← Общие книги

Общие книги · id 95667

الدين العالمي ومنهج الدعوة إليه

عطية صقر

Полный текст (219 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ (١). وليس الإسلام وحده هو الذى جاء بالجهاد والحرب للدفاع وتأمين الحريات، فقد كانت الحرب فى القديم وما تزال وسيلة من الوسائل لحل المشاكل الاجتماعية إلى عهدنا هذا، مع بلوغ الإنسانية أشدها، ونيل العقول رشدها، فالحياة لا تبقى والحقوق لا تصان إلا بقوة تحميها. ولعل هذا القدر كاف فى نقض هذه الشبهة أو رد هذا الطعن الذى يوجهه الأعداء للإسلام من كونه، انتشر بالسيف لا بصدق مبادئه كما يقول المسلمون.

стр. 107

جبهات المقاومة لعالمية الإسلام لقد تعرضت الدعوة الإسلامية لعدة مصادمات من أول يوم نادى فيه الرسول قومه إلى التوحيد، واتخذت هذه المصادمات عدة ميادين، فهى لم تقف عند حد التكذيب للدعوة، بل تعدنا إلى ميدان العمل الإيجابى لوقف تيار الإسلام الجارف ومدة الواسع، وحيكت له عدة مؤامرات من داخل المجتمع الذى يعيش فيه النبي وصحبه، على يد المنافقين واليهود وغيرهم من الرعايا الموجودين بين المسلمين، ومن خارجه فى الدول المحيطة النافسة على القوة الجديدة التى غطت على كل قوة فى هذه المنطقة. وكان للأعداء على مختلف ألوانهم وميادينهم أساليب منوعة فى هذا السبيل، وقد سمعنا فى التاريخ عن الغزوات التى وجهت إلى الإسلام، إما بالسلاح المادى فى الميدان المكشوف، وإما بالسلاح المعنوى من وراء الجدر، فمرة بالتشكيك فى أصل الدين، وبالدعوة إلى الإلحاد، ومرة بالغزو الثقافى لتحل الآراء الهدامة محل الآراء الدينية، وأخرى بالغزو الخلقى والاجتماعى لينسلخ المسلمون من مقومات شخصيتهم

стр. 108

الأصيلة، وكذلك بالنظم السياسية وقواعد الحكم بمسمياتها المختلفة، وعناوينها الخلابة. وعلى الرغم من كل هذه المصادمات فإن الدعوة العالمية ما تزال ثابتة صامدة، بل مندفعة بقوة تخطت كل الحواجز والعقبات، لأنها -كما قدمنا- تحمل عوامل قوتها فى نفسها، غير إن هذا الإثبات وهذه المواجهة يختلفان كيفا حسب ما يكون عند المسلمين من إيمان وتعلق بالدين وغيرة على الدعوة إليه. دعا من المقومات العنيفة التى واجهتها الدعوة أيام الرسول ﷺ من قريش اليهود وغيرهم، فكتب السيرة وفت هذا الموضوع حقه، والمقام هنا مقام إيجاز يكفى فيه أن نعطى لمحة خاطفة للعبرة والعظة. حدثت بعد وفاة النبي ﷺ ، مصادمات حربية معروفة، وبخاصة مع الفرس والرومان ثم كانت الفتوح الممتدة شرقا وغربا وإلى كل البلاد، كما عرفت من السرد الموجز لسير الدعوة. ومع المصادمات الحربية كانت مؤامرة اغتيال عمر بن الخطاب، والفتنة التى استشهد فيها عثمان، والمصادمات الداخلية بين جبهتى علي ومعاوية، واستغلال ذلك

стр. 109

كله للقضاء على الدين، حيث ظهرت الفرق ولعب لعبته عبد الله بنُ سبأ اليهودى ليطيح بالعقيدة الإسلامية الموحدة لكلمة المسلمين "إن هذه أمتكم "أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" (١). وكانت الشعوبية أصبعا من أصابع الهدم لبناء الإسلام، والعودة به إلى عهد الجاهلية حيث التعصب للأنساب والأحساب، واتخذت هذه الحركة مركزها فى فارس على الباب الشرقى لدار الحرب، فظل بعض الفرس متمسكين بماضيهم البائد، ممتلئة قلوبهم حسرة على ضياع مجدهم السياسي، على الرغم من قيام دولة إسلامية كبيرة فى بلادهم وعلى أكتافهم وبجهودهم. لقد تجنب الشعوبيون العداء السافر مع العرب أولا، وانتهزوا الفرصة المواتية للأساليب الخفية الأخرى، فقد عمد بعضهم إلى وضع كتب فى مثالب العرب والحط من شأنهم، حتَّى قال قائلهم إسماعيل بنُ سيار، الذى لم يشكر تكريم الخلفاء له. أصلي كريم ومجدى لا يقاس به ... ولى لسان كحد السيف مسموم

стр. 110

من مثل كسرى وسابور الجنود معا ... والهرمزان لفخر أو لتعظيم أسد الكتائب يوم الروع إن زحفوا ... وهم أذلوا ملوك الترك والروم هناك إن تسألى تنبى بأن لنا ... جرثومة قهرت غر الجراثيم وقد رأينا فى خطبت زياد بن أبيه ما يشير إلى هذه الفتنة الشعوبية: إياكم ودعوى الجاهلية، فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلَّا قطعت لسانه، كما كان للحجاج موقفه الشديد إزاءها أيضًا. لقد انتهز قوم من "راوند" فرصة قيام أبي مسلم الخرسانى بالدعوة إلى العباسيين فروجوا معتقداتهم القديمة القائلة بالحلول والتناسخ. وأرادوا أن يستغلوها فى التقرب إلى أولى الأمر، فزعموا أن روح الله انتقلت إلى على وأبنائه من بعده، حتَّى وصلت أخيرًا إلى أَبى مسلم الخرسانى الثائر. ضد الأمويين. واستمروا فى فتنتهم حتَّى نادوا بأن المنصور العباسى هو ربهم الأعلى. ثم أخمدت هذه الفتنة، كما أخمدت فتنة الخرمية -نسبة إلى خرما زوجة مزدك زعيم الإباحية القديمة عند الفرس- عندما استعان هؤلاء بالبيزنطيين للنيل

стр. 111

من الدولة الإسلامية، وكذلك قضى على جماعة الحشاشين بالظاهر والباطن والذين قادوا حركة اغتيالات سرية، كما أخمدت حركة القرامطة التى سعت فى الأرض فسادا، ولم تنج منها الأراضى المقدسة. وقد لعب الزنادقة أيضًا دورًا خطيرًا ضد الإسلام وضد العرب، عن طريق التشكيك فى الأصول الثابتة والدعوة إلى التحلل من القيود. واعتمدوا على المانونية إحدى الديانات القديمة، وجرحوا رجال العرب وفقهاء الإسلام، ومجدوا الفرس وتاريخهم. ووجد هؤلاء مسرحًا لنشاطهم بيوت البرامكة الذين شجعوا للهو ومجالس الغناء بما فيها من منكرات. حتَّى قال قائلهم: يبكى على طلل الماضين من أسد ... لا در درك قل لى من بنو أسد ومن تميم ومن قيس ولفهما ... ليس الأعاريب عند الله من أحد دع ذا، عدمتك، واشربها معتقة ... صفراء تفرق بين الروح والجسد وإلى جانب هذه الحركات التى ظهرت فى وسط المجتمع الإسلامى وجدت حركات خطيرة فى الخارج

стр. 112

لخنق الدعوة الإسلامية، وحصرها فى دائرة ضيقة، والعمل على إضعافها حتَّى تموت. وكان العداء السياسي ظاهرا واضحا فى كثير من هذه الحركات، فاضطر المسلمون إلى خوض معارك طاحنة لحماية عقيدتهم وصيانة حدودهم وتأمين طريق دعوتهم، كما كان هناك عداء دينى وخلقى واجتماعى لهدم الأساس المتين الذى قام عليه بناء الدولة الإسلامية، وجد منافذ إلى قلب المجتمع وأتباعا وأذنابا من الموتورين من الإسلام والعرب لسبب من الأسباب. المقاومة السياسية: لقد ظلت الدولة الإسلامية بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى، تتابع سيرها، حامية نفسها من الأعداء بالتسلح، حتَّى جاء الطوفان من الشرق يدفعه التتار بجبروتهم، فى وقت كانت الخلافة العباسية فيه أضعف ما تكون عن مقاومته، فسقطت بغداد سنة ٦٥٦ هـ. وقتل كثير من الفقهاء وعظماء الدولة، وأحرقت قبور الخلفاء، وألقى بالكتب فى دجلة. ثم أوت الخلافة إلى مصر حيث بايع أهلها سنة ٦٥٩ المستنصر بالله، ولكنها كانت خلافة صورية لا تستطيع شيئًا. وقد شاء الله أن يرد هؤلاء المغيرين فهزمهم (٨)

стр. 113

المماليك في عين جالوت بالشام، في ١٥ من رمضان سنة ٦٥٨ هـ. وكانت من قبل ذلك موجات أخرى قد وفدت من الغرب وعرفت باسم الحروب الصليبية، ظلت تتدافع على الأراضي الإسلامية مدة قرنين من الزمان (١٠٩٩ - ١٢٥٤ م). وكان من أبرز الأسماء التى كتبت فى لوحة الشرف اسم صلاح الدين الأيوبي، الذى هزمهم فى حطين، وخلص بيت المقدس منهم فى ليلة الإسراء سنة ٥٨٣ هـ (١١٨٧ م). وما زال الغرب يضمر الحقد للشرق والإسلام فى شخص صلاح الدين إلى يومنا هذا، ولم يقطعه قول الجنرال "اللنبى" البريطانى عندما دخل بيت المقدس بعد الحرب العالمية الأولى: الآن قد انتهت الحروب الصليبية. ولا قول "جورو" الفرنسي: ها قد عدنا يا صلاح الدين. وما كانت الحروب الصليبية أبدا، كما قال البابا "أربانوس" الثانى سنة ١٠٩٥ م، لتخليص المسيحيين من الأذى الذى ألحقه بهم المسلمون، فالإسلام معروف بسماحته التى لا يبارى فيها، ولقد تحدث "هندريك فان لون" فى كتابه "قصة الجنس البشرى" (١) عن

стр. 114

سبب قيام الحروب الصليبية، بعد بيان احترام المسلمين لعيسى وسماحتهم مع الأديان الأخرى، وظهور الأتراك السلاجقة الذين حموا البلاد الإسلامية من غارات الدولة البيزنطية واستولوا على آسيا الصغرى، فقال: إن الامبراطور "الكسيس" استنجد بالصليبيين لحماية القسطنطينية من خطر المسلمين، وبدأ الصليبيون قتالهم وهم يضمرون أشد البغض للمسلمين ثم تغيرت قلوبهم تغيرًا تاما بعد ذلك واحتقروا الروم فى الدولة البيزنطية الذين كانوا يخدعونهم ويخونون دعوة الصليب فى كثير من الأحيان، وبدءوا يقدرون خصال أعدائهم المسلمين، الذين أثبتوا أنهم ذوو مروءة وخصوم أشراف، والحق أن الحروب الصليبية التى بدأت فى صورة حملة لتأديب الأتراك السلاجقة أصبحت منهجا ثقافيا عاما يعلم الملايين من شباب أوروبا معنى الحضارة. وقد تعرض الإسلام لمحنة أخرى فى الأندلس، ذلك المعقل الذى ظل يؤدى رسالته نحو ثمانية قرون، فقد أمر الكاردينال "اكسيمنس" أعدى أعداء العرب والإسلام، سنة ١٥١١ م بإحراق كتب العربية، والمصاحف المحفوظة فى ميادين غرناطة، ثم تولى ديوان التحقيق الدينى إبادة كل أثر للمسلمين، إذ

стр. 115

لولا ذلك لزحف الإسلام على أوربا، وسادت اللغة العربية فيها، وكان الحكم للمسلمين عليها. وعندما ظهرت قوة الإسلام مرة أخرى، بعد طعنات التتار والصليبيين والأسبان، بقيام الدولة العثمانية التى تقدمت بفتوحها حتَّى أسوار فيينا، تحركت العداوة مرة ثانية فى قلوب الأعداء، وحيكت المؤمرات للقضاء عليها. ومن أهم هذه المؤامرات مؤامرة "طرابزون" التى أحبط كل مخططاتها "محمد الفاتح". ولما رأى البابا أن حيله لم تفلح فى قتال الأتراك أراد أن يدخل محمدا الفاتح فى النصرانية، فكتب له بذلك سنة ١٤٦٣ م، ولما لم يفلح استعان بجمهورية البندقية على قتال الأتراك، وأذاع نداء إلى الحرب المقدسة فى ٣٣ من أكتوبر سنة ١٤٦٣ م وباع فى سبيل ذلك صكوك الغفران لإغراء المسيحيين على الحرب، غير أنَّه توفى قبل أن ينفذ خطته، وذهبت جهوده أدراج الرياح. وظلت الضغينة مالئة قلوب الغرب المسيحى على هذه الدولة محاولين بكل وسيلة القضاء عليها، وكان من مظاهر ذلك "المسألة الشرقية" التى تستهدف محوها وتوزيع ممتلكاتها.

стр. 116

وقد تحالفت على الضعف والخلل على الدولة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، فانهزمت جيوشها فى ميادين عدة وكثرت ديونها حتَّى أعلنت إفلاسها سنة ١٨٧٤ م، وكانت الامتيازات، وتدخل الدول ثم تقسيم أملاكهما بين المستعمرين. كان لاكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح سنة ١٤٩٨ م أثره السيئ واقتصاديات البلاد العربية والإسلامية، وكانت الكشوف الجغرافية ممهدة للاستعمار والاستغلال، كما كانت ممهدة للتبشير بالمسيحية ولتكوين الشركات الاستغلالية التى جاء على أثرها الاستعمار. وقد انتابت أوروبا فى القرن التاسع عشر حمى الاستعمار، ونكب العالم الإسلامى به، وتوزع بين أعدائه الذين أجمعوا على إضعاف الدين واستغلاله لمصالحهم. استولى الروس على بلاد التركستان ذات الشهرة الإسلامية العظيمة، وعلى القوقاز وشمالى إيران، وتنازلت لهم إيران عن جورجيا وأرمينيا سنة ١٨٢٨ م. واستعمرت انجلترا الهند سياسيا عندما ألغت امتياز شركة الهند الانجليزية سنة ١٨٥٨ م.

стр. 117

ودخلت أصابع الاستعمار العالم العربى، فكان من أول التدخل حملة فرنسا على مصر سنة ١٧٩٨ م. وكان التدخل بالديون التى فتح بابها محمد سعيد (١٨٥٤ - ١٨٦٣ م) وبامتياز قناة السويس، ثم بالاحتلال سنة ١٨٨٢ م. وكانت الدولة العثمانية فى ضعف دعا إلى قيام حركات انفصالية فى مصر وسوريا وغيرهما. واحتلت فرنسا الجزائر سنة ١٨٣٠ م، وتونس سنة ١٨٨٢ م، وأطلقت يدها فى مراكش بمقتضى معاهدة بينها وبين الإنجليز سنة ١٩٠٤ م، وأعلنت حمايتها عليها سنة ١٩١٢ م. وكان نفوذ الانجليز فى السودان الذى أخلاه المصريون (١٨٨٤ - ١٨٨٥ م) وبعد انتهاء أزمة فاشودة سنة ١٨٩٩ م، واحتلت عدن وما جاورها سنة ١٨٣٩ م، وكذلك احتلت إيطاليا طرابلس سنة ١٩١١ م، وتخلت عنها تركيا سنة ١٩١٢ م. وبعد الحرب العالمية الأولى تقرر، فى مؤتمر (سان ريمو) فى مايو سنة ١٩٢٠ م، الانتداب البريطانى على العراق وفلسطين، والفرنسى على سوريا، التى انقسمت إلى سوريا ولبنان، وتقرر إقامة إمارة عربية فى شرقى والأردن خاضعة للانتداب البريطانى.

стр. 118

كان من أسوأ آثار الاستعمار إضعاف شوكة الإسلام وإبعاده عن مجال الحيال السياسية، وحصره فى دائرة ضيقة، بعيدًا عن المجتمع، تطبيقا لمبدأ "فصل الدين عن الدولة"، ولقد كانت شروط الصلح مع تركيا فى مؤتمر "لوران"، سنة ١٩٢٣ م المعروفة بشروط "كيرزون" الأربعة دليلا على نوايا الاستعمار السيئة ضد الإسلام وهى: ١ - قطع كل صلة بالإسلام. ٣ - إلغاء الخلافة الإسلامية. ٣ - إخراج أنصار الخلافة والفكرة الإسلامية من البلاد. ٤ - اتخاذ دستور مدنى بدلا من دستور تركيا القديم المؤسس على الإسلام. كما كان من آثار الاستعمار الوقوف أمام كل حركة إصلاحية على أساس الدين، ومن ذلك مقاومتهم لحركة "تيبوتيب" فى الكونغو، وحركة "رابح ابن الزُّبَير" فى السودان، وكذلك حركة "عمر تال"، "أحمد سامورى"، "عثمان دنفديو" وغيرهم. وكان من أثر الاستعمار أيضًا تفتيت الوحدة الإسلامية بخلق الفتن والمشاكل وقيام الأحزاب وإحياء

стр. 119

القوميات المحلية للحيلولة بها دون قيام جامعة إسلامية عامة، وليشغل المسلمون بعضهم ببعض. يقول "لورانس براون": الخطر الحقيقى كامن فى نظام الإسلام، وفى قوته على التوسع والإخضاع، وفى حيويته، إنه الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربى. وإذ اتحد المسلمون فى امبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنة على العالم وخطرا، وأمكن أن يصبحوا نعمة له أيضًا، أما إذا بقوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا قوة ولا تأثير. (١) وكان من عوامل تفتيت وحدة المسلمين دعوتهم إلى التمكين للجهات المحلية كمظهر من مظاهر الاعتزاز بالقومية، وعدم الالتزام بالعربية وقواعدها، وقد عقد فى دمشق سنة ١٩٥٦ م المؤتمر الأول للمجامع اللغوية العلمية تحت إشراف اليونسكو، ألقيت فيه محاضرات كثيرة تمجد العامية، وتدعو إلى تبديل الخط العربى وقواعد النحو والصرف والبلاغة وهذا الدعوات الهدامة وأمثالها تقوم باسم التجديد والتطوير وهى دسيسة للعالم الإسلامى، وتفكيك لأوصاله.

стр. 120

يقول "أمري ريفر" فى كتابه "قصة الإسلام": فالوحدة التى احتفظ بها القرآن قرونا بين الشعوب الإسلامية المختلفة الأصول قد ذهبت وصار الشعب الإسلامى قوميات شتى، فدعاة الجامعة التركية يرمون إلى توحيد فروع معينة من الجنس التركى ودعاة الجامعة العربية يشيرون باتحاد الشعوب العربية، ويقول المسلمون فى الهند إننا هنود أولا ومسلمون بعد ذلك، وقد نسى الجميع الصبغة العالمية التى كانت أساس الدين الإسلامى العظيم. جاء مع الاستعمار إطلاق يد التبشير فى البلاد الإسلامية بوسائله المتعددة، من مدارس ومعاهد وجامعات وملاجئ ومستشفيات، وأفلام وصحافة وإذاعة ودور نشر وندوات ومؤتمرات وما شابه ذلك. ومما يدل على خطر هذه المدارس على استقلال الشعوب ما قررته اللجنة التى ألفها مؤتمر "ونبرج" التبشيرى، فقد جاء فى القرار ما يلى: اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى فى عاصمة تركيا على أن معاهد التعليم الثانوى التى أسسها الأوروبيون فى البلاد الإسلامية كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية، يرجح على تأثير العمل المشترك الذى قامت به دول

стр. 121

أورويا كلها كما نقله مسيو "لوشاتلييه" فى كتابه "الغارة على العالم الإسلامى" ص ٧٢ (١). كما يدل على خطر التبشير أيضًا على استقلال الشعوب قول بلفور صاحب الوعد المشئوم لليهود ضد العرب: إن المبشرين هم ساعد جميع الحكومات المستعمرة وعضدها فى كثير من الأمور الهامة، وكان بلفور نفسه رئيس شرف للجنة تبشيرية. يقول "كالهون سيمون" القس، مفصحا عن رغبة التبشير القوية فى تفريق المسلمين، "التى عبر عنها "لورانس براون" فيما تقدم: إن الوحدة الإسلامية تجمع أمال الشعوب السود، وتساعدهم على التخلص من السيطرة الأوروبية، ولذلك كان التبشير عاملا مهما فى كسر شوكة هذه الحركات، ذلك لأن التبشير يعمل على إظهار الأوروبيين في نور جديد جذاب، وعلى سلب الحركة الإسلامية من عنصر القوة والتمركز فيها "كتاب التبشير والاستعمار". إن المبشرين ينفسون عن الهزائم الصليبية التى منيت بها المسيحية كما يقول اليسوعيون: ألم نكن نحن ورثة الصليبيين، أو لم نرجع تحت راية الصليب

стр. 122

لنستأنف التسرب التبشيرى والتمدن المسيحى ولنعيد فى ظل العلم الفرنسى وباسم الكنيسة مملكة المسيح؟ (١) ومن أخطر المبشرين فى القرن العشرين دكتور "صمويل زويمر"، الذي توفى سنة ١٩٥٢. وكان لا يجادل المسلمين بالبرهان، بل يجئ لهم من الناحية العاطفية، كبيان أن تأخرهم أساسه الإسلام، وقد عقد مؤتمرًا فى القاهرة سنة ١٩٠٦ م لتنسيق جهود المبشرين على اختلاف طوائفهم، مع أنَّه بروستانتى، لكنه يحاول توحيد كل جهود المسيحية للغارة على الإسلام. كما لجأ الاستعمار إلى حيلة أخرى بجانب التبشير، وهى العمل على إضعاف الشخصية الإسلامية أو القضاء عليها وإذابتها في شخصيات أخرى، والحد من التعصب لها، ومن الحفاظ على مقدساتها، وفسح المجال للأديان الأخرى أن تشق طريقها إلى أذهان المسلمين وتتكيف بها أعصابهم وأحاسيسهم، وذلك عن طريق المؤتمرات والندوات واللجان والجمعيات والمراكز والمؤسسات التى ينشئونها بعناوين خداعة. وقد كثرت فى المجتمع الإسلامى الكتب المترجمة عن الفكر الأوربى والأدب الأمريكى، وفيها أمور فى غاية

стр. 123

الخطورة على العقيدة والسلوك، تعرض بوسائل مغرية جذابة، وسيجئ له نموذج بعد، وغزت الأفلام الأجنبية حقل السينما العربية والإسلامية وفيها سموم كثيرة. والمجتمع الإسلامى، وإن كان فى حاجة إلى خبرة الغرب، إلَّا أنَّه ليس فى حاجة إلى استيراد عقيدته وقواعد سلوكه وأخلاقه، التى تدل الأمارات على أنَّها ستؤدى إلى تدمير حضارته فى وقت قريب، إننا فى حاجة إلى مواد بناءة لا هدامة، والاختيار يحتاج إلى عقل واع وخبرة واسعة ونظرة بعيدة. إن جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية التى يعمل "هو بكنز" نائبا لرئيسها، عقدت مؤتمرات فى "بحمدون" بلبنان سنة ١٩٥٤ م، قاطعته شخصيات كثيرة من المسلمين وغيرهم معلنة بها ليست فى حاجة إليه، ففى الإسلام مثل عليا لا يدانيها ما يقرره المشرفون على المؤتمرات من المبشرين و "هو بكنز" هذا كان قسيسا ومنتسبا لطائفة "المتيودليت" وله نشاط سياسى لصالح أمريكا وبريطانيا. إن عناوين هذه المؤسسات وهذه المؤتمرات عناوين براقة خلابة وهى تعطى الفكرة السامة فى قالب حلو

стр. 124

سائغ، أو بين مذوقات شهية والناقد البصير يرى هدما للعقائد والأخلاق. والصهيونية العالمية هى التى تديرها وتقف من ورائها، ولها أصابعها وعيونها فى كل دولة وفى كل وسط، ويستطيع رجالها، بمالهم من خبرة وما مرنوا عليه من أساليب، أن يشكلوا أفكار الناس وأخلاقهم كما يريدون، والمجتمع الإسلامى لا بد أن يتنبه إلى هذه المخططات ويعد لها العدة حتَّى لا يفاجأ بها فينهار وتنهار معه القيم الإسلامية. المقاومة الفكرية والخلقية: ذكرنا فيما تقدم بعض مظاهر الحرب السياسية وتوابعها ضد الإسلام فى أصله وفى عالميته، وهى حرب عريقة فى القدم اتخذت أشكالا شتى، وفيما يلى بعض مظاهر لحرب أخرى اتخذت طابعا علميا خلقيا، وإن يخدم الحرب السياسية ويساعد على الاستعمار. إن حرب العقيدة والأخلاق قديمة أيضًا، بل هى أقدم من الحرب السياسية المسلحة، وقد تولى كبرها المسيحية واليهودية اللتان رأتا فى الدين الجديد قوة منافسة تزحمهما فى ميدان النفوذ.

стр. 125

كانت أساليب الأعداء فى هذه الحرب قيادة حملة افتراء وتكذيب لدعوة الإسلام ولشخص الرسول وأصحابه، واشتدت وطأة هذه الحرب عندما ضاع سلطان الأديان من هذه البقعة الواسعة التى كان يسيطر عليها الإسلام، وبلغت أشدها بعد الحروب الصليبية وبعد طرد المسلمين من أسبانيا، فقد تبين تماما للمنهزمين فى هذه الحروب أن سبب غلبة المسلمين عليهم هو إيمانهم وأخلاقهم التى تعلموها من كتاب الإسلام، وحرصوا على التمسك بها والتضحية من أجل الدفاع عنها. لهذا عمد الأعداء إلى كسر هذه الأسلحة المعنوية التى قاتل المسلمون بها أعداءهم وانتصروا عليهم، يقول: "أتين ذينيه" فى كتابه عن السيرة النبوية: ليت شعرى ما عسى أن يكون منشأ البغض الذى يضمره المسيحيون للإسلام، وهو مع عدم قابليته للتخيير، يقدم لهم كثيرا من الأدلة على احترامه لعيسى، هذا البغض استمر فى عصرنا هذا عصر التسامح الدينى، إن لم نقل عصر عدم المبالاة بالدين، ألكون نشأته آسيوية؟ ولكن، ألم تكن المسيحية آسيوية فى جوهرها قبل تخليصها من اليهودية بوساطة بولس الرسول؟ فقد قال عيسى نفسه. إنى لم أرسل إلَّا لنعاج بنى

стр. 126

إسرائيل الضالة "إنجيل متى ١٥". أم من شريعته؟ ولكن شريعة الإسلام تكاد تكون مطابقة لمذهب بعض أشياع المذهب البروتستانتى (هذا الإطلاق غير صحيح) أم من ذكرى الحروب الصليبية؟ نعم إن هذه الذكرى رغما من تقادم الزمن لا تزال تفعل فعلها المشئوم فى نفوس كثير من الجهلاء، ولكنها لا تكفى وحدها فى تعليل حكم الإعدام الذى قضى به على الإسلام في أوروبا، فلابد إذًا من تلمس سبب آخر. انتهى كلامه. يقول "دير منجم" فى كتابه "حياة محمد" (١): حينما اشتعلت الحرب بين الإسلام والمسيحية ودامت عدة قرون، اشتد النفور بين الفريقين، وأساء كل منهما فهم الآخر، ولكن يجب الاعتراف بأن إساءة الفهم كانت من جانب الغربيين أكبر مما كانت من جانب الشرقيين. وفى الواقع أنَّه على أثر تلك المعارك العنيفة التى أرهق بها الجدليون البيزنطيون الإسلام بمساوئ احتقارات دون أن يتعبوا أنفسهم فى دراسته، هب الكتاب والشعراء المرتزقة من الغربيين وأخذوا يهاجمون العرب، فلم تكن مهاجمتهم إياهم إلَّا تهما باطلة، بل متناقضة.

стр. 127

لقد كان من مفترياتهم ما جاء فى قصيدة "رولان" وهى أهم منتجات العصور الوسطى الغربية على الإطلاق، إن فرسان "شارلمان" قد أسقطوا الأصنام الإسلامية، وأن العرب يعبدون ثالوثا مؤلفا من: محمد، وأَبولون، وتيرفاجان. كما جاء فى رواية ألفت بعد انتهاء الحروب الصليبية: أن الإسلام يبيح زواج المرأة الواحدة من عدة رجال معا. وهذه المفتريات لم تروج فى العصور الوسطى فقط، بل فى عصر النهضة كذلك، بل التاث بها باساكال ومالبرانش فى القرن السابع عشر، ورينان فى القرن التاسع عشر، وكازانوفا ودير منجم فى القرن العشرين، لقد اتهم رينان فى كتابه "الإسلام والعلم"، الإسلام بتهم باطلة ردها عليه جمال الدين الأفغانى. وكما رأيت دور المبشرين فى حرب الإسلام نريك أن المستشرقين الذين عنوا بالدراسات الشرقية، وبالأخص منها الإسلامية والعربية حملوا سلاح الكذب والبهتان والتضليل والتشويه لمبادئ الإسلام وحقائقه، وعلى التاريخ الإسلامى أيضًا.

стр. 128

وكان أشد هؤلاء حربا للإسلام هم اليهود، الذين وجدناهم وراء كل حرب ضد الإسلام تقريبا، وقد تقدم لك ما كتبه "ساوندرز" فى مجلة التاريخ المعاصر عن دخول الإسلام فى فلسطين وأنه كان مصادفة، ولم يفكر نبى الإسلام في الدعوة إلى دينه خارج الجزيرة العربية. لقد قام الاستشراق أولا لغرض دينى، إذ حركت الحروب الصليبية في نفوس الأوروبيين الرغبة فى إعادة النظر فى شرح كتبهم الدينية وفهمها على أساس التطور الحديث، الذى تمخضت عنه حركة الإصلاح، "فاتجهوا إلى الدراسات العبرانية ثم العربية ثم الإسلام، وبمرور الزمن اتسع نطاق البحث فشمل الأديان واللغات والثقافات غير الإسلامية والعربية. كما أن المسيحيين رغبوا فى التبشير بدينهم بين المسلمين، فأقبلوا على الاستشراق ليتسنى لهم تجهيز الدعاة وإرسالهم إلى العالم الإسلامى، والتقت مصلحة المبشرين مع أهداف الاستعمار فمكن لهم واعتمد عليهم فى بسط نفوذه فى الشرق. كما كان للاستشراق أسباب أخرى تجارية أو دبلوماسية سياسية، ولكن يلاحظ أن اليهود قاموا

стр. 129

بالاستشراق لغرض كان دينيا أكثر منه شيئًا آخر، وهذا الغرض هو إضعاف الإسلام والتشكيك فيه بكل وسيلة ممكنة. وتركرت أهداف الاستشراق، مع تنوعها، أخيرا على خلق التخاذل الروحى، وإيجاد الشعور بالنقص في نفوس المسلمين، وحملهم من هذا الطَّرِيقِ على الخضوع للتوجيهات الغربية، ويحاول المستغلون منهم بالآداب أن يفضلوا أدب الغرب على آداب العرب والإسلام. ومن أخطر المجلات التى ينشر فيها المستشرقون أبحاثهم مجلة "العالم الإسلامى" التى أنشأها القس "صمويل زويمر" سنة ١٩١١ م وكانت تصدر من "هارتفورد" بأمريكا، وطابعها تبشيرى سافر، وللمستشرقين الفرنسيين مجلة بهذا الاسم أيضًا، وبهذا الروح وهذا الاتجاه. وأخطر ما قام به المستشرقون حتَّى الآن هو إصدار دائرة المعارف الإسلامية بعدة لغات، وهى مرجع لكثير من المسلمين فى دراساتهم، على ما فيها من خلط وزيف وتعصب سافر ضد الإسلام والمسلمين، والهيئات السياسية والدينية والاقتصادية تغدق على المستشرقين

стр. 130

الأموال الطائلة، وتحبس عليهم العطايا لتساعدهم على متابعة نشاطهم، التى يفيدون منها فى مجال عملهم. ومن أخطر هؤلاء المستشرقين على الإسلام الأب "لامانس" الذى ألف كتابا عن الإسلام، فيه أكاذيب ومفتريات كثيرة، وهو يعد عند المستشرقين حجة فيما يكتب عن الإسلام، ودوره فى هذه الحرب السلمية كدور "بطرس الناسك" فى الحروب الصليبية. يقول هذا الرجل مشككا فى شجاعة النبيّ وشجاعة العرب: زعموا أن العربى متسم بالشجاعة، بل لقد عللوا النجاح فى الفتوح الإسلامية الأولى بما امتاز به العربى من صفات ومزايا، ولكنى أتردد فى قبول هذا الرأى المبالغ فيه إلى حد كبير، إن شجاعة العرب إنما هى من نوع غير سام. . ولقد قال عنه "الفونس ايتين دينيه" الذى أسلم وسمى ناصر الدين. فلا مانس جرئ جرأة نادرة، وتتمثل هذه الجرأة فى أنَّه إذا لم يعثر خلال أبحاثه الطويلة على خبر واحد يؤكد به زعمه وهواه استغنى عن الخبر وثبت على مزاعمه الباطلة، التى يسوقها إلى القراء فى رشاقة بالغة، وأحيانا يقول: هذا أمر عنى رجال الحديث والخبر بكتمانه.

стр. 131

ومن وسائل العدو الحرب الدينية ضد الإسلام إيفاد الأساتذة للتدريس فى معاهد البلاد الإسلامية، وتيسير طلب العلم فى بلادهم للمسلمين وتخصيص منح سخية لذلك، والعمل على نشر الكتب والصحف والأفلام والروايات وكل أنواع الثقافة. وهذه الثقافة التى تحملها هذه الوسائل فى خلالها سموم ضد الأفكار وضد العقائد والأخلاق، وجدنا أثرها فى الناشئة من أبناء المسلمين وأساتذتهم الذين تربوا على هذه الموائد، ووجدنا حرية الفكر والبحث، والطعن والنقد، تنشر ويتسع مداهما، دون أن نجد لها حاجزا يصدها، أو مصباحا قويا يكشف ضلالها، من ثقافة دينية أصيلة واعية، ومعارف إسلامية واضحة، اللهم إلَّا شيئًا قليلا لا يغنى فى هذه الحرب الطاحنة التى يجب أن تحشد لها كل الأسلحة وأحدثها وأقواها. وكان لهذه الثقافات أثرها فى التحرر من القيود والخروج على التقاليد، وإهدار القيم والانحراف إلى المذاهب الهدامة والتشيع للآراء الضالة يقول "أمرسون"، فى كتابه الذى ترجم أخيرا بمشورة السفارة الأمريكية: من أراد أن يكون رجلًا ينبغى أن ينشق

стр. 132

على السائد المألوف، ومن أراد أن يجمع ثمر النخيل الخالد ينبغى ألا يعوقه ما يسميه الناس خيرا، بل يجب عليه أن يكتشف إن كان ذلك خيرا حقا. لا شئ فى النهاية مقدس سوى نزاهة عقلك. حرر نفسك لنفسك يؤيدك العالم، الخير والشر اسمان يمكن فى سهولة شديدة أن ينتقلا إلى هذا أو ذاك، والشيء الوحيد الصحيح هو ما يتبع تكوينى، والشئ الوحيد الخطأ هو ما يقاومه. "ص ١٣٢". ويقول في ص ١٥٤. إن من ينبذ الدوافع العامة الإنسانية، ويجرؤ على الثقة العامة فيما تمليه عليه نفسه لابد أن يتميز ببعض صفات الآلهة. وفى هذا الكلام الأمريكى دعوة إلى التحرير الفكرى المطلق وإيمان كل إنسان بما يمليه عليه عقله، فالحقيقة هى ما يراها هو لا ما يراها غيره، فذلك خطأ. وهذا مبدأ كان أحد مبادئ السوفسطائية القدامى المسمين "عندية"، لا تستقر به حقيقة عامة أبدا، وهو أضل الفوضي. فى الفكر والسلوك، وهل من مصلحة المسلمين أن يطلعوا على هذه الثقافة ليتخذوها هاديا لهم في حياتهم؟ .

стр. 133

يقول الأستاذ محمد محمد حسين معقبا على هذا: هذا الكاتب وأمثاله يعتمدون على أن الأذكياء سوف يجدون فى كلامهم ما يرضي غرورهم، أما الأغنياء فسوف يقفون أمامه مشدوهين كأنهم أمام معجزة، وأما الشباب فسوف يجدون فيما يتضمنه من الثورة التى تحطم ولا تبقى ولا تذر، مجالا للتنفيس عن نشاطهم ونزوعهم إلى إثبات وجودهم من كل وجه، وهذا الكاتب الصهيونى يتعقب شعائر الدين كلها بالتسفيه والسخرية اللاذعة فالتوبة والندم عنده شيء آخر، هو نوع من الصلاة الزائفة، ونقص فى الاعتماد على النفس وعجز فى الإرادة، والرحمة والعطف لا تقل عن الندم وضاعة "ص ١٥٧". كان أمثال هذه الثقافات من العوامل التى دفعت إلى الشك في الأديان، فألحد الكثيرون، ودفعت أيضًا إلى الطعن فى الإسلام من طرق شتى، فمرة. بأن القرآن من صنع محمد لم يوح به إليه، أو أنَّه أوحى بمعناه دون لفظه، ومرة بأنه لم يجمع كله بل ضاع بعضه، وبأنه محرف، لأن فيه مصاحف يوجد فيها ما لا يوجد فى الأخرى ومرة يقولون: إن السنة التى نسبت إلى النبي لا يصح الاعتماد عليها لعدم الثقة بطريقها، ويجرحون كثيرًا من الرواة ليضلوا بذلك إلى هدم الأساس الذى كان منه التشريع، وإذا انعدمت

стр. 134

الثقة فى الحديث الذى يوجهون إليه طعونهم، سقط حصن منيع من حصون الشريعة فيتجهون إلى الحصن الآخر وهو القرآن ليزعزعوا عقيدة المسلمين فيه فإذا خرجوا منه، وهو معتصمهم، كانوا كالغنم المحصنة فى حظيرتها ثم انطلقت فانتهشتها الذئاب لقمة سائغة. وكذلك يوجهون الطعون إلى الإسلام كنظام اجتماعى أو سياسى لا يصلح للتطبيق فى عصور المدنية والحضارة ويزعمون أنَّه هو سبب ضعف المسلمين وتأخرهم، محاولين إثبات ما يفترونه مع واقع المسلمين لا من نصوص الدين، ويحاولون أن يلصقوا بالإسلام ما يشوه جماله ويشوب صفاءه ونقاءه، حتَّى يبدو للناس مسخا لا يصلح للبقاء فى عصر العلم والتجربة. لقد نشرت صحيفة التايمس أخيرًا مقالًا تحت عنوان "الاستعمار والإسلام" ذكرت فيه تقدم الإسلام بسرعة فى أفريقيا، وأنه يثير القلق عند الأوربيين، ويخشون أن يخترق المناطق الاستوائية إلى الجنوب. كما ذكرت أن المفكرين الغربيين اختلفوا فى اتجاههم الفكرى نحو مستقبل الإسلام فى أفريقيا، فرأى بعضهم ضرورة الحد من تقدمه عن طريق نشر البدع والخرافات فيه، حتَّى يكون هذا بمثابة حائل يقف أمام ضغط الإسلام المتزايد.

стр. 135

ولعل هذا هو السر فى أن الاستعمار يحتضن رجال الطرق الصوفية فى أفريقيا، وكثير منهم لا يحسن فهم الإسلام ولا عرضه على الناس، ويساعدهم على نشر الأباطيل التى تعرض للناس عنى أنَّها هى الإسلام، فيأخذون صورة مشوهة عنه تنفرهم فيتملصون أو لا يدخلون فيه. وبعد فإن حملات التبشير وتضليل المستشرقين، والغزو الثقافى والخلقى ومؤتمرات الاستعمار، تهدف كلها إلى إضعاف شوكة المسلمين وتعمل جميعها فى إطار واحد هو محو الشخصية الإسلامية أو إضعاف أثرها، والحط من قيمة الإسلام والمسلمين فى المحيط العالمى. وهذه كلها تحد من التوسع الإسلامى إلى حد ما، ذلك التوسع العالمى الذى يهدد الاستعمار فى أفريقيا وآسياه. وقد أحكم الأعداء هذه المحاولات وسددوا بدقة تلك الضربات خصوصا فى القرون الأخيرة، وركزوا اهتمامهم على العرب فى وطنهم الواسع، وأقاموا حوله حصارا سياسيا واقتصاديا، موجهين إليه كل أسلحتهم، لعلمهم أن الإسلام، وهو دين أغلبيتهم، يقوى بالعرب أكثر مما يقوى بغيرهم، وأن اعتزاز العرب بعروبتهم وإسلامهم عميق جدًا، وبأن لغتهم هى الرابطة التى جمعت أكثر المسلمين حولهم.

стр. 136

وكانت الهجمات التى وجهت إلى مصر موجهة فى الحقيقة إلى الإسلام والعروبة، لأنهم يعتبرونها رأس المقاومة، والجزء العصبى من جسم الأمة الإسلامية، وقد بدأت الهجماته عليها بالاحتلال الفرنسى فى أواخر القرن التاسع عشر، ثم بالضغط على مصر لتكون فى جانب الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية، وأخيرا وضع الاستعمار شوكة فى قلب الوطن العربى هى "إسرائيل" لتظل عامل فتنة ومثار قلق وجسرا يعبر عليه المستعمرون إلى أية، بقعة فى الوطن العربي. ثم ظهر الحقد الكامن عندما قطعت مصر على الاستعمار طريقه الذى ظل يتحكم في مصاير العرب قرابة مائة سنة، وهو قناة السويس فكانت حملة سنة ١٩٥٦ على بورسعيد، وما زال الحقد يأكل قلوبهم إلى الآن، وقد تنفس عن هجوم إسرائيل وعلى الوطن العربى بمساعدة الاستعمار، وعرقلة كل الجهود لإحقاق حق العرب والتمكين للسلام فى العالم العربى، ولن يزول حقد الغرب علينا ما دامت فينا يقظة وقوة وفداء وتضحية وإيمان بالله عميق، والله يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. يقول "ولفرد كانتويل سميث"، فى كتابه "الإسلام فى التاريخ الحديث ص ١٠٣:

стр. 137

فالغربيون الداعون للدنيوية يودون أن يروا المسلمين مرتدين عن دينهم، وإن لم يمكن ذلك فهم يودون أن يروهم بعيدين عنه طارحين له فى زاوية من حياتهم لا يقربونها، وأن يبنوا مجتمعاتهم كما يبنيها المتحررون، ولكن ليس ثمة احتمال لأن يتنازل العالم الإسلامى عن صفته الأساسية، وإلا كان ذلك كارثة له وللدنيا بأسرها. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (١). ولم هذا العداء والمتربص ونحن ندين بالإسلام والسلام ونحترم جميع الأنبياء؟ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢).

стр. 138

جبهات الدفاع عن عالمية الإسلام لقد وجد فى العالم الإسلامى على مر التاريخ رجال تنبهوا إلى مؤامرات العدو فى الحقول السياسية والثقافية والاجتماعية والخلقية وقد تولت الحكومات الإسلامية أمر الصراع فى الميدان السياسي وكان على الشعب أكبر الأعباء فى الدفاع عن الدين فى الميادين الأخرى إلى جانب دفاعهم السياسي بالجهاد. ألفت الكتب فى الرد على الشبهات فى العقائد، وتخليصها من أوشاب الفلسفة والخرافات الطارئة على الثقافة الإسلامية، وفى تخليص العبادات وأحكام الدين مما دخل عليها من بدع ومنكرات. وعقدت المناظرات، وأرسلت الكتب إلى الخصوم، وكانت حركة علمية قوية برز فيها الغزالى فى الرد على ما دخل فى العقائد من فلسفة، وفى الدعوة إلى تنقية الدين من الأفكار الخاطئة، وتقويم السلوك على أساس الشريعة الإسلامية، وكان كتابه "إحياء علوم الدين" صاحب دور كبير فى هذا المجال. وكتب ابن تيمية وابن القيم فى الرد على شبهات أهل الكتاب وفى توضيح مبادئ الدين على أساس

стр. 139

معقول، ونعيا على ما ألصق بالدين فى عقائده وعباداته من بدع وخرافات، ورأيا أن المسلمين بعيدون عن الدين الحقيقى الذى لو عرفوه حقًا، ونفذوه صدقا لما كانوا فى وضعهم المؤلم الذى جعل الأجانب يغيرون عليهم من الشرق والغرب ويتحكمون فى مصير الخلافة. وجاء محمد بنُ عبدِ الوهاب فكانت دعوته امتدادًا لدعوتهما، وكانت من أقوى الحركات التى عرفت فى القرون الأخيرة، وأبقاها أثرا فى الميدان السياسى والفكرى. كما ظهر فى الهند "شاه ولى الله" الذى عاصر انحلال (امبراطورية المغول) ودعا إلى تطهير الصوفية مما شابها، وقد أصر على أن المسلم الحق يجب عليه ألا يقبل الانحطاط الذى كان سائدا فى عصره وكان يطمع فى إنشاء دولة اسلامية فى الهند على شاكلة دولة المغول ليستعيد المجتمع الإسلامى قوته. وقد ظهر فى القرن التاسع عشر اتجاهان للإصلاح، أحدهما للإصلاح الداخلى والآخر للإصلاح الخارجى ولمع فى سماء الإصلاح أسماء جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده والكواكبى ومحمد إقبال وأحمد خان. وكان جمال الدين (١٨٣٩ - ١٨٩٧) يمثل المسلم العصرى فى إلمامه بحقائق الدين وبالآراء الحديثة

стр. 140

وربطه بينهما، وكان نشاطه يتجه الاتجاهين معا، وآزر الحركات السياسية فى مصر وإيران وغيرهما، وكان يرى أن الغرب خطير على الإسلام والمسلمين، ولكن لا يفوته الإعجاب بتقدمهم العلمى الذى يجب أن يحتذى، وكان يذكر المسلمين بأنهم وحدهم المسئولون عن مستقبل الإسلام، فكان يخلق فيهم الشعور بالمسئولية، ويحملهم على العمل المتواصل، وبين فى كتابه "الرد على الدهريين" الأمور التى تتم بها سعادة الأمم وهى صفاء العقول من الخرافات، ثم الطموح وعلو الهمة وتعشق الحرية والعزة والكرامة ثم بناء العقيدة على الأدلة الصحيحة والبراهين القوية. وكان هو الداعية القوى للجامعة الإسلامية للوقوف أمام الغرب المستعمر، وقد لخص "ستودارد" فى كتابه "حاضر العالم الإسلامى" تعاليمه بالنسبة للسياسة الخارجية فيما يلى: ١ - الدول النصرانية على اختلافها تكيد للإسلام. ٣ - الروح الصليبية كامنة فى نفوسهم ضد الإسلام، فهم لا يعاملونهم أمام القانون معاملتهم لأنفسهم.

стр. 141

٣ - يتذرع الغربيون لاحتلال الشرق بأنهم همج لا يستطيعون إصلاح أنفسهم. ٤ - كل هذا يدعو إلى اتحاد كلمة المسلمين لرفع نير الذل تفهم أسباب رقى الغرب. ومحمد عبده المتوفى سنة ١٩٠٥ تتلمذ على أفكار جمال الدين، وأيقن أنَّه لا أمل فى إصلاح المسلمين وتقوية شوكتهم بالوسائل السياسية وذلك لفساد الجو السياسى من حوله فآمن برسالة العلم الدينى، وصرف همه لتحرير الفكر، وتفسير مسائل الدين تفسيرا يطابق العلم الحديث. وتعاون هو وجمال الدين على رد الشبهات ضد الدين، وعنى هو وزميله "ميرزا محمد باقر" بالتبشير الإسلامى، وكان له حوار مع القس "تيلر" وكذلك كان الكواكبى ينعى على الاستبداد ويدعو إلى الحرية وتغيير الأوضاع الفاسدة بكل الوسائل المشروعة. أمثال هؤلاء الدعاة والمصلحين كان لهم أثر فى إيقاظ الشعور بالواجب نحو الوطن الإسلامى الذى اختل توازنه الاجتماعى وتحللت عراه الخلقية وضاع كيانه السياسي، ولهذا ألفت جمعيات كثيرة للإصلاح، منها

стр. 142

ما هو سياسى تمثل فى الأحزاب، ومنها ما هو ديني وكان الذين تجمعهم فكرة سياسية لا يهتمون بالدين كمبدأ يقوم عليه الإصلاح، وهذا بالطبع أثر من آثار الاستعمار وتشبع العقول بآرائه وسمومه. ومن كانت تربطهم فكرة دينية كان بعضهم لا يعنى بغير الناحية الدينية البحت القائمة على العقيدة والعبادة، ولا يهم من أمر المسلمين سياسيا واجتماعيا شئ، وهى أشبه بمدارس خاصة تقوم على فكرة معينة، وقد راقب المستعمر نشاط هذه الجمعيات وخشى منها محاولة مزج الدين بالسياسة والخروج بالإسلام عن دائرة العبادة إلى النشاط السياسي والاجتماعى كما كان شأنه فى عصوره الزاهية الأولى. ولا يجوز أن ننسى أبدا فى مجال الإصلاح، الجامع الأزهر الشريف، الذي خرج القادة والأبطال، ووجه الحركة الفكرية فى العالم الإسلامى زمنا طويلا، واشترك رجاله عمليًا فى الإصلاح الاجتماعى والسياسى والنهوض بالوطن ومقاومة المستعمر والجهر برأى الشعب عند الحاكم والولاة. يقول السيد رئيس الجمهورية العربية المتحدة فى الحفل الذى أقامه الأزهر سنة ١٩٥٦ م ابتهاجًا باتفاقية الجلاء وتكريما لرجال الثورة ما نصه:

стр. 143

"وفى هذه المناسبة العظيمة لا يسعنى إلَّا أن أذكر لهذا الأزهر جهاده على مر السنين، فقد حمل الأزهر دائما الرسالة، ولم يتخل مطلقًا عن الأمانة وكافح كفاحا مريرا فى سبيل الحصول على أهداف الوطن، وقاسى رجاله وعذبوا، وقتلوا وشردوا، واقتحم المحتلون الأزهر، فلم يتوان عن المطالبة بحقوق الوطن. واستمر الأزهر يحمل الرسالة حتَّى سلمها للجيش وإلى عرابى. الذى قام متسلحا بروح الأزهر المعنوية، إلى جانب القوات المادية، يطالب بحقوق البلاد وعندما وطئت أقدام المستعمر أرض مصر حاول بكل قواته أن يقضى على رسالة الأزهر، كما حاول القضاء على الجيش وقوته، ورسالته، ورغم هذا استمر الأزهر على مر السنين يكافح". هذا ويجب أن نلاحظ أن الأزهر الشريف كان وما يزال يمثل الجامعة الإسلامية فى معناها الحقيقى ويبرهن عقليا على أن الإسلام دين عالمى، لأنه يضم من رواد الإصلاح وأساتذة التوجيه فى العالم الإسلامى ما يمثل أكثر من خمسين جنسية فى آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهم يكونون فى ساحة الأزهر وفى معاهده وكلياته هيئة أمم إسلامية، تدل بهذا أن المظهر العملى

стр. 144

على عالمية الدين الإسلامى الذى انضوى تحت لوائه الملايين من الأجناس المختلفة، والذين رأينا من بعضهم تحمسا وغيرة على الدين وشدة تمسك به قد تفوق غيره ممن انبعث نور الإسلام من بينهم. وصاح أول صيحة فى بيئتهم. إن أروقة الأزهر خلية نحل تموج بهذه الروح الإسلامية التى تنتج نغمة متناسقة من بين قلوب هذه الآلاف الذين تختلف ألوانهم ولغاتهم وأجناسهم، ولكن لا تختلف أبدا فيهم الروح الإسلامية الجامعة، وهذا من أكبر المظاهر الدالة على عالمية الإسلام، يصح أن يكون لوحة فنية تاريخية تعرض في معارض القرن العشرين دليلا عمليا على هذه الحقيقة. وإلى جانب هؤلاء المندوبين عن الجنسيات والبيئات والدول المختلفة الذين يعودون إلى بلادهم مصابيح هداية ورسل إصلاح مثلهم فى ذلك مثل الذين يحجون إلى الكعبة من أقطار العالم يتزودون عندهما خير زاد ويعودون بقلوب كلها عزم على استئناف الجهاد فى الحياة على منهج سليم -إلى جانب هؤلاء نرى المسلمين فى أقاصى البلاد ينظرون إلى الأزهر طالبين

стр. 145

بإلحاح أن يمدهم بالكتب والدعاة دليلا على أنَّه ربط بين الخمسمائة مليون فى زوايا الأرض الأربعة برباط العلم إلى جانب رباط الدين. إن فترة الضعف السياسى والدينى التى مرت بالمسلمين أخيرا ومكنت للعدو منهم هى فترة مؤقتة ليست ضربة لازب، والإسلام ما يزال عالميا فى مبادئه وأصوله، وإن لم يصلح المسلمون فى فترة الضعف أن يكونوا عنوانا له، ومع ذلك فإن الدول الإسلامية فى السنوات القريبة وقد آلمها هذا الكبت الاستعمارى والغزو الفكرى -قامت بانتفاضات قوية ثائرة على، الأوضاع السياسية والاجتماعية الفاسدة، ونال أكثرها استقلالها وبدأ يخطو الخطوات الأولى فى سبيل الإصلاح، إلَّا أن التيارات المتضاربة من حولها بعنف وقوة تحاول أن تؤثر على اتجاهات هذه الانتفاضات. غير أن النزعة الاستقلالية وجهت كثيرا من هذه الدول لتكون سياسة إصلاحها نابعة من بيئتها وواقع تاريخها ومواريثها الأصيلة، ومن إيمانها برسالتها فى الحياة فى الوقت الذى لا تستطيع أن تعيش فيه منعزلة عن العالم الذى اتصلت أسبابه وتداخلت مصالحه.
следующие страницы →