← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

كلا، بل أحاديث كثيرة منوعة، مروية في السنن والصحاح وفي البخاري ومسلم؛ أهم مصدرين للسنة تلقتهما الأمة بالقبول، إذا لم يقم بالحكم حديث قام به غيره، وأسندته أحاديث كثيرة ثابتة. ثم إن تلك النصوص صريحة محكمة؛ لا تحتمل إلا معنى واحدا. وإن أول سؤال يرد هنا بعد هذا التأسيس لتحريم الاختلاط، بمثل هذه النصوص الوفيرة المنوعة: ما جواب المبيحين عنها، وما موقفهم منها، هل قبلوها، أم أعرضوا عنها، أم حرفوا معانيها؟. الجواب: لما كانت من الوضوح بمكان، عمد مبيح الاختلاط إلى تأويلها، وصرف معانيها إلى ما يتوافق والاختلاط، أو الإعراض عنها!!؛ لأنه عسير الجمع بينهما. - ادعوا أن حكم القرار خاص بأزواج النبي ﷺ ، وقد أتوا في هذا بالعجب، وأفصحوا عن قلة فقه وبصيرة بمعاني الأوامر الإلهية، فإن عمدتهم في هذا: أن الخطاب توجه إلى الأزواج. ويرد على مذهبهم هذا من وجوه: الأول: أنه يلزم عن قولهم هذا، أن كل خطاب توجه إلى أحد بعينه، فحكمه خاص به، وحينئذ فالشريعة كلها خاصة بالصحابة؛ لأن الأمر الإلهي نزل يخاطبهم حين نزل، فمن بعدهم لم يأت بعد. وما هكذا سبيل العلماء، سبيلهم أن الحكم يخص المخاطب بشرط هو: إذا ورد دليل آخر يدل على الخصوصية. وقد قال تعالى مخاطبا الأزواج: "وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى". فهل سيدّعون أن النهي عن التبرج أيضا خاص بالأزواج؛ لأن الخطاب توجه إليهن؟. الثاني: دلت أدلة أخرى على: أن الحكم يعم جميع النساء. كحديث أم حميد الساعدي: (صلاتك في بيتك خير من صلاتك في مسجدي). فتأكد أن مخاطبة الأزواج لم يكن بغرض اختصاصهن بالحكم. الثالث: لم ينقل أحد من المفسرين أن الحكم بالقرار خاص بأزواج النبي، بل قال القرطبي: "الشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة". الرابع: قيل لهم: لم خص الأزواج بالقرار؟. قالوا: لحرمتهن ومنزلتهن. فيقال لهم: هذه الحرمة والمنزلة تشمل فاطمة بنت رسول الله ولا شك. فيجب عليها القرار أم لا؟. فإن قالوا: يجب عليها القرار. فهاهم أدخلوا من لم يتوجه الخطاب إليه، فبطل قولهم بالتخصيص. وإن قالوا: لا يجب عليها القرار؛ لأنها لم تخاطب. بطل تعليلهم، وما بني عليه من التخصيص. فكيفما قدرت، فقولهم باطل. - لكن ماذا صنعوا بالحجاب، وهو أصرح الأدلة على منع الاختلاط؛ إذ لا معنى له ولا فائدة مع إباحة الاختلاط، فالحجاب هو الفصل والمباعدة، والاختلاط عكس ذلك؟. لما كانوا في هذه الإباحة للاختلاط المنظم متناقضين مع معنى الحجاب والحكمة منه، صاروا إلى القول بالتخفف منه، حتى يتلاءموا مع هذا الوضع الجديد، المناقض للحجاب، فمن كان يقول بوجوب تغطية الوجه، رجع إلى القول بالكشف، ومن كان يقول بكشف الوجه، وأفضلية تغطيته، عاد يقول: الأحسن الكشف، حتى تقدر على أداء مهامها دون عائق بصري، قد ينتج عنه خطأ وكارثة. حتى وصل بها الحال إلى حجاب يغطي الرأس فحسب، ثم تلبس ما تشاء من قميص وإزار حتى "البنطلون"، ولو بدا تفاصيل الجسد؛ أي جعلوا مجرد ستر البدن هو الفرض دون تقاسيمه وتفاصيله، وهذا بالاتفاق منكر، فانتشر هذا واشتهر، فأنكروه أولاً على خجل، ثم سكتوا، ثم قبلوه وأقروه؛ بأن الواقع الجديد يتطلب هذا النوع من الحجاب، وهكذا دخلوا في فكرة عصرنة الإسلام؛ أي تطويع أحكام الإسلام بما يناسب أحوال العصر .. صار العصر هو الإله؟!!. ومن الدليل على هذا: تجويزهم - بل دعوتهم - للمرأة المشاركة في الأولمبياد الرياضية، وبالقطع لن تستطيع المشاركة بالحجاب الشرعي السابغ، إنما بحجابهم العصري المجسم المقسم للبدن. وتجويزهم المشاركة في التمثيل، والغناء بين الرجال، إلى غير ذلك ..

стр. 772

صاروا إلى القول بأن للمرأة أن تمارس كافة النشاطات - بلا استثناء - بين الرجال .. "بحجابها".؟!!. وهكذا هدموا الحجاب نفسه ونقضوه، بعدما هدموا معناه بإباحتهم الاختلاط، فما عاد حجاب هؤلاء النسوة والفتيات كحجاب الصحابيات والمؤمنات، وكما جاء الوصف في القرآن جلبابا يغطي من الرأس حتى القدم، واستقر عليه تفسير الصحابة، قال تعالى: "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما". قال ابن عباس: "أمر الله نساء المؤمنين، إذا خرجن من بيوتهن في حاجة، أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة". فأين هذا من حجاب ليس إلا الخمار فحسب، لا يغطي إلا شعر الرأس والعنق، وبقية البدن خالٍ من الجلباب، ظاهر المفاتن لكل عين؟. ولا عجب من الوصول إلى هذا الحال؛ فهو يؤكد ما تقدم: أن الحجاب والاختلاط المنظم يتنافيان. - أما عن موقفهم من نصوص غض البصر. فلما علموا استحالة غض البصر في الاختلاط، حرفوا معنى الأمر الإلهي؛ ليتلاءم مع حياة الاختلاط. فعندهم: يغض بصره إذا خشي الفتنة. فانظر إلى هذا التحريف البيّن: أمرت الآية بغض البصر ابتداءً، منعا للفتنة .. وهم يبيحون النظر والاسترسال، حتى إذا خشي الفتنة، أمروه بالكف. فمن يتبعون: آلآية، أم أهواءهم؟. - وعن نصوص الفتنة والاتقاء للنساء، هم يغضون البصر، ويكفون عن التأمل. ونحن نتكلم عن المنتسبين للعلم والدعوة، أما غيرهم فيسخرون منها، وهم يعلمون أنها كلام نبوي شريف قاله ونطق به من لا ينطق عن الهوى، فيقولون: لا يزال فينا إلى اليوم من يعتقد أن المرأة عورة، وأنها فتنة؟؟!! .. - وإذ نأتي إلى نصوص المباعدة والفصل، فإنهم كانوا أشد إعراضا لها. ألقوها خلفهم ظهريا، ولم يرفعوا رأسا بفصله صلوات الله وسلامه عليه بين النساء والرجال في المساجد، وعند أبوابها، والطرقات، وفي مجالس العلم، وفي المواعظ والدروس والشورى والسفر والحضر والتجارات والأعمال. إنما عارضوها بما ظنوه مبيحا للاختلاط، في الطواف والأسواق والجهاد، ولم يتفكروا: إذا كانت هذه تبيح وتلك تمنع، فكيف جاز لهم تقديم الإباحة وتعطيل المنع، فأيهما الأولى بالتقديم؟. كان الأولى بهم النظر، لتحديد ما يكون هو الفرض والواجب تقديمه، فإن اعتاص عليهم، قلدوا الراسخين في العلم، وحينئذ لن يملكوا إلا تقديم النصوص القولية المؤيدة بالتطبيقات العلمية -وهذه حال ووصف النصوص المحرمة للاختلاط- على النصوص العملية غير المؤيدة بالقولية، وهذه حال ووصف المبيحة، والتي فوق ذلك هي محتملة متشابهة؛ لها أكثر من معنى. قال الله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما". * * * نصوص المبيحين: أتينا إلى ما ظنوا حجة ورأيا سديدا .. وحين يكمل عقل المرء ودينه وفقهه، يكفيه ما مضى من تأصيل لتأسيس الحكم لديه، ومعرفة ماذا شرع الله تعالى في العلاقة بين الجنسين. فإذا ما عرض له شيء ظاهره يخالف ما تقرر وتأصل وتأسس، فإنه يلجأ إلى تخريجه والجواب عنه بما يحفظ الأصل ويقره، فهذا حال الراسخين في العلم والمؤمنين، أما حال غيرهم ممن قصر فقهه أو ممن زاغ وابتغى الفتنة، فَيَدَعون الأصل؛ ليعتنوا بالعارض الطارئ، فيجعلوه هو الأصل، على شذوذه وضعفه، فيستنبطوا منه حكما أصليا ثابتا، ينقضون به الثابت المستقر الصادر بالأمر الإلهي.

стр. 773

فحالهم كحال الذي بلغه: أن الحاكم أصدر مرسوما بمنع البيع والشراء بعد الثانية عشرة ليلا، وأعلن ذلك على الجميع، وتأكد بمراسيم أخرى، ثم مر يوما فرأى صيدلية تفتح أبوابها في الواحدة صباحا، ثم تكرر منه رؤية ذلك، ومر فوجد دكانا كبيرا يبيع في الثالثة صباحا، إلى جانبه آخر صغير كذلك. وفي الأثناء أخذ كتابا قديما، فقرأ فيه: أن الناس في هذه البلدة يتبايعون ليلا ونهارا. فاستنبط من ذلك: أن المرسوم قد ألغي. والدليل: هذه المحَاَلّ المفتوحة، وما في الكتاب القديم من خبر. بل زاد على ذلك: عجبه من إحجام البقية عن استغلال هذا الإذن، والعودة لمنافع البيع والشراء. وما درى هذا: أن تلك المحال مستثناة من المرسوم، لحاجة الناس الدائمة، والمرسوم على حاله من المنع. أما الدكان الصغير، فهو مخالف يستحق العقوبة، وما في الكتاب القديم، كان قبل الأمر. والقصد: أنه ما من أمر سواءً كان إلهيا، أو بشريا. وإلا ويعتريه استثناءات للحاجة والضرورة، وهناك من يخرقه ويخالفه قصدا، ومن يخالفه سهوا ونسيانا. فلو كانت هذه الأحوال المخالفة -بعذر أو بدون عذر- سببا كافيا لإلغاء الأمر، لألغيت الأوامر كلها، وما ثبت أمر ألبتة. وهكذا أحكام الشريعة، فيها أمر عام، يتأسس بالنصوص الصحيحة والصريحة في المعنى، كنصوص منع الاختلاط، ثم يطرأ عليها أحوال استثنائية، أو يوجد من يخالفها، لكنها لا ترقى أن تبطلها. وقد جاء عن النبي ﷺ نهي عن استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط. ثم إن ابن عمر مرة ارتقى جدارا، فرأى النبي ﵇ يقضي حاجته مستقبلا أو مستدبرا القبلة. فذهب العلماء إلى قولين في المسألة: الأول: أن هذا الفعل تخصيص لعموم النهي. فإذا كان في فضاء منع، وإذا كان دون القبلة حاجز جاز. الثاني: أن القول مقدم على الفعل؛ لأن القول مقصود لذاته، ونحن مأمورون بطاعة قوله، وأما الفعل فقد يكون سهوا، وقد يكون عمدا، فلما احتمل، وتعذر الترجيح، بقي النهي على عمومه. وهكذا لم نجد بينهم من عارض وضرب قوله بفعله، فعطل الأمر بالفعل، فأجاز بين البنيان مطلقا، لكن الذين أباحوا الاختلاط خالفوا سبيل العلماء الراسخين، فضربوا قوله بفعله .. * * * وهذا يتبين بما يلي: إن نصوص المبيحين لاختلاط الرجال بالنساء ضعيفة في دلالتها، وهي كذلك في غير محل النزاع .. فأما كونها ضعيفة الدلالة، فلأمور أربعة هي: أنها عملية، متشابهة، مبيحة، على البراءة الأصلية. الأول: أنها عملية. ليست بقولية، والمعلوم عن أهل الأصول والفقهاء والمحدثين، من حيث المبدأ والأصل: أن القول مقدم على الفعل، وأن ما كان أمرا بالقول فهو مقصود لذاته؛ لأنه موضوع للدلالة على الأمر، بلا خلاف، وهو يدل على الوجوب بنفسه من غير واسطة. والدليل يؤكد هذا، فإن الله تعالى يقول: "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"، فقال: ﴿عن أمره﴾، والأمر هو القول، قال تعالى: "ولكن حق القول مني: لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين". فأما الفعل فإنه قد يكون مقصودا، وقد لا يكون مقصودا، وقد يكون عمدا، وقد يكون سهوا، كما تقدم في مثال استقبال القبلة في قضاء الحاجة، فلا يأخذ منه حكم ابتداءً، لكن القول يؤخذ منه. فقول النبي ﷺ يتعدى إلى غيره بنفسه، بخلاف فعله، فلا يتعدى إلا بدليل. فإذا اجتمعا كان التمسك بقوله، وحمل فعله على التخصيص ونحوه هو الواجب. قال الزركشي في البحر المحيط ٦/ ١٧٧: "أن يكون أحدهما قولا والآخر فعلا، فيقدم القول؛ لأن له صيغة، والفعل لا صيغة له". والكلام نفسه بحروفه ذكره الشوكاني في إرشاد الفحول ٢/ ٣٩٣.

стр. 774

وقال الزركشي أيضا ٤/ ١٩٨: "مذهب الجمهور: تقديم القول: - لقوته بالصيغة. - وأنه حجة بنفسه. وظاهر كلام ابن برهان أنه المذهب. وجزم به إلكيا. قال: لأن فعله لا يتعدى إلى غيره إلا بدليل، وحق قوله أن يتعداه، فإذا اجتمعا تمسكنا بقوله، وحملنا فعله على أنه مخصوص به. وكذا جزم به الأستاذ أبو منصور، وصححه الشيخ في اللمع، والإمام في المحصول، والآمدي في الأحكام، والقرطبي وابن حزم". قال في الكوكب المنير ٢/ ٢٠٢: " (وإن جهل) هل تقدم الفعل على القول، أو تأخر عنه (وجب العمل بالقول) دون الفعل؛ لأن القول أقوى دلالة على الفعل: - لوضعه لها. - ولعدم الاختلاف في كونه دالا. - ولدلالته على الوجوب وغيره بلا واسطة. - ولأن القول يدل على المعقول المحسوس، فيكون أعم فائدة". الثاني: أنها متشابهة. أي محتملة لأكثر من معنى، كما سنبين في المثال الآتي، والنصوص المتشابهة لا يؤخذ من معانيها إلا المعنى الموافق للمحكم، ويطرح ما عداه، لكن المبيحين أخذوا المعنى المعارض للمحكم، وطرحوا الموافق له، عكس سبيل المؤمنين العلماء الراسخين في العلم. الثالث: أنها مبيحة. تقابلها نصوص تقتضي الحظر، والحظر مقدم على الإباحة؛ لأن المحرمات يحتاط لإثباتها ما أمكن. قال الرزكشي في البحر المحيط ٦/ ١٧٠: "أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط؛ أن يقتضي الحظر، والآخر الإباحة، فيقدم مقتضى الحظر؛ لأن المحرمات يحتاط لإثباتها ما أمكن، ولحديث: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ". وفيه ٦/ ١٧١: "أن القاضي بكار سأل المزني: يا أبا إبراهيم!، جاء في الأحاديث تحريم النبيذ، وجاء تحليله، فلم قدمتم التحريم على التحليل؟. فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم نسخ، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا، فهذا يعضد الأحاديث بالتحريم. فاستحسن ذلك منه". وعلى النسق نفسه نقول: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن الاختلاط كان حراما في الجاهلية ثم نسخ، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالا أو مباحا غير محرم، فهذا يعضد الأحاديث بالتحريم؛ أي يدل على نسخ الإباحة. الرابع: أنها على أصل البراءة. والتحريم والحظر ناقل، والناقل عن الأصل مقدم؛ لأن فيه زيادة وهو الحكم بالتحريم، أما الأصل والبراءة فليس فيه حكم، بل مسكوت عنه، جارٍ على العادة. قال الزركشي ٦/ ١٦٩: "أن يكون أحد الخبرين مفيدا لحكم الأصل والبراءة، والثاني ناقلا، فالجمهور على أنه يجب ترجيح الناقل". فدلالة نصوص الإباحة ضعيفة لواحد من هذه الأمور منفردا، فكيف بها مجتمعة؟. أي لو فرض عدم معرفة تاريخ المتقدم والمتأخر والمنسوخ والناسخ، لكانت هذه الأمور الأربعة -منفردة أو مجتمعة- كافية في إبطال الإباحة وتقديم الحظر والتحريم، كيف وقد علم يقينا أن هذه النصوص لا تعارض التحريم، كونها في غير محل النزاع. فكونها في غير محل النزاع، فلثلاثة أمور: الأول: أنها نصوص كانت قبل الحجاب. كحديث دخوله ﷺ على أم حرام وأم سليم، وإضافة الرجل وزوجه للضيف وأكلهما معه، وخدمة أم أسيد الحضور من الرجال يوم عرسها، ودخول عائشة على أبيها وبلال لما قدما المدينة وبهما حمى يثرب، ووضوء الرجال والنساء جميعا وغير ذلك، فكل هذه عليها قرائن ثابتة تبين أنها كانت قبل نزول الحجاب في نهاية السنة الرابعة، فلا حجة فيها إذن. فحديث أم سليم وأم حرام سيأتي تفصيله، وحديث الضيف يدل على فقر كان بالصحابة، حيث لم يتعرض لإضافته سوى هذا الرجل، ولم يكن معه شيء هو أيضا، إلا قوت أولاده، وكذلك الناس كانوا قبل نهاية السنة الرابعة (= سنة الحجاب)، حتى فتح عليهم من الرزق بعد ذلك.

стр. 775

وأم أسيد ولدت أسيدا، وهو معدود في الصحابة، فمن المقطوع به أنه ولد قبل الحجاب، وإلا كان عمره عند وفاة النبي ﷺ أربع سنين. وعائشة إنما دخلت على أبيها وبلالاً في أول مقدمهم إلى المدينة، حيث كان بها حمى يثرب، حتى دعا النبي ﷺ ، فنقل حماها إلى الجحفة. ووضوء الرجال والنساء جميعا قطعا كان قبل الحجاب، لو كان معنى "جميعا": في آن واحد، من إناء واحد. لأنه بالاتفاق لا يجوز للمرأة تبدي للأجنبي قدمها، وساعدها حتى المرفق، ورأسها وشعرها وأذنها، وكل ذلك من مواضع الوضوء، فوضوءها عند الرجال يعني كشف كل ذلك. وكلام الشارع لا يتناقض، حيث أمرها بستر كل ذلك أمرا صريحا. الثاني: أنها كانت مع محارم. كما قد ذهب بعض العلماء في حق أم حرام وأم سليم أنهما كانتا خالتي النبي ﷺ من الرضاع، حيث رضعن مع أمه آمنة، والتي كان أخوالها من الأنصار، وكذا في قصة المرأة التي كان تفلي شعر أبي موسى الأشعري في حجة الوداع، يحتمل أنها كانت من محارمه. الثالث: أنها حالات استثنائية: - فمنها ما كان ضرورة وحاجة، كخروج النساء للجهاد؛ لقلة الرجال، فلما كثروا قلَّ خروجهن، وحضورهن مجلس النبي ﷺ للسؤال والشكوى ونحوه، وخروجهن للسوق والصلاة والطواف والحج، كل ذلك يقع فيه اختلاط، لكن لا بد منه، فتسامح فيه الشارع، ولم يؤاخذ به. - ومنها أن المختلطة كبيرة، بالغة سن اليأس، في مقام الأم والجدة، كما قد يقال كذلك في قصة المرأة فَلَتْ شعر أبي موسى الأشعري، وهو وجه ثان في التخريج؛ فإذا لم يثبت محرميتها له، فيحتمل أنها كبيرة لا تشتهى، وحكمها بالقطع ليس كحكم الشابة، فإن لها أن تضع خمارها، فتكشف عن وجهها غير متبرجة بزينة، كما في الآية، فإن احتيج إليها في تطبيب ونحوه فلا بأس. وكذلك حديث سهل بن سعد في إطعام المرأة لهم يوم الجمعة، فإنها كانت كبيرة، وهم صبية، وفيه تخريج آخر: أنه لا يلزم من إطعامها جلوسها معهم، بل مجرد تقريب الطعام، وذلك لا مؤاخذة فيه. - ومنها ما كان خاصا بالنبي ﷺ ، كما في إرداف أسماء، وهكذا كان جواب بعض العلماء الذين لم يثبت عندهم قرابة أم سليم وأم حرام للنبي ﷺ ، فجنحوا إلى الخصوصية، وهو وارد، حيث عصمته من الإثم في هذا يقيني، وليس لغيره مثل هذه العصمة، ثم هو أب للمؤمنين، يزوجهن بغير ولي، كما أن أزواجه أمهاتهم. يدل عليه: أن أحدا من الصحابة لم يقتد بالنبي ﷺ في الدخول على الأجنبيات. وهكذا نكون قد أجبنا، ووضعنا ميزانا لحل كل ما يورده المبيحون من أدلة، لا يزالون يختلقونها اختلاقا بأدنى صلة، وبعضها لا صلة لها بمحل النزاع أصلا. ومع كل ذلك، فهاك دليلا مما استدلوا به، نعرضه ونناقشه تفصيلا وفق الميزان، كأنموذج يقاس عليه غيره، وبه يتبين اختلال منهج المبيحين - ولا يتصور منهم غير ذلك - وأصالة منهج المحرمين. روى البخاري في صحيحه في الاستئذان، باب: من زار قوما فقال عندهم. حديثين عن أنس: - (أن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعا، فيقيل عندها على ذلك النطع. قال: فإذا نام النبي ﷺ أخذت من عرقه وشعره فجمعته في قارورة، ثم جمعته في سُكّ وهو نائم. قال: فلما حضر أنس بن مالك الوفاة، أوصى أن يجعل في حنوطه من ذلك السُكّ، فجعل في حنوطه).

стр. 776

- كان رسول الله ﷺ إذا ذهب قباء، يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل يوما فأطمعته، فنام رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟. فقال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكا على الأسرة، أو قال: مثل الملوك على الأسرة - يشك إسحاق - قلت: ادع الله أن يجعلني منهم. فدعا). الحديث. ظاهر الأثرين معارض، يخالف كافة نصوص تحريم الاختلاط، وأكثر من ذلك؛ فإنه يخالف صريح نهي النبي ﷺ : (إياكم والدخول على النساء). رواه البخاري/ النكاح/ لا يخلون رجل. فكيف يكون الجواب عنهما، فإنه من المحال الأخذ بهما وإباحة الدخول والاختلاط؛ لأنه هدر لنصوص كالجبال سبقت في المنع والتحريم؟. للجواب سؤال: هل يمكن أن يكون لهذين الأثرين جواب غير أنهما يبيحان الاختلاط؟. نعم، ثمة أجوبة كلها محتملة واردة، فمن ذلك: أنها حادثة قبل الحجاب، أو أنهن محارم، أو خصوصية. فأما احتمال كونها قبل الحجاب؛ فذلك أن الرجال كانوا يدخلون على النساء بيوتهن، حتى تزوج ﵊ بزينب، فدخل الناس للطعام، فأطالوا المكث وهم جلوس، وزينب جالسة، والرسول يدخل ويخرج، حتى نزلت الآية في سورة الأحزاب: "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي .. "، إلى قوله: "وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب". فخرج الرجال وضرب الحجاب. (رواه البخاري)، ومنعوا من الدخول بعد ذلك على النساء، وقال: (إياكم والدخول على النساء). فالحجاب والنهي عن الدخول ثبتا قولا، وبه تأسس الحكم بالمنع من هذا الاختلاط، وبعد ذلك، فكل ما أتى من خبر فيه: أنه دخل على امرأة أجنبية بيتها. فحمله على ما قبل الحجاب هو المتوجب. إذ النبي لا يخالف إلى ما نهى عنه عامدا قاصدا إلا بعذر شرعي، قال تعالى: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه .. ". وبهذا الجواب نحفظ للنصوص وقدرها ودلالتها ومعانيها، ونكون قد أجبنا على ما أشكل جوابا معقولا ممكنا غير محال، ومهما أمكن الجواب عن المشكل بما لا يعطل المحكم الثابت، فهو الواجب، لا جواب معطل. على أن له جوابا آخر هو: الخصوصية. فالنبي معصوم من الفواحش بالاتفاق والإجماع، فافتتانه محال شرعا، فلا ريبة من دخوله على النساء المؤمنات، ثم هو كذلك أب للمؤمنين والمؤمنات. ومع ذلك، فمهما أمكن حمله على ما قبل الحجاب، فهو الأوجه والأحسن. وقد ادعى بعضهم أن حادثة أم سليم كانت بعد حجة الوداع، بدليل ذكر الشعر، فزعم هذا أن الشعر كان مما أعطاه النبي ﷺ لطلحة في منى، فأخذته أم سليم فخلطته بعرقه في سك. الفتح ١١/ ٧٢. لكن الروايات تفيد أنها كانت تفلي شعره، وهذا حال يمكن معه تساقط بعضه. وهكذا لا يلزم من ذكر الشعر، وقوع القصة بعد حجة الوداع. بل في حادثة أم حرام ما يدل على أنها كانت قبل الحجاب؛ إذ فيها بشارة بالفتح ناحية البحر، وهذا دليل على امتداد الفتوحات إلى أمكنة بعيدة، ثم وصفهم بالملوك على الأسرة، وصف عزة وقوة. وقد كانت المبشرات في أوائل العهد النبوي، حيث كان النبي ومن معه يحتاجون إليها للتثبيت واليقين. أما بعد السنة الرابعة، فقد تحول الأمر جذريا من الضعف إلى القوة، حتى فتحت سائر جزيرة العرب، فحمل الحادثة على ما بعد حجة الوداع لا وجه له؛ فلا حاجة إلى المبشرات، وهم يفتحون البلدان. وهناك ما يدل على هذا أيضا، فقد قال ابن حجر في الفتح ١١/ ٧٨:

стр. 777

" ثم قال: وإذا تقرر هذا، فقد ثبت في الصحيح أنه ﷺ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا على أم سليم، فقيل له. فقال: أرحمها. قتل أخوها معي. يعني حرام بن ملحان، وكان قد قتل يوم بئر معونة". أما حادثة بئر معونة، فكانت شهر صفر سنة أربع، والحجاب كان في ذي القعدة من السنة نفسها، فبين الحدثين تسعة أشهر، فدخوله بعد حادثة البئر، قبل الحجاب، هو المتعين لقرب المصيبة. وأما احتمال المحرمية، فإن الرميصاء أم سليم، أخت للغميصاء أم حرام بنت ملحان، وقد قال بعض الحفاظ: "كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ من الرضاعة". الفتح ١١/ ٧٨، وقد رد الدمياطي هذا فقال: "ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي ﷺ من الرضاعة، أو من النسب، وكل من أثبت لها خؤولة محرمية؛ لأن أمهاته من النسب واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهن أحد من الأنصار ألبتة". المرجع نفسه. لكنه هو الذاهل، فإن الزاعمين - بحسب تعبيره - قالوا: إحدى خالاته. ولم يقولوا: أمهاته. والمقصود: أن أمه آمنة رضعت مع أم سليم، وليس هو الذي رضع، فتكون بذلك خالته من الرضاع. ورضاعتهما معا متصور، فأخوالها من بني النجار في المدينة، وهي كذلك. هكذا تدرس هذه النصوص والآثار المعارضة في ظاهرها لحكم أصيل محكم، وما من أثر إلا وله جواب كجواب ما سبق، ثم يبقى الاختلاط غير المقصود العفوي غير المنظم، فذلك مما وسع الله به على عباده، غير مكلف لهم ما لا يطيقون، من دون أن يكون ذريعة للتهاون. فإن الشارع معه إباحته للاختلاط العفوي، إلا أنه استحب التجافي عنه قدر الإمكان من غير إيجاب، وذلك تبين في مواطن عديدة، منها: - أمره النساء لزوم حواف الطريق في مشيهن، وترك الوسط للرجال. - ترغيبهن في الصلاة في بيوتهن، مع نهيه عن منعهن المساجد. - في إشارته أن يطفن من وراء الرجال. فحاجات المرأة كحاجات الرجل، وانفصالها التام عن الرجال، بحيث لا تراه ولا يراها ألبتة، يفوت عليه وعليها منافع شتى، ويجلب الحرج والعسر، ويمنع من التيسير، وقواعد الشريعة وأصولها تقوم على اتساع الأمر إذا ضاق، والتيسير إذا حلت المشقة. وعليه: فقد أجاز لها الخروج والمخالطة بما يحقق حاجاتها، من غير أن يكون ذريعة إلى المنظم أو اختلاط لا حاجة له شرعية.

стр. 778

حديث الأسوة أحمد بن صالح الزهراني دعونا اليوم نتحدث حديثاً يرتفع فوق الخلاف الفقهي، ويسمو أعلى من البحث العلمي، تعالوا بنا نستمع إلى أرقِّ خطاب نطق به بشر، وأكثره عاطفة، وأعذبه صوتاً. كان هذا الخطاب موجّهاً لصحابي من قبل النبيّ الكريم ﷺ : «أمَا لكَ فِيّ أسوة؟!» عن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها أنه كان بالمدينة يمشي فإذا رجل قال: «ارفع إزارك فإنه أبقى وأتقى» فنظرتُ فإذا رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء؟ قال «أما لك فيّ أسوة» فنظرت فإذا إزاره على نصف الساق، قال ابن حجر: «وقوله مَلْحاء بفتح الميم وبمهملة قبلها سكون ممدودة أي فيها خطوط سود وبيض» أهـ. في صميم قلبي لا أستسيغ داعية - ولو بلّ بدموعه الثرى - لا يتأسى به ﷺ في ظاهره، كما نحسبه كذلك في باطنه. حين أعرِضُ دموع الداعية وصراخه وعويله على تأسيه يؤسفني أن أقول: إنّه يكذب على نفسه وعلى الناس .. أعلم يقيناً أنّ البعض لا يروقه مثل هذا الكلام، وأنّ سيف الخلاف سيُشهر عليّ، لكني أعود بهم إلى أساس المقال لأقول: لماذا الخلاف دائماً تكون ضحيّته السنن النبوية؟! فحلق اللحية وتخفيفها، والإسبال في الثياب، والتخفف من القيود مع المخالفين للسنة، والتساهل في أحكام النظر للنساء والجلوس معهنّ والاختلاط، وغير ذلك من المسائل الّتي اعتدنا ذبحها بسكين الخلاف وتعليق جثتها على مشجب الاستنارة وسعة الأفق، وصُنْعَ خيمة من جلودها، من استظل بظلها فهو واسع الأفق وسطي معتدل، ومن لا فلا! وحين أتحدث عن التأسي فإنّي لا أضيع وقتي ووقت القارئ بحديث ترفيّ يتناول حوافّ الشريعة وهوامش الديانة، بل إني أتحدث عن أساس إيماني وأصل شرعي يرتبط بجذر الدين .. تأمّل معي: قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) .. ماذا تفهم من هذا الربط العجيب: ربط الإيمان بالله وباليوم الآخر بالتأسي به ﷺ ؟ دعني أُقِرّ - تنزلاً - بالخلاف المعتبر في بعض المسائل .. سأقر بالخلاف المعتبر في حلق اللحية وتخفيفها جداً .. لكن أين حسن التأسي بالنّبيّ ﷺ في لحيته؟ وسأقر بالخلاف في الإسبال .. لكن أين التأسي بإزرته ﷺ التي كانت إلى نصف ساقه؟ وسأقر بالخلاف في مصافحة النساء، فأين التأسي به في عدم مصافحتهنّ؟ وسأقر بالخلاف في النظر إلى المرأة بغير شهوة، فأين حسن التأسي بغضّ البصر؟ وسأقر بالخلاف في الحجاب، فأين التأسي بحجاب أمّهات المؤمنين؟ مسائل كثيرة سأقر -تنزلاً فقط - بالخلاف فيها، وسأتفهم - كذلك- أن ينزل العاميّ بنفسه فيها فيأخذ بالأخف والأسهل .. لكني لم -ولن - أتفهم دعوى الغيرة على دين النّبيّ ﷺ وشرعته وسنته مِمّن يصر على ترك التأسي به في أشياء لا تضرّه ولا تضيره .. وحين يتحدث المرء عن التأسي فإنّ كل خلاف يرِدُ في حكمٍ مّا يصبح في طيّ النسيان .. بل يغيب عن الأذهان أصلاً .. ولهذا لما كان صحابته ﷺ قد فَهِمُوا عنه هذه اللغة -لغة التأسي- اختفى في كلامهم - أو كاد - الحديث عن الواجب، والمستحب، والفرق بينهما، والمحرم والمكروه، والفرق بينهما. «أمَا لكَ فِيّ أسوة؟!»: هذا الاستفهام الاستنكاري من النّبيّ ﷺ كان في شأنٍ يستخفّ به كثيرون، وهو التزام تشمير الثياب أسوة به ﷺ . إنّه خطاب يدلك على مدى البعد بين كثير منا وبين هدْيه ﷺ .

стр. 779

وتأمل جوابه ﷺ للرجل الذي استفهم عن تحفظ النّبيّ ﷺ : كأنّه يقول: أَعَلى مجرد قطعة قماش يا رسول الله؟! لكنّه ﷺ لفت نظره إلى أنّ الأمر لا يتعلق بقطعة قماش، بقدر ما يتعلق بأمر إيماني، وهو حسن التأسّي به في كل شيء. أقول: وكذلك الأمر لا يتعلق بشعرات في وجه مسلم تطول أو تقصر، وإنّما تتعلق بمستوى إيمانه وحسن تأسّيه. وعلى ذلك قِس سائر تصرفاتنا وأفعالنا؛ أعني من كان منا يصنف نفسه داعية أو طالب عالم فضلاً عن المشايخ والعلماء. وإذا كان هذا في شأن السنن الظاهرة فكيف في الأعمال الواجبة. عن إبراهيم النخعي: «كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن رجل، نظروا إلى صلاته وإلى سَمْته وإلى هيئته». وقال أبو العالية: «كنت أرحل إلى الرّجل مسيرة أيّام لأسمع منه، فاتفقّد صلاته فإن وجدته يحسنها أقمت عليه، وإن أجده يضيّعها رحلت ولم أسمع منه وقلت: هو لما سواها أضيع». وعوداً إلى حديث التأسي أقول: كان هذا منه ﷺ في شأن رفع الإزار حتى نصف الساق، لكننا الآن بُلينا بمن يتقحم المحرمات بدعوى الخلاف؛ فأصبح جرّ الإزار ووصوله إلى الكعبين أمراً لا تهتز له في جبين الكثيرين منّا شعرة .. وحلق اللحية وتخفيفها جداً مظهر دعوي، بل يكاد يصل الأمر بالبعض إلى الاستخفاف بالمتأسين بالنّبيّ ﷺ في كثافة اللحية أو تركها مطلقاً .. إنّ هذا المظهر نذير شؤم على الدعوة وأهل الدعوة، ودليل على بعدها عن الأخذ بأكبر وأعظم أسباب النصر الرباني، ألا وهو الأسوة واتباع السنة .. فإنّ النصر الإيماني الذي وعد الله به عباده المؤمنين لا يكون إلاّ للمتأسّين .. قد تتحقق للدعاة وأتباعهم انتصارات نوعية ووقتية، لكنه ليس النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، وإنما هو تابع لسنة المدافعة الربانية (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ). فإذا حققت الجماعة نصراً معيناً، وهي بعيدة عن حبل التأسي فليس هو انتصار الحق على الباطل .. ذلك الانتصار الذي يفرح به المؤمنون ويقولون: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ)، فإنّ هذا لا يكون لمن أصرّ على تنكّب السنّة، ومخالفتها والتهاون بها والتساهل فيها، فضلاً عن التنفير عنها؛ بدعوى تحسين صورة الإسلام، أو ترغيب الناس فيه، كما نرى من فِعال كثير من المنتسبين للعلم والدعوة .. دعاة إلى السنة بأقوالهم .. وهم بأفعالهم ومناهجهم أكبر ما يصدّ عنها. أما آن لنا أن تخشع قلوبنا لذكر الله وما نزل من الحق، ومن الحق قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون). [الأنفال:٢٤]. وقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). [الأحزاب:٢١]. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 780

لا تجعل قلبك كالإسفنجة عبد الرحمن بن صالح المحمود ليس هذا عنواناً صحفياً يرنو إلى لفت النظر إلى المقالة وجلب القارئ إليها، ولو كان ذلك - أحياناً - على حساب المضمون، كما هي عادة بعض الكتّاب، وإنما هو عنوان منهج عقدي وفكري يحتاج إليه كل قارئ وتعظم الحاجة إليه في عصرنا الحاضر؛ حيث العولمة بنفوذها الفكري ونفاذها التقني من خلال الإعلام وشبكات المعلومات. العنوان نصيحة قدمها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - لأشهر تلاميذه، وهو ابن قيم الجوزية - رحمه الله تعالى - فنعم الناصح ونعم المنصوح. يقول ابن القيم عن هذه النصيحة: (ما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك) ((مفتاح دار السعادة)) (١/ ٤٤٣). مع أنه قد تلقى عن شيخه عشرات بل مئات الوصايا، كما هو واضح لمن تتبّع ذلك في كتبه، لكن هذه الوصية كان لها شأن آخر في حياة ابن القيم ومنهجه، وقد مرّ بتجارب متنوعة (سطر خلاصتها في نونيته) فأنقذه الله من شبهات أهل الأهواء الذين وقع في شباكهم بتتلمُذهِ على شيخ الإسلام وملازمته له. يقول ابن القيم في عرضه لهذه الوصية: (قال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلت أورد عليه إيراد بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها؛ فلا ينضح إلا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها؛ فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أَشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات، أو كما قال) ((مفتاح دار السعادة)) (١/ ٤٤٣). خلاصة الوصية عند ورود الشبهات والمقالات التي لا تعرف مصدرها هي: ١ - لا تجعل قلبك مثل السفنجة؛ أي: يتشربها ولا ينضح إلا بها. ٢ - واجعله كالزجاجة المصمتة؛ أي: يرها بصفائه ويدفعها بصلابته. وسنقف مع هذه الوصية بقسميها، بعد أن نقدم لذلك بمقدمة مهمة، فنقول: العلوم قسمان: أحدهما: علم الشريعة المنزّل، مثل: كتاب الله الكريم وسنة النبي ﷺ الصحيحة، وما هو تابع لهما، نابع عنهما، مثل: الآثار الصحيحة، والعلوم المؤصلة التي بيّنها أئمة السلف الصالح في العقيدة، والأحكام، والآداب، والسلوك، وعلوم القرآن وعلوم الحديث وأصول الشريعة، والفقه، وأصول العقيدة الصحيحة، وآلات ذلك: فهذه علوم بها حياة القلوب وطريق العبودية وتوحيد رب العالمين, ولا صلاح للعباد والبلاد في الدنيا والآخرة إلا بها. فهذه ينبغي أن يتشرّبها قلب العبد المؤمن؛ لأنها طريق السعادة في الدارين، وسُلّم العبودية لرب العالمين. الثاني: ما سوى ذلك من العلوم، وهذه أيضاً قسمان: ١ - علوم دنيوية بحتة: يؤخذ منها ما يحتاج إليه لحياة الإنسان على هذه الأرض والسعي في معاشه, وهذه إن قصد بها المعونة على طاعة الله أُثيب عليها، وإن صدّت عن طاعة الله أو قُدّمت عليها عوقب عليها. ٢ - العقائد والعلوم الفلسفية الفكرية المنحرفة: ومقالات أهل الأهواء والبدع (قديماً وحديثاً) ويدخل في ذلك المذاهب الفكرية المعاصرة بمختلف تياراتها ومنطلقاتها (شرقية أو غربية أو وطنية جاهلية). وهذه الأخيرة هي الداء العُضال الذي إن تسلل إلى القلوب أفسدها، وغشاها بالشبهات والشكوك، وحلوها من يقين الإيمان وبرد التسليم والطاعة وسلامة القلب وصحته وقوته إلى الحيرة والتردد وتسلّط الوساوس، وضعف العبادة وقلة الطاعة، وتحول القلب من الأُنْس إلى الوحشة. والشبهات من أشد الأشياء على القلوب وأثقلها حتى تكاد الشبهة أن تكون جبلاً، وأنَّى للقلب الرقيق تحمّله.

стр. 781

والمؤمن المستبصر يدرك مدى خطورة الأمر، خاصة إذا علم أنه لا أحد بمأمن من ذلك مهما علا شأنه في العلم أو العبادة والطاعة، أو في المجاهدة والدعوة، أو فيها جميعاً. والمتتبع لواقع المسلمين المعاصر، وخاصة طلاب العلم ورجال الدعوة وشباب الصحوة منهم، يرى كيف تسللت شُبَه كثيرة إلى القلوب، وانتقلت إلى العمل والواقع الدعوي من خلال الوسائل المعاصرة (وهي معروفة) وتحولت إلى ما يمكن أن يسمى بـ (شللية فكرية) تتبنى عدداً من مسائل العقيدة والشريعة والثقافة بمنهج عقلاني عصراني منحرف. وأساس المشكلة تسلُل شبهات الملاحدة والزنادقة والعلمانيين والمستشرقين والحداثيين وأضرابهم؛ حيث صار هؤلاء يعرضونها، وهناك جزء من رجال الصحوة وشبابها يتشرّبون هذه الشبهات، وبعد قليل ينوبون عن أولئك الزنادقة وأهل البدع في نشرها والحماس في الدفاع عنها. والملفت للنظر أن كافة هذه الشبهات ليست جديدة، بل هي مما سبق أن عُرض ودُوِّن في كتبهم وردها العلماء والدعاة وكشفوا زيفها؛ فما الجديد؟ الذي استجد إنما هي حرب مركّزة على الإسلام وعلى منهج السلف خاصة، ودعمت هذه الحرب قوى مختلفة معروفة، وقابل ذلك ضعف الإيمان وخلل في الثقة بالمنهج. وهو ما جعل هذه الشبهات تلج القلوب، فتُغيّر الكثير منها. فصارت هذه القلوب كالإسنفجة تمتص هذه الشبهات كما تمتص الماء العَفِن. إن سؤال المسلم الهداية: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. يكرره في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة، ورسول الله ﷺ أخبر - كما في الحديث الصحيح المشهور - بأن سبيل الله واحد وما عداه سُبُل الشيطان، وأصل الهداية هداية القلوب؛ لأن القلب سيد البدن، كما أن أساس الضلالة - عياذاً بالله - غواية القلوب وضلالها وانحرافها، فجاءت هذه الوصية الغالية من شيخ الإسلام، والتي تقول خلاصتها: لا تجعل قلبك للشبهات مثل الإسفنجة، فيتشربها ولا ينضح إلا بها. فما وجه تشبيه هذا النوع من القلوب بالإسفنجة؟ ١ - يلاحظ الشبه بينهما من ناحية التكوين؛ فكل منهما رقيق ليّن ليس في داخله صلابة من عظام ونحوها. ٢ - أن الإسفنجة معروفة بطبعها؛ فهي تمتص كل سائل؛ فإن أدخلتها طيّباً: من ماء عذب أو لبن أو شراب، فإنها تمتصه كما أنك إن أدخلتها في ماء عفن أو بول أو نجس: كخمر ونحوه، فإنها تمتصه أيضاً. ٣ - أن الإسفنجة إذا امتصت السائل فلا بد أن تنضح بما فيها؛ حيث يخرج منها القطرات بل أكثر من ذلك إذا ضغط عليها ولو بقليل من القوة وقلّما تحتفظ بما فيها حتى ينشف، ولو نشفت لما أقبح ما فيها؛ إن كان ما امتصته من المجاري وأشباهها! ٤ - أن الإسفنجة متى ما اعتادت امتصاص العفن، تحولت هي إلى عفن؛ فلا ينفع معها تنظيف ولا غسل. وكذلك القلوب فهي: أولاً: رقيقة لأنها موطن الإرادة والحب والبُغض والمحبة والكُره، وهي موطن أعمال القلوب: من خوفٍ، ورجاءٍ، ومحبةٍ وإنابةٍ، وإخلاصٍ، وصدقٍ، وتوبةٍ، وتوحيدٍ، وتوكلٍ وغيرها؛ ولذا فهي تابعة لمن خضعت له: أ- فإن انقادت لمولاها وسيدها ومالكها بتوحيده والتوكل عليه وحده لا شريك له وبمحبته ورجائه وخوفه وسائر أعمال القلوب فقد اتصفت بصفتين عظيمتين: إحداهما: كمال الافتقار لمولاها؛ فهي لا تستغني عنه لحظة من ليلٍ أو نهارٍ مع كمال الانقياد والطاعة فهي تقود أبدانها إلى مولاها بالاستجابة التامة، بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فإن أذنب العبد فهي لرقتها تبادر إلى التوبة والاستغفار والحسنات الماحيات.

стр. 782

والأخرى: كما القوة في الحق، والنفور من الباطل (شبهات وشهوات) وسبب ذلك أن قوتها بالله (عبادةً واستعانةً وتوكلاً) وهذا من عجيب أحوال قلوب المؤمنين الصادقين؛ حيث تجدها أعظم ما تكون رقّة ورحمة وأقوى ما تكون صلابة في الحق ونفوراً من الباطل وشجاعة في الدفاع عن الدين الحق وأهله، والموالاة لهم، وردّ الباطل وأهله والبراءة منهم ومن أعمالهم؛ فهي في الإيمان لا تخاف لومة لائمٍ. ب - وإن انقادت القلوب - عياذاً بالله- إلى غير الله من نفسٍ أمّارة أو هوى أو شيطان، وتمثل ذلك في معبود غير الله، أو تعلق بجاه أو دنيا أو شهوة قُدمت على عبادة الله، وطاعته، تحولت القلوب إلى محبة وخضوع لذلك المعبود من دون الله وصارت على الضد من صفات المؤمنين. - فهي قاسية في عبادة الله وطاعته والانقياد له حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة. - وهي ذليلة رقيقة خاضعة لمن مالت إليه؛ فيها من الضّعة والاستكانة والحقارة والعبودية لذلك المعبود من دون الله ما لا يكاد يصدقه الإنسان السوي. ثانياً: هي (أي: القلوب) بحسب ما تُحمل وتُربى عليه؛ فإن حُملت على حبّ الحق والاستجابة له والنفور من الباطل والشبهات، أما إن تركت مرتعاً لكلّ عارضٍ مما يعرض لها، تتقبله من غير تمييز فإنها تكون عُرضةً للخطرات والوساوس التي يلقيها شياطين الإنس والجن، فتصبح مرتعاً للشبهات فتصير كالسفنجة التي حذر منها شيخ الإسلام؛ تمتص الشبهات وربما تنضح، وتصبح مريضة بذلك. ولتشخيص هذه الحالة في واقعنا المعاصر نلاحظ ما يلي: ١ - بروز هذه الظاهرة الإسفنجية لدى بعض طلاب العلم والشباب المستقيم ونحوهم ممن لهم اهتمامات بالعلم الشرعي أو بالقراءة بمعناها العام الشامل لما يُشاهد أو يُسمع أو يُقرأ، أو بحب سماع الحوارات التي تدور بين الأطياف المختلفة في عقائدها، أو في مشاربها، أو في مناهجها؛ فتجد بعض هؤلاء - هدانا الله وإياهم وثبتنا على الحقّ جميعاً- يتشرّب شبهات أهل الباطل فتستقر في نفسه، وإذا علمنا أن للشبهات بريقاً ولمعاناً مُحرقاً خاصةً إن عُرضت بأسلوب ماكر تصحبه سخرية وهزء بأهل الحق المتمسكين به؛ عندها يتبين مدى أثر هذه الشبهات على القلوب الإسفنجية الضعيفة؛ حيث تتحول القلوب إلى نوع من القلق وشيء من الحيرة والشك، حيث يتصارع في قلبه ثقته بمنهجه وعقيدته الصافية، وقوة الشبهة وشدة جذبها وقوة حرقها. وفي هذه الحالة المرضية العارضة المقلقة يكون للقلب أحد مسارين: أ- مسار يؤوب فيه القلب إلى سكينة الإيمان وبرد اليقين والتسليم لأمر الله وأمر رسوله ﷺ ، بحيث تكون له خبيئة من عبادة وطاعة يتقرب بها إلى الله تعالى فتجدد له هذه العبادة ثوب الإيمان والتعلق بمقلب القلوب ﵎ فيتوجه إليه منيباً مخبتاً متوكلاً، أو يكون له صاحب أو أصحاب مثل شيخٍ يثق به ويُباحثه أو يُسائله عما عرض له من شبهات فيتلقّى الجواب وهو على حالته السابقة من التسليم والعبادة فهذا غالباً منّا يعود إليه اليقين ويَسلم من غوائل ما عرض لقلبه من الشبهات فينبته لنفسه لاحقاً. ب- مسار لا يوفق فيه لتسليم ولا لمزيد طاعة، ولا لمعالجة صحيحة لهذا العارض؛ فهذا قد تشتد عنده حالة الشك والقلق ويبقى حبيس نفسه وهواه وهواجسه ووساوسه فينتج عن ذلك مرضان: - رسوخ الشبهة أو الشبهات: لأن القلب تشربها واختلطت بها، كالإسنفجة التي امتصت الماء العفن.

стр. 783

- نقل الشبهة إلى غيره: حيث تجده ينشرها بين أصحابه ويعرضها في كل مناسبة ويكرر عرضها؛ وكأنه لم يبق معه من القول والهمِّ في دينه ودنياه إلا ما أُشرب قلبه من ذلك؛ فهو لا يكتفي بمرض قلبه، وإنما ينقل عداوة إلى الآخرين السالمين الأصحاء والطامة الكبرى تكون حيث يخصّ بهذه البوائق أحبابه وأصحابه المقرّبين منه أو طلابه المتأثرين به؛ فما أعظمها من مصيبةٍ وقعت على الطرفين! وهذا معنى تشبيه القلب بالإسفنجة؛ لأنها إذا امتصت العفن صارت تنضح وتقطر بما فيها من ذلك كما هو مشاهد وكذا القلب الشبيه بذلك. وقد مرّ بي من ذلك نماذج، خاصة في السنوات الأخيرة؛ حيث يأتي إليّ بعض الطلاب الذين أحسنوا الظن بأخيهم الذي اعتبروه أستاذاً لهم يسألونه عن شبهات عالقة بعقولهم وقلوبهم، والسؤال منهج حسن ممدوح، بل هو مخرج ضروري لإزالة الشبهة وسلامة القلب منها، ولكن الذي لفت انتباهي هو: حمل هذه الشبهات وانفعال بعض أصحابها، وهو ما قد يوحي بدرجة ما من علوقها في القلب، ثم إنّ أكثر هذه الشبهات قد أجاب عنها العلماء قديماً كما أجاب عنها العلماء المعاصرين في كتبهم ودروسهم وأشرطتهم المبثوثة؛ فهي ليست جديدة وهي شبهات مكررة لأهل البدع من الجهمية والرافضة والمعتزلة والأشاعرة ... وغيرهم فلو أنّ هؤلاء أصّلوا طلبهم للعلم وأخذوه عن العلماء الموثّقين قديماً وحديثاً وتعمّقوا في مسائله لوجدوا في ثنايا كُتبهم ودروسهم الأجوبة واضحة، فما أحوج هؤلاء وأحوجنا جميعا إلى وصية شيخ الإسلام هذه! فإن قال قائل: هل كل من سأل نتيجة إشكال أو شبهة عرضت له فهو إسفنجي؟ الجواب: هناك أسئلة في العلم أثناء تعلمه وتلقّيه؛ حيث ترد الأسئلة والطالب يسيح في بحر العلم الشرعي، فهذا من الممدوح الذي يدل على ذكاء صاحبه وعمق فهمه، لكن لا يتعدّى السؤال مسائل الباب ولا وقت الدرس حيث تنغمر الشبهة في بحر العلم ويكون جوابها سهلاً، وليس لها علوق في القلب يكدّر صفاءه، هذا ديدن طلاب العلم (قديماً وحديثاً) مع شيوخهم، وعلى رأس هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم كانوا يسألون عمّا يُشكل عليهم من حديث رسول الله ﷺ والرسول ﷺ يُجيبهم، ونماذج ذلك في السنة كثيرة. أما الإسفنجي الذي حذّر منه شيخ الإسلام تلميذه ابن القيم، فهو ذلك الذي يتشرّب شبهات أهل الأهواء فتعلق في قلبه فيكررها وينشرها وينضح قلبه بها. إذاً: ما المخرج من هذه الحالة الإسفنجية؟ وكيف يسلم طالب العلم بل عموم المسلمين من الوقوع في هذه الحالة التي حذر منها شيخ الإسلام وهو الخبير بأحوال القلوب وبأحوال عصره والتقلبات التي تَعرض لطلاب العلم؟ أجاب شيخ الإسلام في وصيته السابقة بقوله: " لكن اجعله (أي: قلبك) كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فهيا فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته" وهذا موجّه لابن القيم المعروف بسعة علمه، وبقوة تألُّهه وعبادته، وخبرته بأحوال القلوب وأمراضها وأدوائها وطرائق علاجها: فكيف بنا وبأحوالنا والله المستعان؟

стр. 784

أولاً: العبادة والطاعة وهذه ضرورية لصفاء القلب وخلوصه من أكداره وهذا أمرٌ قد لا يُنبّه له المشغولون بالقراءة والثقافة والفكر وسعة الاطلاع، حيث يظنون أنّّ سعة العلم كافية وأنّ كثرة القراءة وحدها محصّنة للإنسان في حياته من الزيغ والانحراف، حتى إنهم يستعيضون بها عن العبادة وأفعال القُرَب فقد يؤخر أحدهم الصلاة أو يتأخر عن صلاة الجماعة أو بعضها؛ لانشغاله عما هو أهم (وهو القراءة) وقد لا يجد في صلة رحمه من الأقربين جداً واجتهاداً كالذي يقدمه في ساعات يقضيها على الشبكة المعلوماتية (وأنا أتكلم عن الجاد منها وليس عن سخافاتها) وقد لا يحرص على النوافل لأنها تأخذ منه وقتاً بل قد لا يجد ما يفرغ به نفسه لقراءة القرآن الكريم أو حفظه أو تدبر معانيه عشر معشار ما يقضيه في القراءة المبعثرة الهائمة. إن هذه حالة يجب أن يبادر أصحابها إلى علاج قلوبهم تجاهها؛ وذلك بحمل النفس على تحمل العبادة بأنواعها مع تهيئة البال والنفس والقلب لكي يطيب بالعبادة ويأنس بها؛ فيكون ممن يرتاح بالعبادة وليس ممن يرتاح منها. والنصيحة بالعبادة عند ورود الفتن حيث تضطرب القلوب وتصاب البصيرة بالغبش خير دليل على أهمية العبادة الطاعة والقربى إلى الله تعالى، وعلى كونها تثير البصائر عند ورود الشبهات. ثانياً: الابتعاد عما يُقسي القلب ويُضعفه خاصةً ما عظمت الفتنة فيه في هذه السنوات مثل: ١ - مجالس المنكر ومنتدياته التي تقوم في غالبها على نشر الإلحاد والزندقة ونشر البدعة والاستهزاء بالله ورسوله ﷺ وشريعته ودينه وعباده المؤمنين، وهي تقوم على فكر منحرف وثقافة مستوردة وتسعى إلى التشكيك ونشر الشبه بين أهل الإسلام وكفى بذلك مرضاً للقلوب؛ فهذه فيها السمّ الزعاف، ولا يجوز لأحد دخولها إلا المتمكن يريد إنكار، ومع هذا فهو حكيم يمر بها لغايةٍ يريد تحقيقها يخدم بها دينه ويردّ صولان هذه المنكرات، ثم هو يمر مسرعاً لا يقيم معها ولا يطيل بحجة معرفة المنكر بل في قلبه من حرارة الولاء والبراء ما يصرفه عنها إلى برد الإيمان والعلم والطاعة. ٢ - مجالس ومواقع قاذورات الإعلام، وفتنها وخاصة فتنة الصور وما يتبعها من مجونٍ يُقرأ أو يُسمع أو يُشاهد، وهذا يُقسّي القلب ويُضعف العبادة فيمرض صاحبه ويكون عرضةً للشبهات التي قد يقوده إليها ما تساهل فيه من الولوغ في الشهوات. ثالثاً: أن تجعل قلبك كالزجاجة الصافية المصمتة، كما أوصى شيخ الإسلام فيكون لقلبك بصرٌ نافذٌ عند ورود الشبهات فيعرف أنها شبهة وليست علماً فيتعامل معها على هذا الوضع، وتشبيه القلب بالزجاجة فيه كثير من المعاني البلاغية والعلمية والإيمانية منها: ١ - أن القلب في هذه الحالة يكون مقابل القلب الرخو الشبيه بالإسفنجة؛ فهو صلب في إيمانه وعلمه وبصيرته واثق من منهجه غير متردد فيه ولا شاك. ٢ - أن هذا القلب صافٍ كصفاء الزجاجة البلّورية النظيفة يُبصر الأمور والمسائل على حقيقتها فيفرق بين الحق والباطل والمعروف والمنكر والدليل الصحيح والاستدلال الفاسد، والواضح من حقائق الدين والعلم والإيمان وشبهات الباطل، والخاطر الإيماني الرباني والخواطر الشيطانية؛ فإذا أقبلت الشبهة أو الفتنة أبصرها بوضوح تام فقد نُوّر هذا القلب بأنوار الإيمان والعلم والطاعة فهو يعرفها ويعرف منشأها وغايتها وأثرها الفاسد فلا يزال يراها كذلك ويتعامل معها على هذا الوجه وهذا لون من الفراسة يهبه رب العالمين لمن صفت قلوبهم وخَلَصت لربها تعالى. ٣ - أن هذا القلب صلب لأن الزجاجة مع صفائها هي مصمتة مغلقة ليس فيها كسوراً أو شقوقاً فهو لصلابته يدفع الشبه ويردها وينكرها فهي من أجل هذه الصلابة لا تجد إليه مدخلاً. فالشبهات حول هذا القلب تدور وتحاول بأساليب متعددة ومحاولات متكررة أن تدخل ولو بفناء القلب أو عند بابه، ولكن هيهات هيهات والقلب صلبٌ مصمتٌ عن الباطل وشُبهِه، فترجع الشبهات مولّية هاربة مهزومة. المصدر: مجلة البيان العدد ٢٧٠

стр. 785

حينما يكون الإسلاميون سفراء لليبرالية !! هيثم بن جواد الحداد لقد ظهرت في هذه الأيام طائفتان "مبتدعتان"، افترقتا في الدعوى، لكن مؤدى كلامهما واحد أو متقارب، إنه الانقضاض على المعهود السالف من الشريعة .. أما الأولون، فهم من نسبوا طريقتهم هذه إلى المنهج السلفي .. أما الفريق الثاني، فهم أصحاب المدرسة المقاصدية، الذين بالغوا في إعمال ما سموه هم "مقاصد الشريعة " .. ليس هذا ردا على من أباح الاختلاط بين الجنسين، ولكنه دراسة ـ أو ربما إشارة ـ لإشكالية في طريقة التفكير، ومنهج الاستدلال، كان القول بإباحة الاختلاط أحد مظاهرها، كما كان القول بعدم وجوب وحدة الأمة تحت خليفة واحد، وجواز بقائها ـ مبعثرة مشتتة ـ تحت أنظمة متعددة، مظهر آخر لها. لقد أثارت تصريحات عضو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة المكرمة، وقد نشرت في بادئ الأمر في جريدة عكاظ، والتي تمحورت حول موضوع الاختلاط بين الذكور والإناث، وأنّ "الاختلاط ليس كله محرمًا، وأنه كان ممارسًا في عهد النبي ﷺ دون نكير"، أثارت موجة من الاستياء لدى شرائح كثيرة من المجتمع، بدءًا بطائفة بعدد من أهل العلم وانتهاء ببعض عوام الناس الذين استهجنوا هذه الدرجة من "الوقاحة" في إباحة الاختلاط بين الجنسين وقد نشأوا من نعومة أظفارهم على تحريم هذا الأمر والذي يعلم غير المتدين قبل المتدين أنه منبع كل شر .. وقد كان مستغربًا ـ إلى حد ما ـ أنّ هذه التصريحات جذبت انتباه بعض النخب العلمية من خارج السعودية، فسرعان ما أخرج بعض المشايخ والأساتذة والدعاة من دولة الكويت بيانا يستهجن ما أوردته الصحيفة من تصريحات عضو الهيئة، وأن ما تضمنه كلامه يعتبر شذوذا في الرأي، لم يقل به أحد من أهل العلم السابقين، وقد جاء بيان هؤلاء المشايخ قصيرًا على خلاف ردود غيرهم ممن رد على الغامدي، لكنه حمل معان كثيرة، ورسم منهجًا رصينًا غاب عن كثير من الردود التي فاقته طولا، أدعو إلى اقتفائه، وأسجل هاهنا ضم صوتي لصوتهم، ويجدر بالذكر أن هذه المبادرة كانت توسيعًا في رقعة "الرقابة الشرعية"، التي ربما كانت محصورة في وقت ما على علماء السعودية ومشايخها، فالثناء موصول لهم، وعلى بلائهم الحسن. هل تمثل تصريحات من أباح الاختلاط مؤخرًا ظاهرة ذات بعد "أصولي ليبرالي"؟ أم أن أصحابها كـ"أعرابي أراد الذكر فبال في بئر زمزم!؟ نعم لقد كثرت في الآونة الأخيرة مقولات تحمل نفس المعالم، وإن بدا أن أغلبها مقتصرًا على بعض الشعائر، إلا أن رؤى الشريعة في السياسة والاقتصاد والاجتماع قد كانت أكثر تأثرا بهذه "البدع الأصولية الليبرالية ". وقد كان من آخر هؤلاء الذين سلكوا ذلك الطريق وحمل بعضهم رايته من، أتعب نفسه، وأضاع وقته ـ على علم ـ ليخرج كتبًا في مئات من الصفحات، اكتشف فيها أن استعمال الآلات الموسيقية مباح، من ناحية أصولية، وفقهية، وحديثية! وأن حلق اللحية مباح، فمرد أمرها إلى عرف الناس، فتلقف فئام من الناس هذه المقولات فرحين بها، وكأنما كانوا يتنظرونها على أحر من جمر .. ، وثالث اكتشف أن صلاة الجماعة ليست فرضًا، ورابع اكتشف أن وحدة الأمة تحت خليفة واحد مجرد اجتهاد أملته الظروف السياسية في ذلك الوقت، وأن طبيعة النظام الدولي الجديد تقتضي أن لا توحد الأمة بهذه الطريقة، وخامس أن الجهاد دفاعي لحماية المشروع الإسلامي، وسادس أن الأمة مأمورة بالسكوت عن جور الحاكم، وأن مجرد التنفيس عن النفس ولو بالكلام "خروج" يبيح عرض الخارج، وماله ودمه، وسابع لم يبق بينه وبين أن يقول أخطأت الأمة بتحريمها لمبادلة المال بمثله متفاضلا إلا شعرات يسيرة، وثامن

стр. 786

لقد ظهرت في هذه الأيام طائفتان مبتدعتان، افترقتا في الدعوى، لكن مؤدى كلامهما واحد أو متقارب، إنه الانقضاض على المعهود السالف من الشريعة، وبذل الوسع في إثبات تناغمها مع القيم الغربية الليبرالية. أما الأولون، فهم من نسب طريقته هذه إلى المنهج السلفي، حتى قد قال بعض الصحفيين لأحدٍ مِن أشهر مَن عُرِف بالشذوذ في الآراء: "لقد رددت على أصحاب المنهج السلفي بأدوات سلفية!!، فالتترس بالدليل، ومحاربة التقليد، والتنقيب عمن قال بهذا القول، والمطالبة بالتثبت في حكاية الإجماع وعدم المبالغة في استعماله، هي تلك الأدوات التي أطلق عليها ذلك الصحفي أدوات سلفية. أما الفريق الثاني، فهم أصحاب المدرسة المقاصدية، الذين بالغوا في إعمال ما سموه هم "مقاصد الشريعة"، حتى أباحوا كل منصوص على تحريمه، وكل مجمع على المنع منه، بـ"مقاصد الشريعة"، بل قد رموا مخالفهم بالجمود، والوقوف عند الجزئي وإهمال الكلي، ثم نقبوا عن المخالف، ولا تخلوا مسألةٌ من قولٍ شاذ، فاحتفوا به، وجمعوا له شاذًا آخر، وضخموا الخلاف، وامتطوا ظهر الاجتهاد، فنقضوا المحكمات، وعمدوا إلى المشتبهات، ودعوا إليها، وهكذا حتى أصبحت مقاصد الشريعة أداة لهدم الشريعة. وهكذا أغرق الفريقان القول، وتمالآ ـ إن أحسنا الظن بمراميهم ـ على إهمال قول السابقين مجتمعين، ولم يقيما وزنا لتتابع عمل الأمة، وتضخم لدى كل طائفة منها الاعتداد بفهمه لأدلة الشريعة، وبرز "احتقار" أفهام السابقين جليا في نتاجهم، وكم تجد في كتاباتهم عبارة: "وقد تأملت في الأدلة"، أو "وإذا تأملنا في الأدلة"، ضاربين صفحا عن فهم الأئمة قبلهم، وكأنهم ـ أي أئمة العلم ـ، واحدًا تلو الآخر، عجزوا عن التأمل في الأدلة، وأهملوا كلياتها!. نحن لا نتحدث عن أصحاب المدرسة الليبرالية الصرفة ممن يكره التدين، لكننا نتحدث عن طائفة ممن ينتسب إلى الخير ـ فيما يظهر ـ عمل أصحابها سفراء لليبرالية، شعروا أو لم يشعروا، فقد أحبهم الليبراليون واحتفوا بهم، ليمهدوا لهم الطريق، وهؤلاء الصالحون، كمغفلي رواة الحديث، أدخل عليهم أهل الفساد أحاديث فاستحسنوها، ورووها، وما هو إلا تترسا من أهل الباطل بمغفلي أهل الحق. ونحن حينما نتحدث عن ظاهرة فلا يعني أنها تتخذ شكلا واحدًا، أو بعدًا واحدًا، فأهلها مختلفون، منهم المغرق المتطرف، وربما أعجزته الحكمة، فيفضح نفسه، ويحرق أوراقه، وهذا من رحمة الله، لكن قد نبتلى بالمجانب عليم اللسان، قوي البيان، الذي يحسن استخدام الحجة والبرهان، فيعمل سفيرًا بامتياز لكل ما هو ليبرالي متحرر من الدين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذه المرحلة هو كيف نقاوم هذه الظاهرة ـ إن صحت تسميتها ـ، الجواب قد يطول لكن لا بد لحملة العلم المنافحين عن الشريعة من التصدي وبقوة لهؤلاء، وأن لا يمنعنا ماض مشرق لبعضهم من بيان خطلهم، فدين الله أحب إلينا من أحبابنا ـ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين ـ فالقضيتان المتقدمتان يجب أن تكونا من أول اهتماماتنا، فلا بد من إشباعهما بحثا، ثم إحداث ثورة عارمة على هؤلاء من خلالهما، تنتهي بصرع هذا النهج المبتدع.

стр. 787

ثم لا بد من إعادة الاعتبار للأمة، سيما إذا جرى اتفاق بينها على أمر، ولا بد من إعادة الاعتبار لما جرى عليه عمل المسلمين منذ فجر تاريخ الإسلام حتى عصور الانحطاط هذه - سمّه إن شئت بالإجماع العملي-، وأن يوضع خلاف الواحد والاثنين والثلاثة - ولو كانوا من الأكابر - في حيزه الضيق، فلا يعمل به، ولا يلتفت إليه، فضلال أمة محمد ﷺ ، أو جمهورها الغالب محال - عقلا وشرعا - ويجب أن نعرض صفحًا عمن صاح "الدليل، الدليل يا عباد الله"، مهملا "دلالة الدليل عند جماهير السالفين"، فكلام الشارع له دلالة تجمع الأمة عليها أو تختلف، فإن أجمعت فلا يصح نصب الدليل إلا من خلالها، وإن اختلفت، فقد أجمعت كذلك الأمة - ضمنا - على أن الحق محصور بين هذه الأقوال، وأن القول الجديد محدث مبتدع، ولعل الله ييسر إتمام بحث بعنوان "القول الشاذ، والآثار المترتبة عليه ". هذا شق، وشقيقه الآخر؛ إعادة "مقاصد الشريعة" إلى حياضها، فلا هي دليل جديد غفل عنه السابقون، وأهملته نصوص الشريعة، ولا هي قاعدة تتابع الأصوليون على الجهل بها، وكل ما في الأمر أنها من خصائص الشريعة؛ فلا تملك تحريما، ولا تحليلا، فهاهي كتب الأوائل في الأصول والكليات والقواعد، هل ملئت الدنيا ضجيجا بهذه المقاصد؟ لقد مرَّت الأمة في عصورٍ خلت، بواقعٍ أشد بؤسًا من واقعنا، ومع ذلك لم نسمع من علماء تلكم العصور زعيقا: "الجئوا إلى المقاصد ففيها النجاة"، متذرعين بـ"واقع جديد يفرض نظرا كليًا في ضوء مقاصد الشريعة "!. ثم لنتأمل كتاب الله، وسنة رسوله لنستلهم منه مقاصد التشريع، وهي ومقاصد خلق الخلق صنوان، ولنتدبر هذه الآيات، وما قاله أهل العلم السالفين في دلالاتها: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴿٤٥﴾ وَدَاعياً إلَى الله بإذنِهِ وسِرَاجَاً مُنِيرَاً) الأحزاب، وقريب منها في الفتح، ومثلها (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴿١١٩﴾) سورة البقرة مع آيات أخرى كثيرة مشابهة، وخلاصة معناها (﴿شاهداً﴾ أي لله بالوحدانية, وأنه لا إله غيره وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة وجئنا بك على هؤلاء شهيداً كقوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾. وقوله : ﴿ومبشراً ونذيراً﴾ أي بشيراً للمؤمنين بجزيل الثواب, ونذيراً للكافرين من وبيل العقاب. وقوله جلَّت عظمته: ﴿وداعياً إلى الله بإذنه﴾ أي داعياً للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك ﴿وسراجاً منيراً﴾ أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشرافها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند)، نقلا من تفسير ابن كثير. وقوله (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). آية ٧ من سورة هود، وقوله (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) آية رقم ٢ من سورة تبارك مع آيات أخر، مشابهة، ومعناها (ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا). وقوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) في ثلاث آيات، قال البغوي ("ليظهره"، ليعليه وينصره "على الدين كله")، وهو أحد المعنيين، وسواء حملنا اللام هنا للعاقبة، أو للتعليل، وسواء كان الكلام عن إرادة كونية، أم شرعية، فالمؤدى واحد.

стр. 788

وقوله (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المنافقينَ والمنَافِقَاتِ، والمُشرِكينَ والمُشرِكَاتِ، ويَتُوبَ اللهُ علَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) ٧٣ من الأحزاب، قال القرطبي في تفسيرها (اللام في "ليعذب" متعلقة بـ "حمل" أي حملها ليعذب العاصي ويثبت المطيع؛ فهي لام التعليل؛ لأن العذاب نتيجة حمل الأمانة). ومن هذه الآيات، ابتلاء الله إبراهيم في ذبح ابنه، وابتلاء المؤمنين بشيء من الصيد تناله أيديهم ورماحهم، وابتلاء المؤمنين بتسلط الكافرين على بعضهم، ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعض المؤمنين ببعض .. أين المقاصديون عن هذه الآيات التي قلما تخلوا سورة، من آياتٍ ذات دلالةٍ مشابهة؟ إنّ أعظم مقاصد الشريعة، أن يكلف الله الخلق بتكاليف؛ امتحانًا لهم، ليرى من يعظمه، ومن يجاهد في سبيله وينصره ورسله بالغيب، ولو أهلك نفسه، وماله، وعقله، وعرضه، فمجاهدة الإنسان غير الله، للعمل بمراد الله ولو كان شاقا، هو أعلى درجات تعظيم الرب وحده لا شريك له، هو أعظم ما يُعبد الله به (وما أُمِرُوا إلا ليعبدوا اللهَ مخلصين له الدين حنفاء)، (وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون).

стр. 789

خطأ القول بأن الإمام الشافعي غير مذهبه في مصر مراعاة للعوائد والبيئة المصرية علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف ٦ محرم ١٤٣١هـ يزعم بعض الناس أن الإمام الشافعي كان يفتي في العراق بفتاوى ولما ذهب إلى مصر أصبح يفتي بخلاف ذلك لاختلاف البيئة بين مصر والعراق وبالتالي أصبحت له فتاوى تناسب أهل العراق وفتاوى تناسب أهل مصر؟ وهذا الزعم ليس بصحيح فلم يثبت أنه كان للإمام الشافعي ﵀ فتاوى تناسب أهل العراق وأخرى تناسب أهل مصر، ولكن المقرر في كتب المذهب الشافعي هو أن الإمام الشافعي كان له مذهبان مذهب في العراق وهو المذهب القديم تلقاه عنه تلاميذه هناك وألَّف فيه كتباً ثم إنه عندما انتقل إلى مصر مروراً بمكة التقى بعدد من العلماء ونقلة الأحاديث وتراجع عن كثير مما كان عليه بالعراق، وهو ما أصبح يُعرف بالمذهب الجديد، ولم يكن آنذاك يُعرف بمذهب العراق ومذهب مصر. وهذا المذهب الجديد قيل إنه تشكَّل قبيل مغادرته العراق إلى مكة، وقيل قبل مغادرته مكة، لكن من المقطوع به أنه كتبه وأصَّله في مصر، فهو إذن لا علاقة له بكونه في مصر أو في العراق ومما يدل على ذلك: ١ - أنه لو كان الأمر مجرد فتاوى تناسب كل بلد لما أمر ﵀ بشطب كتبه التي ألَّفها في العراق وحرَّم على الناس روايتها، فقد كان يقول: (ليس في حلٍّ من روى عني القديم) (البحر المحيط) للزركشي (٤/ ٥٨٤)، بل لجعل لكل بلد فتاواه التي تناسبه. ٢ - ولو كان الأمر كما يزعم هؤلاء لأفتى أصحابه بالعراق بأقواله القديمة والواقع خلاف ذلك. ٣ - أن أئمة المذهب الشافعي والذين هم أدرى به لم يذكر أحدٌ منهم هذا السبب، فهل هؤلاء المتأخرون أعلم بذلك منهم؟!. بل عندما اختار بعضهم شيئاً من أقواله القديمة لم ينسبوها إليه، بل اختاروها لرجحان أدلتها من وجهة نظرهم. ٤ - أن أئمة المذهب الشافعي صرَّحوا بأنه لا يجوز تقليد الشافعي في مذهبه القديم ولو كان المقلِّد من أهل العراق، فكيف يزعم هؤلاء أن السبب اختلاف البيئة واختلاف المكان. ٥ - لو صح أن سبب تغيير الإمام الشافعي لمذهبه في مصر اختلاف المكان لما قلَّده الشافعية في غير مصر والمعلوم لدى طلاب العلم أن أئمة الشافعية أين ما كانوا قد أخذوا بمذهبه الجديد الذي أسسه في مصر حتى أهل العراق أنفسهم، وكتاب الأم وهو العمدة في المذهب الشافعي إلى الآن؛ ألَّفه في مصر، لذلك قال النووي في المجموع (١/ ٦٦): (كل مسألة فيها قولان للشافعي ﵀ قديم وجديد، فالجديد هو الصحيح وعليه العمل)، وقال (١/ ٦٨): (ليس للمفتي ولا للعامي المنتسب إلى مذهب الشافعي ﵀ في مسألةِ القولين أو الوجهين أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر بل عليه في القولين العمل بآخرهما) ولم يفرق بين كون هذا المفتي في العراق أو مصر أو غيرهما. والعجيب في الأمر أن الذين يزعمون أنه غيَّر مذهبه لتغير عوائد الناس وطبائعهم إنما يريدون بهذا الزعم إصدار فتاوى تيسر على الناس ولو خالفت الدليل زاعمين أن الإمام الشافعي أفتى بفتاوى تناسب أهل مصر تيسيراً عليهم، وجهل أولئك أن فتاوى الإمام حسب أصوله في مصر أشد من فتاواه في العراق، ومذهبه في العراق أقرب إلى التيسير، وأنه بنى مذهبه الجديد على الاحتياط، وعدم القول بالمصالح المرسلة التي يدندن حولها القوم، ولا عبرة بالعرف عنده بل العبرة بالنص والالتزام بظاهر النصوص كما سيظهر ذلك من خلال بعض الأمثلة التي سأوردها لك بعد قليل، ولا توجد مسألة واحدة تراجع عنها الإمام لتغير الظروف بين مصر والعراق، والبينة على المدعي، وهيهات!. ومن أمثلة الفتاوى التي أفتى بها في مصر وكان رأيه فيها أشد من رأيه في العراق كما هو مبثوث في كتب الشافعية:

стр. 790

١ - استعمال أواني الذهب والفضة، في القديم: يكره كراهة تنزيه، وفي الجديد: يكره كراهة تحريم. ٢ - المسح على الخفّ المخرق، في القديم: إن كان الخرق لا يمنع المشي عليه جاز، وفي الجديد: إن ظهر من الرِّجل شيء لم يجز. ٣ - ترك الفاتحة نسياناً، في القديم: تسقط عنه القراءة بالنسيان، وفي الجديد: لا تسقط. ٤ - الغسل من ولوغ الكلب، في القديم: لا يجب غسله، وفي الجديد: يغسل ستاً. ٥ - ترك الترتيب في الوضوء ناسياً، في القديم: صحيح، وفي الجديد: باطل. ٦ - النوم في الصلاة، في القديم: لا ينقض الوضوء، وفي الجديد: ينقض. ٧ - امرأة المفقود، في القديم: تتربص أربع سنين من وقت انقطاع خبره، ثم تعتد عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشرة أيام، وفي الجديد: لا تعتد ولا تنكح أبداً حتى يأتيها يقين وفاته، فأخذ في القديم بقول ابن عباس ﵄ الأيسر، وأخذ في الجديد بقول علي ﵁ الأشد. والأمثلة كثيرة يمكن الرجوع إليها في مظانها، ويلاحظ أنه لا أثر لاختلاف المكان والبيئة في اختلاف قولي الإمام الشافعي القديم والجديد في هذه المسائل كلها، وإنما يرجع سبب الاختلاف إلى إحكام مذهبه وضبطه بالأدلة الشرعية كما قال تلميذه الإمام أحمد بن حنبل ﵀ لما قيل له: (ما ترى في كتب الشافعي التي عند العراقيين أحب إليك أم التي عند المصريين؟، قال: عليك بالكتب التي وضعها بمصر، فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك). (مناقب الإمام الشافعي للبيهقي ١/ ٢٦٣ ( فهذا تلميذه وأعرف الناس به أرجع سبب تغير مذهب إمامه إلى الإحكام والضبط، ولو كان للبيئة والمجتمع سبب في ذلك لذكره. فالقول بأن هذا هو السبب قول باطل وعري عن الصحة ولا يستقيم مع التحقيق العلمي ولا يقوله إلا جاهل أو صاحب هوى. وليس معنى ذلك أن الفقيه لا يجوز له أن يغير فتواه بتغير الزمان والمكان، بل هذا ممكن في المسائل الاجتهادية المبنية على العرف والمصالح ورفع الحرج، أما المسائل المبنية على الأدلة الشرعية الصحيحة، فهي ثابتة وصالحة لكل زمان ومكان. والله أعلم.

стр. 791

تكثير الأتباع بالوحي لا بالابتداع أ. د. ناصر العمر إنَّ بِيَد العلماء والدعاة اليوم كنز عظيم من إرث النبوة، إنْ هُم استخرجوه كما هو، واستعملوه على وجهه، فجدير بالناس أن يؤمنوا بما جاءوهم به، فمع الدعاة اليوم ما بمثله تؤمن البشرية، فقد صح عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ". إن الدعاة اليوم ليسوا بحاجة مع هذا الكنز إلى اتباع زبالات العقول ولا إلى استيراد آراء ونظريات الغربيين، وليسوا كذلك بحاجة إلى إخفاء جزئه والتنصل من بعض أحكامه، بل ما يتنصلون منه، فيعتسفون له التأويلات حيناً لينسجم مع نظريات الغربيين، ويكتمونه حيناً آخر باسم مصلحة الدين، وهو المصلحة المعجزة التي بمثلها آمن البشر، والإشكال كل الإشكال في تلك العقلية التي ترى المعروف منكراً، تلك العقلية المنتكسة هي التي يجب أن تعدل، هي التي يجب أن تصحح لا الشرع المطهر، وإذا علم هذا فثمة أمور ينبغي أن يتنبه لها كل من سلك طريق الدعوة منها: - عرض دعواتنا على الوحي، فمتى خالفت منهاجه أو تعارضت مع أحكامه، فلنوقن بأننا في منأى عن عرض دعوة بمثلها يؤمن البشر إيماناً صادقاً شرعياً معتبراً، وإنما هي آراء زخرفت وزوقت فانجذب إليها من ضعف تمييزهم أو اتبعوا أهواءهم، ولا تغرنك كثرتهم! - وما ينبغي التنبه له أنه متى وجدنا أن الدعوة لم تلق قبولاً فلنوقن بأن الخلل في أحد أمرين: - إما أن تكون دعوتنا قاصرةً غيرَ منسجمة مع الوحي في منهاجها أو أحكامها أو بعض شأنها. - وإما أن يكون الخلل في الشريحة المدعوة والخلل حينها أحد أمرين: .. فقد تكون الشريحة المنتقاة للدعوة مخاطبة بخطاب شرعي لا يناسبها. .. وقد يكون الخطاب مناسباً لها لكن الخلل في عقلية المخاطبين التي انتكست، ونفوسهم التي أشربت حب الباطل فلا تطيق التخلي عنه. وعلى الداعية أن يتهم نفسه قبل أن يتهم الآخرين، ويراجع دعوته أولاً بعرضها على الوحي دائماً، ثم يراجع خطابه ويقيم ملاءمته للمدعوين، وأخيراً يبحث عن سبل علاج مرضى القلوب من أصحاب الأهواء والشهوات العالمين المعرضين أو المستكبرين. - ومما ينبغي أن نتنبه له كذلك أن كثرة الأتباع، وحشد الجماهير، وتكثير السواد قد يحصل بعضه بالباطل، وقد يكون شيء منه بالتنازل عن الدين، غير أن الكثرة الكاثرة والسواد العظيم المبارك لايمكن جمعهم إلاّ على الوحي الذي يؤلف بينهم، ولهذا قال ﷺ في هذا الحديث: "وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة" ... وكما أن للحق أتباع، فإن للباطل أتباعه، ولكل ناعق تابع، وأتباع الشهوات والأهواء كثير، بل (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [يوسف: ١٠٣]، غير أن التأليف بين أصحاب الأهواء المختلفة عسير، وتحقيق رغباتهم كلهم يتعذر فهم الأغلبية المتفرقة، فهم أغلبية لكنهم ( .. لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) [من الذاريات: ٨ - ٩].

стр. 792

أما الاجتماع على الحق والتنازل له فممكن حلو ميسور، ولاسيما الحق المنزل بالوحي على محمد ﷺ فقد جاء بشريعة سمحة جمعت المحاسن، وهدت إلى أقوم السبل، فحري بالنفوس المتجردة السوية أن تتبعه وأن تأتلف عليه، وحري كذلك بأن يكون الداعي إلى ما جاء به محمد ﷺ أكثر تبعاً من صاحب الشرع المحرف أو المبدل لو عقل الأتباع والمدعوون .. ولكن شأن الأهواء يأبى أن يكون الأحرى والأولى هو الأولى! ومع ذلك فإنَّ سلطان الوحي الذي أوتيه نبينا ﷺ أبى إلاّ أن يقتحم قلوب كثير من الناس فكان أكثر الأنبياء تبعاً نبينا ﷺ . والذي يتأمل تاريخ الإسلام يجد أكثر الناس تبعاً من بني الإسلام هم ورثة محمد ﷺ من الأئمة العاملين المتبعين للوحي الذين لهم قدم صدق في الإسلام ثابتة، قد أخذو الكتاب بقوة، ولم يعرف فيهم متساهل أو مترخص متلاعب، جعل الوحي باسم المصلحة خلفه ظهرياً. إن تمييع الدين والتنازل عن بعض الثوابت قد يجمع حول الداعية خلقاً بعض الوقت، ثم لا يلبس ذلك الجمع أن ينفض إما بموته فهم ما اتبعوه إلاّ لتحقيق مآربهم وإنما امتطوه ليكون ذريعة شرعية نحو شهواتهم، وإما بأن يجد الجمهور من هو أوسع فقهاً! منه ولك أن تقول: أرق ديانة! وإما أن يهدي الله من تلك الجموع فئاماً تبصر الحقيقة فتنفض عمن يزورونها، والنتيجة الحتمية اضمحلال الباطل وذهاب هيبته وظهور الحق وإياب دولته: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد: ١٧]، ولو تأملنا في حال المجددين والمصلحين الذين تبعتهم الأمة ورفع الله ذكرهم فيها منذ القرن الأول وإلى اليوم، وجدناهم جميعاً مما يعنون بالوحي وإقامته بين الناس، يمسكون بالكتاب، ويحيون السنن، ويحتاطون للأمة، ما عرف واحد منهم بإحياء البدع، ولا الاندفاع في الترخص، وأمثال هؤلاء ومن جرى على سننهم هم من سوف يبقى علمهم ويشاد ببذلهم ولو بعد حين فهؤلاء إنما يجددون علم النبوة، أما غيرهم فسيضمحل ولو بعد حين، وتلك هي سنة الله في الأولين وسوف تبقى في الآخرين، إلى آخر الزمان، ومن سِرِّ ذلك أن الوحي هو الذي به يؤمن البشر وبه تصلح شؤونهم في سائر الأوقات والأماكن، فلا غرو أن يكون الداعي إليه أكثر الناس تبعاً، على أن المطلوب من أهل الحق أن يبينوه ويجتهدوا في دعوة العقلاء إليه، والله متم نوره ولو كره الكافرون. فإن لم تقم للحق دولة تنصره وترعاه، بل مات أهله في الأغلال والسجون فهو أتم لأجرهم، والله يرفع ذكرهم، كما رفعوا دينه الخالص، وتأمل قول بعض السلف: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز! مات أحمد بن حنبل فتبع جنازته أهل بغداد، ومات ابن تيمية فتبع جنازته أهل الشام ... ومات ابن أبي دؤاد رجل الدولة فما تبعه عدد يذكر! مع أنه كان جواداً ممدحاً وكانت العامة والخاصة -سوى قلة- كانت تظهر له الموافقة خوفاً من بطش السلطان، والله المستعان. المصدر: موقع المسلم

стр. 793

احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي مناقشة علمية إبراهيم بن عمر السكران -مدخل: طوال السنوات السابقة كنت أسمع وأقرأ حزمة من "المقولات النقدية" التي توجه ضد الخطاب الشرعي، وعادة ما تبدأ هذه الجمل بعبارة (مشكلة الإسلاميين أنهم ... الخ) أو (مشكلة المشايخ أنهم .. الخ)، وتارة أخرى ألاحظ أن العبارة تبدأ بلغة أكثر انتماءً مثل (مشكلتنا أننا .. الخ). والذي لفت انتباهي طوال هذه الفترة في هذه المقولات النقدية أن الفكرة تقريباً متشابهة بين هؤلاء النقاد الذين ينتقدون، بل وفي كثير من الأحيان تجد العبارة ذاتها متشابهة، فأسمع وأقرأ ذات المفردة في الحوارات التي تدور في المجالس العامة، وفي المقابلات الإعلامية التي تُجرى مع بعض المنتسبين للثقافة، وفي المنتديات الفكرية الإلكترونية، بل وكثيراً ما أتلقى رسائل على البريد الإلكتروني من بعض الأصدقاء تتضمن الفكرة ذاتها وبالعبارات ذاتها! هذا التشابه الهائل في تلك الأفكار والعبارات النقدية التي تُشهر في وجه الخطاب الشرعي كان بالنسبة لي سراً غامضاً، حتى أنني وأنا أسمع وأقرأ وألاحظ سعة هذا القدر المشترك بينهم، أقول في نفسي يا ترى هل تَمَاثُل المخرجات يعكس وحدة المصدر؟ أي أن هذا التناسخ التوأمي في الأفكار والعبارات هل يمكن أن يدل على أن المصدر "شخص واحد" وهم ينقلون عنه جميعاً؟! المهم أنني لاحظت أن أكثر هذه "المقولات النقدية" شيوعاً سبع مقولات تقريباً: أولها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الحقيقية والفعلية وأسئلة وإشكاليات الناس المدنية، وثانيها: أن الخطاب الشرعي يهتم بالقضايا الشكلية ولا يعتني بقضايا الأخلاق حتى أصبح التدين تديناً مظهرياً وليس تديناً حقيقياً. وثالثها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالعلوم غير الشرعية بل ويشيع التزهيد فيها وأنه لا ثواب فيها مما أدى إلى تخلفنا في هذه العلوم. ورابعها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بمقاصد الشريعة ومنهج الشاطبي مما تسبب في إغراقه في الحرفية في تفسير النصوص والجزئية في الاهتمامات. وخامسها: أن الخطاب الشرعي منهمك ومشغول في صراعات ومعارك تاريخية طواها الزمن مثل قضايا الصفات والجهمية وخلق القرآن. وسادسها: أن الخطاب الشرعي خلق موقفاً سلبياً ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الغربية مما تسبب في تخلفنا المعاصر. وسابعها: أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للنظام السياسي، وغارق في مديح الولاة والتزلف لهم، فهو أداة يحركها كما يشاء، وليس خطاباً شرعياً مستقلاً. هذه المقولات السبع أكاد أسمعها في كل مجلس تثور فيه حوارات فكرية حول الواقع المحلي، وأكاد أقرؤها في كل مقابلة إعلامية يتم إجراؤها مع أحد المنتسبين للثقافة حين يتحدث عن رؤيته للخطاب الشرعي. بل إنه من الطريف أن التشابه المتكرر بين هؤلاء النقاد يصل ليس فقط إلى الفكرة والعبارة، بل إلى أسلوب العرض ذاته، فقد لاحظت شخصياً أنهم كثيراً ما يستخدمون أسلوب السؤالين (أين نحن عن .. ؟) و (إلى متى ونحن نتحدث عن .. ؟) فتراهم يقولون لك بصيغة السؤال الأول: (أين نحن عن مصالح واحتياجات وحقوق الناس؟ أين نحن عن قضايا الأخلاق وقيم العمل؟ أين نحن عن منجزات العلوم المدنية الغربية؟) ثم يعقبونها بصيغة السؤال الثاني: (إلى متى ونحن نتحدث عن معارك الصفات والجهمية؟ إلى متى ونحن غارقون في القضايا الجزئية الصغيرة؟) فلا أدري عن سر هذا التطابق في الفكرة، والمفردة، والأسلوب ذاته؟! وهذا التطابق في الحقيقة يمثّل بالنسبة لي ظاهرة طريفة فعلاً. وهذه "المقولات النقدية" في الحقيقة تحمل أحكاماً ضمنية، بمعنى أنها تقرر أحكاماً عن واقع الخطاب الشرعي (بأنه يهمل قضايا معينة .. ويغالي في الاهتمام بقضايا أخرى)، ولذلك كنت حين أسمع شخصاً يردد بعض هذه المقولات النقدية فإني كنت أفضل دوماً أن أبدأ بالسؤال المنهجي: هل فعلاً أجريت دراسة مسحية أو استطلاعية -ولو كانت عابرة- على منتجات الدروس الشرعية والبحوث التي ينتجها الباحثون الشرعيون؟ وكنت دوماً أتفاجأ بردود مخيبة للآمال. غالب الشخصيات التي تردد مثل هذه المقولات التقييمية ليس بحوزتها أية دراسة علمية تبرهن هذه الأحكام الضخمة التي يكررونها في مجالسهم بشكل معتاد. ومن هاهنا فإنني قررت أن أقوم بكتابة ورقة موجزة تتضمن فحصاً لمدى الدقة العلمية في هذه (المقولات النقدية) التي تتداولها بكثرة المجالس العامة، والصوالين الأدبية، والندوات الثقافية، والأعمدة الصحفية، والمشاركات المنتدياتية. ما مدى موضوعية هذه الأحكام وعلميتها؟ ما الذي يصح منها وما الذي لا يصح؟ أين أخطأ نقاد الخطاب الشرعي وأين أصابوا في هذه الاحتجاجات التي يوجهونها دوماً ضد الخطاب الشرعي؟.

стр. 794

الشذوذ في القول بجواز تولي المرأة منصب الإمامة والقضاء صالح بن علي الشمراني خلق الله الناس من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وشرع لهم الدين وأمرهم رجالا ونساء باتباعه، ووعد من أطاعه منهم الجنة فقال : ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [سورة النساء:١٢٤]، وهم جميعا في أصل التكليف سواء، والخطاب الشرعي واقع عليهم على حد سواء، إلا ما خص الله به الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال، مما يوافق خلقة كل وفطرته وتكوينه، فقد قال عز جل: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ [سورة آل عمران:٣٦]. ومما خص الله به الرجال دون النساء تولي منصب القضاء، وهذا شبه إجماع بين أهل العلم من السلف والخلف، ولم يعهد أهل الإسلام منذ مبعث رسولها ﷺ مرورا بعهد الخلفاء الراشدين إلى يومنا هذا أن أحدا من أئمة المسلمين ولى المرأة هذا المنصب. قال ابن قدامة: " ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان ولهذا لم يول النبي ﷺ ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه الزمان غالبا". (١) ويقول أبو الوليد الباجي: " ويكفي في ذلك عمل المسلمين من عهد النبي ﷺ لا نعلم أنه قدم امرأة لذلك في عصر من الأعصار ولا بلد من البلاد، كما لم يقدم للإمامة امرأة. (٢) وقالت لجنة كبار علماء الفتوى بالأزهر: " الولاية العامة - ومنها رئاسة الدولة - قصرتها الشريعة الإسلامية على الرجال إذا توافرت فيهم شروط معينة، وقد جرى التطبيق العملي على هذا من فجر الإسلام إلى الآن، فإنه لم يثبت أن شيئا من هذه الولايات العامة قد أسند إلى المرأة لا مستقلة ولا مع غيرها من الرجال وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، وفيهن من تفضل كثيرا من الرجال، كأمهات المؤمنين مع أن الدواعي لاشتراك النساء مع الرجال في الشؤون العامة كانت متوافرة، لم تطلب المرأة أن تشترك في شيء من تلك الولايات ولم يطلب منها الاشتراك، ولو كان لذلك مسوغ من كتاب أو سنة لما أهملت مراعاته من جانب الرجال والنساء باطراد. (٣). وقال ابن العربي: " وقد روي أن عمر قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث. (٤). اتفاق الأئمة في هذه المسألة: ولذلك فإن جماهير أهل العلم من السلف والخلف على ما تقدم من أنه لا يجوز أن تتولى المرأة منصب القضاء، وأن من ولّاها أثم. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، (٥). وهو ما نص عليه فقهاء الحنفية. (٦). إلا أنهم - أي الحنفية - يرون أنها لو وليت ينفذ حكمها فيما تصح فيه شهادتها. الخطأ في فهم مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: المذهب عند الحنفية كماك تقدم، هو أنه لا يجوز توليتها، إلا أنها لو وليت جاز حكمها ونفذ خلافا للجمهور. قال ابن قدامة: " وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود، لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه". (٧). وقال ابن رشد: " وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضية في الأموال". (٨).

стр. 795

ومن مثل هذا النقل لمذهب الحنفية ظن الكثير أن أبا حنيفة يجيز أن تتولى المرأة منصب القضاء، وهذا الفهم خاطئ لأنه لا يلزم من القول بجواز قضائها- إذا وليت القضاء- القول بجواز توليها القضاء، وهذا ما أشار إليه المحققون من أئمة الحنفية أنفسهم. قال في مجمع الأنهر: " ويجوز قضاء المرأة في جميع الحقوق لكونها من أهل الشهادة لكن أثم الموليّ لها للحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (١). فترى أنه نص على أثم المولي، ولا يحكم بالإثم إلا على فعل محرم. وقال العلامة ابن الهمام في الرد على استدلال الجمهور بحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) على عدم جواز قضائها وعدم نفاذ حكمها: (والجواب أن غاية ما يفيده منع أن تستقضى وعدم حله، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد بتوليتها، أو حكمها خصمان فقضت قضاء موافقا لدين الله أكان ينفذ أم لا؟) (٢). فتلاحظ أن ابن الهمام ﵀ نص على أن الخلاف إنما هو في نفاذ حكمها من عدمه في حالة ما لو وليت القضاء أو حكمها خصمان، ولذلك فإن مفهوم كلامه ﵀ أنه لا خلاف في أنه لا يجوز توليتها القضاء. كما أنه نص على أن الحديث يدل على منع توليتها وعدم حله. وقال ابن نجيم: " لأنها أهل للشهادة في غيرها فكانت أهلا للقضاء لكن يأثم المولي لها" (٣). وقد أشار ابن العربي المالكي إلى هذا التفريق بين القول بجواز حكمها والقول بجواز توليتها فقال: " ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه ولعله نقله عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور، بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستنابة في القضية الواحدة بدليل قوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير". (٤). النتيجة: مما تقدم فإن الجزم باتفاق الأئمة الأربعة على القول بعدم جواز تولي المرأة منصب القضاء صحيح. ولذلك فإن التعلق بنسبة القول بجواز تولية المرأة القضاء إلى أبي حنيفة باطل، وأبطل منه ما ركب على ذلك من أحكام أخرى كما سيأتي في مبحث الولاية العامة. القول الشاذ في هذه المسألة: فإذا تبين اتفاق المذاهب الأربعة على منع المرأة من تولي منصب القضاء، فقد حُكي عن الإمام ابن جرير الطبري أنه على خلاف ذلك، وأنه يجيز أن تكون قاضيا على الإطلاق في جميع الأحكام. وهذا القول مشهور عن ابن جرير، وذكره غير واحد من العلماء عنه (٥) وهو قول ابن حزم كذلك (٦). وقد أشار ابن رشد في باب معرفة من يجوز قضاءه إلى هذا القول والذي قبله فقال: " وكذلك اختلفوا في اشتراط الذكورة: فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال. قال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكماعلى الإطلاق في كل شيء (٧). التحقيق في قول ابن جرير: لم يثبت هذا القول عن ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - بنقل صحيح ولم ينص هو على هذا في شيء من كتبه.

стр. 796

قال الشنقيطي: " لعل كل ما نسب إلى هؤلاء الأعلام لم تصح نسبته إليهم لرسوخ أقدام القوم، وأن لهم اليد الطولى في العلم، وإلا فكيف يصح أن يقول مثل هؤلاء: يجوز تولية المرأة في الإسلام، والرسول ﷺ يقول: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (١). انتهى. ثم لو ثبت هذا القول عن ابن جرير فإنه لا يلزم منه القول بجواز تولي المرأة منصب القضاء كما يحرص دعاة العصرنة التأكيد عليه، بل غاية ما هنالك أنه يجيز حكمها لو وليت القضاء وحكمت كما أسلفنا في توجيه مذهب الحنفية. وقد تقدم النقل عن ابن العربي حيث أشار إلى التفريق بين القول بجواز حكمها والقول بجواز توليتها فقال: " ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه ولعله نقله عنه كما نقل عن أبي حنيفة أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور، بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو الاستنابة في القضية الواحدة بدليل قوله ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير" (٢). بل إن هذا لم يكن متصورا حصوله عند المتقدمين، ولذا قال ابن العربي: " فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم، وتكون منظرة لهم، ولم يفلح قط من تصور هذا، ولا من اعتقده". (٣) ثم لو قلنا بثبوته عن ابن جرير أو غيره، فلا عبرة به لأنه شاذ مخالف لجماعة العلماء. قال الماوردي: " وشذ ابن جرير الطبري فجوز قضاءها في جميع الأحكام ولا اعتبار بقول يرده الإجماع" (٤). الأدلة على عدم جواز تولي المرأة القضاء: استدل جماهير أهل العلم على عدم جواز تنصيب المرأة للقضاء بالكتاب والسنة والإجماع: ١ - قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [سورة النساء:٣٤]، وجه الدلالة: أن هذه القوامة عامة، وإذا كان الرجل قيما عليها في حدود الأسرة ففي الولاية العامة من باب أولى. ٢ - وعن أبي بكرة ﵁ قال: لما بلغ رسول ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليه بنت كسرى قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) (٥) وجه الدلالة: ظاهر بأمرين: أولهما: العموم في هذا الحديث، وهو من وجهين: الأول: قوله ﷺ : ((قوم)) نكرة في سياق نفي فتعم كل قوم، ولم يقل ﷺ ، " لن يفلح الفرس حين ولوا أمرهم امرأة". الثاني: العموم في قوله ﷺ : ((أمرهم)) ليعم كل أمر وذلك لأنها نكرة أضيفت إلى معرفة. ثانيهما: أن نفي الفلاح لا يكون إلا في ترك واجب. قال الشوكاني: " ولا يحل لقوم توليتها، لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب" (٦). وقال: " فليس بعد نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد ورأس الأمور هو القضاء بحكم الله فدخوله فيها دخولا أوليا" (٧).

стр. 797

٣ - وعن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق، فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)) (١). قال مجد الدين ابن تيمية: " وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلا" (٢). وجه الدلالة: أنه ﷺ قال: (رجل) فدل بمفهومه على خروج المرأة (٣). ٤ - الإجماع، وقد تقدم نقله عن الماوردي - رحمه الله تعالى-. ٥ - دليل النظر الصحيح. حيث إن القاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عن القيام بأكثر الأمور، وهي ناقصة والإمامة والقضاء من كمال الولايات فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال. المصدر: من كتاب (إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ)

стр. 798

الاختلاط بين "محكم" الوحي و"متشابهه " عبد الله بن صالح العجيري (١) ليكن واضحاً من البداية أن الحديث هنا ليس عن "اختلاطٍ عفويٍ عارضٍ" كالاختلاط في السوق والطرقات فإنه لا خلاف أصلاً في حكم هذه المسألة، وإنما الكلام في "الاختلاط المقنن الممنهج" كالاختلاط الواقع في قاعات الدراسة ودوائر العمل، وهو مما لا خلاف في حكمه أيضاً. (٢) لست أشك بأن مسألة "الاختلاط" من المسائل الجلية الظاهرة التي لا لبس فيها على من سلم من داء "الجهل" وداء "الهوى". ولولا كثرة الملبسين فيها من أهل الريب بالباطل لما تردد في حكمها عامة الناس فضلاً عن خاصتهم. ... في ظني أن من أهم "القواعد الشرعية المحكمة" التي ينبغي الاستمساك بها والصدور عنها مثل هذا الموضوع تلك "القاعدة القرآنية العظيمة" التي بينها الله تعالى في قوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ). فمن تأمل هذه الآية وما تضمنته من "منهجية علمية قرآنية" في التعاطي مع نصوص الوحي فستنزاح عنه "أثقال الشبهات" وتتطاير "هباءً منثوراً"، ومن "غفل" عنها أو "تغافل" فسيظل مضطرباً حائراً أمام سيل الشبهات والإشكالات والانحرافات. "الوحي" كما أخبر الله؛ فيه "النص المحكم" الذي يجب التزامه، "والنص المتشابه" الذي يلزم رده إلى "المحكم"، فإذا غاب عن الباحث قاعدة "المحكم" و"المتشابه" فلن يتميز له المراد الإلهي، وسيبقى متردداً متذبذباً يقفز مع كل أطروحة، ويربكه كل اعتراض. واستحضار هذا المدخل -هو في ظني- ضروريٌ لمعرفة "المنهجية الشرعية الصحيحة" في التعامل مع ما يتصل بالقضية المطروحة بين أيدينا -أعني حكم الاختلاط- " بمعرفة "محكمات" هذا الباب و"متشابهاته"، والتعامل مع كلٍّ وفق قاعدة الشريعة في "المحكم" و"المتشابه". لا يخفى على كل دارسٍ "لنصوص الوحي" و"مقاصد الشريعة" أن دين الإسلام جاء بـ"التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين"، وأنه يؤسس لتصور يراد منه حفظ "عفاف" المجتمع و"نقاؤه" و"طهارته" بتشريع ما يشيعه في المجتمع ويحفظه، وتحريم ما يفضي إلى إضعافه أو إزالته، وتأمل في مسرد "التشريعات" التالي تعلم "صدق" ذلك: "وجوب ضرب الخُمر على الجيوب وإدناء الجلابيب"، "حرمة إبداء الزينة للأجانب"، "النهي عن الضرب بالأرجل حتى لا تعلم الزينة"، "سؤال المتاع من وراء حجاب"، "منع الخضوع بالقول"، "القرار في البيوت"، "تحريم التبرج"، "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"، "منع الخلوة بالأجنبية"، "تحريم وصف المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي"، "التحذير من الدخول على النساء، وقوله: الحمو الموت"، "منع التعطر في الطريق"، "بيان أن المرأة عورة وذكر استشراف الشيطان لها إذا خرجت"، "تحريم الزنا وكل ما أفضى إليه الوسائل والأسباب"، "الأمر بحفظ الفروج"، "تحريم مس الأجنبية، وقوله: لأن يطعن أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له"، "تحريم السفر إلا مع ذي محرم"، "وجوب غض البصر"، "بيان حكم نظر الفجأة"، "تحريم الملابس الشفافة والضيقة المجسمة"، "تطويل ذيول النساء" "الطواف من وراء الرجال" ... إلخ إلخ.

стр. 799

ثم إذا قربت "عدستك" من التشريعات "المماسة" لمسألة "الاختلاط" مباشرةً، فستجدها منسجمة تماماً مع تلك "التشريعات" ومؤسسة لذات خطاب "التحفظ والاحتياط في علاقات الجنسين" بما يحدث في نفس الباحث أن ذاك "الاختلاط المقنن" هو من قبيل الحرام الذي لا ينبغي الاختلاف في حكمه. تأمل مثلاً في تلك "التشريعات" المتصلة "بخروج المرأة للصلاة في المسجد"، وتفكر في جملة "الاحتياطات" التي سنها الشارع في هذا الباب، لتعلم حرص الشارع على منع "الاختلاط المحرم" وسد ذرائع "تطبيع العلاقة بين الجنسين". الشريعة أسقطت عن المرأة واجب الحضور لصلاة الجماعة في المسجد، وجعلت صلاتها في بيتها خيراً لها من صلاتها في المسجد [قال ﷺ : "صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها"] فإذا خرجت حرم عليها مس الطيب والتعطر ولبس ما تتزين به [قال النبي ﷺ : "إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً" وقال:"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات"] فإذا أرادت دخول المسجد فلها باب يخصها لا يدخل منه الرجال [قال ﷺ : "لو تركنا هذا الباب للنساء"] فإذا استقرت في المسجد كان محل صلاتها خلف الرجال، وكلما تأخرت عنهم فهو خيرٌ لها [قال ﷺ : "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها"] فإذا انتهت الصلاة مكث الرجال مدةً حتى ينصرف النساء [عن أم سلمة قالت: كان ﷺ إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم, قال: "نُرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال"] فإذا كانوا في الطريق مع الرجال فليس لهن أن يزاحمن الرجال ويختلطن بل لهن حافات الطريق [عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه أنه سمع ﷺ يقول وهو خارج من المسجد، "فاختلط" الرجال مع النساء في الطريق؛ فقال ﷺ للنساء: "استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحقُقْن الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به]. ولا يغيبن عن ذهنك وأنت تقرأ مثل هذه "الاحتياطات" التشريعية أنها جاءت في حق "أشرف الناس" بعد الأنبياء، وفي "الطريق العابر"، وفي "الوقت القصير"، وفي "وضح النهار"، مع "وجود الحجاب"، حالة الخروج من "أطهر البقاع"، بعد "أشرف العبادات العملية"، فمن باب أولى أن يمنع في أماكن المكث الطويل في أزمان الريب، والبعد عن الحجاب، وضعف الإيمان. وبالله عليك حين يقرأ المسلم المتجرد الباحث عن الحق كل هذه "المنظومة المتماسكة" من "التشريعات" التي تستهدف سدَّ كل الطرق المفضية "لتطبيع" العلاقات بين الجنسين، فهل يشك أن من مقاصد الشريعة التي يريدها الله ويحبها "التحفظ والاحتياط في العلاقة بين الجنسين"؟! وأن "اختلاط الرجل بالمرأة في دوائر العمل بالساعات الطوال" من الأمر المحرم في دين الإسلام.

стр. 800

والذي أريد أن أفهمه: كيف يستقيم لشخص أن يُحرِّم "خلوة الرجل بالأجنبية" ولو مرةً واحدةً "لدقائق معدودة" مع تقدير انشغاله عنها وهي "محتشمة" "متحفظة" لورود "النص المحرم" ولانعقاد "الإجماع" على تحريم "الخلوة"، كيف يستقيم لهذا أن يبيح "الاختلاط بين الجنسين" "الساعات الطوال" على مدى "أيامٍ وسنواتٍ" في "دوائر العمل" و"قاعات الدراسة"، فأي الأمرين أولى بالتحريم في قياس الشريعة، وأيهما أعظم مظنةً لوقوع المحذور. ومن المعلوم ما تفضي إليه مثل هذه "المخالطة المطولة" من رفع "للكلفة" وإزالة "للحرج"، فلو قُدّر أن "هذا" و"هذه" تحفظا في بداية "اختلاطهما" فإن مآل هذا التواصل الطويل غالباً ارتفاع مثل هذا "التحفظ" وهذه "الكلفة" وتلكم "الحساسية"، والبدء "بعلاقة" يسودها ما يسود العلاقات من "عفويةٍ" "وضحكةٍ" "ونكتةٍ" و"دعابةٍ" وغير ذلك، ليتطور الأمر إلى ما ورائه، والواقع شاهدٌ، والصور حواضر، وفتش في عالم "اليوتيوب" وفضاء "الإنترنت" تعلم حجم الخلل وواقع الإشكال. وليت شعري هل يصح أن تترك مثل هذه "المحكمات" في تحريم "الاختلاط المقنن" ويتعلل مثلاً بكون المرأة كانت تساعد في الحروب، أو أنهن يختلطن في المطاف، أو أنهن يبعن ويشترين في السوق، أو أنهن كن يستفتين النبي ﷺ بحضرة الرجال، أو أن النبي كان يأتيهن ونحو ذلك من النصوص "المجملة" "المحتملة"، بل و"الخارجة" عن سياق مسألتنا أصلاً. ولنراجع "السيرة العملية" التي عاشها الصحابة في "العهد النبوي" حتى ننتزع بقية هذا الإشكال من أساسه، هل كان النساء يخالطن الصحابة في المجالس والملتقيات؟! وهل كن يتزاحمن على النبي ﷺ مع الرجال كل يطلب قربه والتواصل معه؟! وهل كانت الواحدة منهن تجلس بجانب الرجل لا تجد في ذلك غضاضةً ولا حرجاً؟! أم أنه كان "للنساء مجالس" و"للرجال مجالس"، وأن مثل هذا "الاختلاط المقنن" لم يكن له وجود ولا حضور عند الصدر الأول. ووالله لو كان الأمر أمر "اختلاطٍ ظاهرٍ" لكان في "شهرته" و"انتشاره" ما يغني عن الاستدلال له بأن امرأة جاءت تستفي النبي ﷺ ، أو أن النبي ﷺ دخل على امرأةٍ مرةً ونحو ذلك. فإن مثل هذا لو كان لكان من "الكثرة" و"الشهرة" ما يغني صاحبه عناء تتبع أفراد أدلته وجزئياته. ثم تدبر الحديث التالي، والذي يبين طبيعة مجالس النبي ﷺ ، وما كان يقع في زمانه من الفصل بين الجنسين: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك فوعدهن يوماً لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: "ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار". فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: "واثنين". وقد بوب الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم". فلو كان الاختلاط جائزاً، وكان هو الأصل لكان حال النساء في الأخذ عن النبي ﷺ وسؤاله كحال الرجال، فلم يكن هناك غالبٌ ومغلوبٌ، ولقيل لهن: تعالين وساوين الرجال في مكانكن من النبي ﷺ ، أو اجلسن بين ظهراني الرجال، أو تقدمن عليهم. ولا شك أن هذا يتضمن توفيراً للوقت وللجهد، قائد الأمة ﷺ بأمس الحاجة إليه.

стр. 801

والمقصود أن القدح في مثل هذه "المحكمات الشرعية" بمثل هذه الاحتمالات غير صحيح ولا جائز، ومثل هذا "المتلاعب" بهذه المحكمات لن يعجزه أن يستحل جمهور المسكرات المعاصرة (باعتبارها خمراً من غير العنب)، وجمهور الربويات المعاصرة (باعتبارها أوراق نقدية لا ذهب وفضة)، وسائر العلاقات غير المشروعة بين الجنسين (باعتبارها نكاح متعة يشترط فيه فقط تراضي الطرفين، ولا يشترط ولي ولا شهود ولا مهر) إلخ إلخ من محرمات الإسلام، وسيجد من "المشتبهات" نظير ما وجد في مسألتنا هذه، بل أكثر من ذلك. فمن أهدر قاعدة "المحكم والمتشابه" فلن يجد مشكلة في تخريج ما شاء من آحاد الأحكام الشرعية وفق هواه، وهذه "إشكالية جوهرية" في التدين تتسلسل بالشخص إلى "الانحلال" عن ربقة التكليف، التي هي أساس التشريع، فإن مبنى الشريعة إنما جاء لإخراج العبد عن داعية هواه ليكون عبداً لله. ومن المثير للدهشة فعلاً أن أصحاب هذا المسلك في التعاطي مع مسألة "الاختلاط" واقعون في فخ المراوحة بين "النصوصية" و"المقاصدية" بحسب ما تمليه الرغبات. فإذا كانت مقاصد الشريعة تخدم أهواءهم في قضية ما تحولوا "شاطبيين" و"طوفيين" حتى النخاع. وإذا كان الوقوف على "ظاهر النص" في قضية أخرى هو الذي يخدم أهواءهم؛ تحولوا بقدرة قادر إلى "حزميين" بل أكثر من ابن حزم ذاته! واعتبر بحالهم في مسألتنا، فحين تسرد عليهم تلك النصوص الشرعية الجزئية الدالة على "التحفظ" و"الاحتياط" في العلاقة بين الجنسين وما يحدثه ذلك من معرفة "بمقصد الشريعة" في هذا الباب، فإن ذلك يتبخر في طرفة عينٍ تحت ضغط السؤال" أين النص على كلمة "الاختلاط" في النص المحرم، وإذا قُدّر وباحثك ذات الشخص في مسائل أخر فاستدللت عليه "بنص الشريعة" حدثك عن ضرورة "النظرة المقاصدية" وأن "كليات الشريعة" مهيمنة على فروعها وجزئياتها، فساعة "ظاهري" وساعة "مقاصدي" بحسب الأهواء، أسأل الله أن يعيذنا من الفتن والأهواء، والله يرعاكم ... تنبيه مهم: هذا المقال مستفادٌ "بحرفه" و"معناه" من مجموع مقالاتٍ كتبت في هذا الشأن، مع فوائد وزوائد، أهم هذه المقالات: ١. الاختلاط .. (هم) و (وهم) للشيخ فهد العجلان. ٢. درس عملي في المحكم والمتشابه "الاختلاط أنموذجاً" للشيخ منصور العيدي. ٣. تعليق حول كتاب أبي شقة "تحرير المرأة في عصر الرسالة" للشيخ إبراهيم السكران.

стр. 802

تتبع الرخص هشام السعيد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: هذا بحث موجز في حقيقة المراد بتتبع الرخص وكلام أهل العلم في حكمه، وقد تكلم غالب الأصوليين في (تتبع الرخص) عقيب كلامهم في مسألة (التزام العامي مذهباً معيناً) من حيث إنها مبنية على مسألة التزام المذهب ومخرّجة عليها (١). وقد جعلت الكلام فيه وفق الخطة الآتية: • المبحث الأول: حقيقة تتبع الرخص. • وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بتتبع الرخص. المطلب الثاني: الفرق بين تتبع الرخص والتلفيق. • المبحث الثاني: حكم تتبع الرخص. أسأل الله _تعالى_ أن ينفع به، وأن يجعله خالصاً صواباً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. • المبحث الأول: حقيقة تتبع الرخص. • وفيه مطلبان: المطلب الأول: المراد بتتبع الرخص. ١ - الإطلاق اللغوي: تطلق الرُّخُْصَة (بإسكان الخاء وضمها) في اللغة، ويراد بها: التخفيف والتسهيل والتيسير، وأصل الكلمة كما يقول ابن فارس "يدلّ على لينٍ وخلاف شدة" (٢). ٢ - الإطلاق الاصطلاحي: يظهر من خلال تتبّع استعمالات أهل العلم لكلمة (الرخصة) أن لها في عُرفهم معنيين: الأول: الرخصة الشرعية؛ وهي (ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) (٣)، وهي التي تطلق في مقابل (العزيمة). وهذا الاستعمال غير مراد في هذا البحث؛ لأنه لا إشكال في الأخذ بها، بل دلّت النصوص الشرعية على مشروعية الأخذ بها، كما في قوله: "عليكم برخصة الله الذي رخص لكم" (٤). الثاني: الرخصة الفقهية، وهو المراد هنا، وقد جاء هذا المعنى وفق الاستعمال اللغوي؛ فهو بمعنى التسهيل والتخفيف، وتتبع الرخص هو طلب التخفيف في الأحكام الشرعية. وقد ذكر جمع من أهل العلم تعريفات لتتبع الرخص، أذكر منها ما وقفت عليه: ١ - عرفه الزركشي بأنه: "اختيار المرء من كل مذهب ما هو الأهون عليه" (٥). ٢ - وعرّفه الجلال المحلي بقوله: "إن يأخذ من كل مذهب ما هو الأهون فيما يقع من المسائل" (٦). ٣ - وحكى الدسوقي وغيره من المالكية تعريفين: الأول: "رفع مشقة التكليف باتباع كل سهل". الثاني:"ما يُنقض به حكمُ الحاكم من مخالفِ النص وجلي القياس" (٧). ٤ - وعرّفه المجمع الفقهي بأنه: "ما جاء من الاجتهادات المذهبية مبيحاً لأمرٍ في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره" (٨). ٥ - وعرّفه بعض الباحثين بأنه: "تطلّب السهولة واليسر في الأحكام، فمتى ما رأى المتتبع للرخص الحكم سهلاً في مذهب سلكه وقلّده فيه، وإن كان مخالفاً لمذهبه هو الذي يلتزم تقليده" (٩). المطلب الثاني: الفرق بين تتبع الرخص والتلفيق. يمكن إيضاح الفروق بين الأمرين في الآتي (١٠):

стр. 803

١ - أن تتبع الرخص يكون بأخذ القول الأخف والأسهل، وأما التلفيق فحقيقته الجمع بين قولين، وبناء على ذلك؛ فإنه قد يكون بأخذ القول الأخف والأسهل، وقد يكون بأخذ القول الأثقل. ٢ - أن تتبع الرخص يكون في الحكم، ويكون في أجزائه، وأما التلفيق فإنه لا يكون إلا في أجزاء الحكم الواحد لا في جزئيات المسائل. ٣ - تتبع الرخص ليس فيه إحداث قول جديد في المسألة، وإنما يتّبع الإنسان رخصة قال بها بعض العلماء، وأما التلفيق فإن القول الناتج عنه لم يقل به أحد من العلماء، وإنما هو جمعٌ أو تصرّفٌ في أقوال العلماء. • المبحث الثاني: حكم تتبع الرخص. • تحرير محل النزاع: ١ - اتفق الفقهاء على أن الانتقال إذا كان للتلهي فهو حرام قطعاً؛ لأن التلهي حرام بالنصوص القاطعة، وذلك كأن يعمل الحنفي بالشطرنج على رأي الشافعي قصداً للهوى (١). ٢ - نصّ الإمام أحمد وغيره أنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو حراماً ثم يعتقده غير واجب أو غير حرام بمجرّد هواه، مثل أن يكون طالباً لشفعة الجوار فيعتقدها أنها حق له، ثم إذا طُلب منه شفعة الجوار اعتقد أنها ليست ثابتة اتباعاً لقول عالم آخر، فهذا ممنوع من غير خلاف (٢). ٣ - كما ينبغي أن يخرج من محل النزاع أن المجتهد إذا أوصله اجتهاده إلى رأي في مسألة أنه لا يترك ما توصل إليه، بل عليه المصير إلى ما أدّاه إليه اجتهاده (٣). ٤ - ما عدا ما سبق؛ فقد اختلفوا فيه على أقوال، أشهرها ثلاثة: القول الأول: منع تتبع الرخص مطلقاً. وإليه ذهب ابن حزم، والغزالي، والنووي، والسبكي، وابن القيم، والشاطبي (٤). ونقل ابن حزم وابن عبد البر الإجماع على ذلك (٥). واختلف أصحاب هذا القول في تفسيق متتبع الرخص على رأيين: الأول: أنه يفسق، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن القيم وغيره (٦)، وهو رأي أبي إسحاق المروزي من الشافعية (٧). وخصّ القاضي أبو يعلى التفسيق بالمجتهد الذي أخذ بها خلافاً لما توصّل إليه اجتهاده، وبالعامي الذي أخذ بها دون تقليد (٨). الثاني: أنه لا يفسق، وهو رواية أخرى عن أحمد (٩). وقال بها ابن أبي هريرة من الشافعية (١٠). واستدل أصحاب القول الأول بالآتي: ١ - أن الله _تعالى_ أمر بالردّ إليه وإلى رسوله، واختيار المقلّد بالهوى والتشهّي مضاد للرجوع إلى الله ورسوله (١١). ٢ - أن تتبع الرخص مؤدٍ إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها؛ لأن له أن يفعل ما يشاء ويختار ما يشاء، وهو عين إسقاط التكليف، فيُمنع سداً للذريعة (١٢). ٣ - أن القول بتتبع الرخص يترتب عليه مفاسد عظيمة، منها:

стр. 804

أ - الاستهانة بالدين، فلا يكون مانعاً للنفوس من هواها، ومن مقاصد الشرع إخراج الإنسان عن داعية هواه، والقول بإباحة تتبع الرخص فيه حث لإبقاء الإنسان فيما يحقق هواه. ب- الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، ثم إنه لا يوجد محرّم إلا وهناك من قال بإباحته إلا ما ندر من المسائل المجمع عليها، وهي نادرة جداً. ج- انخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف، فتضيع الحقوق، وتعطّل الحدود، ويجترئ أهل الفساد. د- إفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم (١). ويعضد أصحاب هذا القول مذهبهم بالآثار المروية عن السلف في ذم تتبع الرخص، ومن ذلك: - قول الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" (٢). - وقوله أيضاً: "يُترك من قول أهل مكة المتعة والصرف، ومن قول أهل المدينة السماع وإتيان النساء في أدبارهن، ومن قول أهل الشام الجبر والطاعة، ومن قول أهل الكوفة النبيذ والسحور" (٣). - وعن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال:" دخلت على المعتضد فدفع إلي كتاباً نظرت فيه وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتجّ به كلٌ منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب" (٤). - وعن سليمان التيمي قال: "لو أخذتَ برخصة كل عالِم اجتمع فيك الشرّ كله" (٥). القول الثاني: جواز تتبع الرخص. وقال به من الحنفية السرخسي وابن الهمام وابن عبد الشكور وأمير باد شاه (٦). واستدلوا بالآتي: ١ - الأدلة الدالة على يسر الشريعة وسماحتها؛ كقوله _تعالى_: "يريد الله بكم الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسر" (٧). وقوله: " مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " (٨). قول عائشة _رضي الله عنها_: "ما خُيِّر النبي بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً" (٩) وغير ذلك من النصوص الواردة في التوسعة، والشريعة لم تَرِد لمقصد إلزام العباد المشاق، بل بتحصيل المصالح الخاصة، أو الراجحة وإن شقّت عليهم (١٠). ونوقش/ بأن السماح واليسر في الشريعة مقيّد بما هو جارٍ على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها، بل هو مما نُهي عنه في الشريعة؛ لأنه ميلٌ مع أهواء النفوس، والشرع قد نهى عن اتباع الهوى (١١). ٢ - أنه لا يمنع منه مانع شرعي، فللإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان إليه سبيل (١٢).

стр. 805

ونوقش بعدم التسليم؛ لأن تتبع الرخص عملٌ بالهوى والتشهّي، وقد نهي عنه. ٣ - أنه يلزم من عدم الجواز استفتاء مفتٍ بعينه، وهذا باطل (١). ونوقش بأن اللازم باطل، بل هو مأمور بتقليد من يثق بدينه وورعه دون الاختيار المبني على الهوى. ٤ - أن الخلاف رحمة، فمن أخذ بأحد الأقوال فهو في رحمة وسعة (٢). ونوقش بأن الخلاف ليس في ذاته رحمة بل هو شر وفرقة، ولكن مراد من أطلق الخلاف رحمة: أن فتح باب الخلاف والنظر والاجتهاد رحمة بالأمة بحيث يكون التكليف مربوطاً بما يراه المجتهد بعد النظر في الأدلة. القول الثالث: جواز الأخذ بالرخص بشروط، واختلف المشترطون: ١ - فقيّد العز بن عبد السلام الجواز بألا يترتب عليه ما يُنقَض به حكم الحاكم؛ وهو ما خالف النص الذي لا يحتمل التأويل، أو الإجماع، أو القواعد الكلية، أو القياس الجلي (٣). ٢ - وتبعه القرافي وزاد: شرط ألاّ يجمع بين المذاهب على وجهٍ يخرق به الإجماع (٤). ٣ - وزاد العطار على شرط القرافي شرطين، هما (٥): أ- أن يكون التتبع في المسائل المدونة للمجتهدين الذين استقرّ الإجماع عليهم، دون من انقرضت مذاهبهم. ب- ألا يترك العزائم رأساً بحيث يخرج عن ربقة التكليف الذي هو إلزام ما فيه كلفة. ٤ - وقيد ابن تيمية الجواز بأن يكون على سبيل اتباع الأرجح بدليله، وفي ذلك يقول: " من التزم مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله، فإنه يكون متبعاً لهواه، وعاملاً بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلاً للمحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر. وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول، إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها، وإما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا، فهذا يجوز بل يجب وقد نص الإمام أحمد على ذلك" (٦). ٥ - أما مجمع الفقه الإسلامي، فقد نصّ على أن الرخص في القضايا العامة تُعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية إذا كانت محقّقة لمصلحة معتبرة شرعاً، وصادرة عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار، ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية. ونصّوا على أنه لا يجوز الأخذ برخص الفقهاء لمجرد الهوى؛ لأن ذلك يؤدي إلى التحلّل من التكليف، وإنما يجوز الأخذ بالرخص وفق الضوابط الآتية (٧): • أن تكون أقوال الفقهاء التي يُترخّص بها معتبرة شرعاً، ولم توصف بأنها من شواذ الأقوال. • أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة دفعاً للمشقة، سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع أم خاصة أم فردية. • أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك. ألا يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع. • ألا يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع. • أن تطمئن نفس المترخّص للأخذ بالرخصة.

стр. 806

وهذا الأخير هو ما يظهر رجحانه - والله أعلم- فلا ينبغي إطلاق القول بالمنع ولا بالجواز، بل الظاهر أن القائلين بالمنع يبيحون الترخص بالضوابط المذكورة ولو لم يصرّحوا بذلك، وكذا المجيزون لا يجيزون إلا بمراعاة الضوابط المذكورة، فتكون المسألة - مع مراعاة تحرير محل النزاع- قريبة لأن تكون محل اتفاق، وأن حقيقة الخلاف إنما هي فيما بُنيت عليه مسألة تتبع الرخص، وهي مسالة التزام العامي مذهباً معيناً. • ثمرة الخلاف: ذكر الزركشي أن من فروع المسألة: هل يجوز للشافعي مثلاً أن يشهد على الخط عند المالكي الذي يرى العمل به أم لا؟ صرّح ابن الصبّاغ بأنه لا يجوز، وهو ظاهر كلام الشافعية، فإنهم قالوا: ليس له أن يشهد على خط نفسه، والظاهر الجواز إذا وثق به وقلد المخالف، ويدل عليه: تصحيح النووي قبولَ شهادة الشاهد على ما لا يعتقده؛ كالشافعي يشهد بشفعة الجوار. وذكر من الفروع: أن الحنفي إذا حكم للشافعي بشفعة الجوار، هل يجوز له أم لا؟ فيه وجهان أصحهما: الحِلّ وهذه المسألة تشكل على قاعدتهم في كتاب الصلاة أن الاعتبار بعقيدة الإمام لا المأموم (١). • سبب الخلاف: لعل الخلاف في المسألة عائد إلى أمرين: الأول: التلفيق؛ فعلى القول بمنع التلفيق يُمنع من تتبع الرخص، وعلى القول بجواز التلفيق يتخرّج الخلاف في تتبع الرخص. الثاني: - وهو الأقرب- هل يجب على العامي التزام مذهب معيّن؟ فمن قال بوجوب ذلك: منع تتبّع الرخص، ومن قال بعدم وجوب التزام مذهب معين، وأنه يجوز مخالفة إمامه في بعض المسائل: أجرى الخلاف في تتبّع الرخص (٢). وكذا تتبّع المجتهد للرخص، يمكن أن تُبنى على مسألة تقليد العالِم للعالِم؛ فمن منع: منع تتبع الرخص، ومن أجاز: أجرى الخلاف فيه، والله أعلم،، هذا ما تيسر جمعه وتحريره، وأسأل الله أن يجعله خالصاً صواباً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

стр. 807

مقدمة كتاب ((منهج الأشاعرة في العقيدة)) الطبعة الجديدة الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإنّ العالم البشري كله يشهد في هذا العصر من الاضطراب والضياع والفوضى، وسواد المستقبل، وتجهّم المصير ما يُرعب القلوب، ويُزلزل الأفكار، فهو أشبه ما يكون بسفينة مهترئةٍ تتقاذفها أمواج متلاطمة في غمرات بحر لجّي لا تجد من اجتيازها مناصاً، ولا من سطوته خلاصاً. وقد أمسك بزمامها أمم كافرة عملاقة "تستعمل قوة العفاريت بعقول الأطفال" - كما قال جود -، ويحفزها التنافس الضاري إلى مزيد من الصراع والتهور والاندفاع، وتأتي أمم الكفر الأقلّ شأناً، فتحاول أن تثب وثبات كبرى؛ لتصل إلى مستوى الصراع مع العمالقة المسيطرين، وتبحث لنفسها عن موضع قدم في هذه السفينة الهائجة، وأصبح التفكير في هذا الواقع الأسود والمصير الكالح، هو الشغل الشاغل للمفكّرين والمتعلقين في الغرب وغيره، بل أصبح بفعل التدفّق الإعلامي الهائل من الهموم اليومية لرجل الشارع - كما يسمونه -، إذ ما من نشرة أخبار يسمعها، أو صحيفة يُطالعها، إلا ويجد فيها النذر الصارخة بهذا المصير، فأخبار الحروب والفتن، والانفجارات، والانهيارات، والزلازل، والانقلابات، والجفاف، والفيضانات، والكوارث، والانتحارات ... إلخ. أصبحت من كثرة ما ترددت في ذهنه مثل: أخبار الرياضة، وأحوال الطقس! ومع سباق التسليح الرهيب، والتنافس في نشر أسلحة الفتك المبيد، أحسّ الناس حقيقة بالهلع الذي يقض المضاجع، وهرع الفلاسفة والمفكرون إلى التنقيب عن حل للمعضلة الإنسانية الكبرى، وتلمّسوا أيّ مخرج للانعتاق من الظلمة الكثيفة التي غطّت وجه الأرض وردمت الإنسان في المفاوز المهلكة، والأحراج الشائكة. ووصل الأمر بكثير منهم إلى الاقتناع المطلق بأنّ خلاص هذا العالم - إن قُدّر له الخلاص - لن يكون من داخله، وأن السفينة الهاوية إلى أعماق المحيط لن ينتشلها من هو قابع في داخلها. ومع هذا لم يظهر - مع الأسف الشديد - ما يدل على أوبة صادقة إلى الله، واستجابة لدينه الحقّ الوحيد الذي ما زال غضّاً طريّاً في مسمع الدنيا ومرآها. بل دفعت عوامل أخرى - ولا مجال هنا لتفصيلها، ولبيان ذنبنا نحن المسلمين فيها - إلى أن قامت كل أمةٍ من الأمم تشحذ همتها، وتقدح زناد فكرها، وتستلهم من عتيق حضارتها وماضي أسلافها؛ فمع إفلاس المذاهب الوضعيّة الحديثة ارتد الناس قروناً إلى الوراء، وبدأوا يستعرضون الذاكرة البشرية على ما فيها من قتم وغبش وإسفاف، لعل في متاهات الماضي ما يقيهم شر غوائل المستقبل، ولعل في خبايا القرون الخوالي كوة صغيرة ينفذ فيها اللاهثون العصريون إلى بَرّ الأمان. لقد كانت أوروبا القرون التاسع عشر تدين بالعقلانية، والإطلاق بعقلانية لا تتردد في تفسير أي شيء، وإطلاق لا يستثني من قواعده الصارمة شيئاً، فلما صدمتها السنن الربانية الثابتة، وعصفت بها التحولات الخطيرة حتى أشرفت على الهاوية، عادت إلى مذاهب "اللامعقول" (١)، الذي يرفض أن يضبطه شيء، والنسبية التي تأبى كل أحكام العموم والإطلاق، حتى أن مذهباً إطلاقياً حتماً - كالشيوعية - تراجع من الحلم بالسيطرة على معظم العالم في الستينيات، يُصبح في نهاية الثمانينات رأسمالية حمراء.

стр. 808

وبتبني اللامعقول، والنسبية انتكست أوروبا من جديد، وأعلنت - وهي في قمة السيادة الحضارية - إفلاسها وانهيارها، واختبأ رواتها وشعراؤها وعامة أبطال فكرها وفنّها في أقبية الجاهلية اليونانية الهالكة، يحتمون بظلامها وظلالها من لظى الأفكار المادية المهترئة، والشعارات المجدبة، وسعير التطبيقات الرعناء لآراء وضعها في القرن الماضي جهلاء ارتدوا زيّ الحكماء. ومع عودة سيدة الحضارة العجوز وانتكاستها عادت الأمم التابعة تلهث في الطريق نفسه. فانتفضت الصين على "ماو"، وحطمت تماثيله على يد الجماهير الكادحة التي كانت تصرخ منذ سنوات ليست بالكثيرة: "ماو ماو، رب الكادحين"، وعادت بلهفة وشوق إلى "كونفشيوس" الدفين منذ آلاف السنين في أعماق الذاكرة الصينية. وبدأت الهند في ترميم أصنامها العتيقة بعد أن أصبحت تستقبل من الغربيين اللاهثين بحثاً عن "بوذا"، و"كرشنا" أكثر مما تستقبل من الإرساليين الكنسيين الطامعين في إدخال الهند إلى دين "بولس" (١) وبابواته. وتفوّقت اليابان على أمريكا في كثير من مجالات التكنولوجيا - أو نافستها - في حين أنه ما يزال الإمبراطور منسوباً إلى سلالة الآلهة، وكأن اليابانيين قد اقتنعوا - أمام عودة الغرب الحائرة - بأن التقدم التكنولوجي لا يزيد هذا النسب الإلهي إلا عراقة ورسوخاً. وظهرت أمريكا الجنوبية وأستراليا دعاوى عريضة بأن لها حضارات ماضية، وأمجاداً وطنية غابرة. ومهما قيل عن عدم مطابقتها للحقيقة؛ فالغرض المهم هو أنها إعلان للعودة وللتوقف عن السير وراء الضائعين في الغرب المفلس. لقد أخذت كل أمة من الأمم تبحث في مجاهل تاريخها عن فيلسوف قديم، أو شاعر غابر، أو مصلح سالف؛ لتقدمه للبشرية على أنه منقذ جديد، وأن في "إلهاماته" ما ينير الطريق لإنسان القرن العشرين الحائر المضطرب، وأصبحت الميادين الكبرى في عواصم هذه الأمم معابد عصرية تتوسطها تماثيل أولئك الغابرين. وهكذا برزت ظاهرة إنسانية كبرى هي ظاهرة "العودة إلى الماضي"، التي هي تعبير صارخ عن عدم الثقة في الحاضر، والتي لا تعدو في مقاييسنا الإسلامية أن تكون عرضاً من أعراض الخسران الأكبر، والإفلاس الماحق لقوم كفروا بالله ورسوله ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ *النمل: ٦٦*. ومع بروز هذه الظاهرة - عالمياً - بدأ التيار التغريبي العلماني في العالم الإسلامي يتردد، بل ينحسر ويندحر، وبدأت جمع جمة من القطيع السائر خلفه تتوقف وترعوع، وانكسرت حدة الانبهار بالغرب الكافر لدى عدد لا يستهان به، وتنادوا - لا سيما الشباب منهم - بالعودة لماضينا الذي ليس ماضي سائر الأمم بأولى منه. وفي وسط طريق العودة التقى هذا الرافد العالمي العصري بالرافد الأصلي الذي ظل في غمرات القرون مستقيماً، لم يشذ مستعلياً، ولم ينبهر، ألا وهو بقايا الخير في هذه الأمة من رجال ما تزعزع يقينهم لحظة واحدة في أنه لا يصلح هذا العالم إلا بهذه الأمة، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وبدأ هذان الرافدان في تشكيل نهر لا بد أن يصبح في يوم من الأيام تياراً، ومن ثَمَّ يجتاح ما على هذه الأرض من الشرور والأدران والأوثان، كما وعد الله وبشّر رسول الله ﷺ !

стр. 809

لكن الشيطان الذي تعهد بإضلال بني آدم إلى يوم يبعثون، وأعوانه بل أقرانه الذين ما فتئ الشيطان يتعلم منهم فنون المكر والتآمر، عمدوا إلى إحباط هذا الأمل العظيم من طريقين: الأولى: تضخيم هذه العودة الإسلامية البريئة - بل الساذجة في كثير من مظاهرها - وتسميتها "يقظة العملاق"، و"قوة الغد"، و"صحوة الإسلام"، ونحو ذلك مما هو إغراءٌ صارخٌ للقوى العالمية ووكلائها المحليين باستئصال هذه النبتات الغضة في مهدها، مع أن الحقيقة أنه حتى هذه اللحظة ما تزال ظاهرة العودة في العالم الإسلامي متأخرة عملياً عما وصلت إليه في البلاد الأخرى، حيث وصلت هناك إلى دفّة الحكم أو قاربت!! إن الإعلام الغربي لا يستكثر على "الدالاي لاما" المطالبة بدولة بوذية مستقلة عن الصين، بل لم يستكثر على الهندوس المتعصبين أن يحكموا الهند، وإنما يستكثر على أمة الإسلام العظيمة الممتدة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي أن يكون في بعض جامعاتها شباب متدينون، ويستغرب وجود جامعات غير مختلطة، أو جامعيات غير متبرجات، مع أن ذلك لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من الانتشار السكاني الهائل للأمة. يستكثرون ذلك ويستغربونه، ويتابعهم عليه في بلاد الإسلام من يتابعهم، مع أن الأصل في الأمة الإسلامية ألا تنحرف ولا تنبهر، مع أن الأصل في المسلم إذا انحرف وعصى أن يتوب ويستقيم. إن الأصنام العصرية الكبرى تعرضت لنسف تماثيل "لينين"، و"ستالين"، وتماثيل "ماو"، وتماثيل "شاوسكو" بمباركة الغرب إلا صنماً واحداً يحرسه الإعلام الغربي أكثر مما يحرس تماثيل المسيح ﵇، ذلك هو صنم "أتاتورك"!! تماماً مثلما ضاقت باريس - عاصمة النور والحرية عند كثير من المخدوعين - بغطاء رأس فتاة مسلمة من بين ألوف الأزياء والموضات!! ومثلما ضاقت دولة الحياء والكرامة الإنسانية و .. "سويسرا"!! في نظر الغرب لا ضير في عودة الملايين إلى أسفار "فيدا"، وتعاليم "بوذا"، أما عودة بعض أمة الإسلام إلى نور القرآن وهدي محمد ﷺ فهي وحدها نذير الشؤم، وداعية الويل والثبور، وعظائم الأمور!! وليس أعجب حالاً من هؤلاء إلا من يصدقهم ويجاريهم من أبناء جلدتنا المستغربين، أو من يأخذه الغرور بقولهم من التائبين العائدين. نعم إن إفلاس المذاهب الأرضية في العالم الإسلامي وسقوط ممثليها أصبح حقيقة ثابتة وقد جرى ذلك وفق سنة إلهية ثابتة. ولكن رجوع المسلمين إلى الإسلام ما يزال في أول بشائره، وأمامه عقبات كبرى ذاتية خارجية، كما أن له سنته الإلهية الأخرى التي ما لم يرعاها ويسير بمقتضاها فلن نصل أبداً. الثاني: استنفار أفاعي "الطابور الخامس" من قطّاع الطريق إلى الله الذين عملوا منذ عهد عبد الله بن سبأ، والجعد بن درهم، وبشر المريسي، والنظام (١) .... إلخ، لنسف القلعة الإسلامية من داخلها، وإجهاض كل محاولة لرفع هذه الأمة إلى القمة التي أراد الله أن تكون عليها. فأما العدو الخارجي: فللحديث عنه مواضعه الأخرى، وما عداؤه لنا، واستعداؤه علينا بجديد، وما هو بالذي يُحسب له كل هذا الحساب لو كنا في أنفسنا أمةً تعيش وتسير كما أمر الله، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ *آل عمران: ١٢٠*. ونحن قد فقدنا الخصلتين كلتيهما إلا من رحم الله. وأما قُطّاع الطريق فهم لعمر الله آفة هذه الأمة قديماً وحديثاً، وهم "حصان طروادة" الذي ما دخلت إلينا الأفكار الغربية قديمها وحديثها إلا من خلاله وبآثاره.

стр. 810

ولن نستعرض تاريخهم القديم، وهل في الإمكان استعراض المحيط الزاخر؟ ولكننا نشير بإجمال إلى دورهم في ركوب موجة التوبة الجماعية التي نسميها - ولو على سبيل التفاؤل - "الصحوة الإسلامية"!! لقد أراد كل كمين من هذه السبل المتفرقة التي نهى الله عن أتباعها أن يستغل بواكير هذه الصحوة، ويستغفل شبابها الغض، فيلقي عليهم ثوب بدعته، ويقنعهم بقناع مذهبه حتى تصبح الأمة العائدة - وهي التي أراد الله لها، ونريد لها أن تكون أمة واحدة على المنهج الأبلج النقي - تصبح شيعاً وأحزاباً، كما كان حالها أيام الزحف التتري أو الصليبي. فأحدهم "صوفي" لا يعرف من التدين إلا الطبل والمزمار، والحضرة والتواجد ... يندس في الصفوف العائدة رافعاً راية التصوف، - أو خرقته -، ساعياً بأقصى جهده إلى تصويف المسيرة كلها. وذاك رافضي خبيث يتقمص شخصية الدجال تحت عمامة المجدد، ويلوّح للجموح الباحثة عن الطريق: أن تعالوا إلى الإسلام، وما غايته إلا ترفيض القافلة بأجمعها. وذلك مستشرق عربي! غذّاه المستشرقون الغربيون بما استطاعت عقولهم الضحلة أن تلتقطه من فتات أفكار الفرق البائدة، وأظهروا أمامه التباكي على تراثها الإسلامي المفقود، وكنوزه الضائعة، واستحثوه أن يشتغل بالتنقيب عنها ونشرها (١)، فجاء المخدوع أو المتآمر ينبش رميم الباطنية والحلولية، وينفض الغبار عن هرطقة الفلاسفة والمعتزلة، ويحقق كتب البدع والفرقة، تحت ستار إحياء التراث والتحقيق العلمي النزيه .. وما الغرض إلا تمزيق طريق العودة، وتشتيته ذات اليمين وذات الشمال، وإذكاء القروح الميتة في كبد الأمة الجريحة، وأقل ما فيه صرف النظر عن الكنوز الحقيقية التي ليست مجرد تراث!! بل هي منبع الحياة الفكرية، ومعالم على طريق المنهج القويم. وجاءت سبل وطوائف أخرى ... وتكدست في المكتبة الإسلامية. وفي أخطر ركن فيها - وهو ركن العقيدة - صحائف سود، لا أعني سواد مدادها ولكن سواد فكرها، واستشرت ظلمات بدعتها حتى ظهرت على صفحات المجلات والجرائد، فأخرجوها من دوائر المتخصصين إلى متناول العوام المساكين. وهذه الكتب والمقالات قد تبدوا للناظر أولّ وهلة وكأنها هي مجرد امتداد للفرق المنحرفة القديمة، ولا دافع لها إلاّ التعصب لتلك الفرق والمذاهب. والواقع أن وراء تلك الأكمة ما وراءها، وأن هذه النظرة إن صدقت على بعضهم لا تصدق على كلهم، فهي لا تهدف للتعصب للماضي بقدر ما هي تخطط وتبرمج للمستقبل، مستغلة سذاجة غالب شباب الصحوة كما أسلفنا. ومن الأدلة على ذلك: ما يفتعله أصحاب هذا الاتجاه البدعي المقنع حين ينشرون أفكارهم وكتبهم على الملأ، ويحثون الشباب على قراءتها، ثم لا يفوتهم أن يقرنوا ذلك بالتباكي على ما تعيشه أمة الإسلام من تفرق وتمزق، وأنها ما تزال تبحث مسألة "أين الله؟ "، ومسألة "القرآن مخلوق أم قديم؟ "، و "قضايا الفلاسفة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة ... إلخ". في حين أن العدو يحتل أراضيها ويهدد كيانها، ولا يفرق بين أحد منها، فهلا انصرف المسلمون لمحاربة الشيوعية، ومقاومة الخطط الصهيونية، وتركوا هذه الخلافات. يتباكون على هذا، وهم يقدمون للشباب مؤلفات كلها تفلسف وتجهّم واعتزال وتصوف وتشعر ... إلخ.
следующие страницы →