اتهام الجمعيات الخيرية أو حلقات التحفيظ أو المراكز الصيفية ونحوها. ج - بث الشبهات في دين الله تعالى، فكثير منهم حضروا مجالس العلماء والدعاة، ويعرض فيها بعض المسائل الخلافية والمشكلة، أو التي يثيرها الخصوم فيتلقفها فإذا انقلب صار يشغب بها على العلم والعلماء والدعوة والدعاة، وقد أخذها منهم. السبب الرابع: اختيار أضعف ما عند الخصوم من أصحاب الفرق الضالة أو التيارات الفكرية المنحرفة والرد عليه، والإلقاء في روع الأتباع أن الشبهة انتهت وأن حجة الخصم سخيفة أو ضعيفة وهي في واقع الأمر ليست كذلك، فمع الانفتاح الإعلامي والثقافي صار الشاب يطلع على ما عند الآخرين، وإذا هو ليس ضعيفا كما صوره شيخه، بل فيه قوة، ويحتاج في رده إلى حجة، فينحرف بسبب ضعف جواب شيخه، أو يجد شبهات أخرى لم يتعرض لها شيخه. أسباب التثبيت على الحق: من رحمة الله تعالى بعباده أنه لما ابتلى أهل الحق بفتنة أعدائهم لهم، وتسلطهم عليهم، وانقلاب بعض إخوانهم على مناهجهم فإنه سبحانه بين أسباب الثبات على الحق ليحافظ عليها من أراد الثبات، ومن تلكم الأسباب: ١ - قراءة القرآن بتدبر، ففيه قصص الثابتين على الحق للاقتداء بهم، وقصص الناكصين للحذر من سلوك مسلكهم قال الله تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢].
следующие страницы →