أمَّا نظرية الخلق فهي نظرية الفيض التي تجدها عند الفارابي وابن سينا، وكلاهما من الإسماعيلية، وهذه النظرية لأفلوطين، وهي مركَّبة من خرافات عبَدَة الكواكب والنجوم، ولها امتداد عند البابليين والكلدانيين والكهنة الفراعنة، والقابالاه اليهودية في "نظرية الفوضى الخلاَّقة"، إلا أن تشقيق الكلام وزخرفته حولها (فلسفة!)، فهم يُطلِقون على الله اسم "العقل الأول" و"المبدع" و"العقل الكلي" و"النفس الكلية"، ولك أن تعجب! يصفونه بما لم يثبت لا في الكتاب ولا في السنة، وينفون عنه ما ثبت بالنص القطعي (١).
عمل الإسماعيلية إلى التوفيق والتلفيق بين الأديان، وهم من أكبر وأنشط الدعاة لنظرية توحيد الأديان، وهي ذات جذور فلسفية بغية هدم النبوَّات ليصبح الفلاسفة هم مَن يشرعون للناس عقائدهم، كما في "الجمهورية"؛ لأفلاطون، وما حاكَاه فيه الفارابي في كتاب "المدينة الفاضلة"؛ فقد جعل بإمكان الحكيم (الفيلسوف) أن يرتقي على النبي، بل هو عنده أرقى؛ إذ النبي يعلم بواسطة، والفيلسوف بجهده الفكري وملكته العقلية، وعنهم أخذ فرسان المعبد الفكرة ليضموها إلى نشاط الماسونية العالمية أكبر راعي سري وعلني بالنشاطات الاجتماعية والنوادي لدعوة التقريب بين الأديان، والبروتستانتية النصرانية أكبر راعي للفكرة من الكنائس، وكل ذاك بغية محو الأديان، وهدم الوحي، والاستعاضة بالتشريع الوضعي للفلاسفة والمفكرين ... وهم ملاحدة وضعوا العمائم على رؤوسهم أو كانوا حاسري الرؤوس.
وكمثال على التلفيق بين الإسلام والنصرانية يقول الشيعي السجستاني: "إن الشهادة مبنية على النفي والإثبات، فالابتداء بالنفي والانتهاء إلى الإثبات، وكذلك الصليب خشبتان: خشبة ثابتة لذاتها، وخشبة أخرى ليس لها ثبات إلا بثبات الأخرى، والشهادة أربع كلمات، كذلك الصليب له أربعة أطراف، فالطرف الذي هو ثابت في الأرض منزلته منزلة صاحب التأويل الذي تستقرُّ عليه نفوس المرتادين، والطرف الذي يقابله علوًّا في الجو، منزلته منزلة صاحب التأييد الذي عليه تستقرُّ نفوس المؤيِّدين، والطرفان اللذان في الوسط يَمنة ويسرة دليل على التالي والناطق، اللذين أحدهما صاحب التركيب، والآخر صاحب التأليف، أحدهما مقابل الآخر، والطرف القائم دليل على السابق الممد لجميع الحروف، والشهادة سبعة فصول، كذلك الصليب أربع زوايا وثلاث نهايات، وللزوايا الأربع والنهايات الثلاث دليل على الأئمَّة السبعة في أدوارهم، كما دلَّت الفصول السبعة في الشهادة على أئمَّة دور ناطقًا ﵇ وكل طرف منها له ثلاثة أطراف، تكون الجملة اثني عشر، كذلك الشهادة اثنا عشر حرفًا ... وكما أن الشهادة إنما تكمل عند اقترانها بمحمد - صلى الله عليه وآله - كذلك الصليب إنما شرف بعد أن وجد عليه صاحب الدور" (٢).
الإسماعيلية يبطلون معجزات الأنبياء، وينكرون النبوَّات، لكن ليس بالتصريح بل بتأويلات ملتوية لقصص الأنبياء، مع تجريد النبي من أيِّ معجزة مادية، والنبوَّة عنده دور من الوحي؛ لذا هي لم تنقطع بل تستمرُّ في الأوصياء والأئمَّة، وبين كل نبي ونبي أئمة ستة، السابع فيهم هو النبي، وذا الدور مستمرٌّ من لدن آدم إلى القيامة، وللإمام أن ينسخ شريعة من قبله، ويسمون الأنبياء بالنطقاء، وآخر النطقاء محمد بن إسماعيل؛ أي: هو آخر الأنبياء (٣).
стр. 737
تقول الإسماعيلية بتناسخ الأرواح "وقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة ... وقالوا: إنها خروج الإمام وقيام الزمان، والسابع هو الناسخ للشرع المغيِّر للأمر، أمَّا المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد، ولا الجنة ولا النار، ولكن قالوا: معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله، وزعموا أن نفوس المعاندين لمذهب الإسماعيلية تبقى أبد الدهر في النار، على معنى أنه تبقى في العالم الجسماني تتناسخها الأبدان، فلا تزال تتعرَّض فيها للألم والأسقام، فلا تفارق جسدًا إلا ويتلقاها آخر (١).
ومعنى الصلاة والزكاة عندهم: محمد وعلي، فمَن تولاَّهما فقد أقام الصلاة وآتى الزكاة ... والخمر والميسر اللذان نهى الله قربهما هما أبو بكر وعمر، لمخالفتهما عليًّا ... ثم يُقال له: (المدعو الجديد) هل تحب أن تدخل الجنة؟ ... فيذهب به الداعي (الإسماعيلي) إلى زوجته ليبيت معها ... فإذا خرج المخدوع (المدعو) من عندها (زوجة الداعي)، تسامع به أهل هذه الدعوة الملعونة، فلا يبقى منهم أحد إلا وبات مع زوجة المخدوع (المدعو)، كما فعل هو مع زوجة الداعي ... " (٢).
نظرتهم للمرأة هي نوع من أنواع المسخ الذي يصيب غير المؤمن (٣)، فهي كالحيوان؛ لأنها مجردة عن وجود النفس الناطقة؛ لذا يعتقدون أن نفوس النساء تموت بموت أجسادهن؛ لعدم وجود أرواح خاصة بهن (٤).
لذا يستبيحون الزنا بنساء بعضهم بعضًا؛ لأن المرأة لا يكمل إيمانها إلا بإباحة فرجها إلى أخيها المؤمن!
وفي ذاك اشترطوا ألاَّ يباح ذلك للأجنبي، ولا لِمَن ليس داخلاً في دينهم (٥).
أثر الحركات الباطنية في واقع المسلمين:
منذ أن قامت هذه الحركات الباطنية وهي لا تبغي إلا الإطاحة بالخلافة الإسلامية، والعودة إلى أمجاد آبائهم المجوس بإعلان الإمامة الشيعية، وهنا لا ينفصل الخطر الديني عن السياسي، فلا قوام لديانتهم ونحلتهم دون قيام دولتهم، فالحركة الباطنية الشيعية "عبارة عن دعاية خفية مستترة أكثر ممَّا هي مقاومة مكشوفة، وهذا ما جعلها مخالفة لغيرها من الفرق، وهي دعاية يحيط بها جوٌّ من الأسرار، وتغشاها أساليب المكر والمراوغة" (٦).
واختراقها لكثيرٍ من الطوائف جعلهم يبثُّون عقائدهم بينهم؛ حتى ظهر رؤوس الفلاسفة المتصوِّفة كالحلاج وابن عربي والسهروردي والبسطامي والتلمساني، وهؤلاء ممَّن جهروا بما لم يَفُه به فم؛ فقال الإمام الذهبي عن كتاب ابن عربي "الفصوص": وكل كتبه تحتمل التأويل ما عدا "الفصوص"، فإن كان ما فيه ليس بكفر، فليس في الدنيا كفر ... "، وكانت جماعة إخوان الصفا تضمُّ في صفوفها: "أبا إسحاق الصابي الحراني وهو من عبَدَة النجوم الصابئة، ويحيى بن عدي النصراني رئيس أساقفة الكنيسة اليعقوبية، وماني المجوسي، وأبو سليمان المنطقي السجستاني الإسماعيلي، فما الذي يجمع هؤلاء، ويدعوهم إلى تأليف مجمع سري؟! "، أليس نموذجًا حيًّا لتقارب الفرق والأديان؟ شياطين يُوحِي بعضهم لبعض زخرف القول غرورًا، تحزَّبوا ليرموا الإسلام رمية رجل واحد، ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.
стр. 738
وترتَّب على بزوغ قرن الفتنة الباطنية ثورات واضطرابات متلاحقة أحدثتْ فوضى عارمة، خاصة حال ما قامت لهم دويلات هنا وهناك، فديدنهم (تصدير الثورة) والدعوة لمبايعة الإمام، فطلع على أفراد الأمَّة آفات لم يدروا لها أصلاً، وصار المرء لا يأمن جاره ولا أخاه، وسرت الإباحية في عقول الشباب كالطاعون، فلم يؤتمن عازب في قريته، بل في بيت أبيه، وفتت انعدام الثقة عُرَى الوحدة الاجتماعية والدينية، فالحركة الباطنية استغلَّت الفقر والفاقة التي كانت ببعض الناس في الخلافة، فعملت على إشباع شهواتهم ممَّا يطلبون دون حدٍّ، فسهُل انقيادهم، وصاروا مصدرًا للرعب والقلق بجماعاتهم من المرتزقة القَتَلَة، فلا يدري الأمير من حرسه مَن هو معه ومَن عليه، ولا يعلم الأب إن كان رأسه سيقطع بيد أي الولدين له، وفي ذلك الزمن وتلك المحنة، قدم عدوٌّ من أوربا، فوجد الأرض تمور بأهلها، والقوم لا يدرون الصديق من الزنديق، ولما غزا التتار الأرض كانوا لهم سندًا وراحوا يسفكون دماء أهل السنة؛ فأبادوا العلماء وذريتهم، حتى أبكوا علينا اليهود والنصارى، وما أشبه الليلةَ بالبارحة! فعمليات الاغتيال والاختطاف وإعدام علماء السنة في عراقنا غالبها فُضِحت فيما بعد، وكان الجناة من الشيعة أذناب إيران، ومن الفيالق العميلة للحرس الثوري الإيراني، بل وزارة الداخلية العراقية رأس عمليات التعذيب والتصفيات وكلها من الشيعة، وتلك الأيام يداولها الله بين الناس، فما يحكى أن ... وقع ويكأن ... الفكر هو هو، والحقد هو هو، غير أن الشخوص تغايرت، أتواصوا به؟
إي وربي، فهؤلاء نسل أولئك، وعلى سيرتهم يسيرون؛ فقديمًا والأمة تذود عن حياضها ضد التتار والصليبيين، ناصَر الباطنية الغزاة، واغتالوا العلماء والأمراء والقادة العسكريين؛ ليفسحوا الأرض للغزاة، ممَّا أربك الصف الإسلامي، ولما احتلَّ الإنجليز أراضي إسلامية من الهند إلى مصر كانوا عونًا لهم، بالفتاوى المبطلة للجهاد، كفتاوى الأغاخانية بالهند، والبَهَرَة في باكستان والبهائية، والبابية في الشام، والصفوية في العراق.
زد على خطَّتهم الحالية في الامتداد البشري في مناطق السنة وجميع القرى والمدن المجاورة، وهذا في سوريا والمملكة السعودية والكويت والبحرين، فهم يتمركزون في مناطق إستراتيجية حسَّاسة للأمن القومي.
وأسوأ الآثار التي ترتَّبت على طلوع قرن الباطنية الشيعة من العراق هو انقسام العالم الإسلامي إلى فئتين: الأولى تقاتل على جبهتين خارجية وداخلية، وهي عامة السنة، والثانية تحالف النصارى والتتار للفتك بأهل السنة، وبعد أن كان للمسلمين خليفة واحد صار لهم أئمَّة شركاء متشاكسون، بل يثيرون النعرات الطائفية سرًّا، ويجهرون بتوحيد الصف علنًا، إذا لقوكم قالوا: آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، وإذا خلوا إلى شياطينهم من النصارى والكفرة قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون .. فهم حلفاء النصارى من أيام بني العباس أيام الحروب الصليبية، وأيام الحروب البوشية إلى يومنا هذا (١).
وهذا ما فعلوه مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية السنية لمَّا دخلت القوات النصيرية لبنان، فقد دكوها أولاً، وجعلوا جثث أهل السنة فرجة في قنوات الإعلام (٢)، وما أشبه الليلة بالبارحة!
ختامًا:
стр. 739
ممَّا يجب أن ينتبه إليه أهل الإسلام أن الباطنية الإسماعيلية ما زالت ليومنا هذا، ولا زالوا على عقائدهم وحيلهم في استدراج الأتباع، كانوا وما زالوا عضدًا لكلِّ غازٍ يهتك بالمسلمين من التتار إلى الصليبيين، إلى الإنجليز الذين ناصَرَهم رأس الإسماعيلية بالهند أغاخان، وهم الآن بسوريا ولبنان، ويزحفون بنشاطهم نحو الدول العربية والمناطق الإسلامية التي يخبو بها نشاط دعاة السنة، بتشجيع من الدولة الخمينية التي ما فتئوا ينصاعون لها، فالدعوة الإسماعيلية الباطنية سهم مسموم يراد غرزه في جسد العالم الإسلامي، وهم يتوغَّلون في بلاد إفريقية وآسيوية عديدة مثل: كينيا وأوغندا وسيلان وبورما، ولهم مراكز ضخمة هناك.
بل سرى نشاطهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية خاصة بين الزنوج المسلمين.
ولك أن تعلم أن هذه الدعوة منبتها من الفلسفة، بل رؤوسها كلهم فلاسفة؛ لذا كبار مَن صنفوا من (فلاسفة المسلمين) (١) هم من الباطنية، وكبار أنصار الفلاسفة من العرب إمَّا عقلانيون على مذهب الاعتزال، أو ملاحدة شيوعيون أو شيعة، والشيعة هم من تغلب فيهم؛ لأنها تناسب أذواقهم وترسُّباتهم العقدية، وميراثهم الفكري، ومن أهم الدعاة العرب للفكر الباطني الإسماعيلي في الآونة الأخيرة: مصطفى غالب (٢)، وعارف تامر، ويُعَدَّان من المدافعين عن الإسماعيلية؛ معتبرين دورها فعالاً في الفكر الحضاري، بل الأول من أكبر الناشرين لكتب الفلسفة والمادحين للحركات الثورية الباطنية الشيعية، بل صنفا كتبًا للدفاع عن القرامطة والحشاشين، وجعلاها في مصافِّ الحركات الثورية التي أرادت إنشاء "المجتمع الاشتراكي المثالي"، ولعلهما يريدان المجتمع الشيوعي المزدكي؛ وهنا لم يخطئ أحد في الحكم؛ إذ الاشتراكية الشيوعية ربيبة المزدكية المجوسية الإباحية.
فالواجب المنوط بالعلماء وطلبة العلم فضح هؤلاء، وبيان كفرهم وضلالهم، وحيلهم في التصنُّع للعامة، والتملُّق للخاصة، فالجهل بهم صار مطبقًا، حتى بين مَن يتزعَّمون التيارات السياسية الإسلامية، فما بالك بالعامة الذين تأخذ بلبِّهم زخارف القول، ودعاوي الإعلام؛ من شعارات توحيد الصف، والتآلف بين المسلمين، والتطلُّع لمقاومة العدو الخارجي، وتنميق الشخصيات الشيعية، حتى أعلن بعض قادة الأحزاب الإسلامية السنية عن أحد قادة الشيعة أنه مجدِّد للعصر، وقدوة للشباب؟! وذي هي الطامة، إذا أصبح مَن يُكفِّر الصحابة قدوة للشباب المسلم فعظم على المسلمين مصابهم، وغيب عن الوعي شبابهم، فأصبح في عنق كلِّ داعية أمانة توعية المسلمين وشباب المسلمين من الأخطار الداهمة التي ذاق المسلمون ويلاتها في القديم والحديث، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
والسلام على مَن اتبع هدْي الإسلام، وسنة سيد الأنام، وهدي صحبه الكرام.
стр. 740
إعادة قراءة الولاء والبراء
إبراهيم السكران
ربيع الأول ١٤٣١هـ
قرأت للبعض مؤخراً أطروحات متعددة حول ضرورة إعادة قراءة (الولاء والبراء)، وقضايا بغض الكافر، والزوجة الكتابية، الخ الخ .. ولما تأملت في كلامهم وجدت أنهم لم يتخلوا عن (الولاء والبراء) مثقال ذرة، ولم يتغير عندهم أي شئ حول وجود (الولاء والبراء) في تصرفاتهم وسلوكهم، وإنما الذي تحول عندهم هو (أرضية الولاء والبراء) أو المبررات التي تستحق الولاء والبراء فقط.
فقد كانوا سابقاً يقولون يجب أن يبغض الإنسان كل من كفر بالله بغضاً دينياً، ثم صاروا الآن يستفظعون ذلك، لكن لو قلت لهم: إنني أحب من يعادي وطني لشنعو عليك، ولو قلت لهم: إنني أوالي أو أصافح من يعادي وطني لاعتبروا ذلك تطرفاً وتخلفاً.
فالقضية يا سادة ليست تخلٍ عن الولاء والبراء، وإنما إعادة تحديد لمن يستحق الولاء والبراء، فقد كانوا سابقاً يقولون أن "الله" هو المستحق لأن يكون الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه، وصاروا الآن يقولون "الوطن" هو الذي يستحق الولاء والبراء على أساس القرب والبعد عنه.
هذه كل القضية.
فالولاء والبراء لم ينته لحظة واحدة، ولكن تحول أساس الولاء والبراء من (الله) إلى (الأرض) كما أشار تعالى فقال (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) [الأعراف: ١٧٦] وقال تعالى (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ) [التوبة:٣٨]
وهكذا كان فريق من الناس في عصر رسول الله ﷺ يتعاملون مع الجهاد على أسس وطنية، لا على أسس عقدية، فهم لم يرفضو القتال، ولكن يرون القتال مبرراً على أساس الوطن لا العقيدة، كما قالوا في تحليلهم الفكري لجهاد الرسول (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [الأحزاب: ١٣]
إنه مشهد يتكرر، ولكنه يتكرر بألم، حين تكون الأرض أغلى في نفوسنا من الله، فيكون الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس الوطن أمراً مقبولاً، بل رقياً فكرياً، لكن الولاء والبراء والبغض والمعاداة على أساس القرب والبعد من الله؛ فهذا كله تخلف وتقوقع في قراءات ضيقة لبعض النصوص!
الأمر لا يحتاج بتاتاً كل هذه الفذلكة، لكن لأن العقيدة انهارت في النفوس، وتشبعت القلوب بالإخلاد إلى الأرض، فقد فزع البعض إلى عيون الزوجة الكتابية لعلهم يجدون بين مشاعرها عذراً لنقل ولائهم وبرائهم من (الله) ﷻ إلى (الوطن).
القضية باختصار شديد، لو كانوا يريدون الحق؛ أن كل كافر فهو عدو لله بمجرد كفره كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:٩٨]، وأخبر أنه لايحب الكافرين فقال (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:٣٢] وأخبر أنه يمقت الكافرين فقال (وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا) [فاطر:٣٩].
وعداوة المؤمن تبع لعداوة الله كما قال تعالى (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) [النساء:١٠١].
فكل مؤمن لابد أن يقوم في نفسه "العداوة القلبية الدينية" لكل عدو لخالقه ومولاه جل وعلا، فإن لم يجد هذه العداوة القلبية الدينية لأعداء ربه سبحانه فليبكِ على إيمانه، ولو كمل حب الله في قلبه فيستحيل أن يحب خالقه وعدو خالقه في آن واحد.
إلا إن كان المؤمن يتجرأ ويقول إن أعداء الله أحبابٌ له، فهذا شأن آخر.
أو كان المرء يقول: إن الكافر إذا لم يحاربنا فهو ليس عدو لله، وإذا حاربنا فهو عدو لله، فصارت كرامته أعظم في نفسه من كرامة الله، فهل يقول هذا عاقل؟!
стр. 741
فأي تحدٍ لله تعالى أن نقر أن الله عدو لجميع الكافرين، وأن الله لايحب جميع الكافرين، ثم نتحدى ربنا جل وعلا ونقول: أما نحن فنحب بعض الكافرين؟!
وتأمل معي في قوله تعالى (هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) [آل عمران:١١٩]
فهؤلاء قوم مظهرين للمسالمة، بل يظهرون غاية المسالمة، حتى أنهم إذا لقو الذين آمنوا قال آمنا، ومع ذلك يلوم الله المؤمنين على حبهم، ولم يبح لهم حبهم بحسب ظاهرهم.
ثم تأمل معي كيف انعكست آيات البراء وبغض الكفار على أصحاب النبي ﷺ فمن ذلك أن اسماء بنت عميس وهي ممن هاجر إلى الحبشة تقول كما في صحيح البخاري (كنا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة) [البخاري، ٤٢٣٠]
فبالله عليك انظر في قول هذه الصحابية الجليلة، فأهل الحبشة مسالمون، بل نفعوا أصحاب النبي حيث وفروا لهم لجوءاً سياسياً في وقت الأزمة مع قريش، ومع ذلك تسميهم "البُغَضاء"، لماذا؟ لأن هذه الصحابية الجليلة استوعبت درس القرآن جيداً، وأن كل كافرٍ فهو قطعاً عدو لله مبغوض له مهما كان مسالماً عسكرياً.
ولما بعث نبي الله ﷺ عبدالله بن رواحة إلى اليهود لخرص الثمار خافوا أن يظلمهم فقال لهم كما عند أحمد بسند صحيح: (يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم) [أحمد: ١٤٩٦٦]
فهؤلاء كفار مسالمون وليسو محاربين، ومع ذلك يستعلن ﵁ ببغضه لهم.
وأمثال هذه النماذج كثيرة في سيرة أصحاب رسول الله من بغض الكافر حتى لو كان مسالماً، ومن الطرائف أن بعض الناس لكي يتخلص من هذا الأصل الشرعي العظيم صار يسلك استراتيجية إلصاق أحكام البراء بالوهابية، ويدعي أننا أسرى للفكر الوهابي، وأن مسألة بغض الكفار جميعاً إنما هي فكرة وهابية، الخ وهي حيلة ساذجة للتخلص من قاعدة شرعية.
والواقع أن قاعدة (البغض العقدي للكافر) قد أطبقت عليها المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة وليس مسألة ابتكرتها الدرر السنية، فقد قال السرخسي الحنفي (وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يكون في بغض اليهود) [المبسوط، للسرخسي، ٢٣/ ١١].
وتعرض القرافي المالكي لبعض الأوامر الشرعية فقال (حب المؤمنين، وبغض الكافرين، وتعظيم رب العالمين، .. وغير ذلك من المأمورات) [الفروق، للقرافي، ١/ ٢٠١]
وقال ابن الحاج المالكي أيضاً (واجب على كل مسلم أن يبغض في الله من يكفر به) [المدخل، لابن الحاج، ٢/ ٤٧]
وقال الشيخ عليش المالكي (نفوس المسلمين مجبولة على بغض الكافرين) [منح الجليل، لعليش، ٣/ ١٥٠]
وفي أشهر متون الشافعية (وتحرم مودة الكافر) [الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، للشربيني]
وقال العز بن عبدالسلام الشافعي (جنايته على أمر نفسه بالكفر أخرته، وأوجبت بغضه) [قواعد الأحكام، للعز بن عبدالسلام، ٧٢]
بل هذا ابن سعدي الذي يحاول البعض تزوير صورته وأنه كان فقيهاً تغريبياً مبكراً يوضح ﵀ التلازم بين الإيمان بالله وبغض الكافر فيقول (الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم) [تيسير الكريم الرحمن]
والمراد أن نصوص فقهاء المذاهب الأربعة لأهل السنة كثيرة في منع حب الكافر، فكيف يقال أن وجوب بغض الكفار فكرة ولدت في الدرعية وانتهت مع مؤتمرات حوار الأديان؟!
أم أن أئمة المذاهب الأربعة في القرون المتقدمة حفظوا في صغرهم "كشف الشبهات"؟! أم أرسلت إليهم نسخٌ من الدرر السنية؟!
стр. 742
أما قولهم: (إننا نقر أن الله أمر بمعاداة أعدائه كقوله تعالى (لاتتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) لكن هذه في المعتدي وليس كل الكفار أعداء لله) فهل يقول هذا من قرأ كتاب الله؟! فكل كافر فهو عدو لله أصلاً كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:٩٨]، وقال تعالى (إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) [النساء:١٠١].
وأما قولهم (أننا نقر أن الله نهى عن موالاة الكفار، لكن آيات النهي عن موالاة الكفار لايلزم منها النهي عن حبهم والأمر ببغضهم، لأن الموالاة فيها قدر زائد على مجرد الحب والبغض وهي "النصرة") فالجواب أن "الموالاة" لفظ عام يشمل الحب والنصرة، فالحب موالاة، والنصرة موالاة، والنهي عن العام يشمل جميع أفراده.
ومن ظن أن الموالاة لاتكون إلا لما تركّب منهما فقد خالف النص الذي منع الحب كقوله (ها أنتم أولاء تحبونهم ولايحبونكم) وهي في المسالمين، وخالف إجماع الفقهاء على منع حب الكافر ومودته، فضلاً عن مخالفته لما حرره الفقهاء المحققين كقول الإمام ابن تيمية (وأصل الموالاة هي المحبة، كما أن أصل المعاداة البغض) [منهاج السنة]
وأما قولهم (إننا نقر أن الله نهى عن موادة من يحاد الله ورسوله، لكن المحاد هو المحارب) فهذا تحريف لكتاب الله، فإن الله تعالى قال (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ) [التوبة ٦٢ - ٦٣]
فهؤلاء الذين حلفوا لرسول الله ليسوا محاربين، ومع ذلك جعلهم الله محادين!
ولما ذكر الله حدود الله في مطلع المجادلة قال (إن الذين يحادون الله) ومعلوم أن انتهاك حدود الله ليس محاربة، ومع ذلك جعله الله محادة لله جل وعلا.
فإن كان هؤلاء يجعلون "المحادة" هي "المحاربة" فهذا باطل بكون الله في كتابه سمى مادون المحاربة محادة، وإن كان هؤلاء يجعلون المحادة كل قول وفعل يسئ إلى الله وكتابه ونبيه وشريعته، فلايكاد يوجد كافر معاصر لايسئ لأحكام الله في التعدد والقوامة والحجاب والقرار في البيوت والقتال الخ. فهؤلاء يقولون لنا إن الموادة المهي عنها مخصوصة بالمحاد، فإذا قلنا لهم هؤلاء الذين الذين ينتقدون أحكام الشرع من مستشرقين وسياسيين ومفكرين وعامة في المجتمعات الكافرة، لكنهم مسالمون غير محاربين، هل يجوز مودتهم، عادوا وتناقضوا وقالوا نعم يجوز لأنهم غير محاربين، وتركوا علتهم الأولى وهي المحادة!
وأما احتجاجهم بترخيص الشارع في الزواج بالكتابية، وأن هذا ينقض كل الآيات والأحاديث والآثار وإطباق المذاهب الأربعة، فقائل هذا الكلام ليست إشكاليته إشكالية مسألة مفردة بعينها، بل لديه إشكالية منهجية، وهي ترك الأصول الظاهرة وتحويل الاستثناء والمحتمل إلى قاعدة!
والجواب عن استدلالهم بـ (أن الله أباح الزواج بالكتابية، والزواج يفضي للمودة) أن يقال:
المودة الحاصلة بالزواج بالكتابية هي أمر كوني قدري، وأمر الله ببغض الكافر أمر شرعي ديني، وأوامر الله الشرعية لايعترض عليها بالأمور الكونية. والمحتج بذلك هو نظير من يقول: أن الله خلق الخلق مختلفين ولن يزالوا كذلك، فلا داعي للأمر بالجماعة والائتلاف! فأبطل أمر الله الشرعي بالأمر الكوني.
أو كمن يقول أن قضى على العباد أن تقع منهم المعاصي، وأخبر أن بني آدم مذنبون خطاؤون، وعليه فلا داعي لأن ننهى الناس عن المعاصي، فأبطل أمر الله بعدم معصيته بناء على الأمر الكوني من وقوع المعاصي!
وهكذا، فكيف يعترض على أمر الله ببغض الكفار، بأمر كوني قدري وهو وقوع المتزوج في حب زوجته؟!
стр. 743
ثم إنه لا يمتنع أن تكون بين الزوجين عداوة دينية كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) [التغابن: ١٤]
فالله أثبت احتمال قيام العداوة الدينية بين الزوج والزوجة، فلا أدري لماذا يأخذون آية (خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) [الروم: ٢١] والتي تتحدث عن المودة القدرية الكونية، ولايضمون معها هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) [التغابن: ١٤] والتي تثبت احتمال قيام العداوة الدينية.
ثم إن المودة التي ذكرها الله بين الزوجين لايلزم منها أن تكون دوماً هي الحب، بل قد يكون المراد بها الصلة والإحسان كما قال تعالى (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فالنبي لايطلب أن يتحاب مع كفار قريش وإنما كما في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال (إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة) [البخاري:٤٨١٨]
ثم إن مايجده الإنسان في نفسه من الولاء والحب لوالده وشقيقه أعظم مما يجده من الولاء لزوجته، ومع ذلك قطع الله موالاة الأب الكافر المسالم، والشقيق الكافر المسالم، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ) [التوبة:٢٣]
ثم إن أهل العلم بينوا أنه مورد الأمرين مختلف أصلاً، فبغض الكافر المسالم وعداوته القلبية هي بغض وعداوة قلبية دينية، أما المودة التي تقع بين الزوج والزوجة فهذه مودة غريزية فطرية، ولايمتنع أن يجتمع الأمران في شخص واحد.
وأما قولهم (إنه يمتنع أن يجتمع في الشخص الواحد محبة وبغض، وبالتالي فما دام يجوز أن يحب زوجته الكتابية فلينتفِ البغض الديني عنها!) فهذا كلام ساقط، فإن الدواء يجتمع فيه الحب والبغض، فهو محبوب من وجه مبغوض من وجه، وهذا مثال يكرره أهل العلم كثيراً للتدليل على كيفية اجتماع الحب والبغض في شخص واحد.
ونظير ذلك في الشرعيات أن القتال في سبيل الله يجتمع فيه كره طبيعي لما فيه من إيذاء النفوس، وحب شرعي لما فيه من الثواب العظيم، كما قال تعالى في الكراهية الطبيعية للقتال (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البقرة:٢١٦] وقال تعالى في الحب الشرعي للقتال (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [التوبة:٩٢].
فانظر كيف أخبر أنهم يكرهون القتال طبعاً، ثم تفيض عيونهم من الحزن إذا فاتهم القتال لحبهم إياه شرعاً وديانة!
فمن أنكر الكره الطبيعي للقتال فقد كابر، ومن أنكر الحب الشرعي للقتال فما عرف معنى الإيمان بعد، فإن أثبت اجتماعهما في محل واحد فكيف ينكر اجتماعهما في شخص واحد وهو الزوجة الكافرة؟!
وكذلك فإن كل نفس تجد في داخلها كراهية السجن كراهية طبيعية، ولكن لما كان فيه مصلحة شرعية ليوسف ﵇ صار أحب إليه شرعاً وإن كان يبغضه طبعاً، كما قال تعالى عن يوسف (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف:٣٣].
стр. 744
وكذلك فإن الإنسان إذا تصدق بأنفس ماله عنده اجتمع في هذا الفعل حب وبغض، فهو يحب ماله طبعاً، ويحب التخلي عنه والصدقة به شرعاً، كما قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:٩٢] وقال تعالى (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) [البقره: ١٧٧] وقال تعالى يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ) [الإنسان:٨].
وأما قول بعضهم (إن الحب والبغض عمل قلبي يهجم على القلب لاحيلة فيه، وبالتالي يعفى عن حب الكفار) فمؤدى كلام هؤلاء إخراج الحب والبغض عن أصل التكليف، وبالتالي إبطال كل أوامر الحب والبغض التي أمر الله بها ورسوله، فصار أمر الله بحبه، وحب رسوله، وحب الأنصار، وحب آل البيت، وغيرها من الشرائع، كلها لغو وعبث لاقيمة له لأن الحب والبغض شأن قلبي يهجم على الانسان ولاحيلة له فيه.
بمعنى أن قول النبي مثلاً في صحيح البخاري (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) لو جاء شخص وقال الحب عمل قلبي يهجم على المرء بلا حيلة، ولا أجد في نفسي حب النبي أكثر من والدي وولدي؟! فهل هذا مقبول؟!
ولذلك لما جاء عمر وأخبر النبي بما في نفسه لم يقبل النبي هذا الكلام، وصحح له هذا الفهم، حتى ارتقى إيمان عمر، كما في البخاري (يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر، فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي ﷺ الآن يا عمر).
فعمر حين قال (لأنت الآن أحب إلي من نفسي) إنما جاهد نفسه حين عرف ثواب الحب، فالحب والبغض يحصل بالمجاهدة.
ولذلك فإنه لما أبغض بعض الناس بعض التشريعات بغضاً دينياً جعل الله ذلك منهم ردة وخروجاً عن الإسلام ولم يقل الحب والبغض شعور يهجم على القلب لاحيلة له فيه! كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:٩]
وأما قول بعضهم (بعض الكفار يحسنون إلينا، فكيف نكرههم وهم يحسنون إلينا، ولايوجد إنسان سوي إلا وهو يحب من أحسن إليه، ويجد ذلك في نفسه ضرورة). فهؤلاء المعترضين بمثل ذلك لم يتفطنوا إلى أن الحب هو حصيلة أفعال المحبوب، والبغض هو حصيلة أفعال المبغوض، فهذا الكافر أحسن إليك بمال أو هدية أو ابتسامة لكنه أساء إلى ربك بالكفر، وربك أغلى عليك من نفسك، ولذلك فإساءته لك أعظم أضعافاً مضاعفة من إحسانه المادي إليك، إلا إن كانت نفسك أغلى عليك من ربك وخالقك، وصرت ترى أن من أساء إليك فهو مستحق للبغض، لكن من أحسن إليك واساء لخالقك فهو مستحق للحب، فقائل هذا قد جعل نفسه أعظم من الله ولاحول ولاقوة إلا بالله، وإلى هذا المعنى أشار السبكي إشارة بديعة للغاية حين قال في فتاواه:
(والذي يظهر أن النفوس الطاهرة السليمة لا تبغض أحدا ولا تعاديه إلا بسبب، إما واصل إليها، أو إلى من تحبه أو يحبها, ومن هذا الباب عداوتنا للكفار بسبب تعرضهم إلى من هو أحب إلينا من أنفسنا) [انظر فتاوى السبكي، ٢/ ٤٧٦]
فمن اعترض بالقول أنه ليس من المروءة أن أبغض كافراً أحسن إلي؟ فيقال له: بل ليس من المروءة أن تحب كافراً أساء لخالقك لمجرد أنه رشاك بلعاعة من الدنيا، فخالقك قد أحسن إليك أضعاف أضعاف ما يقدمه لك هذا الكافر، بل لانسبة للنعم التي أعطاك إياها خالقك ولعاعة الدنيا التي أعطاك إياها هذا الكافر.
стр. 745
وعلى أية حال فإن من يستحضر أن هذا الكافر يسئ إلى الله بجحد إلهيته أو نبوة محمد ولم يهجم على قلبه بغضه قلبياً فهذا يعني أنه قلبٌ ميت، فليبك على قلبه، فإن القلب الحي لايرضى بأن يساء لخالقه ومولاه، إلا إن كان يعتبر الكفر وجهة نظر شخصية لاتغضب الله!
وأما قولهم: (كيف أكرهه وأحبه وقد يكون في داخل الأمر على خلاف ماهو عليه؟ بمعنى قد أعتقد أنه كافر لكنه في حقيقة الأمر مسلم) فيقال الحب والبغض من الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية تعلق بالظاهر، ولذلك كان تطبيق هذا الحكم على الأعيان مسألة اجتهادية قد يصيب المرء فيها وقد يخطئ خطأً مغفوراً، ولذلك قال ابن تيمية (ثم الناس في الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، هم أيضا مجتهدون يصيبون تارة ويخطئون تارة) [الفتاوى ١١/ ١٥]
وقبل ذلك نبه الإمام محمد بن الحنفية كما رواه اللالكائي عنه حيث يقول ﵀ (من أبغض رجلا على جور ظهر منه، وهو في علم الله من أهل الجنة؛ أجره الله كما لو كان من أهل النار).
وأما قولهم (الكفار متفاوتون فكيف نجعلهم سوياً في البغض والمعاداة القلبية؟!) فهذا غير صحيح، ولم يفتِ أحد من أهل السنة بكون الكفار سواءٌ في البغضاء، فإن الكفر يتفاوت في ذاته، كما يتفاوت الإيمان، ولذلك فإنه كما يكون في أهل الخير أئمة في الإيمان كما قال تعالى (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) فإنه كذلك يكون في الكفار أئمة فيه كما قال تعالى (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) [التوبة:١٢].
وكما يتفاوت حب أهل الإيمان بحسب رسوخهم وإمامتهم فيه، فكذلك تتفاوت معاداة وبغض الكفار بحسب رسوخهم وإمامتهم فيه.
وأما قولهم (إن تغيير الحكم الشرعي في بغض الكفار سيكون له دور في الترويج للاسلام والدعوة) قائل هذا الكلام عكس النتيجة كلياً، بل تحريف النصوص الشريحة في بغض الكفار أعظم ذريعة إلى الطعن في علماء الإسلام ودعاته أنهم كذابون مخادعون يتلاعبون بنصوص شريعتهم لأجل مصالح حركية! إنه لايخدم صورة الإسلام مثل العلم الصحيح الصادق، قد يتدرج العالم أو الداعية في تنفيذ بعض الأحكام، أما تحريف الأحكام الشرعية فهذا لايقع من عالم صادق لأجل أي مصلحة موهومة! وشتان بين التدرج والتحريف، على أن بعض أهل الأهواء يحتجون بأفعال النبي وعمر بن عبدالعزيز في التدرج على التحريف!
ثم افترض أننا استطعنا عبر عمليات تجميلية تحريف نصوص (بغض الكفار) فماذا سنصنع بقوله تعالى عن الكفار (إن هم إلا كالأنعام) وقوله تعالى (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا) وقوله تعالى (كمثل الحمار يحمل أسفارا) وقوله تعالى (إنما المشركون نجس) وقوله تعالى (وأن الله مخزي الكافرين) وقوله تعالى (يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) وقوله تعالى (أعزة على الكافرين) وقوله (فإن علمتموهن مؤمنات فلاترجعوهن إلى الكفار لاهن حل لهم ولاهم يحلون لهن) الخ الخ؟!
هل سنحرف كل هذه الآيات ونظائرها حتى نقوم بترويج الإسلام والدعوة؟! هناك ملفات كثيرة يريد متفقهة التغريب العبث بها، لكن آخر مايمكن أن يحرفوه هو موقف القرآن من الكافر، لقد وضع القرآن الكافر في غاية مايتصوره العقل البشري من دركات المهانة والحقارة والانحطاط واستعمل القرآن كل التعابير الممكنة في بيان رجسية الكافر، فأي تأويل يارحمكم الله يمكنه أن يتلاعب بهذه الآيات القرآنية؟!
على أية حال .. هل تدري أين جوهر المشكلة في كلام هؤلاء الذين يريدون تغريب العقيدة؟ إنها في حرمان المسلمين من أوثق عرى الإيمان (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله).
الله ينبهنا ويقول بكل وضوح (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:٣٢] ويقول (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [الروم:٤٥] وأنتم تقولون: فأما نحن فنحب بعض الكافرين، ألا تخشون من الله وأنتم تتحدون محاب الله ومباغضه؟!
وهذه المسألة من أوضح تطبيقات تقديم المتشابه على المحكم، وعاهة (تقعيد الاستثناءات) أي تحويل الاستثناء إلى أصل، والأصل إلى استثناء، فالله أمر ببغض الكفار وأجاز نكاح الكتابية، فأخذوا الاستثناء وهدموا به الأصل! فهل هذا إلا فعل أهل الأهواء؟!
فكفُّو يارحمكم الله عن تشذيب الإسلام وقصقصته لأغراض التبسم في مؤتمرات إنشائية يخدع بها الحاضرون أنفسهم!
стр. 746
معايير تحديد أولويات المواجهة
إبراهيم السكران
هناك فريق من الناس يشنع كثيراً على دعاة أهل السنة بالقول بأنهم لا يرتبون الانحرافات بشكل صحيح، فتراهم يردون على من يخالفهم في بعض الملفات الشرعية، ويدعون العلمانيين الأقحاح، أو يقولون أحياناً: سلِم منكم اليهود والنصارى ولم يسلم منكم مفكرون لازال يشملهم الإسلام. أو يقولون أحياناً: أهل السنة يحتاجون إلى الوعي بأي الحروب أولى بالمواجهة. أو يقولون في أحيان أخرى: هرم الانحرافات يقف بالمقلوب في الوعي السني!
وقد لاحظت أن أغلب من يردد هذه الحجج هم التيارات المنتسبة للاستنارة الإسلامية، والإصلاح السياسي، ويرددها -أيضاً- تيار جديد بدأ يظهر على الساحة الآن وهو تيار (الوطنية الإسلامية) وهو تيار يعلن -بمناسبة وبلامناسبة- ولاءه السياسي الكامل والمطلق، ويتعامل مع المخالفين على أساس أنهم "شركاء في الوطن"، ويؤسس شرعية مطالباته وقائمة أجندته الفكرية على أساس "ثوابت الوطن"، ويتحاشى بطريقة فوبيّة غريبة أية لغة يفهم منها البناء على أسس "عقائدية".
على أية حال .. لسنا معنيين كثيراً بمن يردد هذه الحجج، ولكن يعنينا هاهنا أن نحلل مدى شرعية هذه الحجج؟ وهل تتفق مع المنهج الدعوي عند أهل السنة، أم هي بدعة وإحداث في دين الله؟
حين نعيد تأمل هذه اللافتات التي يرفعونها حول "أولويات بيان الانحرافات والرد على المخالفين" نلاحظ أنها تنطوي على "معيار" ضمني، هذا المعيار هو بكل وضوح أن أولوية الرد على المخالف تتحدد على أساس "حجم الانحراف" فالملحد أولى بالرد من العلماني، والعلماني أولى بالرد من المخالف المنهجي لأهل السنة، والمخالف المنهجي لأهل السنة أولى بالرد على الخطأ الفقهي الجزئي، وهكذا.
ولذلك إذا رأو عالماً أو داعية يرد على "مخالف منهجي" لأهل السنة، قالوا له: سلم منك الملاحدة والعلمانيون وجئت ترد على من يشاركك أكثر الأصول والهموم؟!
هذا الموقف منعكس عن مقياس يجعل الأولوية مرتبطة بمراتب الانحراف ذاته.
فما مدى صحة هذا الموقف؟
الحقيقة أنه وبأدنى تأمل في طريقة السلف الصالح وأئمة الهدى فإن الباحث يعرف أن هذا معيار باطل مخالف للمنهج الدعوي عند أهل السنة، ومن تأمل ردود أهل السنة من الصحابة والتابعين وأئمة الأمصار من بعدهم فإنه سيلاحظ أن هناك معياراً مختلفاً كلياً.
فالمعيار عند أهل السنة لا يربط أولويات المواجهة بـ (حجم الانحراف)، وإنما يربط أولويات المواجهة بـ (حجم الحاجة إلى البيان).
تأمل معي بعض هذه النماذج، في الصحيحين أن عبد الله بن عمرو قال رجعنا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق تعجل قوم عند العصر فتوضئوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فأخذ رسول الله ينادي بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار.
لو طبقنا معيار الطوائف الفكرية بأن البيان والرد يكون على (حجم الانحراف) لقلنا: لماذا يهتم النبي وينادي بأعلى صوته بقضية جزئية لا تتعدى أن بعض الناس بسبب السرعة نسوا جزءاً يسيراً من أقدامهم لم يمسه الماء؟! هل يسوغ أن نقول: الأمم من حول النبي فيهم اليهود والنصارى وعبدة النار والمشركون، والداخل الإسلامي يعاني من الفقر، ومع ذلك يعتني النبي بقضية جزئية تتصل بأحد جزئيات الطهارة؟
هذه التساؤلات لا يستطيع أن ينفك عنها العقل الذي تشبع بالمعيار الفكري بأن الرد والبيان يكون على حجم الانحراف، أما العقل الرصين الذي تشبع بالمعيار الشرعي بأن الرد والبيان يكون بحسب الحاجة إلى البيان فإنه يفهم هذا الفعل النبوي فهماً صحيحاً.
стр. 747
وهذا المثال طبّقه على سائر مواقف النبي ﷺ التي غضب فيها وأظهر فيها اهتماماً واضحاً في مسائل جزئية فقهية يحتمل الخلاف فيها، وقارنها بحال المجتمع النبوي الذي يحيط به أصناف الكفار، وفي داخله أعتى المنافقين، ويعج بالفقراء والمعوزين، ومع ذلك كله يهتم النبي بجزئيات المسائل ويرد على أناس من الداخل الإسلامي ذاته.
وإذا شاء القارئ الفاضل المزيد من هذه النماذج فيمكنه مراجعة بابٍ لذيذٍ إلى الغاية عقده عبقري السنة الإمام البخاري في صحيحه باسم (باب الغضب في الموعظة والتعليم) وهو موجود في الصحيح في (كتاب العلم) فقد ساق فيه شواهد نبوية على اهتمام النبي وغضبه في مسائل جزئية، وعلى أية حال فكتاب العلم في صحيح البخاري إذا تأمله طالب العلم وجد أنه يحسم كثيراً من مسائل النزاع في المنهج الدعوي لأهل السنة.
خذ مثالاً آخر، حين مات النبي ﷺ كان جيش أسامة لغزو الروم قد عقدت رايته، وفي الداخل الإسلامي ظهرت طائفة تنكر وجوب دفع الزكاة لأحد بعد رسول الله، فجهز أبوبكر الجيوش لقتالهم، برغم أنهم يعلنون أنهم مسلمون ويقولون "لا إله إلا الله"، لكن لديهم تأويل لآيات الزكاة بأن المخاطب والمختص بأخذها هو النبي لا غيره فكانوا يقولون: كيف يحق لأبي بكر أن ينزل نفسه منزلة النبي في هذه الفريضة؟!
وقد شرح الإمام ابن تيمية تأويلهم فقال (وأما مانعوا الزكاة فقد ذكروا أنهم قالوا: إن الله قال لنبيه "خذ من أموالهم صدقة" وهذا خطاب لنبيه فقط، فليس علينا أن ندفعها لغيره، فلم يكونوا يدفعونها لأبي بكر ولا يخرجونها له) [الفتاوى، ٢٨/ ٥٤٢]
فهؤلاء منتسبون للإسلام، ومتأولون لا في أصل الزكاة، بل في حق أبي بكر باستلامها، حتى أن بعض كبار الصحابة أشكلت عليه المسألة بادئ الأمر كما قال عمر (كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله)، ومع ذلك فقد جرد ابوبكر سيفه وجهز الصحابة لقتالهم، بكل ما يتضمنه القتال من سفك الدماء وغنيمة الأموال.
فلم يقل ابوبكر: جيش أسامة على تخوم البلقاء يقاوم الروم النصارى، ونحن نقاتل متأولين في مسألة فيها احتمال! بل علم بفقهه الدقيق أن مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في تحريف الإسلام من الداخل في مثل هذا الظرف لا تقل عن أهمية مواجهة النصارى.
فلو طبقنا المعيار الفكري بأن (المواجهة على قدر الانحراف) لقلنا أخطأ أبوبكر، لأن مواجهة نصارى الروم وهم كفار أصليون محاربون أولى من مواجهة متأولين في الداخل المسلم يقولون لا إله إلا الله، فضلاً عن مقاتلتهم!
لكن لو طبقنا المعيار الشرعي بأن (المواجهة على قدر الحاجة إلى البيان) لاستوعبنا حنكة أبي بكر ودقة فقهه وعمق علمه بدين الله، ولذلك تكلم علماء الإسلام كثيراً عن البركات التي حصلت بعزمة أبي بكر على قتال المتأولين في الزكاة.
ويمكن أن نشاهد هذا المعيار السني في تطبيقات الصحابة بشكل عام، كمثل تشديد ابن مسعود على المتأولين في الذكر الجماعي، وتشديد ابن عمر على المتأولين في كون المعاصي مقدرة (وهم الذين سموا القدرية لاحقاً) برغم أنهم لم ينكروا أصل القدر، بل تأولوا بعض معناه فقط، وبرغم أنهم ينتسبون للعلوم الشرعية كما يصفهم الراوي في صحيح مسلم حين جاء يسأل ابن عمر (فقلت أبا عبد الرحمن: إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم - وذكر من شأنهم - وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف)، ومع ذلك كله قال فيهم ابن عمر مقالته الشديدة المعروفة.
فهل يصح القول: كيف يشدد الصحابة على هذه الاجتهادات في التأويل ويدعون الملاحدة واليهود والنصارى والمجوس والولاة الظلمة والمظالم المالية؟!
стр. 748
بحسب معيار الطوائف الفكرية المعاصرة، نعم، فإن معيارهم سيقودهم إلى التورط بإدانة الصحابة ذاتهم، لكن بحسب المنهج الدعوي عند أهل السنة فهذه المواقف الصحابية معدودوة في مناقبهم ومن شواهد عمق فقههم وعلمهم.
وهكذا -أيضاً- انظر في أقوال الأئمة الأربعة في بدعة تأويل الصفات الإلهية، وكيف كانت مواقفهم الشديدة التي وصلت للحكم بكفر المعين أو لعن المعين على أمثال الجهم بن صفوان وعمرو بن عبيد وحفص الفرد ونحوهم (وأقوال السلف في هذا الباب مجموعة في العلو للذهبي واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم).
فهل يمكن أن نقول للأئمة الأربعة - أبوحنيفة ومالك والشافعي واحمد- أنتم تصرفون جزءاً من وقتكم في التشديد البليغ على من يتأول بعض نصوص الصفات وهي مسائل تحتملها لغة العرب، وتتركون الملاحدة واليهود والنصارى والفساد السياسي في عصوركم؟!
هذه الطوائف الفكرية تنتج معايير ولا تراعي أن معاييرها تقودها إلى إدانة السلف ذاتهم! وهم يتفاوتون في الموقف من ذلك، فبعضهم يطرد قاعدته وأصله ولا يبالي إن كانت قاعدته تقتضي انتقاص السلف واستجهالهم واستبلاههم، وبعضهم فيه بقية دين فيتحاشى أن يطبق قاعدته على عمل السلف، ويفضل أن يعيش بهذا التناقض على أن يواجه لوازم قاعدته.
ومن تطبيقات هذه الإشكالية: ظاهرة "الإباحية الفقهية" المعاصرة، وهي أن بعض أصحاب تدجين الخطاب الدعوي المتصدرين في الفضائيات اليوم صاروا يسلكون منهج "تتبع رخص العلماء وزلاتهم والفتيا بها" بشكل واضح، بل وباندفاع في هذا المجال وتصفيق إعلامي ملفت، وصار عند هؤلاء "لجان علمية" وظيفتها البحث في كل مسألة عن من أباحها من أهل العلم للفتيا بموجب ذلك، لجان يسمونها علمية كل وظيفتها "البحث عن مبيح"!، وتتاح لهم برامج أوقات الذروة ليحقنوا المسلمين المستهدفين بزلات العلماء، كان الله في عوننا نحن المشاهدين المساكين، فبدلاً من أن نجد علماً يحي قلوبنا، صرنا نجد شبهات تربت على أهوائنا لنستكين على وضعنا، شخصيات تصدرت للناس بدلاً من أن تكون وظيفتها إحياء الإيمان في النفوس، صارت وظيفتها توهين التدين في نفوس الناس، وتوفير مبررات الفتور التعبدي والبرود الدعوي.
المهم .. أنه إذا قام أحد علماء ودعاة أهل السنة ببيان الانحراف في عين فتوى بذاتها، أو تجاه مسلك هذا الرجل بعمومه، قاموا عليه وأخذوا يتساءلون باستغراب: تترك العلمانيين وتأتي لهذا المنتسب للدعوة؟! هذا خلاف فروعي لا يستدعي منك أن تكتب في بيانه؟! تترك المخالف في الأصول ترد على المخالف في الفروع؟! ونحو هذه العبارات.
وإجابة على هذه الدعوى يقول أبو العباس ابن تيمية ﵀ مبيناً أن الحاجة للبيان في مثل هذه المسائل قد تفوق الحاجة للبيان في بعض مسائل العقيدة الظاهرة لكل أحد، كما يقول ﵀:
(فإن فتوى من مفتٍ في الحلال والحرام، برأيٍ يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء, وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره, فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت, وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة، بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد، ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة, وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير) [الكبرى، ٦/ ١٤٤]
فبالله عليك تأمل في عمق هذا الفقه، حيث جعل الرد على بعض الفتاوى الفروعية التي شذت عن طريق أهل العلم، قد تكون أولى بالبيان من بعض البدع الكبرى، لأن الأولى خفية والثانية ظاهرة، فجعل المعيار ﵀ ليس حجم الانحراف، بل مدى حاجة الناس للبيان.
وثمة مقولتان للعلامة المتفنن بكر أبوزيد كلما قرأتهما رقصت جوانحي طرباً لهما، وما رأيت كلام هذه الطوائف الفكرية في هذا الباب إلا تذكرت عبارته يرحمه الله، وهاتان العبارتان كلاهما مذكورتان في كتابه "الردود"، فأما العبارة الأولى فهي قوله ﵀ وغفر له:
(إذا رأيت من رد على مخالف في شذوذ فقهي، أو قول بدعي، فاشكر له دفاعه بقدر ما وسعك، ولا تخذله بتلك المقولة المهينة " لماذا لا يرد على العلمانيين") [الردود، بكر أبوزيد، ٤٩]
وأما العبارة الثانية فهي قوله ﵀:
(فقل لي بربك: إذا أظهر المبطلون أهواءهم، والمرصدون في الأمة: واحد يخذّل، وواحد ساكت، فمتى يتبين الحق؟) [الردود، بكر أبوزيد، ١٧] وعلى أية حال .. أولئك الذين يلومون علماء ودعاة أهل السنة على مقاومتهم للانحرافات المنهجية -حتى المنتسبة منها للفكر الإسلامي- بحجة أن مقاومة اليهود والنصارى والملاحدة والعلمانيين أولى إنما يتمسكون بحجة مؤداها الإزراء بجهود النبي وأصحابة وأئمة الهدى من بعدهم في العناية بسائر تشريعات الإسلام كليها وجزئيها، وأن جهود البيان والرد عندهم ليست مرتبطة بحجم الانحراف، بل مرتبطة بمدى حاجة الناس للبيان.
والله أعلم.
стр. 749
حرس الحدود والمسلك الأبلق
الشيخ الدكتورعبد العزيز العبد اللطيف
المتغيرات تتلاحق، والضغوط بشتى صورها تتابع، والنفوس البشرية يعتريها الضعف والفتور، واستملاح الدّعة والترهل، والتنصل من تبعات الدعوة والنكوص عن مدافعة الشهوات والشبهات ..
هذا الواقع الرديء صار مرتعاً خصباً لظهور مسلك أبلق، لا أبيض ولا أسود، هو أنموذج للتلوّن، والمحافظة على " طرائق التذبذب "، فأصحاب هذا المسلك لديهم من الديانة والعقل ما يحفظهم من الانحدار إلى غثاثة التزلف، والتصنع والنفاق، وهم في نفس الوقت لديهم من " الحسابات " و"القناعات". ما يجعلهم في عافية عن المواقف الواضحة! وفي منأى عن الاحتساب والمدافعة ..
هذا المسلك يتحرى أن لا يقلق الأنظمة والحكومات، إذ يمكنه أن يقدِّم الدين والسنة بما لا يزعج ولايقلق الحكومة.
ومن مقاصد هذا المسلك: ملاينة أهل البدع، والاعتذار لأهل الأهواء، والتكلّف في تبرير شكهم وشطحهم .. كما أن أرباب هذا المسلك يلوكون ألفاظاً حادثة ومصطلحات جديدة كالحوار والإنسانية والمصلحة الوطنية .. وآخرها محاربة الطائفية .. وفي نفس الوقت يتوارى أحدهم عن اللغة الشرعية والمصطلحات الدينية والنبوية .. فإذا تحدث أحدهم فلا تدري أهو محلل سياسي - فاته القطار - أم ناشط حقوقي - أخطأه الصواب!
أما تخصصه الشرعي فقد غيّبه مُجاراةً للعصر ومواكبة للتطور! وأما عن مدافعة المنكرات المتوالية .. فقد يلوذ أصحاب هذا المسلك بالصمت متدثرين بالتعقل وبعد النظر، وإظهار الرزانة والثقل.
بعد هذه المقدمة ندلف إلى مناقشة مقال كتبه الشيخ الدكتور / حاتم العوني بعنوان طويل: (إذا أصبح حرسُ الحدود الطائفية يمارسون وظيفة حرس الحدود بين الإسلام والفكر) في ملحق الرسالة في جريدة المدينة الخميس ١٣/ ٢ / ١٤٣١ هـ.- استهل الشريفُ مقاله بالتحذير من" الإحتقان الطائفي" .. و"التأزم الطائفي" .. وكان المتعيّن ابتداءً أن يحرر مصطلح (الطائفية) وما فيه من الإجمال وأن يُعنى بالتعرّف على ملابسات هذا المصطلح وظروف نشأته، دون هذا الانسياق في التحذير منه بإطلاق، ومجانبة التبعية والمجاراة للواقع السياسي والأمني بعُجَره وبُجَره، ففي الآونة الأخيرة برزت مصطلحات وافدة كإنسانية ووطنية .. ومعالجة الطائفية .. ثم إن بعض المتمشيخة يرفعون عقيرتهم بهذه العبارات بل ربما كانوا أكثر حماساً واندفاعاً من دعاة الإنسانية والوطنية أنفسهم!
- إنها انهزامية مكرورة، قد يكون باعثها مجاملة الواقع الحاضر، وإظهار الدراية ... بقضايا العصر، وحتى لا يتهم الشيخ بالجهل أو ضيق الأفق ..
ثم ينجرف هؤلاء المتمشيخة في نفق هذه المصطلحات بحلوها ومرها وزيفها وبريقها.
стр. 750
- أعجبني ما خطّه يراع الكاتب المبدع إبراهيم السكران تحت عنوان: (وما العيب في الطائفية؟!) وأَجتزأ منه هذه السطور الآتية: (تحولت هذه اللافتة .. (كلام طائفي) إلى مبرر كافٍ لإدانة أي فتوى ضد الطائفة التي ضلت عن شئ من الشريعة، بمعنى لا تحتاج إلى أية أدلة في نقض الفتوى، بل يكفي فقط أن تثبت أنها فتوى طائفية، بعد ذلك أصلح حنجرتك لترتل لطميات النياحة ضد هذه الفتوى، لماذا؟ لأنها فتوى طائفية! برغم أن إدانة أي طائفة ضلت عن شئ من الشريعة هذا مبدأ قرآني، وسنأخذ مثالاً قرآنيا لذلك يشابه واقع الطائفة الشيعية اليوم، فقد جاء طائفة من المسلمين في عصر النبي ﷺ وقامو بـ " سب الصحابة " فقالوا عنهم: ((مارأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة))، فأنزل الله عليهم تكفيراً طائفياً، فقال - تعالى - في سورة التوبة: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ التوبة ٦٦فهذه إدانة على أساس الطائفة، وبين أنهم كفروا بعد إيمانهم، بمعنى أنهم كانوا مسلمين قبل ذلك، لكن بسبهم أصحاب النبي كفروا، وكان تكفيرهم على أساس الطائفة).
- من عبارات الشريف حاتم التي يكثر من تردادها: الولع بتهذيب الحماس وتشذيبه، والوله بـ (الحماس المنضبط)، وساق عبارة هلامية (بَلْقاء): - (لن تنتصر دعوة ما ولو كانت دعوة للاعتدال بغير حماس منضبط .. ) فلم يحدد فضيلته ضابط الحماس المنشود! أهو التسليم للشرع المنزل؟ أم الاستسلام للواقع والاستجابة لضغوطه! فدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ حققت انتصارات، فهل يعني أنها حظيت بالحماس المنضبط الذي يروق للشريف؟!.
كان الشريف - في حلقة بثتها قناة المجد منذ سنوات - متوتراً و" محتقناً " جرّاء فتوى أصدرها المشائخ الفضلاء (ابن جبرين ﵀، والشيخ عبد الرحمن البراك، والشيخ عبد العزيز الراجحي) بشرعية مقاطعة المنتجات الدانمركية، لما حصل التطاول على مقام سيد المرسلين ﷺ ، بل إن حماسه (المنضبط) أفضى إلى تحجيم وتقليل جدوى هذه الفتوى والمقاطعة! والتشبث بسراب الحلول الدبلوماسية ومشتقاتها.
فهل من الحماس المنضبط أن يُخاصم هؤلاء العلماء وتختزل النصرة للنبي ﷺ في بيانات الحملة (المسالمة؟
لا أدري ماذا سيقول الشريف عن حماس ابن تيمية عندما قال ﵀: (فإن الكلمة الواحدة من سبّ رسول الله ﷺ لا تُحتمل بإسلام ألوف من الكفار، وَلأَنْ يظهر دين الله ظهوراً يمنع أحداً أن ينطق فيه بطعن أحبُّ إلى الله ورسوله من أن يدخل فيه أقوام وهو منتَهك مستهان) (الصارم المسلول ٣/ ٩٣٩)
بل ندعْ ابن تيمية، فإن توتر الشريف من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد يطول ابن تيمية! ونسوق عبارة لأحد الأشاعرة - الذين أبدى الشريف دفاعه واعتذاره لهم - وهو السبكي ﵀ لما قال في مطلع كتابه (السيف المسلول على من سبّ الرسول) عن سبب تصنيفه:-
(وكان الداعي إليه أن فُتيا رفعت إليّ في نصراني سب] النبي ﷺ [ولم يُسْلم، فكتبتُ عليها: يقتل النصراني المذكور، كما قتل النبي ﷺ كعبَ بن الأشرف، ويُطهّر الجناب الرفيع من ولوغ الكلب
لا يَسلمُ الشرفُ الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانب الدم
стр. 751
- إلى أن قال - وليس لي قدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم أن قلبي كارهٌ منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ها هنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة بما تقصر يدي عنه، وأن ينجِّيني كما أنجى الذين ينهون عن السوء، إنه عفوّ غفور) (السيف المسلول ص ١٣، ١٤).
فماذا يقول الشريف وأرباب الحملة (الوديعة) عن حماس السبكي ﵀ في النصرة والذب عن رسول الله ﷺ وهو يتمنى أن يحقق تصفية جسدية لهذا الكلب؟! فهل حماس السبكي منضبط عند الشريف؟ أم يُحذر منه؟ أو يُبَلّغ عنه؟! أو يعتذر له لأجل أشعريته؟
وهاك مثالاً ثالثاً في هذا السياق، فابن عابدين الحنفي يقول - عن شقي استطال على خاتم المرسلين ﷺ : - (وإن كان لا يشفي صدري منه إلا إحراقه وقتله بالحسام) (رسائل ابن عابدين ١/ ٢٩٣).
فابن عابدين وقد انتقد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - كما في حاشيته الشهيرة - كما انتقدها الشريف حاتم، إلا أن مسألة سب الرسول ﷺ ظاهرة جلية .. ولذا اتفق أقوال العلماء على ذلك - سواءً ابن عابدين الحنفي، أو القاضي عياض المالكي، أو السبكي الشافعي، أو ابن تيمية الحنبلي -
فالحماس المتأجج في صدر ابن عابدين لا يشفيه إلا قتله بالحسام وإحراقه! فهل هذا حماس منضبط في لغة الشريف حاتم؟.
ساق الشريف أسطورة خيالية استوعبت ثلث المقال، وجعلها مثالاً لتقريب مطلوبه، مع أن فحوى مراده ظاهر بيِّن دون حاجة إلى الإلغاز، أو تكلّف هذه الأسطورة التي أورثت خفاء وغموضاً. ثم إن هذه الحدود المفتعلة (إقليمية أو دولية) ... يكتنفها محاذير شرعية بل إشكالات " وطنية " فمتى كانت مثالاً يقرِّب الواضح والبدهي؟.
- لما وضعت الحربُ أوزارها مع الحوثيين، فتوقف القتال، رفع الشريف صوته مطالباً بالتوقف المؤقت عن خطر التقارب! فالشريف - سامحه الله - يحاول مواكبة العصر في لغته ومخاطبته .. " نبذ الطائفية" .. " تقرير الاعتدال ... وهذا يتفق مع مقصود الملاينة والانفتاح والمرونة. لكن لا مانع لديه من التقهقر ونبش الدعوات المدفونة، مثل دعوة التقريب بين أهل السنة والرافضة، فهذه الدعوة المتعثرة قد أضحت أثراً بعد عين، والباحث الكريم / د. ناصر القفاري لما كتب أطروحته الرائعة عن فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة منذ أكثر من ثلاثين سنة، وزار دور التقريب في مصر، فإذا هي مقفرة ليس بها أنيس، قد أُوصدَت أبوابها، وسفتها الرياح والأعاصير.
وساق د. القفاري مختلف محاولات التقريب الفردية والجماعية، وما صاحبها من فشل وإحباط ..
فالتقريب المزعوم مردود شرعاً، وغير واقع قدراً، فعلام التعلّق بالوهم واللهاث خلف السراب؟! ولِمَ لا نبدأ من حيث انتهى الآخرون؟ ..
حبّ السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل
إنه الهروب عن الواقع؟ والنكوص عن الحقائق المرّة؟ ولو آل ذاك إلى أن تصم الآذان وتطمس العيون عن مكر الرافضة وكيدهم.
كنا نأمل من الشريف وقد وهبه الله علماً وشرفاً أن ترقى الهمم إلى دعوة الرافضة وسبل إنقاذهم من الزندقة والشرك، وتحرير عقولهم من رق عبادة الأئمة .. وسبل مناظرتهم، وطرائق مجادلتهم بالحسنى، وبرامج عملية للمهتدين ..
стр. 752
- يعمد الشريف إلى المغالطة وخلط الأوراق! فيوهم القاريء التسوية بين الأشاعرة والرافضة، وهذا جهل كثيف لا أظن الشريف تلبّس به، فأهل السنة أدرى الناس بمراتب الشرور وتفاوت البدع، وإنزال الناس منازلهم، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ ولم يعرف عن جمهور السلف القول بتكفير الأشاعرة، كما هو مبسوط في كتبهم، ولندع هذا الاكتشاف النادر الذي عثر عليه الشريف، فتشبث بعبارة قالها عالم غير مشهور في تكفير الأشاعرة! فلا موجب للشغب والاستطالة على أهل السنة، والنوح على الأشاعرة، فهذا المحدث (مطيار!) قد جانب الصواب في ذلك، وليت هذه الغضبة " المضرية " من الشريف حاتم طالت الأشاعرة، كما طالت أهل السنة، ففي كتب الأشاعرة المعروفة (مثل شرح الكبرى للسنوسي، وشرح جوهرة الأشاعرة للباجوري، وشرح أم البراهين للدسوقي .. ) يسوقون قولهم بتكفير العوام وعدم صحة إيمان المقلد .. بل يلزم من إيجابهم النظر أن يحكموا على سلف الأمة بالكفر!!.
- وأما تشدق الشريف بإطلاق القول أن الأشاعرة من أهل السنة، فهذه المقالة وجه آخر من وجوه الملاينة، والتودد لأهل البدع. ثم متى يكفّ الشريف عن مجاملته التي يتهم بها الآخرين؟ والأشاعرة خالفوا أهل السنة والجماعة في جملة من مصادر التلقي والاستدلال، كما خالفوا في الكثير من مسائل الاعتقاد كالصفات والقدر والإيمان ودلائل النبوة .. وغيرها كما هو مبسوط في موضعه، ومقتضى العلم والعدل ان تذكر أوجه الموافقة والمفارقة بين أهل السنة والأشاعرة, ولعل الشريف وتلاميذه يلقون نظرة على كتاب وجيز في هذا الشأن، وهو ما سطّره قلم الشيخ المحقق سفر الحوالي في "الأشاعرة ".
ثم لا موجِب للمغالطة والتباكي على علماء الأشاعرة، فأهل السنة يميّزون بين مقالات الأشاعرة، وبين أشخاصهم الذي ترد عليهم عوارض الأهلية من الجهل والتأول والغلط ونحوها ..
- تتكرر (شجاعة) الشريف فهو يقول: (لن يجامل أحداً .. !) لكنه يجامل الرافضة مجاملة فجة مُفْرِطة، فالشريف يقول: - (لا أُكفِّر من كفّر عامة الصحابة ﵃ (مستثنياً بعضهم) ككثير من الإمامية .. )
وإذا كان الشريف حاتم لا يكفّرهم، فإن عشرات الأئمة الأعلام والعلماء الكبار قد كفّروا الرافضة منذ مئات السنين، كالإمام مالك، والإمام أحمد، والإمام البخاري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي زرعة الرازي، وابن حزم، وأبي حامد الغزالي، والقاضي عياض، وابن تيمية، وغيرهم كثير - كما جاء سرد أقوال في مبحث مستقل برسالة أصول الشيعة الاثني عشرية للدكتور ناصر القفاري -.
ولم يقف د. القفاري على من لم يكفر الرافضة إلا الإمام النووي ظناً منه أنهم لا يكفرون جمهور الصحابة.
مع أن القول بتكفيرهم قبل استفحال كتب الروافض، وظهور زندقاتهم الصلعاء، كما أن الرافضة المتأخرين أشد انحرافاً من أسلافهم.
وأخيراً على الشريف أن يتخفف من هذا التوتر والنزق تجاه إخوانه أهل السنة، وأن يكف عن الاعتذار والتبرير لأهل البدع، فلا يكن للخائنين خصيماً، فأهل السنة يموتون ويبقى ذكرهم، وأهل البدع يموتون ويموت ذكرهم، فالأولون نصروا سنة سيد المرسلين ﷺ فكان لهم نصيب من - قوله تعالى - ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ الشرح:٤، وأهل البدع أبغضوا السنة فلهم نصيب من - قوله تعالى- ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ الكوثر:٣.
стр. 753
التعلم المختلط في الصفوف الأولية نظرات علمية (١)
إبراهيم الأزرق
كثيراً ما ترى أولئك الذين يدافعون عن الاختلاط في مراحل التعليم الأولية يكسون دعوتهم المريبة ثياب العقل والعلم، والعالم المتعقل يعرف أنها ثياب زور لا تعبر عن الحقيقة والمضمون!
ومن ذلك ما يدعيه دعاة هذا الاختلاط من منافع شتى للاختلاط أو بعض أنواعه في التعليم .. وكثير من أصحاب البصيرة يعلمون أن تلك المزاعم محض دعاوى وخواطر، إما لا مستند لها من العلم يؤيدها أصلاً، أو هي صحيحة بيد أنه لا كبير علاقة للتعليم بها، وقد يكون الأمر مركباً منهما. ومن ذلك -على سبيل المثال- زعمهم أن المرأة أصبر وأقدر على تعليم الأولاد لذا يجب أن تعلمهم هي مجتمعين أو على أقل الأحوال منفصلين في نفس المدرسة، ولا سيما في الصفوف الابتدائية ولا أدري لماذا وقفوا ههنا!
إن قرنهم بين الصبر والقدرة فيه نوع تلبيس وقد انطلى على بعضهم مع أنه ليس له رصيد علمي يعززه! فلو سلمنا بكون المرأة أصبر وأن المعلم لا يستطيع أن يعالج هذا الصبر في ذلك الموقف؛ موقف التعليم الذي هو من صميم وظيفته التي نصب لها ويتقاضى راتباً عليها! فهل نقول بأن وجود المعلمين في المرحلة الابتدائية محض غلط لافتقادهم عنصراً من عناصر التعليم! وأن على الوزارة أن تسرحهم بإحسان أو تحولهم إلى مراحل أخرى
وأياً ما كان فإن الربط بين الصبر أو طول البال والقدرة على التعليم بعلاقة طردية غلط، بل هو محض خرافة علمية، فليس الأصبر هو الأقدر على تعليم الصغار بكل حال أيّاً كان المعلم رجلاً أم امرأة وأيًّا كان الطالب ابناً أم بنتاً، كما أن الأشد والأقوى ليس هو الأقدر! بل للبنين ما يناسبهم وللبنات ما يناسبهن .. وكل ميسر لما خلق له، والحكمة فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت والمحل الذي ينبغي!
ومن جهة أخرى فإن مقومات القدرة على التعليم كثيرة غير الصبر واختزالها في الصبر ينم عن قصور في تصور العملية التعليمة، ومن جهة ثالثة لم يُخْرِج لنا هؤلاء المدعون (الصبروميتر) أو المقياس الذي يمتِّرون به الصبر اللازم للتعليم حتى نعلم كيف قاسوا منسوب الصبر عند المعلمين والمعلمات، وكيف خرجوا بدعوى عريضة مفهومها أن المعلمين لا يمتلكون القدر المطلوب!
وهنا لمعترض أن يقول: يا من تنعى على الآخرين معاييرهم أين معيارك الذي يبين أن الفصل في تعليم الأطفال هو الأجدى!
فأقول المعايير كثيرة والعجيب أنهم لا يطالبون بها في منافسات أخرى غير تعليمية كسائر الرياضات البدنية!
ولن أعرض هنا للمعيار الشرعي فهذا بسط في مواضع وكتب فيه عدد من الأفاضل وحسبي منهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ فلينظر ما حرره.
وأعرض ههنا لأحد المعايير العلمية (١)، فلننظر ما تقوله الدراسات العلمية وما تقرره من فروق جنسية مؤثرة على العملية التعليمية، ولعلي أقتصر في هذه المقالة على أحد الفروق وبيان أثرها إيثاراً لترك الإطالة، فإن يسر الله أتبعت المقالة بغيرها مما يبين أثر تلك الفروق، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابي الاختلاط في التعليم وأثره على التحصيل، ولينظر كذلك في مصادره الأصلية.
وحديثي ههنا حول حقيقة علمية وحيدة وآثارها على العملية التعليمة وذلك وفقاً لما يقوله المختصون من الغربيين.
стр. 754
يقول الدكتور ليونارد ساكس (١):
في منتصف التسعينيات بدأت ألاحظ مجموعات من طلاب السنة الثانية والثالثة الابتدائية يتقاطرون نحو العيادة، ومع كل طفل أحد أبويه حاملاً ورقة من المدرسة تطالب بفحص الطفل والتأكد من إصابته بمرض اضطراب العجز عن التركيز ( ADD) Attention Deficit Disorder)) يقول ساكس: في بعض الحالات لم يكن الأطفال بحاجة إلى ترياق اضطراب العجز عن التركيز، بقدر حاجتهم لمعلم يفهم الفروق العضوية بين الأولاد والبنات التي تؤثر على تعليمهم، وبعد أن تقصيت الأمر وجدت أنه لا أحد في المدرسة يعرف أن قدرة الجنسين على السماع متفاوتة (٢).
ويقول أيضاً: تخيل أنك في الصف الثاني الابتدائي، ثم تخيل جستن ( Justin) ذو السنوات الست جالس في آخر الصف، والمعلمة امرأة تتكلم بنبرة مناسبة بالنسبة لها، جستن لا يكاد يسمعها، يبدأ في النظر من النافذة، أو يراقب ذبابة تسير في سقف الفصل، تلاحظ المعلمة أن جستن غير منتبه .. تتكرر القصة، فتظن المعلمة أنه ربما يكون مصاباً باضطراب العجز عن التركيز! المعلمة مصيبة تماماً في وصمه بالعجز عن التركيز، لكن ليس السبب هو هذا المرض. لكنه صوت المعلمة الهادئ الناعم الذي يناسبها، ويفلح في شد بنات جنسها، بينما ينام أغلب الأولاد الذين يجلسون في الخلف (٣).
قال ساكس: في إحدى المرات بعدما فحصت أحد الأولاد وكتبت توصيتي قالت لي الأم: إن المدرسة نصحتهم باستشارة طبيب آخر، "ليس لأننا لا نثق فيك يا دكتور، لكن فقط لأن المدرسة تطلب استشارة من خبير"، عندها فهمت أن الأطباء الذين تصنفهم تلك المدرسة في عداد الخبراء، هم فقط من يكتبون الوصفات الطبية دائماً! دفعني الفضول لأعرف ما إذا كانت تجربتي هذه متكررة أم لا، فأخذت تمويلاً من الأكاديمية الأمريكية لأطباء الأسرة، لإجراء مسح يشمل كل عيادات منطقة واشنطن. كنا نسأل سؤالاً بسيطاً: من هو أول من يشخص اضطراب العجز عن التركيز؟
الإجابة: أغلب حالات الاشتباه بالإصابة بالمرض ينبه إليها المعلم، ليس الوالدين، ولا الجيران، ولا الطبيب (٤)!
لقد أثبت المختصون وجود اختلاف بين الأبناء والبنات في استجابة الدماغ السمعية، المتفرعة عنها القدرة على السمع، فبنت عمرها سبع سنوات، تميز أصواتاًأخفت من الأصوات الضعيفة التي ينتهي إليها تمييز ولد في عمرها نفسه، وباستخدام أجهزة اختبارات صوتية عالية النوعية، وجدوا أن إحساس البنات بالأصوات، أفضل من استشعار البنين لها بضعفين وربما ارتفعت نسبة إدراك المسموعات لدى بعضهن عن بعض البنين إلى أربعة أضعاف، وذلك في نطاق الترددات المهمة لتمييز الكلام -حوالي أربعة ألاف تردد في الثانية (٤ KHz) - وقد أدرك المختصون هذه النتيجة قبل قرابة نصف قرن (٥)،
стр. 755
ثم أكدتها دراسات حديثة (١)، ووجدت بعض الدراسات الحديثة أن قدرة بعض البنات على السمع في سن الثانية عشرة تفوق قدرة البنين في نفس تلك السن بنسبة قد تصل إلى سبعة أضعاف (٢).
بل أشارت الأخصائية النفسية كولن أليوت ( Colin Elliot) ، إلى أن البنت في الحادية عشرة من عمرها يشتت ذهنها صوت أخفض بعشرة أضعاف مرة من الصوت الذي يشتت ذهن البنين، فإذا نقر طالب الدرج بأطراف أصابعه فلن ينزعج أو يزعج زملاءه، لكن ستنزعج المعلمة وسوف تنزعج الطالبات.
ويبين أثر التمايز السمعي لدى الجنسين على العملية التعليمية الدكتور ليونارد ساكس فيقول: الاختلافات الأساسية في القدرة السمعية بين البنين والبنات، تدخل ضمن أهم ممارسات التدريس. فإذا كانت بالقاعة المختلطة أستاذة، فإنها سوف تتكلم بصوت يبدو عادياً بالنسبة لها، ولن تلحظ أن صوتها لا يشد انتباه البنين هناك في آخر القاعة كثيراً. وبالمقابل إذا كان في القاعة أستاذ فسوف يتكلم بنبرة يراها مناسبة، بينما قد تراها الطالبات في الصف الأمامي أقرب إلى الصراخ فيهن!
ثم اقترح حلاً مبسطاً لهذا الإشكال بأن يجلس البنات في الخلف ويجلس البنين في المقاعد الأمامية (٣).
غير أن هذا الحل وإن عالج مشكلة السمع، فلن يعالج مشاكل أخرى بعضها شائع في زماننا كقصر النظر أو طوله، وكذلك الحركة الدائبة التي يُطَالَبُ بها الأستاذ في نظم التعليم الحديثة لجذب انتباه الطلاب، وقد تقتضيها حالة التدريس في القاعة أو المعمل.
ثم لك أن تتصور اثنين أحدهما يفوق سمعه سمع الآخر ببضعة أضعاف، كيف سيكون حال أحدهما تجاه الآخر لو قام أحدهما فخاطب الأستاذ أو خاطبه الأستاذ؟ وقد أبانت بعض الدراسات بأن الطالبات قد تصرف انتباههن أصوات ضوضاء في مستويات منخفضة ربما لم تشغل عشرة أضعافها الأولاد (٤). فإذا كان هذا هو الحال في قاعات الدراسة فكيف ستكون الحال داخل المعامل والأنشطة التي تتطلب حركة وعملاً تقوم به مجموعات؟
إن مما أخشاه أن يتحول طلابنا إلى متتبعين للحشرات والذباب جراء التجارب الجديدة تماماً كما فعل (جستين) وقصته حقيقية .. ثم يوصموا زيادة على ما وصم به بألقاب أخرى تعيق البناء وتغرز في أنفسهم الشعور بالقصور .. فهذا معيار وفي الجعبة غيره معايير!
стр. 756
التعليم المختلط في الصفوف الأولية نظرات علمية (٢)
إبراهيم بن عبد الله الأزرق
أشعر بشيء من الأسف أحياناً عندما أُراني محتاجاً لإقناع مسلم عاقل بالغ بقول الله تعالى: (وليس الذكر كالأنثى) [آل عمران: ٣٦]! ولعلك تعجب إن علمت أن الجدل في هذا المعنى كان محتدماً بين الغربيين منذ أوائل القرن الماضي، ولعلي أعرض إليه لاحقاً في مقالة مستقلة لتعرف حال الجهل التي نشأ فيه الاختلاط في التعليم بالدول الغربية! أما الآن فأكتفي في صدد ذكري للفروق التي تقضي بالفصل بين الجنسين في التعليم الابتدائي ولو في صفوفه الأولية بالإشارة إلى ما أصدرته الأكاديمية الوطنية للعلوم بأمريكا، ( National Academy of Sciences) في عام (٢٠٠١م) من تقرير بعنوان: "هل الجنس ذو أهمية؟ " قررت فيه أهمية اعتبار فروق الجنس.
فأكد وجود فروق إحيائية ثابتة بين الجنسين، وأن هذه الفروق أبعد من كونها مجرد فروق عضوية، كالاختلافات الواضحة في بعض أجهزة الجسم.
بل إن هناك فروق متشعبة مسلّم بها في التكوين "الكيميا إحيائي"، ( biochemistries) لكل من خلية الرجل، وخلية المرأة.
ونص التقرير على أن هذه الفروق ليست ناجمة بالضرورة عن الخلاف في تركيبة الغدد الصماء وإفرازاتها الهرمونية. بل هي نتيجة مباشرة للفروق الجنسية بين الذكر والأنثى. ويحسن التنبيه هنا إلى أن مجرد اختلاف معدلات الهرمونات له أثره على السلوك وطريقة التعليم المتبعة مع كل جنس، فمثلاً انخفاض معدل هرمون السيروتونين ( Serotonin) ، وارتفاع عمليات التمثيل أو الأيض لدى الذكور يسبب تصرفات تلقائية تدل على الملل ولاسيما إذا حصر الطالب في مكان ضيق كدرج وكرسي، وتلك التصرفات التلقائية تسبب بالمقابل تشتيتاً لانتباه البنات، كما أن تلك الخاصية تدفع المعلمين للانشغال بالأولاد وإسكاتهم، وهذا بدوره يشوش على البنات، لذلك ينصح بالتوقف أثناء الدرس ٦٠ ثانية من وقت لآخر، عند تعليم الأولاد في جميع الأعمار، كما أن السماح للطالب بتحريك شيء في يده بهدوء أمر مفيد لأنه يحفز دماغه، ويهدؤه (١)، ولا يزعج غيره من الأولاد بخلاف الإناث وقد أشير إلى هذا في المقالة سابقة.
وعوداً إلى التقرير فقد خصص فصلاً كاملاً يحلل فيه الفروق النفسية، والعوامل السلوكية، ليرجعها أولاً وأخيراً إلى الفروق في التكوين الجنسي، والتركيب العضوي، الذي يتأثر جزئياً بالبيئة.
وإذا كان الأمر كذلك فإن لكل جنس ما يناسب نفسيته من الطرق التعليمية ويتلاءم مع سلوكه، وهذا الأمر لن يتأتى في أوساط تعليمية مختلطة لا تميز بين ذكر وأنثى.
لقد أقر التقرير الغربي عام ألفين وواحد! بصدق قول الله : (وليس الذكر كالأنثى) [آل عمران: ٣٦]، فهل يقر بذلك أقوام من بني جلدتنا يصرون اليوم على جعل فلذات الأكباد فئراناً لتجارب محسومة سلفاً؟!
وإليهم اليوم أسوق في هذه المقالة أحد الفروق العضوية بين البنين والبنات وأثره على التعليم في المراحل الابتدائية بل ما قبلها لعل مريد الحق منهم يعتبر.
أوضحت بعض الدراسات أن الذكور يتفوقون على الإناث في الحركات الكبرى العامة؛ كالقفز، أو الجري، بينما تتفوق البنات في الحركات الدقيقة؛ كالكتابة، أو القص بالمقص، أو الحركات التي تحتاج إلى تناسق مثل القفز في مواضع محددة، أو من خلال حلقة (٢).
стр. 757
وفرع عن ذلك تفوقهن في القدرة على الإمساك بالقلم بشكل أكثر دقة، ومن ثم الكتابة، وقد أشارت لهذا دراسة أجراها الباحثون في فرجينيا تك ( Virginia Tech) ، حيث وجدوا أن المنطقة المسؤولة عن المهارات الدقيقة في أدمغة البنين تتطور لتلحق بنظيرتها لدى البنات بعد عام كامل (١).
ومن التجارب التي تظهر خطورة إغفال مثل هذا أو عدم الاكتراث به قصة طفل لم يراع ذووه أن كثيراً من البنين في سن الخامسة ليس لديهم من المهارات الدقيقة ما يُمكنهم من كتابة الحروف الأبجدية، فقد كان ماثيو ( Matthew) كما تقول أمه: نجم الأسرة. وكان دائماً مستعداً للتجربة واستكشاف الجديد، لم يكن يتضجر أو يتذمر، لكنه تحول لطفل آخر! يساق إلى محل الدراسة سوقاً، رغم لطف المعلمة وصبرها، والسبب هو التعليم المختلط في مرحلة التمهيدي! لقد رأت أمه نباهته وتوسمت فيه مخايل النجابة فقررت أن تدفع به للتمهيدي، وعلى الرغم من أن تلك المدرسة كانت تنتهج نهجاً حديثاً لا يلزم الطلاب بمنهج دراسي، فمن شاء كتب، ومن شاء لعب، إلاّ أن البنات -نظراً لتطور قدراتهن الكتابية لقدرتهن على التحكم في العضلات الصغيرة قبل البنين- كن يجتمعن حول المعلمة ويكتبن، بينما يبقى البنون العاجزون عن الكتابة يلعبون بعيداً عنها. بدأ يتولد عند ماثيو شعور بالعجز، فأصبح يتضجر من التمهيدي، فما كان من أمه إلاّ أن ذهبت به إلى الطبيب، فنصحها الطبيب بإرجاعه للروضة لأن قدراته لا تمكنه من الكتابة في هذه السن.
غير أن الأم أصرت على استمراره لأنه ذكي، ولأنهالم تسمع بطفل ذكي يخرج من التمهيدي!
ومع الزمن رضخ ماثيو للذهاب .. غير أن الشعور بالعجز استقر في داخلته، وكذا الشعور بالانتماء إلى المجموعة المهملة المتأخرة. وعندما أصبح قادراً على الكتابة كان قد رسخ في نفسه عجزه.
جاءت الأم لنفس الطبيب بعد عام، ومعها ورقة من المدرسة تأمل فحص ماثيو لمعرفة ما إذا كان مصاباً باضطراب العجز عن التركيز والحركة الزائدة ( ADHD) !
وبعدها تطور أمره إلى علاج نفسي، فعقارات اكتئاب، فأدوية مهدئة ... ثم اضطر لإعادة العام، وأخطر من هذا كله أنه قد رسخ في نفسه بغض المدرسة. والسبب في مبدئه عدم معرفة بقدرات الطفل، وما تؤهله له ملكاته العقلية والعضلية في تلك السن.
ومشكلة ماثيو مشكلة متكررة فقد بينت الدراسات الصادرة عام ٢٠٠٣م أن عدد الأطفال الذين يأخذون مضادات الاكتئاب ثلاثة أضعاف عددهم قبل عشر سنوات (٢).
وقد اقترح بعض المختصين علاجاً لتنمية المهارات الدقيقة لدى البنين، بتوجيههم إلى نشاطات تسهم في نحو هذا كتدريبهم على نظم الخرز، أما مشكلة العضلات الكبيرة في البنات فتعالج بتمرينهن على ألعاب حركية مناسبة كالقفز (٣).
ومن هذا يظهر أن ألعاب الفك والتركيب الدقيقة، التي تستخدم فيها قطع بلاستيكية يمكن تركيبها وفكها بأدوات من نحو مفكات وكماشات بلاستيكية؛ مناسبة ومفيدة للبنين فوق الثلاث سنين. كما أن القواعد التي تساعد على القفز، أو ما يسمى بـ (النطيطة) مناسبة للبنات في تلك السن، وينبغي أن يحرص على أن تكون فيها مقابض وأطراف بلاستيكية آمنة تتيح لهن التمسك بها أثناء القفز .. وكذلك ما جرت به عادة البنات من نط بالحبل يساعدهن على اكتساب بعض حاجتهن العضلية.
والمقصود أن الفروق العضلية مشاهدة معلومة، ولكننا كثيراً ما نغفل عن أثرها على العملية التعليمية، ويغفل من ينادي بالخلط بين الجنسين أثرها على طريقة تعليم الطالب، وكذلك يغفل أثرها عند تقييم الطالب في الصفوف الدنيا الابتدائية، وربما راعى بعض التربويون ذلك في الأنشطة الرياضية، فجعلوا منافسات البنين غير منافسات البنات وربما كان نوع رياضة هؤلاء غير هؤلاء، لكن هذا ليس كافياً؛ فكما أن خلطهم في المنافسة الرياضية وتقيمهم بناء على مقارنتهم ببعضهم يمثل ظلماً لبنين أو البنات بحسب الرياضة، فكذلك خلطهم في الدراسة وتقييم قدرتهم على الكتابة مثلاً، أو الأعمال الفنية سيكون مجحفاً، يقوم على التسوية بين من ثبتت الفروق بينهما في الجملة، ولا تسمع لجدلي يعارض بالحالات الشاذة، واعلم يا من رعاك الله أنه ليس الذكر كالأنثى! واعلم أن لتلك الفروق آثاراً قد يكون إغفالها مدمراً .. وقريباً أعرض لأثر فرق آخر إن شاء الله.
стр. 758
التعليم المختلط في الصفوف الأولية نظرات علمية (٣)
إبراهيم بن عبد الله الأزرق
لاحظ المختصون في العقد الأخير وجود فروق في تشريح العين بين الجنسين، فالشبكية وهي الجزء المعني من العين بتحويل الضوء إلى إشارات عصبية، مقسمة إلى طبقات، طبقة تحتوي على مستقبلات الصور ( photoreceptors) ؛ نبابيت ( rods) ومخاريط ( cones) . النبابيت حساسة للأسود والأبيض، ولا ترى الألوان، والمخاريط حساسة للألوان. ترسل النبابيت والمخاريط إشاراتهما للطبقة التالية؛ طبقة الخلايا العقدية ( ganglion cells) . المختصون يعلمون منذ عقود أن هذه الخلايا بعضها كبير ( Magnocellular) ، والآخر صغير ( Parvocellular) ، وأغلب الدراسات التي تتناول هذا الموضوع تشير إليهما بالرمزين M, P. وظائف كل من M و P مختلفة تمام الاختلاف؛ فالخلايا M وهي الجزء الذي يتعرف على الحركة، متصلة بصورة أساسية بالنبابيت، وتأتيها بعض البيانات من المخاريط، ونظراً لكونها منتشرة في كل الشبكية فإن بإمكانك أن ترى أي جسيم في كل المجال البصري. اعتبر أن الخلايا M مسئولة عن الإجابة على السؤال: أين هو الآن، وإلى أين سيذهب؟
أما الخلايا P في الجنس البشري فمرتبطة بأنواع المخاريط الثلاثة، الخلايا P تتركز في مركز المجال البصري؛ الحفرة ( fovea) وما حولها، وهذه الخلايا تترجم المعلومات المتعلقة باللون والملمس، لذا يمكن اعتبارها مسئولة عن الإجابة على السؤال: ما هو؟
ترسل خلايا P معلوماتها عن طريق القسم الخاص بها من السرير البصري ( thalamus) إلى منطقة محددة من قشرة الدماغ ( cerebral cortex) متخصصة في تحليل اللون والملمس، بينما ترسل الخلايا M معلوماتها من خلال ممر منفصل لمنطقة أخرى من قشرة الدماغ متخصصة في تحليل العلاقات الفضائية ( spatial relationship) وحركة الجسم. وجد الباحثون أن كل حركة إشارة في جميع ممرات الشبكية إلى قشرة الدماغ تختلف لدى كل من الذكور والإناث، فالشبكية البشرية ممتلئة بمستقبلات هرمونات جنسية. ووجد أخصائي التشريح إدوين لفارت ( Edwin Lephart) وزملاؤه أن شبكية الذكور أسمك من شبكية الإناث، وذلك لأن شبكيات الذكور فيها عدد أكبر من الخلايا M السميكة، بخلاف الإناث اللاتي تسود عندهن الخلايا العقدية P قليلة السمك مقارنة بالأولى. لقد وجد الباحثون تبايناً بين أفراد الجنس الواحد، لكنه محدود، بينما كان التباين بين أفراد الجنسين المختلفين كبيراً، وذلك ما وجد في الحيوانات أيضاً (١). ... خلايا P ... خلايا M
مرتبطة بصورة واضحة بـ ... المخاريط ... النبابيت
متواجدة بكثرة في ... وسط الشبكية (مركز الحقل البصري) ... في كل الشبكية (كل الحقل البصري؛ الأطراف والوسط)
مهيأة لمعرفة ... اللون والملمس ... المكان، الاتجاه، والسرعة
تجيب عن السؤال ... ما هو؟ ... أين هو الآن؟ أين سيذهب؟ ما مدى سرعته؟
إسقاطها النهائي في ... القشرة الصدغية السفلى (للدماغ)
Inferior temporal cortex ... القشرة الجدارية الخلفية (للدماغ).
Posterior parietal cortex
المسيطرة عند ... الإناث ( P أكثر من M) ... الذكور ( M أكثر من P)
ومن التطبيقات تبين أثر الفروق في تشريح العين على الجنسين من الناحية التعليمية ما يلي:
стр. 759
لو أعطيت عدداً من الصغار أوراقاً بيضاء، وأقلام تلوين، وطلبت منهم أن يرسموا ما يشاءون، ستلاحظ أن البنات يستعملن ألواناً مثل الأحمر، البرتقالي، الأخضر، البيج (لون الصوف الطبيعي)، لأنها هي الألوان التي هيئت الخلايا P لتكون حساسة لها، أما الأولاد فسيرسمون أشكالاً لأشياء متحركة، وسيستعملون ألواناً مثل الأسود، الرمادي، الفضي، الأزرق، لأنها هي الألوان الأكثر ارتباطاً بالخلايا M (١) .
وقد درس بعض المختصين في العقدين الماضيين لوحات الأطفال، فوجدوا أن البنات يملن لرسم الوجوه (بشر أو حيوانات)، والأزهار والأشجار، ويكون رسمهن متناظر الشقين إلى حد كبير، يواجه الناظر (كأنها تنظر لما يقابلها في الطبيعة)، كما يستعملن عشرة ألوان أو أكثر في اللوحة الواحدة، من الألوان التي سماها الباحث ياسومازا آري ( Yasumasa Arai) الألوان الدافئة؛ الأحمر، الأخضر، البيج، البني. أما الأولاد فيرسمون أشكالاً لأشياء متحركة؛ صاروخ يصيب هدفاً، غرباء يهمون بأكل شخصٍ ما، عربة تصطدم بأخرى ... ويستعملون ستة ألوان كحد أقصى، من التي سماها ياسومازا: ألواناً باردة؛ الأزرق، الرمادي، الفضي، والأسود.
كما أنهم يتخيلون أنفسهم وهم يرسمون كما لو كانوا متحكمين في مكونات اللوحة في الطبيعة، لا متفرجين كما تفعل البنات، وقد اختصرت الأخصائية النفسية دونا تيومان ( Donna Tuman) هذه الفروق بقولها: "البنات يرسمن الأسماء، والأولاد يرسمون الأفعال" (٢).
ومن القصص التي تبين أهمية اعتبار نحو هذه الفروق في العملية التعليمة -على ضآلتها فيما يبدو للناظر- قصة واقعية، لعل سردها يثبت للقارئ أن الدعوة إلى اعتبار الفروق بين الجنسين والفصل بينهم في التعليم دعوة مهمة حقاً، وليست محض تهويل ليس عليه تعويل:
أعطت أستاذة التمهيدي كل طفل ورقة بيضاء، وطلبت منهم أن يستعملوا أقلام الألوان لرسم ما يحبون، وكانت المعلمة تمر عليهم وتشجعهم، وأثناء مرورها توقفت عند أنيتا ( Anita) ، ذات السنوات الخمس، رسمت أنيتا ثلاثة أوجه مبتسمة تواجه الناظر، وقد استعملت اثني عشر لوناً! أحمر، بني، برتقالي، ... وكثير من الألوان الساطعة.
قالت المعلمة: عمل ممتاز يا أنيتا .. من هؤلاء؟
فردت الطفلة: هذه أنا، وهذا أخي فلان، وهذه أمي.
قالت المعلمة: هذا رائع جداً، عمل مميز.
ثم انتقلت المعلمة لماثيو ( Matthew) ذي الخمس سنوات، وهو نفس الطفل الذي مر علينا عندما بحثنا أثر الفروق العضلية في المقالة السابقة. كان ماثيو قد غطى سطح الورقة بخطوط سوداء داكنة (خربشة)، فسألته المعلمة: ما هذا؟
أجاب ماثيو بكل فخر: إنه صاروخ كاد أن يدمر الأرض، انظري هذا هو الصاروخ، وهذه هي الأرض.
المعلمة رأت أن ماثيو استعمل اللون الأسود فقط لكل من الأرض والصاروخ، لا أثر في لوحته لأي شخص، ولا أي لون، ولا أي حياة!
стр. 760
قالت المعلمة بتصنع محاولة إخفاءه: هذا حسن يا ماثيو، لماذا لم تضف ألواناً أخرى؟ هل هناك أشخاص في الصاروخ؟
نعم لقد حاولت المعلمة إخفاء انطباعها السيء، غير أن هناك شيء يتقنه الطفل في هذه السن بنتاً كان أو ولداً، ألا وهو اكتشاف ما يعجب الكبار، لذا فإن ماثيو فهم رغم محاولات المعلمة أن لوحته لم تعجبها كما أعجبتها لوحة أنيتا. فكانت النتيجة أن استنتج الطفلان أن رسم أنيتا صحيح، ورسم ماثيو خطأ.
حاول ماثيو أن يقلد أنيتا، لكنه عجز عجزاً تاماً.
فاستقر عنده أنه فاشل في الرسم، وأن الرسم للبنات.
وكما أنه اعتبر نفسه فاشلاً في الكتابة نظراً للتفاوت في القدرات العضلية المتعلقة بالتحكم الدقيق، اعتبر نفسه فاشلاً في الرسم أيضاً، وفوق ذلك المعلمة تريد منه أن يبقى في مكانه هادئاً، وينصت لما تقول، بينما لا يطيق هو إلاّ أن يجري ويقفز ويصيح.
وقد عقب ساكس على هذه القصة بكلمة حاصلها أن ماثيو لم تكن به آفاة، لكن الآفة هي فصول القرن الواحد والعشرين المختلطة، أو المحايدة كما سماها.
وتطبيق آخر ينبني على الفروق المذكورة ينبغي اعتباره، وهو ما أشارت إليه الدراسات التي أجريت على الأطفال الصغار من أن أداء البنات أفضل في المهارات التي تتطلب التمييز بين الأشياء، (الإجابة عن ما هو؟)، بينما أداء الأولاد أفضل في التعرف على مواضع الأشياء، (الإجابة عن أين هو؟). كما لوحظت نفس الفروق بين ذكور وإناث القرود الصغيرة (١).
فالأشياء المتحركة ذات الألوان المحدودة كفيلة بجذب انتباه البنين، أما البنات فقد لا تجذب انتباههن هذه بنفس درجة الأشياء الثابتة ذات الألوان والتعابير المفصلة، وقد لوحظ أن أغلب البنات والنساء أفضل من البنين والرجال في تفسير كلمات الوجه. فتساءل بعض الباحثين من جامعة كمبردج ( Cambridge) عما إذا كان سبب هذا التفوق أمر داخلي أم أنه جراء عوامل اجتماعية كتشجيع الآباء لبناتهم على الجلوس والتعامل مع الأخريات، بينما ينهمك الأولاد في اللعب بالمسدسات. قرر هؤلاء الباحثون دراسة رُضَّع ورضيعات في اليوم الأول لميلادهم، فخيروا الرضع بين النظر لجسم صغير متدل وبين وجه امرأة حقيقي، كانت المرأة تبتسم للطفل دون أن تقول أي شيء، ويتدلى بجانبها جسم صغير متحرك لا يصدر أي صوت. صور جميع الأطفال البالغ عددهم اثنان ومائة طفل عن طريق آلات تصوير مرئي، ثم حلل عدد من الباحثين حركة أعينهم دون أن يكون لهم إلمام بجنس صاحب المشهد، فكانت النتيجة أن الرضع يفضلون النظر إلى الجسم المتحرك أكثر من وجه المرأة بخلاف الرضيعات، وكانت نسبة ملاحظة الأولاد للجسم المتحرك ضعفي نسبة ملاحظة البنات، فتوصل الباحثون بذلك إلى أن الفروق بين الجنسين في الاهتمامات الاجتماعية جزء منها إحيائي ( biology) الأصل (٢)، فاعتبروا يا أولي الأبصار!
стр. 761
التعليم المختلط في الصفوف الأولية نظرات علمية (٤)
إبراهيم بن عبد الله الأزرق
استخدم علماء الأعصاب في جامعة "هارفارد"، ( Harvard) تصويراً مغناطيسياً معقداً لاختبار كيفية نشوء العاطفة، فأجروا اختبارات على أولاد تتراوح أعمارهم ما بين سن السابعة والسابعة عشرة.
فوجدوا أن الأطفال الصغار، تنشأ العاطفة عندهم في المناطق أسفل القشرة الدماغية، وهي المنطقة البدائية من الدماغ.
وبينما يظل مركز العاطفة كما هو لدى الذكور عندما تتقدم بهم السن نحو المراهقة، فإنه يتحرك لدى الإناث نحو جزء آخر أكثر تطوراً [وقدرة على الاستنباط] في الدماغ؛ نحو قشرة الدماغ، قريباً من مركز التحكم في الكلام.
ساق الدماغ
ولذلك تلحظ الفرق بين الولد والبنت عندما تسأل الأول عن مشاعره فتقول: لماذا أنت حزين؟ فلا يكاد يختلف جواب ابن سبع سنين عن جواب ابن خمس عشرة سنة، بينما يختلف الأمر كثيراً لدى الإناث (١).
وذلك لأنا عندما نسأل الولد: بم تشعر؟
فكأنما نطلب منه أن يوصل جزئين من الدماغ ليس بينهما ترابط؛ الجزء الذي يتعلق بالعواطف، والجزء المسؤول عن التعبير. بخلاف البنات اللاتي تنتقل عاطفتهن إلى جزء قريب من مركز الكلام في الدماغ، يوضح ذلك الرسم التالي المبين محل العاطفة لدى كل جنس:
دماغ بنت في الرابعة عشرة، لاحظ أن مركز العاطفة (المظلل) انتقل إلى قشرة الدماغ.
دماغ ولد في الرابعة عشرة، لاحظ أن مركز العاطفة باق في اللوزة.
اللوزة: مركز العاطفة
مركز العاطفة لدى النساء
فإذا سئل طالب في سن الثالثة عشرة أن يعبر عن مشاعره حيال أي موقف، فسوف يقول: لا أعرف .. وفي داخله يقول: وما دخل الأستاذ بمشاعري (٢)!
وهذه النتيجة جاءت متسقة مع تقرير أخير صدر في ألمانيا يبين انتقال العاطفة لدى النساء إلى قشرة الدماغ، بينما تظل في موطنها البدائي للرجل (٣).
ولعل من آثار ذلك ما وجدته الدراسات من ميل البنات إلى قراءة القصص القصيرة والروايات، بينما يفضل البنون، قراءة الأحداث الحقيقية، مثل المعارك، والأخبار التاريخية، بل ميلهم إلى بعض المواد المجردة كالرياضيات، وكذلك حبهم لمعرفة كيفية عمل الآلات، وكيف تؤثر الثعابين، وما هي أسباب انفجار البراكين، وغير ها من الأمور التي تحتاج إلى تصور مجرد بعيد عن العاطفة (٤).
ومن التطبيقات التي يمكن أن يفاد منها فيحسن من أداء البنين في واجبات القراءة أن يطلب منهم رسم خريطة المكان الذي وقعت فيه أحداث القصة مثلاً، فيدفعهم ذلك إلى التركيز في تفاصيل القصة وتصورها، أما البنات فمجرد التفاصيل في القصة تشدهن، ويمكن سؤالهن مباشرة عن شعورهن أو كيفية تصرفهن فيما إذا كن في موقف شخصية من شخصيات القصة (٥).
стр. 762
وهذا العرض يبين لك وجود فروق في طرق التعليم مبرمجة إحيائياً، تعكس فروقاً عصبية وجسدية بين الجنسين، ينبغي اعتبارها عند إرادة الحصول على نتائج أفضل أثناء العملية التعليمية. وذلك في جوانب شتى أهمها؛ تدرج السلم التعليمي للمواد فينبغي أن يوضع لكل جنس منهج يناسب استعداده وقدراته، وكذلك مما ينبغي مراعاة أسلوب الخطاب لكل جنس على حده بحيث يكون أقرب إلى إفهامه، وكل ذلك يقف الاختلاط في التعليم منذ صفوفه الأولى عائقاً دون الوصول إليه.
وقد قام معهد مايكل قرين، ( Michael Gurian) بواشنطن، بتدريس الفروق بين عقول البنين والبنات، ومن ثم تدريب المعلمين على كيفية التعامل مع هؤلاء وهؤلاء، مع تطوير قاعات دراسة تكفل مراعاة الفروق بين الجنسين، ثم بدأ المعهد في تطبيق ما أعده على أرض الواقع وتحديداً في مدرسة توماس إديسون، ( Thomas Edison) الابتدائية، فوجد تحسناً ملحوظاً، إلاّ أن بعض الإشكالات لا تزال قائمة، وهنا تعلق جنفر بنقهام، ( Jennifer Bingham) بأنه يوجد حل جذري تقليدي لهذه الفجوة في التعلم بين البنين والبنات ألا وهو فصلهم (١). وقد ناقشت فرضيات بعض النقاد الزاعمة بأن التدريس المختلط، يكفل تفاعلاً جيداً يؤدي إلى استفادة أحد الجنسين من الآخر، فالبنات مثلاً يستفدن من البنين في الرياضيات، والبنون يستفيدون من البنات في تطوير كتابة راقية، وبينت أن هذه الفرضيات غير واقعية لا تؤيدها الإحصاءات والدراسات.
ولعل من أسباب ذلك طبيعة العملية التعليمية المبنية على التفاعل بين الطالب والأستاذ، والأصل أن الطالب مُتَلَقٍ والأستاذ مُلْقٍ، فالمعلم هو الأستاذ، والمتعلم هو الطالب، وهذا التفاعل بين الطالب والأستاذ تحفزه عوامل مختلفة منها ما يناسب البنين، ومنها ما يناسب البنات. أما وجود طلاب متفوقين أو متميزين في بعض المواد فلا كبير أثر له على غيرهم من الطلاب سواء في قاعات مختلطة أو غير مختلطة، ولو فُرض وجود أثر ضئيل فالأقرب أن يكون أثراً سلبياً على أحد الطرفين، لأن التفاوت بين الطلاب قد يؤثر على الأستاذ فيعتبر أحد الطرفين ويخاطب الجميع بما يناسب بعضهم.
وهذا ما أثبتته الإحصاءات والدراسات وقد أشير إلى شيء منها وأذكر ههنا جملة أختم بها المقالة:
في عام (٢٠٠٠م) قام بنيامين رايت، ( Benjamin Wright) ، مدير مدرسة ثرقود مارشال الابتدائية، ( Thurgood Marshall) في مقاطعة سياتل بواشنطن، قام بتحويل قاعات مدرسته من قاعات مختلطة، إلى قاعات غير مختلطة، فقد كان قلقاً بشأن العدد العالي لحالات عدم الانضباط السلوكي، كان يرى كل يوم حوالي (٣٠) طفلاً يرسلون إلى المكتب المسئول بسبب مشاكل الانضباط، فقرر أن يبحث عن علاج في الفصول غير المختلطة، وما هو إلاّ قليل حتى تجاوزت النتائج آماله.
فلم يكن التحسن السلوكي هو الفائدة الوحيدة التي جناها، قال: "لقد فعلناها فقط من أجل التأكيد على الانضباط الذي استحوذ على اهتمامنا، ولكن ما أن قمنا بهذا التحول، حتى أصبح البنون قادرين على التركيز في المواد الدراسية، وكذلك البنات".
ثم بين ارتفاع نسبهم المذهلة ..
стр. 763
ومضت الأيام وتقرر تعين الأستاذ رايت مديراً عاماً لمدارس النصر ( Victory) ، في فيلادليفيا ( Philadelphia) ، فكرر نفس التجربة لتجيء النتائج في أربع مدارس مشابهة للنتائج الباهرة لمدرسة ثرقود مرشال السابقة (١).
وفي الطرف الآخر من واشنطن واشنطن دي سي ( Washington DC) ، وفي أفقر قسم منها في مقاطعة كولومبيا، وتحديداً في مدرسة ماتن ( Moten) الابتدائية. قام مسئولها جورج سمثرمان ( George Smitherman) بخطوة جريئة إذ قرر فصل قاعات الدروس، فالبنات يدرسن في قاعات خالية من غيرهن، والبنون كذلك، بل قام بالفصل بينهم حتى أثناء ساعة تناول الطعام .. لم يستشر جورج أحداً، ولم يخبر المدير العام للمدارس، بل مضى في عمله بهدوء تام.
فجاءت النتائج في يونيو من عام (٢٠٠٢م) لتذهل الجميع، فقد قفزت نتائج اختبارات الرياضيات في عام واحد من متوسط (٤٩ %) إلى (٨٨ %)، أما في القسم الأدبي فقد ارتفعت النسبة من (٥٠ %) إلى أكثر من (٩١ %)، أما على نطاق الانضباط السلوكي فقد نقصت المشاكل المتعلقة بالأدب بنسبة (٩٩ %) كما قال اسمثرمان للـ "سي إن إن".
كان من المتوقع أن يسر الكبراء في مدارس مقاطعة كولومبيا ولكن الغريب أن سمثرمان وُبِّخَ! ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وجهت إدارة مدارس مقاطعة كولومبيا المدرسين الذين طُرِدُوا من مدارس أخرى بسبب سوئهم إلى مدرسة ماتن، فلم يسع سمثرمان إزاء هذا التخريب -على حد قوله- إلاّ أن يستقيل، ومباشرة أعادت الإدارة البرنامج المختلط إلى المدرسة فلم يكن مستغرباً أن تتردى النتائج وترتد كما كانت في حقبة الاختلاط (٢).
فهلا استفدنا من تجارب مَنْ سبقونا؟!
стр. 764
التعليم المختلط في الصفوف الابتدائية نظرات علمية (٥)
إبراهيم بن عبد الله الأزرق
من خرافات بعض مثقفينا (العلمية) التي يستخدمونها أحياناً لترويج الاختلاط في التعليم ضمن الصفوف الابتدائية كخطوة تكسر الحواجز في النفوس وتنشئ جيلاً من البنين لا ينكر الخلطة ويألف الصداقة مع الأجنبي أو الأجنبية منذ نعومة أظفاره فلا يراها منكرة بل بريئة عادية؛ من تلك الخرافات زعمهم أن التعليم المختلط ينمي بعض الملكات عند الأطفال، فيجعل الطفل لبقاء في تعامله، مهذباً عارفاً بتباين مشاعر الجنسين، قادراً على التعاطي مع الآخر (!)، واثقاً بنفسه، بخلاف العزلة فإنها تكرس عقداً في نفس الطالب، فلا يحسن التعامل مع زوجه إذا كبر، وربما طلق أثناء الخطوبة! وربما زعم بعضهم أن الفصل وضرب الحجاب سبب في الكبت المؤدي للشذوذ الجنسي! بخلاف التعامل الأريحي بين الجنسين! وهذا موضوع آخر يردده بعض الببغاوات وضعفاء العقول لعل المجال يتسع للحديث عنه بالأرقام في غير هذا الموضع، فإحصاءات الغرب تجعل أقاويل هؤلاء أضاحيك، وتبين أن أصحابها يهرفون بما لا يعرفون وإنما يتخيلون ويتوهمون!
وعوداً إلى موضوعنا فهؤلاء الأذكياء الأدعياء الذين يحدثونا عن اللباقة والتعامل نسوا أثناء دعواهم تلك أن البنت قبل أن تدخل المدرسة وبعدها في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية -ليست ككثير من بنات الغرب- إذ لها نسبٌ معروف فهي تتعامل تعاملاً طبيعياً بريئاً مع أبيها وأخيها وذوي قرابتها، وأن الابن كذلك لم يخلق من العدم بل له أم، وخالة وعمة وجدة، وأخت وقائمة إناث من قرابته، وليست خطيبته أو زوجته أول امرأة في التاريخ يراها كما يتصورون!
ومع تلك السطحية التي لايستحون معها من إطلاق تلك الدعاوى العريضة لا يعتبر هؤلاء بحال الغرب الذي لم يعبأ بالفصل بين الجنسين، فهم يبصرون كمَّ الانحراف السلوكي الشذوذي والاضطراب النفسي العصبي، الذي يقود كثيراً منهم إلى الانتحار أو القتل والدمار واقتراف الجرائم البشعة، ثم لا يعتبرون!
ولهؤلاء المفتونين نذكر كلمات بعض أئمتهم من الغربيين المبنية على الحقائق العلمية والدراسات، لا على الخرافات والتخرصات وفي قضية اللباقة والقدرة على التعامل خاصة، أما إحصائيات الشذوذ والجريمة فأعرض عنها في هذه المقالة:
قال دكتور ليونارد ساكس: "إن فوائد التعليم غير المختلط ليست منحصرة في تحسين المستوى الدراسي، فقد أظهرت عدة دراسات، أن المتخرج من مدارس التعليم غير المختلط، أكثر ثقة بنفسه، وأكثر جدية في انتهاج سبيل التعليم" (١).
وأشار إلى دراسة آيرلندية قارنت بين الطالبات في المدارس غير المختلطة، مع طالبات المدارس المختلطة، فوجدت أن اللاتي يدرسن في مدارس غير مختلطة، أكثر ثقة بأنفسهن، بينما الأخريات يعتمد تقييمهن الذاتي على نظرتهن إلى المظهر الشخصي! يعني: ساذجةً سطحية تعتني بالقشور دون اللباب! فإذا كانت الفتاة في المدرسة المختلطة تظن أنها جميلة فعادة ما تكون ثقتها بنفسها عالية وإلاّ فلا! وبالمقابل وجدت الدراسة أن الطلاب في المدارس غير المختلطة، أكثر انفتاحاً لقبول شريحة أوسع من الموضوعات.
стр. 765
وفي دراسة أخرى ظهر أن البنين في المدارس غير المختلطة، أكثر حرية في متابعة المواضيع التي تميل إليها البنات عادة، وأن البنات اللاتي تخرجن من مدارس غير مختلطة أكثر قابلية لأن تكون موادهن الأساسية الرياضيات والعلوم، بفارق ستة أضعاف عن البنات اللاتي تخرجن من مدارس مختلطة (١).
وفي دراسة لباحثين بجامعة "ميشيجان" ( Michigan) ، تأكد أن الطلاب في المدارس غير المختلطة لديهم تطلعات تربوية أفضل، وثقة أعلى في قدراتهم، ومواقف إيجابية نحو الأكاديميين أكثر من طلاب المدارس المختلطة.
بالإضافة إلى أن البنات في المدارس غير المختلطة لم يكن بسذاجة المختلطات في تصور ما يمكن أن تفعله والنساء وما لا يمكنهن (٢).
بل أعجب من ذلك في محاورة حول التعليم غير المختلط استمعت إليها، قام أحد المداخلين للبرنامج بالاعتراض على ضيفه الدكتور ليونارد ساكس، زاعماً بأن التعليم غير المختلط يفقد الطالب القدرة على التعامل مع الجنس الآخر، [نفس ما يردده مقلدة الأباطرة].
وهذه دعوى معتبرة في المجتمعات الغربية فهم يرون أنهم يعيشون سوياً ويعملون سوياً، فلماذا يفصل بينهم في التعليم؟ خاصة مع الزعم بأن هذا الفصل يفقدهم القدرة على التعامل مع بعضهم.
فكانت المفاجأة أن بين له الدكتور ساكس أن هذا الزعم مجرد خرافة، أثبتت الدراسات خطأها، بل أفادت بأن المدارس غير المختلطة لا تؤثر على نفسية الدارس من ناحية تعامله مع الجنس الآخر، بل على العكس ففي دراسة أجريت على مجموعة من طلبة الجامعة، نصفهم من مدارس مختلطة، ونصفهم الآخر من مدارس غير مختلطة، تبين أن النصف الأخير واصل علاقات رومانسية بصورة عادية بينما الأول انقطعت علاقاته (٣) "!
فيا صاحبي إن كنت تروم علاقة رومانسية كما يقولون مع زوجتك فانْأَ عن الخلطة المحرمة، فإن لم تصدِّقني ولم ترض البحث العلمي فاسألها! فإن أبيت إلاّ خلافها فاعلم أنك تطلب سراباً بقيعة، وخير لك أن تسعى لمورد ماء يروي غليلاً ويهني قليلاً.
стр. 766
كيف بني تحريم الاختلاط ؟
لطف الله بن عبد العظيم خوجه
المقدمة:
الاختلاط موضوع كثر الكلام عنه، بكثرة من أباحه في الآونة الأخيرة، ممن له انتساب إلى العلم، ولن أكثر الجدل في هذه القضية، فأسردها على سبيل: فإن قالوا، قلنا. وهذا دليلهم، وهذا ردنا.
لكني سأقول كلمة مختصرة، يفهمها كل إنسان، يعرف ماذا أراد الله منه، وما نهاه عنه؟.
سأتجاوز ما لم يقل بتحريمه أحد من الناس، وهو ما كان عفويا غير مقصود لذاته، كالاختلاط في الطواف والأسواق والطرقات، وحضور المرأة للشهادة عند القاضي ونحو ذلك، وما كان له حكم الضرورة كخدمة النساء في الجيش وقت الحرب، حين يقل الرجال.
وسأتجه مباشرة إلى محل التحريم، ولا أقول الخلاف، فتسميته كذلك يعطي لقول المخالف قيمة، وهو لا قيمة له، فمحل التحريم هو: الاختلاط المنظَّم؛ المقصود لذاته.
وصورته جمع الطلاب والطالبات للدراسة في فصل واحد، والرجال والنساء للعمل في مكان واحد. بما يحدث به إزالة الحاجز؛ الذي هو الحجاب بين الجنسين، فيصبح هو زميلها، وهي زميلته. كصحبة الرجل للرجل، والمرأة للمرأة.
هذا النوع من الاختلاط محرم لا يشك في تحريمه عامي، فضلا عن العالم الصالح؛ فالأمر الذي لا يمكن التغاضي عنه: أن الغريزة الجنسية مسيطرة مهيمنة على هذه العلاقة.
فمن ذا الذي يدعي أنه لا يخف ويخفق حين يرى الشابة؟.
أما الذين يصفون هذا الرأي بالشهواني، ويشنعون على من ينبه إليه؛ أنه لا يرى في المرأة سوى موضع الشهوة والولد. فماذا كانوا يصنعون، وهم يتاجرون بأنوثة المرأة وإغرائها وجسدها في سوق الأفلام، والمسلسلات، والدعايات، والموضة: غير الضرب على وتر الشهوة والغريزة الجنسية؟!.
علينا بالحقائق التي لا تخفى على أحد، فموقع المرأة في نفس الرجل، وفتنته بها وإغراؤها، أمر أشهر من أن يستدل له. يكفي في ذلك ما نراه في المجتمع المختلط من افتتان يصل إلى السعار الجنسي، مع أن دعاة الاختلاط كانوا يقولون: الفصل والعزل يسبب السعار، والاختلاط يهذبه.
خلقت المرأة مهوى الرجل، وهو هواها .. هذه حقيقة .. بعد ذلك: لو جئت بهما، فجمعتهما جمعا، وخلطتهما خلطا، ثم أردت إليهما أن يكونا تقيين، محافظين، عفيفين. فأنت كمن يضع طعاما بين يدي جائع، ثم تقول له: صم ولا تفطر، وإياك إياك أن تبل يدك بالأدم.
نأتي إلى نصوص وردت، تسببت في اضطراب المبيحين؛ الذين كانوا يحرمون الاختلاط قبلا.
في تلك النصوص إخبار باختلاط الرجال والنساء، وأكثر من ذلك: أن تفلي المرأة شعر الرجل، وأن يردفها خلفه على الدابة، والمصافحة، والمجالسة، والخدمة، والأكل والوضوء معا .. إلى ما شئت.
نصوص أحدثت لبسا، حتى قيل: أين كانت قبل، لم بقيت حبيسة، لم نهتد بها إلى اليوم؟.
هي اليوم فتنة عمياء يعصم الله منها صاحب الدين، وصاحب العقل يعصمه عقله، لكن البلية إذا خلي منهما، فكان كمثل القائل: "فخر عليهم السقف من تحتهم". لا عقل ولا نقل.
إن علة خطأ المبيحين: أنهم لا يعرفون كيف تبنى الأحكام الشرعية. فالأحكام بناء كبناء البيت، لا يكفي جمع مواده ليصلح للسكنى، إنما بمعرفة وضع كل مادة مكانها، هنالك يكون مأوى وملاذا، وعند عامة الناس علم عام بمواضع البناء، من دون إحكام، لا يحكمه إلا المهندس الخبير. كذلك بناء الأحكام الشرعية لا يحكمه إلا العالم الراسخ.
والذين تكلموا في إباحة الاختلاط أبانوا عن جهل بطريق بناء الحكم، بظنهم أن مجرد وقوفهم على نص ظاهره أو حتى باطنه مبيح، يكفي في استخراج حكم بالجواز.
стр. 767
ولو صح ظنهم لكان لازمه الذي لا ينفك، إباحة الخمر، حيث إن فيه نصوصا ظاهرها وباطنها جواز شربه، كقصة حمزة عم النبي ﷺ لما شرب الخمر وصار يقول للجمع، ومعهم رسول الله ﷺ : "ما أنتم إلا عبيد أبي".
وإباحة أشياء أخرى فيها مثل ما في الخمر، ولأجله لا يصح - ديانة - لمن لم يعرف الطريق أن يتطفل عليه، حتى يتفقه ويعرف طرق التأويل والاستنباط والقياس، ويتعلم الأصول والقواعد الفقهية، ويحيط بالناسخ والمنسوخ وما كان أصلا أو استثناءً، وحال الضرورة والسعة، ومراتب الأوامر النبوية.
والاختلاط فيه نصوص متعارضة، وليس هو بدعة في هذا، بل لو نظرت في سائر الأحكام الشرعية لوجدت فيها من التعارض ما في الاختلاط بل أشد، فلو أعملت نصوص الإباحة، عطلت نصوص التحريم. ولو أعملت التحريم عطلت الإباحة. فكان لا بد من الجمع والدراسة. فكيف ذلك؟
بني تحريم الاختلاط وتأسس وتأصل وفق أنواع منوعة من النصوص، وهي نصوص في غاية الرسوخ والثبوت والقوة، محكمة قطعية: قولية، وفعلية مؤيدة بالقولية، متأخرة ناسخة، أصل وأساس وقاعدة، لا يملك أحد تبديلها ولا تحريفها.
وهي نصوص دالة على التحريم، إما بالمطابقة، أو التضمن، أو اللزوم، فقد احتوت على أنواع الدلالات الثلاث كلها.
فأما الإباحة فبنيت على نصوص متشابهة ظنية: فعلية لا قولية، استثناء، وحالة ضرورة، متقدمة منسوخة، وبعضها ليست مصدرا للتشريع؛ كونها ليست صادرة من صاحب الشريعة، بل ممن يؤخذ من قوله وفعله ويرد.
وسأعرض كيف بني التحريم، ثم الإباحة؛ ليتبين لمن اتسع إدراكه وخلي من التخبط والميل، فرق ما بين البنائين؛ بنيان تأسَّس على المحكمات القطعيات، وبنيان تأسَّس على المتشابهات الظنيات.
* * *
نصوص التحريم:
إن التحريم تأسَّس وفق:
نصوص القرار، والحجاب، وغض البصر، والتحذير من فتنة النساء، والمباعدة بين النساء والرجال.
فأما القرار، فدليله قوله تعالى: "وقرن في بيوتكن".
وحِكَمُ القرار متعددة، منها: التباعد عن الرجال.
يدل على هذه الحكمة قوله ﵊: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان). أي زيَّنها في أعين الناظرين. وهذا ما يحصل حقا، فإذا قرّت فلم تخرج إلا لحاجة أو ضرورة قللت فُرَصَهُ لاستشرافها، فإذا ما خالطت لم يعد للقرار معنى؛ فإذا ما نسب للشارع إباحة الاختلاط، تبادر إلى الذهن، كيف يأمر بالقرار ثم يبيح الاختلاط؟!.
ولذا فمن أباح الاختلاط، ادعى أن الأمر بالقرار خاص بأزواج النبي ﵇ ... هكذا؟!!.
نعم، قد ورد الخطاب موجَّها إلى أزواج النبي ﷺ ، لكن حكمه عام، بدلالة نصوص السنة؛ ففي أحاديث كثيرة أمر للنساء بالقرار، كحديث أم حميد الساعدي، وفيه: (صلاتك في بيتك خير من صلاتك في مسجدي). قال القرطبي: "معنى الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي ﷺ ، فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة".
ولم يرد عن أحد من المتقدمين مفسرين وغيرهم، قصر الحكم على أزواج النبي ﷺ ، حتى قال ذلك بعض المحدثين، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ولو كان الحكم خاصا بالأزواج لكون الخطاب جاء لهن، لكانت الشريعة كلها خاصة بالصحابة، حيث كان الخطاب إليهم حينئذ.
وأما نصوص الحجاب. فقوله تعالى:
- "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب".
- "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن".
стр. 768
ومن المتفق عليه بلا خلاف: أن النساء مأمورات بالاستتار عن أعين الرجال؛ فالحجاب من الحجب وهو المنع والحجز، وذلك بستر البدن وتقاسيمه وتفاصيله، فيشترط فيه جلباب:
- سابغ لستر البشرة.
- وواسع لستر تقاسيم البدن.
فكيف يمكن الامتثال لهذا الحكم في بيئة مختلطة؟.
إن ذلك لمحال؛ لأن الحجاب مجرد خرقة وقماش ينسدل على بدن المرأة، يتحرك بحركتها، فانكشاف شيء من بشرتها، أو بدوّ تفاصيل وتقاسيم بدنها وارد بل حاصل، إنها لا تأمن ذلك وهي تمر في الطريق والسوق مرور الكرام، فإذا صارت في اختلاط منظم، فمن المحال أن تحترز، وهي المضطرة للقيام والقعود، والدخول والخروج، والانحناء والالتفات على الدوام؛ لطول المكث، وللحاجة إلى ذلك.
وهذه سمة في الاختلاط المنظم: طول المكث لساعات قرب الرجال.
فالتستر في الاختلاط تكليف بما لا يطاق، والله إذا حرم شيئا حرم وسائله؛ حرم الخمر فحرم بيعه وشراءه. وحرم الربا فحرم كتابته والشهادة عليه، كذلك حرم على المرأة إبداء زينتها، وحرم كل وسيلة وذريعة محققة إلى ذلك، كالاختلاط الطويل.
فتحقيق الحكمة من الحجاب (= ستر البشرة وتقاسيم البدن) في اختلاط منظم متعذر غاية التعذر، وما كان الشارع ليأمرها بالاستتار، ثم يبيح لها الاختلاط، إن هذا عين التناقض، ولا تناقض في الشريعة. قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا".
وأما نصوص غض البصر.
فقوله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن .. ".
غض البصر من الرجال عن محاسن المرأة؛ سواء البشرة إذا انكشفت، أو تقاسيم البدن إذا بدت من وراء الحجاب: مأمور به.
وسواء قيل بوجوب تغطية الوجه والكفين أم لا، فإن غض البصر واجب عن سائر البدن.
والشاهد من هذا الدليل: أن الغض متعذر بل ممتنع في الاختلاط المنظم؛ لطول المكث في مجلس واحد، فصرف البصر من كليهما غير ممكن، وتحوط المرأة في حجابها شاق؛ إذ طول المقام يلجئها إلى تغيير أوضاعها، مما سيبدي حتما ما يجب ستره.
فما كان الشارع ليأمر بغض البصر من كليهما، ثم يبيح اختلاطهما على هذه الصورة، فإن في الإباحة تحريضا وتيسيرا للنظر، وإتباعه بنظرة أخرى، وقد قال ﷺ : "يا علي!، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة". رواه الترمذي، وصححه الألباني.
فالمختلط إذا قدر على الغض في الأولى، فهل سيصمد في الثانية، أو الثالثة إلى المائة، وهي كذلك، هما كل يوم في لقاءات مستمرة لساعات طويلة، قد تبلغ الثمان والعشر؟.
وعن نصوص التحذير من فتنة النساء. قال ﷺ :
- (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء). رواه البخاري.
- (واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). رواه مسلم.
وصف المرأة بأنها فتنة؛ بمعنى أنها إغراء للرجل، تقوده إلى مواقعتها، بقصد منها أو حتى بدون قصد؛ إذ هي بذاتها مصدر إغراء له، حتى لو لم ترد إغراءه، وبهذا صار للنسل امتداد وبقاء، فإغراؤها ليس عيبا ولا نقصا، بل مطلب في المباح لتحقيق مصالح للرجل والمرأة من التمتع والرحمة والمودة والذرية.
وأمر باتقائها، والمعنى: اجتناب فتنتها وإغرائها، ليس المنهي مواقعتها بالفاحشة فحسب، بل باجتناب المقدمات أيضا، من: نظر، وكلام لين، وسماع بتلذذ، ولمس باليد إلى غير ذلك. فقد نهى عن كل هذه المقدمات، وأبلغ حين قال: (العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا). رواه مسلم.
стр. 769
فوصف مقدمات الزنا بأنها من الزنا، باعتبار أن مآلها إلى ذلك، أو المعنى كل عضو زناه بحسبه، فالعين لا تقدر على أكثر من النظر، والأذن لا تقدر على أكثر من السمع، وهكذا اللسان واليد والرجل، فكان كل تلذذ بالمرأة ليست حليلة هو كذلك.
وفي الاختلاط من ذا الذي يسلم من زنا العين، والأذن، لو سلم من اللسان واليد والرجل. فإن سلم فكم هو عدد السالمين مقابل المفتونين. ولم كل هذا العناء في فتح الأبواب على الفتنة، ولا مصلحة مرجوة من الاختلاط، وكل هدف وغاية يمكن الوصول إليها من غيره؟.
أَمْرُ النبي ﷺ باتقاء النساء، ووصفه بأنهن فتنة، حكم ضمني بتحريم الاختلاط بهن؛ إذ الاتقاء فيه غير متحقق، والفتنة حاصلة، والحقائق يتعذر تكذيبها إلا من مغالط أو مطبق في جهالة.
وعن نصوص المباعدة بين الجنسين، وهي كثيرة، تنص وتتضمن منع الاختلاط المنظم وهي على قسمين:
- الأول: نصوص قولية، تتضمن الأمر بالمباعدة بينهما.
- الثاني: نصوص عملية، تتضمن تطبيق الفصل والمباعدة عمليا.
ففي الصلاة باعد بينهما، فجعل صفوفهن في المؤخرة، وقال مؤكدا وقاصدا ومرغبا في المباعدة بينهما فقال ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها). رواه مسلم.
فماذا يفهم من هذا القول، وهذا التطبيق العملي؟، هل يفهم منهما تسويغ الخلط بالقصد والعمد؟!.
هذا من الأدلة على تحريم الخلط المنظم، فالصلاة نظام، في كل يوم خمس مرات يجتمع الناس على هيئة واحدة، ورسول الله ﷺ يباعد بينهما قولا وعملا، ويحذر حتى مما ليس في قدرة أحد تحاشيه، فالمتأخر ليس له إلا الصفوف الأخيرة، والمبكرة ليس لها إلا الصفوف الأولى، ومع ذلك جعلها عليهن شر الصفوف، وعليهم كذلك.
فمن فهم هذا تساءل: كيف يمكن أن ينسب إلى الشارع إباحة الاختلاط المنظم في تعليم أو عمل، وهو يرى هذا الحرص البالغ من رسول الله ﷺ على الفصل في الصلاة قولا وعملا؟.
ثم جعل لهن بابا، فقال: (لو تركنا هذا الباب للنساء). فما دخل منه الصحابة بعدها. رواه أبو داود،
وكان إذا انصرف من صلاته مكث قدر ما ينصرف به النساء من المسجد، ثم ينصرف إلى الناس، وهم لا ينصرفون إلا بانصرافه، حتى لا يختلطوا عند أبواب المسجد.
كذلك هذا منع للاختلاط المنظم؛ إذ الدخول والخروج من المسجد يتم في اليوم خمس مرات.
عن أم سلمة: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، وهو يمكث في مقامه يسيرا قبل أن يقوم). رواه البخاري.
قال الزهري: " نرى أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال".
وأكثر من ذلك، كان يأمرهن بالمشي في حواف الطريق، وأن يدعن الوسط للرجال، فيفصل بينهما حتى في الطرقات، فهذا الاختلاط عفوي غير المنظم، ثم مع ذلك حبذ لهن التجافي عنه وتحاشيه.
عن أبي سعيد ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال النبي للنساء: (استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق). "فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به". رواه أبو داود وصححه الألباني.
بعد ذلك، نأتي إلى الاختلاط في العلم، فقد كان مجلسه للعلم للرجال وحدهم، مما حدا بالنساء أن يطلبن يوما للتعلم، فخصهن بيوم، ولم يأت بهن في مجالس الرجال؛ لينهلا سويا في مجلس مشترك مختلط، أليس هذا دليلا صريحا في منع المنظم من الاختلاط؟.
стр. 770
ألم يكن في القدرة الجمع بينهما؛ لتنال المرأة القسط ذاته من العلم الذي يناله الرجل، وهي بين أطهر الناس وأعلاهم دينا وعلما؛ الذين زكاهم الله تعالى ورضي عنهم؟.
عن أبي سعيد الخدري: قالت النساء للنبي ﷺ ، غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها، إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنين؟. فقال: واثنين). رواه البخاري.
* * *
هذه هي نصوص التحريم، أنواعا منوعة، كل نوع منها تحته أفراد كثيرة من الآثار محكمة الدلالة، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن له، من بيان تحريم الاختلاط المنظم المقصود بين الجنسين.
وهي نصوص دالة على التحريم إما بالمطابقة، أو بالتضمن، أو باللزوم. فقد احتوت على أنواع الدلالات الثلاثة كلها.
فنصوص المباعدة والفصل بين الجنسين، دالة على تحريم الاختلاط بالمطابقة؛ أي طريق مباشرة، فهي نص في المسألة، فلم يكن منه ﷺ سعي ولا حرص على خلط الرجال والنساء في مجلس واحد، فلم يكن في مجلسه إلا الرجال، إلا استثناءً وعرضا، كأن تأتي سائلة، أو شاكية، أو مستفتية، أو واهبة نفسها للنبي، لم يكن في مجلسه للشورى والعلم والتخطيط والمدارسة عائشة، ولا حفصة، ولا أم سليم، ولا صفية بنت عبد المطلب عمته، بل ولا ابنته فاطمة. وقد كنّ خيرة النساء مبشرات بالجنة. وهكذا مجالس أصحابه الخلفاء الراشدون من بعده خالية من العنصر النسائي.
ولم يعرف عنه ﷺ ، دعوته تجار الصحابة توظيف بنات الصحابة الفقراء في تجارتهم لسد عوزهن، ولا إرسالهن إلى الآفاق وحدهن للدعوة أو التعليم أو العلم، بل لما خرجت امرأة إلى الحج وحدها، أمر زوجها - وكان قد اكتتب في غزوة - أن يدع الغزوة ويلحق بها.
ونصوص الحجاب تضمنت تحريم الاختلاط .. فإن الحجاب معناه الحجز والفصل والمنع، وفي الاختلاط ينتفي هذا المعنى، وإنما سمح بالاختلاط العفوي - بالرغم من أنه تقارب ينافي معنى الحجاب- للضرورة والحاجة ورفع الحرج عن الأمة، فهو استثناء وليس بأصل، فإذا لم يكن ثمة ضرورة .. فالتباعد والتجافي.
كذلك نصوص القرار، فقد تضمنت التحريم، فقد أمرت المرأة بالقرار للتباعد عن الرجال ..
وأما نصوص غض البصر، فهي دائرة بين التضمن واللزوم:
فيمكن القول: إنها تضمنت منع الاختلاط؛ لاستحالة غض البصر في الاختلاط.
ويمكن القول: إنه يلزم عنها عدم الاختلاط؛ لتعذر ومشقة غض البصر حينئذ.
وكلا الحالين يمثلها فئة من الناس، فمن الناس من يستحيل في حقه غض البصر؛ لولعه بالنساء، وهؤلاء كثيرون موجودون متعطشون. ومن الناس من يشق عليه جدا، فهذا في معاناة لا يعلم بها إلا الله تعالى. فلذلك للدلالتين في هذا النوع نصيب.
فأما نصوص الفتنة والاتقاء، فقد دلت على التحريم من طريق اللزوم، فيلزم لمن أراد أن يتقي فتنة النساء، التباعد عنهن وعدم التقارب إلا بقدر الضرورة والحاجة، وما كان بغير قصد.
كل هذه الأنواع من الأدلة تجاوزها المبيحون، ولم يقدروها حق قدرها وجلالتها وهيبتها، فإنه من العسير جدا ردها، أو إبطال دلالتها الظاهرة، وهي كافية في تأسيس الحكم، فلو أتى ما يشكل عليها، فالواجب طرحها أو تأويلها، كما تطرح النصوص التي أشكلت على عدالة الصحابة أو تُأَوّل.
هذه النصوص هي التي بني عليها حكم التحريم، فإنها صحيحة ثابتة، صريحة محكمة، وبمثلها تقوم الأحكام:
فهي آيات قرآنية، وأحاديث نبوية ثابتة، والطعن في صحة بعض منها لا يضر؛ فليست حديثا واحدا ولا حديثين، ليظن مبيح الاختلاط: أن بتضعيف بعضها يسقط تحريم الاختلاط.
стр. 771
كلا، بل أحاديث كثيرة منوعة، مروية في السنن والصحاح وفي البخاري ومسلم؛ أهم مصدرين للسنة تلقتهما الأمة بالقبول، إذا لم يقم بالحكم حديث قام به غيره، وأسندته أحاديث كثيرة ثابتة.
ثم إن تلك النصوص صريحة محكمة؛ لا تحتمل إلا معنى واحدا.
وإن أول سؤال يرد هنا بعد هذا التأسيس لتحريم الاختلاط، بمثل هذه النصوص الوفيرة المنوعة:
ما جواب المبيحين عنها، وما موقفهم منها، هل قبلوها، أم أعرضوا عنها، أم حرفوا معانيها؟.
الجواب: لما كانت من الوضوح بمكان، عمد مبيح الاختلاط إلى تأويلها، وصرف معانيها إلى ما يتوافق والاختلاط، أو الإعراض عنها!!؛ لأنه عسير الجمع بينهما.
- ادعوا أن حكم القرار خاص بأزواج النبي ﷺ ، وقد أتوا في هذا بالعجب، وأفصحوا عن قلة فقه وبصيرة بمعاني الأوامر الإلهية، فإن عمدتهم في هذا: أن الخطاب توجه إلى الأزواج.
ويرد على مذهبهم هذا من وجوه:
الأول: أنه يلزم عن قولهم هذا، أن كل خطاب توجه إلى أحد بعينه، فحكمه خاص به، وحينئذ فالشريعة كلها خاصة بالصحابة؛ لأن الأمر الإلهي نزل يخاطبهم حين نزل، فمن بعدهم لم يأت بعد.
وما هكذا سبيل العلماء، سبيلهم أن الحكم يخص المخاطب بشرط هو: إذا ورد دليل آخر يدل على الخصوصية. وقد قال تعالى مخاطبا الأزواج: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى". فهل سيدّعون أن النهي عن التبرج أيضا خاص بالأزواج؛ لأن الخطاب توجه إليهن؟.
الثاني: دلت أدلة أخرى على: أن الحكم يعم جميع النساء. كحديث أم حميد الساعدي: (صلاتك في بيتك خير من صلاتك في مسجدي). فتأكد أن مخاطبة الأزواج لم يكن بغرض اختصاصهن بالحكم.
الثالث: لم ينقل أحد من المفسرين أن الحكم بالقرار خاص بأزواج النبي، بل قال القرطبي: "الشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة".
الرابع: قيل لهم: لم خص الأزواج بالقرار؟. قالوا: لحرمتهن ومنزلتهن.
فيقال لهم: هذه الحرمة والمنزلة تشمل فاطمة بنت رسول الله ولا شك. فيجب عليها القرار أم لا؟.
فإن قالوا: يجب عليها القرار. فهاهم أدخلوا من لم يتوجه الخطاب إليه، فبطل قولهم بالتخصيص.
وإن قالوا: لا يجب عليها القرار؛ لأنها لم تخاطب. بطل تعليلهم، وما بني عليه من التخصيص.
فكيفما قدرت، فقولهم باطل.
- لكن ماذا صنعوا بالحجاب، وهو أصرح الأدلة على منع الاختلاط؛ إذ لا معنى له ولا فائدة مع إباحة الاختلاط، فالحجاب هو الفصل والمباعدة، والاختلاط عكس ذلك؟.
لما كانوا في هذه الإباحة للاختلاط المنظم متناقضين مع معنى الحجاب والحكمة منه، صاروا إلى القول بالتخفف منه، حتى يتلاءموا مع هذا الوضع الجديد، المناقض للحجاب، فمن كان يقول بوجوب تغطية الوجه، رجع إلى القول بالكشف، ومن كان يقول بكشف الوجه، وأفضلية تغطيته، عاد يقول: الأحسن الكشف، حتى تقدر على أداء مهامها دون عائق بصري، قد ينتج عنه خطأ وكارثة.
حتى وصل بها الحال إلى حجاب يغطي الرأس فحسب، ثم تلبس ما تشاء من قميص وإزار حتى "البنطلون"، ولو بدا تفاصيل الجسد؛ أي جعلوا مجرد ستر البدن هو الفرض دون تقاسيمه وتفاصيله، وهذا بالاتفاق منكر، فانتشر هذا واشتهر، فأنكروه أولاً على خجل، ثم سكتوا، ثم قبلوه وأقروه؛ بأن الواقع الجديد يتطلب هذا النوع من الحجاب، وهكذا دخلوا في فكرة عصرنة الإسلام؛ أي تطويع أحكام الإسلام بما يناسب أحوال العصر .. صار العصر هو الإله؟!!.
ومن الدليل على هذا: تجويزهم - بل دعوتهم - للمرأة المشاركة في الأولمبياد الرياضية، وبالقطع لن تستطيع المشاركة بالحجاب الشرعي السابغ، إنما بحجابهم العصري المجسم المقسم للبدن.
وتجويزهم المشاركة في التمثيل، والغناء بين الرجال، إلى غير ذلك ..
стр. 772
صاروا إلى القول بأن للمرأة أن تمارس كافة النشاطات - بلا استثناء - بين الرجال .. "بحجابها".؟!!.
وهكذا هدموا الحجاب نفسه ونقضوه، بعدما هدموا معناه بإباحتهم الاختلاط، فما عاد حجاب هؤلاء النسوة والفتيات كحجاب الصحابيات والمؤمنات، وكما جاء الوصف في القرآن جلبابا يغطي من الرأس حتى القدم، واستقر عليه تفسير الصحابة، قال تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما".
قال ابن عباس: "أمر الله نساء المؤمنين، إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة".
فأين هذا من حجاب ليس إلا الخمار فحسب، لا يغطي إلا شعر الرأس والعنق، وبقية البدن خالٍ من الجلباب، ظاهر المفاتن لكل عين؟.
ولا عجب من الوصول إلى هذا الحال؛ فهو يؤكد ما تقدم: أن الحجاب والاختلاط المنظم يتنافيان.
- أما عن موقفهم من نصوص غض البصر. فلما علموا استحالة غض البصر في الاختلاط، حرفوا معنى الأمر الإلهي؛ ليتلاءم مع حياة الاختلاط.
فعندهم: يغض بصره إذا خشي الفتنة.
فانظر إلى هذا التحريف البيّن: أمرت الآية بغض البصر ابتداءً، منعا للفتنة ..
وهم يبيحون النظر والاسترسال، حتى إذا خشي الفتنة، أمروه بالكف.
فمن يتبعون: آلآية، أم أهواءهم؟.
- وعن نصوص الفتنة والاتقاء للنساء، هم يغضون البصر، ويكفون عن التأمل.
ونحن نتكلم عن المنتسبين للعلم والدعوة، أما غيرهم فيسخرون منها، وهم يعلمون أنها كلام نبوي شريف قاله ونطق به من لا ينطق عن الهوى، فيقولون: لا يزال فينا إلى اليوم من يعتقد أن المرأة عورة، وأنها فتنة؟؟!! ..
- وإذ نأتي إلى نصوص المباعدة والفصل، فإنهم كانوا أشد إعراضا لها.
ألقوها خلفهم ظهريا، ولم يرفعوا رأسا بفصله صلوات الله وسلامه عليه بين النساء والرجال في المساجد، وعند أبوابها، والطرقات، وفي مجالس العلم، وفي المواعظ والدروس والشورى والسفر والحضر والتجارات والأعمال.
إنما عارضوها بما ظنوه مبيحا للاختلاط، في الطواف والأسواق والجهاد، ولم يتفكروا:
إذا كانت هذه تبيح وتلك تمنع، فكيف جاز لهم تقديم الإباحة وتعطيل المنع، فأيهما الأولى بالتقديم؟.
كان الأولى بهم النظر، لتحديد ما يكون هو الفرض والواجب تقديمه، فإن اعتاص عليهم، قلدوا الراسخين في العلم، وحينئذ لن يملكوا إلا تقديم النصوص القولية المؤيدة بالتطبيقات العلمية -وهذه حال ووصف النصوص المحرمة للاختلاط- على النصوص العملية غير المؤيدة بالقولية، وهذه حال ووصف المبيحة، والتي فوق ذلك هي محتملة متشابهة؛ لها أكثر من معنى.
قال الله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما".
* * *
نصوص المبيحين:
أتينا إلى ما ظنوا حجة ورأيا سديدا .. وحين يكمل عقل المرء ودينه وفقهه، يكفيه ما مضى من تأصيل لتأسيس الحكم لديه، ومعرفة ماذا شرع الله تعالى في العلاقة بين الجنسين.
فإذا ما عرض له شيء ظاهره يخالف ما تقرر وتأصل وتأسس، فإنه يلجأ إلى تخريجه والجواب عنه بما يحفظ الأصل ويقره، فهذا حال الراسخين في العلم والمؤمنين، أما حال غيرهم ممن قصر فقهه أو ممن زاغ وابتغى الفتنة، فَيَدَعون الأصل؛ ليعتنوا بالعارض الطارئ، فيجعلوه هو الأصل، على شذوذه وضعفه، فيستنبطوا منه حكما أصليا ثابتا، ينقضون به الثابت المستقر الصادر بالأمر الإلهي.
стр. 773
فحالهم كحال الذي بلغه: أن الحاكم أصدر مرسوما بمنع البيع والشراء بعد الثانية عشرة ليلا، وأعلن ذلك على الجميع، وتأكد بمراسيم أخرى، ثم مر يوما فرأى صيدلية تفتح أبوابها في الواحدة صباحا، ثم تكرر منه رؤية ذلك، ومر فوجد دكانا كبيرا يبيع في الثالثة صباحا، إلى جانبه آخر صغير كذلك.
وفي الأثناء أخذ كتابا قديما، فقرأ فيه: أن الناس في هذه البلدة يتبايعون ليلا ونهارا.
فاستنبط من ذلك: أن المرسوم قد ألغي. والدليل: هذه المحَاَلّ المفتوحة، وما في الكتاب القديم من خبر. بل زاد على ذلك: عجبه من إحجام البقية عن استغلال هذا الإذن، والعودة لمنافع البيع والشراء.
وما درى هذا: أن تلك المحال مستثناة من المرسوم، لحاجة الناس الدائمة، والمرسوم على حاله من المنع. أما الدكان الصغير، فهو مخالف يستحق العقوبة، وما في الكتاب القديم، كان قبل الأمر.
والقصد: أنه ما من أمر سواءً كان إلهيا، أو بشريا. وإلا ويعتريه استثناءات للحاجة والضرورة، وهناك من يخرقه ويخالفه قصدا، ومن يخالفه سهوا ونسيانا. فلو كانت هذه الأحوال المخالفة -بعذر أو بدون عذر- سببا كافيا لإلغاء الأمر، لألغيت الأوامر كلها، وما ثبت أمر ألبتة.
وهكذا أحكام الشريعة، فيها أمر عام، يتأسس بالنصوص الصحيحة والصريحة في المعنى، كنصوص منع الاختلاط، ثم يطرأ عليها أحوال استثنائية، أو يوجد من يخالفها، لكنها لا ترقى أن تبطلها.
وقد جاء عن النبي ﷺ نهي عن استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط. ثم إن ابن عمر مرة ارتقى جدارا، فرأى النبي ﵇ يقضي حاجته مستقبلا أو مستدبرا القبلة. فذهب العلماء إلى قولين في المسألة:
الأول: أن هذا الفعل تخصيص لعموم النهي. فإذا كان في فضاء منع، وإذا كان دون القبلة حاجز جاز.
الثاني: أن القول مقدم على الفعل؛ لأن القول مقصود لذاته، ونحن مأمورون بطاعة قوله، وأما الفعل فقد يكون سهوا، وقد يكون عمدا، فلما احتمل، وتعذر الترجيح، بقي النهي على عمومه.
وهكذا لم نجد بينهم من عارض وضرب قوله بفعله، فعطل الأمر بالفعل، فأجاز بين البنيان مطلقا، لكن الذين أباحوا الاختلاط خالفوا سبيل العلماء الراسخين، فضربوا قوله بفعله ..
* * *
وهذا يتبين بما يلي:
إن نصوص المبيحين لاختلاط الرجال بالنساء ضعيفة في دلالتها، وهي كذلك في غير محل النزاع ..
فأما كونها ضعيفة الدلالة، فلأمور أربعة هي: أنها عملية، متشابهة، مبيحة، على البراءة الأصلية.
الأول: أنها عملية.
ليست بقولية، والمعلوم عن أهل الأصول والفقهاء والمحدثين، من حيث المبدأ والأصل:
أن القول مقدم على الفعل، وأن ما كان أمرا بالقول فهو مقصود لذاته؛ لأنه موضوع للدلالة على الأمر، بلا خلاف، وهو يدل على الوجوب بنفسه من غير واسطة.
والدليل يؤكد هذا، فإن الله تعالى يقول: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"، فقال: ﴿عن أمره﴾، والأمر هو القول، قال تعالى: "ولكن حق القول مني: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين".
فأما الفعل فإنه قد يكون مقصودا، وقد لا يكون مقصودا، وقد يكون عمدا، وقد يكون سهوا، كما تقدم في مثال استقبال القبلة في قضاء الحاجة، فلا يأخذ منه حكم ابتداءً، لكن القول يؤخذ منه. فقول النبي ﷺ يتعدى إلى غيره بنفسه، بخلاف فعله، فلا يتعدى إلا بدليل. فإذا اجتمعا كان التمسك بقوله، وحمل فعله على التخصيص ونحوه هو الواجب.
قال الزركشي في البحر المحيط ٦/ ١٧٧:
"أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا، فيقدم القول؛ لأن له صيغة، والفعل لا صيغة له".
والكلام نفسه بحروفه ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول ٢/ ٣٩٣.
стр. 774
وقال الزركشي أيضا ٤/ ١٩٨: "مذهب الجمهور: تقديم القول:
- لقوته بالصيغة.
- وأنه حجة بنفسه.
وظاهر كلام ابن برهان أنه المذهب.
وجزم به إلكيا. قال: لأن فعله لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل، وحق قوله أن يتعداه، فإذا اجتمعا تمسكنا بقوله، وحملنا فعله على أنه مخصوص به.
وكذا جزم به الأستاذ أبو منصور، وصححه الشيخ في اللمع، والإمام في المحصول، والآمدي في الأحكام، والقرطبي وابن حزم".
قال في الكوكب المنير ٢/ ٢٠٢: " (وإن جهل) هل تقدم الفعل على القول، أو تأخر عنه (وجب العمل بالقول) دون الفعل؛ لأن القول أقوى دلالة على الفعل:
- لوضعه لها.
- ولعدم الاختلاف في كونه دالا.
- ولدلالته على الوجوب وغيره بلا واسطة.
- ولأن القول يدل على المعقول المحسوس، فيكون أعم فائدة".
الثاني: أنها متشابهة.
أي محتملة لأكثر من معنى، كما سنبين في المثال الآتي، والنصوص المتشابهة لا يؤخذ من معانيها إلا المعنى الموافق للمحكم، ويطرح ما عداه، لكن المبيحين أخذوا المعنى المعارض للمحكم، وطرحوا الموافق له، عكس سبيل المؤمنين العلماء الراسخين في العلم.
الثالث: أنها مبيحة.
تقابلها نصوص تقتضي الحظر، والحظر مقدم على الإباحة؛ لأن المحرمات يحتاط لإثباتها ما أمكن.
قال الرزكشي في البحر المحيط ٦/ ١٧٠: "أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط؛ أن يقتضي الحظر، والآخر الإباحة، فيقدم مقتضى الحظر؛ لأن المحرمات يحتاط لإثباتها ما أمكن، ولحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ".
وفيه ٦/ ١٧١: "أن القاضي بكار سأل المزني: يا أبا إبراهيم!، جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم قدمتم التحريم على التحليل؟. فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم نسخ، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا، فهذا يعضد الأحاديث بالتحريم. فاستحسن ذلك منه".
وعلى النسق نفسه نقول: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن الاختلاط كان حراما في الجاهلية ثم نسخ، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا أو مباحا غير محرم، فهذا يعضد الأحاديث بالتحريم؛ أي يدل على نسخ الإباحة.
الرابع: أنها على أصل البراءة.
والتحريم والحظر ناقل، والناقل عن الأصل مقدم؛ لأن فيه زيادة وهو الحكم بالتحريم، أما الأصل والبراءة فليس فيه حكم، بل مسكوت عنه، جارٍ على العادة.
قال الزركشي ٦/ ١٦٩: "أن يكون أحد الخبرين مفيدا لحكم الأصل والبراءة، والثاني ناقلا، فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل".
فدلالة نصوص الإباحة ضعيفة لواحد من هذه الأمور منفردا، فكيف بها مجتمعة؟.
أي لو فرض عدم معرفة تاريخ المتقدم والمتأخر والمنسوخ والناسخ، لكانت هذه الأمور الأربعة -منفردة أو مجتمعة- كافية في إبطال الإباحة وتقديم الحظر والتحريم، كيف وقد علم يقينا أن هذه النصوص لا تعارض التحريم، كونها في غير محل النزاع.
فكونها في غير محل النزاع، فلثلاثة أمور:
الأول: أنها نصوص كانت قبل الحجاب.
كحديث دخوله ﷺ على أم حرام وأم سليم، وإضافة الرجل وزوجه للضيف وأكلهما معه، وخدمة أم أسيد الحضور من الرجال يوم عرسها، ودخول عائشة على أبيها وبلال لما قدما المدينة وبهما حمى يثرب، ووضوء الرجال والنساء جميعا وغير ذلك، فكل هذه عليها قرائن ثابتة تبين أنها كانت قبل نزول الحجاب في نهاية السنة الرابعة، فلا حجة فيها إذن.
فحديث أم سليم وأم حرام سيأتي تفصيله، وحديث الضيف يدل على فقر كان بالصحابة، حيث لم يتعرض لإضافته سوى هذا الرجل، ولم يكن معه شيء هو أيضا، إلا قوت أولاده، وكذلك الناس كانوا قبل نهاية السنة الرابعة (= سنة الحجاب)، حتى فتح عليهم من الرزق بعد ذلك.
стр. 775
وأم أسيد ولدت أسيدا، وهو معدود في الصحابة، فمن المقطوع به أنه ولد قبل الحجاب، وإلا كان عمره عند وفاة النبي ﷺ أربع سنين.
وعائشة إنما دخلت على أبيها وبلالاً في أول مقدمهم إلى المدينة، حيث كان بها حمى يثرب، حتى دعا النبي ﷺ ، فنقل حماها إلى الجحفة.
ووضوء الرجال والنساء جميعا قطعا كان قبل الحجاب، لو كان معنى "جميعا": في آن واحد، من إناء واحد. لأنه بالاتفاق لا يجوز للمرأة تبدي للأجنبي قدمها، وساعدها حتى المرفق، ورأسها وشعرها وأذنها، وكل ذلك من مواضع الوضوء، فوضوءها عند الرجال يعني كشف كل ذلك. وكلام الشارع لا يتناقض، حيث أمرها بستر كل ذلك أمرا صريحا.
الثاني: أنها كانت مع محارم.
كما قد ذهب بعض العلماء في حق أم حرام وأم سليم أنهما كانتا خالتي النبي ﷺ من الرضاع، حيث رضعن مع أمه آمنة، والتي كان أخوالها من الأنصار، وكذا في قصة المرأة التي كان تفلي شعر أبي موسى الأشعري في حجة الوداع، يحتمل أنها كانت من محارمه.
الثالث: أنها حالات استثنائية:
- فمنها ما كان ضرورة وحاجة، كخروج النساء للجهاد؛ لقلة الرجال، فلما كثروا قلَّ خروجهن، وحضورهن مجلس النبي ﷺ للسؤال والشكوى ونحوه، وخروجهن للسوق والصلاة والطواف والحج، كل ذلك يقع فيه اختلاط، لكن لا بد منه، فتسامح فيه الشارع، ولم يؤاخذ به.
- ومنها أن المختلطة كبيرة، بالغة سن اليأس، في مقام الأم والجدة، كما قد يقال كذلك في قصة المرأة فَلَتْ شعر أبي موسى الأشعري، وهو وجه ثان في التخريج؛ فإذا لم يثبت محرميتها له، فيحتمل أنها كبيرة لا تشتهى، وحكمها بالقطع ليس كحكم الشابة، فإن لها أن تضع خمارها، فتكشف عن وجهها غير متبرجة بزينة، كما في الآية، فإن احتيج إليها في تطبيب ونحوه فلا بأس. وكذلك حديث سهل بن سعد في إطعام المرأة لهم يوم الجمعة، فإنها كانت كبيرة، وهم صبية، وفيه تخريج آخر: أنه لا يلزم من إطعامها جلوسها معهم، بل مجرد تقريب الطعام، وذلك لا مؤاخذة فيه.
- ومنها ما كان خاصا بالنبي ﷺ ، كما في إرداف أسماء، وهكذا كان جواب بعض العلماء الذين لم يثبت عندهم قرابة أم سليم وأم حرام للنبي ﷺ ، فجنحوا إلى الخصوصية، وهو وارد، حيث عصمته من الإثم في هذا يقيني، وليس لغيره مثل هذه العصمة، ثم هو أب للمؤمنين، يزوجهن بغير ولي، كما أن أزواجه أمهاتهم. يدل عليه: أن أحدا من الصحابة لم يقتد بالنبي ﷺ في الدخول على الأجنبيات.
وهكذا نكون قد أجبنا، ووضعنا ميزانا لحل كل ما يورده المبيحون من أدلة، لا يزالون يختلقونها اختلاقا بأدنى صلة، وبعضها لا صلة لها بمحل النزاع أصلا.
ومع كل ذلك، فهاك دليلا مما استدلوا به، نعرضه ونناقشه تفصيلا وفق الميزان، كأنموذج يقاس عليه غيره، وبه يتبين اختلال منهج المبيحين - ولا يتصور منهم غير ذلك - وأصالة منهج المحرمين.
روى البخاري في صحيحه في الاستئذان، باب: من زار قوما فقال عندهم. حديثين عن أنس:
- (أن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعا، فيقيل عندها على ذلك النطع. قال: فإذا نام النبي ﷺ أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة، ثم جمعته في سُكّ وهو نائم. قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة، أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السُكّ، فجعل في حنوطه).