بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عام ٢٠٠٨، دعم برنامج "ميبي" (وقنصلية أمريكا بالقدس)، ماديا وسياسيا، منظمة "غير حكومية" في غزة، اسمها "صوت المجتمع"، لتنظيم ورشات عمل وحلقات تكوينية، لتثقيف الناس، وتكوين ناشطات شابات حول "تعزيز امكانات المراة للمشاركة في المسار الديمقراطي. وخلق آليات عمل لتحريم العنف ضد النساء وجرائم الشرف والإلتزام بالمعاهدات الدولية. رغم الجو المشحون بالعدائية والعنف الذي يسيطر على غزة" (من موقع ميبي). كأن الإحتلال غير موجود ولا يمنع الغذاء والدواء ودخول وخروج المرضى والعمٌال والطٌلبة. وكأن العنف ليس نتيجة للإحتلال وإنما يبدو أنه من شيم الفلسطيني. والمشكل الوحيد لنساء غزة (ورجالها) هو تطبيق "المعاهدات الدولية" في مجال الحريات الفردية، وكأن الحصول على الغذاء والدواء والعمل ليس من الحقوق الأساسية للبشر، وكأن الفلسطينيين تحرٌروا، واستعادوا أرضهم وتخلصوا من المشاكل الناجمة عن الإحتلال.
أما مدير "صوت المجتمع" فقد انبرى يكيل المدائح لقنصلية أمريكا بالقدس ولبرنامج "ميبي"، وكأن أمريكا بريئة من جرائم الإحتلال الصهيوني، وليست مسؤولة عن إدامة الإحتلال، ومساندة الكيان الصهيوني ايديولوجيا وماليا وعسكريا ودبلوماسيا.
في نابلس خصٌص برنامج ميبي جائزة لمنظمة حقوقية، تأسست ب"فرمان" (مرسوم سلطاني في العهد العثماني) من ياسر عرفات، مباشرة بعد أوسلو، ولا زالت تحظى بمساندة سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله، وقدمت على أنها "منظمة حقوقية غير حكومية"، وهللت مديرتها لهذا الإعتراف العظيم من قبل الأسياد الأمريكان فبالغت في المديح والدعوات الصٌالحة ورجت دوام النعمة والجاه، ونابلس كانت معقلا لمقاومة الإحتلال، قبل انفلات "قوات الأمن الفلسطينية" الممولة والمسلٌحة والمدرٌبة أمريكيا، لاعتقال والتنكيل بكل من يشتبه بمقاومته للإحتلال. كما حصل شاب فلسطيني آخر على جائزة الصحفي الشاب، مما يمكٌنه من منحة دراسية في الولايات المتحدة، نتمنى أن تثير فيه الرغبة لمقارنة ما فعله الأروبيون البيض بالسٌكان الأصليين في أمريكا، بما فعله الصهاينة في فلسطين.
تحت عنوان "قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات"، نظٌم برنامج "ميبي"، من ٩ إلى ١١ يونيو/حزيران ٢٠٠٨، لقاء في الأردن جمع ٢٥٠ من رجال (ونساء) الأعمال ومحامين وقادة "المجتمع المدني"، بهدف "توسيع شبكة علاقاتهم الشخصية والمهنية، واكتساب خبرات أكبر"، بإشراف خبراء، استدعتهم وزارة الخارجية الأمريكية،، كما شاركت نساء شابات، تعملن في مجال الأعمال، والقانون، في برنامج تدريبي بأمريكا، على قيادة قطاع الأعمال والمجتمع المدني. وشارك في البرنامجين شبان وشابات من الجزائر والمغرب وتونس والبحرين ومصر والعراق المحتل والأردن والكويت ولبنان وعمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن و"الأراضي الفلسطينية"، إلى جانب صهاينة جاؤوا من فلسطين المحتلة.
стр. 492
في إطار "تمكين النساء" و"التدريب على الديمقراطية"، خصٌص البرنامج منحة ل٤٤ "قائدة سياسيٌة" من مختلف البلدان العربية، لمتابعة الحملة الإنتخابية الرئاسية، لمدة أسبوعين، في النصف الثاني من اكتوبر ٢٠٠٨، وناقشن مع الرئيس بوش " أهمٌية دعم الديمقراطية والإصلاحات لمجابهة التحدٌيات تجاه الشرق الأوسط" (أمٌا الإحتلال والهيمنة الإمبريالية والحكومات الكمبرادورية، فليست من التحديات الجديرة بالإهتمام). وقال لهن "جيمس غلاسمان"، وكيل وزارة الخارجية ". ستشهدن التاريخ أثناء صياغته، وستتاح لكن فرصة مراقبة الديمقراطية، وهي في عنفوان نشاطها، عندما يمارس الأمريكيون حقوقهم." ولم تشارك نساء الكيان الصٌهيوني في هذه التظاهرة، لأنهن لسن بحاجة "للتدريب على الديمقراطية"، فالصهيونية، حسب المفهوم الإستعماري، هي مشروع حضاري في قلب المشرق العربي المتعجرف.
خاتمة، معركة على الجبهة الإيديولوجية؟
دأبت الإدارات الأمريكية المختلفة على تكوين لجان للبحث والتفكير، في مواضيع ذات أهمية استراتيجية (أو تكتيكية)، بالنسبة لعلاقات أمريكا بمختلف مناطق العالم، ومصالحها الإستراتيجية. وقد تبقى نتائج أعمال تلك اللجان في الرٌفوف، أو لا تستغلها مصالح الدولة أو الإحتكارات، في الحين، بل تلجأ إلى تلك البحوث والدراسات عندما تنضج الظروف وتقتضي مصالحها أو مخطٌطاتها ذلك، مع تعديلها عند الضرورة، حسب مقتضيات المرحلة، أو ميزان القوى، أو المتغيٌرات على الساحة الخ. برنامج "ميبي"، هو عبارة عن فرع من "مشروع الشرق الأوسط الكبير" (كما جاء حرفيٌا في موقعه الإلكتروني)، يعنى بالجانب الإيديولوجي، وتخريب المجتمعات العربية من الداخل، وتكوين "نخب" (خصوصا من الشباب)، تتدرب على قيادة المؤسسات والأحزاب والمنظمات "غير الحكومية"، ووسائل الإعلام، متسلٌحة بأفكار تتنكٌر للتراث التقدٌمي للإنسانية، وللجوانب النٌيٌرة من حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا. فتجعل من التطبيع قيمة حضارية، وتحول السلام إلى رضوخ لإرادة الإستعمار، وتتشبٌه بالمحتل والمستعمر والمهيمن، وتجعله مثلها الأعلى، وتساند تدخٌلاته، حتى العسكرية منها، أي الإيمان بعدم قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، والقناعة بأن الإمبريالية هي الوحيدة القادرة على تقرير مصيرنا، وأن مثلها وقيمها الإستعمارية هي أرقى ما وصلت له الإنسانية، أي الإقرار بالعجز وبالهزيمة، دون محاولة النهوض لمقاومة الإحتلال والإستغلال والإضطهاد.
إن من أهم الإنجازات التي حقٌقتها الإمبريالية، نجاحها في إنتاج خطاب يفصل بينها وبين الأنظمة العربية القائمة، ويقدم الإمبريالية كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحليف للشعوب المضطهَدَة.
وبعد احتلال العراق، ظهرت في مصر وسوريا وتونس وفلسطين وغيرها، أشكال من التحالفات السياسية للمعارضة، تهلٌل للتٌدخٌل الإمبريالي في البلاد العربية، بدعوى استحالة التغيير، بالإعتماد على قدرات الفئات الشعبية والكادحة، واستنجدت بسفراء أمريكا وأروبا، ووزراء خارجيتها لمحاولة الوصول إلى الحكم، وامتدح العديد من "معارضينا"، حتى بعض من كانوا محسوبين على اليسار، ما حصل في أوكرانيا وجورجيا، من "ثورات" برتقالية ملوٌنة، من إعداد المخابرات الأمريكية.
فالخلفيٌة الإيديولوجية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي "ميبي"، هي تلك النظرية التي بناها "فرنسيس فوكوياما" قبل حوالي ٢٠ سنة، ومفادها ان الديمقراطية البرجوازية (اللبرالية)، هي قمٌة ما يمكن أن يبلغه العقل الإنساني، في المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية، ولذا وجب فرضها على باقي الشعوب، بدهاء ولين، إن أمكن، وبقوٌة السٌلاح إن وجدت مقاومة وممانعة. وهاهي أمريكا تجرٌب الحلٌين معا، في مختلف المناطق.
* كل الإستشهادات الواردة بين معقٌفين " " مأخوذة من الموقع الرسمي ل ميبي: mepi.state.gov
أو من النشرة الإلكترونية لوزارة الخارجية الأمريكية: Usinfo.state.gov
стр. 493
القلق الفكري
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
١٠شوال١٤٣١هـ
من الظواهر التي لا تكاد تخطئها العين في ساحتنا الدعوية: بروز أفراد يحملون فكراً (إسلامياً)، لكنه فكر قلق غير متوازن يزداد جنوحاً وتفلُّتاً؛ كلما زادت الموضوعات التي يعالجونها. والطريف أن بعضهم يفتعل حولها أحياناً معارك جانبية، ويغرق في منازلات عنترية، ويُشعِرون أنفسهم ومَنْ حولهم بأنهم يحملون لواء التجديد الفكري والإصلاح المنهجي، ثم تراهم يجتهدون في تكبير الصغار، واصطناع الرموز!
أهم ما يميز هؤلاء: أنهم يطرحون خطوطاً عريضة بعناوين كبيرة، تشوبها الضبابية وعدم الوضوح، لا تخلو غالباً من تباين وتناقض. وحقيقة الحال أن كثيراً من هؤلاء لا يدرون ما يريدون، ولا إلى أين يسيرون؟ بل إن غاية ما عندهم: الانقلاب على الذات، ومحاولة التفلت من تبعات البيئة الدعوية التي نشؤوا وترعرعوا فيها.
من أهم أسباب هذا القلق والاضطراب:
أولاً: ضعف البناء الشرعي والفكري: وهو ما يؤدي إلى خللٍ وقصور في فهم النصوص والأحكام الشرعية، واضطرابٍ في أخذها والاستدلال بها، بل أبعد من ذلك؛ حيث نرى في أرائهم أحياناً أن بعض الأفكار المعاصرة وقيم الفكر الغربي ومصطلحاته هي الأصل الذي يُحتَكَم إليه، والمعيار الذي توزن به الاجتهادات. وقد لا يتجرؤون على رد النصوص الشرعية التي تخالفها، لكنهم قد يتكلفون الحيدة عنها، أو التأويل والتعسف في فهمها والاستدلال بها.
وصنيع هؤلاء مما حذرنا منه المولى - جل وعلا - في قوله: ﴿كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢ - ٣]، وهو مخالف لأمر الله بالتسليم التام للنصوص الشرعية، كما قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٦٣].
وضعف العلم الشرعي أحد الأسباب الرئيسة لتطاول بعض هؤلاء المتفيهقين، ثم انحرافهم عن جادة الصواب؛ وهذا أحد مقتضيات قول النبي ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقَ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (١).
وأحسب أن بعض هؤلاء ممن يتطلع إلى الوصول إلى الحق ويحرص عليه، لكن الأمر كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (كم من مريد للخير لن يصيبه) (٢)؛ ولهذا فإن الواجب أن يستوفي الباحث الشروط العلمية للوصول إلى الحق؛ ليسلم بإذن الله - تعالى - من الشطط والانحراف.
ثانياً: الانفتاح غير الواعي على مصادر فكرية ومعرفية جديدة عليهم (مثل كتابات الجابري وحسن حنفي والعروي ... ونحوهم): وجعل كتابات هؤلاء ندّاً لكتابات أئمة الإسلام الأثبات المجمَع على إمامتهم. فتنشأ عندهم حيرة مردُّها إلى الشبهات المثارة، ثم تتوالد لديهم بعض الأسئلة والمشكلات الفكرية والمنهجية التي لم يحسنوا الإجابة عنها أو التعامل معها.
стр. 494
ومع كثرة الحديث عن ذم الانغلاق، والدعوة إلى الانفتاح، سقط بعض هؤلاء في معتركات صعبة، وراحوا يتقحمون فيها، ويكثرون التنقل بين الأهواء (١)، ويخوضون في قضايا فكرية معقدة بآليات هشة هزيلة، وهذا في تقديري سبَّب لبعضهم صدمة معرفية حادة أدت إلى التذبذب والانهزام، وإلى تبنِّي آراء نبتت من خليط غير متجانس من الأفكار والاجتهادات العلمية والعملية. وصدق العلاَّمة محمد الخضر حسين؛ إذ قال: (الآراء الفاسدة والشُّبه المغوية، تربي في النفوس الضعيفة أذواقاً سقيمة) (٢).
ثالثاً: من أعظم ما يعصم الإنسان من فتنة الشهوات، وسطوة الشبهات: سلامة التدين، وعمق الصلة بالله، . وكثير من أدواء النفوس إنما تنمو وتترعرع عند ضعف الإيمان، وقصور التربية.
ومن أكثر أدواء النفس خفاءً وخطورة: العُجب والاعتداد بالرأي؛ فهو باب عريض من أبواب الفساد والسقوط؛ ولهذا قال النبي: «ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (٣). فإذا اجتمع الهوى والعُجب في النفس ازداد هلاكُ الإنسان، ومن دقائق الملاحظة التي تدل على النباهة وعمق البصيرة قول عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى -: (لا أعلم في المصلين شراً من العُجْب) (٤).
وبعض الناس إذا قرأ كتاباً أو كتابين، وكتب مقالة أو مقالتين، استعلى بنفسه، وطار بها عجباً، وظن أنَّه أصبح مفكراً من كبار المجددين المبدعين، ولا يزال التيه يسيطر على عقله وفكره حتى يؤدي به إلى ازدراء مَنْ حوله، والتقليلِ من شأنهم، والاستخفاف بهم، بل التطاول عليهم إذا خالفوه!
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا السياق: أن المستعلي برأيه إذا أخطأ في مسألة استنكف استنكافاً شديداً عن الاعتراف بالخطأ، والرجوع إلى جادة الصواب، وقد يدفعه استعلاؤه إلى مزيد من التعصب والاستمساك بالخطأ، ظناً منه أنَّ سبيل الرفعة إنما يكون بالتعالي والتعاظم!
رابعاً: ومن أدواء النفوس أيضاً: التطلع إلى الصدارة، والبروز نحو الأضواء، والمسارعة إلى التزيُّن أمام الناس: وقد بيَّن النبي ﷺ ، خطورة ذلك بذكر مَثَل واضح جَلِي، فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه» (٥). وهذه هي الشهوة الخفية التي كان يخافها شداد بن أوس ﵁ على أصحابه (٦).
وكثير ممن يقع في هذا الداء لا يسلم من أحد أمرين:
أحدهما: القدح في سلامة القصد، وحُسْن النية، وكفى بهذا إثماً وفساداً.
الثاني: التشبع بما لم يعطَ.
لكن ما علاقة هذا بالقلق الفكري؟
الحقيقة أن وهج الأضواء، وبريق الإعلام، يدفع بعض الناس أحياناً إلى التعالم، وإلى الرغبة في التميز، وقد لا يتحقق ذلك - عند ضعف البضاعة - إلا بالإغراب، والحرص على تتبع الأغلوطات، ومخالفة العلماء والتيار السائد ليس بسبب الاجتهاد العلمي، ولكن المخالفة لمجرد المخالفة.
خامساً: قصور العلماء والدعاة في الحوار مع هؤلاء الشباب، والتهاون في استيعابهم: وهو ما أوجد قطيعة فكرية وفجوة تربوية معهم، وزاد من حدَّتها أن بعض العلماء والدعاة ربما احتدَّ أحياناً في تسفيه أفكارهم أو التقليل من شأنهم، فأدى ذلك إلى استفزازهم، وتعصبهم، ومقابلتهم لغيرهم بالعزة في الرأي والمعاندة، والإعراض عن نقد الآخرين، والاستفادة من آرائهم.
стр. 495
محور دعوة الرسل والمزاحمات المعاصرة - رؤية تأصيلية
سلطان العميري
١٠شوال١٤٣١هـ
من أظهر الأمور الدينية: أن المهمة الأولى لدعوة الرسل والهدف المركزي فيها هو تعبيد الناس لله تعالى، وغرس التعلق به في كل حياتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦].
فمقصد بعثة الرسل وأساس دعوتهم ومنتهى أعمالهم وغاية جهادهم وقطب الرحى في حياتهم والفكرة التي حولها يدندنون، ومنها يقصدون وإليها يرجعون، وفيها يبذلون هي: عبادة الله وحده، وغرس فكرة العبودية في عقول الناس وقلوبهم، وإنكار عبادة كل ما سواه من الأوثان وغيرها.
والذي يحاول أن يدقق النظر قليلا في طريقة القرآن في شرحه لمهمة الرسل يجد أنه اختار لفظ " العبادة " ومفهوم " العبودية " ليجعله مرتكز دعوة الرسل؛ وسبب ذلك: هو أن هذا اللفظ وذلك المفهوم يتضمن معاني لا يتضمنها غيره من المفاهيم، وله وظيفة لا يؤديها مفهوم آخر كما يؤديها هو، فمفهوم العبودية يتضمن معنى الحب والخوف والرجاء والإجلال والذل، فأصل معنى العبادة يرجع إلى الذل والخضوع، وهي عبارة عما يجمع غاية الحب مع غاية الخضوع للمعبود، يقول ابن تيمية: (العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له) (١٠/ ١٥٣)، ويقول منبهاً على العلاقة بين الحب والذل في مفهوم العبادة: (من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله) (١٠/ ١٥٣).
ولأجل هذا أكثر القرآن في بيان دعوة الرسل من ذكر اسم الله واسم الإله؛ لأن هذا الاسم يؤدي إلى نفس المضمون التي تتضمنه العبودية (فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا وإكراما).
وهذا يؤكد على أن المعْلَم الذي أبرزه القرآن ليكون أساس دعوة الرسل ومحور رسالتهم هو مفهوم العبودية، الذي يتضمن معنى الحب والرجاء والخوف لله تعالى، وهذا يجعل العلاقة بين الله وبين خلقه قائمة على معاني روحية متدفقة، تنبع من داخل الأعماق وتفيض على جميع جوانب الحياة، فهي علاقة أعمق وأدق من كل المعاني الأخرى التي تزاحمها، ولهذا لهج القرآن بذكر أوصاف الله تعالى وأسمائه، التي تقتضي تعلق قلوب العباد به سبحانه بالحب والرجاء والخوف والإجلال والتعظيم، فهذه المعاني الروحية الجملية هي التي جعلها القرآن محور دعوة الرسل، وهي التي سعى القرآن إلى تجذيرها في عقول الناس، وبذل كل السبل في ذلك.
стр. 496
فلم يراع القرآن حين أراد أن يبين مهمة الرسل في تعليق القلوب بالله تعالى معنى الهروب من استبداد الخلق للخلق كأساس، ولم يجعل مهمة الرسل المركزية بيان منزلة الحرية أو بيان حاكمية الله تعالى على الخلق، فالعباد لا يتعلقون بالله لأنه حاكم عليهم فقط، ولا يتعلقون به لأنهم أحرار ليسوا عبيدا لأحد فقط، وإنما يتعلقون به سبحانه لأنه هو الذي يستحق الحب والإجلال والذل له والخوف والرجاء منه، يتعلقون به لأنه خالقهم ورازقهم ومحسن إليهم ورحيم بهم فهو أهلٌ لأن يتعلق به، يتعلقون به لأنه متصف بالكمال من كل وجه، فهذه هي المعاني التي كانت محور دعوة الرسل وأساس منطلقهم في الرسالة، فالمنطلق الأصلي في تعلق الناس بربهم هو أنهم أدركوا كماله واستحقاقه للعبودية لا أنهم تحصلوا على الحرية وانتصروا على الاستبداد.
ونحن إذا رجعنا إلى القرآن والسنة نجد أن الشريعة أكثرت من تفعيل مبدأ العبودية في بيان العلاقة بين الله وخلقه، وكانت تستعمل الألفاظ وتبرز المعاني التي تتضمن العلاقة الروحية الرفيعة بين الله وبين خلقه، وتشيع بين المسلمين الألفاظ التي تغرس محبة الله ومخافته ومراقبته وتعظيمه، ولم تستعمل الألفاظ الأخرى التي لا تؤدي إلى تلك المعاني الشريفة كلفظ الحاكمية مثلاً.
والذي يرجع إلى نصوص الشريعة ويقرأها قراءة تأمل وتدبر، ويحاول أن يستخلص الأهداف الأصلية لدعوة الرسل سيخلص بسهولة إلى أن المرتكز الصلب في دعوتهم هو الحب الإلهي والرضا الرباني، وسيجد أن حجر الزاوية في الإسلام هو التعلق بالله تعالى والارتباط به بمفهوم العبادة دون غيره من المفاهيم.
وسيدرك أن هذا المعنى هو الغاية من الرسالات وهو المقدم على كل غاية، وسيكتشف أنه الهدف الذي ينبغي أن يكون بارزا ظاهرا للعيان، ولا يجوز لأي غرض آخر أن يزاحمه في المحورية والمركزية، وفي بيان اهتمام القرآن بمفهوم العبودية يقول ابن القيم: (غالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد -توحيد الخبر وتوحيد الإرادة- بل نقول قولاً كلياً: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (المدارج ٣/ ٤٤٩)، فالقرآن كله مشتغل بالله تعالى، حتى يتعلق الناس به وينصرفوا عن كل ما سواه.
فالقرآن لما أراد أن يبين الغاية من خلق الناس أبرز مفهوم العبودية للعيان، فقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات:٥٦].
стр. 497
ولما ذكر القرآن مناظرات الرسل لأقوامهم بين أن كل رسول يبدأ أول ما يبدأ في دعوته لقومه بالدعوة إلى العبودية لله، فقال عن نوح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم﴾ [الأعراف:٥٩]، وقال عن هود: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُون﴾ [الأعراف:٦٥]، وقال عن صالح: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]، وقال عن شعيب: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾ [الأعراف:٨٥] , وواضح من طريقة شعيب في دعوته أنه جعل الدعوة إلى العبودية محوراً أساسياً ثم بعد ذلك بين لوازم هذه العبودية.
ولما أراد القرآن أن يبرز صفات المؤمنين أظهر الصفات المتعلقة بمفهوم العبودية المتضمنة للحب والخوف والرجاء، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون **الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون **أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ [الأنفال:٢ - ٤]، ونبه على أن هذه هي أوصاف المؤمنين سواء كانوا في حالة الاستضعاف أو في حالة القوة، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ [الحج:٤١]، والمراد بالمعروف هنا: هو كل ما هو عبادة لله تعالى، والمراد بالمنكر: كل ما هو معصية له سبحانه، وقد كرر القرآن كثيرا الصفات التي يتحلى بها المؤمنون، فذكر قيام الليل والجهاد في سيبل الله والخوف من القيام بين يديه.
بل إن الوصف الذي اختاره الرسول ﷺ لنفسه هو وصف العبودية، كما قال: ((أفلا أكون عبدا شكورا)) وقال: ((ولكن قولوا: عبد الله ورسوله)) ولم يكن يصف نفسه بالحرية ولا الثورة على استبداد الكفار، وما أكثره وأغلظه في زمنه!
وحين ذكر القرآن نعيم المؤمنين في الجنة كان يعلقهم بالله تعالى مباشرة، فغاية نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجهه الكريم، ولما ذكر أصول الأعمال التي تؤدي إلى دخول الجنة كانت كلها راجعة إلى العبودية لله تعالى، ولم يذكر منها الحصول على الحرية أو الثورة على الاستبداد.
стр. 498
وكذلك لما ذكر تعذيب الكفار، وأصول الأعمال الموجبة لدخول النار لم يجعل المناط المؤثر فيها إلا فقدان معنى العبودية لله تعالى وترك أفعال الطاعة كما قال سبحانه: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر **قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين** وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين **وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين **وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين **حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين﴾ [المدَّثر:٤١ - ٤٧]، ولم يجعل من أصول ما يوجب دخول النار الخضوع للاستبداد ولا ترك الحرية، ولا فقدان الحاكمية، نعم نبه القرآن على أن بعض - لا كل - من بقي على الكفر ولم يدخل في الإسلام حتى دخل النار كان نتيجة تقليده لرؤساء قومه، ولكن الشريعة لم تجعل المناط المؤثر إلا ترك العبودية لا غيره.
وكان الرسول ﷺ إذا أراد أن يحث أصحابه على الأعمال الصالحة وعلى المزيد من العبودية لله تعالى يعلقهم بربهم وبالمعاني القلبية المتدفقة، فكان يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا، ولم يقل يوما ما: من كان حرا أبيا فليفعل كذا، أو من كان متحرراً من استبداد البشر فليقل كذا، مما يدل على أن الهدف المركزي الذي يسعى إلى غرسه في قلوب الصحابة هو العبودية لله، والتعلق به بالحب والخوف والرجاء.
وحين بين النبي ﷺ أمر الدين، وبين مبانيه الكبرى ولخص أصوله لما سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، لم يذكر إلا ما يدل على أن الغرض الأصلي للدين هو العبودية لله تعالى ومراقبته في السر والعلن، فهذا هو المعنى الذي تتمحور عليه كل الرسالات، وهو ما وصى الله به كل الرسل، كما قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيب﴾ [الشورى:١٣].
ومن لطيف استعمالات الشريعة أنها لما أرادت التنفير من التعلقات الأخرى المزاحمة للتعلق بالله تعالى استعلمت لفظ (العبودية) كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين﴾ [يس:٦٠] , وكما قال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [يونس:١٨] , وكما قال سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣]، وكما قال ﷺ : ((تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار .... ))، كل هذا حتى يتشرب الناس مفهوم العبودية المتضمن للحب والخوف والرجاء لله تعالى، وينفرون من تعليق هذه المعاني بغيره سبحانه.
ومن لطيف طريقة القرآن في بناء العبودية لله تعالى أنها لم تجعل الأصل في منطلق الدعوة إلى عبودية الله تعالى إلا بيان الكمالات التي اتصف بها الله تعالى والتي توجب تعلق القلوب به، ثم كملت ذلك ببيان الخلل في التعلقات الأخرى.
стр. 499
فهذه الاستعمالات وغيرها كثير في القرآن والسنة كلها تصب في معنى واحد، وهو أن المرتكز الذي تقوم عليه دعوة الرسل هو تعليق الناس بالله بمفهوم العبودية، وأن كل الأغراض الأخرى التي جاءت الشريعة لتحقيقها إنما هي تابعة لهذا الغرض الأصلي، فالهدف الذي يتربع على رأس الهرم في دعوة الرسل هو مفهوم العبادة.
وليس المراد من الكلام السابق اختزال دعوة الرسل في الدعوة إلى العبودية فقط، ولا اختزال مفهوم العبودية في العبادات المحضة، فلا شك أن الشريعة جاءت بالدعوة إلى أغراض أخرى تتعلق بحياة الناس وأحوالهم، فمن أغراض الشريعة ترتيب دنيا الناس، وإزالة الظلم عن المظلومين، والدعوة إلى العدل، وتقنين معاش البشر، ولكن كل تلك الأغراض متأخرة عن غرض العبودية ومنخفضة عنه في المرتبة ولا يصح أن تزاحمه أو تساويه، فلفظ العبادة يتضمن معاني ويستلزم أخرى، ومن ضروريات التأصيل الشرعي أن نفرق بين المعاني المتضمنة فنجعلها الأساس وبين المعاني المتضمنة ونجعلها التابع.
... ... ...
ومع وضوح هذا الأمر وتجليه في الظهور إلا أنه لم يسلم من المضايقات، فقد غدونا نسمع من هنا وهناك دعوات تزاحم مفهوم العبودية ومرتكز لدعوة الرسل، وقد توالت أصوات عديدة في السعي إلى ذلك، ومن تلك المزاحمات:
الأولى: مزاحمة مفهوم العبادة بالدعوة إلى فكرة الحاكمية، فقد ظهرت في أوائل عصرنا الحديث دعوة تقصد إلى إرجاع مفهوم العبودية إلى معنى السلطة والحاكمية، وتجعل جوهر دعوة الرسل يعود إلى تكريس فكرة الحاكمية، ويعد أبو الأعلى المودودي هو أول من أظهر هذه الفكرة وسعى إلى بنائها، وفي هذا المعنى يقول: (خلاصة القول: أن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة، سواء أكان يعتقدها الناس من حيث حكمها على هذا العالم حكم معينين على قوانين الطبيعة، ومن حيث أن الإنسان في حياته الدنيا مطيع لأمرها وتابع لإرشادها، وأن أمرها في حد ذاته واجب الطاعة والإذعان، وهذا هو تصور السلطة الذي يجعله القرآن الكريم أساسا لما يأتي به من البراهين والحجج على إنكار ألوهية غير الله، وإثبات الألوهية لله تعالى) (المصطلحات الأربعة ٢٣).
وجعل ألوهية الله تعالى كلها ترجع إلى مفهوم الحاكمية على الخلق، وبالتالي فمفهوم العبودية يرجع إلى الحاكمية، وجعل العبادات إنما شرعت لتكون طريقا لتحقيق الحاكمية.
وقد تبنى سيد قطب هذه الفكرة أيضا، وفي هذا يقول: (الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية ... وهي الحاكمية ... إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا) (معالم في الطريق٩)، ويقول عن الذين خاطبهم القرآن: (كانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله بها معناه: نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، ورده كله إلى الله) (معالم في الطريق٩).
بل إنه يقول: (لا إله إلا الله - كما يدركها العربي العارف بمدلول لغته - لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد لأن السلطان كله لله) (معالم في الطريق٣١)، وقد أطال سيد جدا في إرجاع مفهوم العبودية ومعنى لا إله إلا الله إلى الحاكمية.
ونحن إذا رجعنا إلى لغة العرب نجد أن الأمر مختلف تماما عما ذكروه، فالمعنى الذي يتضمنه مفهوم العبودية يرجع إلى الذل والتعظيم والحب، ولفظ الإله في اللغة يعني: من تألهه القلوب وتحبه وتعظمه، فكل تلك المعاني معاني زائدة على فكرة الحاكمية، بل إنه لا يتضمنها.
стр. 500
وكذلك إذا رجعنا إلى الدلالات السابقة التي استعملتها الشريعة في بيان دعوة الرسل نجد أنها أبرزت معاني التأله والحب والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال في العلاقة بين الله وبين خلقه، فهي معاني إيجابية تنطلق إلى تعليق القلوب بالله تعالى أولا وقبل كل شيء، فكيف يصح مع هذا أن تقتصر العلاقة على الحاكمية فقط، فالحاكمية هي أحد المعاني التي تدخل في العبودية ولكن ليست أساسها، وقد اجتهد عدد من المفكرين المعاصرين في بيان الخلل المنهجي الذي وقع فيه أبو الأعلى المودودي وسيد قطب في تفسير مفهوم العبودية، وفي شرحهم لمحور دعوة الرسل، ومن أقوى من بين ذلك الخلل: أبو الحسن الندوي في كتابه (التفسير السياسي للإسلام)، ووحيد الدين خان في كتابه (خطأ في التفسير).
الثانية: مزاحمة مفهوم العبودية بالدعوة إلى الحرية والثورة على الاستبداد، فقد غدونا نسمع في المجالس ونقرأ في المنتديات أن الرسل إنما جاءت لتحرر الإنسان من الاستبداد، ونقرأ أن مفهوم التوحيد والعبادة يرجع إلى مفهوم الحرية، أو أن مفهوم الحرية معنى أصلي في التوحيد، ونسمع أن الإنسان لا يكون كامل التوحيد حتى يتخلص من كل أنواع الاستبداد، ونقرأ أن جوهر جهاد الأنبياء يرجع إلى الانقلاب على الظلمة، بل سمعنا من يقول إن عبودية الاستبداد تفوق عبودية الوثن، ووجدنا من يقول إن الفكرة المحورية في الأديان هي الانتصار للمستضعفين.
ولما اطلع بعض الباحثين على هذه العبارات وغيرها أخذ يقول إن أصحابها يقصدون اختزال دعوة الرسل في الدعوة إلى الحرية، وأنهم يقللون من أهمية الشرك بالله في العبادة، وأنهم يؤخرون منزلته عن الحرية.
وإذا اعتبرنا أحوال كثير من عقلاء المشتغلين بالدعوة إلى الحرية والمختصين في شأن الإنكار على الاستبداد لا نرى ذلك الوصف منطبقا عليهم، بل هو توصيف مخالف للحقيقة، فهم لم يقصدوا إلى اختزال مفهوم التوحيد في الحرية ولم يقصدوا إلى التقليل من خطورة الشرك في العبادة.
ومكمن الخطأ في نظري راجع إلى معنى آخر، وهو أن تلك العبارات يدل ظاهرها على مزاحمة مفهوم العبادة بمفهوم الحرية، ويدل على مساواة لوازم العبودية لله تعالى بالمعاني المتضمنة فيها، ونحن إذا توجهنا بالتحليل إلى تلك الأفكار، وحاكمناها إلى نصوص الشريعة، فإنا نقف في النصوص على أن المحور الأساسي الذي سعى الإسلام لغرسه في قلوب الناس هو مفهوم العبودية، ولم يركز على مفهوم الاستبداد أو الحرية كمحور ومرتكز لدعوة الرسل، نعم هناك إشارات إلى هذا المفهوم، ولكنها لا تعدوا أن تكون مجرد إشارات لا تنقله وتؤهله لأن يكون مزاحما لمفهوم العبودية، أو يكون عنصرا أساسيا فيها بحيث إذا انخرم يقع الخلل في مفهوم العبادة!، وإنما هو مثله مثل أي طاعة أخرى.
فمما لا شك فيه أن كل الطاعات تدخل في مفهوم العبودية، وكل المعاصي تدخل في مفهوم الشرك من جهة أنها نتيجة الخضوع للهوى والنفس والشيطان، ففعل الزنى - مثلا - يمكن أن نجعله من الشرك، وأنه نتيجة الخضوع لاستبداد الهوى, ولكن هذا لا يبرر لنا أن نجعل الدعوة إلى ترك الزنى محورا أساسيا في دعوة الرسل، وإنما هو تابع للمحور.
стр. 501
ثم إنا لو عقدنا مقارنة بين لفظ (العبادة) ومفهوم (العبودية) وبين لفظ (الحرية) ومفهوم (تحرير الإنسان من الاستبداد) لوجدنا أن مفهوم العبودية يتضمن معاني لا توجد في مفهوم الحرية، فهو يحمل معنى الحب والذل والخوف والرجاء والإجلال، وهذه المعاني لا يتضمنها لفظ الحرية، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يصح شرعا ولا عقلا ولا ذوقا أن نزاحم به لفظ العبادة الذي يتضمن معاني روحية عميقة بلفظ آخر مادي جاف، ولا أن نرفعه لنساويه به، وإنما يجب علينا أن نجعل مرتكز دعوة الرسل قائم على مفهوم العبودية لله، ونجعل المعاني الأخرى اللازمة له والناتجة عنه ومنها الحرية تابعة له لا مزاحمة ولا مساوية.
وهذا لا يعني أنا نمنع من استعمال لفظ الحرية في التعبير عن المعاني الشرعية بإطلاق، ولكن غاية ما يعني أنه لا يصح أن نجعله مساويا للفظ الشرعي في المعنى ولا في الدلالة المتضمنة.
ثم إنا لو طالعنا النصوص الشرعية لوجدناها تدل على أنه لا علاقة بين العبودية كمالا ونقصا وبين الحرية كمالا ونقصا، فقد يكون الإنسان كامل الدين مع أنه ناقص الحرية، فقد كان عدد من الصحابة من الرقيق والعبيد، ولا يصح أن نصفهم بنقص الدين لأنهم عبيد، فقد بشر النبي ﷺ بعضهم بالجنة وهو حي يعيش على الأرض، بل إن الشريعة أقرت نظام الرق والعبودية، وهو من أسوأ ما يضاد الحرية، ومع هذا لم تعد الشريعة هذا النظام مناقضا لأصل مفهوم العبودية لله تعالى ولا لكماله، ولو كان كذلك لسعت إلى محاربته كما سعت إلى محاربة عبادة الأوثان، بل إن النبي ﷺ إذا جاءه الرقيق ليسلم بين يديه لم يكن يقول له إنك عبد مسلوب الحرية أو ناقصها، فلا تقبل منك عبودية الله أو لا يمكن أن تكون كامل العبودية، ولم يكن يحرضه على الثورة على سيده، بل كان يقبل منه إعلانه لتوحيده.
وهذه الدلالة من أظهر الدلالات وأقواها على أن الحرية لا يجوز لها أن تزاحم العبودية، وإنما هي متأخرة عنها بمراحل كبيرة، وكذلك يدل على أن الحرية ليست معنى أساسيا في التوحيد والعبادة؛ إذ لو كانت كذلك لما رضي النبي ﷺ بوجود نظام يكرسها، ولابد لنا أن نؤكد على أن الدلالة في هذا الدليل راجعة إلى إقرار الشريعة لنظام الرق لا في إلزام السيد بالعدل مع عبده، فإن المطالبة بالعدل معه وبترك ظلمه لا يرفع عنه كونه مسلوب الحرية التي تميز بها العبد الذي ليس برقيق.
ودلت النصوص الشرعية على أنه إذا تعارض حفظ الدين مع ما ينقص حرية الناس ويوقع عليه الاستبداد، دلت على أنه يجب تقديم ما يحفظ الدين للناس، ومن ذلك قوله ﷺ : ((خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون، عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك، قال: لا ما أقاموا لكم الصلاة)) (مسلم ١٨٥٥).
وهذا المعنى - وهو أن مفهوم الحرية والثورة على الاستبداد لا يصح أن يزاحم مفهوم العبودية وأنه ليس معنى أساسيا في نفيها- هو ما فهمه العلماء والفقهاء والمحدثون الذين ثاروا على الاستبداد وعلى الظلم والبغي وأكل أموال الناس بغير حق، فإنهم لما ثاروا على دولة بني أمية لأجل ما حصل منهم من استبداد، لم يقل أحد منهم الحرية أو الثورة على الاستبداد هو أساس دعوة الرسل ولم يجعل أحد منهم الدعوة إلى الحرية هو جوهر التوحيد، ولم يقل أحد منهم إن الحرية من أصول المعاني العبادية، أو أن من لم يثر على الاستبداد توحيده ناقض وعبوديته مخرومة، كل ذلك لم يحصل منهم، وإنما قدروا الانحراف قدره وأنزلوه منزلته.
стр. 502
ونحن هنا لا نريد أن نقلل من أهمية الدعوة إلى محاربة الاستبداد ولا إلى إزالة الشرعية عن مشروع المطالبة بحقوق الأمة المسلوبة، فالدعوة إلى ذلك عمل شرعي واجب على عموم الأمة.
بل إن محاربة الاستبداد والمطالبة بحقوق الأمة يكون في كثير من الأحوال أولى وأوجب شرعا من الدعوة إلى محاربة بعض البدع التي لا تقدح في أصل الدين.
وإن الإنسان الحريص على الاكتمال في مشروع الإسلام الكبير يسعد حين يرى من يقوم بهذا الواجب الكفائي، تأصيلا وبيانا وتطبيقا، فلا يشك عاقل فضلا عن عارف بنصوص الشريعة أن هذا عمل جليل فاضل، ولا يشك عارف بالواقع في أن ما سلب من حقوق الأمة شيء كبير جدا، يوجب علينا مساندة من تكلف بالعمل فيه ومعاونته، ولكن هذا كله لا يبرر لنا أن نرفع من قدر الثورة على الاستبداد حتى نجعلها مزاحمة لمقصود العبودية لله تعالى، ولا يبرر لنا أن نجعل المعنى الأبرز في دعوة الرسل هو الثورة على الاستبداد، ولا يبرر لنا أن نجعل جوهر العبادة راجع إلى الحرية، ولا يبرر لنا أن نجعل كمال الدين مرتبط بكمال الحرية.
فمهما كان الخطأ الذي يتضمنه الاستبداد ومهما كانت الجريمة التي يتضمنها السطو على حقوق الناس، فهذا لا يبرر لنا أن نرفعها فوق القدر الذي تستحقه في الشريعة، أفرأيتم لو أن مجتمعا ما شاعت فيه فاحشة الزنى شيوعا كبيرا، فهل هذا الشيوع يبرر لمن أدرك خطورة هذه الفاحشة وأراد إصلاح ذلك الفساد أن يجعل محاربة الزنى محورا أساسيا في دعوة الرسل؟! ويصور للناس أن الرسل إنما جاءت حتى تمنع الزنى؟! ويستدل على ذلك بقصة لوط ﵇، أو أن مجتمعا شاع فيه الربا، فهل يحق لمن أراد أن يصلح هذا الخلل أن يجعل محاربة الربا محورا أساسيا في دعوة الرسل؟! ويصور للناس أن الرسل إنما جاءت حتى تمنع الربا؟!! ويستدل على ذلك بقصة شعيب ﵇.
وحين نقدم هذه الرؤية النقدية لا نريد أن ننكر على المختصين في مجال الحرية كثرة ذكرهم للظلم والاستبداد، ولا كثرة إلحاحهم على بيان خطورة السطو على حقوق الأمة، ولا نريد أن نلزمهم بالدعوة إلى التوحيد والعبادة أو بكثرة ذكره كما يفعلون مع الحرية، فإنا لو ألزمناهم بذلك لوجب علينا إلزام المشتغلين بالنحو والمشتغلين بالبلاغة والمشتغلين بأصول الفقه؛ أن يكثروا من الدعوة إلى التوحيد وبيان معانيه كما يكثر النحاة من ذكر الاسم والفعل والحرف، وكما يكثر البلاغيون من ذكر الاستعارة والتشبيه، وكما يكثر الأصوليون من الواجب والمندوب والقياس والنسخ، وهذا ما لم يقل به أحد.
فليس محل النقد إذن اللهج بمبدأ الحرية ولا كثرة الاشتغال به ولا التخصص فيه، وإنما ينحصر محل النقد في استعمال العبارات التي تجعل الدعوة إلى الحرية والثورة على الاستبداد محورا أساسيا في دعوة الرسل، ويدخل في النقد استعمال العبارات التي توحي باختزال مهمة الرسل في الدعوة إلى الحرية حتى قال بعض الكتاب: (إن عبودية الاستبداد تفوق عبودية الوثن).
فهي دعوة إلى التوازن في الطرح وتقدير كل شيء قدره بميزان الشرع.
стр. 503
الفتوى وتغيير المجتمعات
محمد بن شاكر الشريف
٩شوال١٤٣١هـ
يراد بالفتوى الإخبار بالحكم الشرعي أو بيانه في الواقعة المرادة، والفتوى تقوم بمهمة تأسيس العقائد والمعارف، كما تقوم بمهمة تغييرها وتعديلها، ولها من التقدير والتبجيل عند مجموع الأمة المسلمة ما يعطيها المكانة العالية والقمة السامقة التي لا يكاد يدانيها شيء في ذلك.
ومنصب الفتوى منصب عظيم لمن قام بحقه إذ المفتي مخبر عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ بما يحبه ويرضاه أو بما يكرهه ويبغضه، ومن كان متفقها في الدين فهو ممن أراد الله به خيرا كما قال الرسول الأمين: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" كما أن المفتين الفقهاء هم سادة الأمة الذين يرجع الناس إليهم ويفزعون إليهم في الملمات، حتى يطلق عليهم بعض أهل العلم لقب "الموقعون عن رب العالمين" من أجل ذلك اعتمدها الصلحاء وأهل الخير لتصحيح العقائد ومقاومة الانحراف السلوكي والفكري، واستعانوا بها في تحقيق مرادهم من أقصر طريق.
وفي الجانب المقابل اعتمدها أهل السلطان في تدعيم سلطانهم، من أجل ذلك قربوا إليهم من أهل العلم والفتوى من يرون تعلقه بالدنيا وأعطوهم من حطامها الفاني الذي مهما كثر فلن يدوم وأعطاهم أولئك في مقابل ذلك الفتاوى التي تؤيد مسالكهم والتي يتحصنون بها في مواجهة معارضيهم ومنتقديهم، كما اعتمدها أهل الأهواء في التلبيس على العامة لنشر بدعهم وضلالاتهم.
كما اعتمد عليها أعداء الأمة والملة لاختراق المجتمعات وتغيير القناعات وإفساد العقائد والتصورات والسلوكيات، وقد ساعدت التقنيات الحديثة والتطور الهائل في وسائل الاتصال لإحداث طفرة غير مسبوقة في هذا المجال، فما أن تصدر فتوى في جانب من المعمورة إلا ونجد صداها يتردد بين جنباتها الأخرى.
وفي ظل مجتمعات مسلمة تتقيد بالأحكام الشرعية وترى في ذلك حياتها وحيويتها، تكون الفتوى الشرعية من أكبر العوامل التي تسهم في تغيير المجتمعات ونقلها من طور إلى طور.
عندما تكون الفتوى متقيدة ومنضبطة بالنصوص الشرعية والقواعد الفقهية والمنهج الصحيح في الفهم والاستنباط، يكون التغير منطقيا متفاعلا مع الواقع ويتم ذلك في سلاسة من غير طفرات، لا يشعر الناس معه بقطيعة مع ما كان سائدا، بل يراه متماشيا معه حتى وإن خالفه؛ لأن كليهما صادر عن المرجعية نفسها ومن خلال المنهج نفسه.
وعندما تكون الفتوى انتقائية هوجاء لا هدف لها سوى تغيير المفاهيم، أو التناغم مع مؤثرات دخيلة، وليس استجابة لواقع ببيان حكمه، يكون التغيير حادا يشعر الناس معه بقطيعة فكرية ووجدانية مع ما كان سائدا، وربما يظهر بجانبه خطاب التبديع أو التفسيق لما كان سائدا، وربما التكفير (في الفتاوى الغالية)، وتكون الفتوى في هذه الحالة هي المنشئة للواقع، بحيث تقحمه في حياة الناس إقحاما، ويكون من نتيجة ذلك تتذبذب القناعات عند كثير من الناس ليس بالتشكك فقط فيما كان سائدا، بل ربما بالاقتناع بالجديد المغاير والدفاع عنه ومحاولة الاستدلال له بالعقل والنقل ودعوة الناس له، فينتج من ذلك فساد عريض في الحياة العلمية والعملية، ويكثر الحديث والجدل حول هذه المواضيع حتى يصرف الناس عن الأمور الهامة والتي تؤثر في دنياهم وأخراهم.
стр. 504
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م، ومع ضغط المجتمع الغربي المباين للإسلام، وضعف كثير من الأنظمة في مواجهة الضغوط، انفلت زمام الثبات على المعلوم المستقر من مذاهب أهل العلم، واتسع الخرق على الراتق في الفتاوى المخالفة لما عليه جماهير المسلمين ولما استقر عليه العمل قرونا متطاولة، وبدأت تظهر المقولات الفاسدة من غير أن تجد لها رادعا قويا يردعها، وكان الرد في كثير من أمره يحدث على استحياء، بل في غالب الأحيان نجد من يقبلها ويروج لها- حتى ينجو هؤلاء من وصمة الإرهاب التي اتخذها الصليبيون سيفا مصلتا على رقاب المسلمين- وقدمهم الإعلام وأبرزوهم وأسبغت عليهم الألقاب والهالات حتى طغت صورهم وأسماؤهم، وتوارى خلفها العلماء الربانيون
وفي الطرف المقابل أُهمل كثير من الثقات من أهل العلم المشهود لهم على طول العالم الإسلامي وعرضه بالعلم والتقوى والإخلاص لدينهم والحرص على مجتمعهم، فلم يُرجع إليهم ولم يُؤخذ بقولهم، بل حجم دور بعضهم وتطاول كثير من الرويبضات على الرموز الشامخة منهم.
ففي الجانب السياسي نجد كثيرا من المعاهدات المبرمة بين بعض الدول الإسلامية وبين الدول الغربية لم يؤخذ رأي الفقهاء فيها ولم يشتركوا في صياغتها، بل ولا يعلمون على وجه التفصيل ما اشتملت عليه من التزامات، ودورهم فيها لا يتجاوز إعلان شرعيتها بعد توقيعها ليس لموافقتها للأحكام الشرعية، وإنما تحسينا للظن بمن وقعها، رغم ما قد يقع فيها من طوام.
ودخل كثير ممن لا يحسن الفهم والاستنباط في الفتوى، وظن أن وضعه الذي هو فيه يعطيه الحق في الإفتاء، فنجد كثيرا ممن يعملون في الإعلام: في الصحافة أو في الإذاعة المسموعة أو الإذاعة المرئية، من يدلي برأيه في المسائل الخطيرة التي لا يَحْسُن الكلام فيها إلا من الراسخين في العلم بل نجد من أهل الفن كالأغاني أو الرقص أو التمثيل من يتكلم في ذلك بما يبين صواب مسلكه مدعيا بعض الكلمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كقولهم: الإسلام لا يحارب الفن، أو الإسلام لا يقف في سبيل الإبداع، أو الإسلام يرفض التشدد والتنطع ويرتبون على ذلك حل أنواع الفنون المختلفة كالأغاني والموسيقى والتمثيل والرقص والرسم والنحت ولو لذوات الأرواح بدعوى أن تحريم ذلك كان في أول الإسلام.
هناك ممن ينتسبون إلى العلم من يتعامل مع الفتوى الشرعية وكأنها من ممتلكاته الخاصة، التي يحق له أن يعطي منها ما شاء لمن يشاء، وكأنه ليس مقيدا بنصوص شرعية، أو محكوما بقواعد أصولية في استنباط الأحكام الشرعية، نجد هذا المسلك في كل أو جُل ما يتعلق بمعاملة الكفار والمشركين، الذين تم الاستعاضة عنهم بلفظ "الآخر"، وما يتعلق بأهل الذمة- ساكني دار الإسلام من غير المسلمين- الذين تم الاستعاضة عنهم بلفظ "الإخوة أو شركاء الوطن".
стр. 505
إن الأحكام الشرعية ليست من كيس أحد، ولا يحق لأي مسلم مهما كانت منزلته العلمية ولو كان شيخ إسلام، أو وجاهته الدنيوية ولو كان أميرا أو رئيسا أو ملكا، أن يدخل أية تعديلات على الأحكام الشرعية، بل محاولة إدخال هذه التعديلات تقدح في دين من يحاولها، إذ عبودية المسلم لربه والإذعان لسلطانه، تقتضى قبول كل ما شرعه والتسليم له، وهو ما سجله ربنا ﵎ في قوله: "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون"، وقوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" ومنذ أن شنت أمريكا وحلفاؤها الحرب على الإسلام تحت ذريعة محاربة الإرهاب، لم تنقطع الفتاوى المناقضة للدين تحت مسميات متعددة تستخدم في غير مواضعها، كالتسامح والوحدة الوطنية وحقوق الإنسان وغير ذلك من المسميات. والحقيقة أن وظيفة المفتي ومكانته ودوره تقتضي منه التحرز فيما يفتي به ولا يتابع هواه وألا يستدرج من قبل بعض المغرضين أو يستغفل من قبل بعض الساسة أو أصحاب السلطان فيقع في الكذب على الله تعالى ورسوله ﷺ مسارعة في مرضاتهم وتحقيقا للمكانة لديهم.
نماذج من الفتاوى التغيرية:
فوجيء المسلمون بالعديد من الفتاوى التي لا فائدة من ورائها سوى تغريب المجتمعات وإفسادها، والتي تمثل استجابة لضغوطات المؤسسات أو الهيئات أو التوجهات المناوئة للإسلام:
١ - صدمتنا الفتوى الموقع عليها من عدد من ينظر إليهم على أنهم من العلماء التي تقول إنه يجوز للمسلم الأمريكي أو البريطاني ونحوه العامل في جيش بلاده أن يقاتل معهم إذا حدثت مواجهة عسكرية بين بلده وبين بلد إسلامي ولو أدى ذلك لقتل إخوانه من المسلمين وذلك إثباتا لولائه لبلده، فقدموا الولاء للوطن ولو كان دار كفر على الولاء لله ورسوله والمؤمنين.
٢ - فوجئنا بمن يفتي لدولة نصرانية علمانية بأنه يحق لها أن تسن قانونا يمنع على المسلمات التقيد بلباسهن الشرعي، وأن على المسلمات الرضوخ للقوانين التي تتدخل في حقوقهن الشرعية بالمنع، وأن من لا يروق لها ذلك فعليها أن تهاجر من بلدها الذي هو موطنها وموطن آبائها وأجدادها، وليس لها وطن غيره.
٣ - استقرت الفتوى عقودا طويلة على أن فوائد البنوك ربا جلي وصدر بذلك فتاوى من عدد من المجامع الفقهية، حتى ظهر من يتبجح ويقول بحل الفوائد وأنها ليست من الربا ويقول عن البنوك الربوية إنها أكثر التزاما بالشرع من البنوك الإسلامية مجرئا بذلك المسلمين على أكل الحرام، ومثبتا للبنوك على نهجها الخاطئ ووأد أية بادرة لتوبة البنوك ورجوعها عن الربا.
٤ - وجدنا من يفتي بجواز أن ترضع المرأة الموظفة زميلها في العمل حتى يكون محرما لها للنجاة من عوار مشكلات الاختلاط، ولو طولب هذا المفتي أن يبين لنا قول شراح الحديث في شرح الحديث الذي يستدل به لكفه ذلك عن كثير من قوله في هذه المسألة.
٥ - ثم وجدنا من يقول بجواز فك السحر بالسحر.
٦ - ووجدنا بعد ذلك من يتطوع بالإفتاء بحل الاختلاط ويجهد نفسه في البحث والتنقيب عما يمكن أن يستدل به لرأيه حتى جاء من ذلك بما يتعجب منه غاية التعجب.
٧ - ومنذ وقت قريب وجدنا من يقول بحل الأغاني حتى ما كان منها مصحوبا بالآلات، ويخطأ جمهور أهل العلم القائل بعكس ذلك.
فهذه عينة من الفتاوى التي لو عمل بها جرفت المجتمع بعيدا عن دائرة السداد وأدخلته في دوائر متعددة من الانحراف.
стр. 506
مجتمع تزيغ فيه العقائد حيث الذهاب للسحرة والاستعانة بهم، وتضيع فيه معاني الولاء والبراء حيث يقدم الولاء للتراب على الولاء للعقيدة، ويتعيش من المال الحرام حيث يشيع التعامل بالربا، وتفسد الأخلاق حيث يشيع الاختلاط، وتضيع معاني الرجولة حيث الاستماع للأغاني المصحوبة بآلات الطرب، وغير ذلك مما يترتب على تلك الفتاوى، فلو تصورنا المجتمع وقد وصل إلى تلك الحالة جراء تلك الفتاوى بعد علينا تصور أن ذلك المجتمع ينتمي إلى المنظومة الإسلامية
علاج ذلك:
الفتاوى التغيرية تحتاج إلى علاج ناجع يكف ضررها عن الملة والأمة، علاج تشارك فيه أكثر من جهة:
١ - جهة المستفتين: وذلك بنشر الوعي بينهم حيث لا يستفتون إلا من يُوثق في دينه وأمانته وعلمه، ولا يكتفون في ذلك بمجرد ظهوره في فضائية، أو بقدرته الوعظية، فالفتوى غير الوعظ وغير الترغيب والترهيب، والفتوى أمرها خطير ولو كانت في أمر يظن الناس أنه سهل، وقد كان يتهيب من الإقدام عليها كثير من أهل العلم فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول" فلا ينبغي للمستفتي أن يسأل إلا ثقة ولا يقبل منه قولا إلا أن يبين له دليله إن كان يفهم الدليل، أو يبين له عمن أخذه من أهل العلم، وعلى المستفتي أن يعلم أن أغلب من يفتي مهما بلغ علمه فليس مجتهدا مطلقا وإنما هو تابع لمذهب من المذاهب المعروفة، ومن ثم فليس له إلا أن ينقل عن المذهب، ولو أن المستفتي طلب من المفتي أن ينقل له نص إمامه أو نص المذهب لمنع المفتي من كثير من الفتاوى التي يطلقها بغير زمام ولا خطام قد يقول المفتي: ما قلته هو نص الحديث النبوي، ورغم إقرارنا أن الحديث الصحيح حجة بنفسه ولا يحتاج في ذلك أن يكون قال به قائل، لكننا قد لا نثق في تطبيق المفتي للحديث على الواقعة المعروضة، لذا نطلب منه أن يخبرنا مَن من أهل العلم قبله فهم من الحديث الفهم الذي يقول به.
٢ - جهة المفتين: حيث يعلم المفتي الخطورة التي وضع نفسه فيها بارتقائه ذاك المرتقى الصعب، كما جاء في الحديث: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" قال المناوي: "لأن المفتي مبين عن الله حكمه فإذا أفتى على جهل أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبار"
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يوسف: ٥٩) قال الزمخشري: كفى بهذه الآية زاجرة زجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله تعالى"، وقال ابن المنكدر: "المفتي يدخل بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يفعل فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر".
٣ - جهة الولاية: حيث إن ولاة أمر المسلمين مكلفون بالحفاظ على دين المسلمين كما هم مكلفون بالحفاظ على دنياهم، لذا فإن من واجب ولاة الأمر الحجر على المفتين الذين يفسدون بفتاواهم الدين، وذلك كالمفتين الذين يفتون بالأقوال الشاذة ويتتبعون زلات العلماء، أو الذين يعلمون الناس الحيل حتى يتفلتوا من الأحكام الشرعية، أو الذين يفتون وهم غير مؤهلين للفتيا، ورحم الله ربيعة شيخ مالك حينما قال: لَبعض من يفتي هنا أحق بالسجن من السراق، ورحم الله الحنفية عندما أفتوا بالحجر على المفتي الماجن (الماجن: من لديه الآلة الفقهية لكن تنقصه الأمانة العلمية، فيفتي الناس بما يحبون ويدلهم على الحيل)، وقالوا: هو أحق بالحجر من الذي يمارس الطب وليس بطبيب، فإذا كان من يتطبب وليس هو بطبيب يفسد الأبدان، فإن من يفتي وليس هو بمفت حقيقة يفسد الأديان.
نسأل الله تعالى من فضله أن يحمي مجتمعاتنا من زلل الفتوى وخطلها وأن يوفق أهل العلم لقول الحق والثبات عليه، وألا يضعفوا أمام الواقع فيكون دورهم البحث عن مخارج له لا قيادته وتغ ييره ليكون موافقا لشرع الله تعالى.
المصدر: مجلة البيان
стр. 507
دراسة علمية شرعية
مجموعة من الباحثين الشرعيين
٥ شوال ١٤٣١هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد:
طالعتنا الصحف يوم الاثنين الرابع من شهر شوال لعام ١٤٣١هـ بإدانة من عدد قليل من الفعاليات الشيعية لما يقوم به المدعو ياسر الحبيب وصهره مجتبى الشيرازي من كفريات في حق أم المؤمنين عائشة ﵂, وطالعتنا الصحف بعدد من المباركات والتشكرات من عدد من الكتاب السعوديين لأولئك.
وقد قرأنا جميع ما نقل عنهم فلم نجد فيه ما يحملنا على شكرهم أو الزعم بأن ما صدر عنهم يصب في خانة الوحدة الوطنية والسعي إليها, وذلك للأمور التالية:
أولاً: موقف ياسر الحبيب ليس موقفاً معزولاً عن التراث المعتمد عند مراجع الشيعة, فكتبهم المعتمدة في مذهبهم تقول في عائشة الأقوال الخبيثة نفسها التي تفوه بها ياسر الحبيب وصهره الشيرازي، ومن قبلهم محمد العاملي مؤلف كتاب "خيانة عائشة".
ومن هذه الكتب "الكافي" للكليني, و "الأنوار النعمانية", و "من لا يحضره الفقيه", و "بحار الأنوار", و "تفسير القمي" و "مشارق أنوار اليقين" و "البرهان في تفسير القرآن" و "الهداية الكبرى" وغيرها من المصادر القديمة. وأيضاً توجد هذه العقيدة في المراجع المعاصرة كـ "مصباح الفقاهة" و "حق اليقين في معرفة أصول الدين"، وكتاب (خيانة عائشة) للعاملي, وغيرها.
ومع هذا فإن هؤلاء المثقفين الشيعة ينصّون بأن ما يقوله ياسر الحبيب لا يمت للمذهب بصلة، وهذا ما يجعلنا نشعر بأن ما صدر عنهم هو نوع من أنواع الاستغفال, إذ كيف تُجمع مصادر الشيعة على هذه العقيدة العفنة ثم يقول هؤلاء: إنها لا تمت للمذهب بصلة. لذلك فإن المنتظر منهم أن يتبرأوا من القول أياً كان قائله، والرد على هذه المصادر، والنقد الصريح لما فيها والبراءة منها كما تبرأوا من الحبيب وصهره. ولذلك فبراءة هؤلاء المثقفين من ياسر الحبيب ليست كافية في تبرئة الشيعة من هذا المعتقد الخبيث ما لم تتم البراءة من القول نفسه وممن قاله أياً كان، كل ذلك فضلاً عن قلة عدد المتبرئين إذا ما قورن بعدد من أعلن غضبه حينما صدرت بعض التصريحات ضد السيستاني.
ثانياً: كل ما قرأناه ليس فيه حديث عن تبرئة عائشة ﵂ من الكفر أو الفسق, وكل ما وجدناه إنما هو البراءة من ياسر الحبيب ومن صهره ومن قولهم هذا. ولم يأت عنهم نص على براءة عائشة ﵂ مما ينسبه هؤلاء إليها. ولم يتحدث أحد من هؤلاء عن طهارتها وعفتها إلا بطريق التلميح، كاستنكارهم لأن يتعرض أحد للحديث عن عرض رسول الله ﵌، وعدم تجويزهم إيذاءه ﵌, والحقيقة أن المسألة أكبر من ذلك.
ثالثا: الشيعة الاثني عشرية يؤمنون بالمرجعية, وكل فرد منهم له مرجعه العظيم، كما يسمونهم, ولهذا فإن أي بيان من طلبة علم ومثقفين لا يعبر في نظر الشيعة عن المذهب. وفي كل ما قرأناه لم نقرأ نقلا من أحد هؤلاء المثقفين عن أحد هؤلاء المراجع, وكلهم -أي المراجع- مع الأسف لا يوجد بينهم سعودي واحد.
رابعاً: المصرّحون بالطعن على عائشة ﵂، منهم من يحمل لقب آية الله وهو مجتبى الشيرازي، وهذا اللقب لا يحمله أحد ممن تبرأ من ياسر الحبيب, ولا يخفى أن التدرج اللقبي له وزنه الكبير لدى الشيعة.
خامساً: لا شك أن ما يتفوه به ياسر الحبيب ومن لف لفه تكذيب للقرآن الكريم الذي برأ عائشة ﵂ وحكم على متهميها بالنفاق. لهذا فإن مجرد استنكار قول ياسر الحبيب غير كاف في إدانته بل المطلوب النص على حكم مكذب القرآن أو آية منه عند الشيعة وتطبيقه على ياسر الحبيب.
стр. 508
سادساً: قرأنا ما صدر عن المجمع العالمي لأهل البيت في أواخر شهر رمضان من استنكار لما يدلي به ياسر الحبيب من تصريحات، فلاحظنا أنه يعتمد على التلبيس على الأمة واستغلال جهلها بمصادر الشيعة لتمرير بعض المغالطات, من ذلك عدم ذكرهم لاسم عائشة ﵂ ولا وصفها ﵂ بأم المؤمنين, وهذا الوصف اكتسبته ﵂ بقطعي القرآن (وأزواجه أمهاتهم) , كما أن البيان ينفي نسبة الطعن فيها إلى المذهب الشيعي بل ينسبها إلى الاستعمار, وهذا تلبيس عظيم لما قدمناه من عراقة هذه العقيدة في مصادر التشيع, وكذلك تأكيد البيان أن سبب صدوره هو منطلقات مصلحية وليس غضبة لأم المؤمنين وللقرآن الكريم الذي ثبتت فيه براءتها ﵂. كما أن البيان ينسب لأئمة الشيعة بشكل إجمالي تحريم التطاول على عرض الرسول ﷺ ، ولم ينقل البيان نصاً واحداً يحرم قذف عائشة ﵂ أو تكفيرها أو تفسيقها.
سابعاً: استشهدوا بالخميني في مقام المدح له على تصدّيه لسلمان رشدي مع أن عقيدة الخميني في أم المؤمنين ﵂ هي خلاف ما حاولوا إيهام الناس به، حيث وصفها في كتابه المسمى (كتاب الطهارة) بأنها أخبث من الكلاب والخنازير!
وأخيرا فإننا على يقين بأن كثيراً ممن سيقرأ ما كتبناه، سيصنفونه من باب ترسيخ العداوة والحقد والانفصام بين مكونات الوطن, والحقيقة أن ما نقوله يصب في خدمة التوافق والتعايش على أسس صحيحة ومتينة، وليس على أسس هشة وموهومة, ولو سكت هؤلاء المثقفون الشيعة عن البراءة أصلاً لما طالبهم أحد بها, أما وقد بادروا من تلقاء أنفسهم، فمن حقنا أن نطالبهم ببناء براءتهم هذه على أسس متينة قوية لها صفة الديمومة والبقاء, لا على أسس هشة تتغير بتغير الأحوال والأزمان والأمكنة.
دراسة علمية شرعية كتبها ودققها:
- د/ محمد بن إبراهيم السعيدي (عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى).
- د/ خالد بن محمد الغيث (عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة).
- الشيخ توفيق مصيري (عضو الهيئة العالمية للسنة النبوية) ..
- الشيخ خالد بن أحمد الزهراني (عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب بالجامعة الإسلامية).
- د فاروق الشمري (كاتب ومفكر إسلامي).
- د/ محمد بن سليمان البراك (أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى).
- الشيخ عبدالله بن سليمان الشايع (عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود بالرياض).
- الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الحمد (رئيس قسم التوعية بإدارة الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني).
- الشيخ عبدالله بن محمد الزقيل (كاتب ومفكر إسلامي).
- د/ عبدالعزيز بن عبدالله المبدل (الأستاذ بكلية التربية بجامعة الملك سعود).
- د/ عبدالرحمن بن جميل القصاص (أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى).
- د إبراهيم بن علي الحذيفي (أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى).
- الشيخ خالد بن إبراهيم الصقعبي (المستشار الأسري).
- د/ صالح بن عبدالله الملحم (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالأحساء).
- الشيخ جازع بن عبدالعزيز الدوسري (نائب مكتب الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني بالمدينة السكنية).
- د/ عبدالله بن محمد الحكمي (عضو متقاعد بهيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض).
- الشيخ منذر النابلسي (الأمين العام بلجنة الدفاع عن عقيدة أهل السنة بفلسطين).
- د/ محمد بن إبراهيم النعيم (عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فيصل بالإحساء).
- الشيخ عبدالله حيدري (باحث إيراني).
- الشيخ صالح بن محمد الحمودي (الداعية الإسلامي المعروف).
- الشيخ عمر بن عبدالعزيز بالطيور (القاضي بديوان المظالم بجدة).
- د/ إبراهيم عباس (استشاري).
- الشيخ تركي بن علي اللطيف (باحث في شؤون الفرق).
стр. 509
بين (مقاصد الشريعة) و (مقاصد النفوس) !
فهد بن صالح العجلان
(نحن بحاجة إلى إعادة النظر في هذا الحكم حسب المقاصد الشرعية) و (لا بد من مراعاة المقاصد الشرعية عندما نتحدث عن هذه القضية).
وعبارات أخرى مختلفة، ستسمعها - ولا بد - عند أي رؤية منحرفة تتعامل مع النصوص والأحكام الشرعية؛ فعامة الانحراف المعاصر حين يتعامل مع النصوص والأحكام الشرعية الجزئية فإنه لا بد - في سياق تجاوزه لأي حكم وإنكاره له - أن يرفع لافتة (المقاصد الشرعية) كتصريح شرعي للمارسات غير الشرعية.
المقاصد الشرعية التي كتب فيها فقهاء الإسلام بدءاً من الجويني والغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي تختلف اختلافاً تاماً عن هذه المقاصد التي يُشِيع كثير من الناس الحديث فيها؛ فالمقاصد عند فقهاء الإسلام قواعد كلية مستخرَجة من استقراء كلي لكافة النصوص والأحكام الجزئية، ولا يصح أن يُردَّ بها أيُّ حكم أو نص جزئي، بخلاف هذه المقاصد التي تترِجم المقاصدَ التي تريدها (نفوسهم) وتميل إليها (اختياراتهم) ويسعون من خلالها لرد جملة من النصوص والأحكام غير المرغوب فيها.
من أهم قواعد المقاصد الشرعية أن لا يُردَّ بها أي حكم جزئي، فإذا ثبت نص شرعي أو حكم فقهي فلا يجوز أن يُنقَض ويُتجاوَز بدعوى أنه مخالف لقاعدة مقاصدية؛ فهذا باطل لا علاقة له بعلم المقاصد (فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعياً ليس بحق في نفسه) (١).
وإذا كانت المقاصد الشرعية تقوم على ضرورة اعتبار (الكليات) فإنها تقوم على اعتبار الجزئيات كذلك (كما أن من أخذ بالجزئي مُعرِضَاً عن كليِّه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي مُعرِضَاً عن جزئيِّه) (٢).
فالمقاصد الشرعية تعتمد على تفاصيل الأحكام الجزئية، تقوم عليها، ولا تنكرها، بل حتى ولو وُجِد تعارض بين قاعدة مقاصدية وحكم جزئي تفصيلي فإن المنهج الصحيح في ذلك ليس إنكار الجزئي بل (إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما) (٣).
فإذا وصل الأمر إلى حصول تعارض بين (الكليات) و (الفروع) فهذا يستدعي الجمع بينهما لأهمية كلٍّ من الكليات والفروع التفصيلية، وهو شيء لا يفهمه (مقاصديو النفوس)؛ حيث ينكرون النصوص والأحكام الشرعية ثم يبحثون بعد هذا عن الطريقة المقاصدية المناسبة لرفض مثل هذه الأحكام!
لقد كان الشاطبي مدركاً غاية الإدراك خطورة استعمال المقاصد من غير المؤهلين، ولأجله منعهم من موافقاته وجعلهم في حرج من قراءته أو الاستفادة منه: (لا يُسمَح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظرَ مفيدٍ أو مستفيدٍ حتى يكون ريَّان من علم الشريعة؛ أصولها وفروعها، معقولها ومنقولها) (٤).
كما أطال الحديث عن ضرورة العناية بالجزئيات، وأن المقاصد لا تقوم إلا عليها، وهذا كله لإدراكه أن طبيعة المقاصد وما فيها من كليات عامة يستدعي دخولَ غير المؤهلين واستغلالَ بعض المنحرفين، وهو ما يؤدي إلى تعطيل الشريعة، وهذا ما دعا بعض المنحرفين الذين يفهمون حقيقة المقاصد الشرعية أن يسمي المقاصد بأنها (تبرير) للأحكام الشرعية ليس إلا، وقد صدق؛ فالمقاصد ليست إلا بحثاًَ عن (فلسفة) لقواعد وعلل للشريعة من خلال الأحكام والنصوص، فإذا وُجِد نص مخالف فإن المقاصد تعدَّل في (الفلسفة) حتى تدخل هذا الحكم لا أن تلغيه لمخالفته للمقاصد.
стр. 510
إن دعوتهم للأخذ بالمقاصد لإسقاط بعض الأحكام الشرعية يؤدي إلى نسف الشريعة بكاملها، وتعطيل كافة أحكامها، وإسقاط قطعياتها وضرورياتها، وليس عسيراً على أي أحد أن ينفي أي حكم شرعي ويربط ذلك بمقاصد عُليَا، وقد مارس المعاصرون في ذلك من ألوان العدوان على الأحكام الشرعية ما لا يحصيه إلا الله؛ فـ (الحدود الشرعية) منافية لمقصد الشريعة في الرحمة وإشاعة الأمن و (حد الردة) منافٍ لمقصد الشريعة في التسامح والحرية و (الحجاب) منافٍ لتكريم المرأة و (كل فتوى بتحريم أي حكم) تنافي مقصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج و (الحكم بكفر من لم يؤمن برسالة محمد ﷺ يتعارض مع مقصد إرساله رحمة للعالمين و (حرمة الربا) أو (منع المحرمات) يؤدي إلى حصول حرج ومشقة تنافي مقصد الشريعة.
ولأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية بصيراً بأمر عموميات المقاصد حين قال: (فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر) (١). فهذه المقاصد الكلية تتسم بالعمومية المطلقة التي يشترك فيها عامة الناس، فاختصاص الشريعة إنما يكون بتفصيل هذه المقاصد وشرحها وتقييدها فإذا ألغى الإنسان الاعتبار بها لم يكن قد أخذ من الشريعة بشيء.
وهكذا تغيب أحكام الشريعة الجزئية، بسبب مخالفتها لمقاصد (النفوس) - كما يسميها بعض الفضلاء - فهي مقاصد لما تريده نفوسهم وأهواؤهم وما يتوافق مع شهواتهم جعلوها قواعد كلية تحاكَم إليها النصوص والأحكام الفقهية، وتلك (النفوس) تكاد تُحصَر مقاصدها في الجانب الدنيوي المحض، وهو ما يختلف تماماً عن المقاصد الشرعية المستفادة من نصوص الكتاب والسُّنة التي تدلك على أن (الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية) (٢).
بل إن المصالح الدنيوية تابعة للمصالح الأخروية؛ فـ (المصالح المجتلَبة شرعاً والمفاسد المستدفَعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية) (٣).
وإذا كانت إشاعة علم المقاصد الشرعية ضروريةً في مرحلةٍ ما لشيوع التعصب والجهل والتضييق على الناس، فإن المبالغة في تقرير المقاصد الشرعية وإشاعتها وتعظيم قدرها وضرورتها عند عامة الناس - وقد اختلف الحال - سيكون على حساب تعظيم النص الشرعي والانقياد له، وسيكون سبباً لظهور مقاصد النفوس لتُشِيع عبثَها وانحرافَها بدعوى (مقاصد الشريعة).
المصدر: مجلة البيان
стр. 511
بـ اسم سبتمبر
د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان
٤شوال ١٤٣١هـ
تحل الذكرى السابعة لهجمات ١١ سبتمبر/ أيلول، ويبقى ذلك الثلاثاء من أكثر الأيام إثارة للجدل، ولا تزال الآراء والتحليلات ووجهات النظر حول ما جرى مستمرة ومتباينة.
الحدث كان قاسياً على المجتمع الأمريكي، إلا أن ردة الفعل على ذلك الحدث كانت أقسى على الكثير من المجتمعات والدول والشعوب.
هل كانت تلك الأحداث تستحق - من أجلها - أن تُسحق شعوبٌ بأكملها؟
هل كانت تلك الأحداث تستحق أن تحتل أفغانستان والعراق؟ ومن يدري ما القادم على خارطة الشرق الأوسط الجديد! وفقاً للفوضى الخلاقة التي وعدت بها وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس"!!
أما أعلن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" بعد الهجمات بأنه سيقود حرباً (صليبية) تمتد لعشر سنوات تطال ٦٠ دولة؟!
هل حقاً كانت أحداث سبتمبر تستحق كل ما جرى باسمها؟
هل حقاً ما زال هناك ما يبرر أحداث القتل اليومية التي تطال المدنيين سواء في أفغانستان أو العراق؟
هل حقاً كانت تلك الحروب انتقاماً لضحايا سبتمبر؟
هل حقاً ما يقال بأن هجمات سبتمبر وما نتج عنها من تداعيات خطيرة كانت وراءها أيادٍ صهيونية خبيثة أرادت من هذا الحدث الذي هزَّ العالم أن توقف المدَّ الإسلامي وتشوِّه صورة الإسلام والمسلمين وتتخذ من هذه الهجمات ذريعة للهيمنة على العالم الإسلامي واستلاب خيراته؟
لعل كثيراً من الشواهد على هذه المقولة ستظهر وستُكشَف لنا بعد ذهاب الحكومة الأمريكية الحالية.
هل كانت أحداث سبتمبر إعادة سيناريو لما جرى في ميناء بيرل هاربور عام ١٩٤١هـ، لتلقي أمريكا بعدها قنابلها الذرية على مدينة هيروشيما في السادس من أغسطس سنة ١٩٤٥م وتدمر ٩٠% من المدينة وتقتل ما يزيد على ٨٠.٠٠٠ شخص، وتجرح ٩٠.٠٠٠ آخرين، وتكمل الدمار بعد ثلاثة أيام بقنبلة أخرى على مدينة ناجازاكي، قتل على أثرها أكثر من ٧٥.٠٠٠ شخص.
لقد كانت الإمبراطورية اليابانية تحتضر - في ذلك الحين - ولم يكن الأمر يستدعي قنبلتين نوويتين لإرغام اليابان على الاستسلام، ولكنه الطغيان والعلو وإرادة فرض السيطرة على العالم.
هل حقاً تسود الأمم بالموت؟
هل حقاً تنتصر الأمم بنشر الفتنة بين الشعوب؟
هل حقاً يكتب المجد والتاريخ للقتلة وتجار الموت؟
نحسب أن جماجم الضحايا الذين قتلوا باسم سبتمبر لو جمعت فسوف تبني أبراجاً أعلى من أبراج مركز التجارة العالمي.
تعالوا وابحثوا في سيرة رسولنا الكريم ﵊، ونقبوا في تاريخ أمتنا الطويل، لن تروا إلا العدل والسماحة والرحمة والوفاء، ليس في التجارة وليس في العلاقات السياسية والدبلوماسية فحسب بل حتى في الحروب وفي ساحات القتال, لا والله ما عرف التاريخ الإنساني أرحم ولا أعدل ولا أكرم من المقاتل المسلم, ولم يكن قتالهم لأجل السيطرة على الشعوب وإذلالها, وظلمها واستلاب خيراتها, وإنما كان لإعلاء كلمة الله, وإقامة العدل في الأرض, وتحرير العباد من عبادة الطواغيت وسائر المخلوقات إلى عبادة رب الأرض والسماوات, وإخراجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
لقد فتح الفاتحون القلوب قبل الحصون، لقد كانت أخلاقهم تسبق خيولهم، لقد صنعوا الحياة والحضارة، كيف لا! وهم من أدركوا تعاليم الإسلام الخالدة.
стр. 512
قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة/ ٨) فأمر بالبر بهم, والإحسان إليهم, وهو أمر فوق العدل معهم, الذي هو واجب حتى مع الكفار المحاربين, كما قال ربنا عزوجل: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. (المائدة/٨) وقال: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة/١٩٠) فأمرنا الله بقتال من يقاتلوننا, ونهانا عن ظلمهم والعدوان عليهم وترك العدل معهم حتى في حال مقاتلتهم كالتمثيل بجثثهم أو قتل من لا شأن له بالقتال من نسائهم وأطفالهم وشيوخهم وعبَّادهم.
أما كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: " اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ... " أخرجه مسلم.
فاغزوا باسم سبتمبر .. أو باسم ما تشاءون .. ولكنا لن نغزو إلا باسم الله .. إنا نريد أن ننقذ الناس، إن ديننا هو دين الرحمة للعالمين، لن تهلك خير الأمم، لن يقضي على دين الله طاغوت أو مستكبر، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور/٥٥).
وستمضي هذه الرسالة، وسيمتد نورها بجهاد الحجة والبرهان وجهاد السيف والسنان، قال ﷺ : " لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام وَذُلاًّ يُذِلُّ الله به الْكُفْرَ " أخرجه أحمد والحاكم.
وقال ﷺ :" بَشِّرْ هذه الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ في الأرض فَمَنْ عَمِلَ منهم عمل الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لم يَكُنْ له في الآخِرَةِ نَصِيبٌ " أخرجه احمد والحاكم وصححه الألباني.
قال تعالى: ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف/٢١).
стр. 513
على هامش حجب المواقع وإيقاف القنوات
عبد الوهاب آل غظيف
٢٨ رمضان ١٤٣١هـ
سلسة من الإجراءت التي تصنف في دائرة التضييق تم إيقاعها مؤخرا بعدد من رجالات العلم والدعوة، تمثلت في حجب مواقع، وإيقاف قنوات، وخدمات تواصلية كرسائل الجوال وغير ذلك، وربما نسمع مزيدا في قابل الأيام، وقد كانت مثارا لكثير من الأسئلة، وكثير من التعليقات التي تمحورت حول هوية هذه الإجراءات وهل كانت بدافع من الغيرة على الدين وصيانة الفتوى (فأينها عن عبث الليبراليين بالدين؟) وما علاقتها بموقف المشايخ أنفسهم من الحريات والحجر على الآراء، وكذلك التنبؤ بمآلاتها بعد صدور الآلية التطبيقية للتوجيه الملكي من قبل سماحة المفتي بعد العيد كما وعدنا، في أشياء أخر كانت حديث الناس بعد هذه الوقائع.
وبين يدي وقفة متواضعة: لأمهد بما هو ذكرى للمؤمنين، محذراً من التعلق بالماديات والأسباب بعيدا عن مسببها سبحانه، فليس شيء من العقبات المادية كفيلا بأن يفت في عضد أهل الحق أو يخذلهم عن الحق الذي معهم أو يعيق همتهم في الدعوة إليه والصبر على الأذى فيه، فإن مما يحمده الرب ويحبه أن يغالب عباده المشاق ويتحملون الأذى في سبيل الدعوة إليه، ولقد كلفهم سبحانه بذلك ووعدهم في كتابه وعلى لسان رسوله بمضاعفة الثواب، ولم يطلب منهم ولا كلفهم أن يسيطروا على الناس أو يضمنوا قبولهم الدعوة وأخذهم بها، ولذا كانت هذه المعوقات المادية كلها بأمر الله الكوني وتحت تدبيره، ليرى من أوليائه صدق الإيمان والثبات على الحق وقوة التمسك به والثقة بالله وليرى منهم اطراح التعويل على الماديات وعدم الركون إليها
هذا الحديث الناظر بعين الإيجابية لواقعِ مقدرٍ، يجري في نسق واحد مع الحديث الإيجابي في الجهة الأخرى، الجهة التي تكون فيها الحصانة لأهل الحق كما هي لأهل الباطل، التي يساوى فيها بين الحق والباطل في ضمانات التعبير، جهة الحرية الوضعية التي يبررها أصحابها بقولهم: إنه (لا خوف على الحق منها، لأنها ستكون مجالا للتدافع وفي النهاية لن يسبق الباطلُ فيها الحقَ)، حسنا .. نفس الكلام يردده المناوئون للحرية الوضعية حال فرضها، وهو - كسابقه المسلي حال القمع - ينظر بعين الإيجابية للواقع الذي تختلط فيه الأفكار، وكما لا يحتمل الكلام الأول أي قدر من تبرير أو تشريع حالة القمع، فكذلك الثاني لا يحتمل تبريرا للحرية الوضعية ولا تشريعا لها، هو كلام متجه لوصف الحسن من الحالتين فحسب، ولا يعني أنه لا توجد حالة ثالثة أفضل منهما، تكون هي المشروعة والمبررة، يطرح فيها ما لا يحتمله الشرع من رأي، ويكفل فيها حق التعبير لكل رأي لا يخالف الشرع، تمييزا للحق عن الباطل، ودفعا للباطل عن الحق.
(انخرط البعض في تدبيج مواعظ الحريات) التي تنطوي على قدر لا بأس به من لوم المشايخ وتأنيبهم كونهم لم يطالبوا بالحريات ولم يكفلوها في خطابهم الدعوي، بل ساغ فيه قمع الآراء المخالفة لهم، فكان ما يتجرعونه الآن نتيجة لهذا الخطاب، ونتيجة لمطالباتهم بالحجر على الآراء، وصاحب ذلك اللوم روح من الثقة دفعتهم إلى التلويح بالحل السحري الذي يملكونه وهو الكفيل بإنهاء أزمة المشايخ، والمتمثل في ضمان الحرية، لا حرية التعبير بالحق فحسب، بل (الحرية للجميع) كما كتبوها في تعويذاتهم.
ونحو الوقوف على حقيقة الدعوى بطرفيها (أن خطاب المشايخ هو سبب ما حصل لهم وأن الحل يكمن في الحرية) لا بد لنا من تمييز موقف هؤلاء إلى مستويين:
الأول: المطالب بضمان الحرية للجميع في الخطاب الدعوي وتبديل الموقف من الحرية.
الثاني: المطالب بضمان حرية الاختلاف الفقهي، ويعزوا ما حدث إلى المطالبة بالحجر على الأقوال الشاذة.
стр. 514
وفي إطار المستوى الأول نقول: إننا لا زلنا نسمع منهم أنه لا وجود للحرية المطلقة، وأن التزاحم يدفع باتجاه تحديد الحريات، عليه فلا اعتراض على مبدأ التحديد، وإذا جئنا للمعيار الذي تحدد الحريات على ضوءه فهو عند المشايخ يكون في الشريعة فما تحتمله الشريعة من رأي فهو مكفول، وما يصادمها فباطل مردود، فإذا كنتم لا توافقون على هذا المعيار وتفترضون معيار آخر يحد الحريات فأنتم في النهاية تحدون الحرية، فليس نصبكم عقبة الحرية كفيلا بإلغاء التحديد الشرعي إلا إذا كان كفيلا بإلغاء تحديدكم، وأنتم تقرون أنها ليست مطلقة!
أما أن تروا الحل يكمن في تنازل المشايخ عن تحديدهم للحرية مقابل أخذهم بتحديدكم فإنهم يقولون لكم:
لا فرق عندنا بين منع المحقين، وبين حصانة المبطلين، فكلاهما يضران بالمبدأ الشرعي الذي نراه حقا، فحالكم في زعمكم أن الحل في حريتكم كحال المستجير من الرمضاء بالنار، وليس الحل في أن يكون الحق الذي دلت عليه الشريعة مكفولا بإزاء الباطل الذي مع أهل الضلال، ليستويا في الميزان كبديل عن قمع الحق وإسكاته، من دون أن يكون الحل في الحق المهيمن على غيره والحاكم عليه
ومن يتحدث عن (الحق الذي لا يضره الباطل)، وعن (التدافع بين الحق والباطل)، وعن (الرأي الذي يدفع برأي) لا مكان لحديثه هنا، إذ كل هذه المقررات لم تكن كفيلة بإتاحة الأحكام الجاهلية الأخرى لتنافس الحكم بالإسلام داخل الدولة المسلمة، ولا تكفل توفير بيئة للكفار للدعوة إلى عقائدهم والصدع بشعائرهم من داخل المجتمع المسلم بزعم التدافع، وإن كنا نرددها ونمتثلها حال التعاطي مع الدول الأخرى التي لا تحكم بالإسلام، ومع الكفار الذين ينشرون عقائدهم من بلادهم، فهي عبارات جميلة تتجه لمحاسن واقع معين مفروض والتعاطي معه لا تحتمل تشريع هذا الواقع ولا تبريره كما سلفت الإشارة بذلك
أما في إطار المستوى الثاني: فإني لا أعرف أحدا من المشايخ صادر الخلاف الفقهي أو قال بعدم احترامه، ودعوتهم للحجر على أصحاب الفتاوى الشاذة لا يمكن جعلها مصادرة للخلاف الفقهي، لما يلي:
أنها متوجهة إلى الأقوال الشاذة والمفردات المرجوحة، التي استقر أمر الناس على خلافها من الآراء الأشهر أو الأقرب للدليل التي إن لم تكن حقا فليست بباطل قطعا، والتعبير بما يخالف هذه الآراء أحدث بلبلة وشوش على الناس، ولربما عاد بضعف هيبة الشريعة في نفوسهم، فسوغوا المنع هنا فقط، فآل إلى كونه منعاً ضيقاً لا منعاً للخلاف الفقهي كما يطلقون، قابل مسوغوه بين مصلحة الفرد في التعبير عن رأيه، ومصلحة الجماعة في توحيد العمل على الأرجح بعيدا عما يشوش عليهم، فقدموا مصلحة الجماعة، وهذا من جنس التنظيم الذي يقر به أرباب الحرية حال التزاحم، وليس في معنى ما وقع على المشايخ من مصادرة تعبيرهم مطلقا ومنعهم عن قول الحق إلا بإذن.
ولعلي أختم - بعد هذه الوقفة المتواضعة - بتلخيص يتمثل في:
أن ما ادعاه البعض من كون المشايخ تجرعوا ما نادوا به غير دقيق، فإن ما نادوا به من حجر - وأنا هنا أبرره لا أوافقه - لا يحتمل منع الخلاف المعتبر السائغ اجتماعيا (كيف وهم يختلفون في آرائهم الفقهية ويشهرون هذا الاختلاف؟) فضلاً عن أن يحتمل المنع من قول الحق كما هو الذي وقع عليهم.
كما أن ما يزعمه البعض من كون الحل يكمن في تشريع الحرية وضمانها بدل مناوئتها وإبطالها، هو زعم متهافت، لا يعدوا أن يكون استغلالا للأزمة، لتمرير المبدأ المخالف في تحديد الحرية تحت ستار الحل، والحل ممكن بالتحديد الشرعي للحرية الذي يتمثله المشايخ.
والله أعلم
стр. 515
أبشركم .. مسلسل القعقاع حقق أكثر نسبة مشاهدة !
أحمد بن صالح الزهراني
١٨رمضان١٤٣١هـ
أصبح بعض من أشربوا في قلوبهم الإعلام والأضواء مصبوغين بصبغة البيئات الّتي يعيشون فيها، وأصبحت المعاني الشرعية والأصول الدينية في مرتبة متأخرة ..
هذا لا نقوله عن عامة، وإنّما نقوله عن منتسبين للعلم وأكثر من ذلك أن يكونوا متزيّين بزيّ الديّن والتمسّك.
هذا الزّيّ الّذي أصبح في عصرنا بضاعة رائجة وسلعة ثمينة يُماكس صاحبها بما أراد، وسبحان الله العظيم، لاحظت شيئا في الدين يختلف عن كلّ السّلع الّتي يتاجر بها أصحابها ..
فكل السلع تصبح باهضة الثمن وتُقابل بالكثير كلّما غلا ثمنها وزادت نفاسة عند أصحابها ..
إلاّ الدّين، فكلّما رخص وابتُذل وهان على صاحبه كلّما جلب له المزيد والمزيد من حظوظ الدنيا ..
ولهذا كان عند السّلف من أشدّ النّاس هوانا من باع دينه أو ابتاع به ..
هذ استطراد قد لا يكون له علاقة بالموضوع وإنّما جاء على ذكر التزيّي بالدين ..
أقول إنّ بعض النّاس للأسف استبدل المعايير الإعلامية وألفاظ الإعلاميين بالمعاني والألفاظ الشّرعيّة ..
وهذا أمر طبيعي فإنّ جرَبَ هذه القنوات الهابطة الّتي يتعاملون معها يعدي أشدّ مما يعدي جرب البعير الأجرب، ولهذا كان وصية السّلف بالمباعدة من أهل الأهواء والأفكار المنحرفة وأهل الفسوق في محلّها متجاوبة مع النص القرآني.
اليوم اطلعت على مقابلة مع الدكتور علي الصلابي متحدثا عن مسلسل القعقاع بن عمرو التميمي الذي هو ممن شارك بوضع مادته التاريخية كما فهمت من اللقاء ..
وكان الدكتور منتشياً بأنّ المسلسل (حقّق أكبر مشاهدة للمسلسلات التاريخية) ..
لا أخفيكم سراً .. ذهبت لأحد المواقع وبحثت عن مقاطع من هذا المسلسل إذ ساورني الشك بعد هذه الفرحة العامرة من الدكتور أن يكون المسلسل خاليا من المنكرات ..
ووجدت ما يندى له جبين من بقي معظما لحرمات الله من وجود النساء والموسيقى .. إضافة إلى الاعتداء على حرمة الصحابة بتمثيلهم من قبل فساق الممثلين وقيل إنّ بعضهم نصارى ..
والعجيب أنّ الدكتور لما ذُكر له اعتراض البعض بوجود المخالفات الشّرعية عزف مباشرة مقطوعة المصالح والاختلاف وغير ذلك من شنشنة المتفلتين من أحكام الله ..
ولا أريد أن أفوّت أنّ في بعض المقاطع نطقا مضحكا للغة يزدريه متعلم مبتدئ فضلاً عن أن تكون تلك لغة بني تميم ..
ومما لاحظته - وصادف ذلك قراءتي لبعض النقد للمسلسل قبلاً - الإصرار على مدح قبيلة بني تميم وأنّها لا تذلّ ولا تخضع وغير ذلك من الألفاظ الّتي أشعرتني بصدق ما ذكر من أنّ اختيار شخصية القعقاع محورا للمسلسل جاء عمداً استجلابا لأموال حكام قطر ..
عموما ليس هذا مهما عندي .. وإنّما يهمني انتشاء الدكتور الصلابي بكثرة المشاهدين وتهاونه في أحكام الشريعة هو ومن معه من فقهاء فقه المعجنات!
بالله عليكم تأملوا معي ما رواه ربيع بن عتاب قال: كنت أمشي مع زياد ابن جرير فسمع رجلاً يحلف بالأمانة، قال: فنظرت إليه وهو يبكي، قلت: ما يبكيك؟ فقال: أما سمعت هذا يحلف بالأمانة؟! فلئن تُحكّ أحشائي حتى تدمى أحبّ إليّ من أحلف بالأمانة». انتهى من حلية الأولياء.
أرأيت كيف هي منزلة حرمات الله عند من يعظّمها؟
ترى هل تأثر الدكتور الصلابي ومن معه من منظر السافرات في المسلسل؟
هل اهتزّ فؤاد أحدهم من منظر بعضهم وهو يمسك بجسد امرأة لا تحلّ له وهي تكلمه بغنج ودلال؟
ألم ينزعج من أصوات المعازف الّتي توعّد الله مستحلّها بالهلاك؟
ألم تبكي عيونهم من بقاء النساء بلا محارم في اختلاط وخلوة وتلامس غير مأمون مع رجال لا يحلون لهم؟
ألم تهتزّ مشاعرهم أن يمثل دور الصحابة المجاهرون بالفسق من ممثلين وممثلات؟
ألم يفكر هو ومن معه كم حكما شرعيا أعرضوا عنه وأهملوه واستخفوا به بذريعة الخلاف والمصالح؟
ألم يعنّ لهم كم بابا فتحوه لأعداء الله ليقعوا في صحابة رسول الله بدعوى تمثيل أدوارهم في عصر لا ضوابط فيه ولا قوانين؟
لقد كان الغرب وفساق الشرق يتهيبون الصحابة عندما كان أهل الدين يتهيبونهم ..
فالآن وقد فتحتم الباب لمن يمثل هذا وذاك فغدا سيمثل كل إنسان ما شاء بدعوى العرض التاريخي والتثقيف ..
وستصبح شخصيّات الصحابة لعبة بيد فسقة المنتجين والمخرجين وقنوات أبعد ما تكون عن الدين والفضيلة ..
كم بابا من الخير تركه السلف وتحرجوا منه خوفا من أن يُتخذ طريقا للمخالفين وأعداء الملة ..
فهل أنتم خير منهم وأكثر غيرة على الدين وأكثر حرصاً على نشر الإسلام ..
بالله عليكم لا تلبسوا على الناس ولا تخلطوا أهواءكم بمصالح الشريعة .. وفلتات ألسنتكم تعرب عمّا تكنّه صدوركم ..
أكثر مشاهدة ..
أصبحت فتنة الفتن لهؤلاء المتهوكين الذين جعلوا دين الله لعبة بيد رؤوس الفتنة ودعاة الضلالة من ملاك الفضائيات ومروجيها ..
لا يهم كم شريعة سقطت وكم حرمة انتهكت ..
المهم تحصيل أكبر نسبة مشاهدة ..
والله المستعان ..
стр. 516
حَتّى لا يَتَهاوَى القٌدَواَت
د. حمزة بن فايع الفتحي
٩ رمضان ١٤٣١هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه
وبعد
فإن من الإشعاعات الإيمانية التي ينشرها الله في حياة الأمة المسلمة، بزوغ أنوار تشرق في العلم، والعمل التربية والسمت الحسن، ربما تعلم الناس من هديهم وأخلاقهم أكثر من محاضراتهم ودروسهم، وقد كان نبينا محمد ﷺ فاتحة الاقتداء، وعنوان الائتساء، من حين ما قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الاحزاب: ٢١].
وجعل الله تعالى منهج الاقتداء بين الناس سنة متوارثة، ينقلها جيل إلى جيل، فقال :
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الانعام: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
ولم يحك الله تعالى عشرات القصص القرآني والأخبار التاريخية إلا لمزيد القدوة والاعتبار.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩].
ومن هذا المنهاج النبوي، ومن المدرسة المحمدية يبزغ علماء وصالحون، ومربون وعباد ينفع الله بعلومهم وأعمالهم وتعبق أخلاقهم ومواقفهم، ويصبحون حديث الناس حسناً وحباً وأقتداء، بسبب صدقهم وعلمهم، وجمال دينهم وإخباتهم.
ومن ثم يصبح لهم قبول عارم، وشعبية هائلة، وصيت زاحف، ومع ظهور وسائل الإعلام المتدفقة، صاروا نجوماً يُهتدى بها، ومنارات يُستضاء بذكرها وفتاويها.
وهذا مكسب باهر للدعوة الإسلامية، خليق بنا أن نحافظ عليه، وأن نعزز جذوره وقوائمه، لأن التربية بالقدوة أفق تأثير باذخ، وسبيل نصر قادم، ورب كلمة، أو وقفة، أو سلوك لعالم رباني، تبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولا يزال الناس يتحدثون عن قدوات ربانية كأبي حنيفة وأحمد والشافعي والأوزاعي والثوري وابن المبارك، ... وابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم
لم تنقض مباهجهم، ولا جفت مكارمهم، رحمهم الله تعالى ..
لكن من الملحوظ في هذا الزمان الصعب المتغير، وتعاظم الفتن، وقلة الناصحين، وغياب المنهجية الدعوية المتكاملة، يبدو في الآفاق تناقص في الأخيار، وتهاوِ في القدوات، وخلط في المفاهيم واستفراد الأفاضل المؤثرين، مما يعنى تغيراً في المنهج، وتجديداً في السلوك، ومراجعة في الفتاوى، واستسلاماً للضغوطات، التي تتفق والمنهج الإسلامي القويم.
ولذا أحببت أن أنبّه هنا على خطورة تهاوي القدوات ونقص الفضلاء، كي لا نندب حظنا، ولنحافظ على مكاسبنا، ولنحقق مبدأ (التواصى بالحق)، والتواصى بالصبر، ولتبقى المسألة الدعوية الطاهرة، مصونة عن نقد فادح، أو ثلب ذامٍ وجارح. إن تهاوي بعض القدوات السابقة، والأسماء اللامعة، التي انتفعت بها الأمة، أمر مرير، مكدر للدعوة وأهلها، وفرصة للمنافقين أن يتشدقوا وينتقموا ... !
أما بالنسبة لأسباب التهاوي والتغير فهي كالتالي:
١) الاتكال على الشهرة: قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣].
стр. 517
وهذا نوع من تغير النية، وتكدر مزاهرها، حيث يبلغ العالم مبلغاً عظيماً، وينزل منزلاً كريماً، فيشعر بنشوة روحية، تجعله يعجب بما يحقق وينجز!!
فينقطع عن خيراته السابقة، ويعيش على أركان الشهرة الجديدة، التي جعلت منه أحد نجوم الفضائيات، فيبدأ يختط طرقاً جديدة، ويصدر فتاوى غريبة، ومواقف غير سديدة، وقد قال الإمام أحمد ﵀: (أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أًعرف، قد بليت بالشهرة إني أتمنى الموت صباحاً ومساءً)
وجاء عن إبراهيم بن أدهم ﵀ (ما صدقَ اللهَ عبُد أحبَّ الشهرة)
حيث يدرك هؤلاء العلماء مخاطرها، وآثارها اللهيبة على العالم القدوة ومجده الديني، وإخلاصه الخصيب.
٢) اعتقاد الراحة التامة: قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
لا يمكن لعقلاء العلماء والفقهاء، أن يستريحوا من عناء الرحلة ومشاق البذل والتوجيه، لأنهم في جهاد دائم، وفي جلاد مستميت، لا سيما والأمة ضعيفة، ولازالت محتاجة إلى علمهم وتوجيهاتهم، فاعتقاد الراحة بعد طول المدة، وبدو الإنجازات، مفض إلى الاستضعاف والسكون، والظهور بوجه جديد، وطرح مغاير، لا سيما والفتن خطافة، والتيارات زاحفة والله المستعان، قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣].
٣) الركون إلى الدنيا: قال تعالى: ﴿فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦].
كثيراً ما تكون مفاتن الدنيا مزلة أقدام العلماء والصلحاء إلا من عصمة الله تعالى.
ولهذا صح قوله ﷺ : ((إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها))
يفتح على بعضهم الوان المال، وبروق التجارة، وكثرة المباحات والمرفهات، فيميل إليها ميلاً، تضر سمعته، وتعكر درسه ومنهاجه، وقد صح قوله ﷺ : ((أكثر منافقي أمتي قراؤها))
٤) ولوج الشبهات: قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٥١].
الشبهات أمور دائرة بين الحل والحرمة، تخفى على كثير من الناس، لكن يمهرها حذاق أهل العلم، ومن مهرها، قد يتساهل في التباعد عنها، فيقارفها بحجة الشيوع والغلبة، أو ما يسمى عموم البلوى، أو أنه سيمحوها بغلبة حسناته!! ويجره ذلك إلى استطابة المكروهات، ومن ثم التورط في بليات عظمى، ولهذا قال ﵊ كما في حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما:
(وبينهما أمور متشبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع
ويروى عن عمر رضى الله عنه: (من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من من أساء به الظن)
٥) التأكل بالماضي: قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
ينتج عن الارتياح التام، العيش على مباهج حياة الشباب، من صدق، وصدع، وجد وعطاء سابق، إلى عدم مضاعفة الجهد، والشعور بكثرة الأعباء، وأنه يحتاج إلى مزيد الراحة ومزيد التأمل والابتكار لأحوال تأثيرية جديدة! وهذا قد يكون مزلقاً شيطانياً، وحيلة نفسية تؤدي بصاحبها، وتورثه الكسل وتلبسه التراخي والإهمال.
٦) الاغترار بالظالمين: قال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ﴾ [هود:١١٣].
стр. 518
وهذا شكل من الركون إلى الدنيا، والإعجاب ببعض الظلمة والفساق، ممن لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، لكن يرجو منهم شفاعة، أو نيل وجاهة، أو بلوغ مكانة! فيدنو منهم ويصانعهم، وقد يزين له الشيطان صلاحهم، وإمكانية هدايتهم فيقع في مفاتنهم وشهواتهم، فيضرب في الدين خبط عشواء، وتتساقط كلمته وهيبته في الناس قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩]
قال الحسن رحمة الله في معناها: (لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم)
وجاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ : ((من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن))
٧) استسهال الفتن: قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥].
الفتن كلمة جامعة لكل مناكد الحياة ومخاطرها وشهواتها، ومفسداتها، وهي تبدأ مع الداعية الصالح، بمشتبهاتها وصغارها، من النظرة واللمسة والمخالطة والإعجاب إلى أن تقع منه موقعاً شديداً، يصعب معه التخلص منها، ما لم ينفر منها، ويجدد الإيمان، ويديم الاستغفار، وقد جاء في الحديث الصحيح:
((تعرض الفتن عرض الحصير عوداً عوداً فأيَّ قلبٍ أُشربها نُكِت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكته بيضاء .. ))
٨) إهمال التجديد الإيماني: قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
صح قوله ﷺ : ((إنَّ الإيمانَ ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجِّدد الإيمانَ في قلوبكم))
فتجديد الإيمان ضرورة حياتية ودعوية لابد لنا منها لاستكمال الحياة، وعيشها بهناء، وللسلامة من الفتن والأرزاء، قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀: (والله إني إلى الآن لأجدّد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعدُ إسلاماً جيداً)
٩) نسيان المجاهدة: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
ليس ثمة معيار أعظم من المجاهدة والمحاسبه في زمن الفتن والتخبط والأهواء لأنه درء للباطل وترسيخ للثبات على الحق، وتعميق للإيمان، وإغاظة للمنافقين. فالمؤمن وهو يلتهب بمسيل الفتن والإغراء، لابد له من جهاد نفسي، ومراغمة لما يرى ويسمع، ليسلم له الدين، ويصان الجوهر، ولا تكدر المحاسن، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ قيل معناها إتيان الأوامر، وترك الزواجر، صوناً للنفس، وطاعة لله تعالى.
١٠) قلة التواصى: قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣].
هذا منهج رباني، أهملناه كثيراً في الإطار الدعوي والعلمي، ولعل من أسباب الإهمال تمنع بعض الدعاة الكبراء من الإصغاء، واعتقاد مطلق الوصاية والتوجيه! وهذا خطأ منهجي لأن العلماء مهما سموا وعظموا، لايزالون في محيط البشرية، التي يعتريها السوء والغفلة والانخداع، فلابد من مناصحتهم وتحقيق مبدأ التواصي معهم، لئلا يجتاحهم العجب والخيلاء، ويستغلوا أو يستزلوا من قبل أعداء الدعوة، وزمر المنتفعين، وقد صح قوله ﷺ في مسلم: (الدين النصيحة) وفي سنن أبي داود كرر ذلك ثلاثا.
١١) تقصير الخاصة: قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح:٩].
стр. 519
ونقصد بهم أحباء الشيخ وتلاميذه وخريجيه، ومن لهم به حظوة، ومعرفة، ويدركون مداخله ومخارجه، وله عليهم الحب والمتابعة، والنصح والتذكر، والإعانة والتسديد، فهولاء هجرهم لشيخهم في زمان الفتن، وعدم نُصْحه وتسديده، قد يؤدي إلى حضور غيرهم، وشعوره بالعزلة، فينبرى إليه غيرهم ممن لا يريد بالشيخ خيراً، وبالدعوة فضلاً وسمعة، فيوقعه في مزالق غير محمودة، ويمرر به أفكاراً مشبوهة، وفتاوى مستغربة.
١٢) تغيير المساق: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣].
من كان يُعرف بالحزم بات للين أقرب! وحامل الجد حامل هزليات الآن، وصاحب الإنكار باتَ رهنَ العقار، والخطيب المفوة، صار فضائياً مموهاً! فقلَّ العمل، وضعف التأثير، وسادت الدنيا، وفترت الجماهير، وقلَّت القدوات، وشحَّت المراجع، وأصبحنا نخوض مع الخائضين، والله المستعان.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢].
جاء عن عمر رضى الله عنه أنه قال: (استقاموا والله لله، ولم يروغوا روغانَ الثعالب)
١٣) مكر المتربصين: قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠].
ومكر المتربصين من أعداء الدعوة، لا ينتهى عند يوم وليلة، أو حادثة أو حادثتين بل تخطيط مستمر، وتربص دائم، وتدبير طويل ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] يبدأ أول ما يبدأ بالرصد والمتابعة ثم الإهداء والاغراء!، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النحل: ٣٦].
وقد عرضت قريش على رسول الله ﷺ ألوان الملك والشرف والمال والسيادة، لتعيقه عن هدفه، أو تخفف شدته وقناعته، فأبى واختار الحزم معهم، لعلمه بخطورة ذلك على الدعوة والنفس والأتباع.
وقد كان هذا من منة الله تعالى عليه، أن ثبته وصانه عن مكرهم وإغراءاتهم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الاسراء: ٧٣ - ٧٤].
وهذا في نظرنا من أعظم أسباب تغير القدوات، وعدم إدراكهم بمكر المتربصين، الذي لا ينصب على مجرد الحرب والقمع والاضطهاد، بل يتلون ويأخذ شكلاً دنيوياً وإغرائياً ليتم لهم مسخ الإسلام وإشاعة الفساد والفحشاء من خلال وعاء كبير يسمى (سياسة الاحتواء) ثم إذا أسقطهم، ألقى بهم لنكبات الدهر، وإلى سلة الإهمال. كما قبل:
... وقضى حاجتهَ منهم وغشاهم فُضولُ ... عنهم استغنى كما استغنى عن النعل البخيلُ. ... وهذا مقصد وسياسة لكثير من المتربصين من المنافقين والشهواينين الذين يرون في الإسلام ودعاته، عقبة كأداء أمام مشاريعهم التخريبية والتغريبية، لأنهم، بتعليم الغرب- يدركون أن تحول المجتمعات المسلمة لا يكون إلا عبر عقول داخلية، وجلود عربية، وليست من الخارج، كما صنع في مصر حيث استفيد من الشيخ محمد عبده، ورفاعة طهطاوي، والكواكبي وغيرهم لتمرير بعض المشاريع الفاسدة، وإلى تلبس لباس العلم والفهم والتنوير .. والعلماء القدوات، ورقة رابحة إذا بُدلِّت، وتلوعب بأفكارها ومشاريعها، ولا حول وقوة إلا بالله.
(اللهم ثبتنا على دينك، واحفظ علماءنا وخيارنا من كل غائلة وسوء) آمين.
١٤) الاجتهاد غير المضبوط:
стр. 520
وهو الآتي في سياق غريب يقفو العجائب، ويحمل الشواذ ويتتبع الرخص، ويستظل بمظلة الذوبان والانهزام، ويخرج عن إرادة الأمة المسلمة، فضلاً عن جمهرة العلماء الراسخين، وقد قال الامام أحمد ﵀ للميموني:
(إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)
وقال الناظم: ونزه النفس فلا تشذَّا كذا الترخص ورعاً ونبذاً.
ويقصد هنا الاجتهادات التي تكون في دائرة الشذوذ والأخطاء، ولا يدعمها النظر الشرعي، ويحفها شئ من الاندفاع أو الاغترار أحياناً!! وقد يجعلها صاحبها في إطار التجديد الفقهي، والتفاعل المجتمعي الذي تفرضه المرحلة .. ومن الأمثله هنا: تجويز هجرة الفلسطينيين من أراضيهم لشدة العنت عليهم، وبشبه ذلك منع مقاومة الاحتلال الأمريكى في العراق وأفغانستان بحجة حقن الدماء، ووجود حاكم من الاحتلال، أو ظهور فضلاء الدعاة في قنوات خليعة ذات بعد فكري واستراتيجي هادم، أو الظهور في قنوات صهيونية، وهو الشائع مؤخراً، وتناسي أنه صورة للتطبيع الذي هو من آخر الأوراق البا! قية في أيدي الأمة، وخرقه يعني انكسار الحاجز النفسي لدى الشعوب العربية تجاه الصهيونية الغاصبة. (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) (التوبة:٩٥).
(١٥) امتهان القيمة العلمية
يعمد بعض الفضلاء إلى امتهان ونسيان المجد العلمي، والقيمة الفقهية والدعوية الشريفة، التي بوّأه الله تعالى فيقارف أخطاء، ويلم بشبهات، وينزلق في مباحات، ترفع عنها عوام المسلمين!! وهو لايرى فيها غضاضة، فيراه بعض الناس، وتنشر ذلك وسائل الاعلام!! فيفقد شيئا من شعبيته ولموعه، أو ربما طلَع علينا بتعليق حماسي، أو اجهاد جديد، يسوِّغ مثل ذلك! وينسى أن العلماء والقدوات، والدعاه الربانيين لهم (وضع خاص)، ومنزلة رفيعة، ما ينبغى لهم نسيانها أو استسهالها، حتى مما يتعلق بالمروءه، التي منها أشياء لا تلامس المحرمات! ولكنها مروءة، يهتم بها المشاهدون والمتاب! عون ولذلك قال أبو عمروالأوزاعي ﵀.
(كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يُقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا إلا التبسم)
فالعالم المقتدى به محل نظر الناس ورصدهم، وكل أقواله وحركاته محفوظة متبوعة، فيجب عليه صون ذلك، لأنه يحظى بوسام علمي وذاتي!! مهما أظهر تواضعه، وعزفه على بشريته! فإنه ركن الدين ومنارته، ويسوغ لغيره ما لا يسوغ له! فكل تساهل وهفوة تشوه الوسام العلمي، وقيمته، كالنكته السوداء تتعاظم مع مرور الأيام، والله المستعان ..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
стр. 521
نظرة في الاتجاه العقلاني المعاصر ومظاهره
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
٢٣شعبان١٤٣١هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فإن رصد وكشف المذاهب المنحرفة عن الصراط المستقيم من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام الجاد بدراستها، وبإعطائها حقها من المتابعة والبحث، تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
وكما قال عمر الفاروق ﵁: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، وقد كان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني".
وإن المذهب - أو الاتجاه العقلاني المعاصر (١) إزاء النصوص الشرعية، من أخطر المذاهب وأشدها تضليلاً، وأكثرها تحريفاً لشرائع الإسلام الصحيح، حيث أن هذا المسلك قد انتحله عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين، كما أنه يتضمن التلبيس والاشتباه على الكثير من المسلمين، ومن ثم فلا يستغرب أن يقوم أعداءٌ للإسلام بالكيد لهذا الدين وأهله من خلال هذا المسلك العقلي (المتحرر) والذي يرفع شعار الإسلام.
إن هؤلاء العقلانيين قد جعلوا عقولهم حاكمةً على النصوص الشرعية، لقد جعلوا تلك العقول مع قصرها، ومحدودية إدراكها، وتفاوت أنواعها، وكثرة خطئها حاكمةً وقاضيةً على النصوص الشرعية الصحيحة المتلقاة من وحي معصوم من عند الله ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢].
وكما أنهم حكموا عقولهم على "السمع" فإنهم أيضاً جعلوا مقتضيات العصر الحديث ومستجداته ومتغيراته حاكماً - آخر - على الوحي، فهم يسعون إلى إنزال الشرع على وفق مقتضيات العصر الحاضر، ومن ثم فنجد الكثير من المحرمات شرعاً تكون سائغة عندهم ويتهاون في شأنها بدعوى تغير الزمان، وأن "الدين" ينبغي أن يكون مواكباً لتلك المتغيرات - أو الأخرى: الانحرافات - "ومباركًا" لها أحياناً كما سأذكره إن شاء الله.
وفي الجملة فإن هذا المسلك العقلاني امتداد لفرقة المعتزلة المعروفة، والتي ظهرت في القرون الأولى، حيث أن هناك قواسم مشتركة بين المعتزلة الأوائل وبين أفراخهم من العقلانيين المعاصرين من حيث مصدر تلقى العقيدة، ومنهج الاستدلال، وبعض الأفكار والصفات المشتركة بين أسلاف المعتزلة وبين خلفهم من المعاصرين، ومن هذه القواسم المشتركة التي تجمع بين المعتزلة الأوائل وبين المتأخرين جعل العقل نداً للوحي، بل قد يقدمون العقل على النص الصحيح، كما نجد اتفاقاً بينهما في التبعية للمذاهب والفلسفات الأجنبية، واستباحة الخوض في الأمور الغيبية، والاستهانة بأحكام الله وشرعه، والجرأة على إثارة الشبهات والآراء الشاذة باسم التسامح الديني وحرية الفكر، كما يتفقون على مقت أهل السنة والتهوين من شأنهم، فالمعتزلة الأولى كانوا يرمون السلف الصالح بأنهم حشوية ومجسمة ونحو ذلك، وهؤلاء المعاصرون يلقبون أهل السنة بالأصوليين أو المتشددين المتزمتين وربما اتهموهم بالتشنج والحرفية وضيق الأفق (٢).
وتتمثل آراء هذا المسلك العقلاني في مظاهر فكرية متعددة نذكر منها ما يلي:
стр. 522
١ - مدح المعتزلة الأوائل وتبجيلهم والثناء الحسن والكثير عليهم، وممن يفعل ذلك على سبيل المثال، أحمد أمين، وزهدي جار الله، وزكي نجيب محمود.
٢ - تمييع عقيدة الولاء والبراء بل (مسخ) هذه العقيدة وإسقاط هذا الأصل الأصيل من العقيدة الصحيحة، وذلك عن طريق ما يسمى بوحدة الأديان وزمالتها، أو الدعوة إلى القومية، أو الإنسانية (العالمية)، أو الدعوة إلى التقارب مع الرافضة، فمثلاً جمال الدين الفارسي (الأفغاني) دعا لوحدة الأديان (١).
وكذا تلميذه محمد عبده (٢). كما نادى محمد عمار ة بالقومية ووحدة الأديان (٣) وكذا معروف الدواليبي دعا للقومية (٤) والعالمية (٥).
٣ - تعطيل الجهاد في سبيل الله، وتضييق دائرته، وقصره على ما يسمى بـ (الدفاع) فقط بدعوى الرد على فرية المستشرقين الزاعمين أن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف (٦) كما أنهم حرفوا ما يتبع الجهاد من أحكام شرعية، فمثلاً من هؤلاء من ينكر الجزية أو يتأولها على غير معناها الصحيح، ومنهم من يبطل تقسيم الدور إلى دار إسلام ودار كفر, وهناك من يمنع الرق (يتلمس) المعاذير لدين الله ! وكأن دين الله - تعالى - في محل اتهام ويحتاج إلى تبرئة من تلك الدعاوى (٧).
٤ - إنكار حد الردة بدعوى حرية الفكر والرأي و (الانفتاح الفكري)! (٨)
٥ - استباحة الاختلاط بين الرجال والنساء، وتهوين الحجاب الشرعي والتساهل في شأنه، وإباحة بعض أنواع الربا، وصوره كربا الفضل، والغير المضاعف (٩).
٦ - عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد بدعوى أنه لا يفيد العلم.
٧ - إنكار بعض المعجزات النبوية وكرمات الصالحين وبعض الغيبيات، أو تأويلها تأويلاً يأباه النص كموقفهم من نزول المسيح عيسى ﵇ والملائكة والجن، والطير الأبابيل، وظهور الدجال في آخر الزمان (١٠). كما أن في هؤلاء من يدعو إلى فتح باب الحوار - وعلى مصرعيه - مع الأطراف الأخرى من أصحاب الاتجاهات المنحرفة كالعلمانية أو اليساريين أو الرافضة أو النصارى ونحوهم، وكل ذلك بدعوى إثراء الفكر، وأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وقد ظهر في بعض تلك الملتقيات محاولات متكلفة للتقريب بين أفكار متباينة، والسعي إلى الالتقاء في منتصف الطريق عن طريق بعض التنازلات والمداهنات.
في الختام أوصي نفسي وإخواني من أهل الإسلام الأصيل أن يتمسكوا - وبعلم وبصيرة - بعقيدة السلف الصالح، وأن يتفقهوا في دين الله وأن نسعى ونتواصى لترسيخ الولاء والانتماء لمنهج أهل السنة والجماعة مهما كانوا وأياً كانوا، كما أنه يتعين علينا فقه واقعنا الحاضر، وأن ندرك بوعي وحذر وبعد نظر حقيقة هذا الاتجاه العقلاني، فنرصد كتبهم ومؤتمراتهم ومجلاتهم، ثم نكشفها أمام المسلمين، ونحذر من ضلالهم وزيفهم، وعلينا واجب النصيحة تجاه من انخدع بهذا المسلك (المتحرر) من ضوابط الشريعة، وأن نناقشهم طلباً للحق، وندعو لهم بالهداية والاستقامة، فأهل السنة - كما هو معلوم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وأسال الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه وبالله التوفيق وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (١١).
стр. 523
الإرجاء الفكري
بدر بن سعيد الغامدي
٢٣شعبان١٤٣١هـ
لَمَّا ظهر الإرجاء (١) في عهد السلف، وقف له أهل العلم الراسخون، العالمون بالدليلِ وحقيقةِ القول، وما عداهم لم يكن له موقف مشهود. تشهد بذلك التراجم والمصنفات التي وصلت إلينا؛ فإنه متى ما تخلل النقص في أحد هذين الأصلين: (العلم بالدليل ومقاصد الشريعة) و (حقيقة القول المخالِف) ترى تخبُّطاً وخلطاً عجيباً: إما جنايةً على الإسلام وتصويراً له على غير ما أراده الله، أو رِفعَةً من قَدْرِ المقالة المخالفة بالتسامح واللين معها مع شناعتها، ومن يمتاز بهذين الأصلين قليل اليوم؛ فإنك ترى من لديه علم بالشرع يصل إلى حدِّ الإحاطة، ولكنه ضعيف في سبر أغوار أقوال المخالفين؛ فلا يستطيع معرفة حقائقها وكشفَ عوار مكنوناتها، وإما أن تجدَ من أُشرِب هذه المقالات على قلَّة بضاعته في العلم الشرعي، فيظهر لك التخليط في كلامه.
وهذا الأخير من جنس بعض رجال أهل الكلام الذين حَسُنَت نيَّتُهم، وساء عملهم، بسبب قلة علمهم بالأدلة الشرعية مع علمهم العميق بأصول علم الكلام، فأرادوا الدفاع عن الدين ولكنَّ قلَّة البضاعة الشرعية لم تُسعِفهم، وفريق منهم تسرَّبت إليه بعض شُبَه القوم، فلم يستطع أن يدفعها، فصار ينضح بها فؤادُه وينمِّقها لسانه، و (كلُّ إناء بما فيه ينضح).
يقول الإمام النخعي: لَفِتنَتُهم عندي أخوَف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة (٢)، وصدق ﵀ لأن القعود عن التكليف ترغبه النفس، بعكس تَنَطُّع الخوارج الأزارقة، ونحن نعاني اليوم من تفلُّتٍ من الأوامر، وتقحُّمٍ في المناهي، مع مصيبة أعمُّ وأطمُّ، وهي: تبرير هذا وتسويغه ممن اختل عندهم أحد الأصلين السابقين، وهم منتسبون مع هذا إلى الإسلاميين.
وبرز لنا إرجاء فكري، يحاول مد حبل الوصال مع الطائفتين، على غرار ما فعل الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام بين الفلسفة والإسلام؛ فأراد هؤلاء المحدَثُون: تخفيفَ شناعة بعض المقالات وتهوينها من جهة، ونبذَ التشدد والغلو (بزعمهم) من جهة؛ لينتج لنا حينها - بناءً على رأيهم -: الإسلام الوسطي.
ونحن اليوم في مواجهة سيل من الأفكار الهدامة، يقف النص الشرعي سدّاً أمامها، ومتى ما عُدِمَ النص اجتاح السيل الفكر البشري فأصبحت البشرية حينها أثراً بعد عين، وعدنا كما كنا في ظلمات بعضها فوق بعض.
وهذا لا يكون مع وجود الوحي المنزَّل؛ ولكن الوحي لا يسير على الأرض، بل يحمله ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣٢].
والإرجاء الفكري هو نوع من الخنوع والضعف أمام هذه المقالات، وصاحبُه عبدٌ لغير مُنْزِل الوحي، أسير لظنونٍ وتخرصاتٍ تكون تارة باسم (المصلحة)، وتارة باسم (المجادلة بالحسنى)، وتارة أخرى باسم (عدم التشدد والغلو) ... إلى آخِر هذه القيود والأغلال، التي هي حق أُرِيد بها باطل.
والإرجاء الفكري اليوم لا يصرِّح بمقالات الإرجاء القديم، ولكنَّ أفكارَ ذاك القديم تعشِّش في فكر هذا الحديث، والمحصلة واحدة كما سبق، وهي: (التفلت من الأومر، والتقحم في النواهي) (٣)، وكما كان أهل الإرجاء القدماء على درجات في مقالتهم، فإن أهل الإرجاء الفكري هم كذلك في فكرهم.
стр. 524
من ملامح هذا الإرجاء الفكري:
أولاً: عدم التصريح بالأحكام الشرعية: فيتهرب مَنْ أصيب بهذا المرض من قول: (حرام) أو (كفر) أو (شرك) لِمَا هو كذلك بالنص الشرعي، ويستبدل هذه الألفاظ الشرعية بأخرى مبتدَعة هي أخفُّ (حدَّة ووطأة) - بزعمه - على مخالفيه أو الناس عموماً؛ فيقول: (الأَوْلَى تَرْكه) مع علمه بحرمته، أو (فيه خلاف) مع أن الخلاف مطروح وغير معتَبَر؛ فيوحي إلى سامعه أن الأمر (سهل ميسور).
ثانياً: عدم استخدام المصطلحات الشرعية: فلا تجد في قاموسه (كفَّار)، أو (فسَّاق)، أو (منافقون)؛ فهؤلاء لا يعيشون على الأرض، وكأنهم - لدى من أصيب بهذا المرض العضال - تاريخ مندثر ولَّى، ولا يظن ظانٌّ بأن المطلوب هو إقحام مثل هذا في الكلام إقحاماً. لا، ليس هذا المراد، بل المقصود: هو التولي عن استخدام هذا المصطلح الذي هو شرعي دلَّت عليه النصوص، إلى غيره، فيستخدم (غير المسلمين) أو (الآخر)، أو يستخدم (أهل التقصير) لمن هم رؤوس الضلالة والفجور في الأمة.
ولا يخفى أن المصلطح الشرعي هو الذي لا يُطلَب به بدلٌ، ولا عنه حِوَلٌ؛ لدقة معناه، وعمق مرماه. وقد تكلم أهل العلم كابن تيمية وغيره في أهمية التمسك بالمصطلح الشرعي وأنه يزيل كثيراً من الإشكال.
ثالثاً: الذلة على الكافرين، والكبر على المؤمنين: وهم بهذا يعارضون مراد الله - تعالى - حين حكى حالَ أهل الإيمان، فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وحين أمر نبيَّه ﷺ ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٣٧]؛ ولكن أهل الإرجاء الفكري تجد لديهم تمام التودد للكفار والزنادقة، ولين الخطاب والتسامح معهم، مع غلظة وشدة وجفوة واستعلاء مع إخوانهم من أهل الإيمان.
رابعاً: كَتْمُ بعض النصوص الشرعية: تلك التي فيها الوعيد والتهديد، أو التي يتوهَّمون شِدَّتها وعنفها كالحدود، فيحاولون تجنُّب ذِكرِها تماماً، والتنصُّل منها؛ وكأنها غير موجودة أصلاً، مع إبرازهم في المقابل للنصوص الشرعية في الوعد والتسامح والعفو، وقد خاطب الله - تعالى - أهل الكتاب، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٥٨].
خامساً: محاولة الوقوع على نقطة التقاء مع أصحاب المذاهب: فيكون أحدهم صامتاً ساكتاً ردحاً طويلاً، والأمة حوله تئن من أعدائها المختلفين في مشاربهم ومذاهبهم، وكلٌّ منهم ينهشها نهشاً، وهو لا يحرك ساكناً؛ فإذا رأى قولاً لصاحب فكر منحرف أو مذهب هدَّام بادر لإعلان الموافقة، وتعاضُدِ الفكرة، وهو في هذا كله يغض الطَّرْف عن الانحرافات الكفرية أو البدعية أو الهدامة؛ فلا ينبه الناس عليها، فيكون عند ذلك الغش الذي يتسرب لعموم المسلمين: أن الشيخ فلان وافق فلاناً فهو على الخير، فنال تزكية لدى عوام الناس؛ فلا يمسُّه بعد هذا نكير، إلا وصاح الناس في المنكِر عليه باطلَه أخذاً بتزكية من أصيب بالإرجاء الفكري من قَبْلُ.
стр. 525
سادساً: الإكثار دوماً من ذكر الخلاف والرخص: إن ذكر الرخصة للناس وتخفيفَ المشقَّة عليهم واجب شرعي؛ فإن الدين دين يُسْر، لكن أن يكون هذا بكثرة، ويكون المراد من ذكر الخلاف دوماً هو نقض الشريعة، وتخيير العامة، وإثارة شكوكِ من لا خَلاقَ له من دينٍ أو علمٍ بأن الشريعة متناقضة؛ فهذا جناية على الدين، ومهما كان مراد صاحب الإرجاء الفكري في هذا التيسير على الناس، فقد أخطأت استُه الحفرة بهذا، حين جنح للإرجاء دون التيسير، ودعا الناس للزندقة بتخييرهم بين أمور الدين، التي يصير بها المرء أخيراً ليس على دين الإسلام؛ فإن من له حظ من علم يعلم أنه لا يحق لمسلم التخيُّر بين أقوال أهل العلم لهوى في نفسه، بل عليه التقليد إن كان جاهلاً، واتباعُ الدليل إن كان عالماً.
سابعاً: غياب الفطنة، ومحاولةُ تأصيل الأفكار الهدامة شرعاً: إن من لازِم الخنوعِ والمسكنةِ الفكرية، وعدمِ الاعتزاز بالشرع الإسلامي في جميع مناحي الحياة، أن يصبح هذا المصاب بالإرجاء الفكري، مسوِّغاً لمشاريع التيارات المنحرفة، مسبغاً عليها مظلة شرعية، خادعاً بها الراعي والرعية؛ فيسألونه (أو ربما تبرع هو محتسباً) لبيان حكم عمل المرأة - مثلاً - وأنه كشرب العسل، مع أن أهل الأهواء لا يريدون عمل المرأة لذاته، بل لما وراءه من إخراج المرأة المسلمة، وإفسادها؛ وهل جادل أحد من أهل العلم في عملها مع الضوابط حتى يحتسبَ هذا المصابُ بالإرجاء الفكري لبيان الحكم؟ ولنا في ابن عباس ﵄ قدوة حسنة حين سأله من في عينيه شرر عن توبة القاتل، فقال له: لا تُقبَل، وسأله من في سيفه دم عنها، فقال: تُقبَل. فسأله من حوله عن هذا، فقال: علمت أن ذاك إن قلت له: يقبلها الله، ذهب فسفك دماً حراماً، وأن الآخر أتاني نادماً فلم أقنِّطه.
ويقول الشيخ أحمد شاكر ﵀ في هذا الباب: «لا يزال كثير من الناس يذكرون ذلك الجدال الغريب الذي ثار في الصحف بشأن الخلاف في جواز ولاية المرأة القضاء. والذي أثار هذا الجدال هو وزارة العدل؛ إذ تقدَّم إليها بعض (البنات) اللاَّئي أُعطِينَ شهادة الحقوق، ورأين أنهن بذلك صرن أهلاً لأن يكنََّ في مناصب النيابة، تمهيداً لوصولهن إلى ولاية القضاء. فرأت الوزارة أن لا تستبد بالفصل في هذه الطلبات وحدَها، دون أن تستفتي العلماء الرسميين.
وذهب العلماء الرسميون يتبارَوْن في الإفتاء، ويحكون في ذلك أقوال الفقهاء؛ فمِنْ ذاكرٍ مذهب أبي حنيفة في إجازة ولايتها في الأموال فقط، ومِن ذاكرٍ المذهب المنسوب لابن جرير الطبري في إجازة ولايتها القضاء بإطلاق، ومِن ذاكرٍ المذهب الحق الذي لا يُجوِّز ولايتها القضاء قط، وأن قضاءها باطلٌ مطلقاً، في الأموال وغير الأموال.
سألت وزارةُ العدل العلماءَ فأجابوا. ولستُ أدري لِمَ أجابوا؟ وكيف رضوا أن يجيبوا في مسألة فرعية، مبنيَّة على أصلين خطيرين من أصول الإسلام، هدمهما أهل هذا العصر، أو كادوا؟ ولو كنتُ ممن يُسأل في مثل هذا، لأوضحت الأصول، ثم بنيتُ عليها الجواب عن الفرع أو الفروع؛ فإن ولاية المرأة القضاء في بلدنا هذا، في عصرنا هذا، يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً:
стр. 526
أولاً: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتَبَس عن تشريعات أوروبة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه: أوافق شِرعَة الإسلام أم خالفها؟ ويصرحون - ولا يستحيون - أنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين، وأنتم ترون ذلك وتعلمون ... أفيجوز مع هذا لمسلم أن يعتنق هذا (الدين) الجديد؛ أعني: (التشريع) الجديد؟ أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلُّم هذا واعتناقِه واعتقادِه والعملِ به، ذَكَراً كان الابن أو أنثى، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟
وثانياً: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانون أو غيره - سواء مما يجوز تعلُّمه ومما لا يجوز - وأن يختلط الفتيان والفتيات هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله.
أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخُلُق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبََّاد الشهوات؟ يجب أن نجيب عن هذا أولاً، ثم نبحث بَعْدُ فيما وراءه؛ ألا فَلْيُجبِ العلماء وليقولوا عما يعرفون، وليبلِّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين.
سيقول عني عبيد (النسوان) الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: إني جامد، وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فَلْيقولوا ما شاؤوا، فما عبَأْت يوماً مَّا بما يقال عنِّي، ولكني قلت ما يجب أن أقول» (١).
وإنما أطلت في هذا؛ لفشوِّه اليوم بين طلبة العلم، وموافقته لشهوة الرياسة وحبِّ الظهور، وما علم المسكين (صاحب الإرجاء الفكري) أن من كذا حاله رُمِي بعد إتمام الغرض منه، وكَثُر ذامُّوه وقلَّ حامدوه أو عُدِمُوا، وأعظم من هذا: أن الله هو الذي مَدْحُه زين وذمه شين، وإذا أحب الله عبداً أمر جبريل أن يحبه فيحبه، ثم ينادي في الملائكة: أن الله يحب فلان فأحبوه، فيحبونه (٢)، و «من ابتغى رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عليه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (٣).
ومن تمسك بالنص الشرعي، وأذعن له فكرُه، وخضع له عقلُه، نجا من هذا الإرجاء، مع تعلُّقٍ بفهم السلف الصالح لا سواه، والبعد عن المحدَثَات الفكرية، أو محاولة تطويع الدين بما لم يأذن به الله، والعلم النظري بأننا في زمن الفتن كما قال ﷺ : «فتن كقِطَع الليل المظلم، يصبح فيها الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل» (٤)، ثم تطبيق هذا العلم النظري، مع دعاء الله الثبات؛ كما كان يفعل ﷺ حينما يُكثِر من قول: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» (٥)، ويسأل الله حُسْن الخاتمة.
أسأل الله لي ولك حُسْن الخاتمة.
المصدر: مجلة البيان
стр. 527
الضوابط الشرعية ... رؤية ليبرالية
محمد بن أحمد الزهراني
١٧ شعبان ١٤٣١
كنت شخصيا ممن يرى أن أهل الفضل والعلم - ممن شرفهم الله بالعكوف على البحث والتقصي في معرفة مراد كلام الله وكلام رسوله ﷺ قد يكونون وقعوا في شيء من المبالغة في قاعدة سد الذرائع حتى رأوا سيئا ما ليس بالضرورة يؤول إلى محذور شرعي.
وكنت أقول في نفسي: رحم الله علماءنا وعفا عنهم, إن حدبهم على هداية الأمة وصلتها بخالقها العظيم وهدي نبيها الكريم أدى بهم إلى التوجس من مآلات وهمية هي أبعد ما تكون عن مجتمعنا النقي الذي قد تضلع بكافة أطيافه بالعقيدة السليمة والرغبة فيتمثل هدي الرسول ﷺ مظهرا ومخبرا وإن تفاوت الناس بعد ذلك في هذا التمثل قلة واسكثارا, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والآن وبعد مرور عقد تقريبا على هذه الطفرة الجينية في الخريطة الوراثية لإعلامنا بكافة أجنحته, إلى أين وصلنا؟
تتبع معي أخي الكريم مسيرة طرحنا الإعلامي المحلي عبر العقد الماضي واضرب كفاً بكف حينما يتملكك العجب.
كانت أكثر المقالات الزئبقية تساق متدثرة بلافتات "حسب الضوابط الشرعية"!
كانت البداية الوجلة تبرز قرنها عل هيئة دعوة إلى قبول الآراء الفقهية الأخرى ما دامت حسب الضوابط الشرعية. نعم, فما المانع أن تترك للمرأة الحرية في كشف وجهها ما دام رأيا فقهيا معتبرا يقرها على ذلك؟
وما المانع أن يساهم الشعب في الشركات المساهمة المشتبهة ما دمنا لا نعدم من يفتينا بذلك؟
وما المانع أن نحاور الأديان الأخرى بغية تبيين الحق وإقامة الحجة؟
وما المانع أن يتعلم أفراد الشعب اللعبة الديموقراطية وصناديق الاقتراع ويختارون من يمثلهم في مؤسسات المجتمع المدني؟
اليوم لم نعد نسمع عبارة "حسب الضوابط الشرعية" فقد وسدت التراب إلى جانب العبارة الشهيرة " نشجب ونستنكر الانتهاكات الصارخة للعدو الصهيوني" ,فأحسن الله عزاء الجميع في العبارتين.
نعود إلى طرحنا الإعلامي لنرى عن ماذا تمخضت هذه الدعوات المتنسكة بالضوابط الشرعية؟
حرب شعواء ضد الجهة الوحيدة المخولة لوضع هذه الضوابط الشرعية, إسقاط لرموز أرباب المعرفة بالعلم الشرعي والدعاة إلى الاحتكام لشرع الله المطهر.
من منا ينسى تلك الليلة الليلاء التي تقاسم فيها القوم على أن يبيتوا أحد أعلام المعرفة بالضوابط الشرعية التي يتشدقون بها ثم بعد أن جاءوا على قميصه بدم كذب وتم لهم ما أرادوا, خرجوا بكل صفاقة ليقولوا "ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون"!!
لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء ليعرف مدى كذب دعوى الضوابط الشرعية, بل ليس الأمر أبعد من شخص قدم لك لحم خنزير وقال لك "تفضل, مذبوح بالضوابط الشرعية".
وإن أردت الدليل على ما أقول فعليك برصد الجناح المرئي لإعلامنا وكيف انه قد استحال في كثير من برامجه إلى عروض للأزياء ومتاجرة بهذه المشاهد , فقط لنرفع أسهمنا عند "الآخر" ويشهد لنا بالوسطية والاعتدال كما يراها هو.
رجل وامرأة قد لبسا وتزينا و"تمكيجا" ثم "انتصا" ليتحادثان ويتمازحان طوال ساعات الصباح وكأنهما في "صباحية مباركة" ... !! تدشين أول فيلم سينمائي احتشد فيه كل شيء .. إلا الضوابط الشرعية طبعا!!
دعوات لصرف قضايا اعتراض على بعض الكتابات والسلوكيات عن مسارها الشرعي إلى مسار خرج من عباءة ثقافة"الفيتو" الغارقة في الظلامية والجاهلية.
مهرجانات غنائية أدركتها حمى الطفرة الجينية لتطعم المهرجان الغنائي السنوي بأصوات ناعمة غابت صورها هذا العام , ولو حلفت ما حنثت أنها ستظهر في العام القادم .. وليس الذي يليه.
стр. 528
احتفالات صيفية على شرف "نجوم ونجمات" الفن الكوميدي في ليلة جنوبية رقصت طوال ساعات الليل على جثمان الضوابط الشرعية.
دعوات لحوار الأديان لم تكن إلا دعوة لإخاء الأديان , تبشر بها أجنحة إعلامنا المختطفة بعبارات لا تحتمل تأويلا " نريد الناس أن يتمسكوا بالأديان الإبراهيمية الثلاثة ففيها الخير للإنسانية جمعاء ... قرآن .. توراة .. إنجيل .. "
وإن شئت لقلت: إنها دعوة لا تهدف إلا إلى إحراز تقدم سياسي اتخذت من هذه الدعوة وسيلة لا غاية.
بل حتى التجربة الخداج لإشراك الشعب في اتخاذ القرار فيمن يمثله وئدت في مهدها والأسباب قيدت ضد مجهول لكن هناك أخبار تؤكد أن الشعب لايزال على قدر من الجهل والسطحية, فلم يكن قادرا على استيعاب التجربة الانتخابية ويؤيد ذلك نتائج الانتخابات!!
ولكنه قطعا سيكون أكثر نضجا بعد أن يروض إعلاميا وثقافيا و"ابتعاثيا!! " , وحينئذ ستطرح التجربة مرة أخرى لأن النتيجة ستكون مرضية كما يريدها المخرج!!
أيها الضوابطيون ومن مكّن لهم , قولوا لنا بربكم من قال من أهل العلم بهذه الصور التي تزعمون أنها لا تخرج من عباءة الشريعة؟
ثم هنا سؤال آخر يلح بشدة , لو استوردنا لكم أراء فقهية من الخارج , هل ستستوعب هذه الآراء تطلعاتكم ورؤاكم المستقبلة؟ أجزم أنكم ستقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.
وهل أجدت أراء علماء الشام ومصر فيما يتعلق بحجاب المراة وعملها وما يتعلق بالفن والتمثيل والحرية الدينية والعقدية, هل أجدت شيئا أمام المد الشرس الذي مارسه أسلاف هؤلاء "الضوابطيين"؟
ما عليك إلا أن تنظر بأم عينك إلى واقع تلك المجتمعات التي باتت تردد:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
والله لا على ضوابطكم وثوابتكم أبقيتم , ولا بالديموقراطية رضيتم!! ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾.
اللهم إني أبرأ إليك من هذه الانتهاكات التي ترتكب باسم الضوابط الشرعية.
اللهم إني أعتذر من عجز الثقات وأبرأ إليك من جلد الفاجر.
стр. 529
منع غطاء الوجه والتذرع بالذريعة !
إبراهيم الأزرق
١٧ شعبان ١٤٣١
من حجج الحكومات المستبدة بأكثريتها باسم الديمقراطية في منع النقاب أو غطاء الوجه ضرورة التعرف على الشخصية زعموا، وذلك لدواع أمنية.
ومن العجيب أن يبدي قناعته بهذه الدعوى أو يقرها صامتاً عنها بعض المغفلين الذين دأبوا يشنعون على أهل العلم الذين يعتبرون الذرائع الحقيقية، فينبذونهم بالنعوت والألقاب، ويتهمونهم بالتضييق والتعنيت، أما تصرفات الحكومات الغربية من نحو الفرنسية والبلجيكية فتلك هي الحكمة وذلك هو الفقه الذرائعي المعتبر!
مع أن أهل العلم المحققين لا يحرمون من الذرائع إلاّ ما كان قطعي الإفضاء إلى المحرم أو أغلبيه أو كان محتملاً لكن الطبع متقاض لإفضائه، وأما ما يفضي أحياناً فحكمه بحسب المصلحة من ذلك الفعل. أما هؤلاء المتبلجكون والمتفرنسون فيسدون من ذرائع العفة الغالبة أظهرها، ويمنعون من ذرائع المفسدة المتوهمة واحدة من أسمجها!
ولو تساءلنا كم من جريمة في فرنسا أو بلجيكا قد ارتكبت؟ وكم تلك التي كان النقاب سبباً فيها لعلمنا تفاهة الذريعة المدعاة!
إن من الطبعي أن يدعي خبيث أن النقاب أو غطاء الوجه يساعد على ارتكاب الجريمة، ويمنع من التعرف على الجاني، لكن من الغباوة أن نعتقد بأن المجرم إذا جاء يخطط لتنفيذ جريمته فسوف يُعِدُّ الغطوةَ ليعصب وجهه، والجلباب ليَشُلَّ حركته! ربما غاب هذا عن غربي لم يمارس هذا اللباس، وغاية ما يتخيله عنه ما يراه في أفلام النينجا! لكننا معاشر الشرقيين ندرك أن هذا اللباس يقيد حركة المرأة نوعاً ما بحيث لا يدع لها من المجال ما يحتاجه اللص أو المجرم في حركاته ووثباته وركضاته وانثناءاته! والاحتجاج لمنع غطاء الوجه بدعوى الدوافع الأمنية في نظري يشبه الاحتجاج بنفس الدعوى من أجل منع لبس الكعب العالي المُعيقِ عن الحركة! فمن يدري ربما أخرجته وضربت خصيمتها به في يافوخها فكان أمضى من سكين، وربما قذفت به في وجه آخر فكان أنفذ من رصاصة! نعم إنها ذريعة واردة بمنطق فقهاء فرنسا ومشرعي بلجيكا! وإني لا آمن أن تكون نهاية الخطوات المقبلة منع المرأة من الخروج بسوى البكيني في تلك الدول منعاً لذريعة ارتداء الحزام الناسف أدنى الثياب، وليتبين أمر الحوامل من الانتحاريات! إنه فقه مشرعي الكفر فلا عجب! وأعجب منه كلام بعض المستغربات وقالوا: لا تثيروا ضجة ومعركة في قضية لا تسوى -وقاتل الله التأويل الذي أداهم إلى أن بعض أوامر الله لا تسوى- فهؤلاء ربما أفاقوا إذا قررت تلك المجتمعات الخطوة التالية وهي منع الخمار أو غطاء الرأس مطلقاً!
وإذا بدت لك سخافة الذريعة التي يدافع عنها بعض مناهضي قاعدة سد الذرائع في الإسلام مع موافقتها المنقول والمعقول، فاعلم أن للقوم حجة أخرى وهي المنع من غطاء الوجه من أجل التعرف على المجرمين والفارين من وجه العدالة .. ومع أني أعتقد أن هذه مجرد مراوغة لا حقيقة لها، لأن هذا الزي في تلك البلاد مدعاة لاسترعاء الانتباه وتتبع صاحبه من أين يخرج وإلى أين يذهب، وماذا يفعل، لا صرف الأنظار عنه وغض البصر عند مروره! ولأن صويحباته قلة معروفة في مجتمعاتها، ولو أن مجرماً فرنسياً لبس العباية والنقاب ثم خرج لقفش عند عتبة بابه، ولأن التحقق عند الريبة من الشخصية المنقبة ممكن، ولأن الأجدر في التنكر استخدام أساليب أخرى يغير فيها المجرمون خلق الله، بل الأمر لا يستدعي ذلك فعندهم من المساحيق والأشعر المستعارة والأصباغ والأقنعة والنظارات الشمسية ما يباع مشاعاً وهو كفيل بأن يؤدي للمجرم تلك الوظيفة بكل يسر، مع كل ذلك فلو فرضناها دعوى هم صادقون فيها من جهة قصدهم، لحق لنا أن نُبَشِّع بمقصدهم ونيَّتهم المنطوية على اتهام الأبرياء، فعجباً لدولٍ ديمقراطيةٍ البريئةُ فيها متهمةٌ مطالبة بفعل ما يثبت براءتها! كأنهم يقولون لتلك المنقبة المحتجبة أنت متهمة بأنك (جاك مسيرين) فأثبتي خلاف ذلك! والأدهى أنها إذا أثبتت أنها فلانة بنت فلان فعليها حينئذ أن تدفع غرامة! فهل عهدتم دولةً مستبدةً في شرقنا البريئات المنقبات فيها متهمات حتى يدفعن بالبراءة ويبذلن بعد ذلك غرامة؟ لا جرم فقومنا أبرياء من ديكتاتورية الأكثرية في النظم الديمقراطية! كما أن شعوبنا برءاء من التسلط على الأقليات بالأهواء، أما في فرنسا فتوشك ألا تأمن منقبة بعد قليل إذا هي سارت في حدائق بولوني أن يقوم ثلة من العراة الذين يحق لهم نظاماً التسكع هنالك بالاحتساب النظامي عليها عبر الجوال، ليجيء مقلعاً (جيب) هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف الفرنسية - أو سمِّه ما شئت - متلافيا أجساد العراة، ليعتقل المنقبة!
стр. 530
الفتوى ومسألة الحرية
محمد السعيدي
١ شعبان١٤٣١هـ
الحرية بدلالتها المصطلحية ماسونية الأصل غربية الولادة والمنشأ، وقد وردت إلينا مثقلة بدلالاتها العقدية والاجتماعية والسياسية بحيث أصبح نقلها إلى دلالات أخر لم يجمعها بها أصل ولا منشأ شبه متعذر إلا إذا قبلنا تشويه المدلولات المعهودة لنا بحشرها تحت مظلة هذا المصطلح الغريب في دلالته على ثقافتنا، وإن لم يكن غريبا من حيث تكوينه اللغوي.
جاء إلينا هذا المصطلح كالزيت الساخن الذي يشوه كل ما يغمس فيه، ورغم ذلك فقد سارعنا إلى غمس أجمل ما لدينا داخله دون أن نلتفت إلى حجم ما يلحقه ذلك فيها من أضرار.
أصبحنا نكرر دون أن ندرك تماما ما نقول: حرية العقيدة، حرية الفكر, حرية التعبير, حرية الرأي، حرية المرأة، حرية الاقتصاد.
حاول بعض المفكرين منذ مطلع القرن الحديث استغلال هذا البريق المنطلق من هذا المصطلح للدعوة إلى الإسلام فنادوا لأجل ذلك بأن الإسلام دين الحرية أو أن الإسلام جاء بالحرية، لكن هذا النداء لم يكتب له الرواج كأسلوب للدعوة إلى الإسلام، لأن المستهدف بهذه الدعوة يفهم هذا المصطلح على وجه لا يمكن أن ينطبق على الإسلام أبدا.
لن ينطبق على الإسلام حتى لو أضفنا اشتراط الضوابط لتكون الحرية إسلامية، لأن تلك الضوابط سوف تكثر وتكثر حتى لا يمكننا أن نصدق إلا مجاملة لأنفسنا أن الحرية تتفق مع الإسلام.
وصل تشويه مصطلح الحرية إلى الفتوى التي هي في الأصل اجتهاد في الإخبار عن مراد الله تعالى من أحكام تكليفية على أفعال العباد، ومع ذلك أصابتها في أيامنا الأخيرة آفة الحرية، فأصبحنا نسمع عن حرية الفتوى، أي حرية القول على الله تعالى، وحرية التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله ﷺ ، وكنت أسمع مثل هذه الدعوى من بعض الكتاب في صحافتنا والصحافة العربية ولم أكن أقابلها بأكثر من زم الشفتين والدعاء لهم بالهداية، لكنني اليوم أصبحت أقرؤها في بعض الكتابات التي تنحوا منحى العلمية والتأصيل، وفي كثير من تفاعلات القراء على ما يكتبه العديد ممن ينادون بضبط الفتوى في أيامنا هذه.
من هنا بدا لي أن مصطلح الحرية بحمولته الماسونية وصل في فكرنا المعاصر إلى حد ينبغي أن ينتبه إليه، فقد وصل إلى حيث لا ينبغي أن يصل.
إن الحرية لم ترد في مصادر الإسلام إلا في مقابل الرق ولم ترد أبدا في معناها الذي نروجه اليوم لها، بل إن هذا المعنى الذي ندعمه جميعا اليوم للحرية لا يمكن أن ينسجم مع ما جاء به الدين من تفاصيل تقيد حياة العبد من حين يستيقظ إلى أن ينام مرة أخرى، بل حتى في أثناء نومه ربما نقول إن أحكام الشريعة لا تفك مرتبطة به.
فالإنسان مستعبد لله تعالى اضطرارا والمسلم مستعبد له اختيارا، هذا هو المعنى الذي ينبغي أن نقرره وننطلق في فهمنا للحياة من خلاله، فالمسلم عبد لله في عقيدته وفكره ورأيه، رجلا كان أم امرأة، لا فكاك للرجل عن عبودية المولى كما لا فكاك للمرأة.
والفتوى أخص من ذلك فهي في ذاتها عبادة لله كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي فرض عين على من تعينت عليه وفرض كفاية على من تأهل لها وحرام على من ليس كذلك.
إن شأن العبادات أن تستكمل شرائطها وهي لوازم صحتها التي تسبقها، وأركانها وهي لوازم صحتها التي تصاحبها، وواجباتها وهي أجزاؤها التي تتكون منها، ومن تعمد أداء العبادة دون تحصيل الشرائط وإقامة الأركان والواجبات فقد ارتكب إثما ووطئ حراما، كما أن للعبادة أيضا أوقاتها التي لا تصح في غيرها.
ولا تختلف الفتوى عن أخواتها من العبادات في شئ من ذلك أبدا، فلها شرائط وأركان وواجبات وسنن وآداب يعرفها كل من درس الفتوى واتقى الله في أدائها.