وهذا الأخير هو ما يظهر رجحانه - والله أعلم- فلا ينبغي إطلاق القول بالمنع ولا بالجواز، بل الظاهر أن القائلين بالمنع يبيحون الترخص بالضوابط المذكورة ولو لم يصرّحوا بذلك، وكذا المجيزون لا يجيزون إلا بمراعاة الضوابط المذكورة، فتكون المسألة - مع مراعاة تحرير محل النزاع- قريبة لأن تكون محل اتفاق، وأن حقيقة الخلاف إنما هي فيما بُنيت عليه مسألة تتبع الرخص، وهي مسالة التزام العامي مذهباً معيناً.
• ثمرة الخلاف:
ذكر الزركشي أن من فروع المسألة: هل يجوز للشافعي مثلاً أن يشهد على الخط عند المالكي الذي يرى العمل به أم لا؟ صرّح ابن الصبّاغ
بأنه لا يجوز، وهو ظاهر كلام الشافعية، فإنهم قالوا: ليس له أن يشهد على خط نفسه، والظاهر الجواز إذا وثق به وقلد المخالف، ويدل عليه: تصحيح النووي قبولَ شهادة الشاهد على ما لا يعتقده؛ كالشافعي يشهد بشفعة الجوار.
وذكر من الفروع: أن الحنفي إذا حكم للشافعي بشفعة الجوار، هل يجوز له أم لا؟ فيه وجهان أصحهما: الحِلّ وهذه المسألة تشكل على قاعدتهم في كتاب الصلاة أن الاعتبار بعقيدة الإمام لا المأموم (١).
• سبب الخلاف:
لعل الخلاف في المسألة عائد إلى أمرين:
الأول: التلفيق؛ فعلى القول بمنع التلفيق يُمنع من تتبع الرخص، وعلى القول بجواز التلفيق يتخرّج الخلاف في تتبع الرخص.
الثاني: - وهو الأقرب- هل يجب على العامي التزام مذهب معيّن؟
فمن قال بوجوب ذلك: منع تتبّع الرخص، ومن قال بعدم وجوب التزام مذهب معين، وأنه يجوز مخالفة إمامه في بعض المسائل: أجرى الخلاف في تتبّع الرخص (٢).
وكذا تتبّع المجتهد للرخص، يمكن أن تُبنى على مسألة تقليد العالِم للعالِم؛ فمن منع: منع تتبع الرخص، ومن أجاز: أجرى الخلاف فيه، والله أعلم،،
هذا ما تيسر جمعه وتحريره، وأسأل الله أن يجعله خالصاً صواباً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
стр. 807
مقدمة كتاب ((منهج الأشاعرة في العقيدة)) الطبعة الجديدة
الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:
فإنّ العالم البشري كله يشهد في هذا العصر من الاضطراب والضياع والفوضى، وسواد المستقبل، وتجهّم المصير ما يُرعب القلوب، ويُزلزل الأفكار، فهو أشبه ما يكون بسفينة مهترئةٍ تتقاذفها أمواج متلاطمة في غمرات بحر لجّي لا تجد من اجتيازها مناصاً، ولا من سطوته خلاصاً.
وقد أمسك بزمامها أمم كافرة عملاقة "تستعمل قوة العفاريت بعقول الأطفال" - كما قال جود -، ويحفزها التنافس الضاري إلى مزيد من الصراع والتهور والاندفاع، وتأتي أمم الكفر الأقلّ شأناً، فتحاول أن تثب وثبات كبرى؛ لتصل إلى مستوى الصراع مع العمالقة المسيطرين، وتبحث لنفسها عن موضع قدم في هذه السفينة الهائجة، وأصبح التفكير في هذا الواقع الأسود والمصير الكالح، هو الشغل الشاغل للمفكّرين والمتعلقين في الغرب وغيره، بل أصبح بفعل التدفّق الإعلامي الهائل من الهموم اليومية لرجل الشارع - كما يسمونه -، إذ ما من نشرة أخبار يسمعها، أو صحيفة يُطالعها، إلا ويجد فيها النذر الصارخة بهذا المصير، فأخبار الحروب والفتن، والانفجارات، والانهيارات، والزلازل، والانقلابات، والجفاف، والفيضانات، والكوارث، والانتحارات ... إلخ.
أصبحت من كثرة ما ترددت في ذهنه مثل: أخبار الرياضة، وأحوال الطقس!
ومع سباق التسليح الرهيب، والتنافس في نشر أسلحة الفتك المبيد، أحسّ الناس حقيقة بالهلع الذي يقض المضاجع، وهرع الفلاسفة والمفكرون إلى التنقيب عن حل للمعضلة الإنسانية الكبرى، وتلمّسوا أيّ مخرج للانعتاق من الظلمة الكثيفة التي غطّت وجه الأرض وردمت الإنسان في المفاوز المهلكة، والأحراج الشائكة.
ووصل الأمر بكثير منهم إلى الاقتناع المطلق بأنّ خلاص هذا العالم - إن قُدّر له الخلاص - لن يكون من داخله، وأن السفينة الهاوية إلى أعماق المحيط لن ينتشلها من هو قابع في داخلها.
ومع هذا لم يظهر - مع الأسف الشديد - ما يدل على أوبة صادقة إلى الله، واستجابة لدينه الحقّ الوحيد الذي ما زال غضّاً طريّاً في مسمع الدنيا ومرآها.
بل دفعت عوامل أخرى - ولا مجال هنا لتفصيلها، ولبيان ذنبنا نحن المسلمين فيها - إلى أن قامت كل أمةٍ من الأمم تشحذ همتها، وتقدح زناد فكرها، وتستلهم من عتيق حضارتها وماضي أسلافها؛ فمع إفلاس المذاهب الوضعيّة الحديثة ارتد الناس قروناً إلى الوراء، وبدأوا يستعرضون الذاكرة البشرية على ما فيها من قتم وغبش وإسفاف، لعل في متاهات الماضي ما يقيهم شر غوائل المستقبل، ولعل في خبايا القرون الخوالي كوة صغيرة ينفذ فيها اللاهثون العصريون إلى بَرّ الأمان.
لقد كانت أوروبا القرون التاسع عشر تدين بالعقلانية، والإطلاق بعقلانية لا تتردد في تفسير أي شيء، وإطلاق لا يستثني من قواعده الصارمة شيئاً، فلما صدمتها السنن الربانية الثابتة، وعصفت بها التحولات الخطيرة حتى أشرفت على الهاوية، عادت إلى مذاهب "اللامعقول" (١)، الذي يرفض أن يضبطه شيء، والنسبية التي تأبى كل أحكام العموم والإطلاق، حتى أن مذهباً إطلاقياً حتماً - كالشيوعية - تراجع من الحلم بالسيطرة على معظم العالم في الستينيات، يُصبح في نهاية الثمانينات رأسمالية حمراء.
стр. 808
وبتبني اللامعقول، والنسبية انتكست أوروبا من جديد، وأعلنت - وهي في قمة السيادة الحضارية - إفلاسها وانهيارها، واختبأ رواتها وشعراؤها وعامة أبطال فكرها وفنّها في أقبية الجاهلية اليونانية الهالكة، يحتمون بظلامها وظلالها من لظى الأفكار المادية المهترئة، والشعارات المجدبة، وسعير التطبيقات الرعناء لآراء وضعها في القرن الماضي جهلاء ارتدوا زيّ الحكماء.
ومع عودة سيدة الحضارة العجوز وانتكاستها عادت الأمم التابعة تلهث في الطريق نفسه.
فانتفضت الصين على "ماو"، وحطمت تماثيله على يد الجماهير الكادحة التي كانت تصرخ منذ سنوات ليست بالكثيرة: "ماو ماو، رب الكادحين"، وعادت بلهفة وشوق إلى "كونفشيوس" الدفين منذ آلاف السنين في أعماق الذاكرة الصينية.
وبدأت الهند في ترميم أصنامها العتيقة بعد أن أصبحت تستقبل من الغربيين اللاهثين بحثاً عن "بوذا"، و"كرشنا" أكثر مما تستقبل من الإرساليين الكنسيين الطامعين في إدخال الهند إلى دين "بولس" (١) وبابواته.
وتفوّقت اليابان على أمريكا في كثير من مجالات التكنولوجيا - أو نافستها - في حين أنه ما يزال الإمبراطور منسوباً إلى سلالة الآلهة، وكأن اليابانيين قد اقتنعوا - أمام عودة الغرب الحائرة - بأن التقدم التكنولوجي لا يزيد هذا النسب الإلهي إلا عراقة ورسوخاً.
وظهرت أمريكا الجنوبية وأستراليا دعاوى عريضة بأن لها حضارات ماضية، وأمجاداً وطنية غابرة.
ومهما قيل عن عدم مطابقتها للحقيقة؛ فالغرض المهم هو أنها إعلان للعودة وللتوقف عن السير وراء الضائعين في الغرب المفلس.
لقد أخذت كل أمة من الأمم تبحث في مجاهل تاريخها عن فيلسوف قديم، أو شاعر غابر، أو مصلح سالف؛ لتقدمه للبشرية على أنه منقذ جديد، وأن في "إلهاماته" ما ينير الطريق لإنسان القرن العشرين الحائر المضطرب، وأصبحت الميادين الكبرى في عواصم هذه الأمم معابد عصرية تتوسطها تماثيل أولئك الغابرين.
وهكذا برزت ظاهرة إنسانية كبرى هي ظاهرة "العودة إلى الماضي"، التي هي تعبير صارخ عن عدم الثقة في الحاضر، والتي لا تعدو في مقاييسنا الإسلامية أن تكون عرضاً من أعراض الخسران الأكبر، والإفلاس الماحق لقوم كفروا بالله ورسوله ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ *النمل: ٦٦*.
ومع بروز هذه الظاهرة - عالمياً - بدأ التيار التغريبي العلماني في العالم الإسلامي يتردد، بل ينحسر ويندحر، وبدأت جمع جمة من القطيع السائر خلفه تتوقف وترعوع، وانكسرت حدة الانبهار بالغرب الكافر لدى عدد لا يستهان به، وتنادوا - لا سيما الشباب منهم - بالعودة لماضينا الذي ليس ماضي سائر الأمم بأولى منه.
وفي وسط طريق العودة التقى هذا الرافد العالمي العصري بالرافد الأصلي الذي ظل في غمرات القرون مستقيماً، لم يشذ مستعلياً، ولم ينبهر، ألا وهو بقايا الخير في هذه الأمة من رجال ما تزعزع يقينهم لحظة واحدة في أنه لا يصلح هذا العالم إلا بهذه الأمة، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وبدأ هذان الرافدان في تشكيل نهر لا بد أن يصبح في يوم من الأيام تياراً، ومن ثَمَّ يجتاح ما على هذه الأرض من الشرور والأدران والأوثان، كما وعد الله وبشّر رسول الله ﷺ !
стр. 809
لكن الشيطان الذي تعهد بإضلال بني آدم إلى يوم يبعثون، وأعوانه بل أقرانه الذين ما فتئ الشيطان يتعلم منهم فنون المكر والتآمر، عمدوا إلى إحباط هذا الأمل العظيم من طريقين:
الأولى: تضخيم هذه العودة الإسلامية البريئة - بل الساذجة في كثير من مظاهرها - وتسميتها "يقظة العملاق"، و"قوة الغد"، و"صحوة الإسلام"، ونحو ذلك مما هو إغراءٌ صارخٌ للقوى العالمية ووكلائها المحليين باستئصال هذه النبتات الغضة في مهدها، مع أن الحقيقة أنه حتى هذه اللحظة ما تزال ظاهرة العودة في العالم الإسلامي متأخرة عملياً عما وصلت إليه في البلاد الأخرى، حيث وصلت هناك إلى دفّة الحكم أو قاربت!!
إن الإعلام الغربي لا يستكثر على "الدالاي لاما" المطالبة بدولة بوذية مستقلة عن الصين، بل لم يستكثر على الهندوس المتعصبين أن يحكموا الهند، وإنما يستكثر على أمة الإسلام العظيمة الممتدة من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي أن يكون في بعض جامعاتها شباب متدينون، ويستغرب وجود جامعات غير مختلطة، أو جامعيات غير متبرجات، مع أن ذلك لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من الانتشار السكاني الهائل للأمة.
يستكثرون ذلك ويستغربونه، ويتابعهم عليه في بلاد الإسلام من يتابعهم، مع أن الأصل في الأمة الإسلامية ألا تنحرف ولا تنبهر، مع أن الأصل في المسلم إذا انحرف وعصى أن يتوب ويستقيم.
إن الأصنام العصرية الكبرى تعرضت لنسف تماثيل "لينين"، و"ستالين"، وتماثيل "ماو"، وتماثيل "شاوسكو" بمباركة الغرب إلا صنماً واحداً يحرسه الإعلام الغربي أكثر مما يحرس تماثيل المسيح ﵇، ذلك هو صنم "أتاتورك"!!
تماماً مثلما ضاقت باريس - عاصمة النور والحرية عند كثير من المخدوعين - بغطاء رأس فتاة مسلمة من بين ألوف الأزياء والموضات!!
ومثلما ضاقت دولة الحياء والكرامة الإنسانية و .. "سويسرا"!!
في نظر الغرب لا ضير في عودة الملايين إلى أسفار "فيدا"، وتعاليم "بوذا"، أما عودة بعض أمة الإسلام إلى نور القرآن وهدي محمد ﷺ فهي وحدها نذير الشؤم، وداعية الويل والثبور، وعظائم الأمور!!
وليس أعجب حالاً من هؤلاء إلا من يصدقهم ويجاريهم من أبناء جلدتنا المستغربين، أو من يأخذه الغرور بقولهم من التائبين العائدين.
نعم إن إفلاس المذاهب الأرضية في العالم الإسلامي وسقوط ممثليها أصبح حقيقة ثابتة وقد جرى ذلك وفق سنة إلهية ثابتة.
ولكن رجوع المسلمين إلى الإسلام ما يزال في أول بشائره، وأمامه عقبات كبرى ذاتية خارجية، كما أن له سنته الإلهية الأخرى التي ما لم يرعاها ويسير بمقتضاها فلن نصل أبداً.
الثاني: استنفار أفاعي "الطابور الخامس" من قطّاع الطريق إلى الله الذين عملوا منذ عهد عبد الله بن سبأ، والجعد بن درهم، وبشر المريسي، والنظام (١) .... إلخ، لنسف القلعة الإسلامية من داخلها، وإجهاض كل محاولة لرفع هذه الأمة إلى القمة التي أراد الله أن تكون عليها.
فأما العدو الخارجي: فللحديث عنه مواضعه الأخرى، وما عداؤه لنا، واستعداؤه علينا بجديد، وما هو بالذي يُحسب له كل هذا الحساب لو كنا في أنفسنا أمةً تعيش وتسير كما أمر الله، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ *آل عمران: ١٢٠*. ونحن قد فقدنا الخصلتين كلتيهما إلا من رحم الله.
وأما قُطّاع الطريق فهم لعمر الله آفة هذه الأمة قديماً وحديثاً، وهم "حصان طروادة" الذي ما دخلت إلينا الأفكار الغربية قديمها وحديثها إلا من خلاله وبآثاره.
стр. 810
ولن نستعرض تاريخهم القديم، وهل في الإمكان استعراض المحيط الزاخر؟ ولكننا نشير بإجمال إلى دورهم في ركوب موجة التوبة الجماعية التي نسميها - ولو على سبيل التفاؤل - "الصحوة الإسلامية"!!
لقد أراد كل كمين من هذه السبل المتفرقة التي نهى الله عن أتباعها أن يستغل بواكير هذه الصحوة، ويستغفل شبابها الغض، فيلقي عليهم ثوب بدعته، ويقنعهم بقناع مذهبه حتى تصبح الأمة العائدة - وهي التي أراد الله لها، ونريد لها أن تكون أمة واحدة على المنهج الأبلج النقي - تصبح شيعاً وأحزاباً، كما كان حالها أيام الزحف التتري أو الصليبي.
فأحدهم "صوفي" لا يعرف من التدين إلا الطبل والمزمار، والحضرة والتواجد ... يندس في الصفوف العائدة رافعاً راية التصوف، - أو خرقته -، ساعياً بأقصى جهده إلى تصويف المسيرة كلها.
وذاك رافضي خبيث يتقمص شخصية الدجال تحت عمامة المجدد، ويلوّح للجموح الباحثة عن الطريق: أن تعالوا إلى الإسلام، وما غايته إلا ترفيض القافلة بأجمعها.
وذلك مستشرق عربي! غذّاه المستشرقون الغربيون بما استطاعت عقولهم الضحلة أن تلتقطه من فتات أفكار الفرق البائدة، وأظهروا أمامه التباكي على تراثها الإسلامي المفقود، وكنوزه الضائعة، واستحثوه أن يشتغل بالتنقيب عنها ونشرها (١)، فجاء المخدوع أو المتآمر ينبش رميم الباطنية والحلولية، وينفض الغبار عن هرطقة الفلاسفة والمعتزلة، ويحقق كتب البدع والفرقة، تحت ستار إحياء التراث والتحقيق العلمي النزيه .. وما الغرض إلا تمزيق طريق العودة، وتشتيته ذات اليمين وذات الشمال، وإذكاء القروح الميتة في كبد الأمة الجريحة، وأقل ما فيه صرف النظر عن الكنوز الحقيقية التي ليست مجرد تراث!! بل هي منبع الحياة الفكرية، ومعالم على طريق المنهج القويم. وجاءت سبل وطوائف أخرى ... وتكدست في المكتبة الإسلامية.
وفي أخطر ركن فيها - وهو ركن العقيدة - صحائف سود، لا أعني سواد مدادها ولكن سواد فكرها، واستشرت ظلمات بدعتها حتى ظهرت على صفحات المجلات والجرائد، فأخرجوها من دوائر المتخصصين إلى متناول العوام المساكين.
وهذه الكتب والمقالات قد تبدوا للناظر أولّ وهلة وكأنها هي مجرد امتداد للفرق المنحرفة القديمة، ولا دافع لها إلاّ التعصب لتلك الفرق والمذاهب. والواقع أن وراء تلك الأكمة ما وراءها، وأن هذه النظرة إن صدقت على بعضهم لا تصدق على كلهم، فهي لا تهدف للتعصب للماضي بقدر ما هي تخطط وتبرمج للمستقبل، مستغلة سذاجة غالب شباب الصحوة كما أسلفنا.
ومن الأدلة على ذلك: ما يفتعله أصحاب هذا الاتجاه البدعي المقنع حين ينشرون أفكارهم وكتبهم على الملأ، ويحثون الشباب على قراءتها، ثم لا يفوتهم أن يقرنوا ذلك بالتباكي على ما تعيشه أمة الإسلام من تفرق وتمزق، وأنها ما تزال تبحث مسألة "أين الله؟ "، ومسألة "القرآن مخلوق أم قديم؟ "، و "قضايا الفلاسفة والمعتزلة والصوفية والأشاعرة ... إلخ".
في حين أن العدو يحتل أراضيها ويهدد كيانها، ولا يفرق بين أحد منها، فهلا انصرف المسلمون لمحاربة الشيوعية، ومقاومة الخطط الصهيونية، وتركوا هذه الخلافات.
يتباكون على هذا، وهم يقدمون للشباب مؤلفات كلها تفلسف وتجهّم واعتزال وتصوف وتشعر ... إلخ.
стр. 811
وأشهد أن بعضهم - إن لم أقل كثيراً منهم - قد كتب الكثير من المؤلفات في الطعن على السلف، والنيل من عقيدتهم، والدعوة الصريحة إلى البدعة التي هي أصل الانقسام والفرقة، وما كتب حرفاً واحداً قطّ عن الشيوعية والصهيونية، بل إنّ واقع حاله يدل على أن تضليل - أو تكفير - أئمة عقيدة السلف أولى عنده وأهم من محاربة الشيوعية والصهيونية.
وأخطر من هؤلاء طائفة من القطّاع هالها كساد سوقها، وتكدّس مصنفاتها البدعية، فعمدت إلى أسلوب أمكر وأخبث، وهو انتحال مذهب السلف الصالح ظاهراً، وادعاء أنه ومذهبها سواء، وزعمت أنها بذلك تخدم مصلحة الإسلام، وتسعى لجمع المسلمين، فبعثروا المعالم والمعايير أمام الشباب الحائر، فلم يعد يدري كيف يسير؟!
هذا الأسلوب بدأه الرافضة منذ مطلع القرن العشرين بما أسموه "التقريب بين المذاهب الإسلامية"، ثم تبعتهم الفرق البدعية الأخرى تحت شعار "توحيد الصفوف"، فقدموا للشباب الذهب مع البهرج والحجارة والنحاس، وقالوا: لا بد من صهر الجميع في بوتقة واحدة، ولا عليك إن اخترت منها ما شئت، فالكل يسمى معدناً.
وإن مما يدمي القلب أن كثيراً من شباب الصحوة خدعته هذه الدعاوى الزائفة، وعصبت عينيه عن رؤية الحق الصراح، فتطوعوا بخدمة قطّاع الطريق الماكرين، حتى أن بعض المراكز الإسلامية في الغرب وغيره أصبحت أوكاراً للرافضة وغيرها، وانتعشت البدع والشركيات حتى صرح بعض سدنة الأضرحة أن إقبال الشباب عليهم في زيادة مستمرة، وأن المريدين أخذت أعدادهم في السنوات الأخيرة تتضاعف، وكلما سمعت أو رأيت شيئاً من هذه الظواهر المرعبة أسأل نفسي بحق، هذه الصحوة الإسلامية التي نبتهج ببشائرها، ونتطلع إلى بواكيرها، أهي صحوة فعلاً، أم هي - عياذاً بالله - انتكاسة جديدة إلى موروثات الوثنية الإغريقية، والصوفية الهندية؟
أم أن الخمر المسكرة الوحيدة في نظر بعضنا، هي خمرة الافتتان بالغرب، وأفكاره ونظمه ومن صحا منها، فلا عليه أن يسكر بخمرة الوجد والفناء، أو نبيذ البدع والأهواء، فلا يصحو إلى يوم يبعثون؟!
وأسأل نفسي أيضاً لماذا يرفض الشباب الإسلام الفكرة الواحدة نفسها إن كان سندها - مثلاً -: ماركس عن هيجل عن أرسطو، ويعدها كفراً وإلحاداً، ويقبلها ويتعصب لها - بذاتها - إذا كان سندها: الرازي عن ابن سينا عن أرسطو؟!
أم أن عداوتنا أصبحت كعداوة الثور للون الأحمر فقط، فنعادي الباطل؛ لأنه منقول عن الغرب وأذنابه، لا لأنه باطل يجب معاداته أينما وجد في واقع أنفسنا، أو في صفحات تاريخنا، أو موروثات مجتمعاتنا ومذاهبنا.
واسم الإسلام يطلق على:
١ - المنتحلون لمذهب السلف اسماً، والمخالفون له سلوكاً وفهماً.
٢ - عموم الاسم لكل مسلم لم ينتسب لعقيدة بدعية، وظل على الإيمان المجمل الصحيح، أو أيّاً كان تخصصه العلمي؛ فقيها، محدثاً، لغويا، مؤرخاً، شاعراً، بل العامي من المسلمين يطلق عليه ذلك.
وأما كلمة "أهل السنة والجماعة" فهو مصطلح عزيز، وشعار عظيم، وكيف لا وهو يعبر عن حقيقة الإسلام الصافية النقية التي لا شائبة فيها ولا زيغ، وهو منار وعلم على الفرقة الناجية من أمة الإجابة، تلك الفرقة التي تمسكت بما كان عليه ﷺ وأصحابه، وصبرت عليه، وجاهدت في سبيله، فكانوا كما قال بعض السلف: "أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في سائر الملل".
والتفرق والاختلاف من البلاء الذي لم يرفعه الله عن هذه الأمة منذ أن قتلت خليفتها الثالث عثمان بن عفان ﵁ ظلماً وعدواناً، كما أشار حديث حذيفة في الفتن التي تموج موج البحر (١).
стр. 812
فهو في حقيقته عقوبة جرى بها القدر المحكم، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ *الأنعام: ٦٥*.
على ما فسرتها به الأحاديث الصحيحة (١)، ولله في ذلك الحكمة البالغة، وما أصاب المسلمين عامة من مصيبة فبما كسبت أيديهم ويعفو عن كثير، وليس بخارج عن سنة الله أن يبتليهم بما لم يبتل به أمم الكفر، أو يذيقهم من البأس ما لم يذقها.
وليس عجيباً في سنة الله أن يأتي عصر يقل فيه أهل السنة والجماعة ويستضعفون، ويعلو فيه أهل البدعة والفرقة ويسيطرون، فهذا أيضاً من الابتلاء - ابتلاء التمحيص والرفع - الذي هو سنة الله في الأنبياء من قبل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ *الفرقان: ٣١*.
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ *الأنعام: ٥٣*.
ولكن العجب المستنكر أن تطغى البدع حتى يبلغ من جرأة أصحابها أن يدعوا أنهم هم أهل السنة والجماعة، وأن أهل السنة والجماعة هم أهل الضلالة والفرقة!
أو يضيع الحق بين تفريط أهل السنة والجماعة، وتلبيس أهل الضلالة والفرقة؛ فيقال: إن هؤلاء من هؤلاء، وأن الفرقتين سواء - دون نكير ولا اعتراض -.
فهذا - حسب التشبيه المأثور في حال أهل السنة بين أهل الإسلام - مثلما لو ادعى عدو للإسلام أن أهل الإسلام بين أهل الأديان قليل؛ كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ورتب على هذا أنهم شذّاذ لا اعتداد بخلافهم، ولا اعتبار لدينهم الذي خالفوا به سائر أمم الأرض.
فهذا ادعاء لا يستحق كبير اهتمام، ولا يبعث كثير عجب، ولكن لو ادعى هذا العدو أن اليهود والنصارى هم المسلمون المتمسكون بما كان عليه الأنبياء جميعاً، وأنهم هم الأمة المصطفاة التي أورثها الله الكتاب، وأن المسلمين هم المخالفون لمنهج الأنبياء، وهم أولى أن يسموا بكل اسم سمي به أعداء الأنبياء ومخالفوهم، وسماهم هذا العدو "المشركين أو الصابئين" (٢)، أو نحو ذلك.
فهذا ما لا يملك أي مسلم يعرف حقيقة دينه أن يسكت عليه؛ لأنه قلب للحقائق، ومكابرة للعقول، ولو شاع مثل هذا الادعاء وسكت عليه المسلمون أو أقروه - كلهم أو بعضهم - حتى أصبح مصطلح "المشركين" أو "الصابئين" يعنيهم عند الإطلاق، ومصطلح "المسلمين" يعني اليهود أو النصارى أو المشركين ... لكان هذا خرقاً فظيعاً لما استقرت عليه الأفهام، وأجمعت عليه العقول، وتعارف عليه التاريخ المتواتر.
والمؤلم حقاً أن هذا الذي لا يصدقه العقل بالنسبة للإسلام مع الملل قد أصبح - إلى حد ما - حقيقة واقعة بالنسبة لأهل السنة والجماعة مع الفِرَق!
وقد يكون سبب ذلك أن بعض أهل السنة والجماعة لا يعرفون المضمون الكامل، والمنهج الشامل الذي يحويه مدلول "أهل السنة والجماعة"، ولا يدركون حقيقة مناهج الفرق البدعية وأصولها، ومن ثَمَّ كانت الخسارة الكبرى لأهل السنة والجماعة، لا أعني خسارة الأتباع، ولكن اضمحلال الشعار، وضياع الحقيقة في ركام الزيف، وفقدان المنهج المتميز في زحمة المناهج.
وقد ركب الله تعالى في نفوس بني آدم كافة من معرفة العدل ما ينكرون به أن يتقمص اللص شخص الحارس، وأن ينتحل الفاجر شخصية التقي، وأن يدعي الشيطان حقيقة الملك.
стр. 813
وعن هذا عبر شاعر المعرة بقوله:
فوا عجباً كم يدّعي الفضل ناقصٌ ... ووا أسفا كم يُظهر النقص فاضلُ
إذا وصف الطائي بالبخل مادرٌ ... وعير قسًّا بالفهاهة باقلُ
وقال السهي: يا شمسُ أنتِ خفيةٌ ... وقال الدجي: يا صُبح لونك حائلُ
وطاولت الأرضُ السماءَ سفاهةٌ ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادلُ
فيا موت زُرْ إن الحياة ذميمةٌ ... ويا نفس جدِّي إن دهرك هازلُ
إن الله أخبرنا عن أصحاب جهنم أنهم يقولون: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ *الملك: ١٠*. فنفهم من هذا: أن الكفار لا سمع لهم ولا عقل، وأن المؤمنين أهل السنة والجماعة هم أصحاب السمع الصحيح، والعقل الكامل؛ من جهة أنهم يتلقون عن القرآن والسنة الصحيحة، ويستخدمون قوة العقل، وملكة الفهم للتمييز بين الحق والباطل، وأن أصحاب البدع أصحاب فساد في السمع وخلل في العقل.
ومن فساد السمع التلقي عن الدجالين والكهان والمشعوذين، أو الفلاسفة والملاحدة والصابئين، والاستشهاد بالروايات الموضوعة والواهية.
ومن فساد العقل عندهم تحريف معاني النصوص الصحيحة، والتأويلات الباطلة، وضرب الوحي بعضه ببعض من أجل تغيير البدعة التي لا أصل لها فيه.
فللمعرفة إذن مصدران لا ثالث لهما:
١ - إما الوحي، والعقل السليم، والفطرة المستقيمة، كل منها يصدق الآخر، وهذا من نصيب أهل السنة والجماعة دون سائر الفرق والملل.
٢ - وإما الأساطير والأوهام والتخرّصات والخيالات والوساوس، وهذه تسمّيها كل ملة منحرفة باسم تزعمه:
فالكفار أصحاب النظريات الكونية والنفسية المخالفة للوحي يسمونها "حقائق علمية"، وهؤلاء كذّبهم الله تعالى وهدم منهجهم بآية واحدة من كتابه: ﴿مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ *الكهف: ٥١*.
والفلاسفة ومن حذا حذوهم من المتكلمين المنتسبين للإسلام يسمونها "البراهين" أو "القواطع العقلية"، وهؤلاء ساروا على المنهج الإبليسي في معارضة الوحي بالرأي ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ *الأعراف: ١٢*.
والمشعوذون والدجّالون وغلاة الصوفية المنتسبون للإسلام يسمونها "كشفاً وفيضاً ووجداً وذوقاً ... "، وهؤلاء اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما ورثوه من تعاليم هاروت وماروت، وسحرة الفراعنة، وكهّان الهندوس، وأصحاب البدود (١)، كما كانوا يسمونهم.
стр. 814
قصة الحوثيين
راغب السرجاني
من هم الحوثيون؟ ومتى ظهروا؟ وإلى أي شيء يهدفون؟ ولماذا تحاربهم الحكومة اليمنية؟ وما هو تأثير القوى الخارجية العالمية على أحداث قصتهم؟ هذه الأسئلة وغيرها هي موضوع مقالنا، والذي أرجو أن ينير لنا الطريق في هذه القصة المعقَّدة ..
بدأت القصة في محافظة صعدة (على بُعد ٢٤٠ كم شمال صنعاء)، حيث يوجد أكبر تجمعات الزيدية في اليمن، وفي عام ١٩٨٦م تم إنشاء "اتحاد الشباب"، وهي هيئة تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه، كان بدر الدين الحوثي -وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك- من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة.
وفي عام ١٩٩٠م حدثت الوَحْدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثَمَّ تحول اتحاد الشباب إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي -وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي- كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة ١٩٩٣م، وكذلك في سنة ١٩٩٧م.
تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدًّا بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية في اليمن حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية اليمنيون، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي، والتي تقضي بأن شرط النسب الهاشميّ للإمامة صار غير مقبولاً اليوم، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن الشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن أو الحسين ﵄.
اعترض بدر الدين الحوثي على هذه الفتوى بشدَّة، خاصة أنه من فرقة "الجارودية"، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيًّا مع الاثني عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع بصراحة عن المذهب الاثني عشري، بل إنه أصدر كتابًا بعنوان "الزيدية في اليمن"، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والاثني عشرية؛ ونظرًا للمقاومة الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية، فإنّه اضطر إلى الهجرة إلى طهران حيث عاش هناك عدة سنوات. وعلى الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية إلا أن أفكاره الاثني عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة، وهذا منذ نهاية التسعينيات، وتحديدًا منذ سنة ١٩٩٧م، وفي نفس الوقت انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية، بل إنها كانت تتعاون مع الحكومة لمقاومة المد الإسلامي السُّنِّي المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولكن الجماعة ما لبثت أن أخذت اتجاهًا معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة ٢٠٠٢م.
وفي هذه الأثناء توسَّط عدد من علماء اليمن عند الرئيس علي عبد الله صالح لإعادة بدر الدين الحوثي إلى اليمن، فوافق الرئيس، وعاد بدر الدين الحوثي إلى اليمن ليمارس من جديد تدريس أفكاره لطلبته ومريديه. ومن الواضح أن الحكومة اليمنية لم تكن تعطي هذه الجماعة شأنًا ولا قيمة، ولا تعتقد أن هناك مشاكل ذات بالٍ يمكن أن تأتي من ورائها
مظاهرات ضخمة للحوثيين وبداية الحرب:
وفي عام ٢٠٠٤م حدث تطوُّر خطير، حيث خرج الحوثيون بقيادة حسين بدر الدين الحوثي بمظاهرات ضخمة في شوارع اليمن مناهضة للاحتلال الأمريكي للعراق، وواجهت الحكومة هذه المظاهرات بشدَّة، وذكرت أن الحوثي يدَّعِي الإمامة والمهديّة، بل ويدَّعِي النبوَّة. وأعقب ذلك قيام الحكومة اليمنية بشنّ حرب مفتوحة على جماعة الحوثيين الشيعية، واستخدمت فيها أكثر من ٣٠ ألف جندي يمني، واستخدمت أيضًا الطائرات والمدفعية، وأسفرت المواجهة عن مقتل زعيم التنظيم حسين بدر الدين الحوثي، واعتقال المئات، ومصادرة عدد كبير من أسلحة الحوثيين.
стр. 815
تأزَّم الموقف تمامًا، وتولى قيادة الحوثيين بعد مقتل حسين الحوثي أبوه بدر الدين الحوثي، ووضح أن الجماعة الشيعية سلحت نفسها سرًّا قبل ذلك بشكل جيد؛ حيث تمكنت من مواجهة الجيش اليمني على مدار عدة سنوات.
وقامت دولة قطر بوساطة بين الحوثيين والحكومة اليمنية في سنة ٢٠٠٨م، عقدت بمقتضاها اتفاقية سلام انتقل على إثرها يحيى الحوثي وعبد الكريم الحوثي -أشقاء حسين بدر الدين الحوثي- إلى قطر، مع تسليم أسلحتهم للحكومة اليمنية، ولكن ما لبثت هذه الاتفاقية أن انتُقضت، وعادت الحرب من جديد، بل وظهر أن الحوثيين يتوسعون في السيطرة على محافظات مجاورة لصعدة، بل ويحاولون الوصول إلى ساحل البحر الأحمر للحصول على سيطرة بحريَّة لأحد الموانئ؛ يكفل لهم تلقِّي المدد من خارج اليمن.
لقد صارت الدعوة الآن واضحة، والمواجهة صريحة، بل وصار الكلام الآن يهدِّد القيادة في اليمن كلها، وليس مجرَّد الانفصال بجزء شيعي عن الدولة اليمنية.
أسباب قوة الحوثيين:
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف تمكّنت جماعة حديثة مثل هذه الجماعة أن تواجه الحكومة طوال هذه الفترة، خاصَّة أنها تدعو إلى فكر شيعي اثني عشري، وهو ليس فكراً سائداً في اليمن بشكل عام، مما يجعلنا نفترض أن أتباعه قلة؟!
لذلك تبريرات كثيرة تنير لنا الطريق في فهم القضية، لعل من أبرزها ما يلي:
أولاً: لا يمكن استيعاب أن جماعة قليلة في إحدى المحافظات اليمنية الصغيرة يمكن أن تصمد هذه الفترة الطويلة دون مساعدة خارجية مستمرة، وعند تحليل الوضع نجد أن الدولة الوحيدة التي تستفيد من ازدياد قوة التمرد الحوثي هي دولة إيران، فهي دولة اثنا عشرية تجتهد بكل وسيلة لنشر مذهبها، وإذا استطاعت أن تدفع حركة الحوثيين إلى السيطرة على الحكم في اليمن، فإنّ هذا سيصبح نصرًا مجيدًا لها، خاصة أنها ستحاصر أحد أكبر المعاقل المناوئة لها وهي السعودية، فتصبح السعودية محاصَرة من شمالها في العراق، ومن شرقها في المنطقة الشرقية السعودية والكويت والبحرين، وكذلك من جنوبها في اليمن، وهذا سيعطي إيران أوراق ضغط هائلة، سواء في علاقتها مع العالم الإسلامي السُّني، أو في علاقتها مع أمريكا.
وليس هذا الفرض نظريًّا، إنما هو أمر واقعي له شواهد كثيرة، منها التحوُّل العجيب لبدر الدين الحوثي من الفكر الزيديّ المعتدل إلى الفكر الاثني عشري المنحرف، مع أن البيئة اليمنية لم تشهد مثل هذا الفكر الاثني عشري في كل مراحل تاريخها، وقد احتضنته إيران بقوَّة، بل واستضافته في طهران عدة سنوات، وقد وجد بدر الدين الحوثي فكرة "ولاية الفقيه" التي أتى بها الخوميني حلاًّ مناسبًا للصعود إلى الحكم حتى لو لم يكن من نسل السيدة فاطمة ﵂، وهو ما ليس موجودًا في الفكر الزيدي. كما أن إيران دولة قوية تستطيع مدَّ يد العون السياسي والاقتصادي والعسكري للمتمردين، وقد أكّد على مساعدة إيران للحوثيين تبنِّي وسائل الإعلام الإيرانية الشيعية، والمتمثلة في قنواتهم الفضائية المتعددة مثل "العالم" و"الكوثر" وغيرهما لقضية الحوثيين.
كما أن الحوثيين أنفسهم طلبوا قبل ذلك وساطة المرجع الشيعي العراقي الأعلى آية الله السيستاني، وهو اثنا عشري قد يستغربه أهل اليمن، لكن هذا لتأكيد مذهبيَّة التمرد، هذا إضافةً إلى أن الحكومة اليمنية أعلنت عن مصادرتها لأسلحة كثيرة خاصة بالحوثيين، وهي إيرانية الصنع. وقد دأبت الحكومة اليمنية على التلميح دون التصريح بمساعدة إيران للحوثيين، وأنكرت إيران بالطبع المساعدة، وهي لعبة سياسية مفهومة، خاصة في ضوء عقيدة "التقية" الاثني عشرية، والتي تجيز لأصحاب المذهب الكذب دون قيود.
стр. 816
ثانيًا: من العوامل أيضًا التي ساعدت على استمرار حركة الحوثيين في اليمن التعاطف الجماهيري النسبي من أهالي المنطقة مع حركة التمرد، حتى وإن لم يميلوا إلى فكرهم المنحرف، وذلك للظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة جدًّا التي تعيشها المنطقة؛ فاليمن بشكل عام يعاني من ضعف شديد في بنيته التحتية، وحالة فقر مزمن تشمل معظم سكانه، لكن يبدو أن هذه المناطق تعاني أكثر من غيرها، وليس هناك اهتمام بها يوازي الاهتمام بالمدن اليمنية الكبرى، ويؤكد هذا أن اتفاقية السلام التي توسَّطت لعقدها دولة قطر سنة ٢٠٠٨م بين الحكومة اليمنية والحوثيين، كانت تنص على أن الحكومة اليمنية ستقوم بخطة لإعادة إعمار منطقة صعدة، وأن قطر ستموِّل مشاريع الإعمار، لكن كل هذا توقف عند استمرار القتال، ولكن الشاهد من الموقف أن الشعوب التي تعيش حالة التهميش والإهمال قد تقوم للاعتراض والتمرد حتى مع أناسٍ لا يتفقون مع عقائدهم ولا مبادئهم.
ثالثًا: ساعد أيضًا على استمرار التمرد، الوضعُ القبلي الذي يهيمن على اليمن؛ فاليمن عبارة عن عشائر وقبائل، وهناك توازنات مهمَّة بين القبائل المختلفة، وتشير مصادر كثيرة أن المتمردين الحوثيين يتلقون دعمًا من قبائل كثيرة معارضة للنظام الحاكم؛ لوجود ثارات بينهم وبين هذا النظام، بصرف النظر عن الدين أو المذهب.
رابعًا: ومن العوامل المساعدة كذلك الطبيعة الجبلية لليمن، والتي تجعل سيطرة الجيوش النظامية على الأوضاع أمرًا صعبًا؛ وذلك لتعذر حركة الجيوش، ولكثرة الخبايا والكهوف، ولعدم وجود دراسات علمية توضح الطرق في داخل هذه الجبال، ولا وجود الأدوات العلمية والأقمار الصناعية التي ترصد الحركة بشكل دقيق.
خامسًا: ساهم أيضًا في استمرار المشكلة انشغال الحكومة اليمنية في مسألة المناداة بانفصال اليمن الجنوبي عن اليمن الشمالي، وخروج مظاهرات تنادي بهذا الأمر، وظهور الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق "علي سالم البيض" من مقره في ألمانيا وهو ينادي بنفس الأمر. هذا الوضع لا شك أنه شتَّت الحكومة اليمنية وجيشها ومخابراتها؛ مما أضعف قبضتها عن الحوثيين.
سادسًا: وهناك بعض التحليلات تفسِّر استمرار التمرد بأن الحكومة اليمنية نفسها تريد للموضوع أن يستمر! والسبب في ذلك أنها تعتبر وجود هذا التمرد ورقة ضغط قوية في يدها تحصِّل بها منافع دولية، وأهم هذه المنافع هي التعاون الأمريكي فيما يسمَّى بالحرب ضد الإرهاب، حيث تشير أمريكا إلى وجود علاقة بين تنظيم القاعدة وبين الحوثيين. وأنا أرى أن هذا احتمال بعيد جدًّا؛ لكون المنهج الذي يتبعه تنظيم القاعدة مخالف كُلِّية للمناهج الاثني عشرية، ومع ذلك فأمريكا تريد أن تضع أنفها في كل بقاع العالم الإسلامي، وتتحجج بحججٍ مختلفة لتحقيق ما تريد، واليمن تريد أن تستفيد من هذه العلاقة في دعمها سياسيًّا واقتصاديًّا، أو على الأقل التغاضي عن فتح ملفات حقوق الإنسان والدكتاتورية، وغير ذلك من ملفات يسعى الغرب إلى فتحها.
وإضافةً إلى استفادة اليمن من علاقتها بأمريكا، فإنها ستستفيد كذلك من علاقتها بالسعودية، حيث تسعى السعودية إلى دعم اليمن سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا لمقاومة المشروع الشيعي للحوثيين، واستمرار المشكلة سيوفِّر دعمًا مطَّردًا لليمن، ولعل الدعم لا يتوقف على السعودية، بل يمتد إلى قطر والإمارات وغيرها.
وبصرف النظر عن الأسباب فالمشكلة ما زالت قائمة، والوضع فيما أراه خطير، ووجب على اليمن أن تقف وقفة جادة مع الحدث، ووجب عليها كذلك أن تنشر الفكر الإسلامي الصحيح؛ ليواجه هذه الأفكار المنحرفة، وأن تهتم اهتمامًا كبيرًا بأهالي هذه المناطق حتى تضمن ولاءهم بشكل طبيعي لليمن وحكومتها. ويجب على العالم الإسلامي أن يقف مع اليمن في هذه الأزمة، وإلاّ أحاط المشروع الشيعي بالعالم الإسلامي من كل أطرافه، والأهم من ذلك أن يُعيد شعب اليمن حساباته وينظر إلى مصلحة اليمن، وأن هذه المصلحة تقتضي الوحدة، وتقتضي الفكر السليم، وتقتضي التجمُّع على كتاب الله وسُنَّة رسوله، وعندها سنخرج من أزماتنا، ونبصر حلول مشاكلنا.
ونسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.
стр. 817
من الذي اخترع لفظ (الاختلاط) ؟
إبراهيم السكران
- مدخل:
بعد أزمة الاختلاط الكاوستي ظهر على السطح الإعلامي شريحتان كتبتا بغزارة مذهلة، في وقت قياسي، وبشكل يومي مكثف.
فأما الشريحة الأولى: فهي فريق من المنتسبين إلى (البحث الشرعي) كانت تردد وتعيد وتكرر بأن مفردة الاختلاط إنما هي (بدعة مصطلحية لاتعرف في كتب أهل العلم)، وقال بعضهم بأن (الاختلاط لفظ دخيل لايعرف في التراث الإسلامي)، وقال آخرون بأن (الاختلاط لفظ معاصر لاتعرفه سائر المذاهب الفقهية الأربعة لأهل السنة)، وذكر آخرون بأنه لاتعرف لفظة الاختلاط إلا في (خلط المالين في الزكاة) وقال آخرون بأنهم تتبعوا كتب التراث الإسلامي ولم يجدوا لفظة الاختلاط إلا في (اختلاط الراوي) في علم الجرح والتعديل، وتوسع بعضهم وقال إن لفظ الاختلاط لفظ "لاهوتي-كنسي" استورده الإسلاميون المعاصرون ولاذكر له أصلاً عند علماء التراث الإسلامي.
وبنى هؤلاء على ذلك كله أنه لاداعي للحماس لاستنكار وشجب تدشين الاختلاط في جامعة (كاوست) باعتبار أن لفظ الاختلاط أصلاً ليس من ألفاظ المنكرات عند علماء الشريعة في سائر المذاهب السنية الأربعة.
وأما الشريحة الثانية: فهي فريق من المنتسبين إلى (البحث الفكري (أخذت تكرر وتعيد بأن الفصل بين الجنسين في التعليم نظام شاذ غريب غير مقبول كلياً في عالم اليوم، ولاتعترف الحضارة الغربية المعاصرة بهذا النظام العنصري، بل هو جزء من الماضي السحيق والتاريخ الغابر، وبنى هؤلاء على ذلك كله بأننا لو استمرينا على هذا النظام في التعليم فإننا سنقع في إحراجات سياسية دولية، وسنصبح مضحكة للمجتمع الغربي الذي لم يسمع بشئ اسمه الفصل بين الجنسين إلا في غرائبيات الميثولوجيا الدينية، وإلى متى نصادم العالم ونتقوقع داخل تقاليد يسخر منها عالم اليوم.
هاتان أطروحتان تم ضخهما وبكثافة طوال الأيام الماضية في الصحافة المحلية، وتم استكتاب الكثيرين للإدلاء بآراء فقهية أو فكرية تدور حول هذين المعنيين.
وفي هذه الورقة الموجزة سنحاول سوياً أن نفحص هذين السؤالين اللذين طرحهما هذان الفريقان:
السؤال الأول: هل فعلاً أن المذاهب الفقهية الأربعة لاتعرف لفظ "الاختلاط" بين الرجال والنساء؟
السؤال الثاني: هل فعلاً أن المجتمع الغربي المعاصر لايعرف فكرة "التعليم غير المختلط"؟
- الاختلاط في المذاهب الأربعة:
ثمة مرتبتان للاختلاط يدركهما ببساطة كل من تأمل هذا الموضوع، أولهما مرتبة (الاختلاط العارض) كالذي يكون في الطريق ونحوه. والثاني هو (اختلاط المجالسة) كالذي يكون في مجال التعليم والعمل، وهو الذي يترتب عليه رفع الكلفة، وانكسار الحواجز، والمضاحكة، وإلف كل من الطرفين للآخر، ونشوء العلاقات غير المشروعة.
فمن ذكر أن المذاهب الفقهية الأربعة تبيح جميع مراتب الاختلاط، أو أن فقهاء المذاهب السنية الأربعة لايعرفون أصلاً لفظ الاختلاط، فهذا قد وضع نفسه في حرج علمي بالغ، لأن لفظ الاختلاط لم يرد بشكل نادر في كتب الفقه الإسلامي، بل ولم يرد في باب واحد فقط، وإنما هو كالأصل الفقهي المنبث في أبواب كثيرة بحيث يؤثر على كثير من الأحكام الشرعية، واستخراج معالجات الفقهاء لمنكر اختلاط الجنسين لا يحتاج لعبقرية فقهية أصلاً، وأشهر المواضع التي يعالج الفقهاء فيها موضوع "اختلاط الجنسين" هي:
стр. 818
باب صلاة الجماعة (مسألة مكث الرجال بقدر ماينصرف النساء) وفي كتاب الجمعة (مسألة علة عدم وجوب الجمعة على النساء) وفي كتاب الجنائز (مسألة الدفن في القبور الفساقي) وفي كتاب الاعتكاف (مسألة صيانة المسجد عن الاختلاط) وفي كتاب الحج (مسألة علة منع التعريف) وفي كتاب الجهاد (مسألة علة منع خروج النساء للمباضعة، ومسألة شرط الذكورة في الإمامة الكبرى) وفي كتاب النكاح (مسألة محرمات الزفاف، ومسألة الفرق بين الحرة والأمة في مخالطة الرجال، ومسألة حبس المرأة زوجها بحقها) وفي كتاب القضاء (مسألة علة منع استقضاء المرأة، ومسألة اختلاط الجنسين في مجلس القضاء)، وفي باب الوصية (مسألة مبطلات الوصية) وفي كتاب الأدب (الذي يسمى كتاب الكراهية عند الحنفية) عالجوه في مسألة (حكم مخالطة من تعطلت غريزته للنساء)، وغيرها من المواضع.
وسنستعرض هاهنا بعض نماذج تلك المعالجات الفقهية التراثية:
- موقف الفقه الحنفي:
يميز فقهاء المذاهب دوماً في مصادرهم الفقهية بين الكتب المحدِّدة للمعتمد في المذهب في مجالي (القضاء والفتيا)، والكتب المحدّدة للمعتمد في المذهب في مجال (التعليم الفقهي).
فأما في مجال (القضاء والفتيا) فإن المعتمد عند الحنفية ثلاثة كتب، رأسها وأهمها عندهم هو الكتاب المبكر "المبسوط للسرخسي"، ويكاد عندهم أن يكون قاعدة المذهب لأنه جمع خلاصة فقه متقدمي الحنفية، وفي هذا المصدر الحنفي الرئيسي يقول السرخسي ﵀: (في اختلاط النساء مع الرجال عند الزحمة؛ من الفتنة والقبح ما لا يخفى) (المبسوط،١٦/ ٨٠).
ويقول أيضاً ﵀: (في اختلاطها - أي المرأة - بالرجال فتنة) (المبسوط، ٤/ ١١١).
وأما في مجال (التعليم الفقهي) فإن أهم كتب الحنفية عندهم هي "الهداية للمرغيناني" وأشهر شروحها هو "فتح القدير" لابن الهمام، ويقول ابن الهمام في هذا الشرح: (المرأة إنما تخالط المرأة، لا الرجل الأجنبي) (فتح القدير، ٥/ ٢٢٢).
ولم يختلف فقهاء المذهب الحنفي في أصل تحريم "اختلاط الجنسين" وإنما اختلفوا في صورة معينة: وهي الرجل الذي تعطلت غريزته كلياً فهل له أن يخالط النساء أم لا؟
ومع أنه في هذه الحالة قد يغلب انتفاء الفتنة إلا أن جمهور الحنفية منعوا ذلك أيضاً، ويلخص الامام السرخسي هذا الخلاف فيقول: (إن كان مجبوباً قد جف ماؤه؛ فقد رخص بعض مشايخنا في حقه بالاختلاط بالنساء، لوقوع الأمن من الفتنة، والأصح أنه لا يحل له ذلك) (المبسوط، ١٠/ ١٥٨).
وأما في مجال (علم القواعد الفقهية) فإن أوسع كتب الحنفية في هذا الحقل هو كتاب "غمز عيون البصائر" للإمام الحموي الحنفي الذي شرح فيه كتاب "الأشباه والنظائر" للإمام ابن نجيم الحنفي، رحمهما الله، وفي هذا الكتاب القواعدي الحنفي يقول الإمام الحموي ﵀: (قلت: وهو - أي الزفاف - حرام في زماننا، فضلا عن الكراهة، لأمور لا تخفى عليك، منها اختلاط النساء بالرجال) (غمز عيون البصائر، ٢/ ١١٤).
واستمر هذا الحكم الفقهي في تحريم "اختلاط الجنسين" حاضراً في سائر كتب الفقه الحنفي الأخرى، حتى مجئ آخر أئمة الحنفية الموسوعيين وهو الإمام ابن عابدين ﵀، فزاد هذا الحكم الشرعي لتحريم اختلاط الجنسين تأكيداً، حيث يقول في موسوعته رد المحتار: (ومما ترد به الشهادة الخروج لفرجة قدوم أمير، أي لما تشتمل عليه من المنكرات، ومن اختلاط النساء بالرجال) (رد المحتار، ٦/ ٣٥٥).
وما سبق هو مجرد نماذج فقط من معالجات الحنفية لموضوع الاختلاط، ويمكن للقارئ الفاضل أن يراجع المزيد من النصوص بنفس مفردة الاختلاط (لفظاً ومضموناً) في مصادر الحنفية الأخرى مثل:
стр. 819
كتاب تبيين الحقائق للزيلعي (٦/ ٢٠) والبحر الرائق لابن نجيم (٨/ ٢٢٢) ومجمع الأنهر لشيخي زاده (٢/ ٥٤٠)، وغيرها من مصادر المذهب الحنفي الأخرى.
- موقف المذهب المالكي:
محور المذهب المالكي - كما هو معروف - هو مختصر خليل، فهو الحلقة الرابعة في سلسلة الاختصار، فهو خلاصة مكثفة للمذهب، وقد بين الشيخ خليل في عبارته المركزة - كما هو معتاد في لغة المتون بشكل عام، ومختصر خليل بشكل خاص - منع الاختلاط في ثلاثة أمور (مجلس القضاء، ومجلس الفتيا، ومجلس العلم) حيث يقول ﵀: (ينبغي - أي للقاضي - أن يفرد وقتاً أو يوماً للنساء، كالمفتي والمدرس).
وحين جاء الشيخ عليش المالكي لتوضيح هذه الفقرة في مختصر خليل ذكر علة هذا الحكم، ثم نقل نقولاً عن أئمة المذهب المالكي حول الاختلاط، حيث يقول ﵀: (سترا لهن وحفظا من اختلاطهن بالرجال في مجلسه، [قال] سحنون: يعزل النساء على حدة والرجال على حدة. [وقال] أشهب: لا يقدم الرجال والنساء مختلطين. [وقال] ابن عبد الحكم: أحب إلي أن يفرد للنساء يوما. ويفرق بين الرجال والنساء في المجالس .. ، [وقال] المازري: إن كان الحكم بين رجل وامرأة أبعد عنها من لا خصام بينها وبينه من الرجال) (منح الجليل شرح مختصر خليل، ٨/ ٣٠٦).
ويلي مختصر خليل في الذيوع والانتشار بين المالكية رسالة الإمام ابن أبي زيد القيرواني، وحين تعرض الإمام النفراوي المالكي في شرحه لهذه الرسالة لمسألة "مسقطات وجوب إجابة وليمة العرس" قال: (ثم شرع في بيان مايسقط الإجابة بقوله .. : "ولا منكر بيِّن" أي مشهور ظاهر، كاختلاط الرجال بالنساء) (الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ٢/ ٣٢٢).
وأما علم "تفسير آيات الأحكام" فأشهر كتب المالكية فيها كتاب ابن العربي المالكي، ويقول فيه: (المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير) (أحكام القرآن، ٣/ ٤٨٣).
وحين تعرض الامام الدسوقي المالكي لباب مبطلات الوصية ذكر من مبطلاتها أن يوصي الموصي بعمل يتضمن "اختلاط الجنسين،" كما يقول ﵀: (أن يوصي بإقامة مولد على الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة، من اختلاط النساء بالرجال، والنظر للمحرم، ونحو ذلك من المنكر) (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ٤/ ٤٢٧).
أما الإمام ابن الحاج المالكي فقد اعتنى بشكل مكثف بكثرة إعلان التحذير من "اختلاط الجنسين" حتى أن جهوده في هذا الموضوع لفتت انتباه فقهاء المذاهب الأخرى، حتى قال الخطيب الشربيني الشافعي مشيراً لذلك (خصوصا في هذا الزمان الذي كثر فيه اختلاط الأجانب من الرجال والنساء .. ، ولابن الحاج المالكي اعتناء زائد بالكلام على مثل هذا وأشباهه، باعتبار زمانه، فكيف له بزمان خرق فيه السياج) (الاقناع مع البجيرمي، ٣/ ٤٩٥).
وما سبق هو مجرد نماذج فقط من معالجات المالكية لموضوع الاختلاط، ويمكن للقارئ الفاضل أن يراجع المزيد من النصوص بنفس مفردة الاختلاط (لفظاً ومضموناً) في مصادر المالكية الأخرى مثل:
مواهب الجليل، للحطاب (١/ ٩١)، الكفاية مع حاشية العدوي (٢،٢٢٥)، بلغة السالك، للصاوي (٤/ ٥٨٥)، وغيرها.
- موقف المذهب الشافعي:
تكاد تكون أضخم موسوعة فقهية أنتجتها المدرسة الشافعية هي "الحاوي الكبير للماوردي"، وفي هذه الموسوعة يقول الماوردي ﵀: (والمرأة منهية عن الاختلاط بالرجال) (الحاوي الكبير، ٢/ ٥١).
стр. 820
ولما تعرض الإمام النووي - ريحانة الشافعية - لظاهرة اختلاط النساء والرجال ليلة عرفة للدعاء والذكر أغلظ في تحريمها والتشنيع عليها، وذكر أن من علل تحريمها "اختلاط الجنسين" كما يقول ﵀ في موسوعته "المجموع شرح المهذب": (ومن البدع القبيحة ما اعتاده بعض العوام في هذه الأزمان من إيقاد الشمع بجبل عرفة ليلة التاسع أو غيرها .. ، وهذه ضلالة فاحشة جمعوا فيها أنواعا من القبائح، منها: اختلاط النساء بالرجال، والشموع بينهم، ووجوههم بارزة، ويجب على ولي الأمر وكل مكلف تمكن من إزالة هذه البدع إنكارها) (المجموع، ٨/ ١٤٠).
ومن المعروف أن المذهب الشافعي استقر على مافي كتاب المنهاج للنووي، وأجل شروحه عندهم هو شرح الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي ﵀، وإمامة ابن حجر الهيتمي للمذهب الشافعي لاجدال فيها، حتى أن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ لما ناظر بعض الشافعية في بعض مسائل الألوهية لفت انتباهه شدة تعظيم متأخري الشافعية لابن حجر الهيتمي (انظر مجموع الرسائل الشخصية للشيخ محمد) والمراد أن ابن حجر الهيتمي نص في هذا المصدر المركزي على تحريم اختلاط الجنسين فقال: (الاختلاط بالنساء مظنة الفساد) (تحفة المحتاج، ٢/ ١٠٧).
بل إن الإمام ابن حجر الهيتمي لم يتحدث عن تحريم "اختلاط الجنسين" فقط، بل اعتنى بالتأكيد على أن تحريم اختلاط الجنسين هو مذهب متقدمي الشافعية أيضاً مستنداً على نصوص الإمام الشيرازي الشافعي صاحب المهذب، كما يقول ابن حجر الهيتمي في فتاواه: (وفي المهذب في باب صلاة الجمعة: "ولأنها، أي المرأة، لا تختلط بالرجال، وذلك لا يجوز" فتأمله تجده صريحا في حرمة الاختلاط، وهو كذلك لأنه مظنة الفتنة، وبه يتأيد ما مر عن بعض المتأخرين) (فتاوى ابن حجر الهيتمي، ١/ ٢٠٣).
وما سبق هو مجرد نماذج فقط من معالجات الشافعية لموضوع الاختلاط، ويمكن للقارئ الفاضل أن يراجع المزيد من النصوص بنفس مفردة الاختلاط (لفظاً ومضموناً) في مصادر الشافعية الأخرى مثل: نهاية المحتاج للرملي (١/ ٥٥٣)، حاشيتا قليوبي وعميرة (٢/ ١٤٤)، حاشية الشبراملسي على النهاية (٣/ ٣٤)، فتوحات الوهاب للجمل (٢/ ٢٠٦)، تحفة الحبيب للبجيرمي (٢/ ٢٢٦)، وغيرها.
- موقف المذهب الحنبلي:
أهم موسوعة فقهية مقارنة أنتجتها المدرسة الحنبلية هو بلاشك كتاب "المغني لابن قدامة" ويعرف كل من تابع تاريخ الفقه الإسلامي أنها تجاوزت الداخل المذهبي الحنبلي واكتسبت أهمية مرجعية عامة، حتى قال شيخ المقاصد العز بن عبد السلام الشافعي عبارته الشهيرة "ماطابت نفسي بالفتيا حتى صار عندي نسخة من المغني"، بل عدّهُ المتأخرون أحد الموسوعات الخمس التي تجمع علوم أهل الإسلام، وفي هذه الموسوعة الرصينة يقول الإمام ابن قدامة في تعليل وجوب انصراف النساء قبل الرجال: (فصلٌ: إذا كان مع الإمام رجال ونساء، فالمستحب أن يثبت هو والرجال بقدر ما يرى أنهن قد انصرفن .. ، ولأن الإخلال بذلك من أحدهما يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء) (المغني، ١/ ٣٢٨).
وقال الإمام ابن قدامة أيضاً: (المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال) (المغني، ٢/ ٨٨).
وأضاف الإمام ابن تيمية الإشارة إلى آثار السلف في المباعدة بين الجنسين، حيث يقول ﵀: (وقد كان عمر بن الخطاب يأمر العزاب أن لا تسكن بين المتأهلين، وأن لا يسكن المتأهل بين العزاب، وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي ﷺ ونفوا شابا خافوا الفتنة به من المدينة إلى البصرة) (الفتاوى، ٣٤/ ١٨١).
стр. 821
وأما الإمام ابن القيم ﵀ فلم يكتف ببيان "تحريم الاختلاط" شرعاً كما ذكره غيره من الفقهاء، بل عقد له فصلاً خاصاً في كتابه المعروف "الطرق الحكمية" صدّره بقوله: (فصلٌ: ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال) (الطرق الحكمية، ٢٣٧).
ثم شرح الإمام ابن القيم مخاطر الاختلاط معززاً ذلك بآثار عن السلف كعمر بن الخطاب والامام مالك والامام أحمد وغيرهم.
واستمر تأكيد ابن القيم على تحريم الاختلاط في كتابه الآخر "إعلام الموقعين" وهو الكتاب الذي برزت فيه روحه الأصولية ورهافة ذوقه الفقهي، وبالمناسبة فهذا الكتاب من أميز الكتب التراثية في التدريب العملي على مهارات "تحليل علل الأحكام"، حيث يقول ﵀ فيه: (النساء لسن من أهل البروز ومخالطة الرجال) (إعلام الموقعين، ٢/ ١١٤).
وأما المصادر التي تعين المعتمد في المذهب الحنبلي في مجال (القضاء والفتيا) فهما كتابي "شرح منتهى الإرادات" و "كشاف القناع"، وهما الكتابان المعتمدان تاريخياً في القضاء الشرعي السعودي، وقد كان صدر باعتمادهما في القضاء الشرعي عدة قرارات رسمية، وفي هذا الكتاب - أعني "كشاف القناع"- يقول البهوتي ﵀: (ويمنع فيه اختلاط الرجال والنساء، لما يلزم عليه من المفاسد) (كشاف القناع، ٢/ ٣٦٧).
وأما في علم (الآداب الشرعية) فإن من أوسع كتب الحنابلة فيها كتاب الإمام السفاريني الحنبلي "غذاء الألباب"، والذي شرح فيه منظومة الآداب الشهيرة لابن عبد القوي، وفي هذا الكتاب يقول الإمام السفاريني ﵀: (والمحمود من الغيرة صون المرأة عن اختلاطها بالرجال) (غذاء الألباب، ٢/ ٤٠٠).
- موقف الفقهاء المستقلين:
ثمة فقهاء آخرون لم يتمذهبوا ابتداءً بأحد المذاهب السنية الأربعة، ثم كان لهم وزن علمي داخل البحث الفقهي السني، ونأخذ نموذجاً لذلك العلامة المتفنن الشوكاني ﵀ الذي كتب أوسع شرح لأحاديث الأحكام المعروف بـ"نيل الأوطار"، وفي هذا الكتاب يقول الشوكاني ﵀: (في الحديث - أيضاً - تمييز مجلس النساء إذا حضرن مجامع الرجال، لأن الاختلاط ربما كان سببا للفتنة الناشئة عن النظر أو غيره) (نيل الأوطار، ٣/ ٣٦٢).
ولايمكن الإطالة بأكثر من هذه النماذج من المعالجات الفقهية، والمراد منها الإجابة على السؤال الأول الذي طرحه الفريق المنسوب إلى (البحث الشرعي) والمتعلق بإشكالية: هل تعرف المذاهب السنية الأربعة لفظ الاختلاط؟
وننتقل الآن إلى السؤال الثاني الذي طرحه بعض المنسوبين إلى (البحث الفكري) المتعلق بإشكالية أن الاختلاط نظام مرفوض جذرياً في الحضارة الغربية المعاصرة، ولايمكن أن يستوعب العقل الغربي المعاصر فكرة الفصل بين الجنسين في التعليم، مما سيسبب لنا حرجاً سياسياً ودبلوماسياً.
- تجربة المدارس غير المختلط في المجتمع الغربي:
لا يمكن استيعاب الواقع الغربي الحالي للمدارس غير المختلطة (المنفصلة) إلا بتصور عام عن الخلفية التاريخية لتطورات هذا االأسلوب التعليمي.
فمع تنامي هيمنة حركات المساواة في منتصف القرن الماضي -حيث كانت مزاج العصر- انتشرت المدارس المختلطة بشكل واسع جداً في المجتمع الغربي، وتعرضت المدارس غير المختلطة (المدارس المنفصلة) لنقد حاد باعتبارها جزء من التمييز على أساس الجنس، وأصبحت تلك المدارس المختلطة هي السمة الطاغية، وانتصر هذا النمط التعليمي حتى أن أحد الراصدين يرى أنه بعد العام (١٩٤٥م) لم يكن هناك إلا نقاش محدود جداً حول جدوى التعليم المختلط ( Weinberg,١٩٨١) .
стр. 822
بينما يشير الدكتور بريهوني -المتخصص في تاريخ التعليم في كلية إدجيل للتعليم العالي- إلى أن انتشار "التعليم المختلط" في النصف الاول من القرن العشرين لم يتغلب على نظيره لأسباب تعليمية أو اجتماعية بشكل رئيسي، بقدر ماهي اسباب اقتصادية ( Brehony,١٩٨٤) .
وتطور تنامي اتجاه المدارس المختلطة في الولايات المتحدة إلى أن ظهر في مطلع السبعينات قانون يحد كلياً من برامج التعليم غير المختلط (المدارس المنفصلة) على أساس المساواة بين الجنسين وهو القانون المسمى ( Title IX,١٩٧٢) .
وبطبيعة الحال أصبح "التعليم المختلط" معطى بحثي أثار شهية الدارسين الاجتماعيين والمعنيين بشؤون التعليم، وانفجر منذ أواخر السبعينات ومايليها العديد من النتاج العلمي حول الموضوع كما يصور د. جنيفر شو ذلك فيقول (في السنوات القليلة الماضية ظهر تيار متواصل من التقارير البحثية والمقالات الصحفية التي تعيد فحص جدوى التعليم المختلط وغير المختلط) ( Shaw,١٩٨٤) .
ومع بدء بروز المشكلات المصاحبة لنمط التعليم المختلط، وعدم بروز تلك النتائج الإيجابية المبالغ فيها التي راهن عليها أنصاره، تناقص الحماس الشعبي العارم لهذا النمط من التعليم، وبدأ يتزايد الطلب الاجتماعي على المدارس غير المختلطة (المنفصلة) حتى أنه في التسعينات كما يصور ذلك في الولايات المتحدة البروفوسور سالومون -وهي أستاذة القانون الدستوري والإداري بجامعة سانت جونز في نيويورك- حيث تقول: (وفي نفس الوقت - أي في التسعينات - تزايد الاهتمام بالتعليم غير المختلط بين مدارس القطاع الخاص، فبين العام ١٩٩٨ والعام ١٩٩٩ لوحدها زاد التسجيل في مدارس الفتيات المستقلة بنسبة ٤.٤%. وأما في مدرينة نيويورك، بما تحمله من كثافة للمدارس الخاصة، فقد قفزت الطلبات إلى نسبة ضخمة تصل إلى ٦٩%. ومن الواضح أن ثمة أمراً ما أقنع أولياء أمور الطلاب بأن المدارس غير المختلطة تمثل استثماراً جيداً في مستقبل بناتهم) ( Salomone, ٢٠٠٣) .
ومع هذا الطلب الاجتماعي إلا أنه في واقع الحال ظل هامشياً بسبب تلك التنظيمات التي حدت منه في التعليم العام، ولكن مع ازدياد ضغوط أنصار هذا الاتجاه ظهر في الولايات المتحدة عام ٢٠٠٢م تشريع فيدرالي جديد يعزز ضمن مواده نظام التعليم غير المختلط، ويدعمه ببرامج تمويلية، وهو القانون المسمى ( NCLB,٢٠٠٢) ، وبعد ذلك تزايدت المدارس غير المختلطة في أمريكا حتى بلغت إلى شهر نوفمبر ٢٠٠٩ - بحسب إحصائيات المنظمة الوطنية للتعليم العام غير المختلط- أكثر من ٥٤٧ مدرسة عامة غير مختلطة ( NASSPE,٢٠٠٩) .
وأما في بريطانيا فلم يظهر من الأصل قانونٌ يفرض التعليم المختلط، ولذلك بقي جزء من مدارسها محافظاً على النظام غير المختلط (المدارس المنفصلة)، ويقدرّها البروفيسور سميثرز -أحد ألمع خبراء التعليم في بريطانيا- بأنها تزيد على ٤٠٠ مدرسة تعمل بنظام التعليم غير المختلط ( The Observer,٢٠٠٦) ، ولذلك يبدي أستاذ علم الاجتماع في جامعة سوسكس د. جنيفر شو هذه المقارنة ببقية الدول الغربية فيقول: (على الرغم من أن بريطانيا ليست منفردة في هذا المجال، فإن الفصل الجنسي في مدارسها أصبح مظهراً متميزاً بحيث يضع نظامها للتعليم الثانوي بعيداً عن عدد من الدول المتقدمة التي يعتبر التعليم المختلط فيها مسألة طبيعية، كما في الولايات المتحدة على سبيل المثال) ( Shaw,١٩٨٤) .
وأما أهم (المنظمات الأمريكية) الفاعلة في مجال دعم التعليم غير المختلط (المدارس المنفصلة) فأهمها: المنظمة الوطنية للتعليم العام غير المختلط ( NASSPE) وقد تأسست عام ٢٠٠٢م.
стр. 823
ومؤسسة تعليم الفتيات، وقد تأسست عام ٢٠٠٢م ( feyw.org) . والائتلاف الوطني لمدارس الفتيات ( NCGS) ، وغيرها.
وأما في بريطانيا فأهم تلك المؤسسات الداعمة للتعليم غير المختلط: منظمة مدارس الفتيات ( GSA) وتأسست عام ١٩٧٤م.
وكل هذه المنظمات لها مواقع خاصة على (شبكة الانترنت) توفر من خلالها مادة غزيرة حول مواقع المدارس التي توفر تعليماً غير مختلط (منفصل)، كما تزود الزائر بخلاصات لأبحاث ودراسات وتقارير تدعم موقفهم المناهض للتعليم المختلط، بالإضافة إلى أخبار دورية عن أهم المؤتمرات والندوات التي تدعم التعليم غير المختلط (المنفصل).
وأما المبررات التي يعرضها أنصار التعليم غير المختلط (المنفصل) فقد لاحظت شخصياً أنها تدور حول محورين رئيسيين: المبرر الأول الفروق التكوينية بين الجنسين مما يتسبب في نقص فرص المساواة في التعليم بسبب التضحية باعتبارات أحد الجنسين للآخر، والمبرر الثاني كثرة حمل المراهقات في التعليم المختلط الذي يكبد المجتمع خسائر صحية واقتصادية، ويعرض أنصار التعليم غير المختلط دراسات وأبحاث امبيريقية تدعم موقفهم، بينما يقدم خصومهم دوماً دراسات مضادة تدعم التعليم المختلط، ولاتزال المسألة بينهم محل جدل.
هذه الإشارة الخاطفة الى تطور إشكالية "التعليم غير المختلط" في المجتمع الغربي ليس الهدف منه -بأي شكل من الأشكال - تصوير المؤسسات التعليمية الغربية باعتبارها تطوي حقائبها الأخيرة استعداداً للتحول الكلي إلى التعليم غير المختلط، كلا قطعاً فهذه صورة مغرقة في الخيال، وإنما المراد من هذا العرض الوجيز كشف الخلل العلمي في الصورة التي لازال يقدمها الإعلام الليبرالي بأن (قضية التعيم المختلط هي مسألة محسومة في الفكر التربوي الغربي، وأن التعليم غير المختلط إنما هو جزء من التاريخ وأساطير الماضي) الخ.
فهذه الصورة التي يقدمها الإعلام الليبرالي صورة غير علمية كلياً، بل قضية التعليم المختلط/غير المختلط لاتزال "قضية جدلية" داخل الفكر التربوي الغربي، ولايزال هناك مؤسسات ومدارس ومنظمات تتبنى وجهتي النظر، ولايزال هناك دراسات مستمرة حول كفاءة كل منهج من هذين المنهجين، ولاتزال هناك مقالات ينشرها أنصار كل اتجاه ضد الاتجاه الآخر.
وبالتالي، فإن القول بأننا لو واصلنا التعليم غير المختلط فسنتورط بإحراجات سياسية عالمية بسبب غرابة هذه الطريقة في عالم اليوم، وأنها طريقة ماضوية لاتوجد على وجه الأرض، هذا كله مجرد تصريحات مجانية ناشئة بسبب الجهل بالتكوين الفعلي للواقع الغربي المعاصر، وسأضرب على ذلك مثالاً معاكساً لتتضح به الصورة، فهذا الشذوذ الجنسي -أكرم الله القراء- يعتبر استثناء داخل الحياة الاجتماعية الغربية، ويظل جمهور الناس في المجتمع الغربي لايزالون محافظين على الميول الغريزية الطبيعية، وأنصار الشذوذ الجنسي والمدافعون عنه هم أقلية في كل الأحوال، ومع ذلك كله لو أن دولة عربية أقرت الشذوذ الجنسي رسمياً فهل ستواجه بإحراجات سياسية غربية باعتباره نمط أسري يخالف ماعليه جمهور الناس في الغرب؟! فكيف سنواجه بالإحراج في مسألة التعليم غير المختلط التي لها من الأنصار والدراسات العلمية في المجتمع الغربي أضعاف أنصار الشذوذ الجنسي.
- ماوراء المشهد:
стр. 824
أما بالنسبة لذلك الفريق المنسوب إلى (البحث الشرعي) فإنني أتساءل: إذا كان الفقهاء عالجوا مسألة "الاختلاط بين الجنسين" (بلفظها ومضمونها ذاته) بهذه الكثافة والغزارة في باب صلاة الجماعة، وكتاب الجمعة، وكتاب الجنائز، وكتاب الاعتكاف، وكتاب الحج، وكتاب الجهاد، وكتاب النكاح، وكتاب القضاء، وباب الوصية، وكتاب الأدب .. فكيف بالله عليكم -بعد ذلك كله- يتجرأ بعض المتسرعين ويقولون إن (لفظ الاختلاط بين الرجال والنساء لايعرف في كتب الشريعة)؟! أو أنه لفظ اخترعته الصحوة! (يارحم الله هذه الصحوة المسكينة التي صارت دُرْجاً ترمى فيه كل ملفات الشريعة غير المرغوبة!).
مع أن القارئ المنصف يمكنه أن يلاحظ أن أكثر المعالجات الفقهية التراثية لمنكر الاختلاط إنما هي في "الاختلاط المحض" الذي يخشى أن يكون ذريعة، فكيف بـ"الاختلاط المعاصر" الذي يصاحبه من المنكرات مايجعله "اختلاطاً مغلظاً" مثل تعطر الفتيات أثناء مخالطتهن للطلاب، وتجملهن كل صباح، واستعراض كل من الجنسين أمام الآخر، ولبسهن الملابس الضيقة بالألوان الخلابة، والتساهل التدريجي بكشف الوجوه ثم الشعور ثم النحور ثم بقية المفاتن، وتضاحكهن مع زملائهن، والتوسع في الفضفضة والدردشة في فضول الأمور كالهوايات والميول، وترعرع الانجذاب الخفي عبر كثرة المجالسة والملاطفة والاستملاح، وتصميم الحفلات المشتركة على خلفية المعازف الهادئة، ونشوء دواعي الزيارات الفردية، وكل دَرَكة تخفف من التي قبلها، الخ الخ، ويعرف ذلك كله من رأى الاختلاط في الجامعات الغربية، ورأى كيف يبدأ الفصل الدراسي كأنه عرض أزياء، وينتهي بصداقات ترتمي خلف أسوار الجامعة.
فإذا استحضر المؤمن بالله واليوم الآخر مثل هذا الواقع المشهود، ثم تذكر أنه سيقف يوماً بين يدي الجبار يسأله عما خطت يداه، فكيف سيكون جوابه -في ذلك اليوم العصيب- عن تبريره لهذه الفواحش وذرائعها البشعة، وكيف سيكون جوابه -وهو يشاهد أهوال القيامة- عن توريط بنات المسلمين وفتيانهم بهذه المستنقعات؟
الترخص بالسكوت عن هذه الجرائم الأخلاقية في غاية الخطورة على دين المرء، فكيف بمن تجرأ وبررها وكذب على الله، كل ذلك ليلفت انتباه صناع ترشيحات المناصب، والله تعالى يقول (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر:٦٠].
والله إن الأمر فظيع، ولكن ماتت قلوبنا -ولاحول ولاقوة إلا بالله- من كثرة مارأينا من هزائم الأخلاق على يدي الإعلام الأجرد.
ومع ذلك كله لنسلم جدلاً بأن لفظ "الاختلاط" لفظ مخترع معاصر، فهل ينتهي وجوب إنكاره؟!
فطبقا لهذا المنطق هل يمكن أن نقول لفظ "الفئة الضالة" لم يرد لافي قرآن ولاسنة ولافقه، وبالتالي فلاداعي للتحذير منهم؟!
وهل يمكن القول أيضاً طبقاً لهذا المنطق: لفظ "الوطنية" لا يعرف لافي قرآن ولاسنة ولا فقه، وبالتالي لاداعي للحماس للمطالبة به؟!
هل هذا منطق معقول بالنسبة لكم أم أن العبرة هاهنا بالمضامين؟!
وهذا الباحث الذي يقول "إن لفظ الاختلاط لفظ لاهوتي - كنسي تسرب إلى المسلمين "
أخشى أن يأتينا يوماً ويقول إن لفظ "الصلاة" هو أيضاً لفظ لاهوتي - كنسي باعتبار أنه ورد في "الكتاب المقدس" ثم تسرب إلى المسلمين!
وأن مفهوم "تحريم الخنزير" مفهوم لاهوتي - توراتي باعتباره ورد في كتب اليهود، ثم تسرب إلى المسلمين!
وأن لفظ "الزهد" لفظ هندي - روحاني تسرب إلى المسلمين من الحضارة الهندية!
وأن لفظ "القتال" لفظ جاهلي-عربي تسرب من بقايا موروث ماقبل الإسلام! وهكذا دواليك، يتم جحد أحكام الله ورسوله باعتبار أنها ذكرت هنا أو هناك قبل الإسلام، أو بعده!
стр. 825
هذا المشهد الأليم في الحقيقة يجعل حادثة الاختلاط الكاوستي تتحول من قضية " فرض سياسي للاختلاط " إلى " تبديل للحكم الشرعي " ذاته لتوفير غطاء فقهي للإرادة السياسية، وهذا يعني أن الخطورة تفاقمت أضعافاً مضاعفة، فشتان بين من يفتح بنكاً وهو معترف بتقصيره، وبين من يفتي بجواز الربا! وشتان بين من يقع في علاقة غير مشروعة وهو معترف بخطئه، وبين من يفتي بإباحة الزنا!
وهكذا، فشتان بين من يكرِه المجتمع المسلم على إنشاء جامعة مختلطة، وبين من يحرف النصوص الشرعية والتراث الإسلامي، ويدعي أن لفظ "الاختلاط" لايعرف أصلاً في كتب أهل العلم!
فهذا التدهور من (الفرض السياسي للاختلاط) إلى (التبديل الشرعي لحكم الاختلاط) ينقلنا من منكر مجرد إلى منكر مغلظ.
وأما بالنسبة لذلك الفريق المنسوب إلى (البحث الفكري) فالحقيقة أن أي دارس موضوعي يقوم بتحليل أطروحات "كتّاب الأعمدة الليبرالية" فإنه سيتوصل حتماً إلى أن جوهر المشكلة لديهم هي الجهل الفظيع لاغير، فهؤلاء الكتّاب يعانون من جهل فادح في تصور التراث الإسلامي، وفي تصور تركيبة المجتمع الغربي، فهم يجهلون طرفي الرحلة كليهما، حيث يجهلون محطة المغادرة ومحطة الوصول، فلا يعرفون التراث (الذي يريدون أن نذهب عنه) ولايعرفون الغرب (الذي يريدون أن نذهب إليه)، فأي أزمة أكثر من أزمة مسافر لايعرف من أين جاء ولا إلى أين سيذهب؟!
ومن الواضح لكل قارئ لخطاب الأعمدة الليبرالية أن أكثرهم يكتب عن الحضارة الغربية من خلال مايمكن تسميته "ثقافة السائح"، وأفضلهم حالاً هم ضحايا الكتب الفكرية العربية الاندهاشية التي يكتبها متطلعون للانحلال الديني الغربي فيزوّرون الواقع لأغراض آيديولوجية تتصل بتمرير ميولهم الشهوانية على أساس أنها جزء من مكونات المجتمع المتحضر، فيبتلعها هؤلاء المساكين ثم يعيدون صياغتها بشكل مبسط وترويجها للمستهلك النهائي وهو قارئ الصحافة.
خلاصة القول أن الاختلاط منكر شرعي نصت عليه كافة المذاهب الأربعة لأهل السنة والجماعة، ولايزال مسألة جدلية في الفكر التربوي الغربي لها أنصارها ومناوئيها، وكل طرح بخلاف ذلك لايساعده البرهان، والرهان على العلم ..
стр. 826
الصحفي .. المفتي !
ياسر بن علي الشهري
النتيجة التي لا يفرح بها عاقل هي أن يُجرّ أهل العلم والفضل إلى سجالات وتعصبات ومناحرات فقهية على صفحات وشاشات وسائل الإعلام؛ لأن إعلامياً محترفاً استطاع أن يصنع قضية حول موضوع مفصلي في الخلاف بين التيارات الفكرية في المجتمع، واستطاع بحرفية توظيف مجموعة من القوالب، ومناداة مجموعة من الزملاء في وسائل أخرى لجعل هذه القضية حاضرة في دائرة اهتمام المجتمع.
هذه الوضعية تصنع ما يُسمّى بـ"جمهور قضية"، حيث يبدأ الإعلامي بعدها بالتحكم في طريقة عرض الآراء حول القضية، فيضخم ويحجم، ويمتدح ويذم، ويركّب ويفكّك، وكل شيء يخضع لهواه، (ولا عزاء لمن لم يستفد من تجاربه مع الإعلام!)، حتى ينتهي السجال إلى نسف رأي فقهي في القضية، واعتبار هذه القضية ليست من الدين، أو اعتماد فتوى أو رأي فقهي ضعيف، وإسقاط رأي فقهي معتبر، وترسيخ فكرة تشدّد أصحاب الرأي المخالف -لرأي الصحفي- وجمودهم الفكري، وإلصاق الصور السيئة بهم، واشتهار هذا الصحفي بإعادة اكتشاف الإسلام، ومكانته اللامعة في تطوير الفكر الإسلامي.
ما يحدث الآن أسوأ من هذا التوصيف البسيط؛ فالصحفي يستطيع أن يحدد القول الفقهي الذي يرغب في إسقاطه، أو ترجيحه -لتوافقه مع أهوائه أو أهواء رئيس التحرير- ثم يبدأ في مغازلة طلاب العلم وأهل الفضل، لجمع أكبر عدد من الأسماء لترجيح رأيه الفقهي! بشكل مباشر، أو من خلال التلاعب بالسؤال والجواب للوصول إلى نص مقارب لمراده، وإن لم يجد مفتين يحققون مراده أو تنطلي عليهم حيله، فالحل يكمن في صناعة مفتين جدد وترويجهم استعداداً للاعتماد على أقوالهم.
أستطيع المراهنة أن غالب العلماء وطلاب العلم الذين نُشر لهم حوارات صحفية أو آراء في بعض القضايا المجتمعية؛ قد تعرضت أحاديثهم لتغييرات، أقلها صياغة العناوين بالطريقة التي تحقق غرض الصحفي، وتضع المادة الصحفية في السياق العام للرأي المرغوب ترجيحه، وإذا كان ذلك مؤشراً على ضعف الموضوعية لدى بعض الإعلاميين أو الوسائل، فإنه مؤشر -أيضاً- على ضعف فهم بعض الفضلاء للإعلام، وارتجالهم تحت ضغط فكرة توسيع دائرة الجمهور (ولا عزاء لمن لم يستفد من تجاربه مع الإعلام!).
كان المتابع للساحة الإعلامية في السابق يخاف خوفاً شديداً من الآثار الفكرية التي ربما خلّفها "إعلام الأهواء" على عموم الناس الذين يعتمدون على وسائل الإعلام كأساس ومصدر لإدراك البيئة المحيطة بهم، مع ضعف العناية بالتمحيص والانتقاء لدى الأكثرية، ولكن مع تقدم الأيام وتفنن واحتراف بعض الإعلاميين، برزت ظاهرة استغلال بعض طلاب العلم إعلامياً، ووضعهم في مواقف تختزل معاني كثيرة، وتحمل آراءً فقهية بطريقة غير مباشرة، وساعد على حدوث ذلك ضعف التخطيط للمشاركة الإعلامية لدى بعض طلاب العلم، ويقين بعض أهل العلم والفضل بقوة تأثير وسائل الإعلام مقارنة بالاتصال الجمعي! ما أدّى إلى حصرهم مصادر معلوماتهم عن المجتمع -وإدراكهم للواقع- في وسائل الإعلام النافذة، متجاهلين حقيقة عدم حيادية هذه الوسائل.
إن حالة الاستسلام -هذه- التي يعيشها بعض الفضلاء أمام قناة معينة أو صحيفة معينة حتى جعلها واقعاً حتمياً في حياته- قادت إلى معرفة غير دقيقة بالواقع وتصور غير صحيح عنه، خاصة مع تجاهل أن الوسيلة الإعلامية ليس بمقدورها أن تغطي الواقع أو أن تلبي رغبات وتوجهات كافة الجمهور، فتضطر اضطراراً -يفضح الطبيعة البشرية- إلى الاكتفاء بتحقيق رؤية ومصالح من يمولها، من خلال مديرها (حارس البوابة الإعلامية) أو من يُنيب!
стр. 827
يجب أن يتفهم العالِم وطالب العلم أن الوسيلة الإعلامية عندما تطلب مشاركته إنما هي تستهدف وضعه في سياق معين يحقق أهدافها، وأبسط هذه السياقات -في الوسائل ذات التوجهات الفكرية المخالفة- أن تكون المناسبة دينية، وتحتاج الوسيلة إلى تلبية الرغبات الدينية للجمهور، كما في كثير من البرامج التي تعقب صلاة الجمعة، أو تسبق صلاة المغرب في رمضان أو في يوم عرفة، وأعقد هذه السياقات ما يحدث عندما يعمل الإعلامي على إظهار العالِم في حديث أو فتوى عن (النمص) -أو ما شابه ذلك- في الوقت الذي تُسحق فيه بقعة من بقاع المسلمين، لتكون الرسالة غير المباشرة أبلغ وأقوى! وهكذا راجت مقولة (علماء الحيْض والنِّفاس).
لقد خسرنا إعلامياً -على الصعيد الديني- خسائر كثيرة تحت ضغط تغليب حسن الظن بالإعلامي على الفطنة في حماية الدعوة والفتوى وتمثيلهما خير تمثيل، وتغليب الرغبة الشخصية في المشاركة على تقدير المصلحة واستشراف الآثار، وتغليب الارتجال والسرعة على التخطيط والتروي، وهذا الاندفاع في هذه الاتجاهات الثلاثة قاد إلى تسليم "قوة الفتوى" إلى الصحفيين، وتزايدت حالات الاضطراب في الآراء الفقهية الرائجة بين عامة الناس.
الصحفي .. المفتي، ينطلق من امتلاكه صوراً متعددة للاضطراب والاختلاف بين آراء الفقيه الواحد وآراء مجموعة من الفقهاء؛ ليؤكد لجمهوره، أن الفتوى تتطور، وأنه يفتح حوارات لأهل العلم لتجلية الحقيقة والبحث عن الحكم الشرعي الصائب (عنده طبعاً!)، وأنه ليس لعالِم أن يزعم أنه يملك الحقيقة وحده، وأن هناك آراء فقهية أخرى حتى لو كانت لمبتدعة.
وفتوى الصحفي تتخذ مقدمة (كليشة) معروفة جديرة بتمرير أي فتوى يصدرها: (وتلك سنّة سار عليها الفقهاء والأئمة قديماً. فالإمام مالك، ﵀، كان يقول: كل إنسان يُؤخذ منه ويُردّ إلاّ صاحب هذا القبر. وكان بذلك يشير إلى قبر النبي ﵌ .. والشافعي يقول: «رأيي صواب يقبل الخطأ، ورأي غيري خطأ يقبل الصواب»، بل إن الشافعي «عدّل» في آرائه الفقهية بعد رحيله من العراق إلى مصر، حين رأى اختلافاً في الحياة الاجتماعية بين كلا البلدين. ولا يعني ذلك أنه أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً، لكنه أعاد النظر في بعض اجتهاداته الفقهية التي استنبطها من الأدلة الشرعية؛ وفقاً لتغير البيئة والظروف، وهي نظرية فقهية يدرسها طلاب الكليات الشرعية، لكنْ قليل من يجتهد فيها)، ثم يأتي نص فتوى الصحفي، وأحسن الله عزاء المجتمع في العلم والعلماء.
стр. 828
إتباع الصراط في الرد على دعاة الاختلاط
عبد الله بن عبد الرحمن السعد
اللهم إنا نعوذ بك من السكوت عن الحق، كما نعوذ من مداهنة الخلق، ونعوذ بك من القول بلا علم، كما نعوذ بك من كتم العلم، ونعوذ بك من شهواتٍ تعمي الأبصار، كما نعوذ بك من شبهات تستخف الأغمار، ونعوذ بك من جرأة السفهاء، والاستخفاف بالعلماء، ومعاداة الأتقياء. نحمدك فأنت للحمد أهل، ونشكرك فأنت صاحب الفضل، ونصلي ونسلم على من بعثته رحمة للعالمين، وسراجاً منيراً للناس أجمعين.
أما بعد:
فإن لله سنناً كونية لا تتغيّر ولا تتخلّف؛ ومنها سنة المدافعة بين الخلق، والصراع بين الحق وأهله، والباطل وأعوانه، فإن سبيل الحق واحدة وللباطل سبل شتى؛ قال تعالى: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ? [الأنعام:١٥٣]. فسنة المدافعة بين الفريقين قائمة إلى أن يشاء الله، ولو كانت الغلبة مع الحق دوماً لما تمايزت الصفوف ولانطوى من ليس من أهل الحق تحت لوائهم وتدثر بدثارهم، فكان من حكمة الله تعالى ولطفه أن قدر الحياة دولا، ومن رحمته وعدله أن جعل العاقبة للمتقين، فمهما لج الباطل وأعوانه فلابد أن يرتج ويخنس؛ تلك هي حكمة الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلا، حتى يميز الخبيث من الطيب، ويعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فيزداد بذلك الذين آمنوا إيمانا وتثبيتا، وتنكسر شوكة المنافقين والذين في قلوبهم مرض، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
تسامع الناس بالجلبة التي أثارها بعض الرويبضة من الصحفيين حول ما يتعلق بحكم شرعي وهو (الاختلاط بين الرجال والنساء)؛ ذلك أنهم دخلوا البيوت من غير أبوابها، ورموا بسهام الباطل حجابها، فحاموا حول حمىً منيعة، وهجروا أوشال الشريعة، وتسوّروا محراب العلم من غير آلة، ليكون لهم عند الناس بريق وهالة، فسقطوا عند الله وعند الناس، بما افتروا وتقولوا وقالوا للناس؛ قال سبحانه: ?وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ... ? الآية [النحل:١١٦].
ومع أن منع الاختلاط بين الرجال والنساء، يكفي فيه الوازع الطَبَعِي في الخليقة، لما فطرهم الله عليه من غَيْرة وحَميّة، إلا أن نصوص الوحيين قد جاءت بما يؤكد ذلك، صيانةً لمحارم المسلمين، وحمايةً لأعراضهم؛ من أصحاب الشهوات والقلوب المريضة، بما سنأتي على بيانه إن شاء الله، فنعوذ بالله من انتكاس الفطر، وتفسّخ العزائم.
وقد تبين لكثير من الناس مغالطات هؤلاء الكتبة، وبعدهم عن الحق والإنصاف، ومخالفتهم لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ , بل وبعدهم عما كانوا يتشدقون به من احترام (الرأي المخالف) أو ما أسْموه (الرأي الآخر) ومنح الحرية لجميع الأطراف، ودعواهم بالانفتاح على القول الآخر ... ، إلى غير ذلك من عباراتٍ طنانة وألفاظٍ رنانة؛ باتت جوفاء باهتة، أشغلوا بها الناس ردحاً من الزمن, ثم كان ماذا!
لقد كشف الله عور قولهم وزيف دعواهم، فكذّبت أفعالهم أقوالهم، وكرّ ليلهم على نهارهم، وتبين أنهم أمشاجٌ مبتلون بالتغريب، ودعاة فتنة، وأبواق بدعة، ومعاول هدّامة؛ بأقلام مأجورة، وأفعال مأزورة، وعقولٍ مُسيَّرة، وفكرٍ مُضلِّلة؛ حسيبهم الله.
стр. 829
فانظر لهولاء الصخّابون في الصحافة؛ كيف كالوا بمكيالين، وما الشمس بخافية على ذي عينين، وقديما قالت العرب: «الشيء من معدنه لا يستغرب»، فكل من ينادي بفصل الدين عن الحياة، أو يرى فلسفة في الحياة غير ما يراه الدين، ويرضى بأن يكون بوقاً لأقوام لا خلاق لهم ولا حض في الآخرة؛ فهذه دعواه. ومع أن دعواهم لم تكن غائبة على أهل العلم وحماة المجتمع المسلم، إلا أن الله أظهرها للعامة والخاصة، وفضحهم بأيديهم وأيدي المؤمنين؛ وهذه سبيل المنافقين، قال سبحانه: ?وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ? [محمد:٣٠]. نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهداية.
وقد بلغت الجرأة ببعضهم إلى تحزيب المجتمع الواحد، وتصنيفه حسب أهوائهم وشهواتهم، في دعوىً آثمة تفوح منها ريح الجاهلية، والله قد أمر بالاجتماع والتآلف في مواطن كثيرة من كتابه العزيز، فالكون كله لله والخلق خلق الله تحت شرع الله، قال سبحانه: ?إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ? [الأنبياء:٩٢]. ولا ينقضي عجب المسلم وهو يتابع جرأتهم في ذلك، وتقسيمهم المجتمع بكل مقوماته ومؤسساته إلى قسمين وحزبين؛ لسان حالهم "إن لم تكن معي فأنت ضدي"، فلم يكن الأمر سجالاً علمياً يصوّبه الدليل، ويزيّنه الأدب، ويحتويه الحلم؛ بل شهوات وشبهات؛ ظلمات بعضها فوق بعض، فإذا نشدت أحدهم الحجة أبلس وخنس، وهيهات أن يعقد لهم مسلم خنصره؛ فإنما هو دين، وما هي إلا جنة أو نار.
بل لم يتورع بعضهم من استعمال العبارات الساقطة, والألفاظ النابية، حتى لكأنه يلمز هيئة علمية ينتسب لها كبار أهل العلم بما قد صانهم الله عنه، فما هي إلا كلمات مشاغبة تدل على فكر صاحبها وعلمه وأدبه، وقد قالت العرب قديما «كل إناء بما فيه ينضح»، فما أساء صاحبها إلا إلى نفسه، ولا وصف في قوله إلا شخصه.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم
أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها في فعله والتكلم
وإن الإنسان ليعجب من السماح لمثل هؤلاء بالكتابة في صحفٍ سيّارة تتلقفها أيدي الناس، وهم إنما يسعون بخيلهم ورجلهم لهدم المجتمع وتفكيك لحمته وزعزعة قواعده وتفتيت أخلاقه، والشيطان يؤزهم على ذلك أزّاً؛ مصادمين مشاعر الناس في تحدٍّ لرغباتهم وقدحٍ في مسلمات دينهم، فمن لم يزعه خوف أو أدب من الطعن في مؤسسة علمية يسمع صوتها أغلب المسلمين في أرجاء العالم، وينظر لرأيها المجتمع بأسره من حاكم ومحكوم؛ فكيف يُرجى خيره أو يؤمن شره؟
ولسنا في حاجة لسوق كلامهم فقد كرعت بهم الصحف، وبالت وثلطت بسُمّهم الزعاف، كما لسنا بحاجة للتصدي له ورده، فليس فيه مستمسك علمي يعارض بمثله، وإنما هو الخوض في الشريعة وأخلاق المسلمين، وهذا هو المجتمع بحكمه وحاكمه ومحكومه. إلا أنا ندعوهم للقراءة في محاسن الإسلام وحكم تشريعاته ومقاصده، وكيف أنه انتظم الدين والدنيا في نظام شرعي كوني واحد، فهو دين الفطرة الذي أكمله الله لنا ورضيه وأتم به علينا نعمته، فيه من القطرة إلى القنطرة، ومن الجرة إلى المجرة، جمع الدين والدنيا، والأولى والآخرة، والحياة والكون، والسماء والأرض، والبشر والملائكة، والجن والإنس ... ؛ فمن عدّل أو بدّل فإنما خصمه الله. فندعو الجميع بدعوة الله في قوله تعالى: ?وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا? [الأعراف:٥٦] فكل نظام شرعي يخلّ به أشخاص؛ قابله من الفساد الكوني، بقدر ذلك الخلل.
стр. 830
إن مثل هؤلاء الكتبة ممن أمضى قلمه في هدم شرائع الإسلام، والتعدي على حرمات العلم؛ لحري بالعاقل أن يشفق عليهم من أنفسهم، وأن يسعى لتبصيرهم والأخذ بيدهم أو على يدهم؛ قال تعالى: ?أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ? [فاطر:٨]. فهذا دين الله وشرعه، وهو حاميه وراعيه.
ويا ليت شعري فقد أصبح المسلم وهو يحاول أن يأخذ بأيدي هؤلاء للحق، كأنه إنما يعرض لهم الإسلام ويبين لهم حكمه ومحاسنه، وسبْق المسلمين في كثير من العلوم حين استبْقوا دينهم، وحَمَوه وصانوه وعظّموه، وكيف أن أعظم عصور النهضة العلمية للمسلمين إنما كانت مواكبة لأيام عزهم وصونهم لحمى دينهم وامتثالهم لأحكامه، ولو كلف أحدهم النظر في كتب التاريخ الإسلامي لتجلت له الحقائق، التي خضع لها تاريخ العلوم الغربية، فدونت الشهادات بذلك من أيدي المنصفين منهم.
لقد زاوج الإسلام بين العلم والعمل، والحياة والكون، في نظام واحد عجيب، بل كسر الإسلام أصنام الجهل، وحطم أغلال الفكر والنظر، فحث على السير في الكون وتأمل صنع الله وبديع خلقه، وامتن بالتسخير ورغب في البحث والانتفاع، ووعد بتبصير الآيات والشواهد في الآفاق والأنفس، فما أخذت أمة بأسباب العلم والنظر إلا وفتحت لها آفاق من العلم والمعرفة، وإنما كان تخلف المسلمين حين تخلوا عن دينهم، فتولت عنهم دنياهم حين أخلدوا إلى الشهوات وهتك الحرمات.
نحن أمة طريق دنياها بدينها، وهذه سنة الله للإسلام الذي ارتضاه وأكمله وأتمه لنا، فحري بمن امتطى هواه وتمنى على الله الأماني، أن يفتش في نفسه وينظر أين الإسلام من قلبه وبيته وزوجه وولده وعمله وماله وقلمه، ثم ليحتكم إلى الإسلام إن كان عاقلا، وليهتف بالدين إن أراد الدنيا، ولا يعمل معوله في دينه لإقامة دنياه، فتزهده الدنيا ويهلكه الدين، فيخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، قال تعالى: ?قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا? [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
وقبل بيان الحكم الشرعي لما نحن بصدده، نذكّر أنفسنا وإياهم بمراقبة الله الذي يحصي الأعمال، ونذكرهم بأن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل، كما ندعوهم إلى كلمة سواء بيننا وبينهم بأن نحتكم جميعا إلى كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، وأن ينظر كل كاتب إلى ما كتب؛ أهو لله أم للنفس والهوى.
نسأل الله أن يهديهم للحق والصواب، وأن يأخذ بنواصيهم للبر والتقوى، وأن يكفيهم ويكفي المسلمين شر أنفسهم.
وهذا أوان الشروع في بيان الحكم الشرعي للاختلاط، مؤيداً بالدليل الشرعي، مستمداً التوفيق والسداد من العلي القدير:
إن الاختلاط محرمٌ شرعا؛ سواءً في التعليم أو العمل، وسائر الاجتماعات الخاصة والعامة، ولا عهد لأهل الإسلام باختلاط نسائهم بالرجال الأجانب؛ والأدلة على ذلك كثيرة؛ منها:
الدليل الأول:
قول الله تعالى في سورة النور: ?قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ? [النور:٣٠ - ٣١].
فهذه الآية محكمةٌ بينةٌ في بيان مقصدٍ من مقاصد الشارع؛ وهو تزكية المؤمنين والمؤمنات بغض أبصارهم وحفظ فروجهم.
стр. 831
فإذا نظرنا إلى الاختلاط المنظم الذي يراد منه التقريب بين الجنسين ساعات طويلة وشهور مديدة، (وليس مجرد اجتماع في مكان عام لا لبث فيه سوى لحظات يقضي فيها كل حاجته ويمضي) هل هو محقق لهذا المقصد ومتفق معه أو منافٍ له؟
سيكون جواب المنصف: إن هذا منافٍ له أشد المنافاة، حتى قالت إحدى الغربيات: "إن الاختلاط جريمة في حق الإنسانية", والحق ما شهدت به الأعداء.
وقد خلصت دراسة حديثة من جامعة (هارفرد) بأن المدارس النسائية (مقارنة بالمدارس المختلطة) تُحقق أهدافاً تربوية ودرجات عليا في العلوم والقراءة والقيم الذاتية, وتغيب المشاكل السلوكية والعلاقات بين الجنسين، والتخلف عن الحضور وغير ذلك.
وهذا ما يراد لنا أن نكتشفه ولكن بعد التجربة العملية والتضحية بالكثير، مع الإغماض عن التجارب والدراسات الحديثة؛ فضلاً عن اطراح الأحكام الشرعية والآداب المرعية. والله المستعان.
الدليل الثاني:
قول الله تعالى: ?وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ? [النور:٣١].
إن من كمال الشريعة السمحة عدم التفرقة بين المتماثلات وعدم الجمع بين المتنافيات، وكل مسلم صحيح الديانة، مستقيم العقل، سليم القلب؛ يعرف حكم الاختلاط بمجرد تأمله هذه الآية الكريمة.
فهل يظن عاقل أن الشارع الحكيم ينهى المرأة لابسة الخلخال من تحت الثياب أن تضرب برجلها الأرض حتى لا يسمع الرجال حسه، ثم يبيح لها أن تجلس معه وتدرس بجواره مع ما يصاحب ذلك (ولا بد) من سماع صوتها، ورؤية شيء من جسدها، وربما الاحتكاك بها؟ إن الشارع منزّه عن ذلك من غير شك والحمد لله.
الدليل الثالث:
في العلم والتعليم؛ فقد أخرج البخاري (١٠١) ومسلم (٢٦٣٣) من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال, فاجعل لنا يوماً من نفسك. فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: (ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار). فقالت امرأة: واثنتين؟ فقال: (واثنتين).
وهذا يفيد أن مجلس الرسول ﵊ في التعليم بلا اختلاط؛ وإلا لما قالت النساء ما قلن.
ولو كان ذلك جائزاً لما تأخر نساء الصحابة عن تلقي العلم، ولما طالبن بمجلسٍ يخصهن به رسول الله ﷺ , وهن من هن في الحرص على الخير.
ولذا كان تبويب البخاري ﵀ على هذا الحديث: (باب: هل يجعل للنساء يوماً على حِدة في العلم).
الدليل الرابع:
في التعليم أيضاً؛ ما أخرجه البخاري (٩٨) من حديث ابن عباس, أن ﷺ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسمع النساء, وفي رواية: (ثم أتى النساء, فوعظهن وأمرهن بالصدقة ... ). وقد بوّب عليه: (باب عظة الإمام النساء وتعليمهن).
وهذا يدل على أن مجلس النساء متميزٌ عن الرجال وخاصٌ بهن.
الدليل الخامس:
في الصلاة والانصراف منها؛ فقد أخرج البخاري (٨٧٠) من حديث أم سلمة قالت: كان صلى الله عليه وسلمإذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مقامه يسيراً قبل أن يقوم, قال: (نُرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن أحد من الرجال).
قلت: والقائل هو ابن شهاب، كما في (٨٣٧، ٨٤٩)، وهذا الذي قاله قالته قبله راوية الحديث أم سلمة ﵂، ففي رواية في صحيح البخاري (٨٥٠) قالت: كان يسلم، فينصرف النساء، فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ .
فتبين أن جلوس النبي ﷺ كان من أجل انصراف النساء قبل الرجال؛ لئلا يؤدي هذا إلى اختلاط الرجال بالنساء.
стр. 832
مع أن وقت الانصراف من الصلاة قصير, فأين هذا من اختلاط الشباب والفتيات لساعات عديدة وأشهر طويلة؟
الدليل السادس:
في الصلاة أيضاً؛ ما أخرجه البخاري (٨٧٢) من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : كان يصلي الصبح بِغَلَس، فينصرفن نساء المؤمنين، لا يُعرفن من الغلس، أو لا يعرف بعضهن بعضاً. وقد بوّب عليه: (باب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في المسجد).
فهذا يفيد أن النساء كن ينصرفن فور انتهاء الصلاة, لذلك قالت عائشة ﵂: "لا يُعرفن من الغلس" ولم تذكر الرجال؛ لأنهم يمكثون حتى تنصرف النساء.
الدليل السابع:
في الصلاة أيضاً؛ أن الرسول ﵊ أمر بترك باب في المسجد خاص بهن لدخولهن وخروجهن:
قال أبو داود (٤٦٢): (باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال): عن عبد الله بن عمرو وأبو معمر، عن عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لو تركنا هذا الباب للنساء). قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات. وقال غير عبد الوارث: " قال عمر"، وهو أصح. حدثنا (٤٦٣) محمد بن قدامة بن أعين، عن إسماعيل، عن أيوب، عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب ﵁، بمعناه. وهو أصح. اهـ من أبي داود.
قلت: يعني أن الصحيح في هذا الخبر وقفه على عمر ﵁.
وقد أخرجه في موضع أخر (٥٧١) فقال: (باب التشديد في ذلك) , وقد بوب قبل ذلك: (باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد) وذكر حديث عائشة (٥٦٩) ﵂: لو أدرك صلى الله عليه وسلمما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منع نساء بني إسرائيل. ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود (٥٧٠) عن النبي ﷺ قال: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها).
ثم روى أبو داود (٤٦٤) من طريق عمرو بن الحارث، عن بكير، عن نافع قال: (إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يُدخل من باب النساء).
قلت: رواية عبد الوارث أخرجها الطبراني في الكبير والأوسط, وأبو نعيم في أخبار أصبهان, والباغندي في أماليه, وابن بشران؛ جميعم من طريق عبد الله بن عمرو.
وأما ما يتعلق بالترجيح بين الروايتين؛ فعبد الوارث وابن علية متقاربان في أيوب, فكلامهما من كبار الحفاظ, لذا قدم بعض الحفاظ ابن علية، وقدم آخرون عبد الوارث, وأما رواية: بكير (وهو ابن الأشج) عن نافع أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يدخل من باب النساء، فليست صريحة في أن عمر هو الذي أمر بذلك,؛ إذ هي محتملة أن يكون الذي أمر بذلك رسول الله ﷺ , وتنفيذا لذلك كان عمر ﵁ ينهى أن يدخل الرجال من باب النساء.
وإذا كان الصحيح في هذا الخبر وقفه على عمر ﵁, فهو من الخلفاء الراشدين الذين أمر ﵊ بالعمل بسنتهم, فقال في الحديث الصحيح: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).
ومن المعلوم أن القرآن الكريم كان ينزل بموافقة عمر ﵁, ولذا كان ﵊ يستشيره في الأمور, وفي هذا الخبر أن ابن عمر عمل بذلك فلم يدخل من هذا الباب الذي خصص للنساء حتى توفاه الله .
وفي هذا الحديث مشروعية جعل أبواب خاصة للنساء في المساجد, ويلحق به دور التعليم والعمل وغيرهما.
والحكمة في ذلك ظاهرة؛ وهي ألاّ يختلط الرجال بالنساء، مع أن مدة الدخول والخروج قصيرة, فكيف إذا كان هذا الاختلاط في أوقات طويلة؟
ويلاحظ أن في صلاة النساء مع الرجال عدة أمور:
стр. 833
أولاً: الأولى بالمرأة أن تصلي بالبيت، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث، منها قول ﷺ : (وبيوتهن خير لهن)، مع أن الصلاة في مسجده ﵊ عن ألف صلاة، ولا يستثنى من ذلك إلا صلاة العيدين، فقد جاء الحث للنساء بالصلاة في المصلى، وهما لا يقعان إلا مرتين في العام.
ثانياً: إذا خرجت المرأة إلى المسجد فعليها أن تخرج بدون أن تتطيب، لقوله ﷺ : (وليخرجن تفلات)، ويدخل في ذلك الثياب الحسان ونحو ذلك مما يكون سبباً للفتنة. قال أبو محمد بن حزم: (ولا يحل لهن أن تخرجن متطيبات ولا في ثياب حسان ... ). وقال ابن كثير: (يجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط أن لا تؤذي أحداً من الرجال، بظهور زينة ولا ريح طيب).
وقال ابن دقيق العيد: (فيلحق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم وربما يكون سببا لتحريك شهوة المرأة أيضا فما أوجب هذا المعنى التحق به).
ثالثاً: تخصيص باب لهن يدخلن منه ويخرجن، حتى لا يختلطن بالرجال.
رابعاً: أنهن يصلين خلف الرجال، ولا يختلطن بهم؛ بل الأفضل لهن أن يبتعدن عن صفوف الرجال قدر الإمكان، لقوله ﷺ : (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها).
وهذا يؤكد حرص الشارع على عدم اختلاط النساء بالرجال، وقد وصف مجرد قرب النساء للرجال بالشر؛ فكيف بالمخالطة؟ لا شك أنها شرٌ من باب أولى.
خامساً: أنهن إذا صلين مع الرجال، فعليهن أن ينصرفن مباشرة بعد انتهاء الصلاة إلى بيوتهن، وأما إمام المسجد ومن معه من الرجال، فينتظرون قليلاً حتى ينصرف النساء، كما سن لنا ذلك رسول الله ﷺ , وهذه الأمور الخمسة أدلتها ظاهرة.
وهناك أمر سادس اختلف فيه: وهو شهود النساء للصلاة في المساجد، هل هو خاص بالصلوات الليلة لكون الليل أستر لهن، أم أنه يشمل صلاة النهار أيضا؟ لأنه إذا أبيح لهن أداء صلاة الليل في المساجد، فتكون صلاة النهار من باب أولى، فيه خلاف بين أهل العلم. فأين هذا مما نحن بصدده من جلوس الشباب والشابات في مقاعد الدراسة مختلطاً بعضهم بالبعض الآخر، وينظر أحدهم إلى الآخر، ويتحدث بعضهم إلى بعض، ولذا لا يعرف هذا في الإسلام.
الدليل الثامن:
في البيعة؛ فقد كان النبي ﷺ يبايع الناس في معزلٍ عن الرجال؛ وقد بوب البخاري في صحيحه فقال: (باب: بيعة النساء، رواه ابن عباس عن النبي ﷺ .
الدليل التاسع:
في الطُرُقات والأسواق؛ فقد أخرج أبو داود (٥٢٧٢) من حديث: عبد الله بن مسلمة، عن عبد العزيز (بن محمد الدراوردي)، عن أبي اليمان (الرحال)، عن شداد بن أبي عمرو بن حِماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه أنه سمع صلى الله عليه وسلميقول وهو خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق؛ فقال صلى الله عليه وسلمللنساء: (استأخرن، فإنه ليس لكن أن تحقُقْن الطريق، عليكن بحافات الطريق)، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. قلت: وشداد فيه جهالة.
وخالف شداد؛ الحارث بن الحكم، فرواه (كما عند الطبراني والبيهقي في الشعب) عن أبي عمرو بن حماس قال: قال النبي ﷺ : (ليس للنساء سراة الطريق). قلت: وهذا منقطع، والحارث فيه جهالة.
стр. 834
وللحديث طريقٌ أخرى صححها ابن حبان (٥٦٠١)؛ من حديث: مسلم بن خالد (الزنجي)، عن شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس للنساء وسط الطريق). قلت: ومسلم بن خالد الزنجي من مشاهير الفقهاء في زمانه، حتى قال إبراهيم الحربي: كان فقيه أهل مكة. وكان من أهل الفضل كما قال ابن سعد: كان فقيهاً عابداً يصوم الدهر، وكان كثير الغلط في حديثه.
قلت: إنما تكلموا فيه لسوء حفظه كما قال ابن سعد.
والحديث بمجموع طريقيه فيه قوّة؛ وله شواهد من حيث المعنى، كما في حديث أم سلمة المتقدم.
الدليل العاشر:
ما جاء في الصحيحين (البخاري ١٠٨٨، ومسلم ١٣٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها)، وفي رواية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الأخر تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم).
الدليل الحادي عشر:
ما جاء في الصحيحين أيضاً (البخاري ١٨٦٢, ومسلم ١٣٤١) مرفوعا: (لا يخلو رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم, ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا, فقال رسول الله ﷺ : (انطلق فحج مع امرأتك).
والحكمة في هذا ظاهرة، وهي الحفاظ على المرأة لئلا تحتاج إلى الرجال الأجانب في قضاء حوائجها أثناء السفر, فتختلط بالرجال فإذا كان معها محرم منها فسيكفيها ذلك.
الدليل الثاني عشر:
ما رواه البخاري (٥٢٤٠, ٥٢٤١) من حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها). وأخرجه أحمد (٣٦٠٩٢) والطبراني في الكبير (١٠٢٤٧) بلفظ: (لا تصفن المرأة لزوجها المرأة كما ينظر إليها).
ووجه الشاهد من هذا: أن الرسول ﷺ نهى النساء أن يصِفن لأزواجهن النساء الأخريات؛ كأنهم ينظرون إليهن, وذلك خشية الفتنة.
فإذا كان وصف المرأة للأخرى بحضرة الرجال الأجانب لا يجوز؛ فمن باب الأولى عدم جواز اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات عنهم؛ لأنهم والحالة هذه لا يحتاجوا إلى وصف هؤلاء النسوة؛ لاختلاطهم بهن ونظرهم إليهن, وهذا أبلغ في الفتنة من الوصف؛ فأيهما أولى بالتحريم؟
الدليل الثالث عشر:
ما جاء في الصحيحين (البخاري ٢٠٣٥، ومسلم ٢١٧٥) في قصة صفية بن حيي عندما زارت صلى الله عليه وسلمفي معتكفه فقام معها ليوصلها إلى حجرتها فمر في أثناء ذلك رجلا من الأنصار فأسرعا لكي يبتعدا عن أهل صلى الله عليه وسلمفقال: (على رسلكما إنها صفية) فقالا: سبحان الله يا رسول الله, فقال ﵊: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا).
والشاهد من هذا: أن الرجلين الأنصاريين عندما رأيا صلى الله عليه وسلموأهله, ابتعدا؛ مع أن الصحابة ﵃ يحرصون على الإتيان إلى رسول الله ﷺ , والسلام عليه والجلوس معه, فما منعهم من ذلك إلا أهله.
وقول رسول الله ﷺ : (على رسلكما) ليس لعدم مشروعية هذا الفعل, وإنما دعاهم إلى عدم الإسراع حسب, وأن التي معه هي زوجته لئلا يقذف الشيطان في قلوبهما شيئا؛ كما بين ذلك بقوله ﵊, وهذا يدل على أن المتقرر عندهم أن الرجل يبتعد عن النساء الأجنبيات.
الدليل الرابع عشر:
стр. 835
في الحج والطواف، مع أن هذه العبادة العظيمة تختلف عن باقي العبادات بسبب كثرة الناس فيها واجتماعهم في أماكن معينة وفي وقت واحد, ومع ذلك منع الإسلام من الاختلاط فيها. أخرج البخاري (١٦١٨) من حديث ابن جريج أخبرني عطاء (إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال) قال: كيف يمنعهن؟ وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يُخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حجْرَةً مع الرجال لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت: "عنك"، وأبت. وكن يخرجن متنكراتٍ بالليل فيطفن مع الرجال، ولكنهنّ كن إذا دخلن البيت؛ قمن حتى يدخلن وأُخرِج الرجال. وكنت آتي عائشة، أنا، وعبيد بن عمير، وهي مجاورة في جوف ثبير. قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قبة تركية لها غشاء، وما بيننا وبينها غير ذلك، ورأيت عليها درعا مورّداً. اهـ
وهذا ظاهر أن الاختلاط في عهد الصحابة غير جائز، وأنهم يأمرون بالمنع منه.
ومعنى (حجْرَة) أي: معتزلة الرجال, وفي رواية: (حجزة) وهي رواية عبد الرزاق؛ فإنه فسره في آخره فقال: "يعني محجوزاً بينها وبين الرجال بثوب".
وقوله: (فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين. قالت: "عنك"، وأبت).
دليلٌ على أن اختلاط الرجال بالنساء لو كان جائزاً؛ لما امتنعت عائشة ﵂ وهي أم المؤمنين وأفقه النساء, وأبت أن تستلم الحجر الأسود مع المرأة، مع فضل استلام الحجر الأسود.
وقوله: (قلت: وما حجابها؟ قال: هي في قبة تركية لها غشاء). دليل على احتجابها وابتعادها عن الرجال وعدم اختلاطها بهم.
فمن يجرؤ بعد هذا أن ينكر أن الاختلاط مصطلح شرعي، له حكمه الواضح البين؟ وقوله (يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال) أي كن يؤخرن طوافهن إلى الليل؛ لأن الليل أستر لهن، ومن المعلوم أنه لم يكن هناك مصابيح كما هو الآن، ومع ذلك كله كنّ متنكرات أي مستترات، كما في رواية عبد الرزاق, وإذا أردن أن يدخلن البيت أي (الكعبة) خرج الرجال, وهذا يدل على أن ذلك ليس خاصاً بزوجات رسول الله ﷺ ؛ لأنه ذكر النساء عموماً, وتقدم أن عائشة أنكرت على المرأة ولم تذكر لها إن هذا الفعل خاص بها، ومن المعلوم أن قول الصحابي الموافق لقواعد الشرع لا يمكن ادعاء الخصوصية فيه.
ووقع في رواية الفاكهي: كن إذا دخلن البيت سُترن، أي ستر النساء عن الرجال وهذا زيادة على احتجابهن باللباس وكونهن يفعلن ذلك في الليل, ولذا قال ابن حجر في شرح تبويب البخاري على هذا الحديث (١٦١٩): " (باب طواف النساء مع الرجال) أي هل يختلطن بهم أو يطفن معهم على حدة بغير اختلاط أو ينفردن"اهـ.
قلت: والذي دل عليه الدليل هو الثاني، أي أن يطفن على حدة بغير اختلاط؛ لأن انفرادهن بالمسجد وإخراج الرجال منه لا يمكن, واختلاط الرجال بالنساء قد نفاه الراوي فلم يبق إلا الأمر الثاني وهو أن يطفن على حده من غير اختلاط.
ولذا في الحديث الثاني الذي أورده البخاري تحت هذا الباب, وهو حديث أم سلمة عندما قالت: شكوت إلى صلى الله عليه وسلمأني أشتكي, فقال: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) , وهذا أبلغ من الذي قبله, فأمرها ﵊ أن تطوف من وراء الناس, أي الرجال؛ لئلا تخالطهم, مع أن القرب من البيت أثناء الطواف أفضل وأرفق بها؛ لأنها شاكية, ومن المعلوم أنها كلما ابتعدت ستطول عليها مدة الطواف, ومراعاةً لشكواها أمرها أن تركب.
قال ابن حجر: "وإنما أمرها أن تطوف من وراء الناس ليكون أستر لها ولا تقطع صفوفهم أيضا, ولا يتأذون بدابتها"اهـ.
الدليل الخامس عشر:
стр. 836
قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ? [الأحزاب:٥٩]. فبعض من في قلبه مرض لا يدع المرأة المارة في الشارع أو السوق في حالها، بل يتعرض لها بكلام أو غير ذلك، فكيف إذا جلست بجواره وربما خلت به في ما بين المحاضرات وفي ساعات العمل والتدريب المشترك الذي سيفرضه جو الدراسة المختلط؟
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء.
الدليل السادس عشر:
قوله تعالى: ?وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا? [الإسراء:٣٢].
وتأمل قوله تعالى (ولا تقربوا)؛ فلم يقل (ولا تفعلوا)؛ فكل سبيل موصل له فهو مُحرّم. ومما يقرّب للزنى: اختلاط الشباب بالفتيات الساعات الطوال، فبهذا تتهيأ أجواء الفتنة، وتنتظم بيئة المنكر، والشيطان مع هذا يرتع؛ فلا تسل بعدُ عن العلاقات المحرمة بين الجنسين، والله يعصم عباده.
الدليل السابع عشر:
ما قصّه الله من قصة موسى ﵇ مع ابنتي شيخ مدين؛ قال تعالى: ?وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ? [القصص:٢٢ - ٢٣].
ويفهم من هذه الآية أنه لو كان اختلاط الفتاتين بالرجال أمراً جائزاً؛ لسقين الماء لمواشيهن، مع الرجال الرعاء، ولم ينتظرن حتى يذهبوا بمواشيهم. والله أعلم.
الدليل الثامن عشر:
ما قصّه الله من قصة يوسف ﵇ مع امرأة عزيز مصر؛ قال تعالى: ?وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ? [يوسف:٢٣].
قلت: ولو لم يكن هناك اختلاط بين المرأة ويوسف ﵇، وتهيئة الأجواء لذلك؛ لما تجرأت على المراودة.
الدليل التاسع عشر:
ومن الأدلة الواضحة البينة في منع اختلاط الرجال بالنساء - وهو خلاصة ما تقدم من الأدلة - قوله : ?وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى? [الأحزاب:٣٣]. وهي آية خوطب بها أطهر وأشرف نساء الأمة، وفي ذلك تنبيه على شمول حكمها لكل نساء المسلمين، إما بدلالة اللفظ؛ فيكون من مفهوم الموافقة، أو على الأقل من باب المعنى؛ فيكون قياساً جلياً، وكلاهما حجة، وليس لادعاء الخصوصية فيها نظر صحيح مستقر أو سلف معتبر, والحكمة من الأمر بقرار المرأة في البيت: حفظها وإبعادها عن مخالطة الرجال الأجانب.
الدليل العشرون:
قوله تعالى: ?وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ? [الأحزاب:٥٣].
ويفهم من هذا بطريق الأولى أن انعزال النساء وعدم اختلاطهن بالرجال الأجانب؛ أطهر للقلوب، وأبعد عن الريبة، ومواطن الفتنة.
الدليل الحادي والعشرون:
стр. 837
قوله تعالى: ?قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ?. [النور:٣٠].
وقد أخرج مسلم في صحيح (٢١٥٩) من طريق أبي زرعة عن جرير بن عبد الله قال: سألت صلى الله عليه وسلمعن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري.
وإذا تأمل العاقل في البيئة المختلطة بين الشباب والفتيات؛ يعلم أنها من أبعد ما يحقق هذا الأمر الشرعي بغض البصر وحفظ الفرج.
الدليل الثاني والعشرون:
ما جاء في قصة الإفك، فقد أخرج الشيخان (البخاري ٢٦٦١ مسلم ٢٧٧٠) عن عائشة ﵂، قالت: كان صلى الله عليه وسلمإذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأقرع بيننا فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه، حتى إذا فرغ صلى الله عليه وسلممن غزوته تلك ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدٌ لي قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج فاحتملوه، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ... ) الحديث.
قلت: والشاهد من هذا هو ابتعاد الرجال عن النساء كما في هذه القصة، فكان الذين يرحلون الهودج يبتعدون عنه جدا، من أجل ركوب النساء فيه، ولذا لم يعلموا أن عائشة ﵂ لم تكن في الهودج؛ بل ظنوا خلاف ذلك، وذلك لبعدهم. فإذا كان هذا في حال ركوب المرأة وهو وقت قصير جدا، ومع ذلك يبتعدون عنها، فكيف يجوز الاختلاط في مقاعد الدراسة!.
الدليل الثالث والعشرون:
ما أخرجه البخاري (٥٢٣٢) ومسلم (٢١٧٢) من حديث زيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر؛ أن صلى الله عليه وسلمقال: (إياكم والدخول على النساء). فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت).
وإنما شبه النبي ﷺ الحمو بالموت؛ لأن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة تحصل به أكثر من غيره؛ لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن يُنكر عليه بخلاف الأجنبي.
وهذه الصفة التي في الحمو (قريب الزوج)؛ موجودة بعينها في الزمالة في التعليم، فالزميلة تتباحث مع زميلها، فتذاكره ويذاكرها، ويخلو بها من غير التفات نظر؛ لأنه زميلها وشريكها في دروسها فهو موت كما ترى, وأما ما يثار من قبل البعض من أنه يحصل خلط بين أدلة تحريم الخلوة وبين الاختلاط ,فنقول أن هذا مجانب للصواب, وأدلة الاختلاط مستقلة كالتي ذكرنا , وإنما تورد أدلة الخلوة كون الاختلاط سبب لها , فليس ثمة ذريعة توصل للخلوة أعظم من الاختلاط المنظم كالذي يحصل في الجامعات والمدارس ونحوها.
الدليل الرابع والعشرون:
سد الذريعة الموصلة إلى فاحشة الزنا، وهذا واجب بإجماع المسلمين وقد دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
ومن المعلوم للمتابع؛ أن اختلاط الجنسين يفتح الباب على مصراعيه لذريعة الزنا، ولا ينازع في ذلك إلا من مكابر، أو بعيد عن الواقع.
وقد سئل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن هذه المسألة بعينها، فقال: (حضرة الأخ المكرم رئيس جمعية الإصلاح الاجتماعي بالكويت حفظه الله ووفقه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد وصلنا خطابكم رقم ٣٥ في ٢٧ محرم ١٣٨٩هـ تسألون فيه عن حكم الشرع في اختلاط الجنسين في الدراسة الجامعية وما يترتب على ذلك من المفاسد. والجواب عما سألتم عنه وفقنا الله وإياكم:
أن من الغريب أن يوجد في أمة مسلمة عربية اختلاط الجنسين في الجامعات والمدارس مع أن دين الإسلام الذي شرعه خالق السموات والأرض على لسان سيد الخلق ﷺ يمنع ذلك منعا باتا والشهامة العربية والغيرة الطبيعية العربية المملوءة بالأنفة تقتضي التباعد عن ذلك وتجنبه بتاتا، وتجنب جميع الوسائل المفضية إليه، وسنذكر لكم في جواب سؤالكم وفقنا الله وإياكم طرفاً من الأدلة القرآنية والسنة النبوية، ثم نشير إلى شهامة الجنس العربي وابتعاده عن التلبس بما لا يليق، ولو لم يكونوا مسلمين ... ) إلخ. (ينظر تتمة الجواب في رسالة الاختلاط (ص١٥٣) المطبوعة ضمن آثار الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى)
هذا وأشكر طلابي الذين ساهموا في هذه الفتوى, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 838
درس عملي في المحكم والمتشابه
الاختلاط أنموذجاً
منصور بن حمد العيدي
يُشكِّل الحديث عن المحكم والمتشابه في هذه السنوات الأخيرة أهمية فائقة؛ لأننا نعيش وبامتياز ظاهرة الاستدلال بالمتشابه والإعراض عن المحكم، أو على الأقل محاولة تخريج النصوص المحكمة بأي نوع من أنواع التخريج بغية إبعادها عن ساحة الحكم بين الناس، وبالتالي إقصاء دلالتها عن التأثير في عموم المسلمين، ممّا يُمهِّد لإشاعة أي فكر منحرف في أوساطهم، لكون ما يحميهم من النصوص المحكمة في الكتاب والسنة قد أصبح وراء الظهور.
لا يخفى على المشتغلين بالعلم الشرعي أن من أنواع المتشابه: النصوص التي تحتمل معنى لا يكون مراداً للشارع الحكيم.
ولمّا كان الخصوم في المسائل كلُ يدّعي أن ما معه من النصوص مُحكم وما عند خصمه متشابه، اقتضى الحال أن يُبيّن بالمثال كيف يُعرف هذا النوع من المتشابه الذي هو أكثر الأنواع شيوعاً في هذا العصر.
وليكن أمر الاختلاط الذي أوجد فيه بعض الناس اليوم خلافاً في حكمه.
فسأذكر دليلاً واحداً لمانعيه وآخر لمبيحيه بغرض تجلية الأمر.
روى أبو داوود وغيره عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ للنساء: ((استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق (أي: ليس لكن أن تسرن وسطها) عليكن بحافات الطريق)) فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.
هذا النص الذي أمامك دلالته وموضوعه الأصلي هو: الأدب الذي ينبغي أن تتحلى به المرأة وهي في الطريق ألا وهو: البعد عن الرجال، ولهذا ترى أبو داود يبوب عليه باب مشي النساء مع الرجال في الطريق.
والتوجيه النبوي لا لبس فيه، صريح في دلالته: الأمر بلزوم النساء حافة الطريق إذا كان ثمة رجال، ولوضوح التوجيه النبوي كان امتثال الصحابيات ﵅ مباشراً دون استفصال.
والتعليل لهذا الأمر النبوي منصوص عليه: حصول الاختلاط (فاختلط الرجال مع النساء). ولوضوح هذه المعطيات لن يتردد طويلب العلم فضلاً عن المجتهد باستخلاص نتيجة هي: وجوب ابتعاد النساء عن الرجال في الطرقات، وإنما تنحاز المرأة إلى حافة الطريق فيكون بينها وبين الرجال مسافة يصح معها حينئذٍ أن يُقال أنها غير مختلطة بهم. وهذا الحكم مُفاد من النص بطريق المطابقة.
ويستطيع الفقيه بعد ذلك باستخدام عموم المعنى أو قياس الأولى أن يستنبط منع الاختلاط في غير الطرقات؛ فإنه إذا منع منه أشرف الناس بعد الأنبياء، في الطريق العابر، في الوقت القصير، في وضح النهار، مع وجود الحجاب، حالة الخروج من أطهر البقاع، بعد أشرف العبادات العملية: فمن باب أولى أن يمنع في أماكن المكث الطويل في أزمان الريب، والبعد عن الحجاب، وضعف الإيمان.
كل هذا لأنه (أي الفقيه) أمام نص لا يحتمل اللبس إلا على جهة المكابرة والسفسطة، وبالتالي لا يمكن بحال وصف هذا النص بالمتشابه، بل هو من الإحكام بمكان.
أما المجيزون فإنهم يستدلون على إباحته بما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري: (قال النساء للنبي ﷺ غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك فوعدهن يوما لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ فقال واثنين).
فهذا النص عند المجيزين محكم في إباحة الاختلاط.
وأقول بل هو في أمر الاختلاط في أحسن أحواله من المتشابه، إن لم يقل قائل: أنه لا تعلق له به البتة.
стр. 839
وبيان ذلك أن دلالة الحديث الأصلية في شقه الأول هي: طلب النساء للعلم الشرعي وتخصيصهن بذلك دون الرجال، ولهذا ترى البخاري يبوب عليه فيقول: باب هل يجعل للنساء يوم على حدة في العلم.
فإذن ليس هو في حكم الاختلاط ابتداء - وهذا ليس بشرط للإحكام ولا لعدمه ولكنه قرينة - بخلاف النص الأول فإنه في أمر الاختلاط ابتداء وهذا على كل حال وجه ترجيح لا ينبغي إغفاله.
كما أنه من المحتمل أن تكون هذه الحادثة قبل فرض الحجاب أصلاً.
وليس في النص دلالة على عدم وجود الحجاب بين النبي ﷺ وبين النساء ﵅.
والفارق بين النبي ﷺ وبين بقية الرجال من جهة التقوى والعصمة وغض البصر وغير ذلك لا ينكر الأمر الذي يصعب معه الاقتداء، والحكم بالجواز، هذا لو سُلِّم كل ما تقدم.
وقد يقلب المانعون ظهر المجن للمجيزين فيقولون لهم: هذا النص دليل على منع الاختلاط لا إباحته.
وبيان ذلك أنه لو كان الاختلاط جائزاً، وكان هو الأصل لكان حال النساء في الأخذ عن النبي ﷺ ، وسؤاله كحال الرجال، فلم يكن هناك غالب ومغلوب، (وهو ما يحدث في مقاعد الدراسة المختلطة) ولقيل لهن: تعالين وساوين الرجال في مكانكن من النبي ﷺ ، أو اجلسن بين ظهراني الرجال، أو تقدمن عليهم.
ولا شك أن هذا يتضمن توفيراً للوقت وللجهد، قائد الأمة بأمس الحاجة إليه ﷺ .
كما أن ما ذكر في الحديث في شأن من فقدت أولاداً يشمل الرجال والنساء فهو ليس شأناً نسائياً محضاً فيقال تخصيص النساء لهذا السبب.
وبالجملة فهذا النص هو إلى منع الاختلاط أقرب منه إلى إباحته، نعم لكنه ليس في صراحة النص الأول للمانعين، وهو - فيما يتعلق بأمر الاختلاط - من المتشابه الذي يجب أن يُردّ إلى المحكم، وصدق شيخ الإسلام حين ذكر أن ما يستدل به أهل البدع من المتشابه يكون فيه ما يُردُّ به عليهم. لكنهم في غمرة البحث عن دليل يسعفهم يضلون عن التنبه لما يَرِدُ عليهم.
وأحسب أن القارئ الكريم قد ظهر له بالمثال شيئاً من كيفية تمييز النصوص المتشابهة، فليكن هذا منه على بال فإن كثيراً من الاستدلالات المعاصرة هي من هذا القبيل.
وإنه لمن المخجل محاولة التشغيب في أمر الاختلاط في الوقت الذي يحكي فيه العلماء الإجماع على حرمته، فهذا أبو بكر العامري يؤلف رسالة في الرد على بعض مدّعي الزهد ممّن أباح لنفسه النظر للنساء وجمع الرجال والنساء في مجلس واحد بزعم أنه لا بأس في ذلك في مجلس الذكر!
فيقول: (ثم قد اتفقت علماء الأمة أن من اعتقد حل هذه المحظورات وإباحة امتزاج الرجال بالنسوان الأجانب فقد كفر واستحق القتل بردته، وإن اعتقد تحريمه وفعله وأقر عليه ورضي به فقد فسق لا يُسمع له قول ولا تقبل له شهادة فضلاً عن أن يُظن به ز هادة أو عبادة ... ) ثم يُبيّن المفاسد في هذا الأمر فيقول: (فيه معاصٍ لا تُحصى منها أنه إذا اختلط الرجال بالنساء وجمعهم موضع واحد ونظر بعض إلى بعض وقع في قلب الرجل شيء من المرأة وفي نفس المرأة شيء من الرجل ... ) إلخ.
ويبيّن العامري: أنه يحرم على السلطان إقرار مدّعي الزهد إغواءه (الشباب ... وبعض النسوان بالاجتماع في مجلس واختلاط بينهم في عشرة أو سماع بنفوس جاهلة وقلوب غافلة ... وليس هناك وازع من دين أو علم أو تقوى ويوهمهم ذلك الشيخ الملبّس ما أوهمه إبليس أن القلب سليم وليس فيه غش ولا معصية فلا يضر هذا الحضور والاجتماع). وما بين الأقواس من كلامه. أحكام النظر إلى المحرمات ص ٨١ - ٨٤.
стр. 840
ومن قرأ هذا الكلام قال: ما أشبه الليلة بالبارحة. فمبيحي الاختلاط الآن كأضرابهم في السابق يخدعون أنفسهم بالقلوب السليمة والمجالس المحفوفة بالوقار المشغولة عن الفتنة بالعلم.
وما الأمر إلا تلبيس إبليس، وإلا فإن أئمة الإسلام يؤكدون على ضرورة البعد بين الجنسين حتى في البلد الحرام وبجوار الكعبة المشرفة، وفي هذه يقول ابن جماعة عن المرأة: (ولا تدنو من البيت مخالطة للرجال). كما اشترط لفعل المرأة سنن الطواف: (إذا لم تفض إلى مخالطة الرجال) و (هذا ممّا لا يكاد يُختلف فيه). هداية السالك ٢/ ٨٦٤.
هذا رأي أئمة الإسلام في شأن الاختلاط في أطهر البقاع مع الحجاب، فماذا يكون رأيهم عن الاختلاط مع اختلاف الدين، ونزع الحجاب، في وقت اعتبار ممارسة الفاحشة حرية شخصية؟
وعند ذلك هل يكون هناك محل للإباحة؟
وهل الأمر إلا مجرد استدلال بالمتشابه؟
عن عائشة ﵂ قالت:
تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾. قالت قال رسول الله ﷺ (فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم). متفق عليه.
стр. 841
توضيح المبهمَات في مسألة كون جدة ميقات
د. عبد الله بن منصور الغفيلي
الحمد لله وصلاة وسلاما على رسول الله، أما بعد:
فهذا بحث مختصر جمعته منذ بضع سنوات، وفي كل مرة تحول دون مراجعته المهمات، وقد تجدد العزم لتحريره وحل مافيه من إشكالات، فكان الرأي أن يطرح هكذا بين أيديكم، لعله يحظى برأيكم وتعديلكم، لاسيما وقد أقبل موسم الحج، لا حرم الله كل مجتهد أجره، وأكرمه وأسبغ عليه فضله، آمين.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه أشكره شكر عبد معترف بالتقصير عن شكر نعمه وأفضاله، وأشهد أن لاإله الاالله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وبعد.
فلقد ظهر في الآونة الأخيرة خلاف بين بعض أهل العلم حول اعتبار مدينة جِدة ميقاتاً مكانياً لأداء مناسك الحج والعمرة مع اتفاقهم على أنها ميقات لأهلها ولما كانت تلك المسائل من مهمات المسائل لمسيس الحاجة إليها، مع كوني لم أقف فيها على بحث يجمع متفرقها ويبين مشتبهها (١)، وإن كنت لا أزعم أنني سأصنع ذلك ببحثي هذا، بل هو إشارات يستضاء بها وعلامات يهتدي بها، إذ المقام يقتضي الاختصار وإلا فهي من المسائل الكبار، وإنما رغبت على إيقاف القاري الكريم على أطرا ف المسألة ووسطها فأقول مستعيناً بالله متوكلاً عليه:
أولا: لقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال وسبب خلافهم هو اختلافهم في تفسير المحاذاة وتطبيق معناها على مدينة جدة.
فمن قال بأنّ مدينة جدة محاذية لميقات الجحفة أويلملم فإنه يعتبر مدينة جدة ميقاتاً، ومن لا فلا، ومن قال إن معنى المحاذاة هي كونه الموضوع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد قال إن مدينة جدة ميقات، ومن لم يفسرها بذلك فلا يعتبر جدة ميقاتاً (٢).
ولذا فإنه يجدر التقديم بتعريف المحاذاة لغة واصطلاحاً فأقول:
إن المحاذاة في اللغة كما قال في القاموس: من حاذاه أي آزاه والحذاء الإزاء الخ .. " (٣).
وقال في اللسان: جاء الرجلان حذيتين أي كل واحد منهما إلى جنب صاحبه " (٤) وقال في المصباح حذوته أحذوه حذواً وحاذيته محاذاة هي الموازاة، وحذوت النعل بالنعل قدرّتها بها وقطعتها على مثالها وقدرها " (٥).
стр. 842
فيتضح بذلك أنّ المحاذاة في اللغة تعني الإزاء والمماثلة والمساواة.
والمحاذاة اصطلاحاً: هي أن تكون مسافة المحاذي والمحاذي به من الحرم سواء كما ذكره ابن الأثير (١) ويفهم من كلام شيخ الإسلام أن المحاذاة هي أن يكون بعد المحاذي والمحاذي في البيت واحداً (٢).
وقال ابن حجر في قوله ﷺ : (انظروا حذوها) أي اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها. (٣) ولم أقف على مخالف من أهل العلم المتقدمين في تفسير المحاذاة (٤).
ثانيا: الخلاف في اعتبار مدينة جدة ميقاتاً مكانياً:
اختلف أهل العلم المعاصرين (٥) في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: إن مدينة جدة ميقات مكاني مطلقاً فيجوز للقادم من جميع الجهات أن يحرم من جدة سواء كان قدومه براً أو بحراً أو جوّاً. وممن قال بهذا القول الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس محاكم قطر (٦) والشيخ عدنان عرعور (٧).
القول الثاني: إن جدة ميقات القادمين بالطائرة جوّاً وبالسفينة بحراً.
وممن قال به الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، والدكتور محمد الحبيب بن الخوجه والشيخ عبد الله كنون من المغرب، والشيخ عبد الله الأنصاري من قطر، ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف في تصحيحها لفتوى جعفر بن أبي اللبني الحنفي بجواز تأخير إحرام الأفاقي إلى جدة وغيرهم (٨).
القول الثالث: إنّ جدة ليست ميقاتاً إلا للقادم من غربها مباشرة وهم أهل السواكن في جنوب مصر وشمال السودان، وممن قال به الشيخ عبد الله بن حميد رئيس المجلس الأعلى للقضاء في السعودية سابقاً، والشيخ عبد العزيز بن باز مفتي عام السعودية سابقاً (٩)، والشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس المجلس الأعلى للقضاء حالياً (١٠). والشيخ أبو بكر محمود جوفي عضو المجمع الفقهي (١١)، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عضو الإفتاء سابقاً في السعودية (١٢) وغيرهم.
стр. 843
القول الرابع: إنّ جدة ليست ميقات مطلقاً، وممن قال به أعضاء مجمع الفقه الإسلامي في الدورة الثالثة (١).
ثالثاً: أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: ما رواه ابن عمر ﵄ قال (لما فتح هذا المصران -أي الكوفة والبصرة - أتوا عمر فقالوا ياأمير المؤمنين إن رسول الله حدّ لأهل نجد قرناً وهو جور عن طريقنا وإنّا إن أردنا قرناً شق علينا فقال انظروا حذوها من طريقكم فحدّلهم ذات عرق) (٢).
وجه الدلالة منه: أن القاعدة في تحديد المواقيت غير المنصوص عليها هي المحاذاة وحدّها أن تكون مسافة المحاذي والمحاذي به عن مكة متساوية، أو يكون الموضع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد.
فتبين بذلك أن مدينة جدة ميقات مكاني؛ لأنها محاذية لميقاتي الحجفة ويلملم حيث تقع بينهما، وهي جميعاً على خط واحد، كما أن مسافة جدة عن مكة مقاربة لمسافة يلملم عن مكة فيتحقق بذلك معنى المحاذاة في جدة.
وأجيب: بأن ما ذكرتموه من أنّ القاعدة في تحديد المواقيت غير المنصوص عليها هي المحاذاة صحيح لكنّ حَد المحاذاة الذي ذكرتموه لا يسلم بإطلاق، فتفسيركم المحاذاة بالمعنى الثاني وهو كون الموضع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد، فهذا غير مسلم لغة وشرعاً، وذلك أن كلمة "حذا" في اللغة لا تدل على تسمية المكان الواقع بين مكانين محاذياً. (٣) ولو صح هذا المعنى لغة، فإنه لا يصح شرعاً لأنه سيؤدي إلي أنّ أي مكان واقع بين مكة والمدينة يسمى محاذياً للمواقيت، فيجوز الإحرام منه؛ لأنه يصدق على مكة اسم مكان كما يصدق هذا الاسم على المواقيت أيضا (٤).
ثم إن هذا التفسير للمحاذاة وهوكون المكان واقعاً بين ميقاتين على خط واحد مخالف لتفسير أهل العلم كما تقدم بيانه (٥).
وأما المعنى الأول للمحاذاة وهوكون مسافة المحاذي والمحاذى به عن مكة متساوية فصحيح، إلا أن تنزيله على مدينة جدة وكونها محاذية للجحفة (٦) أو يلملم (٧) غير صحيح، وذلك لأن مسافتها عن الحرم متفاوتة وليست سواء، فمسافة جدة عن الحرم تقارب سبعين كيلاً، بينما مسافة الجحفة عن مكة تقارب مائة وسبعة وثمانين كيلاً، ومسافة يلملم عن مكة أربع وتسعون كيلاً (٨)، فكيف نقول بالمحاذاة وهي تساوي بعد المكانين عن الحرم مع هذا التفاوت الظاهر، كما أن جدة تقع في جهة أخرى غير جهة يلملم.
стр. 844
الدليل الثاني: أن أهل العلم قد اتفقوا على أن من قدم من مكان لا ميقات له يحرم من مسافة أقرب المواقيت إليه إذا كان حذوه، ولما كان القادمون إلى جدة من المغرب ليس لهم ميقات معين يحرمون منه وكان أقرب ميقات إلى لجدة هو يلملم وكانت مسافته عن مكة تساوي مرحلتين وكذا مسافة جدة عن مكة، فهما متساويتا المسافة عن مكة، فجدة إذن ميقات مكاني إضافي على المواقيت المنصوصه (١).
وأجيب عنه: بأنه لا يسلم حكاية الاتفاق على أن من قدم من مكان لاميقات له أنه يحرم من مسافة أقرب المواقيت إليه إذا كان حذوه، بل لقد نقل ابن حزم الخلاف في ذلك على رأيين، فقالت طائفة: يحرم وقال آخرون لا يحرم (٢). وقال:" وأما سائر الروايات التي ذكرنا عن الصحابة والتابعين فليس في شيئ منها أنهم مروا على الميقات، وإذ ليس فيها فكذلك نقول: إن من لم يمر على الميقات فليحرم من حيث شاء " (٣). وعليه فإنه لا يحتج على المخالف بمحل النزاع.
الدليل الثالث: أنه لا محاذاة في البحر البتّة وذلك:
١ - لأنه يتعذر تعيين المواقيت فيها.
٢ - ولأنه لم يقم على هذا دليل في الكتاب والسنة أو الإجماع.
٣ - ولأنه لا تتحقق في البحر المحاذاة على المعنى الصحيح، فيتبين بذلك أنّ للقادم من البحر تأخير الإ حرام إلى جدة (٤).
وأجيب عنه: بعدم التسليم بأنه لا محاذاة في البحر فهذا مخالف لما ذهب إليه أهل العلم من وجوب الإحرام على من كان البحر طريقه إلى مكة إذا حاذى الجحفة أو يلملم (٥) بل المحاذاة حاصلة لمن كان البحر طريقه ولا تتعذر المحاذاة في البحر كما أننا نقول بأنه لا ميقات في البحر، ولكن يمكن محاذاة ميقات الجحفة ويلملم، وهما قريبان من البحر وليست محاذاتهما متعذرة للقادم من الشمال أو الجنوب.
الدليل الرابع: أنّ مدينة جدة لا تخلو:
١ - إما أن تكون داخل المواقيت والمواقيت خلفها.
٢ - أو خارج حدود المواقيت.
٣ - أو على المحيط نفسه.
أما الحالة الأولى: فيعني هذا الزيادة على مسافة المحاذاة وهذا مردود شرعاً وواقعاً.
وأما الحالة الثانية: فلا يقول بها أحد، وأما الحالة الثالثة: فهي المتعنية فتكون جدة ميقاتاً.
وأجيب عنه: بأن هذا التقسيم قائم على تفسير أصحاب هذا القول للمحاذاة، وإثباتهم أن جدة محاذية لميقاتي الجحفة ويلملم، وهذا قد تقدم الجواب عنه، وإنما نقول إن مدينة جدة داخل المواقيت وليست محاذية لأحدها لكونها أقرب إلى مكة من ميقاتي الجحفة ويلملم، ولذا فالواجب على القادم من الشام ومصر براً وبحراً وجواً الإحرام من الجحفة أو ما كان حذوها، وكذا القادم من اليمن سواء كان ذلك براً أو بحراً أو جواً فإنه يحرم من يلملم.
أدلة القول الثاني:
أولاً: أن النبي ﷺ لم يعين مواقيت في الجو لأن الطائرات لم تكن موجودة في عهد النبوة ولا متصورة، فلا يَصدق على أهل الطائرات أنهم اتو الميقات المحدد لهم لا لغة ولا عرفا، لكون الإتيان هو الوصل للشيّ في محله (٦).
стр. 845
وأجيب عنه: بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وأن الهواء تابع للقرار كما قرر أهل العلم، ولذا فلو صلى في الطائرة أو وقف بعرفه في الجو صحت صلاته وحجه، ولم يوقت ﷺ هذه المواقيت في هذه الأماكن إلا ليتخذ من النصوص قدوة وأسوة لحرمة البيت العتيق سواء كان طريق الحاج براً أو جواً، ثم إن الإتيان متحقق في المرور به مع عقد نية الدخول في النسك، ويصدق على راكب الطائرة أنه مرّ بالميقات إذ لا يشترط في المرور المماسّهَ (١).
ثانياً: ولأن المحاذاة لا يمكن أن تتصور في الجو ولا تنضبط، وكذا في البحر (٢).
وأجيب عنه: بعدم التسليم بل المحاذاة متصورة في الجو والبحر؛ لأن المحاذاة تقريبية، كما يمكن الاحتياط لذلك حتى لايتجاوز الناسك الميقات دون أن يحرم.
ثالثا: ولأنّ في إلزامهم بالإحرام في الجو مشقةً عليهم والمشقة تجلب التيسير (٣). وأجيب: بعدم التسليم بوجود المشقة بل يمكن الإحرام في الجو بيسر، كما أنه يمكن تقديم الإحرام قبل ركوب الطائرة وعقد النية عند المرور بالميقات، وكذا الحال بالنسبة لركاب السفينة بل هي أيسر من الطائرة من جهة السعة وبطء الحركة بحيث يتمكن المحرم من لبس إحرامه بسهولة.
رابعاً: ولأن الحكمة في وضع المواقيت في أماكنها الحالية كونها بطرق الناس وعلى مداخل مكة، وكلها تقع بأطراف الحجاز وقد صارت جدة طريقاً لجميع ركاب الطائرات والسفن ويحتاجون بداعي الضرورة إلي ميقات أرض يحرمون منه لحجهم وعمرتهم، فوجبت إجابتهم كما وقت عمر لأهل العراق ذات عرق، إذ لا يمكن جعل الميقات في أجواء السماء أو في لجة البحر الذي لا يتمكن الناس فيه من فعل ما ينبغي لهم فعله من خلع الثياب والاغتسال للإحرام والصلاة وسائر ما يسن للإحرام، إذ هو ما تقتضيه الضرورة وتوجبه المصلحة ويوافقه المعقول ولا يخالف نصوص الرسول ﷺ (٤).
وأجيب: بأن وضع المواقيت في طريق الناس لا يلزم منه أنه كلما استحدث الناس طريقاً وضع لهم ميقات بدون نظر إلى المواقيت المنصوصة ولا محاذاة لها، إذ لو كان كذلك لما صار لتلك المواقيت شرعية، ولم يكن لوضعها كبير أثر، ثم إن تفاوت مسافاتها يدل على مقصد تعبدي تجب مراعاته وربط المواقيت الأخرى بها، كما يدل عليه أيضا حديث عمر المتقدم في توقيت ذات عرق حيث قال "انظروا حذوها" (٥) أي حذو قرن المنازل.
وأما كون الميقات في جو السماء أو لجة البحر فلا إشكال فيه، إذ الشريعة جاءت لكل الأزمان، والله لا يخفى عليه صنع تلك الطائرات والسفن فهو القائل (وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُون) (٦).
وأما خلع الثياب والاغتسال للإحرام والصلاة وسائر سنن الإحرام فإنها تقدم قبل ركوب الطائرة؛ لأنه إذا تعارض عندنا الإحرام قبل الميقات أو بعده فيقدم الإحرام قبل الميقات، ولا ريب؛ لأنه جائز بدون تعارض مع الإحرام بعد الميقات فكيف إذا تعارض (٧).
أدلة القول الثالث: