← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ولما لم يراع عدد من الممارسين لنقد الخطاب السلفي طبيعة الأزمة وما أحدثته تداعياتها أخذ ينتقده بأنه أهمل مسائل كثيرة من البحث المؤصل الكافي والخروج فيها برؤية ناضجة وهذا في حقيقة الأمر غفلة بل تعالٍ على طبيعة الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي بكل أطيافه فالأزمة لم تدع مجالا لمتابعة ما يضخه العالم الحديث من إشكالياته المتنوعة. ٢ - كثرة الخلافات والتشققات فالمتابع لقدر من الإشكاليات التي ارتبطت بهذا العصر يلحظ أنها اتسمت بالاشتباه والتعقيد والغموض وهذه الأوصاف تؤدي عادة -متى ما توفرت في قضية ما- إلى حدوث الخلاف بين الخائضين في حلها. ولما لم يراع بعض الممارسين لنقد الخطاب السلفي طبيعة الأزمة أخذ يحكم على الخطاب السلفي - بله الشرعي كله- بأنه يعاني من التشرذم والانشقاق نتيجة اختلاف مواقفه في قدر من نوازل العصر وهذا في الحقيقة غفلة عن طبيعة القضايا التي أحدثها عصرنا الحاضر فليس من المستغرب أن يختلف السلفيون في المسائل الغامضة والشائكة؛ فهم مختلفون بالضرورة في مقدار استيعابهم وقوتهم العلمية والإدراكية. ٣ - التنوع في المواقف؛ ففي عالم سريع التغير والتبدل في مظاهر منتجاته الحضارية وأشكالها فإنه لا محالة ستنصهر فيه المواقف الثابتة وهو بلا شك ما تقتضيه الحكمة والعقل فضلا عن الشرع فليس صحيحا أن يبقى المرء على رأي اتخذه من منتج حضاري ما ويتصلب عليه مع أن هذا المنتج قد تشكل تشكلات أخرى مختلفة اختلافات مؤثرة عما كان عليه في صورته الأولى. ولكن بعض نقاد الخطاب السلفي يأبى اعتبار هذه الحقيقة ويأخذ في التشغيب بأن الخطاب السلفي تناقضت مواقفه في عدد من المنتجات الحضارية والمثال الذي يمكن أن يكوّن صورة مقاربة لما نحن فيه: الموقف من (الدش) فبدل ما كان يحرم الدش ويصدر الفتاوى في التحذير منه غدا رواد الخطاب السلفي يتهافتون على اقتنائه، أو غدوا مسالمين له على الأقل وهذا في الحقيقة تعالٍ على الواقع، وتغافل عن التطورات التي حدثت في موضوع البحث فالموضوع الذي وقع فيه التنوع في المواقف لم يعد في صورته كما كان عليه في أول خروجه وإنما حصلت فيه تغيرات كبيرة أدت بالضرورة إلى أن يغير بعض الخطاب السلفي موقفه منه ولكن بدل أن يكون هذا تفاعلاً ممدوحًا مع الواقع وتفهما له أضحى تناقضا ودليلا على ضبابية المواقف في بعض النقاد!!. المظهر الرابع: عدم مراعاة التنوعات المؤثرة: لا شك أن كل خطاب معرفي أو سلوكي لا بد أن يرضخ تحت وطأة التنوعات التي تؤثر في تحديد المواقف المتخذَة من قبل أتباعه وكلما ازداد الخطاب اتساعًا وشيوعًا في المجتمع ازدادت تلك التنوعات تأثيرًا في تحديد مسار ذلك الخطاب. والتنوعات المؤثرة في الخطابات عديدة من أعمقها: التنوع المعرفي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في وعيهم بالأصول التي يبنى عليها خطابهم، ولا بمدى مستلزمات تلك الأصول، ولا بمقدار تفهمها وتمثلها في الواقع بل هم مختلفون فيها اختلافات واسعة. ومنها: التنوع النفسي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في أمزجتهم النفسية فهم بلا شك متفاوتون فيها بين الحاد جدا وبين الأقل حدة وبين الهين اللين ولا شك أن المزاج الشخصي له تأثير ظاهر في طبيعة القرارات الدينية أو الدنيوية التي يتخذها في حياته. ومنها: التنوع الاجتماعي: فأتباع الخطاب الواحد ليسوا سواءً في أحوالهم اليومية التي يتلبسون بها فهم يختلفون فيها كثيرًا وهذه الأحوال لها آثار بارزة فيما يتخذه الأشخاص من مواقف.

стр. 702

والمحتم على الناقد الذي يهمه إصابة الحق والاتصاف بالموضوعية والعدل في نقده أن يراعي تلك التنوعات فيما يوجهه من نقد ومتى ما خلا النقد من مراعاتها فلا بد أن يقع في الآفات المضرة. ولا شك أن الخطاب السلفي يعد من أكثر الخطابات شيوعًا وتجذرًا في المجتمع وهذا يعني أن تأثير التنوعات فيه سيكون أكثر من غيره. ومن أظهر الممارسات التي تنافي اعتبار واقعية التنوعات: تعميم الأحكام وإطلاق الأوصاف العامة الشاملة لكل أفراد الخطاب المعين من غير مراعاة لما يشهده من تنوع علمي أو نفسي أو اجتماعي. وإن المتابع لقدر من الاحتجاجات الموجهة إلى الخطاب السلفي يجد أنها تلبست بتلك الآفة فما إن يرى بعض النقاد قولا قرره طيف من الخطاب السلفي، أو فرد من أفراده، أو مفت بارز فيه إلا ويبادر مباشرة إلى توجيه الحكم إلى كل الخطاب ولا يحاول أن يتعب نفسه قليلا ويجيب على سؤال ملح في النقد وهو: هل هذه المقالة التي ينقدها يقول بها كل الخطاب السلفي أم أكثره أم أقله ولكنه - للأسف - يعمد مباشرة إلى الخطاب السلفي بجملته، وينصبه على خشبته المائلة، ويأخذ في سرد ملاحظاته التي رآها من بعض الأفراد الذين يعيش معهم في مدينته أو إقليمه، أو قرأ لهم في بعض المجلات والمواقع الإلكترونية، أو سمع عنهم من بعض أصدقائه، أو تناظر معهم في بعض حواراته، أو استمع له وهو يفتي في بعض القنوات. ونحن حين نؤكد على ضرورة مراعاة التنوعات ونحذر من التعميم، لا نقصد بالضرورة أن نمنع استعمال صيغ العموم على كل حال، أو نحكم على كل تعميم بالخطأ، أو نقرر أن الخطاب السلفي أو غيره من الخطابات لا يمكن أن يجتمع على فكرة أو مقالة ولكن غاية ما نريده أن نحرر المقياس الحقيقي الذي ينضبط به استعمال صيغة التعميم بحيث لا يكون مستعملها خارجًا عن الموضوعية والعدل ثم نسعى بعد تحديده إلى ممارسته فعليا على الواقع. مع أن الطريقة الأكمل من ذلك كله هو أن تتوجه احتجاجاتنا إلى المقالات نفسها -سواء في الخطاب السلفي أو في غيره - وتدور الحوارات في نطاقها ويقام النقد والتقييم والحكم عليها ابتداء ولا نخرج عنها إلا في حالات معينة وظروف خاصة ولكن مشهدنا السجالي انقلبت فيه المنهجية رأسا على عقب فغدت نقطة الارتكاز فيه على صاحب المقالة لا المقالة نفسها، مما اضطرنا إلى التلبس بآفة التعميم والتشرب بآثارها. المظهر الخامس: الرضوخ للاختزال: إن من المظاهر المؤلمة التي يشهدها المراقب لاحتجاجاتنا الفكرية رضوخ أكثرها تحت وطأة الاختزال فيخيل للقارئ حين يقرأ بعضها أن حل مشاكل الأمة كلها مرتبط بحبل سري مع مشكلة واحدة بعينها متى ما حُلت فإن مشاكلنا الأخرى ستنحل تلقائيا وهذه النظرة في تقييم الأمور هي في الحقيقة نظرة ضيقة وقعت فيها خطابات عديدة فالخطاب الإصلاحي السياسي يصرخ بأصواته المرتفعة في نوادينا، ويُظهر لنا في خطابه أن الحل السحري للتخلص مما نحن فيه من تخلف يكمن في إصلاح الحكومات المستبدة التي لا تطبق الديمقراطية! ولا يحفظ فيها المال العام ولا توزع فيها الحقوق بالتساوي ويختزل حلول الأزمات الأخرى فيا اقتنع به وخطاب الإصلاح الفكري يُظهر لنا أن الحل السحري للتخلص مما نحن فيه يكمن في متابعة الأفكار الغربية الوافدة وتتبعها نقدًا وتقييمًا وهكذا دواليك في عدد من الخطابات. والقدر المشترك بين تلك الاختزالات يكمن في افتراض التزاحم بين مجالات الإصلاح واستحالة السير في خطوط متوازية في سبيل الخروج من الأزمة ويكفي هذا تبيانًا لخطأ تلك النظرة وإظهارًا لمخالفتها للتاريخ والواقع.

стр. 703

ونتيجة لتلك النظرة الضيقة أخذ عدد من نقاد الخطاب السلفي يصوره على أنه خطاب يغرد خارج السرب وأنه يعمل في منطقة الخلاء التي لا ينتفع بها أحد وأوهم أنه ينازع في أهمية المجالات الأخرى التي تم اختزال أزمات الأمة فيها. والمتابع الفطن يدرك أن الواقع مختلف عن ذلك فتلك الخطابات لا ينازعها الخطاب السلفي في أهمية الإصلاح السياسي مثلا أو الإصلاح الفكري أو نحوه فالكل متفق على أن تلك المجالات وغيرها تعاني من أزمة حادة وكلها ثغور تحتاج إلى أن تنفر طائفة من المؤمنين لإصلاحه وترميمه ونزاعهم يدور في دوائر أخرى أضيق من دائرة أصل الأهمية والضرورة وحاصلها يرجع إلى كيفية تناول الإصلاح في تلك المجالات وفي تحديد الأولويات فيها وهذه الدوائر لا تخرج عادة عن ساحة الاجتهاد والموازنة بين المصالح والمفاسد وهي غالبا تتلبس بالغموض والدقة وهذا ما يفسر لنا كثرة الخلاف فيها في الفكر الإسلامي منذ قرن من الزمن تقريبا فليس غريبًا بعد ذلك أن تختلف فيها المواقف بين المعاصرين. هذه المظاهر الخمسة- في نظري- هي أهم الآفات التي تلبست بها الموجة النقادة للخطاب السلفي في واقعنا المعاصر وتسبب في بروز أعراض مرضية عديدة أنهكت السجالات الفكرية وأودت بها إلى المهالك كما هي العادة المطردة في الاحتجاجات التي لا تلتزم بالقيم العليا ولا تقوم على البنى التحية الناضجة فإنك لا تشهد معها إلا مزيدًا من التشتت الفكري ومزيدًا من ضياع البركة ومزيدًا من كثرة الصخب والضجيج في الحلبة المعرفية ومزيدًا من تخييم الضبابية على المنطقة الوسط ومزيدا من ضياع القصد الأصلي من الاحتجاج وبدل أن يكون السجال سبيلاً مؤديًا إلى الخروج مما نحن فيه من أزمة يغدو جزءًا معضلاً منها يساعد على تكريسها.

стр. 704

مسألة: حدود عورة المرأة أمام المرأة علوي بن عبد القادر السقاف المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية ٢٢ شوال ١٤٣١هـ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد: فإن من الواجبات المتعين على أهل العلم القيام بها تعليم الناس، ومن أوجب هذه الواجبات تعليمهم ما خفي وتلبس عليهم وما عمت بها البلوى وتساهل فيه كثير من الناس حتى أصبح المعروف فيها منكراً، وبات المنكر معروفاً، ومن ذلك مسألة العورات، وبالأخص عورة المرأة على المرأة. والمرأة لا تخلو من أن تكون: إما مسلمة وإما كافرة، والمسلمة إما عفيفة أو فاجرة. فأما عورة المرأة المسلمة أمام المرأة المسلمة فللعلماء فيها قولان: القول الأول: وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء إلى أنها من السرة إلى الركبة، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو الأصح عند الحنفية [المبسوط للسرخسي ١٠/ ٢٥٤، مواهب الجليل ٢/ ١٨٠، المجموع شرح المهذب ٣/ ١٦٧،الروض المربع ١/ ٣٣٢] ويرى بعض أهل العلم وهو رواية عن أبي حنيفة أن المرأة تنظر من المرأة ما يراه الرجل من محارمه، وهو مواضع الزينة [البحر الرائق ٨/ ٢١٩] فتنظر إلى الرأس والوجه والعنق والعضد والساق. ومما استدل به الجمهور: أنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف إثارة للشهوة أو الوقوع في الفتنة كما في نظر الرجل إلى الرجل، فنظر الجنس إلى الجنس أخف لانعدام الشهوة غالبا لوجود المجانسة، والغالب كالمتحقق. كذلك من أدلتهم إجماع أهل العلم على جواز قيام المرأة بتغسيل المرأة كما يغسل الرجل الرجل، فكما للرجل الاطلاع على ما فوق السرة ودون الركبة من الرجل حياً وميتاً، فيجوز إذاً أن تُظهر المرأة للمرأة ما فوق السرة ودون الركبة لوجود المجانسة التي تبيح ذلك، فالناظر والمنظور إليه كلاهما من النساء. وأجيب عن الأول بأن ما ذكروه غير مضطرد فالأمرد من جنس الرجال ومع ذلك اعتبره جمهور الفقهاء في حق نظر الرجال إليه بالمرأة، ولم يعتبروه بجنسه. وأما الثاني فلا حجة فيه؛ لأن الغسل ليس فيه إباحة إطلاق النظر، فضلاً عن أن يكون فيه جواز تعرية المرأة، فالمشروع في الغسل أن يكون من فوق الثوب، وهذا إذا قيل بالتساوي بين حالتي الحياة والموت. والآية (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ) تخاطب المرأة بالنهي عن إبداء الزينة الخفية بالاختيار إلا لمن ذكر فيها ومن في حكمهم بالقدر المعروف شرعاً وعرفاً. وأما كشف ما فوق السرة لغير الزوج في حال ضرورة، أو ظهور شيء من بدن المرأة سواء كان ذلك في حال الضرورة أو عدم التكليف فليس من هذا الباب. ولعل الراجح هو القول الثاني وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن- إلى قوله- أو نسائهن﴾. والمقصود بالزينة مواضعها، فالخاتم موضعه الكف، والسوار موضعه الذراع، والقرط موضعه الأذن، والقلادة موضعها العنق والصدر، والخلخال موضعه الساق، وقد جمعت الآية بين محارم المرأة ونسائهن، وساوت بينهم فيما ينظرون إليه وهو مواضع الزينة من بدنها.

стр. 705

وكذلك قول النبي ﷺ : (المرأة عورة) أخرجه الترمذي (١١٧٣) وصححه غير واحد من أهل العلم، فلا يجوز لها أن تبدي إلا ما ثبت استثناؤه، ومن ذلك ما جاء في (صحيح البخاري) (٢٥١) -واللفظ له- ومسلم (٣٢٠) عن أبي سلمة قال: دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة ﵂ فسألها أخوها عن غسل رسول الله ﷺ فدعت بإناء نحو من صاع فاغتسلت وأفاضت على رأسها وبيننا وبينها حجاب. ففيه رؤية رأسها من قبل أخيها وابن أختها أبي سلمة؛ لأنَّ أمَّ كلثوم أختَها أرضعته، وثبت في البخاري (٣٨٩٤) ومسلم (١٤٢٢) قصة زواج عائشة ﵂ وتمشيط النساء لها وتزيينها للنبي ﷺ . وحديث جابر ﵁ في قصة زواجه من الثيب وجوابه للنبي ﷺ عن سؤاله وأنه أراد أن تقوم على أخواته وتمشطهن أخرجه البخاري (٢٠٩٧) ومسلم (٧١٥) فلا بد حال التمشيط من رؤية الشعر والأذن والرقبة، ولا يجادل في هذا أحد. ولا نعلم عن أحد من السلف خبرا ذكر فيه تكشف النساء وإظهارهن شيئا من أبدانهن فيما بينهن سوى مواضع الزينة، ولو وقع ذلك لنقل عنهم كما نقل غيره مما هو دونه. وكذلك فإن المرأة لا تحتاج في قيامها بعملها إلى كشف ما زاد عن مواضع زينتها، والظهر والبطن وما أشبههما- مما ليس موضعا للزينة- لا تحتاج لكشفه عند مزاولة المهنة في البيت. أمَّا قول جمهور الفقهاء بأن عورة المرأة بالنسبة للمرأة ما بين السرة إلى الركبة فهو مما لا دليل عليه، وليس معناه أن المرأة تجلس بين النساء كاشفة عن جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، كما هو حال بعض النساء في الأعراس وغيرها لا يبالين بكشف ما فوق السرة وما تحت الركبة، بل ربما أكثر من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلا ينبغي أن يساء فهم قول جمهور الفقهاء، قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (وحدود عورة المرأة عند المرأة ما بين السرة والركبة ... ولكن لا يعني ذلك أننا نجوِّز للمرأة أن تلبس ثياباً لا تستر إلا ما بين السرة والركبة، ولكن فيما لو أن امرأة خرج ساقها لسبب وأختها تنظر إليها وعليها ثوب سابغ، أو خرج شيء من رقبتها أو من نحرها وأختها تنظر فلا بأس بذلك، فيجب أن نعرف الفرق بين العورة وبين اللباس، اللباس لابد أن يكون سابغاً بالنسبة للمرأة، أما العورة للمرأة مع المرأة فهي ما بين السرة والركبة). (مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين١٢/ ٢٦٨)

стр. 706

ومما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية: (يجب على المرأة أن تتخلق بخلق الحياء الذي جعله النبي من الإيمان وشعبةً من شعبه، ومن الحياء المأمور به شرعًا وعرفًا تستر المرأة واحتشامها وتخلقها بالأخلاق التي تبعدها عن مواقع الفتنة ومواضع الريبة. وقد دل ظاهر القرآن على أن المرأة لا تبدي للمرأة إلا ما تبديه لمحارمها مما جرت العادة بكشفه في البيت وحال المهنة كما قال تعالى: ﴿ولا يُبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن﴾ [النور:٣١] الآية، وإذا كان هذا هو نص القرآن وهو ما دلت عليه السنة، فإنه هو الذي جرى عليه عمل نساء الرسول ونساء الصحابة ومن اتبعهن بإحسان من نساء الأمة إلى عصرنا هذا، وما جرت العادة بكشفه للمذكورين في الآية الكريمة هو: ما يظهر من المرأة غالبًا في البيت وحال المهنة ويشق عليها التحرز منه؛ كانكشاف الرأس واليدين والعنق والقدمين، وأما التوسع في التكشف فعلاوة على أنه لم يدل على جوازه دليل من كتاب أو سنة، هو أيضاً طريق لفتنة المرأة والافتتان بها من بنات جنسها، وهذا موجود بينهن، وفيه أيضاً قدوة سيئة لغيرهن من النساء، كما أن في ذلك تشبهاً بالكافرات والبغايا الماجنات في لباسهن، وقد ثبت عن النبي أنه قال: من تشبه بقوم فهومنهم) انتهى. فعلى ذلك لا يجوز للمرأة أن تلبس الملابس الضيقة التي تبين تفاصيل أعضائها، ولا أن تلبس ما يشف فيبدي مفاتنها، ولا الملابس العارية، فكل ذلك يدخل في قول النبي ﷺ (كاسيات عاريات) أخرجه مسلم (٢١٢٨) وقد قال النبي ﷺ : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة) أخرجه مسلم (٣٣٨). أما حدود نظر المرأة الكافرة إلى المسلمة فللعلماء فيه قولان: الأول: ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والأصح من مذهب الشافعية ورواية عن أحمد أن المسلمة يجب عليها أن تحتجب عن غير المسلمة إلا لحاجة أو ضرورة [حاشية ابن عابدين٦/ ٣٧١، بلغة السالك١/ ١٩٢، مغني المحتاج٣/ ١٣١، المغني ٧/ ٤٦٤] والثاني: أن حكم غير المسلمة في النظر كحكم المسلمة وهذا القول وجه عند الشافعية ورواية عن أحمد وهو المشهور في المذهب الحنبلي [روضة الطالبين ٧/ ٢٥، المغني الموضع السابق] والراجح - والله أعلم - هو القول الأول فلا يحل للمرأة الكافرة أن تنظر من المرأة المسلمة سوى الوجه والكفين، ومن الأدلة قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن) [النور:٣١]. والشاهد في الآية قوله (أو نسائهن) حيث دلت الآية على النهي عن إبداء المؤمنة مواضع زينتها بين يدي الكافرة: مشركة كانت أو كتابية، فلو جاز لها النظر لم يبق للتخصيص فائدة. قال الإمام القرطبي في تفسيره: (أو نسائهن). (يعني المسلمات، وتدخل في هذا الإماء المؤمنات، ويخرج نساء المشركين من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لامرأة مؤمنة أن تكشف شيئاً من بدنها بين يدي امرأة كافرة إلا أن تكون أمة لها، فذلك قوله تعالى: (أو ما ملكت أيمانهن). انتهى. وعلة ذلك أن الكافرة قد تصف المسلمة لكافر، فالتحريم لعارض، لا لكونها عورة. بقي أن أشير إلى حكم نظر المرأة الفاسقة إلى المسلمة، فالراجح أنه لا يجوز لها النظر إلى غير الوجه واليدين من المرأة الصالحة إذا غلب على الظن أنها تصفها للرجال، قال الإمام العز بن عبد السلام من الشافعية (والفاسقة مع العفيفة كالكافرة مع المسلمة) [أسنى المطالب ٣/ ١١١] وفي الفتاوى الهندية عند الأحناف: (ولا ينبغي للمرأة الصالحة أن تنظر إليها الفاجرة، لأنها تصفها عند الرجال، فلا تضع جلبابها ولا خمارها عندها). والله أعلم

стр. 707

تعامل السوق السعودية بالتورق خطر قادم يوقعها في أزمة مالية كبيرة ... عضو الشورى الأطرم محذرا: سندات القروض "ربوية" من بدئها لمنتهاها الدمام - خالد المرشود حذر عضو مجلس الشورى والخبير الاقتصادي الشيخ الدكتور عبدالرحمن الأطرم من خطر قادم قد يداهم السوق المالي السعودي ويلحق به الضرر كما حدث في الأزمة الاقتصادية العالمية وذلك نتيجة تعرض المصارف المالية التقليدية السعودية اليوم إلى عمليات تورق غير مقننة ومضبطة من الناحية الشرعية والمهنية أيضا ومن ذلك يقول إعادة بيع السلعة على البائع نفسه وبيع سلعة غير معينة أساسا مطالبا في الوقت ذاته جهات الرقابة حتى نتلافى ما قد يحدث وضع معايير شرعية عاجلة وتحديد ما هو منتج إسلامي وغير إسلامي. جاء ذلك في ندوة اقتصادية بعنوان المصرفية الإسلامية ومدى تأثرها بالأزمة العالمية نظمها منتدى عبدالله فؤاد الثقافي بالمنطقة الشرقية حيث أستهل الشيخ الأطرم حديثه بتمهيد عن سبب الأزمة المالية العالمية، بعدها بين أهمية المصرفية الإسلامية، وبدايات التأسيس، ثم تحدث عن الرؤية الإسلامية للصناعة المالية قائلا أنها أخذت من الرأسمالية والاشتراكية أفضل ما فيها، وأن الذي ساهم وبقوة في وجود المصرفية الإسلامية هو المستهلك، لأنه يريد المال الحلال مطالبا على هذه الصورة كمصارف مالية الاهتمام والاعتناء به وعدم استغلاله. كما بين فضيلته أن المصرفية الإسلامية لا يمكن أن تعمل دون التواصل الدولي وذكر أن الصناعة المالية يمكن أن تنمو وبجودة شرعية عالية، إذا توفر لها المناخ والبيئة الملائمة، ويتطلب ذلك وجود خطوات عملية وجود الجهات الإشرافية والرقابية التي، تتبنى الإشراف على المصرفية الإسلامية، من خلال قواعد الشريعة الإسلامية، وعدم استغلال الناس وحماية المستفيد من ممارسات الصناعة المالية الإسلامية. ثم تناول سلبيات المصرفية الإسلامية والتي ذكر منها أنها حاكت الصناعة التقليدية، وفي بعضها حيل للربا وضرب مثالا للتأمين التعاوني وتحوله إلى تأمين تجاري. ثم تناول في الشق الثاني من الندوة إجابة لعدد من تساؤلات حول واقع حال الأسهم والاستثمارات المختلطة بالمحرمات، وأثر ذلك على صناعة المصرفية الإسلامية مشيرا إلى أهمية تطهير الأسهم والوحدات الاستثمارية في الصناعة المالية الإسلامية، مؤكدا إلى أن أهمية تطهير الأسهم والاستثمارات من شوائب المحرمات تكمن في تبرئة ذمة الإنسان، طالما يطالبه الإسلام بتطييب مكسبه. ويعتقد الأطرم أن هناك عددا من الآليات التي يمكن أن تحول ما دار حول موضوع التطهير والتخلص من المحرمات في الأسهم والاستثمارات، منها ممارسة نوع من الحوار والنقاش مع عدد من الجهات التي تملك القرار، لما لذلك من حاجة ماسة إلى قرار نافذ يحسمه، ولا بد أن تصدره جهة إشرافية رقابية أو جهة سياسية تملك القرار وتجعل تنفيذه ممكنا. ويرى أن تفعيل الحوار مع الجهات التي تصنع القرار، أو تملكه مهم من أجل حماية الصناعة المالية والاقتصادية في السعودية؛ لأنها أمر شرعي ومن الآليات التي اقترحها الدكتور الأطرم أن تفعّل مراكز البحث العلمي، الذي من شأنه الإسهام في إنتاج الأدوات وإيجاد البدائل، بجانب عامل التثقيف والتوعية سواء على مستوى العامة، أو حتى على مستوى القيادات وصناع القرار. وأوضح الأطرم، أن لكل توعية وضعا يناسبها، سواء كان بالأحكام أو ببيان الأبعاد أو ببيان مترتبات الأحكام، وهكذا دواليك، لما لكل هذا وذاك من أثر عملي سيجعل من التطهير واقعا ملموسا في جميع المعاملات المالية والاقتصادية. وفي السياق ذاته قال الأطرم، إن السندات التي يطلق عليها «سندات القروض» التي يتم الاقتراض فيها من الجمهور أو الاقتراض من المؤسسات بفائدة، سواء كانت الفائدة ثابتة أو متغيرة أو على شكل جوائز، إنما هي معاملة ربوية من بدئها إلى منتهاها، لأنها تنشئ قروضا لمصدر السندات بفائدة. وأضاف أن مثل هذا النهج "ربا" لأن القرض النقدي الذي يشترط فيه الزيادة عند الردّ، أيا كان نوعها فهي ربا محرّم، ثم إنها ربا في التداول، لأنه يتم فيها التداول أو بيع السندات، وهي مؤجلة ما يعني أن استحقاق السند مؤجل، علما بأنه يشترط في الاستحقاق المؤجل بنقد حال، وهو شراء بالدين النقدي المؤجل بنقد حال. وأكد الأطرم، أن ذلك محرّم في الشريعة الإسلامية، بل من بديهيات الشريعة، ومحرّم إجماعا، وعليه فإن السندات تكون في سوقها الأولية وفي سوقها الثانوية محرّمة، مشيرا إلى أنه صدر في ذلك قرار من مجمع الفقه الإسلامي والهيئات الجماعية ومجامع الفتاوى. المصدر: صحيفة الوئام الإلكترونية

стр. 708

الأزهر بين التطوير والتطويع موقع الدرر السنية - قسم دراسات الواقع يُعدُّ الأزهر بمصر، من أعرق المؤسسات الدينية التي يتوارد إليها الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي، والتي استطاعت على مر السنين أن تحمي العلوم الإسلامية والعربية، وتقود الناس لما فيه مصالحهم وتقف أمام أعداء الإسلام سواء من الداخل أو الخارج عن طريق علمائها ودعاتها ولذلك بدأت الجهود تتضافر لضرب الأزهر وإفقاده مكانته وقوته. وذلك بدءاً من الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت والتي غزت مصر وحاولت استمالة علماء الأزهر لإعطائها مشروعية الإقامة وفرض القوانين الاستعمارية، ومروراً بمحمد علي أول من وجه ضربة للأزهر بالقضاء على كبار علمائه، الذين كانوا يمثلون الزعامات الشعبية فتخلص منهم، بالقتل أو السجن أو بالنفي أو الإبعاد، ثم الاحتلال البريطاني وأعوانه من دعاة التغريب الذين حالوا بين علمائه وبين القيادة ومناصب الحكم مشيعين بين الناس أنهم يهدفون إلى تكريم الدين وعلمائه، وكانت البداية الفعلية المنظمة لإسقاط الأزهر كمؤسسة شرعية سنة ١٣٤٣هـ/١٩٢٤م عندما قامت في الأزهر حركة تدعو إلى إصلاحه، ومن بعدها جاء طه حسين، ولطفي السيد، ومن على شاكلتهما وطالبوا أن تزال هذه الصخرة العنيفة التي تعترض الجسر الثقافي العالمي العريض. ومن ثَمّ صدرت قوانين تطويع الأزهر باسم تطويره تباعاً من عام ١٩٣٦م ١٣٥٥هـ إلى وقتنا الحاضر. وكان من ثمار هذا التطويع: إلغاء القضاء الشرعي جملة وإدماج محاكمه في دوائر تابعة للمحاكم الأهلية التي قامت على القانون الوضعي وكان ذلك عام ١٩٥٥م - ١٣٧٥هـ، ثم إدخال القانون الوضعي في صلب البرامج الدراسية لكلية الشريعة بجامعة الأزهر وتسميتها كلية الشريعة والقانون بموجب القانون المعروف بقانون تطوير الأزهر. ثم إصدار الفتاوى والآراء في الكثير من المسائل بما يخالف ما عليه علماء الأمة سلفها وخلفها مما أدى إلى انعدام الثقة بعلماء تلك المؤسسة العريقة ومن هذه المسائل: ارتداء النقاب، أموال البنوك، حجاب المرأة، الاختلاط، الختان، التطبيع مع اليهود على حساب الشعوب الإسلامية بكافة أشكاله. ومن الأسباب التي أدت إلى تطويع تلك المؤسسة: - عدم استقلال الأزهر مالياً وحل الأوقاف الأهلية عام ١٩٥٧م، مما أضعفه وجعله مرتبطاً بالحكومة. - عدم استقلال الأزهر علمياً وتدخل الدولة في تعيين شيخ الأزهر، وذلك بموجب قانون تطوير الأزهر عام ١٩٦١م والذي بموجبه يحق لرئيس الدولة تعيين شيخ الأزهر، وكان وقتها تابعاً لوزير شئون الأزهر، وفي عام ١٩٧٥م تم استصدار قانون جعل شيخ الأزهر هو الإمام الأكبر وصاحب الرأي في كل ما يتصل بالشؤون الدينية وأصبح شيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء - مالياً - غير أنه يتبع رئيس الوزراء إدارياً وكان وقتها شيخ الأزهر هو الشيخ عبد الحليم محمود. - استصدار الدولة المادة رقم ٢٠١ من قانون العقوبات والتي تحرم على خطباء المساجد نقد القرارات الإدارية والقوانين المستقرة, في حين أن هذا الحق كان مضموناً لكل صحفي وكاتب ومحرَّمٌ على خطيب المسجد. - الروح الانهزامية التي سادت مؤسسة الأزهر وعدم التهيؤ للقيام بدور الريادة للعالم الإسلامي خاصة في ظل الظروف السيئة التي يمر بها المسلمون في جميع أنحاء العالم. مراحل تطويع الأزهر:

стр. 709

بين الشيخ محمد الخراشي أول شيخ للأزهر بالتعيين [١٦٥٦م -١٦٩٠م] وأحمد الطيب شيخ الأزهر الحالي [١٩ مارس ٢٠١٠م] تعاقب على مشيخة الأزهر ٤٨ شيخاً على مدى ٣٥٤ عاماً ذوي مذاهب مختلفة ومواقف متباينة، منهم من أدى الأمانة وكانت له مواقف إيجابية وهم قلة، وأمثال هؤلاء هُمِّشَ دورهم، ومنهم من أصبح أداة في أيدي الأنظمة تحركها لتضفي الشرعية على قراراتها وتمرر من خلالها ما يخدم مصالحها ويثبت وجودها، سواء كان نتيجة عدم التأهل والقصور العلمي والبعد عن الواقع، أو اتباعاً للهوى وحفاظاً على المنصب: وممن تولى مشيخة الأزهر خلال العقود الأربعة الأخيرة: شيخ الأزهر حسن مأمون [١٩٦٤م-١٩٦٩م] شيخ الأزهر عبد الحليم محمود [١٩٧٣ - ١٩٧٨] شيخ الأزهر محمد عبد الرحمن بيصار [١٩٧٩م-١٩٨٢م] شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق [١٩٨٢م-١٩٩٦م] شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي [١٩٩٦م-٢٠١٠م] وقد ساهم الأخير في إضعاف الأزهر ونزع الهيبة عن رجاله بما أصدره من عشرات الفتاوى الشاذة والأقوال الضعيفة والدوران في فلك النظام، حتى أنه صرح ذات مرة أنه موظف بدرجة رئيس وزراء فلا غرابة بعد ذلك ألا تخرج أفكاره وأفعاله ومواقفه عما يتبناه النظام ومن فتاواه الشاذة: - جواز التحاق النساء بالكليات العسكرية والالتحاق بالجيش. - جواز تحويل الرجل إلى أنثى بشرط الضرورة الطبية. - تطبيق الشريعة الإسلامية يحتاج إلى وقت طويل يصل فيها الجميع إلى القناعة. - بارك توصيات مؤتمر المرأة في بكين، وقال: (إن مطالب مؤتمر بكين الخاصة بالمساواة بين الرجل والمرأة لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية). - تعليقه على ما حدث في فرنسا من فرض حظر على ارتداء الحجاب في المدارس وقوله: (بأن هذا شأن داخلي، لا يحق لأحد التدخل فيه ... لا اعتراض لنا إذا أصدرت فرنسا قانوناً كهذا ... من حق كل دولة أن تصدر من القوانين ما يُناسبها). - مواقفه المؤيدة لبناء الجدار الفولاذي الذي يفصل بين الحدود المصرية والحدود الفلسطينية ويجعل من مدينة غزة سجناً كبيراً. وآخر مراحل التطويع هو تعيين الدكتور أحمد الطيب شيخاً للأزهر قبل أيام في ١٩/ ٣/٢٠١٠م. والطيب تخرج من كلية أصول الدين، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية وكان من قبل مفتياً لمصر وذلك من ١٠/ ٣/٢٠٠٢م حتى ٢٧/ ٩/٢٠٠٣م ثم رئيساً لجامعة الأزهر من ٢٨/ ٩/٢٠٠٣م، وهو عضو في المكتب السياسي للحزب الحاكم. وينتمي الطيب إلى أسرة صوفية حيث يرأس الطريقة الأحمدية الخلوتية الصوفية بمحافظة أسوان خلفاً لوالده وجده. وقد أفتى بإباحة بيع المسلم للخمور في بلد غير المسلمين لغير المسلمين، وأجاز للمرأة أن تؤم الرجال في الصلاة، وأكد على أن التصويت على التعديل الدستوري المليء بالقرارات والقوانين الوضعية فرض عين، ويرى أن النقاب عادة من العادات كالزي العربي القديم، وشدد قبل اشهر على ضرورة خلع طالبات الأزهر للنقاب داخل لجان الامتحانات وداخل الجامعة! فماذا يُتوقع من مثل هذا إلا إضعاف الأزهر والسير على خطى من سبقه، وتمرير مخططات التطويع للقضاء عليه؟! والله المستعان.

стр. 710

بيان مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية بشأن تهويد القدس وإعلان اليهود بأن المسجدين الإبراهيمي في الخليل وبلال بن رياح في بيت لحم تراث يهودي مقدس ١٦/ ربيع الأول/١٤٣١هـ الموافق ٢/ ٣/٢٠١٠م تتزايد الهجمة الشرسة لأعداء الله يهود على المسجد الأقصى، وتتكرر الاقتحامات الآثمة له، وتتصاعد وتيرة الاستيلاء على مساجد فلسطين، عبر سياسة مكشوفة مفضوحة، لا تنطلي إلا على من أعمى الله بصيرته. فها هو مشروع الحفريات للمؤسسة الصهيونية تحت وحول الأقصى قد تحول عن أهدافه مرات عدة، فبعدما كان في مرحلة ما يهدف إلى هدم الأقصى بالدرجة الأولى، بات اليوم - كما تشير تقارير الخبراء بواقع المدينة المقدسة - يهدف إلى تأمين وجود تراث وتاريخ يهودي، وخلق واقع سياحي وديني على الأرض من خلال تحويل معظم هذه الحفريات إلى كنس أو مدن أثرية أو معارض أو متاحف أو قاعات أو طرقات، أُنْفق عليها مئات الملايين من الدولارات، وقد أبدعت المنظمات الصهيونية في اختراع تاريخ لها في فلسطين وانتحال وتزوير آثارها. ادعاءات وافتراءات تهدف للتخلص من عقدة النقص التي يعاني منها سادة وقادة اليهود بانعدام أماكنهم المقدسة على أرض فلسطين، فعملوا على إيجاد تاريخ وثقافة وحضارة لهم على أرض فلسطين وحولها، وادعاء ذلك التاريخ للأجيال اليهودية القادمة؛ لنزع الصفة الإسلامية عن أرض فلسطين بادعاء أن كل المقدسات الإسلامية هي مقدسات يهودية الأصل، وأن المسلمين دُخلاء على تلك الأرض، وما أتى الصهاينة الآن ألا ليعيدوا الحق إلى أهله. وقد بدأ اليهود في الفترة الأخيرة بمخطط واضح من خلال الاقتحامات الجماعية وتأدية الطقوس الدينية في الساحات الجنوبية الغربية للأقصى التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من المسجد الأقصى، وذلك بهدف اقتسامه أو السيطرة على هذا الجزء وتحويله إلى نواة معبد يتوسع لاحقاً على طريقة المسجد الإبراهيمي في الخليل الذي بات كنيساً يهودياً في معظم أوقاته، بعد أن ابتدعوا فكرة تقسيمه بينهم وبين المسلمين كمرحلة أولى، انطلقوا بعدها لقضم مساحات أكبر منه، حتى بات معظم المسجد الإبراهيمي كنيساً يهودياً وضموه مؤخراً إلى قائمة المواقع الأثرية اليهودية. لذا فإنهم بين فترة وأخرى يزعمون أن هذا المسجد، وهذا القبر، وهذه الأرض، وهذا البيت مقدس عندهم، وجزء من عقيدتهم، ويوجهون أتباعهم لممارسة طقوسهم عند هذا المقدس الجديد المكتشف حديثاً من دون تاريخ، ولا إثبات، ولا عقيدة، ويبدأ مسلسل المصادرة والاستيلاء والترميم وتوسيع الشوارع وهدم المنازل المجاورة، وممارسة الإرهاب والتشريد، وتثبيت اللوحات الإرشادية باللغة العبرية ليصبح وكأن هذا الموقع له تاريخ عريق!! فاليهود يشعرون في قرارة نفوسهم بعقدة النقص المنبثقة عن قلة أماكنهم المقدسة، بل انعدامها إذا ما قيست بالأماكن المقدسة لدى المسلمين، لذلك فهم يتوهمون باطلاً تلك الأماكن، ويدعون أنها مقدسة لليهود بين ليلة وضحاها، يبتدعونها، ويدعون أنها مقدسة في كتبهم المحرفة، وخيالاتهم الواسعة. وأمام ما يحدث فإننا نوجه العالم للتالي: أولاً: عدم الانجرار وراء الخدع اليهودية، أو تسويق آرائهم وتهديداتهم على أنها مسلمات! بل إن الصهاينة كثيراً ما كانوا يدسون أفكاراً تتبناها وسائلنا الإعلامية من غير تدقيق، ثم نقع فريسة الدعاية اليهودية نرددها من غير وعي أو تمحيص.

стр. 711

ثانياً: الضغط المتصاعد على كل المستويات وبكل الوسائل الشرعية من الضغط الشعبي على الأنظمة والحكام للتحرك تجاه نصرة الأقصى وحمايته، إلى الضغط على المؤسسات الدولية وجامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي ولجنة القدس والمنظمات الدولية والأممية والسفارات والهيئات المختلفة شعبياً ورسمياً، ورفع سقف المطالب بهدف دفعهم إلى التحرك لحماية فلسطين من القضم والمصادرة لمساجدها ومقدساتها. ثالثاً: رفع مستوى دعم المدينة المقدسة المادي - الذي لا يكاد يذكر هذه الأيام أمام حجم المعاناة فيها - وكذلك رفع مستوى الدعم المادي والمعنوي لأهلها والمرابطين في مسجدها، وتثبيت أهل القدس الحراس الحقيقيين عن المسجد الأقصى الصامدين في بيوتهم أمام مشروع التهويد، والتنسيق بين كل المؤسسات والهيئات الداعمة من أجل كفاية المقدسيين في مواجهتهم وتحقيق أولويات صمودهم المتعدد الحاجات، ودعم مؤسساتهم الصحية والتعليمية والاجتماعية وغيرها. وكذلك فتح كل السبل مع أهلنا في مناطق الـ ٤٨ من أجل تعزيز وتقوية تحركاتهم في حماية ونصرة مساجد فلسطين ومقدساتها. رابعاً: تفعيل المقاومين والمجاهدين في الضفة ليقوموا بدورهم في الدفاع عن الأرض والعرض والمقدسات، ذلك أن هذه المقاومة المشروعة هي من أنجح السبل في ردع المحتل وإيقاف صلفه وتجبره. خامساً: دعوة وسائل الإعلام المختلفة إلى إبراز أية واقعة أو تحرك يحصل عند المسجد الأقصى أو أية انتهاك لإرث فلسطين التاريخي الإسلامي ويشكل بداية خطر عليها، واستنفار الرأي العام للشعوب العربية والإسلامية كي تأخذ دورها في الحفاظ على المقدسات، ذلك أن العاتق الأكبر في استنهاض الأمة الإسلامية يقع على وسائل الإعلام. ودعوة الأمة في العالم كله إلى نشر واقع القدس والمقدسات والعمل على بث ثقافتهما وصولاً إلى تثبيت الحق لأصحاب الأرض الشرعيين. سادساً: استنهاض المخزون البشري والنوعي القانوني عند العرب والمسلمين وأحرار العالم لاستثمار القانون الدولي في تكبيل حركة المحتل وملاحقته دولياً بتهمة التطهير العرقي في القدس والاعتداء على المقدسات، تماماً كما حصل في تقرير غولدستون للتحقيق في جرائم الحرب على غزة الأمر الذي أربك الصهاينة وفضحهم. سابعاً: الدور المطلوب لعلماء الأمة الربانيين يظهر جلياً في وقت الأزمات، والأمة تنتظر من علمائها ودعاتها أن يتسلموا الراية لقيادة الأمة نحو المنهج القويم الذي ارتضاه الله لها لتكون خير أمة أخرجت للناس، وتحقق أملها في نصرة وتحرير المقدسات. ثامناً: نناشد أبناء الأمة وهيئاتها ومؤسساتها الأهلية والشعبية كل في مجاله وتخصصه إلى العمل السريع لنصرة مقدساتنا وأهلنا في فلسطين بشتى الوسائل الناجحة وبمختلف الإمكانيات المتاحة، فثبات أهل فلسطين ثبات للأمة وقيامها، وسقوطهم سقوط للأمة. ونناشد من بيده القرار أن يقف موقفاً يكتب له عند الله في الدفاع عن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث المساجد التي تشد لها الرحال ومسرى النبي ﷺ الذي رويت أكنافه بدماء ملايين الشهداء على مر العصور من أسلافنا لإبقائه عزيزاً محرراً من كل غاصب. وأخيراً، نسأل الله تعالى أن يثبت أهلنا في الداخل ويأخذ بيدهم نحو نصرة دينه ومقدساته، ونسأله تعالى أن يرد أمتنا لدينها لتحقق عزها الضائع، وترفع عنها ثوب الذل والعار.

стр. 712

هدم الأقصى لطف الله بن ملا عبدالعظيم خوجه الصهاينة يمضون خطوات واثقة نحو بناء الهيكل، مما يعني ضرورةً: هدم المسجد الأقصى؛ أولى القبلتين، وثالث المسجدين، مسرى رسول الله ﷺ ، الذي بارك الله حوله، حيث سيبنى مكانه ذلك الهيكل. ومنذ مدة، هم ينخرون - كالسوس - تحت المسجد الأقصى؛ لتهوي أساساته مع أدنى زلزال، فيبدو وكأنه سقط من ذاته، وهم يفعلون ذلك بشكل مكشوف ومعلن، لا يخافون!!!. ولم لا، وقد ضمنوا وأمنوا ألا معترض إلا أصوات خجولة، ضعيفة، متفرقة .. وما يفعل الصوت - وحده - مع المدفع والدبابة والنووي؟!!. الحقيقة كل المؤشرات تذهب إلى قرب هدم المسجد المعظم، ليس آخرها بناؤهم كنيس الخراب - خرب الله بيوتهم بأيديهم - بالقرب من الحائط للمسجد. هذا البناء الذي ظهر فجأة، وهو يبنى من سنوات، لكن وسائل إعلامنا - إلا القليل - مشغولة عن تهويد القدس بأمور أهم؛ مشغولة بالرقص، والأغاني، والتمثيل، وبأخبار السوق وطرائق الترفيه .. هي أمور أهم من تحرير الأوطان، ونفي الظلم والجور على العباد؟!!!!. نعيش أزمة مستحكمة، لا يبدو حلها في الزمن القريب، هي بلايا تدع الحليم حيران؟!. نرى مقدسات معظمات - عظمها الله تعالى - في خطر، لا نملك حيالها أي فعل يمكن أن يقال عنه: مفيد، مانع، رادع. فنرجع إلى الحوقلة، والحسبلة، والتهليل، والتكبير .. وأنعم بذكر الله تعالى. الأيام دول، وهذه دولة الصهاينة هي المتربعة على العرش، ودولة الإسلام متأخرة، هي من تأخر، ولا مكان للضعفاء والمتأخرين. نعم هناك مقاومة، وإن شئنا مصطلحا أكثر نعومة، فهي ممانعة، من فئة مغلوب على أمرها، تحارب بكل ما تملك، وأول من يقاومها ليس الصهاينة، بل إخوتها وبنو جلدتها، وهي مقاوَمة مباركة في كل حال، حالت دون تقدم المشاريع الاستعمارية، أو عَرْقَلَتْها وأَخَّرَتْها. نعم هناك فئات، تفعل وتقدما ما بطاقتها، والله يرعاها ويثبتها، ولولا ذلك، لكانت جميع بلاد المسلمين تحت تحكم بني صهيون المباشر .. لكن مع كل ذلك، فالألم والخسارة في تزايد كل يوم. الله ربنا جل شأنه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧) سورة محمد. ونحن لم ننتصر إلى اليوم منذ قرن وزيادة، فمن المقطوع به إذن: أننا لم ننصر الله تعالى، فنستحق النصر. وفقا لقاعدة: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. في أنفسنا لم ننصر الله تعالى، ولا في مجتمعاتنا، ولا في دولنا .. ولا يصح أن نسمي محاولات خجولة، مترددة، خائفة: نصرة. إن ربنا جل في علاه يريد أكثر من ذلك، يريد أموالا تنفق، وأنفسا تزهق في سبيل الإسلام: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١١) سورة التوبة. فضلا عن ذلك: يريد من عباده: الزهد في الدنيا. وليس المعنى ألا تملك منها شيئا، لكن المعنى: أن تكون في يدك لا في قلبك. فلو دعاك الحق: أن تبذل منه كثيرا وفيرا، ما ترددت .. حبا للمال. وهذا عامل رئيس من عوامل النصر، لكن قوما أحبوا المال، حتى يصيروا عبيدا للدرهم والدينار، حقيقون بالتعاسة والانتكاسة: (تعس عبد الدرهم ... تعكس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش). بهذا دعا النبي ﷺ على من تعبد للمال، حتى شح به وبخل، قال تعالى:

стр. 713

﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (٣٨) سورة محمد ومن عوامل النصر الرئيسة: الصدق مع الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١١٩) سورة التوبة. وليس بصادق من طلب الحيل والمخارج، يتبع هواه؛ إذا لم يألف حكم الشريعة، أو لم يجده يحقق شهوته ولذاته: تيمم نحو المقاصد يلتمس مخرجا، أو نحو المسهلين يتسهل بفتواهم، أو بحث عن متشابه ينقض به المحكم. كلا، ليس ذاك بصادق، إنما الصادق الذي يأخذ الكتاب بقوة: ﴿خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. هو الذي يدع هواه وشهوته من أجل الله تعالى، ويستغفر الله من ألاعيب المحتالين، وتخريج الشياطين، فإن الله تعالى لا يخدعه أحد، هو خادع كل مخادع: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (١٤٢) سورة النساء. من أهم عوامل النصر: الالتفاف حول الكتاب والسنة، والعمل بهما كعمل الصحابة والتابعين وتابع التابعين. ونبذ كل خلاف بعد ذلك، نبذ وترك كل مذهب أو فرقة لا تعمل بهذا الأصل الكبير. مع خلط ذلك بإحسان الظن، والصبر على من خالف، وتعريفه المنهج النبوي بالحسنى والمجادلة الحسنة، وترك تصنيف الناس، والحكم عليهم بالضلالة بمجرد خطأ أو زلة، أو حتى ركوب بدعة. أن تتسع القلوب للخير، والاختلاف، فما كان منه سائغا مقبولا، فلا وجه للإنكار فيه، وما كان ضلالة، فإنكار برفق، وصبر، وحلم، وتعليم .. فعامة المسلمين محبون للدين والخير، وإنما يدخلهم الخطأ في الدين، من جهة التكوين والتنشئة، والبيئة والمصر .. وهي أمور لا يملكها الإنسان، فمن نشأ في بيئة صوفية سيكون كذلك، ومن نشأ في مجتمع متشيع، في نشئته وتكوينه، لن يكون إلا شيعيا. فمن أراد بيان حق لأحد، وإيقافا على خطأ، ليس له من سبيل، إلا الرفق والبلاغ المبين، وعدم التسرع بالطرح والاستعداء، بداعي مخالفة الحق، والخروج عن السبيل. واتفاق الأمة أهم سبب لحصول النصر على الصهاينة، وتخريب خرابهم وهيكلهم، والعكس بالعكس، قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾. لن نوقف الزحف الخرابي الهيكلي بمجرد المقاومة السياسية، كما يصفون. ولا بالعمل الحربي وحده. بل قبل ذلك لا بد أن نكون: عباد الله إخوانا. وعباد الله صدقا، واتباعا، وعباد الله زهدا، وإنفاقا. ومن وعد الله تعالى - ووعيده أيضا - أنه قال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١١) سورة الرعد. يعني لا يغير ما بهم من ذل إلى عز، إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من ذل المعصية، إلى عز الطاعة. كذلك لا يغير ما بهم من عز إلى ذل، إلا غيروا من الطاعة إلى الآثام. ونحن نحيا، لكن ليس بالعز نحيا، وبالقطع أننا لسنا على ما يريد الله تعالى، وإلا لغير ما بنا. من الأساليب التي اعتدنا أن نواجه بها الأزمات التي تصيبنا: أن نفر إلى التاريخ والتراث، نطلب سلوة، أو مخرجا. وتاريخنا مليء بكل ما يسلي ويكشف الهم والغم، وفيه أيضا المخارج. لكن: هل يستحسن: أن ننظر خلفنا كلما ألمت بنا فاجعة، كالطفل يعود إلى ورائه يلتمس سندا من أبويه؟.

стр. 714

ألم تشب الأمة، لتقف على قدميها، وتنظر أمامها، فتطلب حلولها مما تستقبل، لا مما تستدبر، فتعمل على إعداد القوة العسكرية، والصناعية، والتقنية، والمالية، لتقارع قوة الغرب، الداعم والمنشيء لهذه الدولة الصهيونية المقيتة؟. هو سؤال واستنكار في محله، على من اكتفى بالنظر إلى الوراء، ومنع من النظر إلى الأمام، ليس شرط النصر: أن نستعيد أدواته من التراث القديم فحسب. بل نأخذ من القديم ما ننطلق به، ونعتمد عليه في التأسيس؛ لأن القديم فيه ذكرنا: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾. وفيه هدايتنا: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم .. ﴾. وفيه الشفاء: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء .. ﴾. قال ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله، وسنتي). نحن نرجع، لنقف على خطئنا، ونتعرف على الصواب .. نرجع لنستمد اليقين والإيمان، ثم ننطلق مستصحبين هذا الميراث؛ ليهدينا من ضلالة، ويخرجنا من غواية، ولا نمنع من النظر إلى الأمام؛ بمعنى تحصيل كافة وسائل القوة الحديثة، من سياسية، ومال، وسلاح، وصناعة، وثقافة .. إلخ. إنما الممنوع تحصيلها بعيدا عن ضابط يضبط - والضابط موجود في التراث - وإلا استوينا نحن وأمة الكفر في الأخذ بها، بكل تفاصيلها، حلها وحرامها، فكيف نستوي نحن وهم، وقد فرق الله بيننا؟. ومما نرجع إليه من التراث؛ نبتغي الاستدلال على الطريق؛ طريق الفتح: قصة عمر بن الخطاب ﵁ في فتحه بيت المقدس. فقد قدم ﵁ الشام لتسلم مفاتيح بيت المقدس، على جمل أورق، يلبس قميصا قد رَسِمَ وتَخَرّق .. عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه، فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال أبو عبيدة: "قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض"، فصك في صدره وقال: "أولو غيرك يقولها يا أبا عبيدة؟!، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله". ابن كثير بهذه الروح العزيزة القوية فتح بيت المقدس. وفي رواية أخرى تاريخية: أقبل عمر بن الخطاب ﵁ إلى الشام فاستقبله الأمراء في الجابية، إلا أبا عبيدة، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟، قالوا: يأتيك الآن، فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا، فسار حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعا. أو قال: شيئا. فقال: يا أمير المؤمنين! إن هذا سيبلغنا المقيل. سير أعلام النبلاء ١/ ١٧ قائد جيوش الإسلام، ليس في بيته شيء، إلا عدة الحرب، وخليفة المسلمين يأتي إلى الشام على جمل يتناوبه هو وغلامه، ولباسه رَسِمٌ مُخَرّقٌ، بمثل هذا الزهد الصادق انتصروا على: فارس، والروم. ومما روي: أن عمر أتي ببرذون فركبه، فلما سار جعل يتخلّج به، فنزل عنه وضربه في وجهه، وقال: " لا علم الله من علمك، هذا من الخيلاء"، ولم يركب برذونا قبله ولا بعده. ابن جرير ٢/ ٢٥٠ هذا عامل آخر من عوامل النصر، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٤٧) سورة الأنفال، فالخيلاء والكفر صفة الكفار، أما المؤمنون فسيماهم التواضع والسكون وخفض الجناح. دخل عمر بن الخطاب ﵁ المسجد الأقصى فصلى بالمسلمين صلاة الفجر، فقرأ في الأولى بسورة ص~ وسجدة فيها بسجدة داود ﵇، وفي الثانية بسورة الإسراء، ثم أتى الصخرة فاستدل على مكانها من كعب الأحبار، وكان الروم قد جعلوها مزبلة؛ لأنها قبلة اليهود، مكافأة لما عاملت به اليهود القمامة، وهي المكان الذي صلبوا فيه المصلوب، فشرع عمر في تطهير الصخرة من الأوساخ والمسلمون معه. ابن كثير ٧/ ٥٥/٥٦ قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥٥) سورة النور. المصدر: صيد الفوائد

стр. 715

بيان رابطة علماء المسلمين لنصرة إخواننا في فلسطين الحمد لله ربِّ العالمين، قضى بنُصرَة عباده المؤمنين، وحكم بعِزَّة جنده الموحِّدين، وكتب بغَلَبَةِ حِزبه المفلحين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبي الرحمة ونبي المَلْحَمَةِ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فباسْتِيَاءٍ بلغ الغايةَ، وأوفى على النهايةِ، تلقَّى العالم الإسلامي أنباء عدوان الصهاينة الآثمين على مقدسات المسلمين، وانتهاكهم للشرائع السماوية وجميع المواثيق الدولية، والاتفاقيات العالمية، التي تمنع المحتلِّين من العَبَثِ بأماكن العبادة والاجتراء على المقدسات. وإن إقدام المجرمين على ضمِّ المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم إلى قائمة التراث الصهيوني لهو قرصنةٌ باغيةٌ، واستطالةٌ ظالمة. والمسلمون الحنفاء هم أتباع إبراهيم ﵇ الأوفياء قال تعالى: ((مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [آل عمران: ٦٧]. وقال سبحانه ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)) [آل عمران: ٦٨]. وفي هذا اليوم الثلاثاء الأول من ربيع الثاني عام ١٤٣١هـ والموافق للسادس عشر من آذار/ مارس عام ٢٠١٠م قام يهود الخراب بتدشين " كنيس الخراب" قرب أسوار الأقصى الشريف! وذلك ليكون - بزعمهم- نقطة ارتكاز لبناء الهيكل على أنقاض الأقصى! وإن رابطة علماء المسلمين تحتسب عند الله تعالى شهداء الأرض المقدسة، والمعارك الباسلة، لتحرير فلسطين الأبيَّة، وتطهير المقدسات الإسلامية. وإنه لا يفتُّ في عضُد أمتنا المنصورة أن يُزف شهداؤها إلى الجنة في أكرم ساحة وأطهر بقعة، كما لا يوهن من عزم أمتنا أن يُقتل أبناؤها فإنهم يؤتَون أجرهم مرتين، ولا يضعف من قوة أمتنا علوُّ اليهود الغاصبين، فإن الإسلام يَعلو ولا يُعلى عليه، والله تعالى قد حكم بذلة اليهود فلا يَعِزُّون أبدًا، ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)) وقضى بلعنتهم فلا يُرحمون أبدًا إلا من آمن منهم وتاب ((فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)) إن رابطة علماء المسلمين في سياق إنكارها واستنكارها لهذه الأحداث الجسام، والمصائب العظام لتؤكد على ثوابت الأمة في هذه المُدلَهِمَّة، وتذكر الأمة بأن فلسطين وقضيتها قضيةٌ إسلامية، وأن القدس كانت وستظل إسلاميَّة عربيَّة، وأن الصراع مع اليهود وحلفائهم الغربيين صراعٌ عقدي، نبَّه الله تعالى إلى حقيقته فقال سبحانه: ((وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)) وقال جل ذكره ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا)) ورابطة علماء المسلمين تقرر في هذا الموضع ما استقر عليه إجماع علماء الأمة المعتبرين من أن التنازل عن أرض فلسطين أو جزء منها إنما هو خيانة لله ورسوله وللمؤمنين. وأن اليهود لن يتنازلوا ولن يتزحزحوا عن فلسطين إلا إذا قوتلوا فأُخرجوا منها صاغرين، ((فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا))

стр. 716

يا أهل فلسطين: إن التاريخ لم يكتب أبدًا أن أهل الإسلام قد خرُّوا أمام الظلم ساجدين أو قابلوا الذلَّ صاغرين. ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)) [الأنفال: ٦٠]. إن رابطة علماء المسلمين تهيب بالمسلمين أجمعين أن ينصروا قضية فلسطين بعقيدة صحيحة، وقلوب سليمة، وجوارح مستقيمة، باللسان دعاءً ودعوةً، وبالبنيان بيانًا وكتابًا، وبالجنان موالاةً ومحبةً وتفاؤلًا وثقةً بنصر الله تعالى. وعلى علماء المسلمين الرَّبَّانيين تبعةٌ ثقيلةٌ، وأمانةٌ عظيمةٌ في مطالبة الأئمةِ، وتهيئة الأمة للاحتكام إلى الشريعة، وجمع الشمل ووحدة الصف، والتوجه إلى الإعداد، وتربية الشباب على التضحية ومحاربة الوهن في الشخصية الإسلامية، وإيضاح الأحكام الشرعية في نوازل القضية الفلسطينية. وعلى ولاة الأمر المسلمين العملُ على إنهاض الأمة في كل ميدان، ومواجهة العدوان الصهيوني في كل مكان، واستصدار قرار بقطع كافة العلاقات مع منتهكي المقدسات. وعلى وسائل الاعلام ان تعلي صوت المسلمين وتناصر المستضعفين، والجهاد بالاعلام جزء من نصر اخواننا في فلسطين على اليهود الغاصبين. ويتعين دعم المجاهدين الصامدين أمام اليهود الغاصبين، وحلفائهم الصَّليبيِّين، ((وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)) ((وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)) والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه أجمعين رئيس الرابطة: الأمين الحاج السودان نائب الرئيس: محمد سيديا النووي موريتانيا الأمين العام: د. عبدالعزيزالتركي السعودية الأمين العام المساعد: د. عبدالمحسن زبن المطيري الكويت

стр. 717

ياهؤلاء: شكراً لكم ! أحمد بن صالح الزهراني سقط أحدهم في بركة ماء وهو لا يعرف السباحة، فبدأ يصيح ويستغيث بمن حوله. تجمّع حول البركة مجموعة من الأشخاص، دخل بعضهم في نقاش حادّ حول الأسلوب الأمثل لإنقاذه، وبعضهم بدا حزيناً كونه لا يملك له نفعاً، وفي خضم انشغال هؤلاء وسرحان هؤلاء وذهولهم أخذت النخوة شخصاً كان يتابع الموقف، فجذب الغريق من يده وأخرجه من البركة. وبعد يومين تلقّى استدعاءً من الشرطة، وعرف عندما ذهب إليهم أنّ ذلك الغريق تقدم بشكوى ضدّه؛ لأنّه أثناء جذبه تسبّب له في خلع في مفصل يده. لقد وصمه كذلك بكل أوصاف الجهل والتطفل والتدخّل فيما لا يحسن!! ما قلته أعلاه على الرغم من طرافته وإثارته للضحك، هو حال كثير من الناس تجاه الصّحوة ورجالاتها وشبابها خلال العقود الماضية. الكل الآن يظهر عنترياته وقدرته على النقد والتشريح في جسد الصحوة. أنا لا أتعجب حين يكون الثلب صادراً من أعداء الدين من ليبراليين وقوميين وعلمانيين وحداثيين ونحوهم، لأنّ الصّحوة وأَدَت أحلامهم، وهدمت مشروعهم. كما لا أتعجب حين يكون النقد صادراً من أهل العلم المشفقين الذين ينصحون من مبدأ الإصلاح والشفقة والدين. إنّما العجب مصدره تنكّر البعض للصحوة وفضلها، وكثير من هؤلاء هم نتاج الصّحوة وأهلها. وبعضهم يتذكر أيام الصحوة، ويضحك منها، كما تذكر الصحابة أيام الجاهليّة وضحكوا منها .. حتّى إنّ بعض ممن يخرج في الفضائيات يسخر من حال نفسه وأترابه في تمسّكهم بالسنن، وكيف كانت تشكل جزءاً من تكوينهم الديني والفكري كذلك .. وهذا والله العظيم مسلك جحود وعقوق لا مسلك فقه واستنارة .. اعذروني على شيء من الصراحة .. تسري في أوصالي رعدة كلّما أتخيّل نفسي لو أني بقيت على ما أنا عليه حتّى الآن .. كنت كما كثير من الناشئة الذين يتربون في بيئات بعيدة عن العلم والهدى، لا نركع لله ركعة، اللهم في المناسبات، أفتح عيني كل صباح وأوّل فكرة تدهم رأسي: ماذا سأعمل مع رفقة السوء اليوم؟ أبحث عن سيجارة فأشعلها، أحدث نفسي وكل من يقابلني عن مجريات مباراة الأمس، وماذا سيحدث في مباراة اليوم وغد، أبحث معهم عن أماكن اللهو، وإيذاء الناس بالكلام وأحياناً بغيره .. أمضي ساعات طويلة أمام اللاقط للبث الخارجي المشوش بالطبع، لماذا؟ لأنّ الأفلام والمسلسلات فيه لا يُحذف منها شيء. أعيش كغيري على سفاسف الأمور وتوافهها يومي وليلتي كلّها، آكل وأشرب وأتعلم بلا هدف. تُرى لو استمر الوضع كما هو .. أي شخص سأكونه اليوم؟! مجرد تصور الأمر يصيبني بالغثيان .. لكنّ الله تعالى هداني، نعم تحدثاً بنعمة الله أقول ذلك: على يدي من؟ لم يأتني خطاب من وزارة الشؤون الإسلامية يدعوني لتوبة .. لم أتلقّ خطاباً من أحد العلماء الكبار أو اللجان العلمية ينصحني بسلوك الصراط السويّ .. بل كان ذلك على يد شباب صغار من شباب الصحوة رأيتهم، وتعرفت بهم، وعرفت بمقارنة بسيطة بيني وبينهم قبح الحياة التي أعيشها .. فأحببتهم من أوّل لقاء، وسلكت نفسي معهم، فأخذوا بيدي إلى الحلقات العلمية وحلقات حفظ القرآن، وأصبح الغلام الّذي كانت سيجارة تبيعه وتشتريه تحلّق روحه وتسمق أحلامه فوق السحاب .. شكراً لك يارب وحمداً لك يا الله. لو لم تكن لكَ عَلَيّ نعمة غيرها لكنتَ حقيقاً يا ربي بسجدة لا أقوم منها إلى يوم يُبعثون .. شكراً لوالدي الكريمين الّلذَين شجّعاني على الهدى والخير .. شكراً لكل أسرة احتضنت شاباً أو شاباً صالحاً وشجّعته على الخير .. وشكراً لكم أيّها الصحويّون بكلّ أطيافكم ومناهجكم .. شكراً لكم اعترافاً بفضلكم .. لا إقراراً بخطئكم ..

стр. 718

شكراً لكم لأنكم شاركتم في مهمة إغاثية تطوّعية ضخمة انتشلت الجيل من أكبر عملية سلخ للهوية الإسلامية على يد جماعات من مجرمي الخارج وعملاء الداخل .. تلك العملية الّتي يُطلق عليها الآن (الصّحوة). لعلّ بعضكم أساء في الطريقة والمنهج، لكنّه أحسن؛ إذ غامر فشارك وأنقذ .. شكراً لكل شاب وزّع كتيباً، أهدى شريطاً، أرشد تائهاً، دعا صديقاً لحلقة حفظ للقرآن أو درس أو موعظة .. شكراً لكل داعية طوّف أرض الله يلقي الكلمات والمحاضرات .. شكراً لكل صاحب مال استثمر في الشريط والكتاب الإسلامي .. شكراً لصاحب تسجيلات التقوى بجدة الذي أهداني مرة عدة أشرطة، فكأنما ساق لي الدنيا كلّها .. شكراً لكل معلم ربّى طلابه على الخير فنصحهم وأرشدهم .. شكراً لك يا صديقي الصغير - عبدالله - الذي أخجلني من نفسي يوماً ما حين سألني عن أذكار الصباح والمساء فلم أعرفها .. شكراً لك يا محمد درويش صديق الثانوية الذي شدّني للتدين حين رأيته لا يشاركنا سفاسف الأمور .. شكراً لكم جميعاً أن نزلتم إلينا فجذبتمونا من البرك الآسنة الّتي كنّا نغرق فيها، ونحن لا نشعر .. نعم، أهل العلم الكبار لهم الفضل بعد الله، يعرفه لهم أهل الفضل .. لكنّا في جهالتنا لم نكن نعرفهم، ولا نعرف لهم طريقاً .. لم أعرف في حياتي ابن باز ولا ابن عثيمين ولا الألباني ولا غيرهم، حتى جاء المنقذون فأنقذونا وعرّفونا بهم، وهؤلاء المنقذون قد لا يكون الواحد منهم على شيء من العلم، ولا الفقه، لكنّه فعل ما بوسعه .. فهو خير من أولئك المتفرجين الّذين يحسنون التنظير والجدل والنقاش والاستدلال، بينما كنا نغرق .. مازلت أذكر أوّل مجلس علم أحضره .. دلّني عليه صديق في الحارة، قال لي: إنّ هناك شيخاً اسمه "سفر الحوالي" يلقي درساً في العقيدة، ذهبت معه وأنا لا أعلم ما سفر، وما العقيدة أصلاً، لكني كنت منتشياً، لعلها أوّل مرة أحسّ بالاحترام لنفسي وذاتي، يومها وزع الشيخ -متعه الله بالصحة والعافية- كتابه العلمانية، لم أشعر بتردّد، فزاحمت عليه، وأخذت نسخة منه، ثم استمعت للشيخ، ورجعت للبيت، فلم أنم إلاّ وقد قرأت قسطاً كبيراً من الكتاب، كثير منه لم أفهمه .. ليس ذلك بالمهم، ليس مهماً أن أفهم، المهمّ أنّي أصبحت أريد أن أفهم، وهذه بحد ذاتها نقلة .. شكراً لك يا عبد الكريم - صديقي الذي دلّني على درس الشيخ- أن أرشدتني إلى المفتاح الذي فتح الله به قلبي لعلم العقيدة .. وشكراً للشيخ سفر الذي كان له في جدة وغيرها مع الشباب والصحوة شأن يعرفه له كل منصف .. كثيرون أنا عاجز عن شكرهم من (الصحويين) الذين خلع بعضهم أكتافنا، لكنّا نعرف الآن -بما حبانا الله من نعمة البرّ- قيمة ذلك الخلع وأنّه كان خطأً غير مقصود من محب مشفق منقذ بإذن الله .. كم هي أعداد الشباب المؤمن الذي كان إبان الصحوة هائماً بالغانيات، ثم أصبح خاطباً للحور؟ كم منهم من روّى بدمائه الطاهرة أرضاً جهادية هنا وهناك؟! كانت الشوكة تؤلمه ويبكي من عصا المعلم، ثمّ هو يجابه في أفغانستان جبروت الإلحاد السوفييتي .. وكم هي أعداد الشباب الذين كان أمل الواحد منهم أن يكون مطرباً، ثم أصبح قارئاً للقرآن، بل إماماً لمساجد المسلمين يقيم للناس صلاتهم وعبادتهم؟ وكم هم الذين كانوا قبل الصحوة يبكيهم الوتر، ويبكيهم هدف في مرمى الفريق، وينتحر إذا ما مات فنان، ويُجنّ إذا ما ماتت مطربة، ثم أصبحوا رهبان الليل فرسان النهار، كان غاية أمل الواحد منهم أن يملأ بطنه، ويرقد ليله، ثمّ أصبح يسأل عن الخلافة وأسباب انتصار الأمّة، وكيف يسلك دروب النهضة؟

стр. 719

هل رأيت أولئك الذين كانوا ينتظرون مجلة (النادي) ومجلة (سيدتي) و (ألوان) و (الشبكة) و (الصياد) وغيرها، هل رأيتهم الآن وقد أصبحوا يقرؤون العلل لابن أبي حاتم، ويحققون الفتح لابن حجر، ويشرحون الرسالة للشافعي، ويفرزون القراءات الشاذّة، ويكتبون تفسير القرآن، ويحلّلون فسيفساء الفكر الغربي، وينقدونه في ضوء التصوّر الإسلامي! الكلام كثير مسترسل .. لكني أشعر بالحزن لموجة التنكّر والجحود التي أقرؤها للبعض .. كلنا له تحفظات وله نظرات عندما ينظر بعين البصيرة للصحوة خلال أعوام طويلة مضت .. خاصة أهل البطال أمثالي. لكنّا نقول ذلك ونحن نسكب عَبَرات عليها، وعلى ما آلت، وآل كثير من أبنائه إليه بعد هذه الفتن الصمّاء .. أصبحنا نجد لوناً جديداً من التدين والانتساب للإسلاميّة، لوناً يتميز بأنّه كلامي تنظيري إعلامي .. وهؤلاء المتكلمون الذين لا يخطئون، لأنّهم لا يعملون .. وإذا أخطؤوا لا يؤبه لذلك؛ لأنّهم يخطئون في الكلام والكلام سهل تصحيحه .. لكنّ الصحويين أخطؤوا لأنّهم عملوا .. من أكبر وأعظم أبجديات التدين الّتي كانت تتكرر في نهج التربية أيام الصحوة هي: ماذا عملت لدينك؟ كان السباق في العمل والكسب الدعوي كثيراً، أكثر من الكلام .. الآن انعكست الصورة، فأصبحنا نجد كثرة في المشايخ والمفتين أو قُل: من المتكلمين، لأنّ بضاعة اليوم أسهل من بضاعة الأمس، بالأمس تُسأل: ماذا عملتَ؟ واليوم تُسأل: ماذا قُلت؟ ودائما نسمع: أفضل من (تكلّم) هو فلان .. وفي خضمّ هذا الجدل والمِراء نرى الغرقى تغمرهم الفتنة واحداً تلو آخر، ومازال أغلبنا - إلاّ من رحم ربك - يتناقشون، ويتجادلون في أجدى سبل الإنقاذ، بينما يقف آخرون في ذهول ودهشة، ولا أقول إلاّ: رحم الله زمان (الصحوة). والله الموفق.

стр. 720

حتى لا نعرض مشاريعنا للتقبيل عبد اللطيف الثبيتي لم يعد ملفتًا أن نرى محلاًّ قد عُلِّق عليه إعلان (للتقبيل)، فقد كثرت هذه الإعلانات حتى صار من يعلقها يتمثَّل ببيت الخنساء الشهير: وَلَوْلا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَوْلِي ... عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي هذا الإعلان في حقيقته يمثل ترجمةً مهذبةً أو مراوغةً لكلمة "فشل"، ولا يغيِّر من ذلك أن تلحق به العبارة المعتادة (لعدم التفرغ). والواقع أن ظاهرة (عروض) التقبيل، أو الفشل، لم تقف عند حدود التجارة، بل تجاوزتها إلى سائر المجالات؛ سواء كانت علمية أو اجتماعية أو غيرها، وإن كانت فرصة التقبيل لا تتوفر إلا في سوق التجارة، فهناك مشاريع زواج فاشلة، ومشاريع استشفاء فاشلة، ومشاريع طلب علم فاشلة، والقائمة طويلة. والسؤال هنا: لماذا فشل هؤلاء؟ الأسباب متنوعة، لكن هناك سبب يتكرَّر في أكثر الصور، إنه عدم احترام مبدأ التدرج. قلة هم الذين يلتزمون بهذا المبدأ، أما البقية فيعتبرونه ترفًا وتضييعًا للوقت، ولذلك تكثر المشاريع المعطلة، أو التي هجرها أصحابها، وأحيانًا إلى النقيض! وتلك نتيجة حتمية لمن يسعى لبناء دور خامس لبناية لم يكمل بعد دورها الأول. جنون لا يمارسه أحدٌ في الماديات، لكنه يمارس بكثرة في التفكير، وينعكس بعد ذلك فشلاً على الأرض. سنن الكون تؤكِّد على قيمة التدرج، فالتحول بين الفصول، وبين الليل والنهار، وبين حالات المادة على سبيل المثال - يقوم على التدرج، وانتقال الإنسان عبر المكان وعبر الزمان لا يتم بدونه. ولا تكاد تجد مجالاً لا يُحترم فيه هذا المبدأ، لكنك تجد في المقابل من يظن أن بإمكانه حرق كل محطات التدرج، والوصول لما يريد في طرفة عين! أغلبنا يحترم مبدأ التدرج في رياضة بناء الأجسام - على سبيل المثال - لكن كم هم الذين يحترمونه في رياضة النفس؟! التدرج وسيلة ذكية للوصول إلى الهدف، وبدونه نصطدم بواقع نعجز عنه. في التغيير من السيئ للحسن - سواء على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع - يولِّد القرار الحاد ردة فعل حادةً، قد تكون نتيجتها إيقاف مشروع التغيير؛ لذلك لا بد من تخفيف الشعور بالتغيير عن طريق التدرج. لا توضع الرؤية موضع التنفيذ دفعةً واحدةً، وإنما يؤخذ المجتمع بالترقي تدريجيًّا. وواقعنا المعاصر حافل بمشاريع ناجحة كان من ضمن المبادئ التي التزمتها التدرج في العمل، والسير بخطوات محسوبة كالصرافة الإسلامية والإعلام الإسلامي. وفي مقابل الاستفادة من مبدأ التدرج ينبغي التنبه لمنع أي مشروع إفسادي من تمرير نفسه تحت غطاء التدرج، وذلك بكشفه وعرقلته مع أول خطوة. والتاريخ المعاصر يشهد أن دعاة التغريب قد استفادوا من التدرج في تمرير كثير من مشاريعهم عن طريق خلخلة الوضع القائم، وإزالته شيئًا فشيئًا، وتوطين النموذج المستورد مكانه. فالحجاب مثلاً كان يشمل تغطية الوجه في كل العالم الإسلامي إلى ما قبل عام ١٩٢٤م - ١٣٤٢هـ (١)، ثم بدأ الضغط العلماني عليه تدريجيًّا إلى أن كُشفت دائرة الوجه، ثم أسقط الحجاب كليًّا، وها نحن اليوم نرى الأمر قد تحوَّل في بعض البلدان العربية من الدفاع عن التبرج إلى إعلان الحرب صراحةً على الحجاب! المصدر: شبكة القلم

стр. 721

القوَّة في الدِّين .. كيف نراها واقعاً في حياتنا .. ؟ مشهور بن حاتم الحارثي المتأمل في التاريخ يجدُ أنَّه ما من دينٍ ظهَر وانتشر -سواءً أكان حقَّاً أم باطلاً- إلاَّ كان وراءه فئة تؤمن به، وتعمل له، وتمتثله واقعاً في حياتها؛ ليقوم ذلك الدِّين على أكتافهم، وليكونوا أنموذجاً واضحاً لأتباعه؛ يسترشدون بهم، ويطمئنُّون من جهة تطبيق ذلك الدِّين وتحقيقه. ولذلك .. عندما أنزل الله دينه في هذه الأرض بشرائعه المختلفة، جعل لكلِّ شريعة من الشرائع رسولاً كريماً يبلِّغ ويكون قدوة، وفئة تؤمن وتعمل وتمتثل؛ لتكون عاملةً على إظهار دينها شيئاً فشيئاً، دالَّةً على صحَّته وإمكان تطبيقه، وتهيئة فئات تحمل همَّ هذا الدِّين والعمل له .. ولكن .. عندما يدبُّ الضَّعف في تلك الفئة المؤمنة العاملة -على اختلاف أزمانها- سواءً من جهة العلم أو العمل، فإنَّ ذلك الضَّعف ينعكس تلقائياً على ظهور ذلك الدِّين وأتباعه .. حتى يضمر أو يتلاشى. وكان من حكمة الله أنْ جعل في هذه الأمَّة المحمديَّة، والشريعة الخالدة الأبديَّة، فئة تؤمن بدينه، وتعمل له، وتمتثله واقعاً عملياً في حياتها ما دام هذا الدِّين في الأرض، لا يعتريهم الضَّعف، ولا يسيطر عليهم اليأس، يقول النبي ﷺ : ((لا يزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)) (١) .. وقد دلَّ الحديث على أنَّ هذه الطائفة القائمة بأمر الله قد تمَّ حفظها من ضرَرَيْن: أولاً: حفظها من ضرر الخذلان. وثانياً: حفظها من ضرر المخالفة. والفرق بينهما: أنَّ الخذلان ما كان من داخل الصفِّ .. !، والمخالفة ما كان من خارجه (٢)، وهذان هما الخطران المحدقان بكلِّ دين أو مذهب يُراد له الظهور والانتشار .. وما كان لهذه الطائفة المؤمنة أن تبقى قائمةً بأمر الله ، صامدةً في وجه طوفان المخاطر الداخليَّة والخارجيَّة سوى أنها كانت قويَّةً في دين الله أخذاً وعطاءً، تلقياً وأداءً، علماً وعملاً، شريعة ونَهْجاً .. هذا هو الأمر الذي حفظها من حَنَق المخالفين، وخَوَر المخذِّلين المرجفين. ولولا تلك القوَّة الدينيَّة وما تُمْليه من وضوحٍ في التصوُّر والاعتقاد، وحزمٍ في التمسُّك والامتثال، وجديَّةٍ في السلوك والعمل .. ، لانحلَّت تلك الطائفة عند أدنى مؤامرة أو اعتداء، ولكانت تعيش تشتُّتاً في الأمر، وهواناً في العزم، ولما بقيت تقوم لله بحجَّة .. ولذا .. لما كان مدار الصُّمود والبقاء على القوَّة في الدِّين، أَمَر الله بها أنبياءه وأقوامهم، فقال تعالى لموسى ﵇ (فخذها بقوَّة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) (الأعراف:١٤٥) وقال لبني إسرائيل (خذوا ما آتيناكم بقوَّة) (الأعراف:١٧١)، وَوصَف الله بها نبيَّه داود ﵇ فقال: (واذكر عبدنا داود ذا الأيْد) (ص:١٧) أي ذا القوة في الدِّين، بل خاطب الله بها يحيى ﵇ منذ أن كان في المهد صبياً (يا يحيى خذ الكتاب بقوَّة وآتيناه الحكم صبيا) (مريم:١٢) لينشأ ذلك الصبي وهو ابن ثلاث سنين كما في قول ابن عباس ﵁ (٣) .. على معاني القوَّة والجدِّ والعزم في أخذ الدِّين والتمسُّك به.

стр. 722

إن الأمَّة اليوم بحاجةٍ شديدةٍ إلى استجماع معاني القوَّة في أفرادها؛ ليسعدوا بدينهم، ويُؤدوا حقَّ الله فيهم. والناظر في كلام ربِّه لا تكاد تخطئُ عينه صورتان اثنتان من صور القوَّة في الدِّين لا تتحقق القوَّة إلا بهما: الأولى: القوَّة في الأخذ والتمسُّك والعمل (خذوا ما آتيناكم بقوَّة) (الأعراف:١٧١). والثانية: القوَّة في الإعداد والمواجهة والمدافعة (وأعدُّوا لهم ما استطعتم من قوَّة) (الأنفال:٦٠). إنَّ الأمَّة بحاجةٍ إلى المؤمن القويِّ في عقيدته .. القويِّ في عبادته .. القويِّ في تعلُّمه .. القويِّ في دعوته .... القويِّ في دفاعه .. القويِّ في صَدْعه بالحقِّ ووقوفه أمام سَيْل الشُّبهات والشَّهوات، والفتن والمغريات .. إذا تكلَّم كان قويَّاً واثقاً، وإن ناقش كان قويَّاً واضحاً، وإذا عَمِل كان قويَّاً ثابتاً، يأخذ تعاليم دينه بقوَّة، وينقلها إلى غيره بقوَّة، ويتحرَّك ويدعو في مجتمعه بقوَّة .. لا وَهَن ولا تميُّع .. ولا ضعْف ولا تصنُّع، يقول النبي ﷺ : ((المؤمن القويُّ خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز .. )) (١). ولكي تتحصَّل هاتان القوَّتان بكل صُوَرها وأشكالها، وتُصْبح واقعاً عملياً نعيشه في حياتنا، لابدَّ من استجماع عدِّة أمور هي بمثابة الأُسُس التي يقوم عليها هذا المبدأ الشرعيِّ، (والمقام مقام إشارةٍ لا استفاضة، وهي محاولة استقرائية للآيات الواردة في القوَّة، وحال المأمورين والموصوفين بها): الأساس الأول: قوَّة الصِّلة بالله تعالى. إنَّ من أهمِّ أُسُس القوَّة في دين الله أن يكون المؤمن قويَّ الصلة بالله ، كثير العبادة له سبحانه. لما ذَكَر الله نبيَّه داود ﵇ وَصَفه بالقوَّة في الدِّين، وعلَّل ذلك بأنه أوَّاب كثير الرجوع إلى ربِّه فقال تعالى (واذكر عبدنا داود ذا الأَيْد إنَّه أوَّاب) (ص:١٧)، وكان ﵇ حَسَن التعبُّد لربِّه ففي الحديث: "إن أحبَّ الصيام إلى الله صيام داود، وأحبَّ الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇" (٢). ولما أمر نبيُّ الله هود ﵇ قومه بالاستغفار والرجوع إليه سبحانه بيَّن لهم أنَّ هذه الصلة الحسنة بالله تعالى تزيدهم قوَّة في أمر دينهم ودنياهم (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوَّة إلى قوتكم) (هود:٥٢). الأساس الثاني: الاستجابة الكاملة لله تعالى .. ففي قوله تعالى لبني إسرائيل (خذوا ما آتيناكم بقوَّة واسمعوا) (البقرة:٩٣) أَتْبعَ الله أمْرَه بأخذ ما آتاهم بقوَّة بأمرٍ آخر وهو السماع المطلق والاستجابة الكاملة له سبحانه، ليدُلَّنا ذلك بطريق الإشارة على أن ممِّا تتحقق به القوَّة في الدِّين سماع أمر الله ، والإنصات له، والعمل بموجبه، ليتمَّ تحقيق العبودية الشاملة له بعد ذلك. وإذا أعرض الإنسان عن سماع أمر ربِّه تعالى، أو سمع ولم يجب الاستجابة الكاملة التي تُغيِّر محتواه ظاهراً وباطناً كان عُرضة لأن يقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من الذمِّ وسوء العاقبة (قالوا سمعنا وعصينا وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين) (البقرة: ٩٣). الأساس الثالث: اليقين بنصرة الله لدينه.

стр. 723

إن استحضار نصرة الله لدينه، وامتلاء القلب يقيناً وصِدْقاً بوعد ربِّه تعالى لابدَّ أن يكون مصاحباً لكل مريد للقوَّة في الدِّين- لاسيَّما زمن الفتن والمحن-، ولذلك عندما أحسَّ أصحاب موسى ﵇ بخُسران المعركة أمام فرعون وملئه، وظنُّوا انتصار الباطل على الحقِّ .. أظهر الله على لسان موسى ﵇ -المأمور بالقوَّة في الدِّين- ما كان يحمل في قلبه من يقينٍ وثقةٍ بنصر الله تعالى لدينه وعباده المؤمنين، فقال الله -حاكياً حاله وحالهم- (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (٦١) قال كلاَّ إنَّ معي ربي سيهدين (٦٢) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كلُّ فرق كالطَّوْد العظيم (٦٣)) (الشعراء). كما أن على القويِّ في دين الله ألاَّ يستبطئ وَعْد الله تعالى في نُصْرة دينه، وأن يسعى في مؤازرة إخوانه وتذكيرهم بهذا الوعد، اقتداء بفعل موسى ﵇ -لما استبطأ قومه النَّصْر واستطالوا عَهْد الله فعبدوا العِجْل- (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحلَّ عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي) (طه:٨٦). الأساس الرابع: الحرص على مذاكرة ما في الكتاب والسنة .. فكيف لمؤمنٍ يريد أن يكون قويَّاً في دين الله ، حاملاً همَّ تبليغه وتبيينه للناس، إذا فتَّشت عن قراءته -فضلاً عن مذاكرته- لكتاب الله وسُنَّة نبيِّه ﷺ وجدتها تبلغ من الضَّعف قدْراً كبيراً.، لما أمر الله بني إسرائيل بأخذ ما آتاهم من التوراة بقوَّة أشار سبحانه إلى ما يُعينهم على هذا الأمر فقال تعالى (خذوا ما آتيناكم بقوَّة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) (البقرة: ٦٣) أي: خذوا التوراة بقوَّة واتلوها وادرسوها واعملوا بما فيها لتكونوا من أهل التقوى (١)، فكذلك كل من أراد القوَّة في دين الله عليه أن يكون حريصاً على ذِكْر ما وَرَد في الكتاب والسنة، وعلى العمل بموجبه؛ ليَقْوَى في دينه، وليوصله بعد ذلك بإذن الله إلى العلَّة المذكورة في الآية (لعلكم تتقون). وعندما وَصَف الله نبيَّه داود ﵇ بكونه قويَّا في دين الله أخبر سبحانه عن طَرَف من مظاهر هذه القوَّة وأسبابها فقال تعالى (ولقد آتينا داود وسليمان علما) (النمل: ١٥)، وقال (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) (الأنبياء:٧٩). الأساس الخامس: عدم الانسياق لرغبات النفس وشهواتها .. إنِّ المؤمن إذا اشتغل قلبه بالدُّنيا، وتعلَّقت نفسه بشهواتها، صَعُب عليه التقوِّي في دين الله تعالى، والاجتهاد في طاعته، ولذلك لما وَصَف الله نبيَّه يحيى ﵇ -المأمور بالقوة في الدِّين- وَصَفَه مُثنياً عليه بأنه يَحصُر نفسه ويحبسها عن الشهوات والملذَّات المباحة فضلاً عن المحرَّمة، فقال تعالى مخاطباً زكريا ﵇ (أنَّ الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمةٍ من الله وسيَّداً وحصوراً ونبياً من الصالحين) (آل عمران:٣٩). (٢) الأساس السادس: الارتباط بالصالحين والتقوِّي بهم ..

стр. 724

إنَّ على القويِّ في دين الله أن يكون على ارتباطٍ وثيقٍ، واتصالٍ متينٍ، بإخوانه الصالحين المصلحين؛ ليشدُّوا من عزمه، وليصدِّقوه في دعوته، وليزداد بهم رسوخاً وثباتاً على أمره .. ، ولذلك سأل موسى ﵇ وهو المأمور بالقوَّة في الدين- ربَّه أن يُرسل معه أخاه هارون ﵇ ليزداد به قوَّةً على قوَّته، فقال تعالى- على لسان موسى-: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءاً يصدِّقني إني أخاف أن يكذبون (٣٤) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (٣٥)) (سور القصص). هذه سته أسس .. أَحْسبُ أنها كفيلة بإذن الله تعالى في أنْ تُحيي فينا معاني القوَّة في الدِّين أخذاً ومدافعة، وتصنع لنا جيلاً يتربَّى على مثل هذا الأمر .. والشواهد على هذه الأسس كثيرة مستفيضة، ولكنِّي رغبت الاقتصار على الاستشهاد بالآيات الواردة في القوَّة والمتعلِّقة بها؛ ليظهر لنا مدى الاتصال بين هذه الأسس وموضوع القوَّة في الدِّين. ولك أن تتأمل معي ما وَرَد في هذه الآية العظيمة وتُقارن بين المأمور به، وشدَّة العقاب المترتِّب على عدم الامتثال .. يقول الله -عن بني إسرائيل-: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلَّة وظنُّوا أنَّه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوَّة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) (الأعراف:١٧١) .. قال قتادة ﵀ في تفسير هذه الآية: "جبل نزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم، فقال: لتأخذُنّ أمري، أو لأرمينَّكم به .. ! "، وقال الحسن البصري ﵀: " لما نظروا إلى الجبل خرَّ كلُّ رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليُمْنَى إلى الجبلِ، فَرَقًا من أن يَسْقُط عليه" (١). وختاماً .. إنَّ على القويِّ في دين الله أن يتحمَّل كل التَّبِعات التي قد تنشأ من أخذه للدِّين بقوَّة .. فمن طبيعة هذا الدِّين أن المستمسك به يلاقي ما لا يلاقيه غيره من الضعفاء المتنازلين .. وذلك من حكمة الله ، وهي فتنة يمحِّص الله بها عباده وأولياءه .. والله تعالى قادرٌ على نَصْر دينه وإعزاز كلمته دون أدنى جُهْد من البشر، ولكنَّ الأمر وُكِل إليهم للابتلاء والتمحيص، قال الله تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض) (محمد:٤). وعلينا أن نسأل أنفسنا سؤالاً: هل نحن ممن يَصْلح أن يكون من هذه الطائفة القويَّة التي تنصر دينها، وتصبر على ما تُبتلى به .. ؟؟ إذا كنَّا نغشى بعض المخالفات الشرعيَّة، ولا نستطيع قيام الليل أو الوتر على الأقل (٢)، وكلَّما هبَّت ريحُ شبهةٍ أمالتنا .. ! أو شهوةٍ أناختنا .. ! فإن إحياء معاني القوَّة في أنفسنا قبل الآخرين ظاهرُ العُسْر والصعوبة .. ولا تخش على هذا الدِّين، فإنَّ الأقوياء في حَمْله والأخذ به والدفاع عنه لابدَّ من وجودهم في كل زَمَن .. وهذه الأمَّة أمَّة ولود .. فما يضعف قويٌّ إلا ويقوى ضعيف، وما يزلُّ عالم إلا ويرسخ آخر، وما يتساهل داعية إلا ويثبت غيره، فإمَّا أن تتحقق فينا معاني القوَّة في الدِّين أخذاً ومدافعة .. وإمَّا أن تجري علينا سنَّة الاستبدال في قيادة هذا الدِّين والتأثير في الناس. ومن نافلة القول .. الإشارة إلى أن القوَّة في الدِّين لا تتطلَّب عبوساً في الوجه، وضيقاً في الصَّدر، وغلظةً في التعامل، فإنَّ هذا مما يخالف قوَّة الأخلاق عند الطائفة المنصورة، ولنا في سِيَر الأقوياء الأتقياء أسوة حسنة .. رزقنا الله وإيَّاكم القوَّة في دينه .. وثبَّتنا على شرعه وهدي نبيِّه، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 725

(ميمري) و (إيباك) .. الأذرعة المتكاملة د. محمد بن سعود البشر ٢٢/ ٣/١٤٣١هـ مؤسستان أمريكيتان بالغتا التأثير في الرأي العام النخبوي والشعبي في الولايات المتحدة، هما: مؤسسة ميمري وايباك. تتكاملان في وظائفهما لتحدثا التأثير المطلوب، ومن ثم تحقيق أهداف الدولة الصهيونية. والمتابع لبرامجهما الإعلامية والسياسية يلحظ مدى التكامل الواضح في الغايات والتنسيق في الأهداف لضمان أن يبقى الدعم الأمريكي السياسي والاقتصادي والمعنوي متدفقاً يخدم استراتيجية الدولة اليهودية في المنطقة العربية. تأسست "ميمري MEMRI "، أو معهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام The Middle East Media Research Institute، عام ١٩٩٨م. أسسها العقيد ايغال كرمون Yigal Carmon، وهو ضابط استخبارات سابق بالجيش الإسرائيلي من عام ١٩٦٨م إلى عام ١٩٨٨م، وعمل بعدها مستشاراً أمنياً لمكافحة الإرهاب لكل من رئيسي الوزراء الإسرائيليين إسحاق شامير وإسحاق رابين. تتخذ المؤسسة من واشنطن العاصمة مقراً لمركزها الرئيس، مع وجود مكاتب فرعية لها في كل من لندن، وروما، والقدس، وبغداد، وشنغهاي، وطوكيو. ومن برامجها الفكرية المهمة ترجمة البحوث إلى اللغات الإنجليزية، والفرنسية، والأسبانية، والألمانية، والإيطالية، والبولندية، والروسية، والصينية، واليابانية، والعبرية. تزعم المؤسسة في موقعها على شبكة الإنترنت أنها "منظمة مستقلة، غير حزبية، وغير ربحية." وأنها تهدف إلى ردم "الفجوة اللغوية" القائمة بين الغرب والشرق الأوسط من خلال (توفير ترجمات آنية باللغات العربية، والفارسية، والأردية، والتركية، والقيام بإجراء تحليل سياسي، وأيديولوجي، وفكري، واجتماعي، وثقافي وديني للاتجاهات في منطقة الشرق الأوسط.). لكن المتابع لما تقوم به يلحظ أنها تحظى بدعم مادي ومعنوي كبير من جهات عديدة ذات علاقة مباشرة بالسياسة الإسرائيلية في المنطقة، وأنها تسير في الخط المرسوم لها بعناية فائقة وتخطيط محكم لبلوغ الغايات التي تأسست من أجلها وأماني الداعمين والممولين لها. فهي تركز على (٢٠ دولة) في المنطقة، ليس من بينها إسرائيل بطبيعة الحال. هذه الدول هي: أفغانستان، والجزائر، والبحرين، ومصر، وإيران، والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، وليبيا، وباكستان، وقطر، والسعودية، والصومال، والسودان، وسوريا، وتونس، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، واليمن. ومن ضمن قائمة هذه الدول أشارت المؤسسة إلى أنها تغطي كل ما يتعلق بالفلسطينيين أو الشأن الفلسطيني، كذا دون ذكر لدولة فلسطين. فعندما أشارت إلى الدول المذكورة باللغة الإنجليزية قالت ( Palestinians) !! أي الفلسطينيين، ولا يتوقع المرء من منظمة بهذه الأهداف أن تذكر "فلسطين" كدولة. "ميمري" استفادت من الدعم المادي والمعنوي المقدم لها، ووظفت هذا الدعم في تنفيذ سياساتها وخططها. فعلى الرغم من أنها تستهدف الأخبار والتقارير التي تُظهر صورة العرب والمسلمين في الإطار السلبي دائماً، وملاحقة الأخبار والتقارير التي تؤيد ذلك، وتجاهل أي آراء لا تتفق مع منهجيتها، إلا أنها نجحت في تسخير آلياتها وإمكانياتها لتنفيذ ذلك من خلال المتابعة المستمرة وعلى مدار الساعة لكل ما يخدم توجهاتها. هذه المؤسسة تركز على النشاز الذي ينشر في الصحف العربية والإسلامية ومواقع الانترنت، وخاصة الإسلامية وتجعل منه مادة لتقاريرها التي تقدمها إلى مؤسسات الضغط السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة، ومن أبرزها مؤسسة أيباك.

стр. 726

أيباك، أو لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية American Israel Public Affairs Committee، هي أقوى جمعيات الضغط على أعضاء الكونغرس الأمريكي. تأسست في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، وتهدف إلى تحقيق الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني الموجود على أرض فلسطين. عضوية هذه المنظمة لا تقتصر على اليهود وحدهم بل يوجد بها أعضاء ديموقراطيون وجمهوريون بروتستانت وكاثوليك متعاطفون مع اليهود. وظيفة هذه المؤسسة، التي تتكامل فيها مع ميمري، هي العمل على تقوية العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل بغية الإبقاء على الدعم الأمريكي القوي للكيان الصهيوني، أيضاً من خلال تقديم المعلومات وتحليل الأخبار والتقارير عن ما يجري في الشرق الأوسط لتكون مصدرا معلوماتيا مهماً لصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة ووسائل الإعلام ومراكز البحوث والدراسات الأمريكية، وكثيرا ما تنشر صحف أمريكية مرموقة مثل الواشنطن بوست والنيويورك تايمز ما تنفرد به مؤسسة أيباك من معلومات زودتها بها ميمري. الذي يعنينا هنا من هذه المقدمة كلها أن ميمري تركز مؤخرا على السعودية وما ينشر في وسائل إعلامها من قضايا محلية (الدينية والاجتماعية على وجه الخصوص) وتجعل منه مادة لتشويه صورة المملكة لدى الرأي العام النخبوي في الولايات المتحدة. فقد تتبعت عددا من القضايا التي كانت موضوع نقاش ديني وفكري في صحفنا المحلية أو في بعض ما تنشره المواقع على الانترنت وجعلت منه مادة مشوهة تخدم ادعاءات الصهاينة الأزلية أو اليمين المحافظ في أمريكا عن المملكة ومؤسساتها وشعبها. لا يعني ذلك - بالطبع- أن نتوقف عن حراكنا الإعلامي، لكن هذا الحراك ينبغي أن يستحضر المصلحة الوطنية أولا وقبل كل شي، وأن لا نجعل للعدو منفذاً يدخل علينا منه، من باب (وشهد شاهد من أهلها)، وهذا يتطلب حذرا شديداً من تدويل قضايانا المحلية أيا كان موضوعها. كما أن على مؤسساتنا البحثية المعنية - في الجامعات على وجه الخصوص- أن ترصد ما ينشر عنا في مواقع هاتين المؤسستين لتقدم الحقيقة للباحثين عنها، لا كما تقدمها ميمري أو أيباك. ثم اختم بتساؤل جوهري: ألم يحن الوقت (في زمن التدافع المعلوماتي) لدولة كبيرة بحجم المملكة وما لها من ثقل مؤثر في العالم كله أن تكون فيها مراكز بحوث ودراسات استراتيجية (حكومية أو أهلية) لتدفع عن السعوديين ما ينشر عنهم؟

стр. 727

الباطنية: سلالة الفرس المجوس بليل عبد الكريم ممَّا تطابَق عليه نقَلَة المقالات قاطِبةً أن هذه الدعوة لم يفتتحها منتسِبٌ إلى ملة، ولا معتقد نحلة معتضِدٍ بنبوَّة، فإنَّ مساقَها ينقاد إلى الانسلال من الدين كما ينسلُّ الخيط من العجين، فالباطنية يُظهِرون من المعتقد ما لا يُبطِنون، ظاهرٌ يقابلون العامة من غيرهم به، وباطنٌ خاص بهم (١). وذي فلسفة ذات قِدَم، أصحابها جامعهم طلب الانفلات من ربقة التكاليف وما يلتزم به غيرهم، وهي أسُّ النظرية العلمانية "اللادين"؛ أي: الشريعة دثار، وإسقاط التكاليف شعار. لقد كانت الباطنية - وما زالت - مصدرَ خطرٍ على الإسلام والمسلمين مذ وُجِدت، بعد أن أيقن أعداء الإسلام أن حسم المواجهة مع المسلمين وجهًا لوجهٍ لن يُجدِي شيئًا في تحقيق أهدافهم والوصول لمآربهم؛ ولذلك كانت الحركات الباطنية بعقائدها وفِتَنِها نتيجةً لاتجاه جديد للكيد للمسلمين عن طريق التدثُّر باسمه والتستُّر بحب آل البيت (٢). أصل الباطنية: يقول الدكتور محمد أحمد الخطيب في الأصل التاريخي للباطنية: الواقع أن مؤرِّخي الفِرَق مختلفون في أصلها ومصدرها؛ فمنهم مَن يُرجِعها إلى المجوس، ومنهم مَن ينسبها إلى صابئة حران، إلاَّ أن هذا الاختلاف يزول عندما نعرف أن الأصول التي يعتمد عليها الباطنية بكلِّ فِرَقِها وطوائفها نابعةٌ من الفلسفة اليونانية التي غزت بأفكارها الكثير من الفرق (٣). والفلسفة اليونانية الأكثر تأثيرًا هي فلسفة أفلوطين الإشراقية الغنوصية، وفيثاغورس بفلسفته العددية، ويمكن القول بأن منظومة عبد الله بن سبأ هي منظومة غنوصية باطنية، ويرى المؤرِّخون أن (التصوف الإسلامي الحلولي) المتطرِّف ذو طابع غنوصي باطني، كما يُصنَّف بعض غلاة الشيعة ضمن الغنوصيين، ويُصنَّف العلويون (النصيريون) باعتبارهم جماعة إسلامية ذات توجُّه غنوصي (٤).

стр. 728

وتُصَنَّف عقيدة الدروز والبهائية ضمن أشكال الغنوص، ولا تزال هناك فرقة دينية في العراق وإيران تُسمَّى المندائيين، وهي فرقة غنوصية يبلغ عدد أفرادها خمسة عشر ألفًا، و"مندائي" هي الكلمة الآرامية لـ"غنوص"، فالمندائي هو العارف؛ وهي مشتقَّة من كلمة "منداء" أو "منداع" بمعنى "معرفة"، وتتضمَّن عقيدتهم التطهُّر في المياه الجارية وشعائر جنائزية مركَّبة، فحينما يموت المندائي يقوم الكاهن بالشعائر اللازمة لإعادة الروح لمسكنها الإلهي، ليتوحَّد الميت مرَّة أخرى مع آدم السري "الإنسان الأزلي"، أو المجد، جسد الإله المقدَّس (١). هذا عن أصل الأفكار، أمَّا أصل الدعوة ورأسها فكان من زمرة الشيعة، فالباطنية ظاهرة شاعَتْ بين الطوائف الفارسية الشيعية: " ... نشَأَت محاولة هدم الإسلام من الداخل؛ عن طريق ابتداع مناهج الباطنية في تأويل الشريعة على نحوٍ يؤدِّي إلى نسخها، والاستعاضة عنها بخليطٍ عجيب من الحكمة، يجمع بين خرافات الفرس، ووثنية الإغريق، وعقائد اليهود الذين حرَّفوا دينهم من قبل، فظهرت بصيغة إسلامية خادعة؛ كفكرة النور المحمدي، وعصمة الأئمَّة، ومعجزاتهم، والغيبة، والرجعة، والحلول، والتجسيم، والتأويل والتشبيه، وغير ذلك من الأفكار والعقائد ... " (٢). وعلى مَن يفرك فكر الباطنية أن يلمَّ بنشأة الشيعة؛ إذ التشيُّع كان ثوبًا يتستَّر وراءه كلُّ مَن يبغي بذر الفتن ضدَّ المسلمين، ومأوى يلجأ إليه كلُّ مَن رام هدم عُرَى الإسلام؛ بحَشْوِ البِدَع بآراء آبائه وأجداده من يهودية ونصرانية وهندوسية وفيثاغورسية وأفلاطونية وأفلوطينية حديثة. فقد ظهر بعد عبد الله بن سبأ اليهودي اليمني بأفكاره الحلولية أبو هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية زعيم الغلاة الشيعة، فقال بالظاهر والباطن، وبعده بيان بن سمعان الذي أعلن ألوهية علي بن أبي طالب ﵁ وقال بتناسخ الأرواح، ونسخ الشريعة المحمدية، ثم ظهر المغيرة بن سعيد العجلي الذي اشتهَر بعلوم وأسرار العدد (٧)، ثم أبو منصور العجلي الذي رفع الأئمَّة الشيعة إلى مصافِّ الألوهية، ثم جاء أبو الخطاب الأسدي شيخ الخطَّابية ومنبت الإسماعيلية وادَّعى الإمامة ثم النبوَّة، ثم أسقط التكاليف الشرعية، وتخرَّج على يديه زعماء الباطنية وأهمهم: محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق رأس الإسماعيلية ومنهم المباركية، وميمون القدَّاح رأس الميمونية والتي توالَد منها القرامطة والعبيدية والنزارية والحشاشون والدروز. وتلامذة أبي الخطاب بعد هلاكه توجَّهوا لوجهتين؛ فميمون القدَّاح وابنه عبد الله اتبعَا المبارك - مولى لإسماعيل بن جعفر - في القول بإمامة محمد بن إسماعيل، وأسسَا بناءً على ذلك الطائفة الإسماعيلية أو المباركية، أمَّا المفضل الجعفي فقد تظاهَر بالعودة لفرقة موسى الكاظم الاثني عشرية، وبثَّ فيها أفكار الخطابية، لتفرز النصيرية. ولم يظهر النشاط السياسي للباطنية بشكلٍ منظَّم ومرسوم إلاَّ على يد ميمون القدَّاح، الذي أجمعت كل كتب الفِرَق والملل على أن هذا الرجل هو المؤسس الحقيقي لهذه الطائفة، وليس معنى هذا أن مبادئ الباطنية لم تكن معروفة من قبلُ، وإنما يرجع إلى ميمون القدَّاح (٣)

стр. 729

دور تنظيم هذه الفرقة، وتكوين وتعليم دعاتها، وإرسالهم إلى الأقطار المختلفة لينشروا مبادئهم وتعاليمهم بين الناس (١). يقول العلامة محمد بن مالك الحمادي اليماني: "اعلموا - يا إخواني في الإسلام - أن لكلِّ شيء من أسباب الخير والشر، والنفع والضر، والداء والدواء - أصولاً، وللأصول فروعًا، وأصل هذه الدعوة الملعونة التي استولى بها الشيطان على أهل الكفر والشقوة ظهورُ عبد الله بن ميمون القدَّاح (٢) في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة، والمنكرات المشهورة ودخوله في طرق الفلسفة، واستعماله كتب الزخرفة، وتمشيته إياها على الطغام، ومكيدته لأهل الإسلام. فنصب للمسلمين الحبائل، وبغى لهم الغوائل، ولبس الحق بالباطل، ومكر أولئك هو يبور، وجعل لكلِّ آية من كتاب الله تفسيرًا، ولكلِّ حديث تأويلاً، وزخرف الأقوال، وضرب الأمثال، وجعل لآي القرآن شكلاً يوازيه، ومثلاً يضاهيه، وكان الملعون عارفًا بالنجوم، معطلاً لجميع العلوم؛ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢] " (٣). انضمَّ عبد الله بن ميمون القداح إلى حمدان بن الأشعث الملقَّب بقرمط، الذي نشط وصار له أتباع ليعلن بعدها عن ثورته بسواد الكوفة عام ٢٧٨هـ، ويسيطِر على عاصمة البحرين "هجر" لتقيم بها طائفة القرامطة، ثم أرسل الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح الحسينَ بن فرج بن حوشب وعليَّ بن الفضل إلى اليمن فأقامَا دولة للإسماعيلية هناك، وأرسل محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القداح - أخو الحسين - أبا عبد الله الشيعي لبلاد شمال إفريقيا؛ فأسَّس للدولة العبيدية (الفاطمية) (٤) بالجزائر (٥)، أثناء ذاك تألب القرامطة على الإمام الإسماعيلي، وأرادوا القضاء على الإسماعيلية في الشام لما شكُّوا في نسبة الإمامة لهم، وعلموا أن الإمام الدعيّ (عبيد الله المهدي) من ولد ميمون القدَّاح، وهو سعيد بن الحسين بن عبد الله بن ميمون القدَّاح المتسمِّي بعبيد الله، فهرب عبيد الله إلى الرملة، ثم مصر، ثم إلى الجزائر، وهنالك أعلن عن نفسه ودعوته بعد أن كان متسترًا، ثم أعلن قيام الدولة العبيدية عام ٢٩٧هـ وسموها بالخلافة الفاطمية (٦)، بقيت الدولة بالجزائر، وتولى الحكم عبيد الله (ت٣٢٢)، ثم القائم بأمر الله (ت٣٣٤)، ثم المنصور بالله (ت٣٤١)، بعدها المعز لدين الله الذي غزا مصر سنة ٣٥٨ هـ، واتَّخذ القاهرة عاصمة له.

стр. 730

ثم تلاه العزيز ٣٦٥ هـ، ثم الحاكم بأمر الله ٣٨٦ هـ، ومنه انشقَّ مذهب من الإسماعيلية الفرس نادَى بألوهية الحاكم بأمر الله يسمون بالحاكمية (١)، ثم خلف المستنصر، وبعد هلاكه ٤٨٧ هـ انقسمت الإسماعيلية إلى طائفتين: الأولى نادَتْ بإمامة ابنه الكبير نزار، وعُرِفوا بالإسماعيلية النزارية وهم الأغاخانية بالهند، ومن النزارية خرج الحشَّاشون، والطائفة الثانية نادَتْ للمستعلي وهي الإسماعيلية المستعلية، والمعروفة بالبهرة في الهند، والطيبة في اليمن (٢). سبب التسمية: لُقِّبوا بها - الباطنية - لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهِم عند الجهَّال الأغبياء صورًا جليَّة، وهي عند العقلاء الأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معيَّنة، وأن مَن تقاعَد عقله عن الغوص في الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها مسارع إلى الاغترار - كان تحت الأواصر والأغلال، معنيًّا بالأوزار والأثقال، وأرادوا بالأغلال التكليفات الشرعية. فإن مَن ارتقى إلى علم الباطن انحطَّ عنه التكليف، واستراح من أعبائه، وهم المرادون بقوله - تعالى -: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وربما موَّهوا بالاستشهاد بقولهم: إن الجهَّال المنكرين للباطن هم الذين أُرِيدوا بقوله - تعالى -: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]، وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع (٣). نظامهم الدعوي: اتَّخذ هؤلاء الأدعياء التلفُّع بالتشيع وسيلة للحَشْدِ، وتأليف جمعيات سرية تسعى في نشر مذهب الإباحية المزدكية المجوسية والإلحاد الفلسفي. والأصل في النشاط الباطني أن دعاته يدعون تحت بريق الإثارة وستار السرية، بدعوى أن دعواهم لا يحملها إلا ملَك مقرَّب أو نبي مرسل، أو مَن امتحن الله قلبه بالإيمان (٤). ولمَّا كانت السرية ضرورةً تنظيميَّةً للأعمال الباطنية، خاصة في مراحل التحريف والتجنيد، فإنه من اليسير على الباطنيين أن يجعلوا من الممارسات الباطنية السرية هي الأخرى دينًا، حتى أرجعوا الأصل في التضليل التنظيمي للباطنية والمسمى "التقيَّة" إلى جعفر الصادق، فيقولون: هو القائل في وجوب التقية وضرورة العمل بها: "التقية ديني ودين آبائي وأجدادي، ومَن لا تقية له لا دين له" (٥).

стр. 731

وكيما يتمكَّن دعاتهم من نشر مقالاتهم (١) لجؤوا للرمزية في العمل الباطني (٢)، والتظاهر بالورَع والزهد أمام العامة ومَن لا يدري خفايا منكرهم، خاصة أيام المرحلة السرية، فيبدون دماثة الأخلاق والتعبُّد والتقشُّف، والتحسُّر على ما آلَ إليه المسلمون، حتى يكثر من حولهم الأتباع فيعلنون الدعوة للإمام المستتر المنجِي من الغم نسل آل البيت، وعلى يديه الفرج وقيام الشريعة، فما اشتدَّ عودهم حتى يجهروا بالإباحية؛ فيكثر من حولهم طغام الناس وأهل الفسق كما يتكاثر الذباب على القذارة، فلا وجدوا حرامًا إلا انتهكوه، ولا كبائر إلا صيَّروها من الشعائر، فالنفاق عندهم تسعة أعشار الدين، وزنا المرأة مع محارمها من كمال إيمانها، ورضا الزوج بأن يزني جاره بزوجته أمامه ثم يبصق عليه ويصفعه بعد أن يقضي وطَرَه منها - من كمال الصبر، والخمر من أقدس المشروب، والصلاة والزكاة والصيام تسقط عنهم، فكانوا من أكفر خلق الله. طوائف الباطنية: الإسماعيلية: وهم رأس الباطنية؛ نسبة إلى إسماعيل بن جعفر، وهم من غلاة الإمامية الشيعة، ويطلق عليهم اسم السبعية والمباركية والباطنية. المباركية: من أسماء الإسماعيلية الباطنية، قالت: إن جعفر نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده، فلمَّا مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه نصب إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل، ونسبتهم إلى مولى لإسماعيل يقال له: المبارك. السبعية: من أسماء الإسماعيلية، يعتقدون أن أدوار الإمامة سبعة، وأكبرهم يثبتون له النبوة التي تستمرُّ في عقبه، فبين كل نبي ونبي سبعةُ أئمَّة، وتدابير العالم السفلي عندهم منوطة بالكواكب السبعة التي أعلاها زحل، وهذا مذهب الثنوية. القرامطة: نسبة لحمدان بن الأشعث الملقب بقرمط؛ إذ كان به قِصَر فصار ناقمًا على مَن حوله، متأففًا ممَّن يحيطون به، حاقدًا على الناس أجمعين (٣)، وكان "أكار" أبقار في القرية المعروفة بـ (قس بهرام)، وكان داهية، لقيه عبد الله بن ميمون القداح فدعاه لما هو عليه فأجابه، ثم نزل بموضع النهرين بالكوفة، وتظاهَر بالزهد والتقشُّف والتديُّن (٤)، وأقام على الدعاية حتى اجتمع عليه خلق كثير، فجهَر بمذهبه، فألقي عليه القبض؛ لكنه نجا بمساعدة جارية، فافتتن الناس به، وظنوا ذاك من الكرامات، فتكاثَر عليه الأتباع ليعلن ثورته عام ٢٧٨م. فقتلوا الحجاج، ومنعوا الحج ثلاث سنين، وسرقوا الحجر الأسود، وادَّعى رأسهم الألوهية، وأحلُّوا ما حرَّم الله، وأباحوا الزِّنا والانحلال الخلقي، وأبطلوا الصلاة والزكاة والصيام، وأشاعوا المال والنساء بينهم، فهن بينهم دُولة من واحد لآخر، وهم من أكفر خلق الله.

стр. 732

العُبَيدية: أتباع عبيد الله من ولد ميمون القداح، وهو المدعى المهدي، ومن نسلهم أدعياء الدولة العبيدية، المنسوبة زورًا "الفاطمية"، وأهل الشرف يُنكِرون ذلك؛ فإنهم لم يجدوا لهم في الشرف نسبًا، وقد زعموا أنهم من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحاشَ لله؛ ما كان لمحمد بن إسماعيل من ولد، ولا عرف ذلك أحد من الناس، بل هم ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] (١). التعليمية: من الإسماعيلية، أبطلوا العقول وقالوا بتعاليم الإمام المعصومة. الحشاشون: هم طائفة إسماعيلية نزارية انتشروا بالشام وبلاد فارس والمشرق، ومن أبرز شخصياتهم الحسن بن الصباح (ت١١٢٤م)، وهو فارسي الأصل، يدين بالولاء للإمام المستنصر، قام بالدعوة في بلاد فارس للإمام المستور، ثم استولى على قلعة أَلْمُوت، وأسَّس الدولة الإسماعيلية النزارية الشرقية، وهم الذين عُرِفوا بالحشاشين؛ لإفراطهم في تدخين الحشيش، وقد أرسل بعض رجاله إلى مصر لقتل الإمام الآمر بن المستعلي، فقتلوه مع ولديه عام ٥٢٥هـ. يعتبر الحشاشون أساتذة منظمات المرتزقة العالمية، ومصدر إلهام لأنظمة المخابرات في تشكيل فِرَق العمليات القذرة، امتاز الحشاشون بولائهم المطلق لشيخ الجبل؛ نظرًا للمنهج المتبع في تدريبهم، والنظام الصارم والدقيق في تعليمهم، وحسن اختيار الأتباع، ففي القلعة كان يُربَّى العديد من أطفال الفلاحين الفقراء واليتامى؛ حيث يأخذهم حسن الصباح منذ طفولتهم المبكِّرة، ويعلمهم لغات مختلفة كالعربية واللاتينية واليونانية والفارسية والتركية والكردية ... وغيرها، ويلقنون ثقافة الشعوب والتجمعات الكبرى، وأنظمتها وعاداتها، حضرها وبدوها من مأكل ومشرب ولباس، ويلقنون من صغرهم إلى رجولتهم الطاعة التامَّة لشيخ الجبل سيد القلعة، ويوعدون بالمسرَّات وأن الجنة بيد شيخ الجبل فهو المسيطر على الآلهة ... وأتباع شيخ الجبل يسمون الفداوية (٢). مراتب الباطنية: هناك بعض التفاوت في المراتب بين الطوائف الباطنية؛ وذاك للطور التنظيمي الذي يقع لها نتيجة الخبرة والاحتكاك مع المجتمعات المتنوِّعة، فمراتب الدعاة في الحركة الإسماعيلية تبدأ بمرتبة الإمام، ثم الباب، الحجة، داعي الدعاة، داعي البلاغ، النقيب، المأذون، الداعي المحدود، الجناح الأيمن، الجناح الأيسر، المكاسر، المستجيب (٣). أمَّا الحشاشون وهم من نتاج الدولة العُبَيدية، فمراتبهم سباعية؛ وهي كالآتي: المرتبة الأولى: مرتبة رئيس الدعوة أو داعي الدعاة، وكان أيضًا يسمى نائب الإمام المستور في بلاد الشام سمي "شيخ الجبل". المرتبة الثانية: كبار الدعاة. المرتبة الثالثة: الدعاة. المرتبة الرابعة: الرفاق. المرتبة الخامسة: الضراوية، أو الفداوية، وهم الفئة المسلَّحة في الدعوة، التي يشترط فيها التفاني والتضحية في خدمة الدعوة، حتى ولو أدَّى ذلك إلى الموت الذي اعتبروه أشرف نهاية؛ لأنه يضمن لهم السعادة في جنة الإمام. المرتبة السادسة: اللاصقون. المرتبة السابعة: المستجيبون، وهم عامة الناس المؤيدين للدعوة.

стр. 733

الخرمية: و"خرم" لفظ أعجمي معناه: الشيء المستلذ المستطاب، حاصل مذهبهم إسقاط التكاليف وطلب المحرمات، وأصلهم من المجوس المزدكية أهل الإباحية، ويسمون "خرمدينية" بالفارسية. البابكية: أصحاب بابك الخرمي، خرج في جبال أذربيجان أيام المعتصم، كان ملكهم قبل الإسلام شروين، يزعمون أنه خيرٌ من النبي ﷺ ولهم ليلة يختلط الرجال فيها مع النساء ويطفئون الأنوار، ويهمُّون بالنساء، فمَن ظفر بواحدة فهي له (١). ونحَت إلى المذاهب الإباحية خاصة باستحلال الزِّنا واللواط، ونكاح المحارم، وترك العبادات، وتشريع الكذب وفرض النفاق، وبناء المنظمات السرية، والقول بوجود إلهين اثنين، وإنكار البعث والحساب والعقاب، والجنة هي نعيم الدنيا، والنار هي التكاليف الشرعية. المحمرة: من أتباع البابكية، سموا بذاك لصبغهم ثيابهم بالأحمر أيام بابك. الدروز: طائفة باطنية انشقَّت عن الإسماعيلية بالدولة العبيدية، نسبتها لمحمد بن إسماعيل الدرزي؛ من دعاة الحاكم بأمر الله العبيدي، وعقيدتهم تقوم على تأليه الحاكم بأمر الله، فقد تولى الحكم صبيًّا تحت ثلاثة أوصياء، وما أنْ شبَّ حتى قتل أحد الثلاثة، ثم راح يقتل في كبار الدولة والكَتَبَة والخدم والعامة، ويصدر قوانين غريبة ثم يلغيها، وجعل الناس يشتغلون بالليل وينامون بالنهار، كل ذلك ليعلن الربوبية فيما بعد، فأنشأ لذلك مركزًا لإعداد الدعاة الإسماعيلية أسماه (دار الحكمة)، وللاسم مغزى فلسفي حشد للمركز فلاسفة الإسماعيلية الملاحدة من أقطار الدنيا (٢)، فزيَّنوا له فكرة الألوهية التي تختلج بنفسه، فاستخفَّ قومه فأطاعوه، وكانوا قومًا فاسقين، فتسمَّى بالحاكم بأمره، "وأمر الرعية إذا ذكره الخطيب على المنبر أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه ... وكان أهل مصر على الخصوص إذا قاموا خرُّوا سجدًا، حتى إنه يسجد بسجودهم مَن في الأسواق وغيرهم، وكان جبارًا عنيدًا، وشيطانًا مريدًا، كثير التلوُّن في أقواله وأفعاله" (٣)، ونشر جواسيس من النساء في دور الناس ليعلم مَن آمَن به ممَّن هو مستخفٌّ بالليل سارب بالنهار يكتم إسلامه. ومشروعه الذي حاكَه دهاقنة الإسماعيلية في مركز بحثهم (دار الحكمة)، ووضعوا له التشريعات - صار مذهبًا ينتحل خلاصته طائفة الدروز.

стр. 734

النصيرية: نسبة لمحمد بن نصير النميري (ت٢٧٠هـ)، وزعَم أنه الباب للإمام الحسن العسكري (٢٣٠ - ٢٦٠هـ)، فتبعه طائفة من الناس قالوا بألوهية علي بن أبي طالب ﵁ وتناسخ الأرواح، والتأويل بالباطن، وديانتهم مزيج من الوثنية الآسيوية القديمة والنصرانية والإسلام، وعقائدهم من الأسرار التي لا تُباح حتى لنسائهم، أمَّا الرجال حتى يبلغ الثامنة عشرة بعد عِدَّة جلسات سرية على يد شيخ واحد، يرتفع فيها من درجةٍ لأعلاها، وهم يبيحون الزِّنا بنساء بعضهم البعض، والخمر عندهم معظمة ومقدسة، ولهم ثالوث على ثالوث النصارى (ع- م- س)؛ أي: علي ومحمد وسلمان الفارسي، فعلي ﵁ هو الذات الإلهية، محمد ﷺ النبي الناطق والحجاب والاسم، وسلمان الفارسي ﵁ هو الباب؛ أي: المرجع الذي خلقه النبي محمد ﷺ والباب هو الذي خلق الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد السموات والأرض. بعض رؤوس الفرق تغيَّر اسمها بنسبتها للداعي الذي عاوَد نشرها في أرض مغايرة لمنبتها، أو لانشقاقها عن الأصل الذي تتلوه حول إمامة إسماعيلي معين، كما وقع في الهند وباكستان وأذربيجان، ومن الباطنية المعاصرة القاديانية والأغاخانية، البهرة، الداودية، العلوية، الناجوشية، والبارسية، وكلها في الهند، والطيبية والصليحية والسليمانية باليمن، والبابية والبهائية بالشام. وكلها تنتسب في عقائدها للإسماعيلية مع شيء من اختلاف التنوُّع، وإلا فأصولها كلها باطنية ملحدة إباحية. وما أحصي هنا منها مجرَّد رؤوس الطوائف، والتي ستتشعَّب كالفطريات إلى طوائف ومنظَّمات وحركات سرية، حصرها عدًّا يُتِمُّ مصنَّفًا مفردًا. حيلهم في الدعوة لمذهبهم: لطرقهم السرية حِيَل في الدعوة تقرب حِيَل الباطنية الشيعة؛ "وفي الاطِّلاع على هذه الحِيَل فوائد جمَّة لجماهير الأمة، وهاك تفصيلَ حيلهم (١). ١ - التفرُّس: يميِّز الداعي مَن يمكن استدراجه، وله القدرة على الإقناع بأن للنصوص ظاهرًا وباطنًا، وأن يأتي كل واحد بما يوافق مزاجه وعقله. ٢ - التأنيس: يجتهد الداعي في التقرُّب من المدعو، والتنسُّك والتعبُّد أمامه، والتبشير بقرب الفرج. ٣ - التشكيك: يجتهد الداعي في تغيير معتَقَد المدعو المستجيب، بالأسئلة عن الحكمة من الشرائع، وغوامض المسائل، والمتشابه، وأسرار الأرقام في آي القرآن. ٤ - التعليق: بطيِّ سرِّ الشكوك المثارة، والإيهام بكتمان حقيقتها عن الغير، فلا بُدَّ من عهود توثيق للمريد كيما يطالع بها، ثم يترك معلقًا. ٥ - الربط: بالأيمان المغلَّظة، والجهود المؤكدة، (لدرجة الإرهاب الفكري)، فلا يجسر على المخالفة. ٦ - التدليس: بالتدرُّج في بثِّ الأسرار - بعد الربط - فيعرض عليه المذهب شيئًا فشيئًا، ويُوهِم أن لهم أتباعًا كُثُر لا يمكن اطِّلاعهم عليهم كيما يستأنس، وقد يسمون له بعض المرموقين من أهل العلم أو السلطان، لكن في بلاد بعيدة لا يمكنه مراجعتهم لبعدهم. ٧ - التلبيس: بالاتِّفاق على بعض القواعد والمسلَّمات البديهية، ثم يستدرج إلى نتائج باطلة، لا يعي بطلانها لتسليمه القياد للداعي. ٨ - الخلع والسلخ: الخلع من المجتمع باتباعه أوامر العمل، أمَّا السلخ فمن الدين باتباعه لفلسفة المذهب. عقائد الباطنية:

стр. 735

أوَّل حركة باطنية إسماعيلية لإقامة دولة لها كانت باليمن على يد الحسن بن فرج، الملقَّب بالمنصور، مع علي بن الفضل، وبعد أن قوي عودهما بدأ الجهر بالمعتقدات، فقد أحلُّوا الخمور والزِّنا واللواط ونكاح المحارم من الأمهات والبنات والأخوات، وأسقطوا الصلوات، وأبطلوا الصيام وجميع المحرَّمات، ولخَّص ذاك علي بن الفضل في أبيات: خُذِي الدُّفَّ يَا هَذِهِ وَالْعَبِي وَغَنِّي هَزَارَيْكِ ثُمَّ اطْرِبِي تَوَلَّى نَبِيُّ بَنِي هَاشِمٍ وَهَذَا نَبِيُّ بَنِي يَعْرُبِ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَضَى شَرْعُهُ وَهَذِي شَرَائِعُ هَذَا النَّبِي فَقَدْ حَطَّ عَنَّا فُرُوضَ الصَّلاَةِ وَحَطَّ الصِّيَامَ فَلَمْ يُتْعِبِ إِذَا النَّاسُ صَلَّوْا فَلاَ تَنْهَضِي وَإِنْ هُمُ صَامُوا كُلِي وَاشْرَبِي وَلاَ تَطْلُبِي السَّعْيَ عِنْدَ الصَّفَا وَلاَ زَوْرَةَ الْقَبْرِ فِي يَثْرِبِ وَلاَ تَمْنَعِي نَفْسَكِ الْمُعْرِسِينَ مِنَ الأَقْرَبِينَ وَمِنْ أَجْنَبِي فَكَيْفَ حَلَلْتِ لِهَذَا الْغَرِيبِ وَصِرْتِ مُحَرَّمَةً لِلأَبِ أَلَيْسَ الْغِرَاسُ لِمَنْ رَبُّهُ وَرَوَّاهُ فِي الزَّمَنِ الْمُجْدِبِ وَمَا الْخَمْرُ إِلاَّ كَمَاءِ السَّمَاءِ مُحَلٌّ فَقُدِّسْتَ مِنْ مَذْهَبِ (١) وخلال سنوات الدولة الإسماعيلية باليمن تمكَّن دعاة الإسماعيلية من إنشاء حركة لهم في سواد الكوفة والبحرين عُرِفت بالقرامطة سنة ٢٧٨هـ، ثم انطلقوا منها للبطش بالحجاج حيث عاثوا في الحرم فسادًا وقتلوا خلقًا كثيرًا، وسرقوا الحجر الأسود إلى عاصمتهم، وروَّعوا الآمنين (٢). من دعاوى الباطنية ألوهية أئمَّتها؛ فكل رأس دعوة يدَّعي المشيخة، ثم الإمامة، ثم النبوَّة، ثم الألوهية؛ وهذا مبني على نظرية الارتقاء الحلولي الصوفي الفلسفي؛ أي: إن بمقدرة الإنسان أن يرتقي بالتأمل أو العرفان الروحي الصوفي من درجةٍ لأعلى حتى يحاكي الأنبياء، وقد يعلوهم حتى يتوحَّد مع الذات الإلهية، وهو ما يُعرَف في الديانة البراهمية بالنيرفانا، وفي التراث الغنوصي الإشراق، وفي التراث الباطني بالاتحاد؛ أي: الاتحاد بين روح العارف والذات الإلهية، وهي عملية عكسية لنظرية الحلول القائلة بحلول الذات الإلهية في أجسام البشر من المعظمين، كما قالت السبئية بحلول الذات الإلهية في الأنبياء ﵈ ثم في علي بن أبي طالب ﵁ وهو قول النصيرية العلويين بسوريا. وقمَّة تطوُّر النظريتين القول بوحدة الوجود؛ أي: إن الذات الإلهية حالَّة في الوجود، بمعنى أوضح: كل ما في الكون هو الذات الإلهية، وبمعنى أقرب: القول بأن الله في كل مكان. ومن دعاة نظرية وحدة الوجود محي الدين بن عربي الأندلسي، وسيلقي بظلال ضلاله على الطريقة العدوية الصوفية، التي سيتحوَّل أتباعها إلى اليزيدية عبَدَة الشيطان. الإسماعلية من المعطلة؛ ينفون الصفات والأسماء عن الله - تعالى - مطلقًا " ... فلا يُقال عليه: حيٌّ، ولا قادر، ولا عالم، ولا عاقل، ولا كامل، ولا تامّ، ولا فاعل؛ لأنه المبدِع الحي القادر العالم التام الكامل الفاعل، ولا يُقال: له ذات؛ لأن كل ذات حاملة للصفات ... " (٣)، فتوحيد الله - تعالى - عندهم بمعرفة حدوده، وتنزيهه بنفي الصفات والأسماء عنه، وذا لب فلسفة أفلوطين الحديثة، بل عينها.

стр. 736

أمَّا نظرية الخلق فهي نظرية الفيض التي تجدها عند الفارابي وابن سينا، وكلاهما من الإسماعيلية، وهذه النظرية لأفلوطين، وهي مركَّبة من خرافات عبَدَة الكواكب والنجوم، ولها امتداد عند البابليين والكلدانيين والكهنة الفراعنة، والقابالاه اليهودية في "نظرية الفوضى الخلاَّقة"، إلا أن تشقيق الكلام وزخرفته حولها (فلسفة!)، فهم يُطلِقون على الله اسم "العقل الأول" و"المبدع" و"العقل الكلي" و"النفس الكلية"، ولك أن تعجب! يصفونه بما لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة، وينفون عنه ما ثبت بالنص القطعي (١). عمل الإسماعيلية إلى التوفيق والتلفيق بين الأديان، وهم من أكبر وأنشط الدعاة لنظرية توحيد الأديان، وهي ذات جذور فلسفية بغية هدم النبوَّات ليصبح الفلاسفة هم مَن يشرعون للناس عقائدهم، كما في "الجمهورية"؛ لأفلاطون، وما حاكَاه فيه الفارابي في كتاب "المدينة الفاضلة"؛ فقد جعل بإمكان الحكيم (الفيلسوف) أن يرتقي على النبي، بل هو عنده أرقى؛ إذ النبي يعلم بواسطة، والفيلسوف بجهده الفكري وملكته العقلية، وعنهم أخذ فرسان المعبد الفكرة ليضموها إلى نشاط الماسونية العالمية أكبر راعي سري وعلني بالنشاطات الاجتماعية والنوادي لدعوة التقريب بين الأديان، والبروتستانتية النصرانية أكبر راعي للفكرة من الكنائس، وكل ذاك بغية محو الأديان، وهدم الوحي، والاستعاضة بالتشريع الوضعي للفلاسفة والمفكرين ... وهم ملاحدة وضعوا العمائم على رؤوسهم أو كانوا حاسري الرؤوس. وكمثال على التلفيق بين الإسلام والنصرانية يقول الشيعي السجستاني: "إن الشهادة مبنية على النفي والإثبات، فالابتداء بالنفي والانتهاء إلى الإثبات، وكذلك الصليب خشبتان: خشبة ثابتة لذاتها، وخشبة أخرى ليس لها ثبات إلا بثبات الأخرى، والشهادة أربع كلمات، كذلك الصليب له أربعة أطراف، فالطرف الذي هو ثابت في الأرض منزلته منزلة صاحب التأويل الذي تستقرُّ عليه نفوس المرتادين، والطرف الذي يقابله علوًّا في الجو، منزلته منزلة صاحب التأييد الذي عليه تستقرُّ نفوس المؤيِّدين، والطرفان اللذان في الوسط يَمنة ويسرة دليل على التالي والناطق، اللذين أحدهما صاحب التركيب، والآخر صاحب التأليف، أحدهما مقابل الآخر، والطرف القائم دليل على السابق الممد لجميع الحروف، والشهادة سبعة فصول، كذلك الصليب أربع زوايا وثلاث نهايات، وللزوايا الأربع والنهايات الثلاث دليل على الأئمَّة السبعة في أدوارهم، كما دلَّت الفصول السبعة في الشهادة على أئمَّة دور ناطقًا ﵇ وكل طرف منها له ثلاثة أطراف، تكون الجملة اثني عشر، كذلك الشهادة اثنا عشر حرفًا ... وكما أن الشهادة إنما تكمل عند اقترانها بمحمد - صلى الله عليه وآله - كذلك الصليب إنما شرف بعد أن وجد عليه صاحب الدور" (٢). الإسماعيلية يبطلون معجزات الأنبياء، وينكرون النبوَّات، لكن ليس بالتصريح بل بتأويلات ملتوية لقصص الأنبياء، مع تجريد النبي من أيِّ معجزة مادية، والنبوَّة عنده دور من الوحي؛ لذا هي لم تنقطع بل تستمرُّ في الأوصياء والأئمَّة، وبين كل نبي ونبي أئمة ستة، السابع فيهم هو النبي، وذا الدور مستمرٌّ من لدن آدم إلى القيامة، وللإمام أن ينسخ شريعة من قبله، ويسمون الأنبياء بالنطقاء، وآخر النطقاء محمد بن إسماعيل؛ أي: هو آخر الأنبياء (٣).

стр. 737

تقول الإسماعيلية بتناسخ الأرواح "وقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة ... وقالوا: إنها خروج الإمام وقيام الزمان، والسابع هو الناسخ للشرع المغيِّر للأمر، أمَّا المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد، ولا الجنة ولا النار، ولكن قالوا: معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله، وزعموا أن نفوس المعاندين لمذهب الإسماعيلية تبقى أبد الدهر في النار، على معنى أنه تبقى في العالم الجسماني تتناسخها الأبدان، فلا تزال تتعرَّض فيها للألم والأسقام، فلا تفارق جسدًا إلا ويتلقاها آخر (١). ومعنى الصلاة والزكاة عندهم: محمد وعلي، فمَن تولاَّهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة ... والخمر والميسر اللذان نهى الله قربهما هما أبو بكر وعمر، لمخالفتهما عليًّا ... ثم يُقال له: (المدعو الجديد) هل تحب أن تدخل الجنة؟ ... فيذهب به الداعي (الإسماعيلي) إلى زوجته ليبيت معها ... فإذا خرج المخدوع (المدعو) من عندها (زوجة الداعي)، تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى منهم أحد إلا وبات مع زوجة المخدوع (المدعو)، كما فعل هو مع زوجة الداعي ... " (٢). نظرتهم للمرأة هي نوع من أنواع المسخ الذي يصيب غير المؤمن (٣)، فهي كالحيوان؛ لأنها مجردة عن وجود النفس الناطقة؛ لذا يعتقدون أن نفوس النساء تموت بموت أجسادهن؛ لعدم وجود أرواح خاصة بهن (٤). لذا يستبيحون الزنا بنساء بعضهم بعضًا؛ لأن المرأة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها إلى أخيها المؤمن! وفي ذاك اشترطوا ألاَّ يباح ذلك للأجنبي، ولا لِمَن ليس داخلاً في دينهم (٥). أثر الحركات الباطنية في واقع المسلمين: منذ أن قامت هذه الحركات الباطنية وهي لا تبغي إلا الإطاحة بالخلافة الإسلامية، والعودة إلى أمجاد آبائهم المجوس بإعلان الإمامة الشيعية، وهنا لا ينفصل الخطر الديني عن السياسي، فلا قوام لديانتهم ونحلتهم دون قيام دولتهم، فالحركة الباطنية الشيعية "عبارة عن دعاية خفية مستترة أكثر ممَّا هي مقاومة مكشوفة، وهذا ما جعلها مخالفة لغيرها من الفرق، وهي دعاية يحيط بها جوٌّ من الأسرار، وتغشاها أساليب المكر والمراوغة" (٦). واختراقها لكثيرٍ من الطوائف جعلهم يبثُّون عقائدهم بينهم؛ حتى ظهر رؤوس الفلاسفة المتصوِّفة كالحلاج وابن عربي والسهروردي والبسطامي والتلمساني، وهؤلاء ممَّن جهروا بما لم يَفُه به فم؛ فقال الإمام الذهبي عن كتاب ابن عربي "الفصوص": وكل كتبه تحتمل التأويل ما عدا "الفصوص"، فإن كان ما فيه ليس بكفر، فليس في الدنيا كفر ... "، وكانت جماعة إخوان الصفا تضمُّ في صفوفها: "أبا إسحاق الصابي الحراني وهو من عبَدَة النجوم الصابئة، ويحيى بن عدي النصراني رئيس أساقفة الكنيسة اليعقوبية، وماني المجوسي، وأبو سليمان المنطقي السجستاني الإسماعيلي، فما الذي يجمع هؤلاء، ويدعوهم إلى تأليف مجمع سري؟! "، أليس نموذجًا حيًّا لتقارب الفرق والأديان؟ شياطين يُوحِي بعضهم لبعض زخرف القول غرورًا، تحزَّبوا ليرموا الإسلام رمية رجل واحد، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.

стр. 738

وترتَّب على بزوغ قرن الفتنة الباطنية ثورات واضطرابات متلاحقة أحدثتْ فوضى عارمة، خاصة حال ما قامت لهم دويلات هنا وهناك، فديدنهم (تصدير الثورة) والدعوة لمبايعة الإمام، فطلع على أفراد الأمَّة آفات لم يدروا لها أصلاً، وصار المرء لا يأمن جاره ولا أخاه، وسرت الإباحية في عقول الشباب كالطاعون، فلم يؤتمن عازب في قريته، بل في بيت أبيه، وفتت انعدام الثقة عُرَى الوحدة الاجتماعية والدينية، فالحركة الباطنية استغلَّت الفقر والفاقة التي كانت ببعض الناس في الخلافة، فعملت على إشباع شهواتهم ممَّا يطلبون دون حدٍّ، فسهُل انقيادهم، وصاروا مصدرًا للرعب والقلق بجماعاتهم من المرتزقة القَتَلَة، فلا يدري الأمير من حرسه مَن هو معه ومَن عليه، ولا يعلم الأب إن كان رأسه سيقطع بيد أي الولدين له، وفي ذلك الزمن وتلك المحنة، قدم عدوٌّ من أوربا، فوجد الأرض تمور بأهلها، والقوم لا يدرون الصديق من الزنديق، ولما غزا التتار الأرض كانوا لهم سندًا وراحوا يسفكون دماء أهل السنة؛ فأبادوا العلماء وذريتهم، حتى أبكوا علينا اليهود والنصارى، وما أشبه الليلةَ بالبارحة! فعمليات الاغتيال والاختطاف وإعدام علماء السنة في عراقنا غالبها فُضِحت فيما بعد، وكان الجناة من الشيعة أذناب إيران، ومن الفيالق العميلة للحرس الثوري الإيراني، بل وزارة الداخلية العراقية رأس عمليات التعذيب والتصفيات وكلها من الشيعة، وتلك الأيام يداولها الله بين الناس، فما يحكى أن ... وقع ويكأن ... الفكر هو هو، والحقد هو هو، غير أن الشخوص تغايرت، أتواصوا به؟ إي وربي، فهؤلاء نسل أولئك، وعلى سيرتهم يسيرون؛ فقديمًا والأمة تذود عن حياضها ضد التتار والصليبيين، ناصَر الباطنية الغزاة، واغتالوا العلماء والأمراء والقادة العسكريين؛ ليفسحوا الأرض للغزاة، ممَّا أربك الصف الإسلامي، ولما احتلَّ الإنجليز أراضي إسلامية من الهند إلى مصر كانوا عونًا لهم، بالفتاوى المبطلة للجهاد، كفتاوى الأغاخانية بالهند، والبَهَرَة في باكستان والبهائية، والبابية في الشام، والصفوية في العراق. زد على خطَّتهم الحالية في الامتداد البشري في مناطق السنة وجميع القرى والمدن المجاورة، وهذا في سوريا والمملكة السعودية والكويت والبحرين، فهم يتمركزون في مناطق إستراتيجية حسَّاسة للأمن القومي. وأسوأ الآثار التي ترتَّبت على طلوع قرن الباطنية الشيعة من العراق هو انقسام العالم الإسلامي إلى فئتين: الأولى تقاتل على جبهتين خارجية وداخلية، وهي عامة السنة، والثانية تحالف النصارى والتتار للفتك بأهل السنة، وبعد أن كان للمسلمين خليفة واحد صار لهم أئمَّة شركاء متشاكسون، بل يثيرون النعرات الطائفية سرًّا، ويجهرون بتوحيد الصف علنًا، إذا لقوكم قالوا: آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، وإذا خلوا إلى شياطينهم من النصارى والكفرة قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون .. فهم حلفاء النصارى من أيام بني العباس أيام الحروب الصليبية، وأيام الحروب البوشية إلى يومنا هذا (١). وهذا ما فعلوه مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية السنية لمَّا دخلت القوات النصيرية لبنان، فقد دكوها أولاً، وجعلوا جثث أهل السنة فرجة في قنوات الإعلام (٢)، وما أشبه الليلة بالبارحة! ختامًا:

стр. 739

ممَّا يجب أن ينتبه إليه أهل الإسلام أن الباطنية الإسماعيلية ما زالت ليومنا هذا، ولا زالوا على عقائدهم وحيلهم في استدراج الأتباع، كانوا وما زالوا عضدًا لكلِّ غازٍ يهتك بالمسلمين من التتار إلى الصليبيين، إلى الإنجليز الذين ناصَرَهم رأس الإسماعيلية بالهند أغاخان، وهم الآن بسوريا ولبنان، ويزحفون بنشاطهم نحو الدول العربية والمناطق الإسلامية التي يخبو بها نشاط دعاة السنة، بتشجيع من الدولة الخمينية التي ما فتئوا ينصاعون لها، فالدعوة الإسماعيلية الباطنية سهم مسموم يراد غرزه في جسد العالم الإسلامي، وهم يتوغَّلون في بلاد إفريقية وآسيوية عديدة مثل: كينيا وأوغندا وسيلان وبورما، ولهم مراكز ضخمة هناك. بل سرى نشاطهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بين الزنوج المسلمين. ولك أن تعلم أن هذه الدعوة منبتها من الفلسفة، بل رؤوسها كلهم فلاسفة؛ لذا كبار مَن صنفوا من (فلاسفة المسلمين) (١) هم من الباطنية، وكبار أنصار الفلاسفة من العرب إمَّا عقلانيون على مذهب الاعتزال، أو ملاحدة شيوعيون أو شيعة، والشيعة هم من تغلب فيهم؛ لأنها تناسب أذواقهم وترسُّباتهم العقدية، وميراثهم الفكري، ومن أهم الدعاة العرب للفكر الباطني الإسماعيلي في الآونة الأخيرة: مصطفى غالب (٢)، وعارف تامر، ويُعَدَّان من المدافعين عن الإسماعيلية؛ معتبرين دورها فعالاً في الفكر الحضاري، بل الأول من أكبر الناشرين لكتب الفلسفة والمادحين للحركات الثورية الباطنية الشيعية، بل صنفا كتبًا للدفاع عن القرامطة والحشاشين، وجعلاها في مصافِّ الحركات الثورية التي أرادت إنشاء "المجتمع الاشتراكي المثالي"، ولعلهما يريدان المجتمع الشيوعي المزدكي؛ وهنا لم يخطئ أحد في الحكم؛ إذ الاشتراكية الشيوعية ربيبة المزدكية المجوسية الإباحية. فالواجب المنوط بالعلماء وطلبة العلم فضح هؤلاء، وبيان كفرهم وضلالهم، وحيلهم في التصنُّع للعامة، والتملُّق للخاصة، فالجهل بهم صار مطبقًا، حتى بين مَن يتزعَّمون التيارات السياسية الإسلامية، فما بالك بالعامة الذين تأخذ بلبِّهم زخارف القول، ودعاوي الإعلام؛ من شعارات توحيد الصف، والتآلف بين المسلمين، والتطلُّع لمقاومة العدو الخارجي، وتنميق الشخصيات الشيعية، حتى أعلن بعض قادة الأحزاب الإسلامية السنية عن أحد قادة الشيعة أنه مجدِّد للعصر، وقدوة للشباب؟! وذي هي الطامة، إذا أصبح مَن يُكفِّر الصحابة قدوة للشباب المسلم فعظم على المسلمين مصابهم، وغيب عن الوعي شبابهم، فأصبح في عنق كلِّ داعية أمانة توعية المسلمين وشباب المسلمين من الأخطار الداهمة التي ذاق المسلمون ويلاتها في القديم والحديث، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والسلام على مَن اتبع هدْي الإسلام، وسنة سيد الأنام، وهدي صحبه الكرام.

стр. 740

إعادة قراءة الولاء والبراء إبراهيم السكران ربيع الأول ١٤٣١هـ قرأت للبعض مؤخراً أطروحات متعددة حول ضرورة إعادة قراءة (الولاء والبراء)، وقضايا بغض الكافر، والزوجة الكتابية، الخ الخ .. ولما تأملت في كلامهم وجدت أنهم لم يتخلوا عن (الولاء والبراء) مثقال ذرة، ولم يتغير عندهم أي شئ حول وجود (الولاء والبراء) في تصرفاتهم وسلوكهم، وإنما الذي تحول عندهم هو (أرضية الولاء والبراء) أو المبررات التي تستحق الولاء والبراء فقط. فقد كانوا سابقاً يقولون يجب أن يبغض الإنسان كل من كفر بالله بغضاً دينياً، ثم صاروا الآن يستفظعون ذلك، لكن لو قلت لهم: إنني أحب من يعادي وطني لشنعو عليك، ولو قلت لهم: إنني أوالي أو أصافح من يعادي وطني لاعتبروا ذلك تطرفاً وتخلفاً. فالقضية يا سادة ليست تخلٍ عن الولاء والبراء، وإنما إعادة تحديد لمن يستحق الولاء والبراء، فقد كانوا سابقاً يقولون أن "الله" هو المستحق لأن يكون الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه، وصاروا الآن يقولون "الوطن" هو الذي يستحق الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه. هذه كل القضية. فالولاء والبراء لم ينته لحظة واحدة، ولكن تحول أساس الولاء والبراء من (الله) إلى (الأرض) كما أشار تعالى فقال (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٦] وقال تعالى (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ) [التوبة:٣٨] وهكذا كان فريق من الناس في عصر رسول الله ﷺ يتعاملون مع الجهاد على أسس وطنية، لا على أسس عقدية، فهم لم يرفضو القتال، ولكن يرون القتال مبرراً على أساس الوطن لا العقيدة، كما قالوا في تحليلهم الفكري لجهاد الرسول (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [الأحزاب: ١٣] إنه مشهد يتكرر، ولكنه يتكرر بألم، حين تكون الأرض أغلى في نفوسنا من الله، فيكون الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس الوطن أمراً مقبولاً، بل رقياً فكرياً، لكن الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس القرب والبعد من الله؛ فهذا كله تخلف وتقوقع في قراءات ضيقة لبعض النصوص! الأمر لا يحتاج بتاتاً كل هذه الفذلكة، لكن لأن العقيدة انهارت في النفوس، وتشبعت القلوب بالإخلاد إلى الأرض، فقد فزع البعض إلى عيون الزوجة الكتابية لعلهم يجدون بين مشاعرها عذراً لنقل ولائهم وبرائهم من (الله) ﷻ إلى (الوطن). القضية باختصار شديد، لو كانوا يريدون الحق؛ أن كل كافر فهو عدو لله بمجرد كفره كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:٩٨]، وأخبر أنه لايحب الكافرين فقال (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:٣٢] وأخبر أنه يمقت الكافرين فقال (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا) [فاطر:٣٩]. وعداوة المؤمن تبع لعداوة الله كما قال تعالى (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) [النساء:١٠١]. فكل مؤمن لابد أن يقوم في نفسه "العداوة القلبية الدينية" لكل عدو لخالقه ومولاه جل وعلا، فإن لم يجد هذه العداوة القلبية الدينية لأعداء ربه سبحانه فليبكِ على إيمانه، ولو كمل حب الله في قلبه فيستحيل أن يحب خالقه وعدو خالقه في آن واحد. إلا إن كان المؤمن يتجرأ ويقول إن أعداء الله أحبابٌ له، فهذا شأن آخر. أو كان المرء يقول: إن الكافر إذا لم يحاربنا فهو ليس عدو لله، وإذا حاربنا فهو عدو لله، فصارت كرامته أعظم في نفسه من كرامة الله، فهل يقول هذا عاقل؟!
следующие страницы →