أو يكون فيه شهوة بغي وانتصار للنفس، تظهر حال مساجلته لأقرانه، فينتصر لنفسه بمخالفة منهجهم ولو كان حقاً؛ لمجرد أنه يريد مناكفتهم فيه، والانتقام منهم، وهو في واقع الأمر لا ينتقم إلا من نفسه، والانتصار للنفس سبب للذل وضعف الانتصار للحق.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها، فنضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات، أو كما قال، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. (١) ففساد القلب وزيغه إنما يكون بسبب شبهة أو شهوة يستسلم لها العبد فيسلب التوفيق، ويحيق به الخذلان، ويعاقب على تقصيره في تحصين قلبه، واستسلامه لوارد الشبهة أو الشهوة، وقد قال الله تعالى في المنافقين ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] وقال سبحانه في اليهود ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ [الصَّف:٥] وقال في المؤمنين الذين دافعوا وارد الشبهات والشهوات ﴿وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]، وكما لا يمكن للإنسان أن يصعد سلماً ثم يجد نفسه في القبو، فلا يمكن أن يترقى في الإيمان واليقين، ويجاهد في صلاح قلبه ثم يجد نفسه زائغاً منحرفاً عن الحق مفارقاً أهله؛ فإن عدل الله تعالى وحكمته ورحمته تأبى ذلك، قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: من نسأل بعدك؟ قال: عبد الوهاب الوراق، قيل له: إنه ليس له اتساع في العلم، قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. (٢) السبب الرابع: الانفصام بين الظاهر والباطن، ثم اليأس من رحمة الله تعالى، وذلك بأن يكون العبد مقيماً على معصية لم يستطع الانتهاء عنها مع محولاته المكرورة، ولا سيما إذا كان ذلك مما يتعلق بالشهوات، فيقذف الشيطان في قلبه أنه منافق؛ إذ كيف يقيم على هذه المعصية، ويخفيها عن مشايخه وأقرانه، ويظهر أمامهم بمظهر أهل الاستقامة والتقوى، ولا يزال هذا الصراع في قلبه إلى أن ييأس من الإقلاع عن معصيته، ويرى أنه لا يمكن أن يصاحب الأخيار وهو على هذا الحال، فيتنصل منهم شيئاً بعد شيء، ويتخذ رفقة أخرى لا ضير أن يبوح لهم بسره، ويظهر معصيته أمامهم، ويظن أنه ارتاح من تأنيب ضميره.
ولو علم المسكين أن تأنيب قلبه له الذي يجده وهو مع الأخيار خير له من مفارقتهم، فهو دليل على حياة قلبه، وعلى بقاء النفس اللوامة، أما مفارقته لهم، وإظهاره لمعصيته، وانقلاب حاله فهو إماتة للنفس اللوامة، وتسليم قياده للنفس الأمارة بالسوء.
стр. 422
السبب الخامس: منافسة الأقران، فقد يكون له قرين في مثل استقامته أو علمه لكنه تقدم عليه بالحظوة عند الناس أو بمنصب ديني أو بالشهرة أو يفتح الله تعالى له بابا من العلم أو الرزق لا يفتحه لقرينه، فيحسده على ذلك، ويركب الصعب والذلول للحاق به ولو تنازل عن بعض مبادئه أو أكثرها .. وينحصر همه في أن يصله أو يتعداه، ويعظم ذلك إذا كان قرينه أقل منه علماً أو دعوة، أو كان أحد تلاميذه، أو اهتدى عليه فيغار منه، وأعرف شخصا كذلك، إذ ما زال يتقرب لذوي الجاه بالوشاية في قرين أصغر منه لحسده إياه على ما آتاه الله تعالى من العلم حتى فاقه، ومنافسة الأقران في حظوظ الدنيا تؤدي إلى ذل النفس وانحطاطها، وبيعها الدين وتسخيرها الفقه لخدمة الخلق؛ لطلب نصرتهم وعزهم، يقول ابن عاشور رحمه الله تعالى: الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس. (١) السبب السادس: أن يكون للشخص أتباع يظن أنهم ينصرونه ولا يتخلون عنه، فلا يقع ما ظنه منهم فينتقم منهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- بمخالفة منهجهم ولو كان صواباً، وكل نبي حمل أعباء الدعوة وحده، وتحمل ما يناله منها وحده، ولم ينتظروا نصرة من غير الله تعالى، وهم قدوة الدعاة إلى الله تعالى.
أسباب تتعلق بالمجتمع (مجتمع العلماء والدعاة):
السبب الأول: صد الطاقات الواعدة، والمواهب الصاعدة، وإهمالها وعدم العناية بها، مع أنها ترى أنها أميز من غيرها من الأقران، والواجب على التابع أن لا يؤثر ذلك فيه لكن بعض الأتباع ضعيف، فعند إهمال المتبوع له -عالم أو داعية أو مرب- يفارق التابع مجلس متبوعه ودرسه، وربما انقلب عليهم بالحط والثلب، وحينها يجد من يتلقفه من أهل الشر، فيرفعه ويعتني به ويستخدمه معول هدم للحق، وأذكر أن فتى يافعاً نبيهاً صار بينه وبين مشايخ بلدته جفوة واختلاف فيمم شطره لبعض مشاهير الشعراء من النصارى، فاعتنى به عناية فائقة لما رأى من نبوغه وعبقريته، وظل يتعاهده ويواصله بالمراسلة مع أن هذا الفتى في العشرينيات، والنصراني في الثمانينيات.
وحدثني بعض أهل العلم والأدب عمن عاصر عبد الله القصيمي -العالم السلفي الذي انقلب إلى ملحد- أن من أسباب صدوده عن أهل العلم، وثورته على الدين وأهله أنه لما قدم من مصر كان يعتمر العقال، ويعتني بمظهره اعتناء زاد على المألوف، فكأن بعض أهل العلم استوحشوا ذلك منه فجفوه، وكان دُعي إلى وليمة لبعض أهل العلم، فلم يأبهوا به ولم يقدموه، فحمل ذلك في نفسه وفارقهم.
وفي مقابل ذلك نرى جلدا من أتباع الباطل في تكثير أتباعهم، والدفاع عنهم، واستماتتهم في نشر باطلهم، وكان لي قريب في المرحلة المتوسطة وكان كتب قصيدة فيها شيء من تمرد ونشرها في بعض الصحف، فاطلع عليها سفير سبعيني، فأرسل له رسالة خاصة يثني عليه بها.
ورأيت شاباً انتحل مذهب الحداثيين في التمرد، فجاوز المعهود في قوله، فأُخذ به، فوقف معه الحداثيون وسائر المنحرفين وقوفاً عجيباً، ودافعوا عنه باستماتة حتى ألغوا ما يستحق من العقاب.
وفي مقابل ذلك فإن كثيراً ممن ابتلوا وهم على الحق لم يلتفت لهم أحد، فربما ضعف بعضهم بسبب ذلك، وانقلب على منهجه السابق.
стр. 423
وتفسير خذلان أهل الحق لأتباعهم، ونصرة أهل الباطل لأفراخهم أن أهل الباطل في مجتمعات المسلمين هم الأقلية، وأهل الحق هم الأكثرية، ومن السنن البشرية أن الأقلية دائمة التكتل، وتسعى في تكثير الأتباع، وتكون معتادة على أجواء التوتر، وتتقن التعامل مع الأزمات، بينما الأكثرية تكون في حالة أمن واسترخاء، ولم تعتد على أجواء التوتر، ولا تحس بفقد بعض أفرادها لكثرتهم. كما أن الحكومات قد تعودت من الأقليات على أنواع من التمرد فلا تستنكره منهم مهما كان عظيماً، بخلاف الأكثرية التي يستكثر منها ما هو صغير.
السبب الثاني: الانفصام بين العلم والعمل: فأحياناً يقع الطالب على مخالفة وقع فيها شيخه -وهو يراه مثله الأعلى- فيسقط من عينه، ويجني على نفسه بإسقاط المنهج الذي ينتهجه شيخه، ويبحث له عن منهج آخر، وقد حُدثت عن بعض أهل العلم ممن هام في بعض المبتدعة، فتعصب له أن بداية ذلك: رحلته لشيخ يأخذ عنه، فرأى في بيته ما يكره أن يراه من شيخه، فنفر منه وتحول إلى شيخ مبتدع كان قد سمع به، فرآه على حال من الزهد لم يره في شيخه الأول، فكان ذلك فتنة له؛ فلزمه وهام به، وركب شيئاً من بدعته. ولو أنه أحسن لسأل شيخه عما كره فلعله معذور فيه، أو متأول، أو غير ذلك. ولو وفق للهدى لفرق بين علم الرجل وسمته؛ فليس كل زاهد في الدنيا يصيب السنة، وليس كل مخطئ في سلوكه يهجر لخطئه ولو كان من علماء السنة، والحق يعرف بالأدلة من الشريعة، ولا يعرف الحق بالرجال، كما أن الباطل يعرف بطلانه بالأدلة، ولا يحيله زهد صاحبه إلى حق.
السبب الثالث: ضعف الفقه في علاج خطأ من أخطأ من أهل العلم والصلاح، أو فعل خلاف ما هو أولى أو ما لا يليق بأمثاله، أو أتى بقول شاذ، فيكون حقه التعنيف والتقريع والسخرية في كثير من الأحيان مما يجعله يصر ويكابر ويدافع عن موقفه ولو كان خطأ، وهنا يتسلل الشيطان إلى قلبه، ويركبه أهل السوء والنفاق؛ لتنفيره من أهل استقامة والصلاح، أو يحرج فيجتنبهم فيجد في الطرف الآخر من يحسن استقباله وتسليته.
وأعرف واحداً من النابهين في العلم خالف في مسائل ولم يكن من أهل البلد الذي عاش طيلة عمره فيه، فكأن بعض الحاسدين له اقتنصوا مخالفته فشنعوا عليه وضايقوه حتى فارقهم ورحل عن بلادهم، فتلقفه آخرون، وأحسنوا احتواءه، ووضعوه في مقامه اللائق به علمياً، وسخروا قوته العلمية في تشريع كثير من الرخص على وفق منهجهم، ونقد المنهج السابق بحجة التشدد. ولا شك في أنه يلام في ذلك، لكن النفس البشرية تضعف أمام المضايقات، وتستعبد لإحسان الآخرين ولو كانوا مخالفين في المنهج الصحيح.
стр. 424
ولو تأملنا السنة النبوية لوجدناها مليئة بحفظ مكانة الشخص ولو أخطأ، وعدم الإسراف في الإنكار عليه بتنقيصه والإزراء به، وفرق بين التعرض لشخصه بالهمز واللمز والتعرض لقوله بالتخطئة والنقد، وكثير من الناقدين لا يفرقون بينهما، والنبي ﷺ لما أقام الحد على الشارب فسبه بعض القوم قال ﷺ رداً عليهم: ((لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ، وفي رواية: لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ على أَخِيكُمْ)) (١) وكان من هدي النبي ﷺ إنزال الناس منازلهم (٢)، ووضعهم في المقام اللائق بهم، وقال في سعد بن معاذ ﵁: قوموا إلى سيدكم، (٣) وأنزل سيد قريش أبا سفيان منزلته فقال في الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. (٤) فالنابهون والمميزون وذوو الشأن ليسوا كغيرهم، وينبغي إعطاؤهم حقهم من التوقير والاحترام والاهتمام؛ لأن في تأليفهم خدمة للدعوة وإعزاز للدين بهم.
ومنهج النبي ﷺ في هذا الباب أنه كان يعامل كل أحد بحسب إيمانه وقوته في الحق:
فهجر الثلاثة المخلفين؛ لما ظهر من صدقهم في عدم اختلاق الأعذار؛ وذلك لتربيتهم، وظهر صدق توبة كعب ﵁ في رفضه لعرض ملك غسان .. فلا تكون هذه المعاملة قاعدة ثابتة، ولا تصلح مع كل أحد.
ولم يول خالد بن الوليد ﵁ في أول إسلامه مع شهرته في القيادة، وجعله جنديا تحت قادة هو أولى بالقيادة منهم من الجهة العسكرية، وما أرى ذلك -والله أعلم- إلا تربية له؛ ليكون إسلامه لله تعالى ولا حظ فيه لشيء من الدنيا والهوى ... فلما صح ذلك من خالد ﵁ ولم يتضعضع أنزله النبي ﵊ منزلته اللائقة به وولاه وقال: سيف من سيوف الله (٥)، ولما أخطأ تبرأ من خطئه (وقال اللهم أبرأ إليك مما فعل خالد) (٦) لكنه لم يهدره ولم يعزله. وهكذا فعل الصديق ﵁، فلما تولى عمر خشي أن يفتن الناس به فعزله ولم يهدر منزلته بل أمر أبا عبيدة أن يستشيره في الحرب.
وأعطى المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، والأنصار أسلموا ولم يريدوا من الدنيا شيئا، لأن النبي ﵊ لما أسلموا ما كان عنده شيء، بل خاطروا بدنياهم لأجله، وهذا من أبين الأدلة على تمكن الإيمان من قلوبهم، فعاملهم بحسب إيمانهم.
والمخطئون في معاملة من أخطأ من النابهين على طرفين: فطرف يداهنهم في دين الله تعالى لإرضائهم، ويوافقهم في بعض باطلهم بزعم أن يقبلوا الحق الذي عنده، وهي طريقة من يظنون أنهم من أهل التيسير، وهم في الحقيقة أهل التمييع والمداهنة في دين الله تعالى مع الكفار والمنافقين والمنحرفين، ولما ساومت قريش رسول الله على دينه أنزل الله تعالى سورة الكافرون؛ ليعلم الناس أنه لا مساومة على دين الله تعالى، وحسم النبي ﷺ هذا الأمر فقال: ((فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، والله أني لاَ أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ على الذي بعثني الله له حتى يُظْهِرَهُ الله له أو تَنْفَرِدَ هذه السَّالِفَةُ)) (٧) يعني: رقبته الشريفة.
стр. 425
وطرف آخر يجفوهم ولا يأبه بهم، وإذا أخطئوا عنف عليهم وتجاوز في انتقاده لهم، فتخسرهم الأمة بسبب هذه المواقف التي يمكن اجتنابها. وينتج عن خروجهم من صف الدعوة مفاسد أهمها:
١ - ربما خسارتهم لدينهم، كمن ألحدوا أو انتهجوا مناهج الشك، أو صححوا أديان الكفار، نسأل الله تعالى العافية
٢ - خسارة الأمة لطاقات نابهة.
٣ - استخدام أعداء الإسلام لهم، وتجييشهم ضد الدعوة والدعاة من أوجه:
أ - الاستفادة مما لديهم من معلومات شرعية للطعن في الشريعة أو للاستدلال على ما يريدون من انحراف الناس، وقد رأينا بعد موجات الارتداد والانقلاب أن كثيرا من وسائل الإعلام التي تدعو الناس إلى الفساد والثورة على الدين صارت تعرض من النصوص والأقوال ما يؤيد شبهاتها، وكل هذا إنما يؤخذ من هؤلاء المنقلبين على أعقابهم سواء كان مباشرة وبأقلامهم أم بواسطة.
ب - محاولة إقناع المترددين بهؤلاء الذين سبقوهم إلى الانحراف، وخاصة أنهم يصفونهم بالجراءة والشجاعة والتحرر من التقليد، ويلقون في أنفسهم بأنهم رواد وطلائع للتغيير وللنهضة المنتظرة.
ت - الصد عن دين الله تعالى، كأنهم يقولون لمن يريد الاستقامة على دين الله تعالى والانتظام في سلك الصالحين: هؤلاء جربوا الطريق قبلك.
ث - كشف عورات المسلمين، بذكر ما رأوا على الصالحين والدعاة والعلماء من هفوات وزلات لا يسلم منها بشر، وتضخيمها والكذب عليها. ومن ذلك اتهام الجمعيات الخيرية أو حلقات التحفيظ أو المراكز الصيفية ونحوها.
ج - بث الشبهات في دين الله تعالى، فكثير منهم حضروا مجالس العلماء والدعاة، ويعرض فيها بعض المسائل الخلافية والمشكلة، أو التي يثيرها الخصوم فيتلقفها فإذا انقلب صار يشغب بها على العلم والعلماء والدعوة والدعاة، وقد أخذها منهم.
السبب الرابع: اختيار أضعف ما عند الخصوم من أصحاب الفرق الضالة أو التيارات الفكرية المنحرفة والرد عليه، والإلقاء في روع الأتباع أن الشبهة انتهت وأن حجة الخصم سخيفة أو ضعيفة وهي في واقع الأمر ليست كذلك، فمع الانفتاح الإعلامي والثقافي صار الشاب يطلع على ما عند الآخرين، وإذا هو ليس ضعيفا كما صوره شيخه، بل فيه قوة، ويحتاج في رده إلى حجة، فينحرف بسبب ضعف جواب شيخه، أو يجد شبهات أخرى لم يتعرض لها شيخه.
أسباب التثبيت على الحق:
من رحمة الله تعالى بعباده أنه لما ابتلى أهل الحق بفتنة أعدائهم لهم، وتسلطهم عليهم، وانقلاب بعض إخوانهم على مناهجهم فإنه سبحانه بين أسباب الثبات على الحق ليحافظ عليها من أراد الثبات، ومن تلكم الأسباب:
١ - قراءة القرآن بتدبر، ففيه قصص الثابتين على الحق للاقتداء بهم، وقصص الناكصين للحذر من سلوك مسلكهم قال الله تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل:١٠٢] وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢].
стр. 426
٢ - نصرة الدين بشتى أنواع النصرة بلسانه أو قلمه أو يده والدفع عن الإسلام؛ فإن فاته شرف الجهاد في سبيل الله تعالى بيده فلا يفوته شرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه من الجهاد، وخير وسيلة للدفاع هي الهجوم، ومن كان ناصرا لدين الله تعالى فإنه يستحيي أن ينقلب عليه، والله تعالى وعد من نصر دينه بالنصر، والمنصور يثبت على الحق ولا ينقلب عليه، قال الله تعالى ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].
٣ - الدعاء بالثبات؛ فله أثر عجيب في ذلك، ذلك أن القلوب بيد الله تعالى، قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٥٠] وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٧] وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ))
٤ - الاستعاذة بالله تعالى من الكفر والنفاق؛ فقد كان النبي ﷺ يتعوذ بالله تعالى من الكفر وهو معصوم منه (١)،وإذا خرج من منزله تعوذ من الزلل والضلال والظلم والجهل (٢).وكان يتعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور (٣)، قال الترمذي في معناه: (إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى المَعْصِيَةِ، إِنَّمَا يَعْنِي الرُّجُوعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الشَّرِّ.) (٤) ٥ - فعل المأمورات، واجتناب المحظورات؛ فإن الشيطان يزين للعاصي تسويغ معصيته بالدين، قال الله تعالى في العاصين من بني إسرائيل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦].
стр. 427
مع السعي الجاد في طاعة الله تعالى، وكثرة عبادته؛ فأهل الكهف لما سعوا إلى طاعة ربهم، وهربوا من شرك قومهم أعانهم الله تعالى على ما أرادوا، وثبتهم عليه، وقص الله تعالى علينا خبرهم لنتأسى بهم في الثبات ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] والصحابة لما خرجوا مع النبي ﷺ للحديبية طائعين لله تعالى ثبتهم الله تعالى على إيمانهم قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]. مع مجاهدة النفس على الإيمان والطاعة، والبعد عن المحرمات ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] فوعد الله تعالى بهدايتهم متى ما جاهدوا أنفسهم، وخصهم بمعيته لأنهم محسنون.
٦ - قراءة سير السلف من الثابتين على الحق ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] [هود:١٢٠] ولذلك قص النبي ﵊ على خباب ﵁ سير الثابتين قبلهم لما شكوا إليه ما يلقون من الأذى. ومنه قصة الساحر والغلام والكاهن، وقول الغلام لما خدت الأخاديد (يا أمه اصبري فإنك على الحق) (١).
٧ - تعاهد القلب وملئه بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله ﵊ فإن ذلك يدفع للثبات والتضحية، فالوالد من فرط محبته لولده يفديه بحياته، والعشيق يفدي معشوقته. ومحبة الله تعالى أكبر وأسمى من محبة الولد والمعشوقة؛ لما لله تعالى من أفضال كثيرة على العبد، ولحاجة العبد الدائمة إلى العبودية لله تعالى.
٨ - كراهية الكفر وأهله واستحضار عاقبتهم دائما؛ كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) (٢) ٩ - التواصي بالحق وبالصبر؛ فإن الله تعالى استثني من الخسران من تواصوا بهما، قال تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] وقال تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] وكذلك الصلاة والمحافظه عليها كما في الآيات الأخرى، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى ..
١٠ - كثرة ذكر الله تعالى ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] وطمأنينتها سبب لثباتها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
١١ - لزوم التقوى؛ فبها ينال العبد برهاناً ونوراً وفرقاناً يعرف به الحق من الباطل فلا يلتبس عليه كما قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨] فمن علمه الله تعالى، ورزقه فرقاناً، وجعل له نوراً فلن يزيغ أو يضل أو يضعف.
стр. 428
المسلمون إرهابيون .. عدا %٩٩.٦ منهم !!
سعيد حارب
٢٤ ذو الحجة ١٤٣١هـ
عنوان المقال ليس من عندي، لكنه خلاصة تقرير نشرته الشرطة الأوروبية «يوروبول» وتناقلته «بعض» وسائل الإعلام، وجاء ليصدم كثيرا من المتابعين والمراقبين في الغرب الذين كانوا يتوقعون أن يلقي التقرير بالتهمة على المسلمين، كما حاول كثير من وسائل الإعلام أن يصور جميع المسلمين، أو الغالبية العظمى منهم، كإرهابيين، فجاء هذا التقرير الصادر عن أعلى مؤسسة أمنية أوروبية ليفاجئ معظم الغربيين بل كثيرا من المسلمين، فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والأنظار تتجه إلى المسلمين باعتبارهم مصدر الإرهاب في العالم، ولم تبق وسيلة إعلامية أو مركز دراسات متخصص إلا وبحث هذه القضية التي أصبحت من القضايا المسلّمة عند كثير منهم، فهذا التقرير الصادر عن الفترة من ٢٠٠٦ وحتى ٢٠٠٩ الذي نشر على موقع ( loonwatch.com) اختار هذا العنوان «الساخر» ليعبر عن حالة الرعب التي ترسمها صور الإعلام وبعض السياسيين في الغرب، وقد جاء في التقرير أن مروجي «رهاب الإسلام» (الإسلاموفوبيا) يعملون من أجل نشر ادعائهم بأن «ليس كل المسلمين إرهابيين، ولكن كل الإرهابيين (تقريبا) مسلمون». ورغم أن هذه الفكرة أخذت تصبح بديهية في بعض الدوائر، فإنها ببساطة ليست صحيحة، وقد استند التقرير إلى سجلات الـ «أف. بي. آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي) الذي بين أن %٦ فقط من الهجمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة من ١٩٨٠ إلى ٢٠٠٥ نفذت بأيدي إسلاميين متطرفين، أما الـ%٩٤ الباقية من الهجمات فقد نفذتها مجموعات أخرى، فـ%٤٢ نفذتها مجموعات من أميركا اللاتينية، و%٢٤ نفذتها مجموعات يسارية، و%٧ نفذها يهود متطرفون، و%٥ نفذها شيوعيون، و%١٦ نفذتها جميع المجموعات الأخرى، وفي الواقع فإن نسبة ضخمة من الهجمات الإرهابية في أوروبا (%٩٩.٦) نفذتها مجموعات غير إسلامية. وبلغت نسبة الهجمات التي نفذتها مجموعات انفصالية لا صلة لها بالإسلام إطلاقا %٨٤.٨. وبلغت حصة المجموعات اليسارية من الهجمات الإرهابية ١٦ من مرة نسبة هجمات المجموعات الإسلامية، في حين إن نسبة %٠.٤ فقط من الهجمات الإرهابية خلال سنوات ٢٠٠٦ - ٢٠٠٨ يمكن أن تنسب إلى مجموعات إسلامية، وكمثال على ذلك، فإنه في عام ٢٠٠٦ وقعت ٤٩٨ عمليه إرهابية كان منها ٤٢٤ عملية قامت بها مجموعات انفصالية، و٥٥ عملية قامت بها مجموعات يسارية، بينما لم توجه التهمة «الإسلامية» بصفة رسمية إلا لعملية واحدة!! وفي عام ٢٠٠٧ وقعت في أوروبا ٥٨٣ عملية إرهابية كان من بينها أربع عمليات فقط وجهت لها صفة «الإسلامية» بصفة رسمية حيث وقعت اثنتان منها في بريطانيا وواحدة في الدنمارك وواحدة في ألمانيا، بينما كان هناك ٥٣٢ عملية قامت بها مجموعات انفصالية، و٢١ عملية قامت بها مجموعات يسارية، وهكذا يمضي التقرير ليحدد طبيعة العمليات التي وقعت في أوروبا وتوصف بالإرهابية، ليتبين أن العمليات التي وصفت بـ «الإسلامية» لا تتجاوز %٠.
стр. 429
٤ من مجمل العمليات التي توصف بالإرهابية في أوروبا!! فما السر في هذه «الضجة» حول الإرهاب «الإسلامي» بينما يتجاهل الجميع مئات العمليات الإرهابية التي يقوم بها الانفصاليون واليساريون وغيرهم؟ يجيب التقرير: «التصور ليس هو الواقع، ونتيجة لنفوذ ودعاية التيار اليميني، هناك أناس يعتقدون خطأ أن (الإرهاب الإسلامي) هو أكبر تهديد للعالم الغربي، حتى إن هناك اعتقادا شائعا بأن (الإرهاب الإسلامي) يشكل تهديدا وجوديا، أي أن بقاء العالم الغربي بحد ذاته مطروح في الميزان، هناك تهويل وتركيز متعمدان عندما يتعلق الأمر بأعمال يرتكبها مسلمون، ما يروج لفكرة أن جميع الإرهابيين (تقريبا) هم مسلمون».
بقي أن نسأل: هل من العدالة والإنصاف أن يتهم المسلمون جميعا بالإرهاب لأن عددا محدودا منهم يمارس ذلك؟ ولماذا كلما انفجر إطار سيارة في مكان ما من العالم تلفت الناس حولهم يبحثون عن أي مسلم حتى يلصقوا التهمة به، بحيث أصبح كل مسلم -خاصة إذا كان عربيا- موضع اشتباه في مطارات العالم ومحطات القطارات ومواقف السيارات، حتى أصبح بعض الطيارين يرفض الإقلاع بالطائرة لأن أحد ركابها مسلم؟!!
لقد مضت السنوات العشر الأخيرة وموضوع «الإرهاب الإسلامي» يتصدر عناوين الكتب ووسائل الإعلام وأفلام السينما وتقارير المراكز وخطب السياسيين، بل أصبح الشماعة التي تعلق عليها كل الممارسات الخاطئة من كبت للحريات وغياب للديمقراطية وانتهاك لحقوق الإنسان واحتلال للدول، فكل
ذلك مبرر باسم الحرب على الإرهاب، هذه الحرب «الوهمية» التي لم تقض على الإرهاب بل زادته انتشارا وسعيرا؛ لأن الإسلام لم ولن يكون سببا للإرهاب، بل هو أهم الحلول للقضاء على الإرهاب، إن أحدا لا يمكن أن يتجاهل هذه الظاهرة التي تعود في جذورها إلى أسباب كثيرة لم تعمل الدول على حلها ومعالجتها، بل سلطت وسائل الإعلام لـ «تضخيمها»، بل جعلتها «صناعة» يقتات عليها البعض من الإعلاميين والباحثين، وتتصدر عناوين الأخبار والصحف، بحيث يصبح خبر إلقاء القبض على متهم بالإرهاب في قرية من القرى العربية خبرا عاجلا على شاشات التلفزيون وصفحات الإنترنت، ويتصدر نشرات الأخبار، بينما يتراجع خبر إقرار الكنيست الإسرائيلي ليهودية الدولة ليصبح الخبر الثالث في نشرة الأخبار أو ضمن العناوين الفرعية للصحف وصفحات الإنترنت!! ويصبح اكتشاف مجموعة إرهابية أهم من اكتشاف طبي!! وإذا كان هذا متصورا في وسائل الإعلام الغربية، فما السر في «انجرار» بعض وسائل الإعلام العربية لهذا الطريق، إلا إذا كنت تقوم بدور في تضخيم هذه الظاهرة لتحقيق مصالح أخرى؟ فتضخيمها لا يخدم المجتمعات، بل يجعلها أسيرة الخوف والرعب، ويعطل تنميتها، ويجعل الشعوب تضحي بحريتها وحقوقها في سبيل مواجهة الإرهاب، فهل هذا هو المطلوب؟!!
стр. 430
بيان آل البيت النبوي من أهل الحرمين الشريفين في الدفاع عن الصحابة وأمهات المؤمنين ﵃ أجمعين وإعلان حقيقة مذهبهم قديما وحديثا في تعظيم وإجلال الأزواج والأصحاب
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القائل: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا) والقائل: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)
والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد القائل: (لا تسبوا أصحابي) وعلى آله المعظمين لجنابه الشريف الحافظين لحرمة أصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين وعلى جميع أصحابه أحفظ الناس للوصية النبوية في الآل المطهّرين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين ... وبعد:
فإن مما عظمت به المصيبة وجلّ به الخطب أن يسمع المسلمون من حين لآخر تطاولًا على أحد سادة هذه الأمة وأئمة الهدى, من بعض الموتورين والمرجفين من أهل الباطل والضلالة ودعاة الفتنة، والذين يتبرأ من فعلهم كل علماء المسلمين وعقلائهم .. ومن أقبح ذلك التطاول الذي يُروِّجُ له بعضُ أهلِ الباطل: إفكُهم ووقيعتُهم في أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها) التي برأها الله تعالى من فوق سبع سموات، وجعل براءتها قرآنًا يتلى ويتعبد به إلى قيام الساعة.
فكانت تلك البراءةُ والفضيلةُ والطهارةُ نورًا ساطعًا في وضيء سيرتها الكريمة يبقى ما بقي القرآن يتلى. فهذا كلام الله فاضحٌ ذلك الإفكَ والبهتان والتزييف, كاشفٌ فسادَ وضلال وجرم من تجرَّأ على مقامها المنيف رافعٌ قدرَها, مقرِّرٌ طهرَها, مبرئٌ عِرْضَها, يذبُّ عن جنابها الشريف.
قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴿، وقال تعالى إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴿، وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴿، وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿.
ولا ينكر طهارتها وبراءتها بعد هذا الوحي الإلهي المنزَّل؛ إلا من خذلته الضلالة وأعماه الهوى, وانحرف عن الصراط المستقيم، فلا يخرج عن باطل التأويل إلا إلى تكذيب التنزيل ولا من الضلال المبين إلا إلى الكفر برب العالمين.
стр. 431
وجميع ما ذكر هو مما أجمعت عليه أمة الإسلام ومنهم آل البيت فإن آل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حافظون لحقها ولحق باقي أصحاب رسول الله ﵌ الأخيار البررة, لما لهم من الشرف الرفيع والقدر الكبير والفضل المشهور، معتقدين أن الطاعن في أي واحد منهم آثمٌ معتدٍ مأزور، فحق الصحب الكرام ﵃ أجمعين) واجب على جميع المسلمين، وفضلهم ومحبتهم ومعرفة مكانتهم أمرٌ لازمٌ على جميع المؤمنين.
ولم يكن في يوم من الأيام حِفْظُ حق أمهات المؤمنين ومعرفةُ حق الصحب الأكرمين سببًا لتجاهل حق قرابات النبي ﵌ وذريته المطهرين، بدءًا بالصحب الكرام, إلى الأئمة الأعلام من أمة الإسلام, فكلهم عاملون بوصية النبي ﵌ في آل بيته, مكرمون لهم, عارفون لهم مكانتهم, يرون لهم في الحب حقًّا لا يشاركهم فيه غيرهم، وأخبارهم في ذلك مبسوطة طويلة في محلِّها, ومصنفاتهم شاهدة على صدقها.
فهي محبة صادقة ألفت بين قلوب الآل والأصحاب لا غلو فيها ولا جفاء, تمثل منهج الاعتدال والوسطيَّة بالمحبة المتبادلة بين القرابة والصحابة، ومن زعم غير ذلك فقد افترى إثمًا وبهتانًا عظيمًا.
ونحن إذ نخرج هذا البيان ونسطره فإنما نقوم بذلك قولًا للحق وردًّا على الباطل, ودفاعًا عن أمنا أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها) فلئن كان حقها على كل مسلم عظيمًا, فحقها علينا آل البيت أعظم, فذرية النبي ﵌ وزوجاته أمهات المؤمنين أهل بيت واحد, وفيهم جميعًا قال النبي ﵊ في تعليمه لأمته الصلاة عليه كما في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﵌: قولوا اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ومع الحق الكبير لأم المؤمنين عائشة ﵂ على آل البيت بكونها واحدةً من سادة البيت النبوي (كما سبق) , فيزداد حقُّها عليهم عظمًا, بصلة قربى بين آل البيت الحسنيين والحسينيين وآل أبي بكر الصديق من جهة المصاهرة والولادة:
فقسمٌ كبير من ذرية سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ من أشراف الحجاز وأشراف المخلاف السليماني وبعض من في العراق ومصر وغيرها من البلاد الإسلاميَّة والسواد الأعظم منهم لهم صلةُ نسبٍ من أبي بكر الصديق ﵁؛ لأن جدهم عبد الله الرضا بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي ﵃ أمه هي أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر, وأم طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق, كما هو منصوص عليه في كتب الأنساب المعتمدة.
ومثلهم في ذلك ذريةُ سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄: فبنو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي ﵃ في مختلف البلاد ممن يفخرون بولادةٍ من جدِّهم أبي بكر الصديق ﵁ كذلك؛ فأم جعفر الصادق هي فروة بنت القاسم الفقيه بن محمد بن أبي بكر, وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر, ولهذا كان جعفر الصادق يعتزُّ بهذه الولادة فيقول (فيما يُروى عنه): ولدني أبو بكر مرتين.
стр. 432
فحق لنا آل البيت من هذه البطون والأصول المعروفة وغيرهم من آل البيت أن نكون أولى بأمنا أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن أبيها من غيرنا وأن يكون واجب الدفاع عنها أوجبَ علينا منه على غيرنا وأن نكون أقوى سدٍّ وأمنع حصنٍ لجنابها الشريف من تعدي ووقيعة المفسدين ومن تطاول وإساءة المفترين.
فإن لها ﵂ من خصائص التفضيل بعدما جاءت بطهارتها آيُ التنزيل عَلَمًا شامخًا ومجدًا باذخًا, ما علاه كبيرُ أحدٍ من السادة الأخيار, ولا حازه أكثرُ ذوي الأقدار، فكثير من فضائلها ﵂ قد ثبتت بالأسانيد الصحيحة, وتزيَّنَت بعاطر سيرتها دواوين الإسلام, وتوثَّقت بعروتها كتب الحديث المعتبرة عن رسول الله ﵌ وأصحابه الكرام ﵃.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري أن علي بن أبي طالب ﵁ بعث عمار بن ياسر وابنه الحسن بن علي ﵄ للبصرة فقدما الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن وكان عمار يقول عن عائشة حينها: (والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة).
وغير ذلك من فضائلها الجليلة ومناقبها الكريمة, وإنما قصدنا لنغترف هذا الخبر خاصة من بحر فضائلها وأن نقتبس جذوةً من شمس مناقبها لحكمة لطيفة, منها أنه خبرُ عمار بن ياسر في محضر الحسن بن علي ﵃ أجمعين, وأنه خبرٌ قاله عمار ﵁ المبعوث من علي ﵁ - سيد آل البيت - أيام خلافته وخلافة من قبله من الخلفاء الراشدين, وأنه بيانٌ لفضلها ومكانتها في الدنيا والآخرة.
وإن أمَّة الإسلام كلها (وفي مقدمتهم آل البيت) قد أجمعوا على أن أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂ وعن أبيها) سيدةٌ من سيدات هذه الأمَّة, اختارها الله تعالى لنبيه, فهي زوجته في الدنيا والآخرة, واعتقدوا لها واجبَ التعظيم والإجلال والتوقير, لمكانتها من قلب رسول الله وحبّه, ولإيمانها وتعبّدها وتألّهها, ولفقهها وعلمها, ولرَفْعِ الله تعالى قدرَها بتبريئها في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة.
ومما يشهد لحفظ آل البيت حقَّ أمهم عائشة الصديقة ﵂ ورعايتهم غايةَ الرعاية لواجبها الخاصِّ عليهم: قصصٌ جليلةٌ وأخبارٌ كثيرة, أرّخها التاريخ ووعاها الرواة.
ومنها خبر لأحد أكابر سلالة سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله وأهل بيته وأمته الحسن بن علي ﵄ وهو السيد الحسن الملقب بالداعي الكبير بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ مؤسِّس دولة آل البيت العلويين بطبرستان ونواحيها سنة ٢٥٠هـ فقد سطَّر موقفًا من مواقف الكرم والوفاء والإيمان في الذبِّ والدفاع عن عرض وجناب أم المؤمنين عائشة ﵂، وذلك فيما رواه اللالكائي وغيره عن أبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني قال: (كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام يفرق على سائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذِكرٍ قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا! فقال: معاذ الله! هذا رجل طعن على النبي ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم﴾، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي ﷺ خبيث (حاشاه ﵌ فهو كافر فاضربوا عنقه فضربوا عنقه وأنا حاضر).
стр. 433
وروى اللالكائي أيضًا عن أخيه محمد بن زيد الداعي الصغير الذي تولى أمر طبرستان من بعده أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء وفُحش, فقام إليه فقتله.
والخلاصة أن منهج آل بيت النبي ﵌ هو معرفة حق أصحاب رسول ﵌ وزوجاته أمهات المؤمنين، والاعتراف بفضلهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار لهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، والتذكير بمواقفهم الجليلة في خدمة الدين.
فهذا هو المنهج الحق الذي كان عليه أكابر أئمة أهل البيت والعترة المطهرة في القرون المفضَّلة, ومقالاتهم في ذلك ساطعة البرهان واضحة البيان.
بل لقد نقل محمد الباقر بن علي زين العابدين إجماعَ آل البيت على تعظيم الشيخين أجلّ تعظيم, فقد رُوي عنه أنه كان يقول: أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول.
وهكذا كان أهل البيت حقًّا في كل زمان ومكان: أهلَ اعتدالٍ ووسطيَّة, ودعاةً لاجتماع الكلمة على الدين والسنة.
وهم من أشدّ الناس نبذًا لأسباب الاختلاف وبغضًا لدواعي الفتنة، حريصون على القيام بالحق وللحق, منكرون للباطل الذي أنكره رسول الله ﵌, ومنه الوقيعة في سلف هذه الأمة ورعيلها المبارك الأول, الذين جاء تعديلهم وتزكيتهم والثناء عليهم في كتاب الله العزيز، فقال تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴿. وقال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿، والذين قال فيهم النبي ﵌: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
وما نقرِّره هنا هو منهج آل البيت في أطهر البقاع المقدَّسة على وجه الأرض في الحرمين الشريفين ونواحيهما، وهو نهج أسلافنا من قبل ومن بعد، مشايخَ وأعيانًا, وقبائلَ وأفرادًا.
ولا نقول في ختام هذا البيان إلا: الله الله في كتاب الله أن يُتعرض له ولأهله أو يهان.
والله الله في حق نبيه ﵌ ومقامه الكريم أن يناله أحدٌ بالتنقّص والبهتان.
والله الله في آل البيت النبوي من أن تُضيّعَ مكانتهم ووصيةُ جدهم فيهم بالمودة والإحسان.
والله الله في زوجاته أمهات المؤمنين اللاتي ذكر الله تعالى فضلهن وطهارتهن في آي القرآن.
والله الله في أصحابه الذين جاء في الوحيين مقامهم العظيم بجليل المناقب والرضوان.
والله الله في أئمة الإسلام وقدوة الهدى من أن يُنالوا بسوء من أهل الفتنة والعصيان.
والله الله في أمَّة الإسلام من إثارة الفتن والنزاعات الطائفيَّة والمذهبيَّة فيها, بما لا يُرضي الله تعالى ولا ينتفع به إلا أعداءُ أمتنا من أهل الكفر والطغيان.
والله الله في كل مسلم ومسلمة في مشارق الأرض ومغاربها, فلهم حقوق أخوة الإيمان.
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
...
كتبه من آل البيت:
١ - الشريف هزاع بن شاكر العبدلي
رئيس اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة العربية السعودية شيخ الأشراف العبادلة ذوي حمود
٢ - د/ الشريف حاتم بن عارف بن ناصر العوني عضو مجلس الشورى السعودي والأستاذ المشارك في علوم السنة والحديث النبوي بجامعة أم القرى
стр. 434
٣ - الفريق م الشريف طلال بن محسن العنقاوي من كبار الأشراف العناقوة
٤ - الشريف أحمد بن محمد بن حسن بشير المعافا قاضي محكمة التمييز بمكة المكرمة سابقاً عضو مجلس منطقة جازان
٥ - الشريف فوزان بن سلطان بن راجح آل عون العبدلي ناظر وقف الشريف زيد بن فواز عضو اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة العربية السعودية.
٦ - الشريف شرف بن عبد الله بن جساس البركاتي شيخ الأشراف البراكيت ذوي حسين
٧ - الشريف محمد بن عبد الله بن عبد الكريم بن بديوي الهجاري شيخ قرية الأشراف بينبع
٨ - الشريف ناصر بن علي بن شحاذ آل راضي الحسيني ناظر وقف الشريف ناصر بن علي بن حسين آل راضي سابقًا بالمدينة المنورة من كبار أشراف بني حسين بالمدينة المنورة
٩ - الشريف منصور بن ناصر آل شهيل الحسيني ناظر وقف الأشراف بني حسين بالمدينة المنورة من كبار الأشراف بني حسين بالمدينة المنورة
١٠ - الشريف حميد بن حمود آل نامي شيخ الأشراف ببدر
١١ - الشريف محمد بن عبد الله بن علي آل عون العبدلي شيخ الأشراف العبادلة ذوي ناصر آل عون
١٢ - الشريف عبد الله بن فراج بن عبد المعين آل عون العبدلي رئيس قسم الدراسات الإسلامية بالكلية المتوسطة بمكة المكرمة سابقًا والكاتب الصحفي والمفكر الإسلامي، ومن كبار الأشراف العبادلة ذوي هزاع آل عون
١٣ - الشريف محمد بن حسين بن زيد آل عون العبدلي من كبار الأشراف بالطائف
١٤ - الشريف إبراهيم بن حسن بن علي الذروي شيخ قبائل الحسيني والنجوع عضو المجلس البلدي في محافظة صبيا.
١٥ - الشريف ممدوح بن نامي بن شاهين الشدقمي الحسيني ناظر وقف الأشراف الشداقمة من كبار الأشراف بني حسين بالمدينة المنورة
١٦ - الشريف ناصر بن عبد الكريم البركاتي القاضي بديوان المظالم بمنطقة مكة المكرمة.
١٧ - الشريف محمد بن الحسين بن ناصر خواجي رئيس كتابة العدل الثانية بجازان عضو مجلس الأوقاف الفرعي في منطقة جازان.
١٨ - د/ الشريف سامي بن محسن العنقاوي مدير مركز أبحاث الحج بجامعة أم القرى سابقًا وأستاذ العمارة والحضارة الإسلاميَّة
١٩ - د/ الشريف حسن بن علي بن عون الحارثي الأستاذ المشارك بقسم التاريخ بجامعة أم القرى
٢٠ - د/ الشريف عدنان بن محمد بن فايز الحارثي عميد شئون المكتبات بجامعة أم القرى عضو المجلس العلمي في موسوعة الحرمين بمؤسسة الفرقان
٢١ - د/ الشريف نامي بن عوض الفعر رئيس قسم التربية الإسلامية بتعليم جدة عضو لجنة تطوير جمعيات تحفيظ القرآن الكريم الخيرية بمنطقة مكة
٢٢ - د/حسن محمد البركاتي رئيس المجلس البلدي في الليث
٢٣ - د/محمد أحمد النعيري موجه تربية إسلامية في إدارة تعليم الليث.
٢٤ - أ/ الشريف عصام بن ناهض الهجاري المحاضر بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة طيبة عضو اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة العربية السعودية
٢٥ - أ/ الشريف وائل بن سلطان بن عبد الكريم الحارثي المحاضر بقسم أصول الفقه بجامعة أم القرى الباحث في الشريعة والفكر الإسلامي
٢٦ - الشريف محمد بن حسين الصمداني مشرف عام موقع آل البيت حول العالم وباحث في الشريعة والتاريخ والأنساب
٢٧ - الشريف شاكر بن ناصر بن مستور الفعر العبدلي تربوي وباحث في الشريعة والتاريخ والأنساب ومشرف في موقع آل البيت حول العالم
٢٨ - الشريف علي بن محمد بن أحمد أبو الخير المعافا المشرف العام على موقع الأشراف السليمانيين بالمخلاف السليماني وباحث في الشريعة والتاريخ والأنساب
٢٩ - محمد أبو بكر الصعب إمام وخطيب جامع الوسقة الكبير بمحافظة الليث.
٣٠ - الشريف خالد بن عبد المعين آل مهنا الحارثي باحث في الدكتوراه في الحديث وعلومه بجامعة أم القرى
٣١ - الشريف يحيى بن محمد الطالبي الخيراتي باحث في الماجستير في التربية الإسلامية بجامعة أم القرى إمام وخطيب جامع سعد بن معاذ بمكة المكرمة
٣٢ - الشريف خالد بن خلف بن سند الجودي باحث في الماجستير في الحديث وعلومه بجامعة أم القرى.
стр. 435
فقه التيسير: الواجهة الخلفية للعصرانية
أحمد بن صالح الزهراني
٧ ذو الحجة ١٤٣١هـ
لاشكّ أنّ العصرانيّة أو الليبرالية الإسلامية أو العلمانية في ثوبها الجديد تتفق على أسلوب خطير في حربها للقيم الشرعية، ألا وهو الحرب من داخل صفوف الخصم، بمعنى استنبات أو دعم وإبراز عيّنات في صفوف الإسلاميين تبقى منتسبة للصف الإسلامي من حيث الاسم والمظهر، لكنّها من حيث الحقيقة والمضمون لا يُعلم لها وجه من قفا؛ فهي تتحدث عن الإسلام وللإسلام كثيراً، لكنّه كلام وحديث يصبّ في جعبة الخصم، وهذه العينات متفاوتة في السمات والخصائص، والتخصصات كذلك، لكنّ أشدّهم عبثاً ونكاية في الشريعة هم الشرعيّون، أعني من كانت بدايته وشهرته في العلم الشرعي تلقّياً وأداءً وإفتاء.
ولهذا ظهرت في وقتنا مناهج جديدةٌ للتفقّه والإفتاء عجيبةٌ غريبةٌ، روّجها أدعياء دخلاء على الفقه بمعناه الصّحيح، الفقه الّذي جاء عن صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم بإحسان، وعليه تفقّه الأئمّة الأربعة، الفقه القائم على الكتاب والسنّة، والتأمّل فيهما في ضوء منهج السّلف الصّالح، لا بمنهجٍ منفلتٍ، يتلمّس الثغرات، ويبحث عن هفوات الأئمّة، وأخطاء الفقهاء ليصيّرها مذاهب فقهيةً، وآراء علميةً يتصدّر بها مجالس الفقه والإفتاء، ويزعم التّجديد في الفقه والشّريعة، «وقد قيل: إنّما يفسد النّاس نصف متكلّمٍ، ونصف فقيهٍ، ونصف نحويّ، ونصف طبيبٍ، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللّسان، وهذا يفسد الأبدان».
وهذا الأمر ندر من يتكلّم فيه، ويبيّن دخنه وزغله، بل يُتّهم من يتكلّم فيه أنّه حاسدٌ، وأنه منفّرٌ، وأنّه ضدّ أيّ عملٍ ناجح، وأنّه مثاليٌّ لا واقعيّ، ويُقال له: إنّ الأمة بحاجةٍ لكلّ جهدٍ، وإنّ النبيّ ﷺ أمر كلّ النّاس بتبليغ الدّين .. إلى آخر هذه التلبيسات الّتي روّجها بعض من لا يستطيع الحياة والعمل إلاّ تحت أجواء السكوت عن الباطل، والمجاملة في الحق، والله المستعان.
قال السّخاوي ﵀ في ذكره الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره: «ويلتحق بذلك المتساهل في الفتوى، أو التّصنيف، أو الأحكام، أو الشهادات، أو النّقل، أو الوعظ، حيث يذكر الأكاذيب وما لا أصل له على رؤوس العوام».
التساهل في الفتوى له عند صاحبه مسوّغات عديدة، ولعلّ أسوأها وأشدّها خطراً ما يسمّى عند أصحابه (فقه التيسير) أو الفقه المتسامح، ومصدر خطورته أنّه تجاوز مرحلة خطأ المسلك الفردي، بل أصبح منهجاً ومقصداً بذاته، ثمّ أصبح بعد ذلك واجهة خلفيّة شرعية ومرجعاً علمياً لكل الدعوات العلمانية والعصرانية والليبرالية وغيرها من تشكّلات النفاق المعاصر.
стр. 436
وأصبحت الجرأة على الفتوى المخالفة للنّصوص سمة بارزة لرموز هذا المنهج، مدّعين بذلك التّيسير على النّاس، حتى أبطلوا شرائع، وأحدثوا في دين الله أمراً جللاً، استغلّه أفراخ العصرانيين ومدّعو الاستنارة في تقنين التّفلّت من الدّين، وتشريعه؛ ليكون فقهاً عصرياً يناسب المرحلة الراهنة، وهي - للأسف- هرطقة تتلبس بلباس المصلحة، وتتّخذ من المنهج التّيسيري مركباً تركبه، ووطاءً تطؤه، فيفضي ذلك إلى تحريف الشّريعة. قال ابن القيّم في سبب تحريف شريعة النصارى: «وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم المعروف عندهم بافر كسيس أن قوماً من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام، فدعوا الناس إلى دين المسيح الصّحيح، فدعوهم إلى العمل بالتوراة، وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة، فشقّ ذلك على الأمم، واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحبّبوهم إلى دين المسيح، ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم، والتخلّق بأخلاقهم وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم» [هداية الحيارى ص (٢٦٦ ـ ٢٦٧)] ..
ولهؤلاء (التيسيريّين) طرق شتّى في تطبيق هذا المنهج منها:
١ ـ التّوسّع في قاعدة الضّرورات.
فيسوّغون مخالفة النّصوص الشّرعيّة بكلّ ما يعتبرونه ضرورة، وإن كان ليس كذلك، ولو لم تنطبق على الحالة شروط الضّرورة المعتبرة عند الفقهاء والعلماء الّذين بيّنوا متى يمكن اعتبار الحال ضرورة يُسوّغ معها الاستثناء من النّص.
كمن يفتي بجواز سفر المرأة إلى ديار الكفر للدّراسة للضّرورة، فأين هي الضّرورة المسوّغة لمخالفة النّهي عن سفر المرأة بلا محرم وإقامتها في بلاد الكفّار؟!
٢ ـ التّوسّع في القول بالمصلحة.
وهذه من بدع العصر الحاضر؛ إذ كان القول بالمصلحة والتّوسّع فيها مسوّغاً ليس فقط للقول على الله بلا علم وتشريع ما لم يأذن به الله، بل كان باباً يلج منه كلّ من أراد التّصدّر للفتوى، ولهذا دخل في القول في مسائل الشّرع بعض من لا يفقه؛ إذ تصوّر هؤلاء أنّه بمجرّد علمه ونظره في المصالح يستطيع الاجتهاد في مسائل شرعيّة، مستدلاً بأقوال من مثل مقالة ابن القيّم «حيثما وجدت المصلحة فثمّ دين الله»، ونسي أو جهل هؤلاء أنّ هذا يسوغ في حالة فقدان النص العام أو الخاص، والحاجة إلى الاجتهاد في المصلحة، والموازنة، أمّا الولوج إلى الكلام في المسائل الشّرعيّة دون علم بما في النّصوص والآثار خصوصاً من الأحكام فيها وفي مثلها؛ فهذا في الحقيقة تقديمٌ بين يدي الله ورسوله، والله تعالى نهى عنه، وقد تقدّم الكلام فيه عند الكلام في الاستصلاح فيما مر.
٣ ـ تتبّع الرّخص والأقوال الضّعيفة والشّاذّة.
فإذا ضاق بهؤلاء الأمر لجؤوا إلى التّفتيش عن الأقوال والمذاهب الشّاذّة والضّعيفة المخالفة للنّصوص فأفتوا بها مع علمهم بمخالفتها للنّصوص؛ وحجّتهم في هذا أنّ لهم سلفاً في قولهم، وهذا ليس بسائغ في الحقيقة، بل إذا جاء النّص فبراءة إلى الله وإلى رسوله من كلّ قول يخالف الكتاب والسّنّة ولو قال به من قال، فكيف إذا كان القول محكوماً عليه بالشّذوذ والضّعف.
٤ ـ التّلاعب بالألفاظ الشّرعيّة.
كلّنا يعلم أنّ دلالات الألفاظ في اللّغة أوسع منها في الشّرع، لأنّ الاصطلاح الشّرعي استخدم اللفظ العربي وقيّده، فيأتي الواحد من هؤلاء ليأخذ دلالة اللفظ بكلّ سعته اللغويّة، ممّا يعني إدخال عناصر جديدة لم يشملها الاصطلاح الشّرعي.
стр. 437
فلفظ الحجاب مثلاً يمكن أن يشمل كل ما تحتجب به المرأة، مهما كان لونه أو صفته المهم أنّه حجاب للجسم، فيتوسّع بعض المفتين ليسوّغوا للمرأة أيّ نوع من الألبسة الّتي تستر الجسم، وهذا خطأ بلا ريب.
بل الحجاب الشّرعي هو الّذي فعله وطبّقه نساء المؤمنين عندما نزلت آية الحجاب، فهو الحجاب الّذي فيه من الشّروط ما يجعله يحقّق الحكمة من مشروعية الحجاب، وهو بُعد المرأة عن الشّبهة وإثارة الفتنة ولفت النّظر.
فإذا توسّعنا كما توسّع فقهاء التّيسير قلنا بمشروعيّة الحجاب الأحمر المزركش بالأصفر اللافت للنّظر الّذي جمّل المرأة وزاد من لفت الأنظار إليها.
أقول: إنّ هذا المنهج بملامحه البيّنة هو منهج بعيد عن السنّة، والكلام فيه من أصعب الأمور لدقّة مسائل الفقه، بخلاف قضايا العقيدة الكبرى. قال العلاّمة الشّاطبي ﵀: «جاء في بعض روايات الحديث [أي حديث الافتراق]: «أعظمها فتنةً الّذين يقيسون الأمور برأيهم، فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال» [أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٥٠ ـ ٥١) (ح٩٠)، والحاكم (٣/ ٥٤٧) و (٤/ ٤٣٠)، وهو منكر لا أصل له، وحديث الافتراق مشهور صحيح] فجعل أعظم تلك الفرق فتنةً على الأمّة أهل القياس، ولا كلّ قياسٍ، بل القياس على غير أصلٍ، فإنّ أهل القياس متّفقون على أنّه على غير أصلٍ لا يصحّ، وإنّما يكون على أصلٍ من كتابٍ أو سنّةٍ صحيحةٍ أو إجماعٍ معتبر، فإذا لم يكن للقياس أصلٌ ـ وهو القياس الفاسد ـ فهو الّذي لا يصحّ أن يوضع في الدّين، فإنه يؤدّي إلى مخالفة الشّرع، وأن يصير الحلال بالشّرع حراماً بذلك القياس، والحرام حلالاً، فإنّ الرّأي من حيث هو رأيٌ لا ينضبط إلى قانونٍ شرعيّ إذا لم يكن له أصلٌ شرعيّ، فإنّ العقول تستحسن ما لا يُستحسن شرعاً، وتستقبح ما لا يُستقبح شرعاً، وإذا كان كذلك صار القياس على غير أصلٍ فتنةً على النّاس.
ثم أخبر في الحديث أنّ المعلّمين لهذا القياس أضرّ على النّاس من سائر أهل الفرق، وأشدّ فتنةً، وبيانه أنّ مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردّها واستفاضت، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصّة والعامّة، بخلاف الفتيا، فإنّ أدلّتها من الكتاب والسنة لا يعرفها إلاّ الأفراد، ولا يميّز ضعيفها من قويّها إلاّ الخاصّة، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممّن يخالفها كثيرٌ».
قلت: صدق ﵀، ولذلك فإنّ من أصعب الأمور اليوم أن تبيّن للعامة بل لكثير من طلاب العلم زيف دعوة بعض فقهاء الرّخص من المشهورين الآن، والسبب دقّة المآخذ عليهم ممّا لا يحسنه ولا يعيه أكثر النّاس.
ثم قال الشاطبي: «وقد جاء مثل معناه محفوظاً من حديث ابن مسعودٍ أنّه قال: «ليس عام إلاّ والّذي بعده شرٌّ منه، لا أقول: عامٌ أمطر من عامٍ، ولاعامٌ أخصب من عامٍ، ولا أميرٌ خيرٌ من أميرٍ، ولكن: ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدّث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيُهدم الإسلام ويُثلم».
وهذا الذي في حديث ابن مسعودٍ موجودٌ في الحديث الصّحيح، حيث قال ﵊: «ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهّالٌ يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلّون ويضلّون» [متفق عليه].
وقد تقدّم في ذمّ الرأي آثارٌ مشهورةٌ عن الصّحابة ﵃ والتابعين تبيّن فيها أنّ الأخذ بالرّأي يحلّ الحرام ويحرّم الحلال.
стр. 438
ومعلومٌ أنّ هذه الآثار الذامّة للرّأي لا يمكن أن يكون المقصود بها ذمّ الاجتهاد على الأصول في نازلةٍ لم توجدْ في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ، ممّن يعرف الأشباه والنّظائر، ويفهم معاني الأحكام، فيقيس قياس تشبيهٍ وتعليلٍ، قياساً لم يعارضْه ما هو أوْلى منه، فإنّ هذا ليس فيه تحليلٌ وتحريمٌ ولا العكس، وإنّما القياس الهادم ما عارض الكتاب والسنّة، أو ما عليه سلف الأمّة، أو معانيها المعتبرة.
ثم إنّ مخالفة هذه الأصول على قسمين:
أحدهما: أن يخالف أصلاً مخالفةً ظاهرةً من غير استمساكٍ بأصلٍ آخر، فهذا لا يقع من مفتٍ مشهورٍ، إلاّ إذا كان الأصل لم يبلغْه، كما وقع لكثيرٍ من الأئمة، حيث لم يبلغهم بعض السّنن، فخالفوها خطأً، وأمّا الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلمٌ خلافاً ظاهراً من غير معارضةٍ بأصلٍ آخر، فضلاً عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا.
والثّاني: أن يخالف الأصل بنوعٍ من التّأويل هو فيه مخطئٌ، بأن يضع الاسم على غير موضعه، أو على بعض مواضعه، أو يراعي فيه مجرّد اللّفظ دون اعتبار المقصود، أو غير ذلك من أنواع التّأويل.
والدّليل على أنّ هذا هو المراد بالحديث وما في معناه؛ أنّ تحليل الشّيء إذا كان مشهوراً فحرّمه بغير تأويلٍ، أو التّحريم مشهوراً فحلّله بغير تأويلٍ كان كفراً وعناداً، ومثل هذا لا تتّخذه الأمّة رأساً قط، إلاّ أن تكون الأمّة قد كفرت، والأمّة لا تكفر أبداً.
وإذا كانّ التّحليل أو التّحريم غير مشهورٍ فخالفه مخالفٌ لم يبلغْه دليله، فمثل هذا لم يزل موجوداً من لدن زمان أصحاب رسول الله ﷺ ، هذا إنّما يكون في آحاد المسائل، فلا تضلّ الأمّة، ولا ينهدم الإسلام، ولا يُقال لهذا: إنّه محدثٌ عند قبض العلماء.
فظهر أنّ المراد إنّما هو استحلال المحرمات الظاهرة أو المعلومة عنده بنوع تأويلٍ، وهذا بيّنٌ في المبتدعة الّذين تركوا معظم الكتاب، والّذي تضافرت عليه أدلّته، وتواطأت على معناه شواهده، وأخذوا في اتّباع بعض المتشابهات وترك أمّ الكتاب.
فإذاً هذا ـ كما قال الله تعالى ـ زيغٌ وميلٌ عن الصّراط المستقيم، فإن تقدّموا [أي تصدّروا] أئمةً يفتون ويُقتدى بهم بأقوالهم وأعمالهم سكنت إليهم الدّهماء، ظناً أنّهم بالغوا لهم في الاحتياط على الدّين، وهم يضلّون بغير علم، ولا شيء أعظم على الإنسان من داهيةٍ تقع به من حيث لا يحتسب، فإنّه لو علم طريقها لتوقّاها ما استطاع، فإذا جاءته على غرةٍ فهي أدهى وأعظم على من وقعت به، وهو ظاهرٌ، فكذلك البدعة؛ إذا جاءت العامّيّ من طريق الفتيا؛ لأنّه يستند في دينه إلى من ظهر في رتبة أهل العلم، فيضلّ من حيث يطلب الهداية». [الاعتصام ص٥٣٤]
وذكر ﵀ أيضاً قصّةً طريفة تطابق ما هو مشهورٌ عن بعض من يُشار لهم بالفتوى في عصرنا هذا من متتبّعي سقطات ورخص الفقهاء بدعوى التيسير، قال ﵀: «ذكروا عن محمّد بن يحيى بن لبابة ـ أخ الشيخ ابن لبابة المشهور ـ فإنّه عزل عن قضاء ألبيرة، ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه، وسجّل بسخطته القاضي حبيب بن زيادة، وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته، وأن لا يفتي أحداً.
стр. 439
ثم إنّ النّاصر [أي: الأمير] احتاج إلى شراء مجشر [حوض لا يستقى فيه لجشره أو لوسخه وقذره، المعجم الوسيط (ص١٢٤)] من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النّهر، فشكا إلى القاضي ابن بقيّ ضرورته إليه لمقابلته منزهه، وتأذيه برؤيتهم أوان تطلّعه من علاليه، فقال له ابن بقيّ: لا حيلة عندي فيه، وهو أولى أن يُحاط بحرمة الحبس، فقال له: تكلّمْ مع الفقهاء فيه وعرّفهم رغبتي، وما أجزله من أضعاف القيمة فيه، فلعلّهم أن يجدوا لي في ذلك رخصةً، فتكلّم ابن بقيّ معهم فلم يجدوا إليه سبيلاً، فغضب النّاصر عليهم وأمر الوزراء بالتّوجيه فيهم إلى القصر، وتوبيخهم، فجرت بينهم وبين بعض الوزراء مكالمةٌ، ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده.
وبلغ ابن لبابة هذا الخبر، فدفع إلى النّاصر بعضاً من أصحابه الفقهاء، ويقول: إنّهم حجّروا عليه واسعاً، ولو كان حاضراً لأفتاه بجواز المعاوضة، وتقلّد حقاً وناظر أصحابه فيها، فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمّد بن لبابة إلى الشّورى على حالته الأولى، ثمّ أمر القاضي بإعادة المشورة في المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرّفهم القاضي ابن بقيّ بالمسألة الّتي جمعهم من أجلها وغبطة المعاوضة.
فقال جميعهم بقولهم الأوّل من المنع من تغيير الحبس عن وجهه، وابن لبابة ساكت، فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أمّا قول إمامنا مالك بن أنسٍ فالّذي قاله أصحابنا الفقهاء، وأمّا أهل العراق فإنّهم لا يجيزون الحبس أصلاً، وهم علماء أعلامٌ يقتدي بهم أكثر الأمّة، وإذا بأمير المؤمنين من الحاجة إلى هذا المجشر ما به، فما ينبغي أن يردّ عنه، وله في السّنّة فسحة، وأنا أقول بقول أهل العراق، وأتقلّد ذلك رأياً.
فقال له الفقهاء: سبحان الله! تترك قول مالكٍ الّذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد عنهم بوجه، وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمّة آبائه؟ فقال لهم محمّد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم! ألم تنزلْ بأحدٍ منكم ملمّة بلغت بكم أن أخذتم فيها بغير قول مالكٍ في خاصّة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم في ذلك؟ قالوا: بلى! قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخُذوا به مأخذكم، وتعلّقوا بقول من يوافقه من العلماء فكلّهم قدوة، فسكتوا، فقال للقاضي: أنْهِ إلى أمير المؤمنين فتياي.
فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس، وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب بأن يُؤخذ له بفُتيا محمّد بن لبابة، وينفذ ذلك، ويعوّض المرضى من هذا المجشر بأملاكٍ ثمينةٍ عجيبةٍ، وكانت عظيمة القدر جداً، تزيد أضعافاً على المجشر، ثم جيء بكتابٍ من عند أمير المؤمنين منه إلى ابن لبابة بولاية خطّة الوثائق ليكون هو المتولّي لعقد هذه المعاوضة، فهنئ بالولاية، وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا، فلم يزل ابن لبابة يتقلّد خطة الوثائق والشّورى إلى أن مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة».
قال الشاطبي: «فتأمّلوا كيف اتّباع الهوى، وأولى أن ينتهي بصاحبه، فشأن مثل هذا لا يحلّ أصلاً من وجهين: ... الثاني: أنّه إن سلّمنا فلا يصحّ للحاكم أن يرجع في حكمه في أحد القولين بالمحبّة والإمارة أو قضاء الحاجة، إنّما الترجيح بالوجوه المعتبرة شرعاً، وهذا متّفقٌ عليه بين العلماء، فكلّ من اعتمد على تقليد قولٍ غير محقّق، أو رجّح بغير معنى فقد خلع الرّبقة، واستند إلى غير شرعٍ، عافانا الله من ذلك بفضله.
فهذه الطّريقة في الفتيا من جملة البدع المحدثات في دين الله تعالى، كما أنّ تحكيم العقل على الدّين مطلقاً محدثٌ». [الاعتصام (ص٤٥٠)].
стр. 440
قلت: تأمّل ـ بارك الله فيك ـ ما في وصف الشاطبي لهذا الصّنيع باتباع الهوى، وهو صنيع ـ والله ـ بهذا الوصف حقيق، وكم في عصرنا هذا من نماذج وصور لهذا المفتي، فأصبح كثير من المتكلمين في مسائل الفقه غاية مرامه أن يحكي أقوال الفقهاء، حتى الشاذّ منها، ثم يميع قضيّة الفتوى ويدع للسائل الحرية في اختيار ما يهواه قلبه دون تنبيه إلى الكتاب والسنة وما يفيدانه في هذه المسألة محل السؤال، وهذا يفعله إمّا لجهله بالقول الحق الذي دلّ عليه النص، وإمّا لأنّه من المبتدعة الّذين لا يرفعون بالسنّة والاتّباع رأساً نسأل الله العافية.
وهو ما يعبّر عنه الآن بالتّيسير، فأصبح قضاء حوائج الناس كبارهم وصغارهم مقصداً بارزاً أمام من يريد الفتوى من فقهاء منهج (التّسليك) المسمى: بالتيسير، وفي هذا اعتراف ضمني منهم أنّ الكتاب والسنة جاءا بالعسر والمشقة على الناس، وهذا خلاف منهج أهل السنة في الفتوى؛ فالتيسير الحقيقي هو تطلّب دلالات النّصوص الشرعية، والرّخصة التي جاء بها النص الشرعي، لا التملّص من النصوص بحجة التيسير على الناس، فضلاً عن أصحاب الجاه كما فعل هذا المفتي الذي حكى عنه الشاطبي، ولو تأمّلنا ما فعله ابن لبابة مع الأمير لعرفنا أنّه يحدث الآن لكن لصالح وجهاء آخرين كالأمراء وأصحاب القنوات الفضائية والأثرياء من ملاّك الشركات، وكذلك بعض الأنظمة الحاكمة والوزراء، كل هؤلاء أصبحوا لا يعدمون فقيهاً أو جهة معينة مهمتها (تبليع) النّاس ما لا يُبلع من الأقوال الشاذة والفتاوى المخالفة للنصوص بل الإجماع أحياناً فقط؛ لأنّ شخصاً في أعماق التاريخ قال بقول يخالفه هو معذور فيه؛ لأنّه لم يبلغه نصّ أو لعله مخالف لهواه، فيكون هذا حجّة على كتاب الله وسنّة رسول الله ﷺ وأقوال المئات من أئمّة العلم والدين على مر العصور.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
стр. 441
الحسابات الجارية - حقيقتها وتكييفها
د. حسين بن معلوي الشهراني
٢ذي الحجة١٤٣١هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
هذا بحث مختصر في موضوع مهم من موضوعات القضايا المالية المعاصرة، وبالتحديد المعاملات المصرفية المعاصرة، وعنوانه:
(الحسابات الجارية: حقيقتها وتكييفها)، وقد وضعت لهذا البحث خطة تتكون من مقدمة وخمسة مباحث، وكانت المباحث كالتالي:
المبحث الأول: حقيقة الحسابات الجارية.
المبحث الثاني: أهمية الحسابات الجارية.
المبحث الثالث: تكييفها الفقهي.
المبحث الرابع: الإشكالات الواردة على التكييف المختار.
المبحث الخامس: الأحكام والآثار المترتبة على التكييف المختار.
المبحث الأول: حقيقة الحساب الجاري (١):
الحساب الجاري هو أحد العمليات المصرفية المعاصرة، وتندرج في عرف المصارف تحت مسمى الوديعة النقدية الصرفية، وسيأتي بيان أهميته _إن شاء الله تعالى_، والمراد هنا تعريفه وبيان حقيقته.
والناظر في كتب الباحثين المعاصرين الذين كتبوا في هذه المسائل، سواء أكانت من الناحية الشرعية أم القانونية، أم الاقتصادية البحتة، يلحظ اختلاف المسميات التي أطلقوها على الحساب الجاري مع اتحاد المسمى، ومن تلك التسميات:
(١) الحساب الجاري.
(٢) الحساب تحت الطلب.
(٣) الوديعة الجارية.
(٤) الوديعة المتحركة.
(٥) الودائع تحت الطلب.
(٦) ودائع الحساب الجاري.
(٧) الودائع الواجبة للدفع عند الطلب.
(٨) ودائع بدون تفويض بالاستثمار، وهذه تسمية بنك دبي الإسلامي
(تأسس عام ١٣٩٥هـ).
ومن المسميات السابقة يظهر أن بعضها استخدم عبارة الحساب، وبعضها الآخر استخدم عبارة الوديعة، مع تعدد الوصف على كلٍ، فبعضها يصفها بالجارية أو تحت الطلب أو المتحركة.
والاختلاف في هذه الإطلاقات هو من باب التنوع لا التضاد، إلا أن بعضها نظر إلى ذات المبلغ الذي تم التعاقد عليه بين المصرف والعميل فأطلق لفظ الوديعة، والقسم الآخر نظر إلى المعاملة والقائمة التي تقيد بها المعاملات المتبادلة بين الطرفين فاختار لفظ الحساب.
والحقيقة أن الوديعة المصرفية أو المبالغ أو النقود التي يعهد بها الشخص إلى المصرف هي التي تنشئ الحساب الجاري، وليست هي الحساب الجاري ذاته.
وقد يقال: إن من التجوّز تعريف الحساب الجاري بأنه النقود أو المبالغ، كمن أطلق لفظ السفتجة على النقود المقرضة، وهي في الأصل ورقة يكتب فيها الدين.
والذي يظهر أن البحث منصب على حكم المال أو النقود التي يعهد بها صاحبها إلى المصرف، ويتعاقد عليها، وليس البحث في الحساب أو القائمة التي تقيّد فيها المعاملات بين الطرفين.
ولأن عنوان البحث المطروح هو: الحسابات الجارية، وحتى أتجنب الحكم المبكر على المسألة؛ فإني سوف أستعمل هذا الإطلاق في هذا البحث فيما يأتي من المباحث، والله الموفق.
تعريف الحساب الجاري:
стр. 442
عرف الحساب الجاري: بأنه القائمة التي تقيَّد بها المعاملات المتبادلة بين العميل والبنك (١).
وعرفت ودائع الحساب الجاري: بأنها "المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بشرط أن يردها عليهم البنك كلما أرادوا" (٢).
أو "هي النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساوٍ لها لدى الطلب أو بالشروط المتفق عليها" (٣).
أو "هي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بقصد أن تكون حاضرة التداول، والسحب عليها لحظة الحاجة بحيث ترد بمجرد الطلب، ودون توقف على أي إخطار سابق من أي نوع" (٤).
والتعاريف السابقة في مجملها متقاربة، وبعضها اهتم بتعريف المعاملة أو المعاقدة التي تكون بين الطرفين (المصرف والعميل)، وبعضها الآخر عرف انطلاقاً من المال الذي يتم عليه العقد بين الطرفين.
ويمكن القول - كما سبق - بأن الوديعة المصرفية أو المال الموضوع لدى المصرف هو الذي ينشئ الحساب الجاري؛ فالحساب الجاري عبارة عن قائمة تقيد بها المعاملات المصرفية المتبادلة بين العميل والمصرف؛ ويقوم صاحب المال بفتح هذا الحساب في المصرف لوضع ماله فيه، بغرض حفظها وصونها ثم طلبها عند الحاجة إليها، أو لأغراض التعامل اليومي والتجاري، دون الاضطرار إلى حمل النقود (٥).
وقد يسلم المصرف للعميل دفتر شيكات، يسمح له بموجبه - وبحسب إجراءات معروفة - بالسحب متى شاء من حسابه، بحيث لا تزيد المبالغ عن مقدار المال الذي تم تسليمه للمصرف عالياً، وقد يدفع صاحب المال للمصرف مصاريف يسيرة مقابل الاحتفاظ بالحساب الجاري على هذا النحو.
وبهذا يتبين أن الحسابات الجارية أو تحت الطلب هي حسابات ليس هدفها الاستثمار وإنما هي حسابات لغرض حفظ هذه الأموال وصيانتها من السرقة أو الهلاك، أو لغرض تسهيل التعامل التجاري والمعاملات المصرفية الأخرى التي تقدمها هذه المصارف لعملائها؛ لذا فإن هذه الحسابات ليس لها أي علاقة بالمضاربة أو المشاركة، ولا تستحق أي عائد أو ربح في المصارف الإسلامية، بل إنه قد يتقاضى المصرف عليها أجراً أو عمالة في مقابل ما يمنحه لأصحابها من امتيازات (٦).
وإنما سمي الحساب الجاري بهذا الاسم؛ لأن طبيعته تجعله في حركة مستمرة من زيادة بالإيداع أو نقصان بسبب ما يطرأ عليه من قيود بالحسب والإيداع فتغير من حاله بحيث لا يبقى على صفة واحدة (٧).
وتختلف طرق المصارف في التعامل مع الحسابات الجارية، ويمكن حصرها في أربعة طرق (٨):
الأول: ألا يتقاضى المصرف أية أجور مقابل خدمة فتح الحساب وما يتعبه من خدمات؛ كإصدار الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وغيرها.
الثاني: أن يتقاضى المصرف أجوراً مقابل خدمة فتح الحساب الجاري، وما يتبعه من خدمات.
стр. 443
الثالث: أن يتقاضى المصرف أجوراً مقابل ما سبق إذا نقص رصيد العميل في الحساب عن مبلغ محدد.
الرابع: أن يمنح المصرف فوائد للعميل مقابل وجود المبلغ في الحساب، وبعضها يشترط مبلغاً معيناً لأجل منح الفوائد، وهذا هو المعمول به في البنوك الربوية.
المبحث الثاني: أهمية الحسابات الجارية:
تتضح أهمية الحسابات الجارية في المنافع التي يحصل عليها طرفا العقد، وهما المصرف والعميل من فتح هذه الحسابات والتعامل بها، وفيما يلي ذكر لأهم المنافع والفوائد التي يحصل عليها كل منهما:
أولاً: المنافع التي تعود على المصرف (١).
١ - استثمار الأموال الموجودة في الحسابات الجارية دون أن يشترك عملاؤه - أصحاب هذه الأموال - في الأرباح التي تدرها هذه الاستثمارات.
ويتبين هذا إذا علمنا أن أموال الحسابات الجارية تعد أهم موارد المصرف، وتمثل ما قد يزيد في غالب الأحوال على ٩٠% من مجمل الموارد، ونادراً ما تقل عن ٢٠% (٢)، وبهذا يستفيد منها المصرف في توفير السيولة والوفاء باحتياجاته واحتياجات عملائه (٣).
٢ - فتح حساب جارٍ لأحد العملاء يؤدي غالباً إلى أن هذا العميل يحتاج إلى خدمات مصرفية أخرى - يستفيد منها المصرف، وطبعي أن يلجأ العميل إلى المصرف الذي به حسابه الجاري.
٣ - فتح الحسابات الجارية يزيد من قدرة المصرف على توسيع الائتمان أو ما يسمى (بخلق الودائع) واستثمارها، حيث يزيد الرصيد النقدي لهذا المصرف، وبالتالي يزيد ربحه من جراء استثمار هذه المبالغ.
٤ - الأجور التي تتقاضاها بعض المصارف مقابل الخدمات التي تقدمها للعملاء؛ كفتح الحساب، وإصدار الشيكات، وبطاقات السحب الآلي وغيرها.
٥ - يستفيد المصرف من الحسابات الجارية التي تفتحها لديه المصارف الأخرى التي تعامل معها - وهي تمثل قرابة ١٠% من مجموع الخصوم - في عمليات المقاصّة في الشيكات المحررة من قبل عملاء المصارف الأخرى، وفي عملية الحوالات التي يقومون بها من المصارف الأخرى، ولا سيما التحويلات من بلد إلى آخر، وغير ذلك من الأعمال المصرفية التي تستدعي وجود رصيد كاف لدى المصرف.
ثانياً: المنافع التي تعود على العميل (صاحب الحساب الجاري) (٤)
١ - حفظ أمواله من المخاطر المختلفة؛ كالسرقة أو الضياع، وهذا يتبين أكثر كلما كانت الأموال كثيرة؛ بحيث يشق حفظها في المنزل أو في المحل التجاري، ولذا يلاحظ في الشركات التجارية الكبرى والمصانع الكبيرة التي تكثر فيها عمليات البيع والتحصيل أن موظف الخزينة لا يستبق لديه أية مبالغ نقدية في الخزينة، بل عليه أن يودعها في المصرف يومياً.
٢ - إضافة إلى ميزة حفظ المال فإنه يكون مضموناً على المصرف، ولصاحبه حرية التصرف فيه متى شاء.
٣ - الانتفاع من الخدمات التي يقدمها المصرف لصاحب الحساب الجاري غالباً بدون مقابل، ومن ذلك:
أ- الحصول على دفتر الشيكات مما يسهل على صاحب الحساب الوفاء بالتزاماته واحتياجاته المختلفة دون الحاجة إلى حمل النقود وعدها ومراجعتها مع الأمن من ضياعها وسرقتها وبخاصة في المبالغ الكبيرة.
ب- الحصول على بطاقة السحب الآلي، والتي يمكنه بواسطتها:
стр. 444
- سحب ما يحتاجه من أموال في أي زمان ومكان.
ت- تسديد قيمة مشترياته عن طريق أجهزة نقاط البيع بواسطة الشبكة الإلكترونية.
ث- تسديد فواتير الخدمات العامة؛ كفواتير الكهرباء والهاتف والماء ونحوها.
ج- الاستعلام عن رصيده في حسابه الجاري، وطلب كشف لحسابه.
ح- التحويلات والإيداعات المصرفية.
٤ - يعد فتح الحساب الجاري المصرفي أسهل وأيسر طريقة لعمل حسابات نظامية دقيقة عن أي نوع من أنواع النشاط الذي يقوم به العميل؛ كأن يعرف ربحه بالفرق بين رصيد أول السنة ورصيد آخر السنة.
٥ - توثيق الحسابات وضبطها، بحيث يحصل العميل في نهاية كل شهر أو أقل أو أكثر - على كشف مفصل يتضمن جميع المدفوعات وتواريخها ومبالغها والمدفوعة إليهم، وكذلك الحال في الأموال التي يتلقاها من الآخرين مثل أثمان السلع التي يبيع أو موارده من الإيجارات والأرباح ... إلخ، وهذا يغنيه عن موظف متخصص في المحاسبة.
٦ - تمكين العميل من إثباته وتوثيقه لمدفوعاته للآخرين، سواء عن طريق الشبكات تكفي عن الإيصالات؛ لأن المستفيد من الشيك يوقع على ظهر الشيك عند تحصيله من المصرف، أم عن طريق بطاقة السحب الآلي في تسديد فواتير الخدمات.
٧ - الحصول على الخدمة المصرفية عن طريق الهاتف - بواسطة البطاقة - بحيث يستطيع صاحب الحساب الجاري تحريك معاملاته المصرفية والتجارية عن طريق الهاتف مما يوفر عليه وقتاً طويلاً في التنقل وإجراء هذه المعاملات.
٨ - سهولة وسرعة تحصيل النقود المحولة إلى المصرف من جهات حكومية أو غير حكومية؛ كتحويل الرواتب الشهرية مثلاً.
٩ - الأسعار المميزة للخدمات الأخرى التي يقدمها المصرف، والتي تتعلق غالباً بالحوالات والصرف الأجنبي ورسوم فتح الاعتمادات وبطاقات الائتمان وخطابات الضمان.
١٠ - شهادة المصرف بملاءة العميل (صاحب الحساب) وأكثر ما يحتاج لهذا التجار ورجال الأعمال الذين يحتاجون إلى شهادة تثبت ملاءتهم يقدمونها إلى الجهات الحكومية أو الخاصة بحيث يتمكنون بموجبها من الدخول في المناقصات والمزايدات أو عقود المقاولة أو التوريد وغيرها.
١١ - استخدام الأموال في الحساب الجاري كرهن، وذلك بأن يتفق العميل مع مصرفه على حجز مبلغ من المال في حسابه الجاري لا يسمح له أن يسحبه أو يحرر الشيكات مقابله؛ ليكون رهناً لضمان وفائه بالتزاماته الواجبة أو التي مآلها إلى الوجوب للمصرف أو لمؤسسة أخرى، مثل حالات فتح الاعتماد المستندي للاستيراد، أو إصدار البطاقة الائتمانية، أو كفالة جهة أخرى من قبل ذلك العميل.
١٢ - يعد كشف الحساب للعميل مستنداً قوياً لما جاء فيه من أرقام، ويستفيد من هذا الموظفون الملزمون بتقديم تقارير سنوية عن التغييرات الطارئة في ثرواتهم طبقاً لأنظمة الكسب غير المشروع في بعض الدول.
إضافة إلى ما سبق فإن الحساب الجاري يستفيد منه الطرفان في تيسير واختصار كثير من العمليات التي تحصل بينهما؛ إذ إن تسوية كل عملية من العمليات المتتابعة يسبب كثيراً من التعقيد، بينما يمكن بواسطة الحساب الجاري تجميع العمليات كلها وإخضاعها لنظام واحد، وكذلك فإن من فوائد الحسابات الجارية عدم تعطيل رؤوس الأموال؛ لأنه إذا استحق على أحد طرفيه دين فإنه لا يدفعه نقداً ومباشرة، بل يستغله ويقيد في حساب الدائن ما يقابله.
ومن فوائدها كذلك أنها تقوم بوظيفة نقدية مهمة؛ إذ إنها تمثل وسائل دفع في المجال الاقتصادي والتجاري، وأداة وفاء لتسوية الديون عن طريق نقل ملكيتها من شخص لآخر باستعمال الشيكات والتحويل المصرفي والمقاصة.
стр. 445
وبهذا يتبين أن أموال الحسابات الجارية هي مما يمثل قطب الرحى بالنسبة لموارد البنوك ومحور نشاطاتها في المجال الاقتصادي والتجاري وفي ميادين أنشطتها الأخرى.
المبحث الثالث: التكييف (التخريج) الفقهي للحسابات الجارية:
اختلفت آراء الفقهاء والباحثين المعاصرين في التكييف الفقهي للحسابات، ومما يلي عرض للخلاف:
أولاً: الأقوال في المسألة:
القول الأول: إنها قرض؛ فالمودع هو المقرض، والمصرف هو المقترض.
وهذا قول أكثر الفقهاء والباحثين المعاصرين (١)، وهو رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ونص عليه بالقرار رقم ٨٦ (٣/ ٩) في دورته التاسعة المنعقدة في أبي ظبي ١ - ٥ ذي القعدة ١٤١٥هـ، وفيما يلي نص القرار:
"إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من ١ - ٦ ذي القعدة ١٤١٥هـ، الموافق ١ - ٦ نيسان (أبريل) ١٩٩٥م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الودائع المصرفية (حسابات المصارف)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
أولاً: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية)، سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئاً (٢).
القول الثاني: إنها وديعة بالمعنى الفقهي، وقال به بعض الباحثين المعاصرين (٣)، وبه أخذ بنك دبي الإسلامي (٤).
стр. 446
ومال إليه الدكتور حسين كامل فهمي، ورأى ضرورة إعادة النظر في التكييف الفقهي المعمول به حالياً بالنسبة للحسابات الجارية في البنوك الإسلامية ليصبح: وديعة (بمفهومها الشرعي) لدى كل من البنك الإسلامي، والبنك المركزي في نفس الوقت، مع الإذن للبنك المركزي فقط باستخدامها (١).
القول الثالث: إنها تدخل تحت عقد الإجارة.
أي أن الإجارة واقعة على النقود، وأن ما يدفعه المصرف لصاحب النقود هو أجر لاستعمال هذه النقود، وهذا القول نقله بعض الباحثين ولم ينسبه لأحد، وانتقد بأنه قول من أراد أن يستحل فوائد الربا من البنوك (٢).
وهناك قولان آخران، يغلب عليهما أنهما من أقوال القانونيين؛ فأكتفي بإيرادهما فقط:
الأول: إنها وديعة شاذة أو ناقصة، أي: وديعة مع الإذن بالاستعمال.
الثاني: إنه عقد ذو طبيعة خاصة، أو إنه ليس من العقود المسماة.
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
١ - إن المال في الحساب الجاري عبارة عن نقود يضعها صاحب الحساب وهو يعلم أن المصرف يتصرف فيها، ويخلطها بالأموال التي لديه بمجرد استلامها وإدخال بياناتها بالحاسب، ثم يستثمرها، وقد دفعها إليه راضياً بذلك فكان إذناً بالتصرف؛ فهذه الأموال في حقيقتها قرض وليست وديعة (٣).
٢ - أن المصرف يملك المال في الحساب الجاري، ويتصرف فيه فيكون قرضاً، وليس إيداعاً، إذ في عقد الإيداع لا يملك الوديع الوديعة، وليس له أن يتصرف فيها، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني، وتسميتها وديعة إنما هو على سبيل المجاز لا الحقيقة لعدم توفر حقيقة الوديعة فيها (٤).
٣ - أن المصرف يعد ضامناً لأموال الحساب الجاري برد مثلها، ولو كانت هذه الأموال وديعة بالمعنى الحقيقي لما ضمنها المصرف، والمديونية والضمان ينافيان الأمانة، بل لو شرط رب الوديعة على الوديع ضمان الوديعة لم يصح الشرط؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، وكذلك لو قال الوديع: أنا ضامن للوديعة لم يضمن ما تلف بغير تعد أو تفريط؛ لأن ضمان الأمانات غير صحيح، وهذا على خلاف المعمول به في المصارف قول على أن مال الحساب الجاري قرض وليس وديعة (٥).
٤ - من المعلوم أن المصرف لا يأخذ أموال الحسابات الجارية كأمانة يحتفظ بعيها لترد إلى أصحابها، وإنما يستهلكها ويستثمرها في أعماله، ومن عرف أعمال البنوك علم أنها تستهلك نسبة كبيرة من هذه الحسابات، وتلتزم برد مثلها، وهذا واضح في أموال الحسابات الجارية التي تدفع بعض المصارف عليها فوائد ربوية، فما كان المصرف ليدفع هذه الفوائد مقابل الاحتفاظ بالأمانات وردها إلى أصحابها فقط (٦).
أدلة القول الثاني:
(١) أن أموال الحساب الجاري عبارة عن مبالغ توضع لدى المصرف ويسحب منها في الوقت الذي يختاره المودع، وذلك كل ما يطلب في الوديعة الحقيقية، ولا توجد أي شائبة في ذلك (٧).
стр. 447
ونوقش هذا الاستدلال بعدم التسليم؛ وذلك لأن الوديعة وإن كان المقصود ردها عند الطلب، إلا أنه يقصد بها أيضاً عدم التصرف فيها، وأموال الحسابات الجارية يتصرف فيها المصرف بمجرد استلامها ثم يرد بدلها، وهذا ينطبق على القرض بمعناه الشرعي لا على الوديعة (١).
(٢) أن المصرف لا يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض، بدليل أنه يتقاضى أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة تحت الطلب، بعكس الوديعة لأجل التي يدفع هو عليها فائدة (٢).
ونوقش بأن الأجور التي يأخذها المصرف من صاحب الحساب الجاري لا يُسلم على أنها في مقابل الحفظ، بل هي في مقابل الخدمات التي يقدمها المصرف لصاحب الحساب؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشوف الحساب وغيرها من الخدمات، مع أن الواقع أن أغلب المصارف لا تأخذ أجوراً في مقابل فتح الحساب.
(٣) أن المصرف يتعامل بحذر شديد عند استعمال أموال الحسابات الجارية والتصرف فيها، ثم يبادر بردها فوراً عند طلبها مما يدل على أنها وديعة (٣).
نوقش بأن هذا التصرف من المصرف لا يغير من حقيقة العقد، والواقع أن المصرف يتصرف في مال الحساب الجاري بخلاف ما ذُكر حيث يقوم بخلطها بماله ومال العملاء الآخرين بمجرد استلامها، ثم يتصرف فيها كما لو كانت ملكه.
وأما كونه يبادر بردها عند طلبها فهذا لا ينفي كونها قرضاً؛ لأن المقرض له طلب بدل القرض في الحال مطلقا (٤)؛ لأن القرض يثبت في الذمة حالاً فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالاً (٥).
وكذلك فإن المبادرة بردها عند طلبها فيه حفاظ على سمعة المصرف، وتحفيز للتعامل معه، وفي هذا التعامل فوائد ترجع إلى المصرف، كما هو معلوم.
(٤) أن المودع عندما يدفع المال في الحساب الجاري للمصرف لا يقصد أبداً أن يقرض المصرف، ولا أن يشاركه في الأرباح العائدة للمصرف من استغلال لمال المودع ومال غيره، وإنما مقصوده - أي المودع - حفظ ماله ثم طلبه عند الحاجة إليه وهذا مقتضى عقد الوديعة؛ فلا يسمى فعله إقراضاً (٦).
نوقش بأن كون المودع لا يقصد إقراض المصرف لا يؤثر في حقيقة العقد؛ لأن عامة المتعاملين مع المصارف لا يدركون الفرق بين معنى القرض ومعنى الوديعة، ولا يستحضرون الفروق بينهما، فهم لا تهمهم المصطلحات بقدر ما تهمهم النتائج والغايات، والحاصل أن المتعاملين مع المصارف بوضع أموالهم في الحسابات الجارية يريدون حفظ أموالهم مع ضمانها من المصرف، وهذا في حقيقته قرض لا وديعة، ومن المعلوم كذلك أن المصرف لا يقبل حفظ هذه الأموال إلا لأجل التصرف فيها، وهذا هو معنى القرض، والقاعدة أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني (٧).
الترجيح:
الذي يترجح - والعلم عند الله تعالى - أن الأموال التي يضعها أصحابها في حساب جارٍ لدى المصرف الأقرب أنها قرض وليست وديعة، وذلك للأسباب الآتية:
١ - أن تعريف القرض وأحكامه متمشية مع هذه المسألة؛ فقد عرف القرض بأنه "عبارة عن دفع مال إلى الغير؛ لينتفع به ويرد بدله" (٨)، ومال الحساب الجاري يدفعه صاحبه إلى المصرف، لينتفع به ويرد بدله.
стр. 448
٢ - أن صاحب الحساب الجاري يعلم أن المصرف الذي يتلقى ماله لن يحتفظ له بهذا المال ساكناً مستقراً في صناديقه ليعيده بعينه عند الطلب، بل إنه سوف يختلط بغيره من الأموال وبأموال المصرف، كما أن المصرف سوف يستعمل هذه الأموال في أعماله واستثماراته، وهذا يعني أن المصرف لن يعيد عين المال، بل يعيد مثله عند الطلب، وهذه الأموال في حقيقتها قروض لا ودائع (١).
٣ - أن صاحب المال إذا وضعه في حساب جارٍ لا يقصد مجرد الحفظ فقط، بل يريد الحفظ والضمان معاً، بدليل أنه لا يقوم على الإيداع ما لم يكن المال مضموناً، وكذلك المصرف لا يقبل هذه الأموال لحفظها فقط، بل للانتفاع بها مع ضمانها، وهذه حقيقة القرض.
٤ - في القرض يضمن المقترض، وفي الوديعة يضمن المودع - ما لم يكن المودع مفرطاً - وكل منهما ضامن لأنه مالك، وعلى هذا فالوديعة في العرف المصرفي القائم قرض في الشرع الإسلامي (٢)
٥ - أن القاعدة الفقهية المشهورة نصت على أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وتسمية هذا العقد بين صاحب المال والمصرف وديعة لا يغير من حقيقة العقد وأنه قرض، وإنما سمي وديعة أو إيداعاً لأسباب منها (٣):
أ- أن هذه الكلمة استعملت بمعناها اللغوي؛ فإنها فعيلة من "ودع يدع: بمعنى أنها متروكة عند المودع، وهو المصرف هنا بغض النظر عن كونها أمانة أو مضمونة.
ب- لأن تأريخها بدأت بشكل ودائع وتطورت خلال تجارب المصارف واتساع أعمالها إلى قروض؛ فظلت محتفظة من الناحية اللفظية باسم الودائع، وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح، وعليه فاستخدام لفظ "ودائع" بدلاً من "قروض" إنما كان صحيحاً في مرحلة تأريخية من مراحل التطور المصرفي، حيث كان الناس يودعون نقودهم عند الصائغ أو الصيرفي مقابل أجر يتقاضاه، لكن عندما بدأ هؤلاء الصيارفة باستغلال هذه الأموال وبإقراضها إلى غيرهم أو استغلالها، لم تعد هذه العمليات ودائع، وكان ينبغي منذ ذلك الوقت هجر هذه التسمية وتركها لعمليات أخرى؛ (كإيداع الأشياء الثمينة) والانتقال إلى التسمية الحقيقية قروض.
وإذا أغفلت البنوك الروية هذا فحري بالمصارف الإسلامية أن تتنبه لهذا، وألا تقلد البنوك الربوية في هذه التسمية وغيرها، سواء كان ذلك في المقاصد والمعاني، أم في الألفاظ والمباني.
المبحث الرابع: الإشكالات الواردة على تخريجها قرضاً:
على القول الراجح بأن الأقرب في أموال الحساب الجاري تخريجها أنها قرض لا وديعة، قد يرد من الإشكالات ما يلي:
الإشكال الأول: إن الأصل في مشروعية القرض هو الإرفاق، وأدلة مشروعيته تؤكد هذا، ولذا عرفه بعض الفقهاء بأنه: دفع مال إرفاقاً لمن ينتفع به ويرد بدله (٤).
ومن المعلوم أن الذين يدفعون أموالهم إلى المصارف - على شكل حسابات جارية - لا يقصدون الرفق بالمصارف والإحسان إليها، والمصارف ليست فقيرة أو محتاجة حتى تقرض، وإنما يريدون نفع أنفسهم بحفظ أموالهم ثم طلبها عند الحاجة.
الجواب: يمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن القرض - وإن كان الأصل في مشروعيته هو الإرفاق - قد يخرج عن هذا الأصل؛ فليس في جميع حالاته من باب الإرفاق، وليس الإرفاق شرطاً في صحته؛ بمعنى أن الإرفاق صفة غالبة على القرض لا مقيدة له، ويدل على هذا ما يلي:
стр. 449
١ - ما ثبت في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير _رضي الله تعالى عنه_ قال: " ... وإنما كان دينه - أي الزبير رضي الله تعالى عنه - الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه؛ فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ..
قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف
قال: وكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف".
وفي بعض النسخ: "فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف" (١)
وجه الدلالة من الحديث: أن الزبير - رضي الله تعالى عنه - كان قد قبل تلك الأموال على أنها قرض مضمون لا وديعة مع عدم حاجته إليها، بل كان - رضي الله تعالى عنه - من أكثر الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مالاً؛ فدل على أنه لا يشترط في القرض قصد الإرفاق بالمقترض، ولا أن كونه فقيراً أو محتاجاً.
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -: "قوله: "لا، ولكنه سلف" أي ما كان يقبض من أحد وديعة إلا إن رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع؛ فيُظن به التقصير في حفظه؛ فرأى أن يجعله مضموناً فيكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته.
زاد ابن بطال: وليطيب له ربح ذلك المال" (٢).
وقال ابن حجر: "وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه رضي أن يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم، ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم، ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن كان يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه إليها غالباً، وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم" (٣).
٢ - مسألة السفتجة (٤)، وهي قرض لم يقصد به الإرفاق، ومع ذلك فهي جائزة على الصحيح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "والصحيح الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض؛ فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه، وإنما نهى عما يضرهم ويفسدهم، وقد أغناهم الله عنه، والله أعلم" (٥).
٣ - ما ذكره العلماء من أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد آخر ليربح خطر الطريق، قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: "والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها" (٦).
стр. 450
ومن المعلوم أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد والمقصود الإيداع والحفظ غير أن الوديعة لا تضمن؛ ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني (١).
وبهذا يتبين أنه لا يشترط في القرض أن يكون إرفاقاً من غني لمحتاج، وإن كان الأصل فيه كذلك.
الإشكال الثاني: إن اعتبار مال الحساب الجاري قرض يترتب عليه بعض الصعوبات في إخضاع استعمالها وسيلة دفع وأداة وفاء من الناحية الشرعية، ومن ذلك (٢):
١ - أنه لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يشتري بضاعة مؤجلة - أي سلماً - ويكتب لصاحب البضاعة شيكاً بالثمن على المصرف؛ لأنه يؤدي إلى بيع الكالئ بالكالئ؛ فيبطل الشراء.
٢ - أنه لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يهب شيئاً من مال حسابه الجاري لشخص ثالث؛ لأنه من هبة الدائن للدين الذي يملكه في ذمة شخص آخر؛ فالهبة باطلة عند من يرى من الفقهاء أن قبض الموهوب له المال الموهوب شرط في صحة الهبة.
ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بفرعيه بأن ما ذُكِر غير مسلّم، وبيان ذلك أن صاحب الحساب الجاري إذا اشترى بضاعة مؤجلة (سلماً) وكتب لصاحب البضاعة شيكاً فقبله كان ذلك بمنزلة تسليمه الثمن نقداً، وذلك أن العرف المصرفي مضى على صرف الشيك فوراً إذا كان مستوفياً لشروطه، وكذلك الحال بالنسبة للهبة؛ فإذا وهب إنسان ماله في حسابه الجاري إلى غير مدينه - المصرف - وحرر شيكاً للموهوب له ورضي به فقد تم القبض (٣)، وقد سبق أن القرض يثبت في الذمة حالاً، وأن للمقرِض المطالبة ببدله في الحال كسائر الديون الحالّة (٤).
الإشكال الثالث: استخدام مال الحساب الجاري كرهن أو ضمان.
عند الجمهور أن المرهون يجب أن يكون عيناً متقومة يجوز بيعها؛ فلا يجوز رهن الدين (٥)، وبناء على هذا فلا يجوز استخدام مال الحساب الجاري كرهن أو ضمان؛ لأنه دين لصاحب الحساب في ذمة المصرف.
قال الدكتور الصديق الضرير - أثابه الله تعالى -: "لا أتصور رهن وديعة حسابية من صاحب الوديعة؛ لأن هذا مقرض والمقرض يخرج المال عن ملكه، ويكون في يد المقترض فلا محل لرهنه" (٦).
الإشكال الرابع: من المعلوم أن صاحب الحساب الجاري يمكنه أن يسحب من المال الذي في الحساب في أي وقت، بل قد يسحب جميع المال في وقت واحد، والمال المسحوب ليس هو عين ماله الذي أقرضه للمصرف، فإذا ما سحب جزءاً من المال مثلاً؛ فهل المال الذي يسحبه من الحساب هو استرجاع للمال الذي أقرضه للمصرف أو لجزء منه، أم أنه قرض جديد اقترضه هو من المصرف بعقد آخر؟
هذه المسألة تحتاج إلى نظر لما يترتب عليها من ثمرات، وهي مطروحة هنا للمناقشة.
الإشكال الخامس: إذا أدخل شخص مالاً جديداً في حسابه الجاري؛ فهل هذا المال عقد قرض جديد بينه وبين المصرف، أو هو ملحق بالعقد الأول؟
الإشكال السادس: إذا أدخل شخص مبلغاً من المال في حساب شخص آخر؛ فهل هذا المبلغ يعد قرضاً للمصرف، أم أن المصرف وسيلة للوفاء فقط؟ وإذا قلنا إنه قرض من صاحب الحساب؛ فهل يمكن أن يتم القرض إذا كان صاحب الحساب لا يعلم بدخول المال في حسابه؟
стр. 451
المبحث الخامس: الأحكام والآثار المترتبة على تكييف الحسابات الجارية بأنها قرض.
الخلاف السابق في تكييف الحسابات الجارية يترتب آثار وثمرات عملية مهمة، تدل على أهمية الموضوع وأهمية صرحه والبحث فيه، ومن ذلك:
أولاً: أحكام المنافع العائدة من فتح الحساب الجاري:
إذا دفع صاحب المال نقوده إلى المصرف فإن الأخير تلقائياً يفتح لصاحب المال حساباً جارياً، تتم عن طريقه المعاملات التي تكون بين الطرفين، ويترتب على فتح الحساب الجاري منافع منها ما يرجع إلى المصرف (المقترض)، ومنها ما يرجع إلى صاحب الحساب (المقرِض)، ومنها ما يرجع إليهما.
(أ) المنافع العائدة إلى المصرف (المقترض):
١ - استثمار أموال الحساب الجاري:
من المعلوم أن المصرف بمجرد استلام المال من العميل يقوم بخلطه مباشرة بالأموال الموجودة لديه، وبناءً على أن هذه الأموال هي في الواقع قروض؛ فإن للمصرف حق التصرف فيها بموجب هذا العقد، بناء على أن عقد القرض ينقل الملكية إلى المقترض؛ إذ إن المقصود من القرض استهلاكه والانتفاع به، وبالتالي فإن المنافع العائدة من استثمار هذا القرض هي للمصرف دون أن يكون للمقرض منها شيء (١).
ويترتب على هذا أن للمصرف الاستفادة من مجموع الأموال التي آلت إلى ملكيته من مجموع الحسابات الجارية في توليد الائتمان أو ما يسمى بـ (خلق الودائع)، وهذا ناتج عن طبيعة عمله واستثماره لمجموع القروض.
٢ - أخذ عمولة (٢) مقابل الخدمات التي يقدمها لصاحب الحساب:
يترتب على فتح الحساب الجاري أن يقدم المصرف بعض الخدمات أو الأعمال في نطاق المعاملة بينهما؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشف بالأعمال التي قام بها صاحب الحساب، وغيرها من الخدمات، ومن المصارف ما يأخذ مقابلاً لهذه الخدمات، والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه لا مانع من أخذ مقابل لهذه الخدمات على أنها أجرة لما يقدمه المصرف من أعمال.
(ب) المنافع العائدة على صاحب الحساب الجاري (المقرِض):
١ - منفعة حفظ ماله وضمانه: الغرض الأساسي من تعامل غالب الناس مع المصارف عن طريق الحسابات الجارية أنهم يريدون حفظ أموالهم وضمانها بإقراضها للمصرف، ومن ثم استرجاعها أو بعضها عند الحاجة إليها، وقد تقدم فيما سبق بحثه أن إقراض الشخص ماله لآخر بقصد الحفظ يجوز ولا إشكال فيه، كما في قصة الزبير _رضي الله تعالى عنه_.
وأما مسألة قصد أن يكون المال مضموناً فإن الضمان أثر من الآثار المترتبة على عقد القرض ساء قصده المقرض أم لم يقصده، والله أعلم.
٢ - الحصول على الخدمات التي يقدمها المصرف؛ كدفتر الشيكات وبطاقة السحب الآلي وغيرها:
البحث هنا في مسألة الاستفادة من هذه الخدمات إذا كانت بدون مقابل؛ حيث سبق أنها إذا كانت بمقابل فإنها تأخذ حكم الإجارة، ولا يظهر في هذا إشكال.
وأما إذا كانت بدون مقابل، فهل يجوز الاستفادة منها؟
جرى الخلاف في هذه المسألة على قولين (٣):
القول الأول: إنه يجوز لصاحب الحساب الجاري الانتفاع بدفتر الشيكات وبطاقة السحب الآلي بدون مقابل (٤).
стр. 452
القول الثاني: إنه يكره له الانتفاع بهذه الخدمات بدون مقابل (١).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: إن هذه المنافع والخدمات مشتركة يستفيد منها الطرفان - المقرض والمقترض - وربما تكون مصلحة المصرف فيها غالبة بل أساسية، وذلك أنه بإصدار الشيكات وبطاقات السحب الآلي يخفض من نسبة التكاليف وعدد الموظفين الذين يحتاجهم في القيام بأعماله مثل تحرير أوامر السحب النقدي وتنفيذها، وتحرير المستندات التي يسحب بها العميل بعض ماله أو كله، واستخدام الشيك يوفر عليه كل ذلك.
وكذلك فإن المصرف بإصداره لهذه الشيكات والبطاقات يقلل من استخدام العملاء المباشر للنقود الورقية، مما يوفر لديه سيولة نقدية ورقية يستفيد منها باستثمارها وبتسيير عملياته المصرفية، إضافة إلى أنه يحافظ على هذه النقود من السرقة والتزوير، وذلك بتقليص تداولها، كما أنه يقلل من عناء عدها ونقلها وحفظها.
الدليل الثاني: إن هذه المنافع والخدمات هي وسيلة لوفاء المصرف للقروض التي يقترضها، وليست منفعة منفصلة عن القرض؛ حيث إنه مطالب بسداد القروض لكل مقرض متى طلب ذلك.
دليل القول الثاني:
إن المنافع التي يحصل عليها صاحب الحساب الجاري بدون مقابل ذات صلة قوية بسداد الدين والوفاء به؛ فتكون مكروهة، وأقل ما يقال فيها إنها شبهة، وقد تكون ذريعة إلى الوقوع في الحرام.
ونوقش بأن هذه المنفعة مشتركة بين الطرفين، بل إن منفعة المقترض (المصرف) أظهر، وقد أجاز بعض العلماء المنفعة في القرض إذا كانت مشتركة للطرفين، كما في مسألة السفتجة (٢)، والله تعالى أعلم.
٣ - الانتفاع بالأسعار المميزة لبعض الخدمات:
قد تعطي بعض المصارف لعملائها أو لبعضهم أسعاراً مميزة لبعض الخدمات؛ كالسكن في الفنادق، أو شراء بعض السلع، ونحو ذلك؛ فإذا كانت هذه المنفعة للعميل دون غيره، ولم يكن للمصرف منفعة في بذلها سوى القرض؛ فإنه يتوجه القول بتحريمها؛ لأنها منفعة للمقرض لا يقابلها عوض سوى القرض، وهي وإن لم تكن مشروطة إلا أنها واقعة قبل الوفاء بسبب القرض.
ومثل ذلك أن تنص تعليمات المصرف وأنظمته على نسبة معينة من الربح - قد تحددها إدارة المصرف - في نهاية كل دورة مالية، أو جوائز بالقرعة، أو أولوية في الحصول على قرض من المصرف؛ فإن هذه المزايا لا تخلو من شبهة الربا، وخاصة إذا كانت معانة مسبقاً على أساس ثابت مؤكد (٣)، وجوائز المقرضين إذا كانت معروفة تكون كأنها مشروطة؛ فلا تجوز مطلقاً (٤).
٤ - الانتفاع بشهادة المصرف بملاءة صاحب الحساب:
الذي يظهر أن هذه الشهادة من المصرف هي إخبار عن حال العميل وواقعه من خلال تعامله مع المصرف عن طريق الحساب الجاري بصفته - أي المصرف - المصدر لهذه المعلومات؛ فالذي يظهر أنه لا مانع من انتفاع صاحب الحساب بهذه الشهادة، والله تعالى أعلم.
٥ - الانتفاع بتنظيم الحسابات وضبطها:
هذه المنفعة هي منفعة آلية تأتي تبعاً لإجراءات المصرف في ضبط حساباته وتنظيمها وتوثيقها، بدليل أن هذه قد لا تكون حاضرة أحياناً قبل أن يطلبها العميل كما في الكشف المختصر للحساب؛ فالذي يظهر أنه لا مانع من الانتفاع بهذه الخدمة بدون مقابل.
٦ - الانتفاع بأخذ الفوائد المشروطة أو ما في حكمها:
يحرم أخذ هذه الفوائد، سواء أكانت مشروطة أم معروفة؛ إذ المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والمعروف بين التجار كالمشروط فيما بينهم، وعليه فهذه الفوائد زيادة مشروطة أو في حكم المشروطة في بدل القرض للمقرض فهي ربا محرم دلت الأدلة على تحريمها (٥).
ثانياً: من الآثار المترتبة على تكييف الحسابات الجارية بأنها قروض:
يترتب على القول بتكييف الحسابات الجارية على أنها قروض بعض الآثار والثمرات، من أهمها:
١ - أن ضمان تلك المبالغ في الحسابات الجارية هي على المصرف كذلك (المقترض) (٦)، ويمثله المؤسسون والمساهمون؛ لأنها مملوكة له، والقاعدة الفقهية المشهورة أن (الخراج بالضمان)، وأن (الغنم بالغرم).
٢ - إذا أفلس المصرف فليس للمودع أن يدخل في التفليس على أنه مالك للوديعة وتكون له الأولوية، بل على أساس أنه دائن عادي يخضع لقسمة غرمائه (٧).
هذا ما تيسر جمعه وتحريره، إن كان من صواب فمن الله _تعالى_ هو الموفق له، وإن يكن من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأنا راجع عنه، وأستغفر الله.
стр. 453
المدخل المنهجي في التعامل مع جيل الصحابة
(رؤية بنائية)
سلطان العميري
١ذي الحجة١٤٣١هـ
يمثل الصحابة ﵃ الجيل الأول من دعوة الإسلام، ويكونون اللبنة الأولى التي قام عليها الدين الختام للأديان.
وبالتالي فهم بالضرورة يتمتعون بالخواص التي تتمتع بها الأجيال الأولى من الدعوات العملاقة وتتصف بها اللبنات الأساسية فيها.
فالمستقرئ لمسيرة التاريخ السحيق لنشوء الدعوات الدينية يجد أن النماذج الأولى التي انبنت عليها تتصف بخواص لا توجد في غيرها من الأجيال اللاحقة، ويؤكد المفكر المصري: إبراهيم مدكور هذه الملاحظة فيقول عن الدعوات الدينية: " تقوم إبان نشأتها على معتنقين اتجهوا نحوها بقلوبهم وتفانوا فيها بأرواحهم" (في الأخلاق والاجتماع ٢٦).
ومن أبين تلك الخواص خاصيتان: الأولى: الصدق الإيماني، فالجيل الأول عادة يكون أصدق الأجيال في الأخذ بمبادئ الدعوة وأعمق إيمانا بأصولها وأشد تفانيا في الأخذ بقيمها، والثانية: العمق الإدراكي، فالجيل الأول عادة يكون أوسع الأجيال إدراكا لحقيقة الدعوة وأعمق تصورا لأحكامها وأكثر خبرة بتفاصيلها.
ومستند تلك الخواص يرجع إلى أن الجيل الأول يعيش حالة الانبثاق الأولى للدعوة ويشعر بلذة الإحساس بحالة الانتقال إليها، ويعايش مؤسس الدعوة ومرشدها الأول، ويشاهد اللحظات الأولى من ولادتها وبنائها، ويبصر تطوراتها وأحوالها وملابساتها، ويعاني من مصاعب تأسيسها وويلات نشرها ومتاعب الدعوة إليها وإقناع الناس بها, وبالتالي سيكون ولاؤه لها في غاية الشدة، وحبه إياها في نهاية المحبة، وإدراكه لحقيقتها في منتهي الوضوح.
وإذا كان هذا الأمر عاما تشترك فيه كل الأجيال الأولى من كل دعوة، فإن الصحابة ﵃ يفوقون غيرهم في تلك الخواص، فهم أصدق جيل عرف في التاريخ في التمسك بمبادئ دعوته، وهم أعلم جيل عرف في التاريخ في الإدراك لأصول ما آمن به، فليس في الأمة المحمدية ولا في غيرها من الأمم مثل الصحابة في الصدق الإيماني وفي العمق الإدراكي، وفقد حازوا قصبات السبق وارتقوا أعلى المعالي، وفي تأكيد هذا التفوق يقول النبي ﷺ : " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (البخاري٣٦٥٠)، والخيرية هنا مطلقة تشمل كل خيرة، الخيرة الدينية والخيرة العلمية.
وفي تصوير حال الصحابة في الخيرية يقول عبدالله بن عمر ﵁:" كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" ويؤكد عبدالله بن مسعود ذلك الوصف فيقول: " إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد ﷺ خير القلوب، فاصطفاه لنفسه، واستخلصه، وانبعث بالرسالة، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ فوجد قلب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء لنبيه ﷺ ، يقاتلون على دينه".
وهذا التوصيف متعلق بمجمل جيل الصحابة، وليس المراد منه التوصل إلى القول بعصمة الصحابة من الوقوع في المعاصي والذنوب، فهم ليسوا معصومين من ذلك، وليس المراد التوصل إلى القول بعصمتهم من الوقوع في الخطأ العلمي، وإنما غاية المراد بذلك القول بأن الصحابة لم يقع منهم ما يخرم القيم الإسلامية الكبرى ولا ما يتناقض أصوله الظاهرة، ولم يقع من أحدهم ما يعد خطأ منهجيا في الاستدلال، بل أكثر الأقوال التي خالف فيه أحدهم الكتاب والسنة راجعة إلى عدم علمه بالنص الشرعي لا إلى طريقته الاستدلالية، وأقلها راجع إلى خطئه الجزئي في فهم النص المعين.
стр. 454
المؤكدات الشرعية:
وهذا ما يفسر لنا كثرة الثناءات الشرعية التي جاءت في حق الصحابة ﵃، فالقاري للقرآن الكريم وللسنة النبوية، تستوقفه عشرات النصوص التي تضمنت مدح الصحابة والإعلاء من شأنهم، وقد جاءت في سياقات مختلفة ومشاهد متنوعة:
فالقرآن تارة يمتدح الصحابة على مواقفهم المشهودة مع النبي ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَام إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان﴾ [الأنفال:٩ - ١٢]
وتارة ينوه على جهادهم وبذلهم مع رسول الله ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ [التوبة:٨٩].
وتارة يصرح برضى الله عنهم ويظهر ما في قلوبهم من الرضى عن الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ [التوبة:١٠٠]، وكما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وتارة يخبر بصدقهم ويلفت الأنظار إلى تضحيتهم وبذلهم، كما في وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [الحشر:٨ - ٩].
стр. 455
وتارة يشير إلى أن لهم أمثالا مضروبة في كتب الأمم السابقة - كالتوراة والإنجيل-، كما في قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩].
وتارة يصرح بتحقق توبة الله عليهم ونزول رحمته بهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ [التوبة:١١٧].
وتارة يعلن النبي ﷺ بأن صحابته أمنة لأمته وحفاظ لها، وأنهم لأمته كالنجوم للسماء، كما في قوله: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتي السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون " (مسلم ٢٥٣١).
والتزكيات البليغة للصحابة في نصوص الشريعة مستفيضة بدرجة عالية، وكلها تؤكد على مدى العمق الإيماني الذي كان الصحابة يتمتعون به وعلى الصلابة الدينية التي اتصفوا بها وعلى العمق الإدراكي التي توصلوا إليه.
ومن المستبعد عقلا أن تأتي تلك الثناءات في حق أقوام مصابون بالضعف في التمسك بقيم الإسلام أو يتصفون بالليونة في الأخذ بتعاليم دينهم وقيمه، أو يعانون من السطحية الإدراكية لحقيقته، فهل من المقبول عقلا أن يكثر الله تعالى من الثناء على الصحابة في القرآن وهو يعلم أنهم غير صادقين في دينهم أو غير صارمين في التمسك به أو غير مدركين لحقيقة أصوله؟! وهل من المقبول عقلا أن يثني الله عليهم بذلك الثناء وهو يعلم أنهم سينقلبون على تعاليم دينه وسيتخلون عن قيمه وأصوله بعد موت رسوله ويعودون إلى قيم الجاهلية؟!!
إن إمكان حدوث ذلك من أكبر القوادح في بيان القرآن، ومن أفتك الخروقات التي تنخر في هدايته وإرشاده للخلق، ومن أعظم ما يصرف الناس عن قبول أحكامه والرجوع إليه.
بل إمكان حدوث ذلك سيفتح الباب أمام الباطنية القديمة والمعاصرة الذين أولوا المعاني الكبرى في القرآن، كالصلاة والزكاة والصيام والحج بمعاني مختلفة تماما عن المراد منها وعما كان عليه النبي ﷺ ، وسيقولون: إذا جاز أن تكون تلك الثناءات الكثيرة التي جاءت في القرآن على الصحابة ليست تأكيدا على إيمانهم ولا على صلابة تدينهم ولا على عمقهم علمهم، وأنها جاءت في حق أناس سينقلبون على ما أظهروه بعد موت نبيهم، فإنه يجوز لنا أن نؤل المعاني المستفيضة على غير ظاهرها.
الدلائل العقلية والحالية:
ويدلل على صحة تفوق الصحابة في خواص الأجيال الأولى دلائل عديدة من العقل والواقع، ومن تلك الدلائل:
الدليل الأول: الارتباط الروحي والمعاشي بالنبي ﷺ :
стр. 456
فالتاريخ يكشف لنا بصورة قاطعة مدى ارتباط الصحابة بالنبي ﷺ في حياتهم، فقد كانوا محيطين به لا يفارقونه في حضر أو سفر ويلازمونه في المسجد وفي البستان ويلتقون به في كل يوم لا يغيب عنهم ولا يغيبون عنه، وهذا الارتباط من أقوى الأدلة العقلية والواقعية التي تدل على منزلة الصحابة في فهم الدين وعلى عمق إيمانهم بقيمه وأصوله وشرائعه وعلى صلابة تدينهم وتمسكهم به؛ لأن الله تعالى اختار لخاتم أديانه وأكملها وأوسعها أكمل الخلق في المؤهلات المستوجبة لتبليغ الدين العظيم وغرسه في قلوب الناس ومشاعرهم، فهو ﷺ أعلم الناس بالدين وبلغة العرب وهو أفصح الناس في البيان وهو أنصح الناس للناس وأحرصهم على الهداية، وهذه الأوصاف الثلاث متوفرة فيه في غاية الكمال.
وفي شرح هذه الكمالات وغيرها يقول ابن تيمية: " معلوم للمؤمنين أن رسول الله ﷺ أعلم من غيره وأنصح من غيره للأمة وأفصح من غيره عبارة وبيانا، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة. ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان. والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين" (الفتاوى ٥/ ٣١).
وفضلا عن ذلك ما وهبه الله من الكمالات التي اتصف بها والمواهب الإلهية التي تفيض عليه جراء اتصاله بالوحي الرباني، وهذا الأحوال تستوجب على المحيطين به الاستغراق في التفاني في محبته، والتعلق به والاندماج في التأسي بما بنصائحه وتوجيهاته، وقد وصف عروة بن مسعود يوم كان مشركا حب الصحابة للنبي ﷺ وتعظيمهم له فقال: " والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ﷺ " (مسند الإمام أحمد ١٨٩٢٨).
وهذا التأثير يعد من الكرامات الإلهية التي اختص الله بها نبيه ﷺ , وقد اعترف به القاضي والداني، وفي توصيفه يقول حسن البنا: " تأثير النبي ﷺ في أصحابه لم يرى التاريخ مثله في وقت من أوقاته ولا صفحة من صفحاته، وما رأت الدنيا جماعة من الجماعات سارت على هدى نبيها واتبعت سنة قائدها كتلك الجماعة المؤمنة المخلصة من أصحاب النبي ﷺ "، ويقول ول ديورانت - وهو من أصحاب الانطباعات غير الجيدة عن الإسلام ونبيه - ومع هذا يقر بالعظمة التأثيرية للنبي ﷺ فيقول: " إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر قلنا إن محمدا كان م أعظم عظماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله " (قصة الحضارة ١٣/ ٤٧).
ويسجل مستشرق آخر تأكيده على القوة التأثيرية للنبي ﷺ ، فيقول هارث: " إن اختياري لمحمد ليكون في رأس القائمة التي تضم الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات ربما أدهش كثيرا من القراء ... ولكن في اعتقادي أن محمدا كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والسياسي (قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل ١٤٥).
стр. 457
فإذا كان النبي ﷺ يمتلك تلك القوة التأثيرية نتيجة الكمالات والمواهب الإلهية التي حلت به فإنه من المستبعد عقلا وذوقا ومنطقا ألا يستطيع أن يؤثر في من عاش معه ولازمه في حياته وأسفاره وحروبه، ولا يستطيع أن يغرس فيهم قيم الدين وأصوله والتقبل لشرائعه وينتزع من نفوسهم مبادئ الجاهلية.
فالمنسجم مع العقل السليم والمتوافق مع المنهجيات التحليلية المنضبطة أن يكون تأثيره فيهم أبلغ تأثير وتغييره فيهم أعمق تغيير.
ومن المستبعد عقلا وذوقا ومنطقا أن يكون المؤمن الصادق الذي ارتبط ارتباطا معاشيا بالنبي ﷺ وسمع خطبه وتوجيهاته مباشرة وشاهد سيرته بالعيان وعاشها بالإبصار ضعيف التمسك بدينه وقيمه، ومن المستبعد في العقل السليم أن يكون من عاش مع النبي صلى الله عليه سلم وعرف طريقة حديثه وكيفية بيانه ضعيف الإدراك لحقيقة ما جاء به من الدين مع ذلك الكمال في الفصاحة والنصح والبيان، فكيف يستقيم في العقل أن يكون النبي ﷺ في المنزلة العالية من الكمال وفي القمة المرتفعة من التأثير والبلاغة والفصاحة ثم مع ذلك لا يؤثر في من ارتبط به ولازمه وعاش معه سنوات عديدة.
فإن من عايش شخصا كاملا كالنبي ﷺ لا بد أن يتأثر به غاية التأثر ويتشرب مبادئه غاية التشرب، وتفتح عليه مغاليق العلم، فإذا كانت شخصية النبي ﷺ تؤثر في المستمعين لها وتحدث أثر بالغا في المطلعين عليها عن طريق القراءة، فكيف بمن عاش معه وسافر معه وأكل وشرب معه وحارب معه وصلى خلفه واستمع إلى قراءة القرآن منه مباشرة وجالسه وصادقه؟!! ألا يدل العقل السليم على أنه أولى بالتأثر من غير؟!!
وقد حلّقَ أبو الحسن الندوي بقرائه وارتفع بأذواقهم في وصف تأثير النبي ﷺ في الصحابة فقال: "الرسول ﷺ يغذِّي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحرراً من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسموات ... ولم يزل الرسول ﷺ يربيهم تربية دقيقة عميقة. ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم. ولم تزل مجالس الرسول ﷺ تزيدهم رسوخاً في الدين وعزوفاً عن الشهوات، وتفانياً في سبيل المرضاة، وحنيناً إلى الجنة، وحرصاً على العلم وفقهاً في الدين ومحاسبة للنفس. يطيعون الرسل في المنشط والمكره. وينفرون في سبيل الله خفافاً وثقالاً. قد خرجوا مع الرسول للقتال سبعاً وعشرين مرة في عشر سنين. وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مائة مرة. فهان عليهم التخلي عن الدنيا وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم. ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه. وبكل ما يشق على النفس إتيانه في المال والنفس والولد والعشيرة فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها ..... لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه ﷺ في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريباً في كل شيء: كان غريباً في سرعته وكان غريباً في عمقه وكان غريباً في سعته وشموله. وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم" (ماذا خر العالم بانحطاط المسلمين ١٠٢ - ١٠٤)
وهذا كله يجعل من المستبعد عقلا وواقعا أن يوجد أحد أصدق من الصحابة في التمسك بالإسلام أو يوجد أحد أعلم من الصحابة في إدراك حقيقة دين الإسلام ومعرفة أحكامه وتفاصيله.
الدليل الثاني: الحال السلوكي:
стр. 458
لعل من الأمور الملفتة في التاريخ أن مجمل تاريخ الصحابة نقل إلينا بشكل مفصل، بحيث إنا نستطيع من خلاله أن نتعرف على تفاصيل حياتهم ونقف على جزيئات أحوالهم، وهذا يسهل لنا مهمة التدليل على تفوقهم على غيرهم من الأجيال في صدق الإيمان بقيم الدين وعمق الإدراك لأحكامه ومقاصده، فالناظر في أحوال الصحابة وما كانوا عليه من العبادة والذكر والجهاد وقوة الإيمان والحب للرسول ﷺ والبذل في دينه والخضوع لأوامره والاجتهاد في طاعته، والحرص على تعلم دينه يدرك بسهولة أنه من المستبعد عقلا أن يكون أولئك القوم ضعفاء في الإيمان بمبادئ دينهم ومن المستبعد عقلا أن ينقلبوا على قيمه أو يتخلوا عن أصوله وشرائعه، ومن المستبعد عقلا أن يكونوا جهالا بمقاصده وأحكامه.
وقد نبه على قيمة هذا الدليل الخطيب البغدادي، وأكد على أنه دليل قائم بنفسه حتى ولو لم ترد النصوص الشرعية بفضائل الصحابة حيث يقول: " على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤن من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء" (الكفاية ٤٩).
وهذا الدليل اعتمده العقلاء والعظماء في الحكم على الناس، وجعلوه طريقا يحصلون به العلم بحالهم ويبنون عليه مواقفهم من الآخرين، وممن اعتمد عليه: هرقل -ملك الروم- فإنه لما أرسل إليه النبي ﷺ كتابه، استدعى من كان في بلاده من العرب، وسألهم أسئلة عديدة تتعلق بسلوك النبي وأحواله، فلما أجابوه بالصدق، اعترف بنبوته وصدقه في دعوته وقال: " لوددت أني أخلص إليه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين "، فقد استفاد هذا العاقل اللبيب علما جازما باطلاعه على أحوال النبي من غير أن يلقاه، ولا شك أن النبي أعلى قدرا من الصحابة ومن كل الخلق، ولكن غاية ما نريد الوصول إليه أنا نستطيع بالعقل أن نصل إلى العلم الجازم بعمق إيمان الصحابة بمبادئ دينهم وقيمه وقوة علمهم بالاعتماد على المسلك السلوكي لديهم.
ونحن إذا التزمنا بالعملية الصحيحة في الاستدلال - كما التزم بها ذلك اللبيب - نستطيع أن نقول بأنه من المستبعد في العقل أن الصحابة أكثرهم أو كلهم ارتدوا عن دينهم أو أنهم تخلوا عن قيمه، ونجزم بأنه من المستبعد في العقل أن يتراجعوا عن الفداءات التي قدموها بمجرد موت النبي ﷺ أو أن يضعفوا عن التمسك بأصول الإسلام وشرائعه، ومن المستبعد عقلا أن تكون مبادئ الجاهلية هي المؤثر الأول والأخير فيهم كما صور ذلك الجابري في كتابه العقل السياسي العربي.
الدليل الثالث: التفوق في المؤهلات:
العارف بحال الصحابة والمدرك لطبيعة علاقتهم بشأة دعوة الإسلام وملابستها الحالية والزمانية سيصل إلى أن لديهم مؤهلات تجعلهم يتفوقون على غيرهم في معرفة حقيقة الإسلام ويتبوؤن مكانة عالية في ملكة الفهم والاجتهاد والغوص في أعماقه، وقد سلط ابن تيمية الأضواء على خصائص الصحابة في المؤهلات المعرفية فقال: " وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك" (الفتاوى ١٩/ ٢٠٠).
стр. 459
وتوقف الشاطبي عند تلك المؤهلات كثيرا وأخذ يبين مستنداتها وموجبات الالتزام بها في كتاب المنهجي (الموافقات)، فقد أقام هذا الكتاب على أسس علمية عديدة منها: اعتبار فهم الصحابة لزوم الأخذ به وتقديمه على غيره في التصورات الشرعية؛ لأجل أنه سعى إلى شرح ما يختص بهم من أوصاف، وفي ذلك يقول: " وأما بيان الصحابة فإن أجمعوا على ما بينوه؛ فلا إشكال في صحته أيضًا ... وإن لم يجمعوا عليه؛ فهل يكون بيانهم حجة، أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين:
أحدهما: معرفتهم باللسان العربي؛ فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم؛ فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان؛ صح اعتماده من هذه الجهة.
والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة؛ فهم أقعد في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (٤/ ١٢٧).
مستلزمات عملية:
بعد الانتهاء من عرض المؤكدات الشرعية على تفوقات الصحابة وتفسير الدلائل العقلية والحالية على ذلك، فإن المنهجية العلمية الصلبة تستوجب على المتمسك بها في بناء تصوراته ومفاهيمه الدينية والتاريخية أمورا عملية عديدة، ومن تلك الأمور:
الأمر الأول: لزوم الرجوع إلى فهم الصحابة وإلى ما كانوا عليه من حالة دينية وسلوكية، فالمنهجية العملية البناءة تؤكد على المشاريع الإصلاحية الحرص على استجلاء الصورة الحقيقة التي تمثل ما كان عليه الصحابة، وتدعوا إلى السعي في جمع كل ما نقل عنهم من آثار صحيحة، وتحث على محاولة الكشف عن الأسس العلمية التي أقاموا عليها فهمهم للنصوص الشرعية، وبنوا عليها استنباطاتهم العلمية؛ لأنه يستطيع بذلك أن يقف على النموذج الكامل لتطبيق الإسلام، وبالتالي يتفوق في عمليته الإصلاحية، وهذه النتيجة صدع بها الإمام مالك منذ زمن مبكر في مقولته الشهيرة: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وقبل ذلك صرح النبي ﷺ بأن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة يحقق النجاة من الخطأ، وذلك حين سئل عن الفرقة الناجية فقال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي "، وهذا يؤكد على أن الصحابة يمثلون النموذج الكامل في الحالة الدينية والعلمية الشرعية.
الأمر الثاني: الاحتياط الشديد في نسبة الخروقات القيمية والأصولية إلى الصحابة، فالمنهجية العملية الصلبة تستوجب على الباحثين الحذر الشديد في نسبة أي أمر ينافي الصدق الإيماني التي تمتع به الصحابة أو يناقض الصلابة الدينية عندهم أو يقدح في العمق الإدراكي لديهم، وليس المراد بهذا التوصل إلى القول بعصمة الصحابة من الوقوع في المعاصي والذنوب، فهم ليسوا معصومين، وإنما المراد نسبة الأخطاء المتعلقة بأصول الإسلام وبقيمه الكبرى الواضحة.
وكما أن المنهجيات الناضجة تطالب بالاحتياط الشديد في نسبة أقوال لا تتوافق مع أحوال بعض المفكرين ولا تتماشى مع الظروف المحيطة بهم، ولا تنسجم مع العقلية التي يفكر بها، فكذلك هو الحال فيما يتعلق بالصحابة لابد أن تراعى جميع التفوقات التي امتازوا بها عن غيرهم.
إزهاقات تفوقات الصحابة:
مع ظهور الدلائل على تفوق جنس الصحابة على غيرهم في الحالة الدينية والعملية والسلوكية، إلا أنا نشهد مناقضات عديدة لتلك التفوقات ونقف على إزهاقات ظاهرة للدلالات البينة.
ومن أول ما نشهده من ذلك: المواقف التي يمارسها الفكر الشيعي الإمامي، فإن مواقفه من الصحابة تتنافى مع الدلالات الشرعية والعقلية، وتزهق الخواص الإيمانية والسلوكية لديهم.
стр. 460
ولكن ذلك ليس مستغربا من الحالة الشيعة الإمامية، فإن المتابع للتاريخ يدرك بسهولة أن الفكر الشيعي يعاني من عقدة " قابلية الانخراط في الخرافة "، فهو من أكثر المذاهب تداولا للأفكار التي تتناقض مع العقل، ومن أكثر المذاهب التي يربى فيها أتباعه على التعالي عن مقتضيات العقل السليم، حتى أن بعض من مارس العملية الفلسفية منهم لم يستطع أن يتخلص من آثار " القابلية للانخراط في الخرافة "، ومن الأمثلة البارزة على ذلك: الحالة التي مارسها محمد باقر الصدر، فقد بلغ قدرا كبيرا في الفلسفة العقلية، ولكنه ما زال يعتقد أن المهدي دخل السرداب منذ سنة ٢٦٠ للهجرة، وأنه باق إلى الآن، وأنه سيخرج في الزمن القادم، وغير ذلك من المسلمات الإمامية.
ولكن الغريب حقا أن يمارس تلك الإزهاقات كبار المفكرين العرب، ووجه الغرابة في ذلك: أن الخطاب العربي نادى بأصوات مرتفعة بالعقلانية العلمية، وشن حملة شعواء على من خالف العقل، وأقام حربا ضروسا على من لم يلتزم بمقتضى الدلالات العقلية في ممارساته التحليلية وبناءاته المعرفية.
ولكننا إذا رجعنا إلى تحليلات كثير منهم لمواقف الصحابة نجد أنهم لم يلتزموا بالمنهجية الصلبة، ولم يسيروا على مقتضيات العملية التحليلية الناضجة، بل وقعوا في مزاولات عديدة لا تتماشى مع العملية النقدية الصحيحة.
وسنضرب أمثلة على ما ذكره الجابري في كتابه " العقل العربي السياسي " ليتبين لنا صدق ما ذكرنا:
المثل الأول: حين حلل الجابري الطريقة التي استعملها الصحابة في تحديد الخليفة من بعد النبي ﷺ يوم السقيفة جعل القبيلة هي المؤثر الأول والأخير من منطلقاتهم، حيث يقول: " المرجعية التي حكمت الكيفية التي جرت بها الأمور عند بيعة أبي بكر خليفة للنبي، أو الكيفية التي قرنت بها مجريات ذلك البيعة لم تكن العقيدة ولا الغنيمة، وإنما الكلمة الأولى والأخيرة منطلق القبيلة، لقد حاول الأنصار الانفراد بالأمر دون المهاجرين، ولكن التناقضات القبلية الداخلية مزقت وحدتهم، وأضعفت موقفهم، فصار الأمر إلى المهاجرين" (العقل السياسي١٤٠)، بل إنه صور حال الأنصار بأن لديهم إرادة باستباق المهاجرين في اتخاذ قرر تحديد الخليفة (العقل السياسي١٣٢).
وقد تكرر هذا التفخيم لدور القبيلة عند محمد أركون، فإنه زعم بأنا نجهل الكثير عن حالة السقيفة، ثم أكد بأن المؤثر الأكبر واللاعب البارز فيها هي العنصرية القبلية، وأن الصحابة أخذوا يتصارعون في تحديد الخليفة بناءً على انتماءاتهم القبلية (تاريخية الفكر الإسلامي ٢٨٢).
ونحن إذا طالعنا هذا التحليل نجد فيه من الوهلة الأولى تجريدا للصحابة من القيم الإسلامية المحورية، وانتهاكا للخصوصية التربوية للصحابة، وتعاليا على الصلابة الدينية لديهم، وخرقا للقوة التأثرية لدى النبي ﷺ ، فقد كان من أبرز القيم التي جاء الإسلام بتقريرها: محاربة الجاهلية وانتزاعها من قلوب الناس، وإزالة التأثيرات القبلية في تصرفاتهم الحياتية والدينية، فمن المستبعد عقلا أن يتخلى الصحابة عن تلك القيم بمجرد موت النبي ﷺ ويكون للقبيلة التأثير الأكبر في قضية من أكبر القضايا الشرعية لديهم.