← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فالتاريخ يكشف لنا بصورة قاطعة مدى ارتباط الصحابة بالنبي ﷺ في حياتهم، فقد كانوا محيطين به لا يفارقونه في حضر أو سفر ويلازمونه في المسجد وفي البستان ويلتقون به في كل يوم لا يغيب عنهم ولا يغيبون عنه، وهذا الارتباط من أقوى الأدلة العقلية والواقعية التي تدل على منزلة الصحابة في فهم الدين وعلى عمق إيمانهم بقيمه وأصوله وشرائعه وعلى صلابة تدينهم وتمسكهم به؛ لأن الله تعالى اختار لخاتم أديانه وأكملها وأوسعها أكمل الخلق في المؤهلات المستوجبة لتبليغ الدين العظيم وغرسه في قلوب الناس ومشاعرهم، فهو ﷺ أعلم الناس بالدين وبلغة العرب وهو أفصح الناس في البيان وهو أنصح الناس للناس وأحرصهم على الهداية، وهذه الأوصاف الثلاث متوفرة فيه في غاية الكمال. وفي شرح هذه الكمالات وغيرها يقول ابن تيمية: " معلوم للمؤمنين أن رسول الله ﷺ أعلم من غيره وأنصح من غيره للأمة وأفصح من غيره عبارة وبيانا، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة. ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان. والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين" (الفتاوى ٥/ ٣١). وفضلا عن ذلك ما وهبه الله من الكمالات التي اتصف بها والمواهب الإلهية التي تفيض عليه جراء اتصاله بالوحي الرباني، وهذا الأحوال تستوجب على المحيطين به الاستغراق في التفاني في محبته، والتعلق به والاندماج في التأسي بما بنصائحه وتوجيهاته، وقد وصف عروة بن مسعود يوم كان مشركا حب الصحابة للنبي ﷺ وتعظيمهم له فقال: " والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا ﷺ " (مسند الإمام أحمد ١٨٩٢٨). وهذا التأثير يعد من الكرامات الإلهية التي اختص الله بها نبيه ﷺ , وقد اعترف به القاضي والداني، وفي توصيفه يقول حسن البنا: " تأثير النبي ﷺ في أصحابه لم يرى التاريخ مثله في وقت من أوقاته ولا صفحة من صفحاته، وما رأت الدنيا جماعة من الجماعات سارت على هدى نبيها واتبعت سنة قائدها كتلك الجماعة المؤمنة المخلصة من أصحاب النبي ﷺ "، ويقول ول ديورانت - وهو من أصحاب الانطباعات غير الجيدة عن الإسلام ونبيه - ومع هذا يقر بالعظمة التأثيرية للنبي ﷺ فيقول: " إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر قلنا إن محمدا كان م أعظم عظماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله " (قصة الحضارة ١٣/ ٤٧). ويسجل مستشرق آخر تأكيده على القوة التأثيرية للنبي ﷺ ، فيقول هارث: " إن اختياري لمحمد ليكون في رأس القائمة التي تضم الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات ربما أدهش كثيرا من القراء ... ولكن في اعتقادي أن محمدا كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والسياسي (قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل ١٤٥).

стр. 457

فإذا كان النبي ﷺ يمتلك تلك القوة التأثيرية نتيجة الكمالات والمواهب الإلهية التي حلت به فإنه من المستبعد عقلا وذوقا ومنطقا ألا يستطيع أن يؤثر في من عاش معه ولازمه في حياته وأسفاره وحروبه، ولا يستطيع أن يغرس فيهم قيم الدين وأصوله والتقبل لشرائعه وينتزع من نفوسهم مبادئ الجاهلية. فالمنسجم مع العقل السليم والمتوافق مع المنهجيات التحليلية المنضبطة أن يكون تأثيره فيهم أبلغ تأثير وتغييره فيهم أعمق تغيير. ومن المستبعد عقلا وذوقا ومنطقا أن يكون المؤمن الصادق الذي ارتبط ارتباطا معاشيا بالنبي ﷺ وسمع خطبه وتوجيهاته مباشرة وشاهد سيرته بالعيان وعاشها بالإبصار ضعيف التمسك بدينه وقيمه، ومن المستبعد في العقل السليم أن يكون من عاش مع النبي صلى الله عليه سلم وعرف طريقة حديثه وكيفية بيانه ضعيف الإدراك لحقيقة ما جاء به من الدين مع ذلك الكمال في الفصاحة والنصح والبيان، فكيف يستقيم في العقل أن يكون النبي ﷺ في المنزلة العالية من الكمال وفي القمة المرتفعة من التأثير والبلاغة والفصاحة ثم مع ذلك لا يؤثر في من ارتبط به ولازمه وعاش معه سنوات عديدة. فإن من عايش شخصا كاملا كالنبي ﷺ لا بد أن يتأثر به غاية التأثر ويتشرب مبادئه غاية التشرب، وتفتح عليه مغاليق العلم، فإذا كانت شخصية النبي ﷺ تؤثر في المستمعين لها وتحدث أثر بالغا في المطلعين عليها عن طريق القراءة، فكيف بمن عاش معه وسافر معه وأكل وشرب معه وحارب معه وصلى خلفه واستمع إلى قراءة القرآن منه مباشرة وجالسه وصادقه؟!! ألا يدل العقل السليم على أنه أولى بالتأثر من غير؟!! وقد حلّقَ أبو الحسن الندوي بقرائه وارتفع بأذواقهم في وصف تأثير النبي ﷺ في الصحابة فقال: "الرسول ﷺ يغذِّي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحرراً من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسموات ... ولم يزل الرسول ﷺ يربيهم تربية دقيقة عميقة. ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم. ولم تزل مجالس الرسول ﷺ تزيدهم رسوخاً في الدين وعزوفاً عن الشهوات، وتفانياً في سبيل المرضاة، وحنيناً إلى الجنة، وحرصاً على العلم وفقهاً في الدين ومحاسبة للنفس. يطيعون الرسل في المنشط والمكره. وينفرون في سبيل الله خفافاً وثقالاً. قد خرجوا مع الرسول للقتال سبعاً وعشرين مرة في عشر سنين. وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مائة مرة. فهان عليهم التخلي عن الدنيا وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم. ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه. وبكل ما يشق على النفس إتيانه في المال والنفس والولد والعشيرة فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها ..... لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه ﷺ في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريباً في كل شيء: كان غريباً في سرعته وكان غريباً في عمقه وكان غريباً في سعته وشموله. وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم" (ماذا خر العالم بانحطاط المسلمين ١٠٢ - ١٠٤) وهذا كله يجعل من المستبعد عقلا وواقعا أن يوجد أحد أصدق من الصحابة في التمسك بالإسلام أو يوجد أحد أعلم من الصحابة في إدراك حقيقة دين الإسلام ومعرفة أحكامه وتفاصيله. الدليل الثاني: الحال السلوكي:

стр. 458

لعل من الأمور الملفتة في التاريخ أن مجمل تاريخ الصحابة نقل إلينا بشكل مفصل، بحيث إنا نستطيع من خلاله أن نتعرف على تفاصيل حياتهم ونقف على جزيئات أحوالهم، وهذا يسهل لنا مهمة التدليل على تفوقهم على غيرهم من الأجيال في صدق الإيمان بقيم الدين وعمق الإدراك لأحكامه ومقاصده، فالناظر في أحوال الصحابة وما كانوا عليه من العبادة والذكر والجهاد وقوة الإيمان والحب للرسول ﷺ والبذل في دينه والخضوع لأوامره والاجتهاد في طاعته، والحرص على تعلم دينه يدرك بسهولة أنه من المستبعد عقلا أن يكون أولئك القوم ضعفاء في الإيمان بمبادئ دينهم ومن المستبعد عقلا أن ينقلبوا على قيمه أو يتخلوا عن أصوله وشرائعه، ومن المستبعد عقلا أن يكونوا جهالا بمقاصده وأحكامه. وقد نبه على قيمة هذا الدليل الخطيب البغدادي، وأكد على أنه دليل قائم بنفسه حتى ولو لم ترد النصوص الشرعية بفضائل الصحابة حيث يقول: " على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤن من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء" (الكفاية ٤٩). وهذا الدليل اعتمده العقلاء والعظماء في الحكم على الناس، وجعلوه طريقا يحصلون به العلم بحالهم ويبنون عليه مواقفهم من الآخرين، وممن اعتمد عليه: هرقل -ملك الروم- فإنه لما أرسل إليه النبي ﷺ كتابه، استدعى من كان في بلاده من العرب، وسألهم أسئلة عديدة تتعلق بسلوك النبي وأحواله، فلما أجابوه بالصدق، اعترف بنبوته وصدقه في دعوته وقال: " لوددت أني أخلص إليه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين "، فقد استفاد هذا العاقل اللبيب علما جازما باطلاعه على أحوال النبي من غير أن يلقاه، ولا شك أن النبي أعلى قدرا من الصحابة ومن كل الخلق، ولكن غاية ما نريد الوصول إليه أنا نستطيع بالعقل أن نصل إلى العلم الجازم بعمق إيمان الصحابة بمبادئ دينهم وقيمه وقوة علمهم بالاعتماد على المسلك السلوكي لديهم. ونحن إذا التزمنا بالعملية الصحيحة في الاستدلال - كما التزم بها ذلك اللبيب - نستطيع أن نقول بأنه من المستبعد في العقل أن الصحابة أكثرهم أو كلهم ارتدوا عن دينهم أو أنهم تخلوا عن قيمه، ونجزم بأنه من المستبعد في العقل أن يتراجعوا عن الفداءات التي قدموها بمجرد موت النبي ﷺ أو أن يضعفوا عن التمسك بأصول الإسلام وشرائعه، ومن المستبعد عقلا أن تكون مبادئ الجاهلية هي المؤثر الأول والأخير فيهم كما صور ذلك الجابري في كتابه العقل السياسي العربي. الدليل الثالث: التفوق في المؤهلات: العارف بحال الصحابة والمدرك لطبيعة علاقتهم بشأة دعوة الإسلام وملابستها الحالية والزمانية سيصل إلى أن لديهم مؤهلات تجعلهم يتفوقون على غيرهم في معرفة حقيقة الإسلام ويتبوؤن مكانة عالية في ملكة الفهم والاجتهاد والغوص في أعماقه، وقد سلط ابن تيمية الأضواء على خصائص الصحابة في المؤهلات المعرفية فقال: " وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك" (الفتاوى ١٩/ ٢٠٠).

стр. 459

وتوقف الشاطبي عند تلك المؤهلات كثيرا وأخذ يبين مستنداتها وموجبات الالتزام بها في كتاب المنهجي (الموافقات)، فقد أقام هذا الكتاب على أسس علمية عديدة منها: اعتبار فهم الصحابة لزوم الأخذ به وتقديمه على غيره في التصورات الشرعية؛ لأجل أنه سعى إلى شرح ما يختص بهم من أوصاف، وفي ذلك يقول: " وأما بيان الصحابة فإن أجمعوا على ما بينوه؛ فلا إشكال في صحته أيضًا ... وإن لم يجمعوا عليه؛ فهل يكون بيانهم حجة، أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين: أحدهما: معرفتهم باللسان العربي؛ فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم؛ فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان؛ صح اعتماده من هذه الجهة. والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة؛ فهم أقعد في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (٤/ ١٢٧). مستلزمات عملية: بعد الانتهاء من عرض المؤكدات الشرعية على تفوقات الصحابة وتفسير الدلائل العقلية والحالية على ذلك، فإن المنهجية العلمية الصلبة تستوجب على المتمسك بها في بناء تصوراته ومفاهيمه الدينية والتاريخية أمورا عملية عديدة، ومن تلك الأمور: الأمر الأول: لزوم الرجوع إلى فهم الصحابة وإلى ما كانوا عليه من حالة دينية وسلوكية، فالمنهجية العملية البناءة تؤكد على المشاريع الإصلاحية الحرص على استجلاء الصورة الحقيقة التي تمثل ما كان عليه الصحابة، وتدعوا إلى السعي في جمع كل ما نقل عنهم من آثار صحيحة، وتحث على محاولة الكشف عن الأسس العلمية التي أقاموا عليها فهمهم للنصوص الشرعية، وبنوا عليها استنباطاتهم العلمية؛ لأنه يستطيع بذلك أن يقف على النموذج الكامل لتطبيق الإسلام، وبالتالي يتفوق في عمليته الإصلاحية، وهذه النتيجة صدع بها الإمام مالك منذ زمن مبكر في مقولته الشهيرة: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وقبل ذلك صرح النبي ﷺ بأن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة يحقق النجاة من الخطأ، وذلك حين سئل عن الفرقة الناجية فقال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي "، وهذا يؤكد على أن الصحابة يمثلون النموذج الكامل في الحالة الدينية والعلمية الشرعية. الأمر الثاني: الاحتياط الشديد في نسبة الخروقات القيمية والأصولية إلى الصحابة، فالمنهجية العملية الصلبة تستوجب على الباحثين الحذر الشديد في نسبة أي أمر ينافي الصدق الإيماني التي تمتع به الصحابة أو يناقض الصلابة الدينية عندهم أو يقدح في العمق الإدراكي لديهم، وليس المراد بهذا التوصل إلى القول بعصمة الصحابة من الوقوع في المعاصي والذنوب، فهم ليسوا معصومين، وإنما المراد نسبة الأخطاء المتعلقة بأصول الإسلام وبقيمه الكبرى الواضحة. وكما أن المنهجيات الناضجة تطالب بالاحتياط الشديد في نسبة أقوال لا تتوافق مع أحوال بعض المفكرين ولا تتماشى مع الظروف المحيطة بهم، ولا تنسجم مع العقلية التي يفكر بها، فكذلك هو الحال فيما يتعلق بالصحابة لابد أن تراعى جميع التفوقات التي امتازوا بها عن غيرهم. إزهاقات تفوقات الصحابة: مع ظهور الدلائل على تفوق جنس الصحابة على غيرهم في الحالة الدينية والعملية والسلوكية، إلا أنا نشهد مناقضات عديدة لتلك التفوقات ونقف على إزهاقات ظاهرة للدلالات البينة. ومن أول ما نشهده من ذلك: المواقف التي يمارسها الفكر الشيعي الإمامي، فإن مواقفه من الصحابة تتنافى مع الدلالات الشرعية والعقلية، وتزهق الخواص الإيمانية والسلوكية لديهم.

стр. 460

ولكن ذلك ليس مستغربا من الحالة الشيعة الإمامية، فإن المتابع للتاريخ يدرك بسهولة أن الفكر الشيعي يعاني من عقدة " قابلية الانخراط في الخرافة "، فهو من أكثر المذاهب تداولا للأفكار التي تتناقض مع العقل، ومن أكثر المذاهب التي يربى فيها أتباعه على التعالي عن مقتضيات العقل السليم، حتى أن بعض من مارس العملية الفلسفية منهم لم يستطع أن يتخلص من آثار " القابلية للانخراط في الخرافة "، ومن الأمثلة البارزة على ذلك: الحالة التي مارسها محمد باقر الصدر، فقد بلغ قدرا كبيرا في الفلسفة العقلية، ولكنه ما زال يعتقد أن المهدي دخل السرداب منذ سنة ٢٦٠ للهجرة، وأنه باق إلى الآن، وأنه سيخرج في الزمن القادم، وغير ذلك من المسلمات الإمامية. ولكن الغريب حقا أن يمارس تلك الإزهاقات كبار المفكرين العرب، ووجه الغرابة في ذلك: أن الخطاب العربي نادى بأصوات مرتفعة بالعقلانية العلمية، وشن حملة شعواء على من خالف العقل، وأقام حربا ضروسا على من لم يلتزم بمقتضى الدلالات العقلية في ممارساته التحليلية وبناءاته المعرفية. ولكننا إذا رجعنا إلى تحليلات كثير منهم لمواقف الصحابة نجد أنهم لم يلتزموا بالمنهجية الصلبة، ولم يسيروا على مقتضيات العملية التحليلية الناضجة، بل وقعوا في مزاولات عديدة لا تتماشى مع العملية النقدية الصحيحة. وسنضرب أمثلة على ما ذكره الجابري في كتابه " العقل العربي السياسي " ليتبين لنا صدق ما ذكرنا: المثل الأول: حين حلل الجابري الطريقة التي استعملها الصحابة في تحديد الخليفة من بعد النبي ﷺ يوم السقيفة جعل القبيلة هي المؤثر الأول والأخير من منطلقاتهم، حيث يقول: " المرجعية التي حكمت الكيفية التي جرت بها الأمور عند بيعة أبي بكر خليفة للنبي، أو الكيفية التي قرنت بها مجريات ذلك البيعة لم تكن العقيدة ولا الغنيمة، وإنما الكلمة الأولى والأخيرة منطلق القبيلة، لقد حاول الأنصار الانفراد بالأمر دون المهاجرين، ولكن التناقضات القبلية الداخلية مزقت وحدتهم، وأضعفت موقفهم، فصار الأمر إلى المهاجرين" (العقل السياسي١٤٠)، بل إنه صور حال الأنصار بأن لديهم إرادة باستباق المهاجرين في اتخاذ قرر تحديد الخليفة (العقل السياسي١٣٢). وقد تكرر هذا التفخيم لدور القبيلة عند محمد أركون، فإنه زعم بأنا نجهل الكثير عن حالة السقيفة، ثم أكد بأن المؤثر الأكبر واللاعب البارز فيها هي العنصرية القبلية، وأن الصحابة أخذوا يتصارعون في تحديد الخليفة بناءً على انتماءاتهم القبلية (تاريخية الفكر الإسلامي ٢٨٢). ونحن إذا طالعنا هذا التحليل نجد فيه من الوهلة الأولى تجريدا للصحابة من القيم الإسلامية المحورية، وانتهاكا للخصوصية التربوية للصحابة، وتعاليا على الصلابة الدينية لديهم، وخرقا للقوة التأثرية لدى النبي ﷺ ، فقد كان من أبرز القيم التي جاء الإسلام بتقريرها: محاربة الجاهلية وانتزاعها من قلوب الناس، وإزالة التأثيرات القبلية في تصرفاتهم الحياتية والدينية، فمن المستبعد عقلا أن يتخلى الصحابة عن تلك القيم بمجرد موت النبي ﷺ ويكون للقبيلة التأثير الأكبر في قضية من أكبر القضايا الشرعية لديهم.

стр. 461

ثم إن لو حاكمنا ذلك التحليل إلى المعروف من عادات العرب في المنازعات القبلية لا نجده متوافقا معها، ولا منسجما مع مجرياتها، فمن المعلوم أن الاختلافات المتعلقة بالقبيلة عند العرب من أصعب الاختلافات ولا تكاد تنتهي إلا بعد مفاوضات طويلة ومعقدة، وغالبا لا تنتهي إلا بإسالة الدماء وإزهاق الأرواح، ولكن الحوار الذي دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة انتهى بشكل انسيابي وفي زمن قياسي، فهل من المقبول عقلا أن يحصل ذلك بينهم - وهم عرب أقحاح - لو كان المحرك الأول والأخير فيهم هو المحرك القبلي فقط؟! أليس هذا خارجا عما هو معروف من عادات العرب ومتنافر عما هو الغالب لديهم؟!. والذي أوقع الجابري في مثل هذه المخالفة غفلته عن الخصوصية النوعية لجيل الصحابة ونوعية المصادر التي اعتمد عليها في معرفة ما دار بين الصحابة كما سيأتي التنبيه عليه. المثل الثاني: توصل الجابري إلى أن عليا ﵁ دفع ثمن موقفه من بيعة أبي بكر، وذكر أن:" المصادر تسكت تماما عن علي ابن أبي طالب زمن أبي بكر، وكأنه لا وجود له" (العقل السياسي١٤٣)، وهذا التحليل فضلا عن أنه مخالف للدلالات العقلية التي تؤكد على صعوبة تصور أن يقع مثل هذا الفعل من أبي بكر ومن كبار الصحابة، ولا يصح لنا أن ننسب إلى أبي بكر مثل هذا التصرف السطحي إلا بأدلة قوية، وهذا ما لم يقدمه الجابري في تحليله السابق. ومع ذلك فهو أيضا مخالف لما هو منقول في كتب الحديث والتاريخ من سيرة علي ﵁ في هذه المدة، فقد ذكر ابن كثير أن عليا ممن خرج مع أبي بكر إلى ذي القصة لما ارتد أهلها، وذكر أن أبا بكر جعل عليا أحد القادة الذين يحمون مداخل المدينة مع طلحة والزبير وعبد الله ابن مسعود (البداية والنهاية ٦/ ٣٣٤). وجاء أن أبا بكر العصر بعد وفاة النبي ﷺ بليال وعلي ابن أبي طالب يمشي إلى جنبه، فمر بحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته وهو يقول أوه بأبي شبه النبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك" (المسند ٤٠, وإسناده صحيح). ثم إن فترة خلافة أبي بكر اتسمت بالقصر وبوقوع أحداث كبيرة سيطرة على المؤرخين فلم يهتموا بنقل الأحداث الفردية، ومن يطالع تاريخ خلافة أبي بكر يجد أن كثيرا من كبار الصحابة لم يكن له ذكر كعثمان بن عفان وغيره. وبناء على هذه الدلائل فضلا عما تم تقديمه من أدلة عقلية على نزاهة الصحاب من حدوث مثل تلك التصرفات يتبين أن الجابري لم يوفق في تحليله ولم يسلك الطريقة الصحيحة في تبين الأمور واكتشافها على حقيقتها المطابقة للتاريخ. المثل الثالث: صور الجابري للقاري العربي حالة الشورى التي كانت بعد موت عمر ﵁ على أنه ثمة صراعا محتدما بين علي وعثمان، وأنهما استصحبوا الصراع الجاهلي بين قبائلهم، حيث يقول: " وقائع الشورى تؤكد أن الصراع كان بالفعل شديدا بين علي وأنصاره وعثمان وأهله، أي بين بني هاشم وبني أمية، غنه الصراع نفسه الذي كان قائما بينهما في الجاهلية، الذي غطى عنه الإسلام لمدة من الزمن ليبعث بأقوى مما كان عليه" (العقل السياسي ١٤٦).

стр. 462

وابتداءً نحن لا ننكر أن ثمة خلافا في وجهات النظر حصل بين الصحابة ﵃ في تحديد الخليفة بعد عمر، وهو من جنس الخلاف الذي حصل بينهم في خلافة أبي بكر، ولكن التعاطي الذي مارسه الجابري مع قضية الشورى، يتعارض على طول الخط مع الأدلة العقلية والحالية التي تؤكد على أن حدوث هذه الصراعات القبلية مستبعدة في العقل، ولا يكاد المدرك لتلك الأدلة أن يتقبل التحليل الذي مارسه الجابري عن الصحابة في الشورى، ويصعب عليه جدا أن يأخذ به، فعلي وعثمان من كبار الصحابة الذين ارتبطوا بالنبي ﷺ ارتباطا روحيا ومعاشيا كبيرا، فمن المستبعد عقلا أن يتخلوا عن القيم الذي غرست في أنفسهم لأجل الخلافة، ومن المستبعد عقلا أن يرجعوا إلى الحالية الجاهلية التي حاربها الإسلام بشكل مكثف، وهذا الاستبعاد لا يصح أن ننتقل عنه إلا بأدلة قوية جدا، وهذا ما لم يقدمه الجابري في تحليله السابق. ثم إن السؤال يعود هنا مرة أخرى، هل من المعروف من عادات العرب أن تنتهي المنازعات القبلية بينهم بمثل الصورة التي كانت بين الصحابة، فقد انتهت مهمة الشورى في ثلاثة أيام فقط، وعين عثمان ابن عفان خليفة للمسلمين، ولم يعترض علي ولا أحد من بني هاشم، ولم يقيموا كتلا سياسية معارضة، بل يذكر التاريخ أن عليا كان على وفاق تام مع عثمان، وكذلك هو الحال في كل بني هاشم. وقد أكدت روايات عديدة على أن الرأي العام في آخر أيام عمر بن الخطاب كان متوجها إلى بيعة عثمان بن عفان، فقد سأل عمر حذيفة بن اليمان في الحج فقال: من ترى قومك مؤمرين من بعدي؟ قال حذيفة: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان بن عفان" (تاريخ المدينة ابن شبة٣/ ٣٩٢، بسند صحيح)،وقال خارجة بن مضرب: "حججتُ مع عمر فلم يكونوا يشكُون أن الخلافة من بعده لعثمان" (المصنف, ابن أبي شيبة٣٨٢٣٠, بسند صحيح). ثم ما صوره الجابري من خلافات سياسية بين بني هاشم وبين أمية في عهد كبار الصحابة غير صحيح، فإنه لم يكن بينهم شيئا من مخلفات الجاهلية، وكان كثيرا من ولاة النبي ﷺ من بني أمية، وقد تزوج منهم وهم تزوجوا من بني هاشم، وهذا كله يدل على أن الإسلام اقتلع مخلفات الجاهلية من نفوسهم وهذا الدلائل فضلا عما سبق تقديمه من الأدلة العقلية والحالية كلها تدل على خلاف ما توصل إليه الجابري حين صور أن الصحابة تخلوا عن قيم الإسلام ورجعوا إلى مبادئ الجاهلية بعد موت النبي ﷺ . المثل الرابع: أن الجابري عول كثيرا على المصادر المشكوك فيها في تحليل الحوادث الواقعة في جيل الصحابة، فقد اعتمد كثيرا على كتاب " الإمامة والسياسة", وتكرر ذكره في كتابه "العقل السياسي" أكثر من خمس وثلاثين مرة، واعتمد عليه وحده في أكثر من عشرين مرة، وكان أحد ما اعتمد عليه في نقل تفاصيل ما حدث بين الصحابة يوم السقفية. وهذا الاعتماد من الجابري مخالف للمنهجية العملية الصلبة التي تستوجبها حالة جيل الصحابة، فهذا الجيل قامت الأدلة العقلية والحالية على تفوقه الإيماني والعلمي وعلى صلابته في التمسك بالقيم الإسلامية، وهذه الحالة تحتم الاحتياط الشديد في نسبة أي موقف يخالف ذلك، فهل من الاحتياط الشديد أن نعتمد على كتاب مشكوك في نسبته، وهل من الالتزام بالمنهجية العملية التحليلية أن نبادر إلى إزهاق تفوقات الصحابة بالاعتماد على مثل كتاب الإمامة والسياسة، المنسوب إلى ابن قتيبة. والغريب حقا أن الجابري نفسه متوجس من صحة نسبة ذلك الكتاب ابن قتيبة، فإنه قال عنه: " لعل أقدم كتاب وصلنا في هذا الموضوع -الإمامة- هو كتاب الإمامة والسياسة، المنسوب إلى المؤرخ الكبير والمؤلف السني الواسع الإطلاع أبي محمد عبدالله ابن قتيبة الدينوري، وعلى الرغم من الشكوك التي تحوم حول صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن قتيبة، وعلى الرغم من الهنات والأخطاء التي سجلها عليه الباحثون المختصون، فإنه يبقى مع ذلك أول محاولة سنية في الكلام في الإمامة " (تكوين العقل العربي١٠٨). فهل يجوز في المنهجيات العلمية الصارمة التي تراعي الأحوال المحيطة بالقضية ولا تغفل عن الاحتياط الشديدة التي توجبها الأدلة المحيطة بها أن نعتمد على مثل كتاب الإمامة والسياسة؟!

стр. 463

إيقاف القنوات الإسلامية ... الأسباب والحلول د. مالك الأحمد ١٧ذي القعدة١٤٣١هـ لم يكن إيقاف بعض القنوات الإسلامية مفاجئاً للمراقب الإعلامي .. كانت المفاجأة بكثرة القنوات التي أوقفت والأخرى التي أنذرت في وقت واحد البداية كانت مع قناة الرحمة والتي يديرها ويقدم الكثير من برامجها الشيخ محمود حسان قبل ٦ أشهر .. كان الإيقاف بطلب من هيئة مراقبة البث السمعي البصري الفرنسية بدعوى اللاسامية وتعرضها لليهود .. وسبق لهذه الهيئة إيقاف قناة المنار (الشيعية) لنفس الأسباب عندما كانت تبث على قمر أوروبي (مازالت تبث على النيل سات!!) القناة عاودت البث باسم جديد "نسائم الرحمة" حتى تعرضت - مع أخواتها - للإغلاق للمرة الثانية .. من المهم استحضار وثيقة البث الفضائي العربية, والتي أقرها وزراء الإعلام قبل سنتين وتضمنت بعض البنود الإيجابية, والكثير من البنود السلبية, وتحفظت عليها قطر ولبنان: من البنود الإيجابية: عدم التأثير سلباً على السلم الاجتماعي, والوحدة الوطنية, والنظام العام, والآداب العامة، والامتناع عن التحريض على الكراهية, أو التمييز القائم على أساس الأصل العرقي, أو اللون, أو الجنس, أو الدين، وحماية الأطفال والناشئة في كل ما يمكن أن يمس بنموهم البدني والذهني والأخلاقي, أو يحرضهم على فساد الأخلاق، والامتناع عن بث كل ما يسيء إلى الذات الإلهية, والأديان السماوية, والرسل, والمذاهب, والرموز الدينية الخاصة بكل فئة ... وهي بنود ممتازة لكن يعيبها عدم التطبيق على الواقع. من البنود الأخرى: الامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب ... الالتزام بالموضوعية والأمانة, واحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية, وعدم تناول قادتها أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح .... وهي عبارات مطاطة يسهل تطبيقها على القنوات التي لا تعجب الجهة المنظمة للبث لأنها هي التي تمتلك حق التفسير .. الوثيقة أعطت الجهات المنظمة للبث (وزارات الإعلام، مدن الإنتاج، شركات الأقمار الصناعية) الأدوات اللازمة للضبط وإيقاع العقاب. من المهم استحضار التطورات السياسية في المنطقة والتي - لا شك - أثرت على موضوع القنوات الإسلامية هناك تقارب مصري إيراني عراقي .. بمعنى آخر هناك مصالح متبادلة تتطلب من الجهتين السنية والشيعية مراعاة مصالح الطرف الآخر .. هذه المراعاة والمجاملة (المبنية على المصالح وليس المبادئ, حيث أن لمصر موقف صريح وواضح من نشر التشيع في مصر, وجهوده على الأراضي المصرية) .. تطلبت أمرين: الأول: السماح لعدد كبير من القنوات الشيعية العراقية والكويتية (أكثر من ٢٠ قناة) , وأيضاً تتبع القنوات السلفية التي تحاور - وليست تهاجم الفكر الشيعي- وبطريقة لطيفة محببة (قناة صفا على سبيل المثال) البعد الثاني في القضية: هو الأثر الملموس للقنوات الإسلامية (بالذات السلفية) على الجمهور المصري وما أثمره من حركة تدين واسعة، لا شك أنها تزعج الفئات العلمانية سواء التي في السلطة, أو المسيطرة على الإعلام حتى لو كان تدين هذه الفئات مسالم ولا يحمل أي توجه عنف أو مواجهة. لا ننسى أهل الشهوات من أصحاب الأفلام المسمومة, والذين مافتئوا يستفزون المسئولين, ويحرضون على القنوات الإسلامية بدعاوى باطلة كيدية, مستغلين حضورهم الإعلامي القوي ومواقع النفوذ التي يمتلكونها هنا وهناك

стр. 464

إن نجاح القنوات الإسلامية أقض مضاجع البعض, وجعلهم يسارعون للتحرك رغم أن العملية (وهي السماح لهذه القنوات بالبث) نوع من التوازن مع القنوات الأخرى المنفلتة - وهي بالمئات - سواءاً الحكومية أو الخاصة, وهذه القنوات لم تحصل على تراخيص بصفتها قنوات دينية (تمنع النيل سات القنوات الدينية) بل بصفتها اجتماعية ثقافية منوعة, ومع ذلك تم السماح لبعض القنوات النصرانية (بعد ضغوط متوالية من الكنيسة القبطية) والتي تجاهر بنصرانيتها وبعدها الديني بلا مواربة كما لا ننسى الضغوط الأمريكية على المنطقة حيث فشل إعلامها العربي (قناة الحرة) (خصوصاً أن بعض القنوات الإسلامية تؤيد مقاومة الاحتلال الأمريكي سواء في العراق أو أفغانستان)، وهذه الضغوط ليست مباشرة بقدر ما هي ملاحظات لأصحاب القرار للانتباه (والحر تكفيه الإشارة كما يقولون). مبررات الإغلاق التي ذكرت من الجهات الرسمية (وزارة الإعلام، النيل سات) لم تكن مقنعة, وليست منطقية ابتداءاً .. "لتنقية الفضاء العربي من دعاوى الفتنة والجهل والتطرف والانحراف ". ... " تستهدف في مجملها الحفاظ على قيم المجتمع المصري والعربي ". ... "سعت بعض هذه القنوات إلى التكسب من خلال نشر طب بديل, مبني على الدجل والشعوذة تحت ساتر الدين والتشبث بالرسول ﷺ ". ... " نشر هذه الخرافات, وخداع المتلقي المصري والعربي بوصفات تعتمد على الدجل والخرافة, فضلاً عن الترويج للمنشطات الجنسية, وطرق العلاج بالحجامة " أما ما ذكر من شروط لإعادة البث والذي يتضمن التدخل في محتوى القنوات (لم يتم التأكد من صحة هذه المطالبات) فلا أظن عاقلاً - فضلاً عن مسئول عن قطاع إعلامي - يؤمن بها, بل ويطالب القنوات الإسلامية الالتزام بها!! .. " لا تتعدى مساحة البرامج الإسلامية في القناة أكثر من ٥٠% من خريطة القناة. أن لا تكون هناك برامج للفتوى الشرعية مهما كان ضيف البرنامج. تخصيص مساحة كافية لإذاعة أفلام, أو أغنيات, أو مسرحيات. إشراك عناصر نسائية صوتاً وصورة في الخريطة البرامجية الجديدة ... " أما في جانب الحلول - في نظري - بالنسبة للقنوات الإسلامية (جميعها) فالمطلوب التالي: مراقبة المحتوى بدقة, والتأكد من عدم مخالفة وثيقة الشروط (بشكل عام) أي شروط التعاقد مع جهة البث. أيضاً الحكمة في معالجة بعض القضايا المعاصرة ذات العلاقة بالطوائف, أو اليهود, أو النصارى, ولا يعني هذا إغلاق هذه الملفات بقدر ما هو التعامل معها بذكاء وروية مراقبة الإعلانات التجارية والتي لا يخلو بعضها من مبالغة وأحياناً كذب (رأيت بعض اً منها في بعض القنوات) وهي وإ ن كانت قليلة فالأولى عدم عرضها, ويعوض الله خيراً منها الاستعداد الفني للانطلاق من خلال أقمار أخرى, والفضاء اليوم فيه من التنافس الشيء الكثير .. هناك أقمار آسيوية تغطي المنطقة العربية وهي - في ظني - أقل حساسية من العربية والأوروبية أيضاً الاستعداد الفني الكامل للبث من خلال الانترنت خصوصاً مع توفر سرعات اتصال معقولة لدى الكثير من الأسر وبسعر معقول، علماً بأن الدراسات والبحوث تشير إلى حلول البث التلفزيوني من خلال الانترنت محل البث عبر الستالايت خلال بضع سنوات (٥ - ١٠ سنوات). التنسيق والتعاون بين القنوات الإسلامية بحيث يسد البعض مكان الآخر, ولا يتم التفرد بهذه القنوات بشكل فردي (أكلت يوم أكل الثور الأبيض!!) وهذا في الجانب الفني وأيضاً المحتوى، والبعد عن التنافس السلبي. الاقتراح الأخير: لابد من وجود مقرات ومكاتب واستوديوهات في أماكن مناسبة (خارج العالم العربي) تكون رديفة وبديل في حال إغلاق الاستوديوهات والمقرات الإدارية, والانتقال السلس والسريع للبث من خلال أقمار أخرى غير مسيسة من خلال قاعدة فنية جاهزة ..

стр. 465

لماذا فشلت الليبرالية العربيَّة ... ؟ عائض الدوسري ١٥ذي القعدة١٤٣١هـ في البدء قالت .. "كيركبا تريك" المستشارة في إدارة الرئيس "ريغان" وممثلة أمريكا في الأمم المتحدة، تؤكد أن الديمقراطية مجرد لعبة لتحقيق مصالح الغرب، وأن قيم الغرب وسياساته خاضعة للعبة المعايير المزدوجة .. تقول: (إنه ينبغي علينا عدم تشجيع الديمقراطية في وقت تكون فيه الحكومة المؤيدة من قبلنا تصارع أعداءها من أجل البقاء، وإن الإصلاحات المقترحة بعد ذلك لا بد أن يكون منها إحداث التغيير، وليس إقامة ديمقراطية). تساؤل عقلي مشروع يطوف في أذهان بعض الإسلاميين والعلمانيين العرب: لماذا فشلت الليبرالية العربيَّة؟ وجواب هذا التساؤل معلق على جواب تساؤل آخر: فهل يوجد أصلاً ليبرالية عربية حقيقية؟! هنا جوهر المشكلة لأن بعض الإسلاميين وخصومهم يخلطون بين العلمانية وبين الليبرالية، فلا يلزم من كون الإنسان علمانياً أن يكون ليبرالياً، إذ العلمانية موقف أيديولوجي فكري من الدين أو النص أو المقدس، فالعلماني قد يكون ديكتاتورياً -وهذا الغالب- وقد يتحالف مع الشيطان، ومع الديكتاتور، ومع أي جهة كانت، ما دامت تساعده في إدارة رحى معركته ضد الدين أو ضد المتدينين. لذا فلا وجود موضوعي لليبرالية عربية، ولا أدل على ذلك من غياب ممارسة حقيقية للتسامح واحترام المخالف، وغياب أي مشروع إصلاحي مدني حقيقي، ينفع المواطن العربي في عالمنا العربي المتألم! إن سلوك العلماني العربي جعل "الليبرالية" كلمة مكروهة مشوهة تحتقرها الجماهير الصارخة بآلامها، لأنها تشاهد بأم أعينها خيانة النخب العلمانية العربية لهمومها وآمالها، ولا تجد من هذه النخب إلا تحالفاً وتبريراً للدكتاتور، مع أن هذه النخب المتخمة بالعلمنة تصيح صباح مساء قائلة: قدسوا الحرية كي لا يدوسكم الطغاة! وهم كل يوم بل كل لحظة يدوسون هموم الشعوب، ويتحالفون مع الشيطان الأصغر والأكبر، كي يتمكنوا من أغراضهم الخاصة، ونزواتهم الشخصية. العقلاء -يا سادة- مع اختلافهم وتباين توجهاتهم فإنهم قد يحترمون من يخالفهم إذا رأوه صادقاً مع نفسه ومبادئه. إن الليبرالي الذي يؤمن بمبادئه ويمارسها حقيقة، ويدافع عن كرامة الناس وحقوقهم، ويتسامح مع خصومه، ويتقبلهم، يضع له خصومه حساباً لأنهم يعلمون أنه مؤمن حقيقة بقضيته. ومن يتأمل الصحابي الكريم "عمرو بن العاص" الذي يقول عن الروم .. ما ورد في صحيح مسلم ما قد يبيّن بعض طباع هؤلاء الناس، مع إنصافهم وعدم غمط حقهم. فقد روى مسلم عن المستورد القرشي أنه قال عند "عمرو بن العاص" ﵁: (سمعت رسول الله ﷺ يقول " تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ . قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة. وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة. وأوشكهم كرة بعد فرة. وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف. وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك). فتأملوا كلام هذا الصحابي العظيم ﵁، وكيف أنصفهم وشهد لهم بما هم أهله، مع كفرهم وعداوتهم، وتأملوا في المقابل المثقف العلماني العربي فستجدونه -في أكثر الأحيان- متسلطاً دكتاتوراً محارباً للدين في أصوله وتفاصيله، لا يهمه مسكين أو يتيم، بل سليط اللسان بذيء الألفاظ، إذا خاصم فجر، عنده كل القابلية لأن يطعن في أعراض خصومه بالبهتان، تجده يمارس أشد أنواع الإقصاء، فهو دغمائي، سادي -كما يعبرون- ليس عنده أي قابلية لأن يتسامح. وما أجمل ما صوره النصراني العلماني (رفيق حبيب) لهذه النخبة حينما قال:

стр. 466

(الانبهار بالغرب أدى إلى هزيمة عقل الأمة ومن العقول المهزومة ظهر فريق يحاول أن يتحد مع المنتصر ويتبنى حضارة الغرب، ولكن لدى وكلاء الغرب كانت الصدمة سببا في الالتحاق بالغرب ونقل قيمه وأفكاره ونموذج حياته وكانت الدعوة للحرية الغربية تجد طريقها لدى النخبة المثقفة، إن وكلاء الغرب يشكون من عدم إتاحة الفرصة كاملة لحرية البحث ويؤكدون أن حضارتنا وتراثنا قيود على البحث العلمي، والحقيقة أن هذه الشكوى تنبع من قضية على جانب كبير من الخطورة، لأن تطبيق العلم الغربي في سياق حضارتنا يمثل تعديا على كل مقدسات الأمة ولذلك فانه يواجه من مجموع الأمة ومن هنا يشكو وكلاء الغرب بسبب إن حرية البحث العلمي مقيدة والحقيقة أن التعدي على مقدسات الأمة مقيد). العلماني يريد أن يمارس حريته -عبثه- مع المقدس لأنه يرى أن لا مقدس إلا هو، الدين لا قداسة له، هو متغير ومتحول، وغير ثابت، لكن الديكتاتور عند العلماني العربي ثابت غير متحول، ولذا فهو يلعق حذاء الدكتاتور ويسبح بحمده، يغرد بسرد إنجازاته، إنه يعبده ويتخذه آلهة، ولا ينبس بكليمة صغيرة من أجل ضمير الشعب المطحون تحت قهر الفقر والذل! العلماني العربي قوي شجاع حينما يتكلم عن الله سبحانه، وعن دينه، يدعي بطولة رخيصة، فإذا ثارت الجماهير المؤمنة صارخة متألمة من أجل ربها وحبيبها نبيها ودينها، صاح العلماني العربي: أين الحرية؟ أين التسامح؟ أين قبول الرأي الأخر؟! يا له من شجاع وجريء على دين الله، ويا له من جبان ورعديد ومنافق حينما يتحدث عن الديكتاتور! إن الجماهير مقتت من يطنطن بالحرية وتراه لا يمارس حريته إلا حينما يتحدث عن الله ودينه، لكنه لا يتحدث بهذه الحرية حينما سرقت اللقمة الصغيرة من أفواه ملايين الشعوب، ولم يتحدث عن الأيتام، عن الفساد، عن مشاريع حقيقية ينتفع بها الإنسان. إن ما تروجه العلمانية الغربية والأمريكية، والتي تتشدق بالحرية والديمقراطية هذه الأيام وقبلها هي أبعد ما تكون عن تطبيقها وممارستها في العالم العربي والإسلام، لأنها تعتقد أننا غير قابلين لمثل هذه القيم، ومهما تشدقوا فثقوا أن ديمقراطيتهم لا تباع ولا تستبدل، إن الديمقراطية مجرد فزاعة للأنظمة وللحكومات، وجزرة للشعوب اللاهثة. ولذا نتفهم وجهة نظر الخبير الفرنسي بشؤون الإسلام السياسي "أوليفيه روا" حينما يتحدث عن خيارات الغرب تجاه الحرية والديمقراطية في العالم العربي البائس؛ حينما تتعرض مصالحه للخطر، فهنا يضحي بقيمه وتعاليمه المقدسة، في سبيل الحفاظ على مصالحه .. يقول: (عندما يكون على الغرب الاختيار بين العلمانية والديمقراطية، فهو يختار العلمانية دائماً، وعندما تكون العلمانية في كفة والديمقراطية في كفة كما في الجزائر وتركيا فالغرب يختار دائماً العلمانية لا الديمقراطية، الغرب يفضل قيام نظام تسلطي دكتاتوري على وصول الإسلاميين إلى السلطة). وقد أكد هذه الحقيقة ودون مواربة أو خجل (أدوارد ما نسفليد - وجاك سنايدر) عندما تحدثا عن فوز جبهة الإنقاذ الجزائرية، وحزب الرفاة في تركيا وضرورة ضربهما .. يقولان: (في كلتا الحالتين، كان لا بد من انتهاك المسار الديمقراطي، وذلك لإيقاف ما أسفرت عنه العملية الديمقراطية نفسها، فقد عبر كثير من المراقبين والحكومات عن ارتياحهما لهذا، مبررين ذلك بأنه من الأفضل وجود حكومة " فاشية " نستطيع التعامل معها، بدلاً من حكومة إسلامية لا نستطيع التعامل معها).

стр. 467

ولذا يقرر الغرب أنه من الخطأ الاستراتيجي دعم أعظم القيم الغربية "الديمقراطية والحرية" قيمةً في بلدان تتقاطع مصالحها مع تلك القيم، وهذه الحقيقة يقررها المفكر الغربي "روبرت كانمان" في كتاب ألفه لهذا الغرض اسماه ب " الديمقراطية والمعايير المزدوجة " ومما قاله في هذا الكتاب: (إن الجميع - في الغرب - يتفق على أنه من الخطر دعم الديمقراطية بجميع صورها في العالم الإسلامي). وإذا كان العلماني العربي يدرك ذلك سياسياً، فهو لا يجد غضاضة في وضع يده في يد أعداء دينه ووطنه، والصياح دائماً بالحرية التي تعني له: أنه يجب أن يلعن الدين ويشتم الله بدون أن يضايقه أحد، وهو يعلم أن الغرب لن ُيصدر أقدس قيمه "الحرية" لحفنة من البشر يراهم دون قيمة البشر! وحينما نتجه للمرأة وما أدراك ما المرأة؟! تجده يتحدث عن المرأة .. عفواً .. ليست المرأة الإنسان، ليست المرأة الأم .. ليست المرأة اليتيمة .. ليست المرأة الفقيرة .. إنه يتحدث عن المرأة الصغيرة الجميلة، إنه يريد أن لا يتعطل نصف المجتمع في البيوت لصناعة الجيل القادم رجلاً ونساءً، إنه يريد أن يعمل نصف المجتمع قريباً منه وتحت ناظريه، ليخلو البيت! ألم يقل كبيرهم العلماني المشهور "بوعلي ياسين": (الرجل المثقف -العلماني- في مجتمعنا يدعو إلى المساواة ويطالب المرأة بأن تكون ندا للرجل ولكنه نادرا ما يتزوج هذه المرأة المتساوية معه أو الند له، إنه يقبلها صديقة ورفيقة وزميلة لكنه يخافها ويبتعد عنها كزوجة .. إنه يريدها غرّة، ولذلك تراه يركض وراء المراهقات). إن الليبرالي الغربي -المؤمن بكرامة أمته- قدم نفسه وحياته قبل كلماته في الصحف المستأجرة، مات هو يخدم قضيته، ضحى من أجلها، مات وهو صارخ بها، لأنه يعتقد أن الكرامة ملك للإنسان في بلاده يجب الحصول عليها، وهي حريته وليبراليته، ولذا وقف ضد الدكتاتور، ومات تحت جنازير دباباته، وقتل برصاصه، لكنه عاد وفي كل مرة حتى بناء حلمه على أرض الحقيقة. في أمريكا حينما ضربت في صباح عجيب، في ضحى ١١ سبتمبر، توحدت العقول والقلوب، وتوحد اليمين مع اليسار، وتوحدت الديمقراطية مع الجمهورية، وتوحد الشمال مع الجنوب، وتوحد العلماني والليبرالي مع الزعيم الراديكالي الأصولي الإنجليكاني! لقد تناسوا كل خلافاتهم وتوحدوا في وجه العدو الخارجي، لقد قرر زعيمهم "بوش" الإنجليكاني الجديد أن يتحفظ على بعض حقوق الليبرالية في وقت الأزمة، فأقروا له وأخبتوا، طاعة وحباً كرامة، لقد صارت أمريكا -يا سادة- كقطعة معدنٍ صلبة في زمن الضربة. لكن -ويا أسفي على لكن- تجد العكس عندنا، دهمنا العدو بخيله ورجله، بصحفه وقنواته، سدد سهامه للنيل من بلادنا وشعبنا وقيادتنا وتقسيم وطننا، طعن في عقيدتنا، وتهجم على عقولنا، وسخر من كرامتنا، وداس على عزتنا .. فماذا فعلنا؟ شُتت الجهود، وتفرقنا، وتمزقنا، وصار العلماني يرحب بالفاتح الجديد ويرحب به، ويهدد من خلاله قائلاً: [غيروا بأنفسكم أحسن من يجيكم من يغيركم بالعصى]! لقد ابتزوا في الفتنة، وشطروا البلاد، وجعلوا منبر الكلمة منبراً للطعن في ضمير الأمة، وتشتيت كلمتها، وطعن في علمائها، لقد ابتغوا الفتنة وقلبوا الأمور، واستأجروا كل مريض وصاحب سوابق، لقد مزقوا عقل الوطن وضميره وانتماءه. ثم خرجت خارجة من شباب الوطن تضرب بره وفاجره، ولا تتحاشى مؤمنه، كفرت بطاعة الإمام، وقتل أهل الإسلام والأوثان، فبكى الوطن، واشتكى الدين إلى الله، وسكبت العبرات على عقول تاهت ووجوهٍ شاهت.

стр. 468

قفز الليبرالي في منبر الكلمة وفرح بهذا الخنجر الذي طعن خاصرة الوطن والإيمان، فاستثمره لصالحه، وظفه لخدمت أجندته الخاصة، فمال على كل ما هو إسلامي فعاث به ضرباً باليمين وضرباً بالشمال .. وإلى الله المشتكى. فبدل أن تتوحد الجهود وتتراص الأقدام، وتجتمع القلوب في أزمنة الفتنة، صارت فتنة فوق فتنة!! فكان العلماني العربي مفلساً ليس عنده أدنى ذرة لأن يضحي لأجل مبدأ، أو دين، أو وطن، بل عنده كل الاستعداد لأن يضع نفسه ويده مع أعداء أمته ودينه ووطنه، عنده استعداد للدفاع عن إسرائيل، وتبرير جرائم الأمريكان في كل مكان، وتحويل فضيحة سجن أبوغريب إلى حديثة الزهور، مع أن الليبرالي الأمريكي لا يزال صارخاً يدين جرائم بلاده! مفارقة غريبة .. قد يفسرها فهم كثير من العلمانيين أن الحرية هي الجنس، أو المزيد من الجنس، والفوضوية، وعدم المسؤولية، والعبث بأي شيء. لهذا السبب كره الناس هؤلاء، ورفضوهم .. وهكذ١ فشلوا، وسوف يفشلون دائماً. لقد أعجبني ما قاله الدكتور (برهان غليون) أستاذ كبير في جامعة السوربون، علماني يساري التوجه، ولكنه منصف وباحث جاد وحيادي: (ليس صحيحا أن الذي يعيق الأنظمة العربية مثلا عن تحقيق الديمقراطية هو خوفها من الإسلاميين، بل هي لم ترفع شعار الديمقراطية إلا لمواجهتهم وبسببهم، إن تفجر الأزمة - كما هي اليوم - لتبدو وكأنها مواجهة أهلية شاملة، لم تحصل إلا بسبب طفوح الكيل من الغش والخداع والكذب والتلاعب بعقول الشعب، واحتقار ذكائه ومخيلته، إن ما نسميه بالمجتمع " المدني " ومنظماته هو اليوم نهب لأجهزة المخابرات وضحية لها. إن الحركات الإسلامية لم تتوسع إلا لأن السلطات القائمة رفضت أي تشغيل للقنوات السياسية الطبيعية، وحاولت منع المجتمع من التنفس والحياة، وهذه الحركات تشكل آخر تعبير سياسي عن روح الثورة والتمرد الكامنة في شعب اغتصب حقه في المشاركة والحياة منذ عقود). ثم يعتب الدكتور غليون على النخب العلمانية في معاونتها للطغاة في القضاء على المتدينين، بحجة العمل للديمقراطية وتنظيف الساحة منهم، وأن الحكام في الجزائر قتلوا مالا يقل عن (٣٠) ألف إسلامي بحجة تنظيف الساحة منهم!!! يقول الدكتور غليون بالحرف الواحد: (من هم الإسلاميون، غير إخواننا وأبنائنا وبناتنا؟ أليسوا هم أنفسهم القوى التي نحتاج إليها لمواجهة التحديات الكبرى المادية والمعنوية، الخارجية والداخلية التي تعمل لتدميرنا؟؟). وأخيراً ... هل يفهم العلماني العربي ما يقوله "صاموئيل هنتنغتون" الخبير في وزارة الخارجية الأمريكية: (إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين، وإنما الإسلام ككل، فالإسلام بكل طوائفه وفي مختلف دوله عبارة عن حضارة كاملة تشتمل الدين والدنيا، وكل مظاهر الحياة اليومية، ولذا قلت إن الإسلام ونظام الدول الغربية لن يلتقيا، إن المسلمين يعلنون في وجه كل غربي إن دينهم هو الأحسن وأن عاداتهم وتقاليدهم هي الأفضل، كلهم يقول ذلك المتطرف والمعتدل).

стр. 469

البُقْعَة التَّنْويريَّة سليمان بن ناصر السالم ١٣ ذي القعدة ١٤٣١هـ البُقْعَة صارتْ تَتَّسِعُ شيئا فشيئا لكلِّ من له خصومة أو موقف مع التيار السائد، ليست المسألةُ أن تنطلق وفقَ قواعدَ محددة ومنهج متبلورٍ وأدوارٍ واضحة؛ المهم أن يكون لك تحفظ على شيءٍ قائم على السَّطح، بعدها ستُمنح بطاقة الشرف وتذكرة الدخول لعالم الأنوار في جَذْر مكافحةِ الظُّلم ومقاومة الاستبداد؛ إنها البقعة التي رسمها أحدهم وأدخلَ في قُطْرِها كوادرَ علمية ذات اليمين وذات الشمال، وحشر في جوفها أقلاما متباينة بشكل حاد ومشاريع شتى...؛ كانت أَشْبَه بصافرةِ إنذارٍ دَوَّتْ في بعضِ دولِ العالمِ الثالثِ فإذا بالطبيب والمهندس والمزارع بجوارِ الجندي جنبا إلى جنب في أرض المعركة .. ! كانت أمانيَ أملاها الخيال الرحب والنفس المتطلعة نحو التغيير .. لكن هل لها رصيد من الواقع؟ شَغَلونا بالحديثِ عن الإصلاحِ السياسي ومناهضةِ الفساد المالي، فلما قلنا لهم: سَمُّوا لنا رجالَكَم .. ، ذكروا فلانا وفلانا من الأفاضِل .. أسماءٌ لا يُعتبرُ الإصلاحُ السياسي من صَلْبِ اهتماماتها، يا تُرى هل هو تَخَلٍ عن المشروع؟ أم أن المسألةَ لا تعدو أن تكونَ استكثارا للرِّفاقِ لمجابِهَةِ التيارِ الجارِف؛ رأوا أيديَهم خاليةً من الأوراقِ الرَّابِحة، فأدخلوها في جيوبِ الآخرين يبحثون عن أيِّ رهانٍ يضعهم في الواجِهة؛ كنت أتمنى أن يكون الخطاب التنويري واضحَ المعالم والرسوم، لكنه ويا لأسفي الشديد ليس كذلك، كل ما هُنالِك أن تُبديَ تحفظاتٍ شديدةٍ وليونةً في التعامل مع النَصِّ الشرعي في أي مجال شِئت، بعدها ستجد نفسك عضوا في نادي الأنوار .. ! لا أعلم لمَ وُضِعَتْ السِّياجاتِ الوَهْميَّة بين التيارات الإسلامية، يا تُرى هل صارَ مُبرر إثبات الوجود والتجميع المرقَّع أهمَّ من مبرِّرِ وحدةِ الكلمة والصف؟! الغلو في مكافحة الغلو: يسأل التنويريون: لم لا تكافحون الغلوَّ والتشدد؟ هل ثمَّ موضوعٌ تناوله الخطابُ الشرعي خلال العقدِ الماضي أكثرَ مما تناول شبهات الجهاديين ومسائل التكفير حتى بات وصف: [الغلو في مكافحة الغلو] ملائما لبعضِ حالات الخطاب .. ! ما لم يفهمه هؤلاء -تطبيقيا على الأقل- أن الشريعة نبذتْ الغلوَّ والتفلُّتَ على حدٍ سواء، فالمكتبات السلفية والمحافل المحلية والرسائل العلمية والندوات المختلفة كلها تصب في صالح مكافحة الغلو، لكن السؤال الملقى في قارعة الطريق، من يقف في وجه مطبوعات محسوبة على التنوير تخلخل الثوابت الشرعية ككتاب يتضمن قصر الصلوات الخمس إلى ثلاث، ومن ينتزع المناديل المبللة من أكف نادبي أساطين الانحراف ويصرخ في أحداقهم المحمرَّة: لملموا عواطفكم المتناثرة بحزام الدين، فهؤلاء خصوم الشريعة من المهد إلى اللحد كيف يُندبون؟! هي الأعينُ نفسُها جمدتْ عن السيلان إثرَ وفاةِ العُلَمَاءِ الربانيين .. ؟ ثمَّ يسألون بكل براءة: من يقف في وجه الغلو؟ يقفُ في وجهِ الغلوِّ القادرون على تمييزه، وهنا -ربما- مَوضِع الإشكال، فليس من القادرين على تمييزه من يفاخرون بالأخذ بسند عالٍ عن رموز القراءة الجديدة للنص، أحدهم أراد الوقوف في وجهِ الغلو، فاستدرك على أحد العلماء ثم انتهى إلى القول أن شتم النبي ﷺ مما تتسع له الحرية في حياته واستدل بآيات منها (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذُن) .. ! من المؤكد أن هذا بمعزل عن معرفة الغلو من عدمه ..

стр. 470

هل مجردُ كثرةِ الحديثِ عن الغلوِّ مفخرةٌ بحدِّ ذاته، إذن فاز بهذه المنقبة لفيفٌ من الصحفيين الليبراليين الذين وضعوا الكلمات التالية: [الغلو، التطرف، آيدلوجيا] فَوَاصِلَ بين الجَمَلِ، وهم أكثر الناس شتما وتقريعا لما يرونه غلوا، لأنهم يكتسبون شرعية بقائهم من وجوده على الساحة، يؤمل بعض هؤلاء أن تصير كتاباتهم التبريرية أقراصا منومة وحقن بنج تضخ في الشرايين حتى تبتر الأعضاء في المشرحة التنويرية دون مقاومة؛ فقط سنُبَدِّلُ نظامَ حكمك، ونتيح المجال لأهل الابتداع وأقطاب الانحراف أن يسيحوا في أرضك، ونعيد ترتيب أولويات الإصلاح لا كما رسمها القرآن بل وفق إيقاع العصر ومتطلباته، لن نفعل غير هذا، فلم الغضب والممانعة؟ نحن وإياك خطان متوازيان؛ أنت تلاحق المنكرات اليومية: البِدَع، والاختلاط، والغناء، والجزئيات الصغيرة .. ، ونحن نوطن كل هذه الأشياء بقرار حكومي .. فأي داع للغضب؟! خصومة مفتعلة: عبثا يحاول التنويريون أن يُظهِروا عدم قدرة الخطاب الشرعي على معالجة مشكلات العصر الجديدة، ودأبوا على وصم رجالات الخطاب القائم بالتعلق في ركب السلطة والولاء التام للحاكم وهذه هي أس المعادلة وحرف المسألة، فلتكون متسقا مع ذاتك، صاحب أطروحات مُقْنعة لغيرك؛ تحدث بإسهاب عن نقائص الآخرين، لا بقصد معالجتها بل لإسقاطها، وإلا فما الداعي لظهور خطاب جديد، وأوضِّحُ الصورةَ في مثال واقعي: النُّشَطاء السياسيون الذين دأبوا على نقد السلطة لم يمسَّهم النقدُ الجذري إلا بعد ولوجِهِم مغاراتٍ مظلمةٍ من إسقاطِ الحديثِ المتواترِ إذا كان متضمنا طاعةَ السلطان، والسخريةِ بفقه السلف، ونبز المعاصرين من علماء الشريعة بأحطِّ الأوصاف، ولو أنهم وقفوا على حدود نقد الظلم، والمطالبة بالحقوق، وتساوي الفرص، لاعتبرناهم مكمِّلين للنقص الطبيعي في أي خطاب، أعلم جيدا أن الوقوف من أجل الإصلاح السياسي قيمة شرعية معتبرة، لكني موقنٌ أيضا أنَّ هذه الوظيفةَ محفوفةٌ بالمخاطرِ فلا يصمد لها إلا القليلُ، لذا كثيرون يطيب لهم أن يرفعوا الشعار دون تحريك حجر في طاولة الإصلاح، ليغنموا من المناضلين بطولتهم، ومن القاعدين سلامتهم. نِتاج التَّنوير: استطاع أمشاجٌ من هذه الفئة أن يتواصلوا مع بعض الشباب الصَّاعد، لما يتوافر عليه الشاب من ولعٍ بالجديد، ورغبةٍ في ركوب الموجات، فضلا عن شحن روحه المتوثبة بمعاني النضال والمقاومة؛ لم تكن التنظيرات الجميلة التي أُتْحِفْنا بها حول حِفظِ عقولِ الشباب من الانحراف الفكري والسلوكي مقاربةً لهذا النتاج البشري، ولا أدري هل يعلم هؤلاء أدعياء محاربةِ التشدُّدِ والغلو أيَّ جريرةٍ سيحملون وهم يوهِّنون في نفوس الجيل الجديد المعاني الشرعية المعتبرة، ويشحنونهم ضد العلماء الذين قضوا أعمارهم في دراسة الشريعة. من المسؤولُ عن لِدَاتي الذين أعرفهم لم يقوَوا على إكمال (الملخص الفقهي) يتحدثون بشيءٍ من الفخامةِ عن التيسير الفقهي، وحاجةِ العصر، ومقاصدِ الشريعة، ثم يهمسون في تعالٍ: نحتاجُ إلى إعادة النظر في فقهِ السلف .. !، من الذي قال لهذا الفتى الغَض: كم نحن بحاجة إلى تنويري مثلك يخرجنا من غياهبِ الظلام ويخلِّصُنا من عصورِ الانحطاطِ وسلطةِ الرجعيين، فهناك أيها الأسد المغوار تغمرنا نشوةُ التحرير ونعلن انتصارنا على جحافل الليل القاتم وسننقلب في غمضة عين إلى مناضلين أحرار .. ! أيَّ نشوةٍ تَهُزُّه حيال هذا الطرح .. ؟

стр. 471

لمَّا أَجَلْتُ نظرةً عجلى في (الفيس بوك) خَطَر بِبالي أنه لا داعيَ لثني الرَّكَبِ عند العُلَماء، وتضييعِ العُمُرِ بِحِفْظِ النُّصوصِ وَفَهْمِهَا، ومِنْ ثَمَّ جَرْدُ المُطَوَّلات، المسألةُ أسهلُ بكثير: فقط افتحْ حسابا هناك .. ، بعد ذلك تَمَتَّعْ بِقَدرٍ من الصفاقة، وفيضٍ من الوقاحَةِ، واجعلْ لحومَ الأكابرِ مضغةً في فَمِك، ولا تنسَ بأن تُرَدِّدَ أنَّ شطرا طويلا من عُمُرِكَ -الذي لم يتجاوزْ الثلاثين بعدُ-: خُدِعْتَ بالسَّلَفية، وأنَّ الدعوةَ الوهابيةَ سلبياتُها أكبرُ من إيجابياتِها، وفي خِضَمِّ ذلك الانتِشاء بالتنظير؛ اكتبْ مَقَالا بِعُنوان: (رحلتي من السَّلَفيةِ الضَّيقةِ إلى الإسلامِ الأرحب)، حاولْ أن تورد فيه اسمي مارتن لوثر وكالفِنْ، وطعِّمِ المقالَ بنقولٍ عن الأئمة: ابن حزم وابن تيمية ... بعد هذا ستلقى من يُبَجِّلُك ويراك مظلوما في عصرك، وأن لديك من الأفكارِ ما يَسْتَحِقُّ الإشادَةَ والقِرَاءَةَ، سَتَلقى مَن يَظُنَّك أبو حامد الغزالي الذي غَرِقَ في بحر متلاطمٍ من الفَلسَفَة، لن يَعْلَموا أنَّ قُصَارى قِراءاتِك لم تتجاوزْ رواياتِ علاء الأسواني، وإحدى روايات دان براون، ثم وَجَدتَّ الطريق قصيرا نحو التَّصَدُّرِ والتَّنظيرِ .. ما معنى أن تُطلق العباراتُ المفتوحةُ مصحوبةً بتأوهات، من نوع: الحريةِ، الفكرة الجديدة، امتداح القلق الفكري والحيرة، ...؟ .. وإذا ما استُوقِفَ أحدُهم فَزِعَ من التطرف الذي يغرق فيه المجتمع، تساءلت كثيراً، كيف استطاع أن يكون دقيقا في تعبيره، متقعرا في استخراج نوايا المحتسبين، ثم إذا جاء الحديث عن المشاريع النهضوية المترجمة رأيت عباراتٍ مجملة، وحديثا فارغا حول النظر للكأس الفارغ والملآن، ونسبية الحقيقة .. ، كان أضرابُ هذا الفتى قبلَ سنين عندما يقع في ذنبٍ يستشعرُ التقصير ويستغفر الله الكريم، الآن جاء من يقول له: إن جميع ما تشتهي أن تفعله لا يعدو أن يكون قولا شرعيا معتبرا، طبعا ما لم يصل لحدِّ الإلحاد...!، كان يُقالُ له: الاستقامةُ هي التمسكُ بالهدي المحمدي ظاهرا وباطنا فاستقم كما أمرتَ، فجاء من يقول له: فاستقم كما أردتَ، ومالم تردْه فأنت في النهاية موافق لبعضِ الأقوال الفقهية، لا أدري من أين جاءت قاعدة [خذ بالأيسر -مطلقا! - ما دمنا في عصر العولمة]، ولا أعلمُ أن من وسائل الدعوة الصحيحة تقليمَ بعضِ الأوامرِ الشرعيةِ التي تتعارضُ مع رغبةِ المدعوين أثناء تكالب الفتن. أخيرا بقي أن أقول: "حين يتحدث من لا تود عن فوائد التنفس لا تمتْ مختنقا" فلسنا في مقام تنزيه مجمل الخطاب عن الزلل أو التقصير، ومن الخطأِ المخالفِ للشرعِ والعقلِ أن يَسْتَخِفَّنا الذين لا يوقنون عن تَتِمَّة مَكامِنِ النَّقْص، فمن الذكاءِ الفرحُ بأيِّ ابتداراتٍ أمينة تسعى لسدِّ هذه الثغرة أو تلك، وتستبطن تمديد الخطاب الشرعي لا تحديده، وتعظيم النص لا تقزيمه، إننا على اعتراف تامٍ بوجود أخطاء تستلزم التصويب والتقويم، لكن رَاعَنا من أراد إزالة الذبابة الصغيرةَ بالفأس الحاد، فَنَزَعَ الفَسَائِلَ واقتلع الجذور، فحاجتنا الماسَّة للنقد لا تلغي عقولنا ومداركَنا الشرعية لقبولِ أيِّ نقد...، ومن المهمِّ لمسألةِ معالجة الأخطاء هذه أن تفردَ لها الأحاديثُ الخاصة، وتُعْقَدُ لها وُرَشُ العمل، لكني أردت هنا الإشارة الخاطفة لئلا يُظَنَّ أن الدافعَ وراء المقال العزوفُ عن المعالجة، وادعاءُ الكمال.

стр. 472

قراءة بين سطور كرة الثلج التنويرية عبد الرحيم التميمي ١١ذي القعدة١٤٣١هـ يحتاج المتابع للحراك الفكري المحلي في السعودية إلى نفس طويل ومتابعة دقيقة للتحولات الفكرية للعديد من الأشخاص والتيارات، ليحصل على رؤية أقرب للصواب في التشخيص, فلو قال قائل إن غالبية التيارات الفاعلة في الوسط السعودي لا تكشف عن أجندتها بشكل صريح لاعتبارات سياسية أو اجتماعية أو مذهبية, لما أبعد النجعة، إلا أن طبيعة الأحداث وتجددها وتنوعها يسهم ولاشك في إزالة تلك الغلالة التي كانت تلقي بظلالها على مصداقية الخطاب الإعلامي لذلك التيار أو تلك الجهة. "التيار التنويري" الذي برز إعلامياً بعد ١١ سبتمبر وفي وسط حلقة محكمة من السباع الضارية حول المائدة السلفية, ظهر له وللوهلة الأولى أن بإمكانه استثمار تلك الأجواء المشحونة في "نقد الفكر السلفي وتفكيك بنيته التقليدية"، وأن الأولوية الإصلاحية التنويرية تقتضي وضع الجسد السلفي على المشرحة قبل الاستبداد, وصرح بشكل واضح لا مداورة فيه أنه امتداد لمدرسة "الإسلام المستنير" ورموزها الفكرية، كمحمد عمارة ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي, مع العلم بأن هؤلاء المفكرين لا يزعمون ابتداء انتسابهم للسلفية, وليس ثمة عالم سلفي معاصر يعتبرهم سلفيين كذلك. طوال تسع سنوات من الضجيج الإعلامي عبر الفضائيات وشبكة المعلومات لم يفلح التيار في تقديم "مؤلفات فكرية رصينة" تسوق لأفكاره بوضوح, ولم ينجح كذلك في استيلاد الرمز الفكري أو الشرعي أو الدعوي "صاحب الكايرزما"، الذي بإمكانه أن يستقطب الأتباع. ويمكن أن نقارن هنا بين شخصية سلفية برزت في الساحة حديثاً، كإبراهيم السكران ومدى ثقلها في الساحة الفكرية حتى لدى المناوئين لفكره، وبين عجز التيار التنويري عن إفراز أنموذج مقارب أو مواز له وانجذاب الكثيرين إلى أطروحاته وإن اختلفوا معها, وأنا هنا أتحدث من باب التحليل للواقع ولا أبحث في أسباب بروز هذا وخفوت ذاك. غياب الرمز التنويري "صاحب الكاريزما"، أفرز محاولة الالتصاق ببعض الرموز العلمية والفكرية التي لا ترتبط معه إلا في خلافها مع التيار السلفي السائد في المجال السياسي أو الفقهي, ومحاولة تشكيل مجموعة غير متجانسة كتيار إصلاحي ناهض وهذا ضرب من التسويق الثقافي الساذج, فهل ثمة مراقب موضوعي يمكن أن يجعل الشيخ "حاتم العوني"، عضو مجلس الشورى السعودي، مع الدكتور حاكم المطيري، صاحب كتابي "الحرية أو الطوفان" و"تجريد الطغيان" ... ضمن تيار إصلاحي واحد!! الحقيقة أنه ليس ثمة إطار مشترك يستحق الذكر هنا سوى خلاف هاتين الشخصيتين العلميتين مع التيار السلفي السائد في مجموعة من المسائل والقضايا التي لا يربطها رابط. ثمة عامل آخر أسهم في بروز النبرة الجديدة للتنويريين، الادعاء بأنهم جزء من التيار السلفي، إذ يعتبرون أنفسهم أبناء المدرسة السلفية، وفي تقديري أن هذا ضرب من "التقية الفكرية" التي يمارسها بعض هؤلاء بقصد تجنيد أكبر عدد من الأتباع بين الشباب السلفي أو قطع "تذكرة قبول" في الوسط السلفي، سيما وهم يضربون على وتر بعض الأخطاء الموجودة فعلا، ولكنهم يوظفونها للتسويق لرؤيتهم الخاصة في الإصلاح, وليس في كلامي هنا طعناً في النيات، وإنما هو ربط منطقي لعاملين: الأول: أن التنويريين أعلنوا أجندتهم واضحة جلية قبل سنوات، وأنهم امتداد لمدرسة فكرية مصرية عقلانية لها رموزها وتراثها, ولم يعلنوا قط تراجعهم أو تحفظهم على تلك الأجندة. الثاني: أن رؤيتهم لمفاهيم "الحرية" و"الديمقراطية" و"النهضة"، تتعارض مع أصول المنهج السلفي وقواعده. المتأمل لذلك الضجيج التنويري على الشبكة العنكبوتية حول الحرية والنهضة ومناوءة الاستبداد وطبيعة الأفراد المتأثرين به، يجد غلبة الحماس وحداثة التجربة وضعف التأصيل وكثرة الحديث وقلة الفاعلية في الميدان, ومعضلة الاستبداد العربي تقاصرت دون حلها همم رجال كبار ونخب عريقة وتيارات عريضة، فضلاً عن تلك "الارستقراطية الفكرية" التي يرفل فيها المشروع التنويري, فأصغر أفران الاستبداد كافية لإذابة كرة الثلج التنويرية خلال ثواني معدودة, وليس الحديث هنا عن الأشخاص، فهذا "سقوط أخلاقي" لا يرتضيه المرء لنفسه, وإنما الحديث عن أصل الفكرة والمشروع. الحقيقة أني أنظر بإجلال واحترام وتقدير للنخب السلفية التي تحرص على مد جسور التواصل مع الإخوة التنويريين، ومحاولة احتواء خطابهم الثائر, ولكن هذا لا يمنع أن يقوم بعض التلاميذ من تجلية ما يظنه صواباً تجاه خط فكري، يسهم ولو بحسن نية في إحداث ثقوب في السفينة السلفية, يبقى أن أختم بالقول إن ما كتبته موجه بالدرجة لعموم الشباب السلفي، وهم الدائرة الواسعة من المجتمع المحلي, فكاتب المقال لم يرد بمقاله الرد التفصيلي على هذا الشخص أو ذاك, وإنما تقديم قراءة شخصية لما يسمى بتيار "التنوير الإسلامي".

стр. 473

ازدواجية ليبرالية: فضائح ملا وقس وحاخام .. وزلة شيخ أمير سعيد ١١ذي القعدة١٤٣١هـ لقد ضرب لنا الليبراليون العرب أوضح الأمثلة في "الستر" على فضائح الآخرين ودللوا بجلاء عن إيمانهم بوجوب هذه "الفضيلة العظيمة" فيما يتعلق بالطوائف وأصحاب الديانات الأخرى إلى حد لم يعد يوجد في أمتنا من يباريهم في ذلك؛ فقصب السبق لهم وهم أصحاب المثال العصري الرائد في ذلك. وإذا كان المخطئ من غير سوادنا الأعظم، أو كان على ملة تخالفنا فله الأعذار مجتمعة ولا بأس من صرف الشواهد على الظنيات ووهب الأخطاء لفيض الإحسان! لك "الستر" إن لم تكن سنياً؛ فإن كنتَ "فسنجهل فوق جهل الجاهلينا"، ولو كان خطؤك زلة فتوى أو خطأ تعبير أو عبارة محتملة أو هفوة أو ذنب عابر .. هذا ما يبرهن عليه تعاطي صحافتنا العربية ومواقعنا الإلكترونية وإعلامنا المرئي مع كل صغيرة تصدر من عالم مسلم وأخرى كبيرة تصدر من حاخام أو قس أو حتى "آية" من آيات الفرس التي كان لنا فيها عبرة. الداعية الشيعي الفار إلى حضن بريطانيا الدافئ لم يتناوله الإعلام الخائن عندنا على أنه مهرطق مسيء للدين الإسلامي ومقدساته إلا لماماً، ولم تلاحقه صحافتنا العربية كما لاحقت صاحب الرسوم المسيئة مع تشابههما في الجرم والخطيئة إلا قليلاً، وتجاهلت معظم القنوات المتلفزة تتبع أسباب هذه الإساءة وجذورها، والمعلن منها والمستور. والليبراليون الذين يهرعون إلى أبواقهم عندما يزل عالم أو شيخ في فتوى أو في غالب الأحيان عندما يقلبون كلامه فيفهمون منه ما تريد قلوبهم المريضة، ويتلاطمون على رفض حكم الدين وتسلط "رجال الدين"، عميت أعينهم عن قراءة فتوى أصدرها خامنئي في يونيو ربط فيها منصب ولاية الفقيه في إيران بحكم الرسول وبصلاحيات أئمة الشيعة، و"ضرورة التسليم لأوامره ونواهيه"، وتأكيدات أحمد جنتي سكرتير مجلس صيانة الدستور الإيراني أن "الله حول إليه مهمة الحفاظ على الثورة الإيرانية وديمومتها"، والذي ادعى في الشهر ذاته أنه يقابل "الإمام الغائب" في خلوة! لكنهم اليوم يطبلون له بسبب فتوى "زوجة النبي ﷺ " ـ على حد وصفه ـ ويزمرون بلا فهم أو تفكير أو مسحة عقل. والذين صدعوا رؤوسنا بمحاربة ما يشتم منه على بعد آلاف الكيلومترات رائحة التكفير من علمائنا السنة، زكمت أنوفهم فلم تشم رائحة ما قاله محمد تقي مصباح يزدي الأب الروحي للرئيس الإيراني نجاد، وهو بدرجة " آية الله" الحوزوية صراحة في يونيو الماضي عن أن "من ينكر ولاية الفقيه متعمدا فهو مرتد."، بعد أن ارتمى مقبلاً حذاء مرشد الثورة علي خامنئي ـ بحسب مواقع إيرانية ـ ولم ينبسوا ببنت شفة عن هذا المعتقد الإقصائي التكفيري وأتباعه في عالمنا العربي والإسلامي، وهو لم "يتورط" في تكفير آحاد من ملاك فضائيات إباحية، بل شطب بممحاته التكفيرية أكثر من مليار ونصف المليار مسلم من ديانة الإسلام لا يؤمنون بخرافة "ولاية الفقيه" بل كل المسلمين على مر العصور، لا بل حتى السواد الأعظم من الشيعة قبل قرون ثلاثة لم يكن فيها الشيعة يعرفون إلا ولاية الإمام وليس ولاية الفقيه ..

стр. 474

وعلى ذكر الإباحية وفضائياتها، هل حفلت وسائل إعلامنا التي أقامت مناحة على روح ميكي ماوس وفاضت بكل قبيح على علماء السنة بأي حديث أو مقال أو تلميح أو تصريح عن فضيحة أكبر وكلاء السيستاني والمعتمد الرئيسي للمرجعية ومسؤول هيئة الحج والعمرة في محافظة ميسان العراقية مناف الناجي الذي تحول من ممثل المرجعية إلى ممثل إباحي، وأثارت مقاطعه المرئية موجات عنيفة بين الشيعة أنفسهم في محافظته ـ لم تغطها تلك الوسائل وإنما اكتفت بتغطية الوكيل نفسه!! ـ تسبب بعضها في مقتل نساء كن ضحاياه وهدفاً لانتقام أهلهن بعد ذلك، قتلاً دفاعاً عن الشرف. وهؤلاء الذين طاروا بمعلومات غير دقيقة عن "أجور" الدعاة التي نشرتها فوربس العربية المشبوهة والتي أغلقت مجلتها فيما بعد، وأظهر ليبراليونا لوعتهم على أموال المسلمين الضائعة الذاهبة إلى "جيوب الدعاة" (وهي أجور في أبسط الأحوال وليست اختلاسات أو سرقات)، مروا على خبر اتهام إمام المركز "الإسلامي" في مدينة ديربورن بولاية ميتشيغان حسن القزويني في يوليو الماضي بالاستيلاء على مبلغ من المال يقدر بـ٣٥٠ ألف دولار جُمع عن طريق تبرعات أبناء الجالية العربية وتم تحويلها إلى مؤسسة والد القزويني في ولاية كاليفورنيا، وتجاهلوا عن عمد أخبار التدفقات المالية الذاهبة إلى بريطانيا لشراء قصور وفلل ومساكن فخمة لـ"آيات" وزوجاتهم وأبناء، لاسيما أولئك الذي يخادعون بسطاء طائفتهم بزهدهم المصطنع في العراق وإيران. والذين قعدوا بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبل الخير، يجهدون لتصيد أي هفوة أو ذنب عابر لشيخ سني أو عالم أو داعية ولا يجدون غالباً فيعمدون إلى التأليف والاختلاق، أخطأت قعداتهم رؤية بابا الفاتيكان محاصراً في لندن خلال زيارته لها بفضائح القساوسة الجنسية التي أضحت تلاحقه أينما ذهب كقرين لا يفارقه في كل مكان، كونها باتت ملفاً زاخراً لا تنقضي مفاجآته وأحداثه في بلدان أوروبا والأمريكتين، وسلوك لصيق بقطاع عريض من الكهنة لا مجرد حادثة ولا حتى ظاهرة هنا أو هناك. وهم مرت عليهم منذ عام كامل، أنباء أكبر فضيحة فساد وغسيل أموال قذرة في الولايات المتحدة "أبطالها" خمسة حاخامات يهود من "إسرائيل" وسوريا إضافة إلى عشرات المعاونين، في نيويورك ونيوجيرسي، لتبييض أموال تجارة أعضاء بشرية، واختلاسات وسرقات بعشرات الملايين من الدولارات، ولم نسمع لهم ركزاً طوال تلك الفترة كلها، كما لم نسمع لهم في الشهر نفسه عن ابتزاز الحاخام يسرائيل رند الذي أرسل إحدى الداعرات لأمين الكنيس الكبير بالقدس الحاخام نفتالي هيرشطيك من أجل تسجيل موقف عليه في مسعى للإطاحة به من موقعه بالكنيس والحلول محله، وأرسل من ثم صوره المشينة للكنيس الذي اضطر إلى عزله، وإذا كانت تلك الفضائح سقطت في صحافتنا وإعلامنا بالتقادم؛ فكيف فاتهم أيضاً فضيحة "الداعية" اليهودي الذي ذكرت معاريف قصته هذا الأسبوع واصفة إياه بـ"الأبشع في تاريخ جرائم الاغتصاب"، وأوضحت أن التحقيق يجري معه بعد أن اغتصب جميع أولاده (بنين وبنات) الأربعة العشر على مدى عدة سنوات، ومزق جلد أحد أولاده ومنع أطفاله من الأكل وكسر أسنان بعضهم!! والأحدث هو ما نقلته يديعوت أحرونوت أوائل أكتوبر عن مقال أكاديمي كتبه الحاخام اري شفات الخبير فيما يقال إنه "الشريعة اليهودية" ينص فيه على أن "الشريعة اليهودية تسمح للنساء اليهوديات بممارسة الجنس مع العدو من أجل الحصول على معلومات استخباراتية مهمة لأمن إسرائيل"، ويقدم نصائحه لأتباعه بالقول "من الأفضل إعطاء هذه المهمات لنساء فاسقات".، وكلها معطيات يمررها القوم عندنا دون ضجيج انتظاراً لسمعة شيخ ضعيف ينهشونها وموقف يتخذه يسلقونه عليه بألسنة حداد. هذا؛ فإن صدرت فتوى شاذة هنا أو لم ترُق لبعضهم، أو اتخذ شيخ أو عالم سنة موقف لا يرضيهم، أقاموا اللطميات وعقدوا المؤتمرات وحذروا وأهابوا وطالبوا .. ثم حرضوا على تكميم الأفواه الصادقة إلا أفواههم، وأبدوا ـ في لوعة مصطنعة بغيضة ـ حدبهم على الدين وشكله وسماحته .. فسحقاً لناصية ليبرالية كاذبة خاطئة، لا ترى عيناها إلا القذة في عيون خصومها وتتعامى عن الخشبة في عيون الحلفاء!! المصدر: موقع المسلم

стр. 475

تلطف ولا تدهن د. ناصر العمر ١١ذي القعدة١٤٣١هـ الحمد لله وكفى وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه الكرام النجبا، وبعد فبعض الدعاة وطلاب العلم وغيرهم قد يخرجهم التلطف من حيز المدارة إلى حيز المداهنة، فبدل أن يكون ناصحا أمينا، يسعى لمدارة الناس ليصلحهم، يسلك مسلك المداهنة ليكسب ودهم على حساب دين الله، وفرق بين الملاطفة والمدارة والمداهنة. قال ابن القيم ﵀: "المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما أن المدارى يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه، فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق، وقد ضُرب لذلك مثل مطابق وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطها برفق وسهولة، حتى أخرج ما فيها ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده ويقطع مادته، ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم، ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها، ثم يشد عليها الرباط، ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحت. والمداهن قال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيوب بخرقة، ثم اله عنها فلا تزال مدتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها" (١). وقد أصاب ﵀ كبد الحقيقة وأنت واجد عند بعض المداهنين العزوف عن دعوة الحق مداهنة وذلك باسم التلطف، فكم من المهمات يُتغافل عنها رغبة في عدم تعكير الأجواء، وقد دأب أرباب الضلال إلى السعي للظفر بمداهنة أهل الحق ولم ينقطع طمعهم في ذلك حتى من النبي ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]، والله سبحانه يوجه خطابه الحاسم لنبيه ﷺ فيقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. فعلى الداعية ألا يتنازل عن الدين ثم يخادع نفسه بأنه يسلك مسلك التلطف والحكمة، بل تلك هي المداهنة المذمومة والركون المذموم للباطل، وإن كان لديه مشروع إصلاح واضح لا مجرد تعايش في ود ووئام مع الباطل وأهله، إن على الداعية أن يحمل الدين وينشره في قالب لطيف حسن ولا يصح الخلط بين اللطف في الدعوة وبين التنازل عن ثوابت الدين أو التنازل عن دعوة الناس تلطيفاً لأجواء الحياة. ولابد أن نعي في مثل هذا المقام أنه كما يوجد من يداهن السلطان فهناك من يداهن الجمهور ويسعى لإرضائهم ولا يتكلم إلا بما يطلبه المستمعون حفاظا على التفافهم حوله، وسعيا في زيادة حبهم له لا طمعاً في نقلهم عمّا هم فيه، وهذا شأنه كشأن الأول فالمداهنة محرمة أيا كان المداهَن، وليس التلطف حينها من التلطف الممدوح، وقد قال النبي ﷺ : "من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس" (٢).

стр. 476

وهناك بعض العاملين في حقل الدعوة قد دخل عليهم الشيطان وبلغ منهم مبلغاً أعظم وذلك من باب التلطف بالناس وتحسين صورة الإسلام في نظر غير المسلمين، فبدؤوا يؤولون أخباره ويبدلون أحكامه تلطفا بالآخرين، وتحبيبا لهم في الدين -زعموا- وهذا الذي ضل به السابقون. يقول ابن القيم ﵀: "ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم في النصرانية فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها" (١). وأما الذين يداهنون من أجل المكاسب الدنيوية فما أكثرهم في سائر الأزمان فكيف الشأن الآن. يذكر بعض أهل الأخبار أنه لما نصب معاوية رضي الله تعالى عنه ابنه يزيدا لبعض الولايات أقعده في قبة حمراء وجعل الناس يسلمون على معاوية ﵁ ثم يسلمون على يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال يا أمير المؤمنين: أعلم إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها! والأحنف بن قيس ﵁ في المجلس ساكت. فقال معاوية ﵁: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: أخاف الله تعالى إن كذبت، وأخافكم إن صدقت! فقال: جزاك الله خيرا عما تقول، ثم أمر له بعطاء، فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم أن هذا فيه وفيه، ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب والأقفال فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت. فقال له الأحنف: يا هذا أمسك فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها. والمقصود لاطف الناس ودارهم ولكن لإيصالهم إلى ما يحبه الله ويرضاه، وإلاّ فلا تدهن فتغش ولم تكره! وارض الله ولو بسخط الناس يكتب لك رضاه .. واحذر سخطه فيحل عليك غضبه ومن يحلل عليه غضبه فقد هوى، أعاذني الله وإياك من ذلك ومن اتباع الهوى.

стр. 477

الأخطاء التاريخية والمنهجية في مؤلفات محمد أركون ومحمد عابد الجابري -دراسة نقدية تحليلية هادفة- الدكتور خالد كبير علال -حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر- مقدمة الدرر السنية: هذه دراسة جادة عن الأخطاء التاريخية والمنهجية في مؤلفات محمد أركون ومحمد عابد الجابري أعدها الدكتور خالد كبير علال، وهو حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر، ننشرها بعد اللغط والغبش والضبابية التي كتب بها بعض الليبراليين والإعلاميين عن هذين الرجلين بعد رحيلهما ليظهرا على حقيقتهما وليعلم الجميع أن الموقف الصحيح منهما ليس فقط من المفكرين السعوديين المتشددين -زعموا! - بل هو موقف كل مفكر مسلم عرف المنهج الصحيح ولم يتأثر بالاعتزال العقلاني الجديد. ونحن إذ ننشر هذه الدراسة المطوَّلة ونشيد بها لا يعني بالضرورة أننا نتفق مع كل ما فيها، مع أننا ننصح كل مهتم بفكر الرجلين -الجابري وأركون- وما يُثار حولهما هذه الأيام أن يقرأ هذه الدراسة. والله ولي التوفيق

стр. 478

تقرير مصير السودان ... لا مصير الجنوب طلعت رميح ٨ذي القعدة١٤٣١هـ يُظهِر تفحُّص العنوان الذي اختاره الساسة والإعلاميون لمتابعة تطورات وأحداث السودان، أن زاوية النظر في كل المتابعات قد تحددت سلفاً، وأن العنوان قد جرى تحديده بعناية لتعميق حالة الخداع لدى المتلقين وحرف الأنظار عن المخاطر التي تحيط بهذا البلد. إن العنوان الذي جرى اختياره والإلحاح عليه في كل تصريحات الساسة والتغطيات الإعلامية هو (تقرير مصير الجنوب)، أو (أن الاستفتاء المزمع انعقاده في ٩ يناير ٢٠١١م، سيقرر مصير الجنوب بين الوحدة والانفصال) ... إلخ، بينما الاستفتاء سيجري لتقرير مصير السودان كله بأيدي بعض المواطنين السودانيين في الجنوب، دون غيرهم من مواطني الجنوب ومن باقي مواطني السودان؛ إذ السودان سينقسم دولة وجغرافيا ومجتمعاً، ولأن هذا الفصل للجنوب سيكون بمثابة المفجر البادىء لحالة انفجار شاملة للمجتمع والدولة السودانية، وسيكون بداية لأعمال تفجير مشابهة في إفريقيا وفي الدول الإسلامية الأخرى. إن العنوان الذي جرى اختياره للحدث وكافة مترتباته، هو: تقرير مصير الجنوب، وكأن الجنوب محتل ومستعمَر من بلد آخر، تنطبق عليه قواعد حق تقرير المصير التي استقرت خلال المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية بشأن الدول المستعمَرة، بينما الجنوب ليس إلا جزءاً من «دولة» مرَّ على استقلالها موحَّدة ومنضوية تحت راية الأمم المتحدة ما يزيد على نصف قرن. وهو عنوان يُظهِر تقرير المصير هذا وكأنه يجري في فراغ، وليس فعلاً انفصالياً وتقسيماً لدولة ومجتمع متكامل، لن تتأثر جراءه أوضاع الجنوب فحَسب؛ بل ستتغير من خلاله أحوال السودان في الأعم الأغلب؛ ذلك أن انفصال الجنوب ليس فعلاً ينتج عنه تأسيس دولة جديدة، بل هو طلقة البداية، لإطلاق عملية تفكيك للسودان كله، وقد ظهرت أُولَى المؤشرات بالفعل من خلال المطالبة بجعله حقاً ينطبق على بقية أقاليم السودان؛ إذ أعلنت حركة العدل والمساواة الانفصالية في دارفور، عن بدء سعيها لنيل حق تقرير المصير لكلٍّ من إقليمي (دارفور وكردفان)، وهو ما يعني نهاية السودان الحالي فعلياً. وفي اتجاه آخر، لا تبدو كلمات الرئيس التشادي (إدريس دبي) بأن انفصال جنوب السودان سيكون بمثابة كارثة لكل إفريقيا، مجرد كلمات مجاملة للرافضين للانفصال، بل هي وصفٌ لمخاطر هذا التقسيم للسودان على قارة تعيش حالة واسعة من التفكك في مجتمعاتها وتعاني دولها من ضعف المشروعية وضعف القدرات على الحفاظ على تماسك المجتمعات واستقرارها. وعلى الجانب العربي والإسلامي يبدو واضحاً أن فعل تقسيم السودان سيكون السابقة التي ينتظرها كثير من الانفصاليين في الدول العربية والإسلامية؛ إذ قطع مخطط تقسيم وتفكيك كثير من الدول والمجتمعات شوطاً كبيراً بالفعل. وسؤال اللحظة الآن هو: هل الحكم والمجتمع السوداني، سيُقبِل على إتمام المخطط المرسوم للسودان بالتقسيم والتبدد (والحال نفسه بالنسبة للدول الإسلامية الأخرى)؟ أم أن اتضاح المخاطر على نحو لا يقبل الجدل، صار دافعاً للأخذ بخطط أخرى لمواجهة هذا الخطر؟ وكيف سيتحرك السودان في مواجهة تركيز الضغوط المكثفة عليه في الفترة الراهنة لإنجاز هدف تفتيته؟ وما هي الخيارات المتاحة للخروج من المأزق؟

стр. 479

أولاً: إن المرحلة التي يمر بها السودان مرحلة خيار مصيري. والخيار المصيري هو ذاك الوضع الذي تواجه فيه دولة أو مجتمع تحدياً أو تحديات يترتب على طريقة التعامل معها حدوث تغييرات في هوية المجتمع والدولة والحدود الجغرافية ومناطق السيادة الأساسية ... إلخ. وفي مثل تلك الحال تتعلق النتائج بطبيعة الاستجابة لهذا التحدي؛ فهناك دول ومجتمعات قررت الرفض والمواجهة وانتصرت على التحدي، وهناك دول ومجتمعات أخرى قابلته بالضعف والتردد، فتحولت من حال موحدة إلى حالٍ أخرى. فمثلاً لقد واجهت الولايات المتحدة تحدي انقسامها بين شمالٍ وجنوبٍ في بداية تشكُّلها، ونجحت عبر الحرب الأهلية في توحيد ولاياتها والقضاء على المحاولة الانفصالية. والشعب الفلسطيني كذلك واجه تحدي تغيير الهوية والاستيلاء على أرضه وطرد السكان واختار المقاومة، وهو لا يزال على مدار قرن من الزمان يرفض الاستسلام للتحدي المفروض عليه؛ وذلك على الرغم من نجاح القوى الغربية في إجلاء بعضٍ من السكان وتغيير هوية مساحة كبيرة من فلسطين وإعلان دولة الصهاينة. وهكذا الحال في أفغانستان والعراق؛ إذ يواصل الشعبان (الأفغاني والعراقي) تحديَ الاحتلال الذي فُرِض على بلديهما عبر الغزو الأمريكي المباشر. وفي مقابل ذلك فإن ثمة مجتمعات أخرى واجهت تحديات مشابهة بالاستكانة والخنوع وعدم مواجهة الخطر فانتهت وتغيرت أوضاعها، كما هو حال حضارة الهنود الحمر، وكذلك عملية تقسيم إندونيسيا بظهور دولة (تيمور الشرقية) النصرانية داخل جغرافيتها ومجتمعها، وإثيوبيا التي تحقَّق تقسيمُها بظهور دولة إريتريا ... إلخ. والآن يدخل السودان حالة من حالات الخيارات المصيرية؛ فإذا قَبِل التحدي المفروض عليه انتهى إلى وضع آخر، وإذا واجه التحدي يكون قد حسم خياره، وعاد إلى حالة المواجهة. ففي مواجهة التحدي المصيري يكون عامل الإرادة هو العامل المحدِّد لتطورات الأحداث؛ فماذا لو رفض السودان هذا التحدي؟ ثانياً: في الوضع الراهن يبدو المجتمع والدولة السودانية في وضع حرج؛ إذ يبدو أن السودان مقيَّد بضرورة إنفاذ اتفاق نيفاشا الذي تعهد نظام الحكم بمقتضاه بإعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير، وهو يدرك أن عدم إنفاذ الاتفاق سيجلب عليه ضغوطاً أشد مما يعانيه، وقد يصل الأمر حدّاً أكثر من اشتعال الحرب الأهلية؛ إذ ثمة سيناريوهات تتحدث عن احتمال إعلان الجنوب انفصالَه من طرف واحد بالاستفتاء أو غيره، وطَلَبِ دعم عسكري من عدة دول وهو ما قد ينجم عنه تعرُّض السودان إلى هجوم عسكري أمريكي بريطاني صهيوني، بشكل غير مباشر على رأي بعض المحللين ومباشر عند بعضهم الآخر.

стр. 480

وفي الجانب الآخر، فإن مخاطر انفصال الجنوب وإنفاذ الاتفاقية باتت تظهر على نحو مجسَّد، وهو ما ذهب بكل الحجج والمبررات التي جرى تداولها كثيراً خلال مرحلة إقرار اتفاق نيفاشا كأساس لقبول تقسيم السودان. وكان ثمة تصور أن توقيع الاتفاق سيوقف الضغوط الغربية على السودان، لكن ما حصل أنها تكثفت؛ إذ لم تكتفِ الولايات المتحدة باستمرار حصارها السياسي والاقتصادي للسودان، ولا باستمرار إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل دفعت المحكمةَ الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن الدولي، لتشويه سمعة الرئيس السوداني عمر البشير ومطاردته باتهامات الإبادة والتطهير العرقي. وكان متصوراً أنَّ توقيع هذا الاتفاق سيمنح السودان (مجتمعاً ودولة) مدة خمس سنوات من الهدوء والاستقرار، لكن تحركت الشياطين الأمريكية والصهيونية والغربية وحركة الجنوب الانفصالية لتفتح معركة في إقليم دارفور بهدف إنهاك المجتمع والدولة وإدارتهما بأزمة أشد خطراً حتى يأتي موعد انفصال الجنوب، فتكون في حالة من الضعف والاستسلام. وكان متصوراً أن طمأنة الجنوبيين إلى مستقبلهم وإدماجهم في الحكم وإعطائهم نصيباً من الثروة النفطية أكبر من وزن الجنوب السكاني، قد يوقف دورهم التخريبي في الحياة السياسية، فحدث العكس وصاروا ناصرين في كل مواقفهم وتحركاتهم للغرب وضغوطه ومؤامراته على السودان من جهة، وداعمين لكل الحركات الانفصالية والتفتيتية في عموم السودان. وكان ثمة تقدير بأن مدة السنوات الخمس كافية لتغيير التوجهات الانفصالية بين النخب الجنوبية فظهر العكس؛ إذ صار الشغل الشاغل لتلك النخب هو تعميق حالة الانفصال على الصعيدين (الرسمي والشعبي) وكسب أنصار جدد لها في الإقليم وعلى الصعيد الدولي. وكان ثمة رؤية أن الأمور إذا وصلت حدَّ الاستفتاء والانفصال، فإن الشمال سيكسب الراحة والبناء المستقر، في ما بقي من جغرافيةِ السودان ومجتمعِه، فتأكد الآن أن الانفصال سيأتي بدولة معادية على الحدود، تماثل الكيان الصهيوني في دوره وأهدافه؛ سواء في المذابح التي ستجري للمسلمين في الجنوب أو في الدور التفكيكي للسودان الباقي. باختصار: لقد ظهر أن الانفصال سيكون كارثة، وأن الحرب التي توقفت لخمس سنوات في الجنوب اشتعلت في دارفور، وأن القادم المخطَّط له: أن تصبح دولة الجنوب نقطة انطلاق لإشعال الحرائق في كل أنحاء السودان. ثالثاً: هل يجابه السودان هذا التحدي، ويقف الآن موقف الرافض والمقاوم؟ أم يستسلم لقَدَره فيتفكك انطلاقاً من الجنوب؟ في التقدير العام، يمكن القول بأن الرؤية العقلانية توجب الآن إعادة تقدير الموقف، والخروج سريعاً جداً من حالة التردد الراهنة. وفي ذلك يبدو الحساب والتقدير الإستراتيجي للبيئة الدولية والإقليمية والداخلية، قد تغير لمصلحة السودان الآن على خلاف الأوضاع التي أدت إلى توقيع الاتفاق. ففي أثناء توقيع الاتفاق عام ٢٠٠٥م لم يكن العنصر الحاسم في الضغط على الحكم في السودان للتوقيع على اتفاق جائر هو عامل القوة العسكرية للمتمردين، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان الجيش السوداني قد شارف على إنجاز مهمة تطهير أرض الجنوب من حالة التمرد. وكان الضغط الدولي والإقليمي وحاجة الحكم للاستقرار والتنمية هي العوامل الحاسمة، حتى يمكننا القول بأن العنصر الإستراتيجي الحاسم لم يكن للتمرد نفسه وقوَّته دور فيه.

стр. 481

وكانت الولايات المتحدة في حالة الخيلاء بقوَّتها العسكرية، فغزت أفغانستان والعراق واحتلتهما، وصارت تهدد سوريا وليبيا والسودان بطبيعة الحال؛ حتى إن أطرافاً إقليمية نقلت للسودان وقائع محددة عن حشدٍ لقواتٍ على حدوده واستعدادها للعدوان عليه. وفي ذلك لم يكن الموقف الأوروبي ملحَقاً بالموقف الأمريكي فقط، بل أظهر استعداداً لفعل عدوان «منفرد» ضد السودان. وفي تلك المرحلة لم يكن للأطراف الدولية الأخرى عوامل قوة وتأثير في مواجهة القرارات الأمريكية. وفي الوضع الإقليمي لم يكن التأثير الأمريكي قوياً فقط في ضغطه على قرارات دول الإقليم، بل كان الوضع الإقليمي نفسه في حالة تعبئة ضد الحكم في السودان؛ إذ كانت العلاقات السودانية مع مختلف الدول في وضع كان الأسوأ فعلياً. أما الأوضاع الداخلية السودانية، فكانت في وضع الخطر، بسبب انتقالية الحكم في السودان بعد انشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة وخروج الترابي من الحكم وتشكيله حزب المؤتمر الشعبي المعارض لحزب المؤتمر الوطني الذي مثَّل الحكم في الحركة السياسية. وكذا لأن أطراف المعادلة السياسية في مركز الحكم (أو الأحزاب الشمالية حسب وصف كثير من المحللين) كانت في بداية العودة لمباشرة حقوقها السياسية بعد مرحلة كانت قد تحالفت فيها مع حركة التمرد الانفصالية في الجنوب. وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي كان السودان في بداية الخروج من حالة الارتباك الاقتصادي التي كان يعيشها بفعل الحصار الدولي عليه، إلى حالة التنمية، استناداً إلى عائدات البترول. في ظل تلك المعطيات، قَبِل الحكم في السودان التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وَفْقَ آمالٍ تبددت جميعها بفعل استمرار الضغط الأمريكي والغربي، وعمق الفكرة الانفصالية داخل النخب الجنوبية، وحالة الاضطراب في داخل مركز الدولة. رابعاً: مرت مرحلة إنفاذ اتفاقية نيفاشا بحالة صراع عميقة، كان الوصف الأدق لها: أن الغرب صار يصارع الحكم داخل السودان باستخدام الشريك الجنوبي في الحكم، مع تكثيف عوامل الضغط من الخارج. وتمثلت عوامل الضغط والإرباك من الخارج باستخدام وسائل القوة الناعمة من خلال الإبقاء على العقوبات وفتح ملف دارفور في مجلس الأمن الدولي وفتح معركة ضد الرئيس البشير، أو ضد موقع الرئاسة المهيمن في النظام السياسي السوداني؛ إذ الرئيس هو رئيس الحزب الحاكم ورئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحه، وهو رمز الوطن السوداني، فإذا جُرِّم أو أطيح به، تحققت خطوة في تفكيك هذا البلد. وفي الضغط من الداخل جرى تعظيم قوة حركات التمرد في دارفور وتضخيمها، والتدخل في لعبة الأطراف الداخلية لحشدها في مواجهة الحكم. وتحويل معركة المحكمة الجنائية الدولية إلى معركة داخلية في السودان. وكان الأمر الأشد بروزاً هو التحول بالعلاقات السياسية مع السلطات الجنوبية إلى طابع العلاقات بين الدول، والتشديد على الاستعداد للاعتراف الدولي بدولة الجنوب فور انفصالها. وكان المشهد الختامي في تلك المرحلة من الصراع هو مشهد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؛ حيث مارست خلاله الولايات المتحدة والغرب أكثف الضغوط على الحكم في السودان، وإن كان الحرص بادياً على اتمام الانتخابات لأهداف عديدة أهمها: إنجاز الخطوة الأخيرة لما قبل استفتاء الانفصال، وتثبيت تمثيل الحركة الانفصالية لأبناء الجنوب.

стр. 482

خامساً: لقد تغير الوضع الآن لمصلحة السودان، إذا قارناه بما كان عليه وقت توقيع اتفاقية نيفاشا؛ فالولايات المتحدة والغرب لم تعد لهم درجة الهيمنة ذاتها على القرار الدولي - على الأقل - بسبب الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الغربي، كما أن الولايات المتحدة قد تعمقت حالة تدهورِ أوضاعها السياسية والعسكرية بسبب تورطها في حربَي أفغانستان والعراق، وفي عشرات الأزمات المتفاعلة في المنطقة والعالم، ومعظمها صراعات تهدد باندلاع حروب. كما أن دولاً أخرى ظهرت بتأثيرها على ساحة القرار الدولي، وهو ما يضعف القدرة الأمريكية والغربية والصهيونية عن حالة التصرف الانفرادي السابقة. أما في الوضع الإقليمي، فقد تغيرت أوضاع الحكم في السودان ولم يعد على حالة الحصار السابقة؛ فإريتريا تغيرت مواقفها من السودان وانقلبت من عداءٍ للحكم في السودان إلى موقف الداعم، وإثيوبيا في حالة اشتباك في الصومال وفي الداخل ومع إريتريا، وكذا أوغندا باتت تشعر بتهديد بعد التفجيرات في داخلها، وتشاد صارت حليفاً للسودان بفعل تبادل طرد الحركات المتمردة من كِلا البلدين وكان كلاهما مصدر تعزيز لحركات التمرد ضد الآخر. والعلاقات المصرية مختلفة عن أوضاع ما بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في العاصمة الإثيوبية (أديس أبابا). وأما على الصعيد الداخلي في السودان فقد تغيرت الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الخمس وتحسنت أوضاع تسليح الجيش السوداني بعد دخول السودان مجال إنتاج الأسلحه. والأوضاع في دارفور تغيرت على الأرض فعلياً لمصلحة الحكم في السودان، بسبب قطع الدعم التشادي عن المتمردين وطردهم من الأراضي التشادية، ولإجراء انتخابات تشريعية عينت ممثلين لأهالي دارفور في مؤسسات الحكومة، وهو ما نزع الشرعية عن حركات التمرد، وبسبب توقيع بعض الاتفاقيات مع بعض الحركات أيضاً، وهو ما أدى إلى عزل الأخريات وأضعف نفوذها ودورها. والأهم من ذلك أن الوضع الشعبي صار رافضاً بشكل كبير لقضية التقسيم، وتفكيك السودان، ويشعر بالخطر الجدي على مستقبل السودان. لقد تغير كثير من المعطيات التي فرضت التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وإن كان طرف الحركة الشعبية الانفصالية قد حصل بالمقابل على دعم تسليحي بفعل موارد النفط، كما حققت الانتخابات لها شرعية في الحكم وتمثيلَ مواطني الجنوب، إلا أن الأوضاع في الجنوب شهدت تنامياً في حالات الصراع القبلي والسياسي ضد هذه الحركة، وصلت حدَّ الأعمال العسكرية على نحو مؤثر. سادساً: إذا أقر الحكم والقوى الرئيسة التي تمثل عصب المجتمع وتشكِّل العقل الجمعي للقرار الإستراتيجي في مواجهة التحدي كما تشي بعض مؤشرات الحركة في الآونة الأخيرة، فإن الأمر يتطلب عملاً عاجلاً، لتحقيق أوسع حالة إجماع داخلي ممكنة ضد انفصال الجنوب، باعتباره خطراً داهماً على السودان كله، على أن يشمل التحرك قوى جنوبية وشمالية، تحت شعارات إنقاذ السودان ومنع الجنوب من الانزلاق إلى فتنة تدمِّره وترتكب فيها المذابح. ولذلك يبدو أنه من المهم، أن يجري إطلاق حركات شعبية خارج الأطر التقليدية، تتحرك لبلورة مواقف شعبية واضحة رافضة للانفصال، مع بقاء الحكم (إعلامياً وسياسياً) في موقع الضابط لإيقاع وحدة البلاد إعمالاً لمهامه الدستورية. كما يتطلب الأمر تحركاً مكثفاً لتعبئة المواقف الإقليمية وحشدها ضد الحركة الانفصالية، وإخراج المواقف الرسمية من حالة «الكلام المكتوم» إلى حالة الرفض السياسي والإعلامي المباشر. ولتحقيق حالة من توفير الجهد والقوة وتوجيه القدر الأعظم منها للضغط على الطرف الأخطر في المرحلة الحالية، ينبغي حسم معركة دارفور بأسرع ما يمكن عبر صياغات تضع خطر انفصال الجنوب أولوية. وكذا ينبغي وضع خطة إعلامية مكثفة، لإنهاء الفجوة المعرفية لدى الرأي العام العربي والإسلامي والدولي حول قضايا دارفور والجنوب، والتحول نحو هجوم إعلامي مضاد لتحركات الإعلام الغربي على الأقل في الساحة العربية. والقصد أن ثمة ضرورة لخطة تحرُّك عاجلٍ، ينتقل بالسودان من الموقف الدفاعي الذي ساد لمرحلة طويلة مضت إلى الموقف الهجومي؛ فلم يعد هناك وقت.

стр. 483

بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق ﵂ ٢ ذو القعدة ١٤٣١هـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية على ما تناقلته وسائل الإعلام من القذف والسب والطعن في عرض زوج النبي ﷺ وأم المؤمنين عائشة ﵂ مكذباً للكتاب والسنة المطهرة وإحقاقاً للحق ودفعاً عن عرض أم المؤمنين عائشة ﵂ الذي هو عرض النبي ﷺ . كتبت اللجنة البيان الآتي: إن من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وجوب محبة صحابة رسول الله ﷺ وتوقيرهم والترضي عنهم فهم الذين صحبوا خاتم الأنبياء والمرسلين وهم الذين عايشوا نزول الوحي وهم الذين مدحهم الله في كتابه وأثنى عليهم المصطفى ﵊ في سنته وكفى بذلك منقبة وفضيلة: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: ١٠٠) وقال تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح: ١٨) وقال تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: ٢٩). وثبت عنه ﵊ كما عند البخاري ومسلم أنه قال: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقال أيضاً ﵊: (لاتسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه. والأحاديث في تزكيتهم وذكر فضائلهم جماعة وأفراداً كثيرة جداً. ومن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة كذلك وجوب محبة آل بيت النبي ﵊ ومعرفة حقهم وتنزيلهم المنزلة اللائقة بهم فهم وصية رسول الله كما ثبت بذلك الخبر من قوله ﵊ في صحيح مسلم (أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً) وقد روى البخاري ومسلم أن أبا بكر الصديق ﵁ قال (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي) وقال ﵁ كذلك كما في صحيح البخاري ارقبوا محمداً في أهل بيته. ولا شك أن أزواجه وذريته ﵊ من أهل بيته ويدل لذلك قوله تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ? إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا *وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى? ? وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب ٣٢ - ٣٣).

стр. 484

ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن المرء لا يبرأ من النفاق إلا بسلامة المعتقد في الصحابة وآل البيت يقول الطحاوي (ومن أحسن القول في أصحاب النبي وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق) وقال (ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان). وبهذا يتبين أن سب صحابة رسول الله ﷺ أو التعرض لعرضه ﵊ بقذف أزواجه جرم عظيم وخصوصاً الصديقة بنت الصديق وهي المبرأة من فوق سبع سماوات وكانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق فكان الأكابر من الصحابة ﵃ أجمعين إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها. ومناقبها ﵂ كثيرة مشهورة فقد وردت أحاديث صحيحة بخصائص انفردت بها عن سواها من أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن ومنها: ١ـ مجيء الملك بصورتها إلى النبي ﷺ في سرقة من حرير قبل زواجها به ﷺ فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه. ٢ـ ومن مناقبها ﵂ أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ وقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليه فقد روى البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ أنه أتى النبي ﷺ قال فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة قلت فمن الرجال قال أبوها. قال الحافظ الذهبي ﵀ (وهذا خبر ثابت وما كان ﵊ ليحب إلا طيبا وقد قال لو كنت متخذا خليلاً من هذه الأمة لا تخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل فأحب النبي ﷺ أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله وحبه ﵇ لعائشة كان أمراً مستفيضاً). ٣ـ ومن مناقبها ﵂ نزول الوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها دون غيرها من نسائه ﵊ فقد روى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني. فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال يا أم سلمة لا توئذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها. قال الحافظ الذهبي ﵀ (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها). ٤ـ ومن مناقبها ﵂ أن جبريل ﵇ أرسل إليها سلامه مع النبي ﷺ فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ يوماً يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام فقلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى مالا أرى تريد رسول الله ﷺ قال النووي وفيه فضيلة ظاهرة لعائشة ﵂.

стр. 485

٥ـ ومن مناقبها ﵂ أن النبي ﷺ بدأ بتخييرها عند نزول آية التخيير وقرن ذلك بإرشادها إلى استشارة أبويها في ذلك الشأن لعلمه أن أبويها لا يأمرانها بفراقه فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه ﷺ فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك قالت وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بقراقه قالت ثم قال إن الله جل ثناؤه قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب ٢٨ - ٢٩). قالت فقلت أفي هذا استأمر أبوي؟ فإني اريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت. ٦ـ ومن مناقبها ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته ﷺ بين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا وأول ساعة من الآخرة ودفن في بيتها فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة قالت فلما كان يومي سكن وعند مسلم عنها أيضاً قالت إن كان رسول الله ﷺ يتفقد يقول أين أنا اليوم أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة قالت فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري وروى البخاري أيضاً عنها أن رسول الله ﷺ كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول أين أنا غداً أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان في بيت عائشة حتى مات عندها قالت عائشة فمات في اليوم الذي يدور علي فيه في بيتي فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي ثم قالت دخل عبدالرحمن ابن ابي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ فقلت له (اعطني هذا السواك يا عبدالرحمن فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله ﷺ فاستن به وهو مستند إلى صدري) وفي رواية أخرى بزيادة (فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة) ٧ـ ومن مناقبها ﵂ إخبار رسول الله ﷺ بأنها من أصحاب الجنة فقد روى الحاكم بإسناده إلى (عائشة ﵂ قالت قلت يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال اما إنك منهن؟ قالت فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكراً غيري) وروى البخاري عن القاسم ابن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر وفي هذا فضيلة عظيمة لعائشة ﵂ حيث قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف. ٨ـ ومن مناقبها ﵂ ما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ففي هذا الحديث يبين النبي ﷺ أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة.

стр. 486

٩ـ ومن مناقبها ﵂ نزول آيات من كتاب الله بسببها فمنها ما هو في شأنها خاصة ومنها ما هو على الأمة عامة فأما الآيات الخاصة بها والتي تدل على عظم شأنها ورفعة مكانتها شهادة الباري جل وعلا لها بالبراءة مما رميت به من الإفك والبهتان وهو قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ? لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ? بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ? وَالَّذِي تَوَلَّى? كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: ١١) إلى قوله تعالى ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ? وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ? أُولَ?ئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (النور: ٢٦). وقد قال بعض المحققين فيها أيضاً (ومن خصائصها أن الله برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيراً لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شراً لها ولا خافضاً من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكراً بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيالها من منقبة ما أجلها). وبهذا وغيره يتبين فضلها ومنزلتها ﵂ وأرضاها وأن قذفها بما هي بريئة منه تكذيب لصريح القرآن والسنة يخرج صاحبه من الملة كما أجمع على ذلك العلماء قاطبة ونقل هذا الإجماع عدد من أهل العلم. فالواجب على كل مسلم محبة صحابة رسول الله ﷺ والترضي عنهم أجمعين وتوقيرهم ونشر محاسنهم والذب عن أعراضهم والإمساك عما شجر بينهم فهم بشر غير معصومين ولكن نحفظ فيهم وصية رسول الله ﷺ ونتأدب معهم بأدب القرآن فنقول ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: ١٠) هدى الله الجميع لصراطه المستقيم واتباع سيد المرسلين وصحابته الغر الميامين والحمد لله رب العالمين. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو / أحمد بن علي سير المباركي عضو/ صالح بن فوزان الفوزان عضو / محمد بن حسن آل الشيخ عضو/ عبدالله بن محمد الخنين عضو / عبدالله بن محمد المطلق عضو/ عبدالكريم بن عبدالله الخضير الرئيس / عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ

стр. 487

فلسفة عمل المرأة د. لطف الله خوجه ٢٦شوال١٤٣١هـ في هذه القضية وقع تضليل كبير .. ؟؟!!!! المناصرون لعمل المرأة تخطوا حواجز المنطق والحكمة، متسلحين بالقرار السياسي .. فجعلوا من عمل المرأة واقعا غير قابل للنقاش؟!!. وقبل الدخول في تفاصيل الفلسفة المتعلقة بعمل المرأة، نود الإشارة إلى ما يقطع الجدل مع منطقي رائده الحقيقة، لا متلهف للتسلق: العمل المنتقد هو ما كان قائما على مبدأ مساواة المرأة بالرجل، في الكم (=مدة العمل)، أو الكيف (= نوع العمل)، مع رفع الحجاب (= عمل مختلط). وليس العمل الخالي من كل هذه المحذورات، وهو: الملائم للأنوثة، في بيئة نسائية، وكونه استثناءا؛ أي لا يقدم على عملها الأصل (=عمل البيت). فليكن هذا منا على بال. فالمرفوض ليس مبدأ العمل، إنما مبدأ المساواة في العمل .. والثاني هو الساري حاليا، يجري على قدم وساق، وانظر في كافة أنواع عمل المرأة المستحدثة: كاشيرات، مضيفات، خادمات، موظفات إلخ .. تجده يحقق مبدأ المساواة، لا مجرد العمل. وهنا النقطة الحرجة .. جملة التيار الإسلامي، بمختلف توجهاته وشخصياته كانت تقاوم، لكن ذلك اليوم تغير .. فمنها التي انضمت لحملة المساواة، تنصر بعلم أو بدونه .. ربما السبب تغير الرأي في مسائل: كالعمل المختلط. ومنها التي لا تزال على موقفها، لكنها باتت صامتة، مستسلمة، أو تهمس همسا لا يسمن ولا يغني من جوع. ولأنه في العادة، كثرة الكلام تورث القضية لغطا وجدلا لا ينتهي، وتمنح فرصة للمناورة غير المنطقية، فيعسر على القراء إدراك ما في الكلام من خطأ وزلل، ويبعث على الملل، لكن مع ربح السفسطائين للقضية، وضياع صوت الحقيقة .. لأجل ذلك، لن أدخل في سرد الدلائل على فساد مبدأ المساواة في عمل المرأة، إنما بتقديم بتفصيل بسيط التركيب، يكشف أبعاد القضية، ويعطي الناظر سلما يرقى عليه ليرى المسألة من فوق، لا من زاوية دون زاوية، لا تتيح له سوى معرفة جزء من الحقيقة. كل ما في القضية: أن العمل عملان: عمل داخل البيت، وعمل خارج البيت. والعامل اثنان: رجل، وامرأة. فالقسمة العقلية أربعة صور: الأولى: تعمل هي في البيت، وهو خارج البيت. وهذا هو الذي عليه البشر منذ آدم حتى قيام الثورة الصناعية في أوربا، فهو السائد، ووجود استثناءات هنا وهناك لا يبطل سيادة هذه الصورة. هذه الصورة لا عيب فيها، ولا نقص .. بل هو المنطقي، بالنظر إلى مؤهلات المرأة (= أمومة، تدبير المنزل، تربية، حضانة .. هذه من أعمال البيت)، والرجل (= السعي في المعاش .. وهو من عمل الخارج). فإن كان في هذا شك، فلننظر في الصور الأخرى: الثانية: تعمل هي خارج البيت، وهو داخله. وهذه عكس، والمجتمع أو العالم إن تقبل عملها خارجه، فالجميع إلى اليوم لم يتقبل العكس؛ عمله في البيت .. لذا لا تكاد تجد دعوة - موازية - لعمل الرجل في البيت، مقابل الدعوة لعملها خارجه، لا من الرجال ولا حتى النساء، حتى المرأة التي تدعو - وبحرارة - إلى عملها في الخارج، لا تطرح عمله داخله في المقابل .. نوال السعداوي مثلا، متطرفة جدا في تناول مسائل المرأة، كان طرحها في البديل لخروج المرأة: إنشاء محاضن، ومطاعم، مغاسل عامة. إن هذه الصورة مرفوضة، جملة وتفصيلا؛ لأنه لا يمكن تجزئة قضية لا تتعاطى إلا كلية، فمن نادى بعملها خارجا، وتغافل عن البديل، وسكت عن المناداة أن يكون البديل رجلا، فهو لا يعي من القضية سوى جزءا .. وليس غرضه حل مشكلة، بل توليدها لجهل أو غرض. من المضحك أن يكون البديل: خادمة. فهذا هو الانقلاب على الفكرة؛ إذ كيف ينادى إلى خروجها للعمل، تحررا من رق البيت، ثم يكون البديل: أن تلج إلى بيت غير بيتها لتعمل فيه؟ ..

стр. 488

تخرج من بيتها، لتعمل في بيت غيره: إذن النتيجة: هي تعمل في البيت. ألم يكن بقاؤها في بيتها خير وأحسن تأويلا؟!!. فبطلت هذه الصورة. الثالثة: أن يعملا سويا في البيت. ولا أحد يدعو إلى هذا؛ لأن معناه ترك الخارج كليا .. وهذا لم يقل به أحد، لا مناصرين، ولا متحررين. فبطلت هذه الصورة أيضا. الرابعة: أن يعملا سويا خارج البيت. وهذا ما دعت إليه نوال السعداوي وغيرها، وهو مضمون فكرة عمل المرأة، لكن بمفهوم: أن تعمل خارج بيتها، ولو كان عملها الآخر في بيت آخر، المهم خروجها .. فالخروج هو المطلوب لذاته، والعمل وسيلة لذلك. لكن هذه الصورة هي الواقعة، وهي الكارثة؛ لأنه يعطل المرأة من عمل البيت، فيبقى نصف العمل فارغا لا قائم به، والخادمة بالقطع لن تقوم به؛ إذ عملها ليس مجرد خدمة، وقيام بشئون التدبير، كلا، بل أرقى من ذلك .. المرأة في بيتها حلقة وصل بين جميع الساكنين، فهي التي تدبر أمورهم وشئونهم كلها، وهي التي تفعل ذلك بالحب والشوق والصداقة، مندفعة بدافع الأمومة والزوجية .. وهذا ما يبني في البيت سكنا، كحقيقته الموصوف به في القرآن: ﴿والله جعل من بيوتكم سكنا﴾. والمرأة هي سكن أيضا: ﴿ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليه وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون﴾. فسكن البيت لا يتحقق إلا بسكن المرأة؛ أي سكونها في البيت؛ أي عملها فيه .. والخادمة أجنبية لا تحقق سكنا بالقطع. هذه الصورة كذلك باطلة، والتجربة شاهدة، فكل الأنظمة التي أخذت بها، جنت من وراء ذلك: - ازدياد نسب العنوسة. - ازدياد نسب الطلاق. - اختلال نظام الأسرة. - نشوء أجيال محرومة من الأمومة. - فساد الأعراض. كله هذه وغيرها، عليها دلائل، بحثها وسردها في مقام آخر. ما يعنينا: أن القسمة الأربعة لم يثبت منها منطقيا وعقليا وخلقيا إلا صورة واحدة ناجحة، هي: عملها داخله، وعمله خارجه. هذه هي الفطرة، وهذا ما يعيد للأسرة نظامها، ويقضي على العنوسة، والطلاق، ويبني أسرا صحيحة ناجحة، إذا طبقت الشروط. أقف هنا، بعد أن بينت تفاصيل الصور الأربعة، ولكم أن تتأملوا .. شكرا لكم.

стр. 489

(ميبي) مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي الطّاهر المعز ٢٠شوال١٤٣١هـ ميبي ( MEPI) هي الأحرف الأولى ل"ميدل إيست بارتنرشيب إنيشيتيف"، أي "مبادرة الشراكة للشرق الأوسط"، ويعنى بالشرق الأوسط، الدول العربية إضافة للكيان الصٌهيوني، وما أسماه المشروع "الأراضي الفلسطينية"، أي الأراضي المحتلٌة عام ١٩٦٧. ميبي، هو مكتب ظهر للوجود عام ٢٠٠٢، صلب إدارة شؤون الشرق الأوسط، بوزارة الخارجية الأمريكية، وله مكتبان إقليميان (منذ ٢٠٠٤)، أحدهما في تونس والثاني في أبي ضبي (الإمارات)، وله مكاتب فرعية في كل سفارة أمريكية في البلدان المستهدفة. يغطٌي مكتب تونس المغرب العربي ومصر ولبنان وفلسطين المحتلٌة، أما مكتب أبو ضبي فيغطٌي الخليج وبقية بلدان المشرق، وميزانية كل منهما حوالي ٢ مليون دولار سنويٌا، تحتسب ضمن "المساعدات الإقتصادية الثنائية التي تقدمها الولايات المتحدة سنويا لدول المنطقة، "لدعم البرامج والمشاريع التي تساعد على بناء التغيير الديمقراطي". يعرٌف الموقع الرٌسمي ل"ميبي"، هذا المشروع كما يلي: " هي مبادرة رئاسية، تمثٌل تفاعل حكومة الولايات المتحدة مع أصوات التغيير في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. يموٌلها الكنغرس، لتوفير الموارد والخبرات، بهدف تعزيز الإصلاح في جميع أنحاء المنطقة. بشراكة مع منظمات غير حكومية، دولية ومحلية، ومؤسسات اقتصادية، وجامعات ومعاهد عليا، وأحيانا حكومات." وورد في مكان آخر من الموقع: "هو حلقة لتطوير ودعم مشروع الشرق الأوسط الكبير، وبقيٌة البرامج الإصلاحية. وهو جزء من السياسة الخارجية الأمريكية، للتعامل المباشر مع الإصلاحيين ونشطاء المجتمع المدني، وشركاء المبادرة، والمشاركين في برامجها، واعتماد الإرشادات والمعلومات الصٌادرة عنهم. يساهم (ميبي) في تنظيم المؤتمرات وتسهيل تبادل الزيارات وإعداد الندوات ودورات التكوين الداعمة للإصلاح. بواسطة مجموعة من المنظمات غير الربحية، التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية". أما الأهداف المعلنة فهي أربعة: أولا: دعم الديمقراطية (تدعيم الأحزاب والإصلاح البرلماني، تعليم أسس القيادة والإصلاح.)، ثانيا: الإصلاح الإقتصادي وتطبيق التزامات اتفاقية التجارة الحرة (تقوية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التسويق، التعريف بمبادئ منظمة التجارة العالمية)، ثالثا: إصلاح التعليم (تعليم الإنكليزية، الإصلاح الرقمي، الشراكة مع الجامعات الأمريكية)، رابعا: تمكين المرأة، وتدريبها على القيادة (خصوصا المقاولات وربات العمل)، تكوين القيادات النسائية الشابة في الأحزاب والمنظمات، التعريف بفرص التعليم في أمريكا، وحرية المرأة. وكل محور من هذه المحاور الأربعة يتضمن بدوره بابا خاصٌا ب"تمكين المرأة". من جملة العناوين التي تم تناولها (وتمويلها) عام ٢٠٠٨، نجد: تدريب باعثي المشاريع، قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات، قواعد تكوين الأحزاب السياسية، التدريب على مخاطبة الجمهور. من أهم البرامج أيضا "المركز الدولي للمشروعات الخاصة" (أي القطاع الخاص)، ومهمته تمويل مشروعات لحاملي الأسهم، وتطوير وتنفيذ السياسات الإقتصادية "الحرة" (اللبرالية)، ودعم التجارة الحرة، حسب شروط منظمة التجارة العالمية، التي تحضى بحيٌز كبير في برامج تكوين النساء، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسٌطة، وهناك دعاية متكرٌرة ل"منتدى المستقبل"، الذي يروج لللبرالية والتطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية، والذي ينعقد في البلدان العربية، بحضور أثرياء العالم، دولا ومؤسسات.

стр. 490

أوردنا هذه المقتطفات الطويلة من الموقع الإلكتروني الرسمي، حتى يتجلٌى بكل وضوح الهدف الحقيقي، المعلن لهذا البرنامج الأمريكي الذي يدعو له عديد المعارضين اللبراليين العرب، وعدد من قادة المنظمات والجمعيات العربية، منها الفلسطينية في غزة ونابلس ورام الله. وحتى بعض المحسوبين على اليسار العربي، الذين لا يرون حرجا في التعاطي مع البرامج الحكومية الأمريكية (والأروبية) والمشاركة النشيطة بها والدعاية لها، مقابل بعض التمويل، وبعض السٌفريات. أمٌا المنظمات "غير الرٌبحية" التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية، لتنفيذ هذه البرامج، فنجد من ضمنها: مكتب الدراسات الإستراتيجية للشرق الأوسط وأيركس وفريدوم هاوس وجامعة نيويورك والمركز الدولي للمشروعات الخاصٌة، ومؤسٌسة ييستر ويو آس آد، وهذه الأخيرة هي مؤسٌسة رسمية، حكومية أمريكية. كلمة حق يراد بها باطل تنطلق الإمبريالية الأمريكية من الغياب الفعلي للديمقراطية، ومن قمع واضطهاد المرأة، وانعدام الشفافية في الوطن العربي (وغيره) لتجعل منها ثغرة تستغلها للتدخل باسم حقوق الإنسان، وباسم الدفاع عن الديمقراطية والمرأة الخ. لكن الأنظمة القائمة تحضى جلٌها (وربما جميعها) بمساندة الولايات المتحدة، فجميعها مطبٌع علاقاته مع الكيان الصهيوني، سرٌا أو علنا، وكلها معادية لأي نفس مقاوم للإحتلال في فلسطين أو العراق، وصفٌقت للإعتداء الصهيوني على لبنان عام ٢٠٠٦، ولم تحرٌك ساكنا خلال القصف المكثٌف على غزٌة، كما لا يسمح نظام عربي واحد بالإحتجاجات الجماهيرية ضد العدوان والمجازر. إن اهتمام أمريكا منصبٌ على خلق تيٌار مساند لها، في اوساط المقاولين والصحفيين والمثقفين والطلبة والشباب والنسوة، وقادة الأحزاب والمنظمات غير الحكومية. لخلق جيل من الأنتليجنسيا المشبعة بالقيم الإيديولوجية اللبرالية السائدة في الولايات المتحدة، وخلق تيٌار بديل للقيم الشعبية السٌائدة في الوطن العربي، وبديل لمعاداة الصٌهيونية والحلف الأطلسي والإمبريالية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص، وقلب الموازنة تدريجيا لتأسيس تيٌار يدافع عن القطاع الخاص، واللبرالية والسياسات الإمبريالية والإحتلال، لدى الشباب والنسوة والمثقفين والصحفيين. وتعلم الولايات المتحدة، علم اليقين أن الأنظمة العربية غير شعبية، ولذلك تظهر للرأي العام المحلٌي أنها غير راضية على وضعية حقوق الإنسان (من خلال التقرير السنوي لوزارة الخارجية وكذلك تقرير هيومن رايتس واتش)، ويلتقي سفراء وممثلو الحكومة الأمريكية بأطراف المعارضة، بما فيها الإخوان المسلمون وبعض قوى اليسار، للإستماع إليهم والإستفادة من نقدهم للسلطة، كي يعدٌلوا برامجهم، ويعدوا العدٌة، "لتجاوز التحديات في مجال نشر الديمقراطية والإزدهار الإقتصادي وتحسين جودة التعليم ودعم مشاركة المرأة في المجتمع"، ويقول "ستيفن فورد"، السفير الأمريكي السابق في الجزائر (قبل انتقاله إلى بغداد في حزيران ٢٠٠٨):" من واجب السفراء أن يكونوا على اتصال مع مواطني البلد المضيف، وهذا ما فعلته، نحن بحاجة للحديث مع الأحزاب السياسية، مع رجال الأعمال ورجال الثقافة، لنتفهٌم حاجيات الجزائريين. وهدفنا من كل هذا هو مساعدة السلطات الجزائرية على تحضير الجزائر والشباب الجزائري للإندماج في الإقتصاد العالمي والحصول على مرتبات عالية". لقد ركٌز البرنامج كثيرا على الجزائر (وفلسطين)، خاصٌة أثناء محاولات امريكا تركيز قواعد عسكرية لإيواء "أفريكوم"، ورفضت الجزائر ذلك، رغم مشاركتها في بقية برامج الحلف الأطلسي، في المتوسط.

стр. 491

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عام ٢٠٠٨، دعم برنامج "ميبي" (وقنصلية أمريكا بالقدس)، ماديا وسياسيا، منظمة "غير حكومية" في غزة، اسمها "صوت المجتمع"، لتنظيم ورشات عمل وحلقات تكوينية، لتثقيف الناس، وتكوين ناشطات شابات حول "تعزيز امكانات المراة للمشاركة في المسار الديمقراطي. وخلق آليات عمل لتحريم العنف ضد النساء وجرائم الشرف والإلتزام بالمعاهدات الدولية. رغم الجو المشحون بالعدائية والعنف الذي يسيطر على غزة" (من موقع ميبي). كأن الإحتلال غير موجود ولا يمنع الغذاء والدواء ودخول وخروج المرضى والعمٌال والطٌلبة. وكأن العنف ليس نتيجة للإحتلال وإنما يبدو أنه من شيم الفلسطيني. والمشكل الوحيد لنساء غزة (ورجالها) هو تطبيق "المعاهدات الدولية" في مجال الحريات الفردية، وكأن الحصول على الغذاء والدواء والعمل ليس من الحقوق الأساسية للبشر، وكأن الفلسطينيين تحرٌروا، واستعادوا أرضهم وتخلصوا من المشاكل الناجمة عن الإحتلال. أما مدير "صوت المجتمع" فقد انبرى يكيل المدائح لقنصلية أمريكا بالقدس ولبرنامج "ميبي"، وكأن أمريكا بريئة من جرائم الإحتلال الصهيوني، وليست مسؤولة عن إدامة الإحتلال، ومساندة الكيان الصهيوني ايديولوجيا وماليا وعسكريا ودبلوماسيا. في نابلس خصٌص برنامج ميبي جائزة لمنظمة حقوقية، تأسست ب"فرمان" (مرسوم سلطاني في العهد العثماني) من ياسر عرفات، مباشرة بعد أوسلو، ولا زالت تحظى بمساندة سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله، وقدمت على أنها "منظمة حقوقية غير حكومية"، وهللت مديرتها لهذا الإعتراف العظيم من قبل الأسياد الأمريكان فبالغت في المديح والدعوات الصٌالحة ورجت دوام النعمة والجاه، ونابلس كانت معقلا لمقاومة الإحتلال، قبل انفلات "قوات الأمن الفلسطينية" الممولة والمسلٌحة والمدرٌبة أمريكيا، لاعتقال والتنكيل بكل من يشتبه بمقاومته للإحتلال. كما حصل شاب فلسطيني آخر على جائزة الصحفي الشاب، مما يمكٌنه من منحة دراسية في الولايات المتحدة، نتمنى أن تثير فيه الرغبة لمقارنة ما فعله الأروبيون البيض بالسٌكان الأصليين في أمريكا، بما فعله الصهاينة في فلسطين. تحت عنوان "قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات"، نظٌم برنامج "ميبي"، من ٩ إلى ١١ يونيو/حزيران ٢٠٠٨، لقاء في الأردن جمع ٢٥٠ من رجال (ونساء) الأعمال ومحامين وقادة "المجتمع المدني"، بهدف "توسيع شبكة علاقاتهم الشخصية والمهنية، واكتساب خبرات أكبر"، بإشراف خبراء، استدعتهم وزارة الخارجية الأمريكية،، كما شاركت نساء شابات، تعملن في مجال الأعمال، والقانون، في برنامج تدريبي بأمريكا، على قيادة قطاع الأعمال والمجتمع المدني. وشارك في البرنامجين شبان وشابات من الجزائر والمغرب وتونس والبحرين ومصر والعراق المحتل والأردن والكويت ولبنان وعمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن و"الأراضي الفلسطينية"، إلى جانب صهاينة جاؤوا من فلسطين المحتلة.

стр. 492

في إطار "تمكين النساء" و"التدريب على الديمقراطية"، خصٌص البرنامج منحة ل٤٤ "قائدة سياسيٌة" من مختلف البلدان العربية، لمتابعة الحملة الإنتخابية الرئاسية، لمدة أسبوعين، في النصف الثاني من اكتوبر ٢٠٠٨، وناقشن مع الرئيس بوش " أهمٌية دعم الديمقراطية والإصلاحات لمجابهة التحدٌيات تجاه الشرق الأوسط" (أمٌا الإحتلال والهيمنة الإمبريالية والحكومات الكمبرادورية، فليست من التحديات الجديرة بالإهتمام). وقال لهن "جيمس غلاسمان"، وكيل وزارة الخارجية ". ستشهدن التاريخ أثناء صياغته، وستتاح لكن فرصة مراقبة الديمقراطية، وهي في عنفوان نشاطها، عندما يمارس الأمريكيون حقوقهم." ولم تشارك نساء الكيان الصٌهيوني في هذه التظاهرة، لأنهن لسن بحاجة "للتدريب على الديمقراطية"، فالصهيونية، حسب المفهوم الإستعماري، هي مشروع حضاري في قلب المشرق العربي المتعجرف. خاتمة، معركة على الجبهة الإيديولوجية؟ دأبت الإدارات الأمريكية المختلفة على تكوين لجان للبحث والتفكير، في مواضيع ذات أهمية استراتيجية (أو تكتيكية)، بالنسبة لعلاقات أمريكا بمختلف مناطق العالم، ومصالحها الإستراتيجية. وقد تبقى نتائج أعمال تلك اللجان في الرٌفوف، أو لا تستغلها مصالح الدولة أو الإحتكارات، في الحين، بل تلجأ إلى تلك البحوث والدراسات عندما تنضج الظروف وتقتضي مصالحها أو مخطٌطاتها ذلك، مع تعديلها عند الضرورة، حسب مقتضيات المرحلة، أو ميزان القوى، أو المتغيٌرات على الساحة الخ. برنامج "ميبي"، هو عبارة عن فرع من "مشروع الشرق الأوسط الكبير" (كما جاء حرفيٌا في موقعه الإلكتروني)، يعنى بالجانب الإيديولوجي، وتخريب المجتمعات العربية من الداخل، وتكوين "نخب" (خصوصا من الشباب)، تتدرب على قيادة المؤسسات والأحزاب والمنظمات "غير الحكومية"، ووسائل الإعلام، متسلٌحة بأفكار تتنكٌر للتراث التقدٌمي للإنسانية، وللجوانب النٌيٌرة من حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا. فتجعل من التطبيع قيمة حضارية، وتحول السلام إلى رضوخ لإرادة الإستعمار، وتتشبٌه بالمحتل والمستعمر والمهيمن، وتجعله مثلها الأعلى، وتساند تدخٌلاته، حتى العسكرية منها، أي الإيمان بعدم قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، والقناعة بأن الإمبريالية هي الوحيدة القادرة على تقرير مصيرنا، وأن مثلها وقيمها الإستعمارية هي أرقى ما وصلت له الإنسانية، أي الإقرار بالعجز وبالهزيمة، دون محاولة النهوض لمقاومة الإحتلال والإستغلال والإضطهاد. إن من أهم الإنجازات التي حقٌقتها الإمبريالية، نجاحها في إنتاج خطاب يفصل بينها وبين الأنظمة العربية القائمة، ويقدم الإمبريالية كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحليف للشعوب المضطهَدَة. وبعد احتلال العراق، ظهرت في مصر وسوريا وتونس وفلسطين وغيرها، أشكال من التحالفات السياسية للمعارضة، تهلٌل للتٌدخٌل الإمبريالي في البلاد العربية، بدعوى استحالة التغيير، بالإعتماد على قدرات الفئات الشعبية والكادحة، واستنجدت بسفراء أمريكا وأروبا، ووزراء خارجيتها لمحاولة الوصول إلى الحكم، وامتدح العديد من "معارضينا"، حتى بعض من كانوا محسوبين على اليسار، ما حصل في أوكرانيا وجورجيا، من "ثورات" برتقالية ملوٌنة، من إعداد المخابرات الأمريكية. فالخلفيٌة الإيديولوجية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي "ميبي"، هي تلك النظرية التي بناها "فرنسيس فوكوياما" قبل حوالي ٢٠ سنة، ومفادها ان الديمقراطية البرجوازية (اللبرالية)، هي قمٌة ما يمكن أن يبلغه العقل الإنساني، في المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية، ولذا وجب فرضها على باقي الشعوب، بدهاء ولين، إن أمكن، وبقوٌة السٌلاح إن وجدت مقاومة وممانعة. وهاهي أمريكا تجرٌب الحلٌين معا، في مختلف المناطق. * كل الإستشهادات الواردة بين معقٌفين " " مأخوذة من الموقع الرسمي ل ميبي: mepi.state.gov أو من النشرة الإلكترونية لوزارة الخارجية الأمريكية: Usinfo.state.gov

стр. 493

القلق الفكري أحمد بن عبد الرحمن الصويان ١٠شوال١٤٣١هـ من الظواهر التي لا تكاد تخطئها العين في ساحتنا الدعوية: بروز أفراد يحملون فكراً (إسلامياً)، لكنه فكر قلق غير متوازن يزداد جنوحاً وتفلُّتاً؛ كلما زادت الموضوعات التي يعالجونها. والطريف أن بعضهم يفتعل حولها أحياناً معارك جانبية، ويغرق في منازلات عنترية، ويُشعِرون أنفسهم ومَنْ حولهم بأنهم يحملون لواء التجديد الفكري والإصلاح المنهجي، ثم تراهم يجتهدون في تكبير الصغار، واصطناع الرموز! أهم ما يميز هؤلاء: أنهم يطرحون خطوطاً عريضة بعناوين كبيرة، تشوبها الضبابية وعدم الوضوح، لا تخلو غالباً من تباين وتناقض. وحقيقة الحال أن كثيراً من هؤلاء لا يدرون ما يريدون، ولا إلى أين يسيرون؟ بل إن غاية ما عندهم: الانقلاب على الذات، ومحاولة التفلت من تبعات البيئة الدعوية التي نشؤوا وترعرعوا فيها. من أهم أسباب هذا القلق والاضطراب: أولاً: ضعف البناء الشرعي والفكري: وهو ما يؤدي إلى خللٍ وقصور في فهم النصوص والأحكام الشرعية، واضطرابٍ في أخذها والاستدلال بها، بل أبعد من ذلك؛ حيث نرى في أرائهم أحياناً أن بعض الأفكار المعاصرة وقيم الفكر الغربي ومصطلحاته هي الأصل الذي يُحتَكَم إليه، والمعيار الذي توزن به الاجتهادات. وقد لا يتجرؤون على رد النصوص الشرعية التي تخالفها، لكنهم قد يتكلفون الحيدة عنها، أو التأويل والتعسف في فهمها والاستدلال بها. وصنيع هؤلاء مما حذرنا منه المولى - جل وعلا - في قوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢ - ٣]، وهو مخالف لأمر الله بالتسليم التام للنصوص الشرعية، كما قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وضعف العلم الشرعي أحد الأسباب الرئيسة لتطاول بعض هؤلاء المتفيهقين، ثم انحرافهم عن جادة الصواب؛ وهذا أحد مقتضيات قول النبي ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقَ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (١). وأحسب أن بعض هؤلاء ممن يتطلع إلى الوصول إلى الحق ويحرص عليه، لكن الأمر كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (كم من مريد للخير لن يصيبه) (٢)؛ ولهذا فإن الواجب أن يستوفي الباحث الشروط العلمية للوصول إلى الحق؛ ليسلم بإذن الله - تعالى - من الشطط والانحراف. ثانياً: الانفتاح غير الواعي على مصادر فكرية ومعرفية جديدة عليهم (مثل كتابات الجابري وحسن حنفي والعروي ... ونحوهم): وجعل كتابات هؤلاء ندّاً لكتابات أئمة الإسلام الأثبات المجمَع على إمامتهم. فتنشأ عندهم حيرة مردُّها إلى الشبهات المثارة، ثم تتوالد لديهم بعض الأسئلة والمشكلات الفكرية والمنهجية التي لم يحسنوا الإجابة عنها أو التعامل معها.

стр. 494

ومع كثرة الحديث عن ذم الانغلاق، والدعوة إلى الانفتاح، سقط بعض هؤلاء في معتركات صعبة، وراحوا يتقحمون فيها، ويكثرون التنقل بين الأهواء (١)، ويخوضون في قضايا فكرية معقدة بآليات هشة هزيلة، وهذا في تقديري سبَّب لبعضهم صدمة معرفية حادة أدت إلى التذبذب والانهزام، وإلى تبنِّي آراء نبتت من خليط غير متجانس من الأفكار والاجتهادات العلمية والعملية. وصدق العلاَّمة محمد الخضر حسين؛ إذ قال: (الآراء الفاسدة والشُّبه المغوية، تربي في النفوس الضعيفة أذواقاً سقيمة) (٢). ثالثاً: من أعظم ما يعصم الإنسان من فتنة الشهوات، وسطوة الشبهات: سلامة التدين، وعمق الصلة بالله، . وكثير من أدواء النفوس إنما تنمو وتترعرع عند ضعف الإيمان، وقصور التربية. ومن أكثر أدواء النفس خفاءً وخطورة: العُجب والاعتداد بالرأي؛ فهو باب عريض من أبواب الفساد والسقوط؛ ولهذا قال النبي: «ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (٣). فإذا اجتمع الهوى والعُجب في النفس ازداد هلاكُ الإنسان، ومن دقائق الملاحظة التي تدل على النباهة وعمق البصيرة قول عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى -: (لا أعلم في المصلين شراً من العُجْب) (٤). وبعض الناس إذا قرأ كتاباً أو كتابين، وكتب مقالة أو مقالتين، استعلى بنفسه، وطار بها عجباً، وظن أنَّه أصبح مفكراً من كبار المجددين المبدعين، ولا يزال التيه يسيطر على عقله وفكره حتى يؤدي به إلى ازدراء مَنْ حوله، والتقليلِ من شأنهم، والاستخفاف بهم، بل التطاول عليهم إذا خالفوه! ومما يحسن التنبيه عليه في هذا السياق: أن المستعلي برأيه إذا أخطأ في مسألة استنكف استنكافاً شديداً عن الاعتراف بالخطأ، والرجوع إلى جادة الصواب، وقد يدفعه استعلاؤه إلى مزيد من التعصب والاستمساك بالخطأ، ظناً منه أنَّ سبيل الرفعة إنما يكون بالتعالي والتعاظم! رابعاً: ومن أدواء النفوس أيضاً: التطلع إلى الصدارة، والبروز نحو الأضواء، والمسارعة إلى التزيُّن أمام الناس: وقد بيَّن النبي ﷺ ، خطورة ذلك بذكر مَثَل واضح جَلِي، فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه» (٥). وهذه هي الشهوة الخفية التي كان يخافها شداد بن أوس ﵁ على أصحابه (٦). وكثير ممن يقع في هذا الداء لا يسلم من أحد أمرين: أحدهما: القدح في سلامة القصد، وحُسْن النية، وكفى بهذا إثماً وفساداً. الثاني: التشبع بما لم يعطَ. لكن ما علاقة هذا بالقلق الفكري؟ الحقيقة أن وهج الأضواء، وبريق الإعلام، يدفع بعض الناس أحياناً إلى التعالم، وإلى الرغبة في التميز، وقد لا يتحقق ذلك - عند ضعف البضاعة - إلا بالإغراب، والحرص على تتبع الأغلوطات، ومخالفة العلماء والتيار السائد ليس بسبب الاجتهاد العلمي، ولكن المخالفة لمجرد المخالفة. خامساً: قصور العلماء والدعاة في الحوار مع هؤلاء الشباب، والتهاون في استيعابهم: وهو ما أوجد قطيعة فكرية وفجوة تربوية معهم، وزاد من حدَّتها أن بعض العلماء والدعاة ربما احتدَّ أحياناً في تسفيه أفكارهم أو التقليل من شأنهم، فأدى ذلك إلى استفزازهم، وتعصبهم، ومقابلتهم لغيرهم بالعزة في الرأي والمعاندة، والإعراض عن نقد الآخرين، والاستفادة من آرائهم.

стр. 495

محور دعوة الرسل والمزاحمات المعاصرة - رؤية تأصيلية سلطان العميري ١٠شوال١٤٣١هـ من أظهر الأمور الدينية: أن المهمة الأولى لدعوة الرسل والهدف المركزي فيها هو تعبيد الناس لله تعالى، وغرس التعلق به في كل حياتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]. فمقصد بعثة الرسل وأساس دعوتهم ومنتهى أعمالهم وغاية جهادهم وقطب الرحى في حياتهم والفكرة التي حولها يدندنون، ومنها يقصدون وإليها يرجعون، وفيها يبذلون هي: عبادة الله وحده، وغرس فكرة العبودية في عقول الناس وقلوبهم، وإنكار عبادة كل ما سواه من الأوثان وغيرها. والذي يحاول أن يدقق النظر قليلا في طريقة القرآن في شرحه لمهمة الرسل يجد أنه اختار لفظ " العبادة " ومفهوم " العبودية " ليجعله مرتكز دعوة الرسل؛ وسبب ذلك: هو أن هذا اللفظ وذلك المفهوم يتضمن معاني لا يتضمنها غيره من المفاهيم، وله وظيفة لا يؤديها مفهوم آخر كما يؤديها هو، فمفهوم العبودية يتضمن معنى الحب والخوف والرجاء والإجلال والذل، فأصل معنى العبادة يرجع إلى الذل والخضوع، وهي عبارة عما يجمع غاية الحب مع غاية الخضوع للمعبود، يقول ابن تيمية: (العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له) (١٠/ ١٥٣)، ويقول منبهاً على العلاقة بين الحب والذل في مفهوم العبادة: (من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله) (١٠/ ١٥٣). ولأجل هذا أكثر القرآن في بيان دعوة الرسل من ذكر اسم الله واسم الإله؛ لأن هذا الاسم يؤدي إلى نفس المضمون التي تتضمنه العبودية (فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا وإكراما). وهذا يؤكد على أن المعْلَم الذي أبرزه القرآن ليكون أساس دعوة الرسل ومحور رسالتهم هو مفهوم العبودية، الذي يتضمن معنى الحب والرجاء والخوف لله تعالى، وهذا يجعل العلاقة بين الله وبين خلقه قائمة على معاني روحية متدفقة، تنبع من داخل الأعماق وتفيض على جميع جوانب الحياة، فهي علاقة أعمق وأدق من كل المعاني الأخرى التي تزاحمها، ولهذا لهج القرآن بذكر أوصاف الله تعالى وأسمائه، التي تقتضي تعلق قلوب العباد به سبحانه بالحب والرجاء والخوف والإجلال والتعظيم، فهذه المعاني الروحية الجملية هي التي جعلها القرآن محور دعوة الرسل، وهي التي سعى القرآن إلى تجذيرها في عقول الناس، وبذل كل السبل في ذلك.
следующие страницы →